← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1567

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت عبد الواحد

الشوكاني

Полный текст (267 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة الْمُعتني عفا اللَّهُ عنه الحمدُ للَّهِ الذي خَلق علماءَ الحقِّ منارًا للمهتدين، ومَنحهم أسمى المواهبِ حُجةً على العالمين، وأَمر باتِّباعهم على مدارِ الأيام والسِّنين، فدلُّوا الراغبين على شِرعةِ الهدى ومَسلكِ الحقِّ المبين، وكشفُوا لهم سبلَ السلام أداءً لأمانة العلم المتين، وحذَّروهم من سُبل الغواية تعظيمًا لربِّ العالمين، فجزاهم اللَّهُ أوفرَ الجزاءِ وبلَّغهم مُناهم بجوارِ حبيب المؤمنين. وأشهدُ ألا إله إلا اللَّهُ فاطرُ السماوات والأرَضين، المستحِقُّ للعبادة وحده دون من سواه عبرَ العصورِ والسِّنين، شهادةً أبتغي بها رضوانَه في دنياي ويومَ الحشر المبين. وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه المبعوثُ رحمةً للعالمين، مَنْ أشرقت برسالته قلوبُ وعقولُ المفلحين، وعمَّت بركاتُه حياةَ الخَلْق أجمعين. ﷺ وعلى آلِهِ صلاةً وسلامًا دائبينِ كاملينِ، وعلى سائر الصَّحْبِ والتابعين. أما بعد: فإنَّ منزلةَ العلم والعلماء لا تخفى على طالبي الآخرة، ويكفينا هنا أن نقول: إن الخَلْق بغير العلم والعلماء حالُهم كحالِ الليل بلا نجوم؛ حياتُهم مظلمة،

стр. 2

وقلوبُهم قاتِمة، وعقولُهم معتِمة! كيف لا؛ والعلمُ هو النورُ والضياءُ والهدى والبهاء؛ مَنْ خالف طريقه ضلَّ، ومن أهمله واتبع هواه فسَيْرُه مُختَل. وبالرغم من المنزلةِ الساميةِ للعلم وأهلِه، والتي تحفِّزُ أصحاب الهِمَم العليَّة والنفوسِ الزكيةِ للسعي في طلبه ونشره؛ إلَّا أن الحكيم الخبير ﷻ قضى في هذه الحياة أن تعترضَ طريقَ العلم آفاتٌ مُهلكات، وهذه الآفات قسمان: ١ - منها ما يعودُ أثره غالبًا على الطالب فقط؛ كالكِبر والرياءِ وغير هذا من مُهلكات القلوب. ٢ - ومنها ما يعودُ عليه وعلى كلِّ مَنْ حوله بآثارٍ مقيتة، وعواقبَ مؤلمة، ومِن أشد هذه الآفات: «غيابُ الإنصافِ والتعصُّبُ للآراء والأشخاص». وبالرغم من فداحة القسم الأول في حياةِ الطالب نسأله تعالى السلامة والعافية؛ إلا أن القسمَ الثاني أثرُه أفدح، وعاقبتُه أسوأ؛ ذلك أن ضررَه يعمُّ ما لا يُحصَوْن من الطلبة الذين يُفترض فيهم أن يكونوا ورثةَ الأنبياء وقادةَ الأمة إلى طريق النور. ومعلومٌ لدى العقلاء أن القادةَ لو انحرفوا في مسالكِهم، وتخبَّطوا في مناهجهم؛ لتَبِعَ ذلك انحرافٌ كبير وشرٌّ مستطيرٌ لدى عامة الناس؛ فإن سُنة اللَّهِ تعالى جرت بأن التابعين يُهرعون دومًا على آثار المتبوعين، فالذي يراهُ العامةُ من كبرائِهم يظنُّون بلا تردد أنه خيرٌ وهُدًى وصواب، فإن كان خيرًا بالفعل كانت العاقبةُ محمودةً على الجميع، وإن كان العكس فالعاقبةُ ستكون منكرةً على الكافة كما هو واقع الحياةِ وسنَّتُها الدائمة. ومِن هنا كان لابد لكبراءِ الأمةِ وقادةِ الخير وعلى رأسهم العلماء وطلبة العلم أن يصحِّحوا مسارهم دومًا، ويعدِّلوا من أحوالِهم، ولا يفتُروا في أيِّ

стр. 3

ساعةٍ من ليلٍ أو نهار عن النظر في سلوكِهم وسيرتِهم؛ فإن العبدَ لن يزال يتعلمُ ويعلِّمُ ما دامت فيه رُوحٌ تتردد. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يعالجُ أمراضًا خطيرةً على حياةِ قدوات الأمة منَ العلماء وطلبة العلم؛ وعلى رأسها مرضُ التعصُّبِ المَقيتِ للآراء والأشخاص. ولقد وعى إمامُنا الشوكاني ﵀ وكذلك كلُّ عالِمٍ محقِّق أن هذه الأمراضَ من أعظم ما يفسدُ البلاد بأسرها؛ ومشكلتُها الكبرى أنها إذا غزت القلوبَ والعقولَ فإن أصحابَها يرَوْن كلَّ ما يفعلونه بعين الصواب الذي لا غبشَ فيه ولا خطأَ، ومِن ثَمَّ يجاهدون بكلِّ قُواهم على نشر ما قنِعوا به بين الخلائق، وسوفُ تكون النتيجةُ الحتميةُ انعدامَ الرؤية الصحيحة، واضطرابَ السلوك، وتخبُّطَ المسار، ووقوعَ الفتن بين أبناء الدين الواحد. ولذلك رأى المصنِّف ﵀ أن من واجب العلم عليه كعالِم له مكانتُه بين أبناءِ بلده وأمَّته أن يُنذِرَ ويحذِّرَ من تلك المخاطر حتى يسيرَ طالبُ العلمِ في طريقه على نور، ويؤهَّل لقيادة الناس إلى خيرِ سبيل. • إطلالةٌ على الكتاب: لقد بدأ المصنفُ ﵀ كتابَه القيِّم ببيانِ الأصول الحتميةِ لكل طالب علمٍ يريدُ اللَّهَ تعالى والدارَ الآخرة؛ فكَشف عن المنطلَقاتِ التي ينبغي أن يضعَها الطالبُ في اعتبارِه قبلَ الإقدام على طريق الطلب؛ مبيِّنًا أن هذه الأصولَ لو ضاعت لضاع معها الطالب حتى لو حصَّل ظاهريًّا بعض العلوم. وقد تقرَّر عند أهل العلم «أنَّ مَنْ حُرم الأصول حُرم الوصول»، وكلُّ

стр. 4

ما بُني على غير أساس فهو عرضةٌ للانهيار في أيِّ لحظة، ومن ثَمَّ كان أول ما أوصى به ﵀ إخوانَه أن يصحِّحوا النية لرب العالمين ، ويكون مُبتغاهم وغايةُ مناهم نيلَ رضوانه ونشرَ الخير بين عباده. ثم عرَّج ﵀ بعد ذلك على أمرٍ لا يقلُّ أهميةً، وهو بيانُ أن الغاية من العلم هو العملُ به؛ فليس العلمُ هدفًا في حدِّ ذاتِه، وإنما هو وسيلةٌ لمَا هو أسمى وأعلى وأجلُّ، وهو رضوانُ اللَّهِ تعالى والفوزُ بالدرجات العُلا، وهذا يقتضي من طالبِ العلم بذلَ الجهد في العمل بِهذا العلم الشريف، مع القيام بتبليغهِ لعباده، وبِهذا يتمُّ الإخلاص وتُنال سعادةُ الدارين. وإذا تمَّ الإخلاصُ للَّهِ تعالى حقًّا فسوف يدرك طالبُ العلم قاعدةً أصيلةً في رحلته مع العلم، وهو أنه لا يدعُو لنفسه، ولا لأشياخِه وأشياعِه؛ وإنما هو قيامٌ بالعبودية للَّهِ رب العالمين ﷻ ؛ وهذا معناه أن العلمَ الشرعيَّ لا مدخلَ للعصبيةِ الهوجاء فيه، ولا يتعلقُ بأهواء النفوس بحالٍ من الأحوال؛ بل لابد في طريق الطلب من الإنصاف والتجرد واتباع الحق أينما كان، أمَّا عند انقلاب الموازين واختلاطِ المفاهيم، فسوف يَنسى طالبُ العلم لماذا يتعلم، وما الذي ينبغي عليه أن يفعلَه في هذا الطريق الشريف (١). وهذا أدَّى بالمصنِّفِ ﵀ إلى أن يَشْرعَ في بيان أسباب ضياع الإنصاف والتعلُّقِ بأذيال التعصُّبِ للآراء والأشخاص؛ فسَرَد ما يقاربُ اثني عشَرَ سببًا حولَ هذه الفتنةِ المؤلمةِ التي أوقعت المشاحناتِ والمصادمات بين الناس، _________ (١) ولا أنسى أن أوصي إخواني أن يداوموا على مطالعة كتاب «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، للحافظ الخطيب البغدادي ﵀، وقد قمت بخدمته بفضل ربي فحذفت أسانيده ومكرراتِه وبيَّنت معانيَه، وخرجت أحاديثه، وعلَّقت عليه بما تيسر، وقد صدر عن دار ابن الجوزي العامرة، وللَّهِ تعالى الحمد والمنَّة.

стр. 5

وجلبت عليهم عقوباتٍ وسوءاتٍ كثيرة؛ لمَّا انحرفت طائفةٌ منهم عن هدى اللَّهِ ورسوله ﷺ ، وهذا مصداقٌ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا (١) حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة]. _________ (١) النسيان هنا معناه: تعمُّد تَركِ العمل بأوامر اللَّهِ ﵎، وهذا هو الغالبُ في استعمالِ لفظ «النسيان» في القرآن العظيم، وليس المرادُ النسيانَ المعذورَ صاحبُه والذي معناه: غيابُ الإدراك عن العبد رغمًا عنه، وهذا ما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٤٩: ٣٥٣)، و (١٧/ ١٨٧)، وبِهذا يزول الكثيرُ من الإشكال حول معنى النسيان في عددٍ من الآيات؛ ولا سيَّما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه]، لأن من حَمَل «النسيان» على معناه المعهود وهو غيابُ الإدراك رغمًا عن الإنسان، استشكل الآية، وقال: كيف يعاقبُ اللَّهُ تعالى وهو أعدلُ العادلين آدم ﵇ ويخرجُه من الجنة على الأكل من الشجرةِ ناسيًا والنسيانُ أمرٌ لا إرادي؟! لكن لمَّا يُفهم معنى «النسيان» في الشرع واللغة يزولُ الإشكال بحمد اللَّهِ تعالى ومنَّته، ومثل هذا أيضًا الآية المذكورة أعلاه عن النصارى، وكذا قوله ﵎: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان]، وغير هذا من الآيات الكريمات، مع التنبيه على أن نسيان اللَّهِ تعالى للمجرمين معناه: تركهم في العذاب ومعاملتهم معاملة الناسي الذي لا يهتم بمن ينساه، واللَّهُ تعالى أعلى وأعلم.

стр. 6

فاللَّهُ سبحانه يخبرنا أن مِنْ أعظم أسباب وقوع الفتَن والمشاحنات بين النصارى أنهم لم يقفوا عند حدودِ ربِّهم ، وتَركوا العمل ببعض ما أُمروا به؛ فعاقبهم ﷻ بنزع الوئام والمحبةِ والترابط بينهم، وفي هذا تحذيرٌ للأمة المسلمةِ أن تسلك مسلكَ أولئك الضالين. ثم بعدَ بيانِ أسباب تركِ الإنصاف والتعصُّب للمذاهب والأشخاص والتي ينبغي لمن عرفَها أن يطردَها من حياتِه شرَّ طردة عرَّج المصنف ﵀ إلى ما ينبغي على حَمَلةِ العلم أن يهتمُّوا به من أنواع العلوم، ولعلمِه أن الناسَ يتفاوتون في درجاتِهم وأهدافهم، فقد قسَّمهم إلى طبقات أربعة: الأولى: الراغبون في الوصول لمرتبةِ الإمامة في الدين، ليكونوا مرجعًا للناس في الإفتاء والقضاء وغير ذلك. الثانية: الراغبون في طلب العلم لينتفعُوا به فقط، دون أن ينفعوا الخلق. الثالثة: الراغبون في طلب العلم لتقويمِ لسانِهم وأفهامِهم فحسب. الرابعة: الراغبون في العلوم لأغراض دنيوية. وقد أوصى ﵀ كلَّ طبقةٍ من هذه الطبقات بطائفةٍ من الكتب العلمية والمراجع القيِّمة التي يحسُن بهم أن يدرُسُوها ويعضُّوا عليها بالنواجذ. وبالنسبةِ لمَا ذكره المصنف ﵀ من الكتب التي استحبَّها لتلك الطبقات، فلا شك أنها تختلفُ من عصرٍ إلى عصر، ومن مكانٍ إلى مكان، فليست كتبًا ملزمةً لجميع الطلبة على مدار العصور؛ ولكنه ضرب أمثلةً لمَا عرفه واستحبه للطالبين، ولا ريب أنه كلَّما كانت العلومُ المقدَّمةُ للطلبة من كتبٍ سهلةِ المأخذ قريبةِ التناول مسايرةٍ للغة العصر؛ فإن هذا مما ينتفع به الطلبة وينفعون به غيرهم.

стр. 7

وبعد الانتهاء من هذا الفصل أشار ﵀ إلى أهم الأسباب الماحقة لبركة العلم والانتفاع به، وقد رأى ﵀ أن أهمَّها سببان: الأول: انتشارُ المذاهب والأقوال التي لا تعتمدُ على دليلٍ شرعي، بل قد تخالفُ الأدلةَ الشرعية تمامًا؛ أو تتعلق منها بطرفٍ ضعيف. الثاني: تقديس الأموات واعتقاد العصمة بهم. هذه هي الخطوطُ العامةُ لهذا الكتاب النفيس، وقد تضمَّنَتْ في ثناياها من المباحث والتنبيهات والفوائد النفيسة ما هو جديرٌ بالمدارسة والتأمُّل. ولكن هناك أمرٌ عام يلحظُه المتعايشُ مع الكتاب في جَميع أبحاثه، وهو تلك المرارةُ والألم الذي يعتصرُ المصنِّفَ ﵀ من جرَّاء فسادِ الأحوال وانقلاب الموازين التي لاحظَها في بلاده وغيرها، وهكذا ينبغي أن يكون العالِمُ المخلص لدينه وأمَّته؛ لابد أن يُحزنَه الواقعُ المُر، ويؤلِمَه التفلُّتُ من أوامر الشريعة المطهرة، وفشوُّ الفتن بين أتباع خير أمةٍ أخرجت للناس، وهذا مِنْ دلائل الصدق والإخلاص كما هو الظنُّ بالإمام ﵀؛ نحسبه كذلك ولا نزكِّيه على العليم بالخبايا ﷻ . ولذلك أحسَبُ واللَّهُ أعلى وأعلم أن هذا الكتابَ لقي من القبول والمحبةِ لدى أهل العلم ما لم يَلقَه كثيرٌ من الكتب الأخرى، ويكفيك أنك تشعُرُ فيه بالحياة والنبض وكأنك تسمعُه من كاتبه الجليل جزاهُ اللَّهُ عن أمته خيرَ الجزاء وأوفاه. • عملي في الكتاب: يتلخَّصُ عملي المتواضعُ في هذا الكتابِ النفيس في النقاط التالية: ١ - قراءةُ الكتاب غيرَ مرةٍ قراءةً متأنيةً؛ لمعرفةِ الخطوطِ الرئيسة التي

стр. 8

يدورُ عليها موضوعه، والتي أوضحتُها قريبًا. ٢ - ضبطتُ النصَّ بالشكل ضبطًا معتدلًا؛ ليعينَ القارئَ الكريمَ على الاسترسال فيه دون التعثُّر في فهم كلمةٍ قد يختلفُ ضبطها لو أُهملت. ٣ - بيانُ المعاني الغامضة للمفرداتِ والجُمل؛ توفيرًا لوقت القارئ الفاضل عن الرجوع للمعاجم. ٤ - التعليقُ على أهمِّ المواضع التي احتاجتْ إلى ذلك؛ وقد حاولت أن تكونَ تعليقاتي مفيدةً ومختلفةً عن التعليقات التي وردت في المطبوعات الأخرى التي وقفتُ عليها، وكلُّ ذلك من منَّةِ الكريم المنَّان. ٥ - خرَّجتُ الأحاديثَ النبويةَ تخريجًا وَسَطًا؛ مع الاهتمام الشديد بذكر درجةِ الحديث؛ تبعًا لما نصَّ عليه أئمةُ هذا العلم الشريف قديمًا وحديثًا. ٦ - صنعتُ فهارس يسيرةً يحتاجُ إليها القارئ الكريم في الكشف عن فوائد هذا الكتاب القيم، وتركتُ الفهارس التي لم أجِدْ كبيرَ نفعٍ في إثباتِها، كفهارس الآيات والأعلام والأماكن ونحو ذلك. ٧ - اهتممتُ بشدةٍ بالتدقيق في ألفاظِ الكتاب وتصفيتِه من التحريفات والتصحيفات قدْرَ طاقتي، ولا أنكرُ أني استفدتُ قليلًا من المطبوعات السابقة في هذا، وقد كنت في بداية العمل تتبَّعتُ الأخطاءَ والتحريفات الظاهرة التي وجدتُها في تلك المطبوعات، وأثبتُّها في الحواشي، ثم بدا لي ألَّا أستمرَّ في هذا، وأنه أفضلُ لي على الأقل أن أهتمَّ بعملي فحسب (١). _________ (١) لا أغمزُ بِهذا المحقِّقينَ الأفاضلَ وخادمي كُتب الشرع المطهَّرِ الذين يتتبعون أخطاء مَنْ سبقهم ويُثبتونها في مقدماتِ تحقيقاتِهم أو حواشيهم؛ فلكلٍّ مَشْرَبٌ ووجهةٌ، والظن بأولئك الأفاضل أنهم أرادوا النصحَ للقرَّاءِ، وبيانَ الحق بإظهار ما في أعمالِ السابقين من نقصٍ حتى لا يَغترَّ بها مغترٌّ، ولا يجوزُ بل لا يحلُّ لأحدٍ كائنًا من كان أن يطعن في نواياهم، أو يتَّهمهم بأنهم أرادوا التشهيرَ والفضح لأعمال سابقيهم، فاللَّهُ وحده هو صاحبُ الحق في مثل هذا الحكم، ونسأله تعالى القبول من الجميع.

стр. 9

٨ - قسَّمتُ الكتاب إلى فصولٍ خمسةٍ تقرِّبُ أبحاثَه لإخواني. ٩ - وضعتُ عناوين جانبيةً تنبئُ عمَّا تحتها من مضامين. ١٠ - أحيانًا قليلًة أضع كلمةً بين معقوفتين [] أُتمِّمُ بها معنى الجملة. ١١ - وضعتُ ترجمةً مختصرةً للإمام الشوكاني ﵀. ١٢ - كتبتُ مقدمةً قصيرةً بينتُ فيها مضمونَ هذا الكتاب القيِّم وعملي فيه، وهو ما مرَّ في الصفحات السالفة. فأرجو بذلك أن أكون قدَّمتُ جديدًا مفيدًا في هذه الطبعةِ لأخواني وسادتي الأحباب من أهل العلم، وصدري منشرحٌ لكل نقدٍ بنَّاء حولَ أي خللٍ أو سَهوٍ نَدَّ منِّي أثناء العمل، فلا زال المؤمنون يتناصحون، وطوبى لمن نَصح بإخلاص، وكذا لمن قَبل النصح ولم يركب رأسَه عند التحقق من الخطأ في عمله؛ فإننا جميعًا عرضةٌ للنقص، ولا أظنُّ عاقلًا يدَّعي لنفسه العصمةَ والكمال، واللَّهُ المستعان. وختامًا فأسأله ﵎ أن يتقبَّل منِّي هذا العملَ القليل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفرَ لي به زلَّاتي وبلاياي، إنه أرحم بي من العالمين. وصلَّى اللَّهُ وسلم وبارك على الحبيب محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. وآخر دعوانا أن الحمد للَّهِ رب العالمين.

стр. 10

وكتبه أفقر العباد أبو شُعيب طارق بن عبد الواحد بن علي عفا اللَّهُ عنه بمنِّه وإحسانه عنوان البريد:[Abushoaib34@Yahoo.com] * * *

стр. 11

ترجمةٌ موجزةٌ للمؤلِّف ﵀ - الإمامُ العلَّامة الرباني، والسهيلُ الطالع من القُطر اليماني، إمامُ الأئمة، ومفتي الأمة، بحر العلوم، وشمس الفهوم، سندُ المجتهدين الحُفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريدُ العصر، نادرُ الدهر، شيخُ الإسلام، قدوةُ الأنام، علامة الزمان، ترجُمان الحديث والقرآن، علمُ الزهَّاد، أوحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، آخِرُ المجتهدين (١)، رأسُ الموحِّدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يُسبق إلى مثلها، قاضي الجماعة، شيخُ الرواية والسماعة، عالي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهادِ على الأكابر الأمجاد، المطَّلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها. قال القاضي العلَّامة عبد الرَّحْمن بن أحمد البهكلي في كتابه: «نفح العود في أيام الشريف حَمود»: كان مولد شيخنا الشوكاني يوم الإثنين الثامن والعشرين من ذي قعدة الحرام، سنة اثنتين وسبعين بعد مئةٍ وألف كما أخبرني بذلك في بلده «هجرة شوكان»، ونشأ على العفاف، والطهارة، وما زال يجمع النشأ، ويحرز المكرمات، له قراءة على والده، ولازم إمام الفروع في زمانه القاضي أحمد بن محمد الحرازي، وانتفع به في الفقه. وأخذ النحو والصرف عن السيد العلامة: إسماعيل بن حسن، والعلامة: عبد اللَّه بن إسماعيل النهمي، والعلامة: القاسم بن محمد الخَوْلاني؛ وأخذ علم البيان والمنطق والأصلين عن العلَّامة حسن بن محمد المغربي، والعلامة: عليِّ بن هادي عرهب؛ ولازم في كثير من العلوم مجددَ زمانه، السيد: _________ (١) وصفٌ فيه غلوٌّ ظاهر؛ إذ إن الاجتهاد لا ينقطع في هذه الأمة، وهذا ما كان يقرره كثيرًا الإمام الشوكاني نفسه.

стр. 12

عبد القادر بن أحمد الحسني الكوكباني. وأخذ في علم الحديث عن الحافظ: عليِّ بن إبراهيم بن عامر وغير ذلك من المشائخ في جميعِ العلوم العقلية والنقلية، حتى أحرز جَميعَ المعارف، واتفق على تحقيقه المُخالفُ والمُوالف، وصار مشارًا إليه في علوم الاجتهاد بالبَنان، والمجلِّي في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان. له المؤلفات في أغلب العلوم، ومنها: كتاب: «نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار» لجدِّ ابن تيمية ﵀ في أربع مجلدات كبار (١)، لم تكتحل عينُ الزمان بمثله في التحقيق، أعطى فيه المسائلَ حقَّها في كل بحثٍ على طريق الإنصاف، وعدم التقيد بمذهب الأسلاف، وتناقله عنه مشائخُه فمن دونَهم، وطار في الآفاق في حياته، وقُرئ عليه مرارًا، وانتفع به العلماء، وكان يقول: إنه لم يرضَ عن شيءٍ من مؤلفاته سواه، لما هو عليه من التحرير البليغ، وكان تأليفه في أيام مشائخه، فنبَّهوه على مواضع منه حتى تحرَّر. وله التفسيرُ الكبير المسمى: «فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية من التفسير»، وقد سبقه إلى التأليف في الجمع بين الرواية والدرايةِ العلامةُ: محمد بن يحيى بن بهران، فله تفسيرٌ في ذلك عظيم، لكنَّ تفسير شيخنا أبسطُ وأجمع وأحسن ترتيبًا وترصيفًا؛ وقد ذكر الحافظ السيوطي في «الإتقان» أنه جعله مقدمةً لتفسيرٍ جامعٍ للدراية والرواية سماه «مطلع البدرين ومجمع البحرين». وله: مختصر في الفقه على مقتضى الدليل، سماه: «الدرر البهية في المسائل الفقهية»، وشرحه شرحًا نافعًا سماه: «الدراري المضيَّة» أورد فيه _________ (١) وهو مطبوعٌ في دار ابن الجوزي العامرة في ستة عشر مجلدًا، بتحقيق الشيخ الفاضل محمد بن صبحي حلَّاق.

стр. 13

الأدلة التي بنى عليها ذلك المؤلف. وله: «وبل الغمام حاشية على شفاء الأوام»، للأمير حسين بن محمد الإمام. وله: «در السحابة في مناقب القرابة والصحابة». وله: «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة». وله: «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول»؛ يعزُّ نظيره وترصيفه، وحسن ترتيبه وتصنيفه. وله: «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»، كان تأليفه في آخر مدَّته، ولم يؤلف بعده شيئًا فيما أعلم، وقد تكلم فيه على عيون من المسائل، وصحح من المشروع ما هو مقيدٌ بالدلائل، وزيَّف ما لم يكن عليه دليل، وحسَّن العبارة في الرد والتعليل. والسبب في ذلك: أنه نشأ في زمنه جماعةٌ من المقلِّدةِ الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، ولم تزل المصاولةُ والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحثِ من غير حُجة، فجعل كلامه في ذلك الشرح في الحقيقة موجهًا إليهم، في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد؛ وقد ألف في ذلك رسالةً سماها: «القول المفيد في حكم التقليد»، وقد تحاماه لما حواه جماعةٌ من علماء الوقت، وأرسل إليه أهلُ جهته بسببه سهامَ اللوم والمقت، وثارت من أجل ذلك فتنةٌ في صنعاء بين من هو مقلد، وبين من هو مقتدٍ بالدليل، توهُّمًا من المقلِّدين أنه ما أراد إلا هدمَ مذهب أهل البيت، لأن «الأزهار» هو عمدتُهم في هذه الأعصار، وعليه في عبادتِهم والمعاملة على المدار، وحاشاه من التعصُّب على من أوجب اللَّهُ تعالى محبتهم، وجعل أجر نبيِّنا ﷺ في

стр. 14

تبليغ الرسالة مودتَهم؛ لأن له الولاءَ التام لهم، وقد نشر محاسنهم في مؤلفه «در السحابة» بما لم تخالج بعده ريبة لمرتاب؛ على أن كلامه مع الجميع من أهل المذاهب سواءٌ بسواء، لأن المأخذ واحد، والردَّ واحد، والخطبَ يسير، والخلاف في المسائل العلمية الظنية سهل، لأنها مطارحُ أنظار، والاجتهاد يدخلها، والمصيب من المجتهدين في ذلك له أجران، والمخطئ له أجر، وهذا شأن أهل العلم في كل زمانٍ ومكان، ما بين رادٍّ ومردودٍ عليه، وكلٌّ مأخوذٌ من قوله ومتروك، إلا صاحب العصمة ﷺ . ومَن طالع الكتبَ الإسلامية في الفروع والأصولِ على اختلاف أنواعها، عرف ذلك، وهان عليه سلوك هذه المسالك، ومَن وزن الأمور بالإنصاف، لا تخفى عليه الحقيقة، ومن جَمَد على التقليد، وضاق عطَنُه عن مدارك الاستدلال، فما له والاعتراضِ على المجتهدين؟!! ولا ينبغي أن يضايقَ المجتهد في اجتهاده لأجل توقُّفه في موقفه الذي هو التقليد، وقد تفضل اللَّهُ عليه بالاجتهاد، والتقليدُ لا يجوز إلا لغير المجتهد، والاجتهادُ غير متعذر، ومَن اعترض على المجتهد فيما أدى إليه اجتهادُه فقد تحجَّر الواسع، وجرى على خلاف نَهج السلفِ من أهل العلم. وللمترجَم له تاريخٌ حافلٌ سماه «البدر الطالع، بمحاسن من بعد القرن السابع»، جرى فيه من ذلك الوقت إلى زمانه؛ وابتدأ فيه بذكر عابد اليمن «إبراهيم الولي» المشهور، وله جُملةُ رسائل من مطوَّلاتٍ ومختصرات، وقد جُمعت فتاواه ورسائله، فجاءت في مجلدين، وسماها ابنه العلامة عليُّ بن محمد ب «الفتح الرباني» (١)، وله في الأدب اليد الطولى، وله أشعارٌ كثيرة _________ (١) وقد طبع أيضًا بتحقيق الشيخ محمد بن صبحي حلَّاق في اثني عشر مجلدًا.

стр. 15

مدونة، قد رتبها ابنه المذكور على حروف المعجم، فجاءت في ديوان، وقد أخذتُ عنه في كثير من الفنون العلمية، وأخذتُ عنه غالب مؤلفاته، وبموته أُطفئ على أهل اليمن مصباحهم المنير (١)، ولا أظنُّ يرَون مثله في تحقيقه للعلوم والتحرير، وقد جرت بيني وبينه مكاتبةٌ أدبية، ومراسلةٌ لمسائل علمية، هي عندي مثبتةٌ بخطه. وعلى الجملة: فما رأى مثل نفسه، ولا رأى مَنْ رأى مثله، علمًا، وورعًا، وقيامًا بالحقِّ، بقوةِ جَنان، وسلاطةِ لسان. وكانت وفاته في شهر جُمادى الآخرةِ في سنةِ خمسينَ بعد المِئَتين والألف، وقد كان تُوُفِّي قبله بمدةٍ يسيرة ابنُه العلامة عليُّ بن محمد، وهو أحدُ محققي العلماء، وممن لازم والده في جميع المعارفِ حتى بلغ ذُروةَ العلوم تحقيقًا وتدقيقًا، وقد شاركتُه في الأخذ على والده في كثير من مقروآته، وقد كنت قلت في والده مراثي، لولا الإطالة لذكرتُها. انتهى كلامه رحِمه اللَّه تعالى بلفظه ومعناه، مع التلخيص. هذا؛ وقد قُلِّد ولاية القضاء من جهة الإمام المنصور باللَّهِ عليِّ بن العباس، في أوائل شهر شعبان سنة (١٢٢٩)، وتوفَّاه اللَّهُ تعالى يوم الأربعاءِ في السادس والعشرين من جُمادى الآخرةِ من شهور سنة (١٢٥٠)، وكان بين وفاته ووفاة ولده «عليِّ بن محمد» نحو شهر وكان قد توفَّاه اللَّه قبله، ولم يُظهر والدُه جزعًا ولا حزنًا، وكان ولدًا صالحًا عالمًا، مبرَّزًا في جَميعِ العلوم، وكان نادرةَ وقته على صغر سنه؛ قيل: إنه تُوُفِّي وهو في حدود العشرين؛ رحم اللَّهُ الجميع برحْمتِه. انتهى (٢). _________ (١) في العبارة غلوٌّ مرفوض. (٢) «أبجد العلوم» (٣/ ٢٠٢: ٢٠٥)، للعلامة صديق حسن خان، وانظر أيضًا مقدمة تحقيق «نيل الأوطار» ط: دار ابن الجوزي بالدمام.

стр. 16

قال أبو شُعيب عفا اللَّهُ عنه: وكثيرون هم الذين ترجَمُوا لهذا الإمام العلم ﵀، فمن أراد التوسُّعَ والاستفاضةَ فليرجعْ إلى مظانِّ ترجَمته؛ أسألُه تعالى أن يتغمَّده بواسع رحمتِه، وأن يرفعَه درجاتٍ في المهديين، وأن يجعلَ عملَه كلَّه صالحًا نافعًا للطلبةِ إلى يوم الحشر المبين، آمين. * * *

стр. 17

مقدِّمة الْمُؤلف ﵀ - أحْمدُك [ربِّي] لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك، وأصلِّي وأسلِّمُ على رسولِك وآله، وأسألُكَ التثبيتَ والهداية، وأعوذُ بك من الخِذلان والغواية. وبعد: فإني قد عزمتُ عزم اللَّهُ لي على الخير على أن أجْمعَ في هذه الورقاتِ ما ينبغي لطالب العلم اعتمادُه في طلبه، والتحلِّي به في إيرادِهِ وإصداره (١)، وابتدائِه وانتمائه، وما يَشرعُ فيه ويتدرَّجُ إليه حتى يبلغ مرادَه، على وجهٍ يكون به فائزًا بما هو الثمرةُ والعلةُ الغائيةُ (٢) التي هي أولُ الفِكر وآخرُ العمل، وسمَّيته: «أدبُ الطلَب، ومنتهى الأرَب (٣)». * * *

стр. 18

الفصل الأول إرشاداتٌ وأصولٌ عامة

стр. 19

الفصل الأول إرشاداتٌ وأصولٌ عامَّة وإني أتصورُ الآن أن الكلامَ بمعونة اللَّه ومشيئته لابدَّ أن يتعدَّى إلى فوائدَ ومطالبَ ينتفعُ بها المنتهي كما ينتفعُ بها المبتدي، ويحتاجُ إليها الكاملُ كما يحتاجُ إليها المقصِّر، يُعِدُّها المتحقِّقون بالعِرفان من أعظم الهدايا. • [إصلاحُ النية]: فأولُ ما يجبُ على طالب العلم: أن يُحسِّنَ نيَّته، ويُصلِحَ طَوِيَّته (١)، ويَتصورَ أن هذا العملَ الذي قَصد له والأمرَ الذي أراده هو الشريعةُ التي شرعها اللَّهُ سبحانه لعباده، وبَعَث بها رُسُلَه، وأنزل بها كُتبَه، ويجرِّدُ نفسه عن أن يَشوبَ ذلك بمقصدٍ من مقاصد الدنيا، أو يَخلِطَه بما يكدِّرُه من الإرادات (٢) التي ليست منه، كمن يريدُ به الظفرَ بشيءٍ من المال، أو يصلَ به إلى نوعٍ من الشرف، أو البلوغَ إلى رئاسةٍ من رئاساتِ الدنيا، أو جاهٍ يحصِّلُه به؛ فإن العلمَ طيبٌ لا يقبل غيره، ولا يحتمل الشِّرْكة، والروائحُ الخبيثةُ إذا لم تَغلب على الروائح الطيبة، فأقلُّ الأحوال أن تُساويَها، وبمجردِ هذه المساواة لا تبقى للطيب رائحةٌ، والماءُ الصافي العذبُ الذي يستلذُّهُ شاربه كما يكدِّره الشيءُ اليسير من الماء المالح؛ فضلًا عن غير الماء من القاذورات: يُنقِصُ لذتَه

стр. 20

مجردُ وجود القَذاةِ فيه ووقوعِ الذباب عليه، هذا على فرضِ أن مجردَ تشريكِ العلم مع غيره له حكمُ هذه المحسوسات، وهيهات ذاك؛ فإنَّ مَنْ أراد أن يَجمعَ في طلبه العلمَ بين قصد الدنيا والآخرة، فقد أراد الشَّطط (١)، وغَلِط أقبحَ الغلط؛ فإنَّ طلبَ العلم من أشرف أنواع العبادة وأجلِّها وأعلاها، وقد قال اللَّه سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر]. فقيَّد الأمرَ بالعبادة بالإخلاص الذي هو رُوحُها. وصحَّ عن رسول اللَّه ﷺ حديث: «إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (٢)، وهو ثابتٌ في دواوين الإسلام كلِّها، وقد تلقَّته الأمةُ بالقبول وإن كان أَحَاديًّا، أجمع جميعُ أهل الإسلام على ثبوته وصحته. وقد تقرَّر في علم «البيان» و «الأصول» بأن «إنما» مِنْ صِيَغِ الحصْر، وثبت القولُ بذلك عن الصحابة. رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه احتجَّ على اختصاص الرِّبا بالنسيئة بحديث: «إنَّما الرِّبا في النَّسيئة» (٣)، ولم يخالِفْه الصحابةُ في فَهمه، وإنما خالَفوه في الحُكم؛ مستدلِّين بأدلةٍ أخرى مصرِّحةٍ بثبوتِ ربا الفضل (٤).

стр. 21

وكما أن هذا التركيبَ يُفيد ما ذكرناه من الحَصْر، كذلك لفظ: «الأعمالُ بالنيَّة أو بالنيَّات» كما ورد في بعض ألفاظ الحديث الثابتة في الصحيح (١)، فإن «الألف واللام» تُفيد الاستغراق، وهو يستلزمُ الحصْر، وهكذا ورد في بعض ألفاظ الحديث: «لا عملَ إلا بنيةٍ» (٢)، وهي أيضًا من صِيَغ الحصر؛ بل هي أقواها. والمراد ب «الأعمال» هنا: أفعالُ الجوارح حتى اللسان؛ فتدخُل [فيها] الأقوالُ، ومَن نازع في ذلك فقد أخطأ. ثم لابد لقوله: «بالنيَّات» من تقديرِ متعلِّقٍ عام، لعدم ورودِ دليلٍ يدل على التعلُّق الخاص؛ فيُقدَّر: «الوجود، أو الكون، أو الاستقرار، أو الثبوت … »، أو ما يُفيد مفادَ ذلك، فيكونُ التقدير: «إنما وجودُ الأعمال وكونُها واستقرارُها أو ثبوتُها بالنيات؛ فلا وجودَ، أو لا كَوْن، أو لا استقرارَ، أو لا ثبوتَ لما لم يكن كذلك وهو ما ليس فيه» (٣). نعم؛ لا يقال: إن تقديرَ «الثبوتِ والوجودِ والكون» ونحوها يستلزمُ عدمَ وجود الذات، أو عدمَ النيَّة، وقد وُجدت في الخارج!.

стр. 22

لأنَّا نقول: المراد: الذَّاتُ الشرعية (١)، وهي غيرُ موجودة، ولا اعتبارَ بوجود ذاتٍ غير شرعية، ونفيُ الذات هو المعنى الحقيقي، فلا يُعدَلُ عنه إلى غيره إلا لصارف؛ ولا صارفَ هنا. على أنه لو فُرض وجودُ صارفٍ إلى المعنى المجازي، لم يكن المقدَّرُ هاهنا إلَّا «الصحةُ» أو ما يفيدُ مَفادها، وهي مستلزمةٌ لنفي الذات. فتقرَّر بمجموع ما ذكرنا: أن حصولَ الأعمال وثبوتَها لا يكونُ إلَّا بالنية، فلا حصولَ أو لا ثبوت لما ليس كذلك. فكلُّ طاعةٍ من الطاعات وعبادةٍ من العبادات إذا لم تصدُر عن إخلاصِ نيةٍ وحُسْنِ طَوِيَّة، لا اعتدادَ بها ولا التفاتَ إليها؛ بل هي إن لم تكن معصيةً، فأقلُّ الأحوال أن تكون من أعمالِ العَبَث واللعب، التي هي بما يصدُر عن المجانين أشبهُ منها بما يصدرُ عن العقلاء. • [الغايةُ منَ العلم: العمل]: ومِن أهمِّ ما يجبُ على طالب العلم تصوُّرُه عند الشروع، واستحضارُه عند المباشرة بل وفي كلِّ وقتٍ من أوقاتِ طلبه، مبتديًا ومنتهيًا، متعلِّمًا وعالمًا: أن يَقِرَّ في نفسه أن هذا العملَ الذي هو بصدده هو تحصيلُ العلم الذي شَرعه اللَّهُ لعباده، والمعرفةُ لِما تعبَّدهم في مُحكم كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، والوقوفُ على أسرارِ كلام اللَّه وكلامِ رسوله ﷺ ، وأنَّ هذا المَطلبَ الذي هو بسبب (٢) تحصيلِه ليس هو من المَطالب التي يَقصِدُها مَنْ هو طالبٌ للجاه والمال والرياسة؛ بل هو مطلبٌ يُتاجِرُ به الربَّ

стр. 23

سبحانه (١)، وتكونُ غايتُه العلمَ بما بَعث اللَّهُ به رُسلَه، وأَنزل فيه كتبَه، وذلك سببُ الظفَر بما عند اللَّهِ من خير. • [ليس لأحدٍ أن يَشرَع إلا اللَّهُ ﷻ -]: ومِثلُ هذا لا مَدخل فيه لعَصبيةٍ، ولا مجالَ عنده لحميَّةٍ؛ بل هو شيءٌ بينَ اللَّهِ سبحانه وبين جميع عباده، تعبَّدهم به تعبُّدًا مطلقًا، أو مشروطًا بشروط، وأنه لا يَخرجُ عن ذلك فردٌ من أقوامهم، بل أقدامُهم متساويةٌ في ذلك عالِمُهم وجاهِلُهم، وشريفُهم ووضيعُهم، وقديمُهم وحديثهم، ليس لواحدٍ منهم أن يدَّعي أنه غيرُ متعبَّدٍ بما تعبَّد اللَّهُ به عباده، أو أنه خارجٌ عن التكليف، أو أنه غيرُ محكومٍ عليه بأحكام الشرع، ومطلوبٍ منه ما طلبه اللَّهُ من سائر الناس (٢)، فضلًا عن أن يرتقيَ إلى درجةِ التشريع، وإثباتِ الأحكام الشرعية، وتكليفِ عبادِ اللَّه سبحانه بما يصدُر عنه من الرأي! فإنَّ هذا أمرٌ لم يكن إلا للَّهِ سبحانه لا لغيره من البشر كائنًا من كان، إلَّا فيما فوَّضه إلى رُسُله، وليس لغير الرسل في هذا مدخلٌ؛ بل الرسلُ أنفسُهم متعبَّدون بما تعبَّدَهم اللَّهُ به، مكلَّفون بما كُلِّفوا به، مطالَبون بما طلبه منهم، وتخصيصُهم بأمورٍ لا تكون لغيرهم لا يعني خروجَهم عن كونِهم كذلك؛ بل هم من جُملةِ البشر، ومِن سائر العِبادِ في التكليف بما جاؤوا به عن اللَّه ، وقد أَخبروا بِهذا، وأَخبر به اللَّهُ عنهم، كما في غير موضع منَ الكتابِ العزيزِ ومن السُّنة النبوية (٣)،

стр. 24

وكما وقَفْنا عليه في التوراة والإنجيل والزبور مكرَّرًا في كلِّ واحدٍ منها. وإذا كان هذا حالَ الرسل عليهم الصلاة والسلام في التعبُّد بالأوامر الشرعية، والتوقُّفِ في التبليغ على ما أمرهم تعالى بتبليغه، فلا يَشْرَعون للناس إلَّا ما أَذِن لهم به وأَمرهم بإبلاغه، وليس لهم من الأمر شيءٌ إلَّا مجردُ البلاغِ عن اللَّه، والتوسطِ بينه وبين عباده فيما شرعه لهم وتعبَّدهم به، كما هو معنى «الرسول» و «الرسالة» لغةً وشرعًا، عند من يَعرفُ علم اللغة ومصطلحَ أهل الشرع. ولا يُنافي هذا وقوعُ الخلاف بين أئمة الأصول في إثباتِ اجتهاد الأنبياء ونَفْيِه (١)، فإن الخلافَ المحرَّرَ في هذه المسألة لفظيٌّ عند من أنصف وحَقَّق (٢)؛ فكيف بحالِ غيرهم من عِباد اللَّهِ ممن ليس هو من أهل الرسالة، ولا جَعله

стр. 25

اللَّهُ من أهل العصمة، كالصحابة، فالتابعين، فتابعيهم من أئمةِ المذاهب، فسائرِ حَمَلةِ العلم؟! فإن مَنْ زَعم أن لواحدٍ من هؤلاء أن يُحدِثَ في شرعِ اللَّه ما لم يكن فيه، أو يتعبَّدَ عبادَ اللَّه بما هو خارجٌ عما هو منه، فقد أَعظَمَ على اللَّه الفِرْية (١)، وتقوَّل على اللَّه تعالى بما لم يقُل، وأوقع نفسَه في هُوَّةٍ لا ينجو منها؛ إلَّا أنه طَرَحها في مَطْرَح سُوء، ووَضَعها في موضع شر، ونادى على نفسه بالجهل، والجرأةِ على اللَّه تعالى، والمخالفةِ لما جاءت به الشرائع، وما أَجْمَعَ عليه أهلها؛ فإن هذه (٢) رُتبةٌ لم تكن إلَّا للَّه، ومنزلةٌ لا يَنزِلُها غيرُه، ولا يدَّعيها سواه، فمن ادعاها لغيره تصريحًا أو تلويحًا فقد أدخل نفسَه في بابٍ من أبواب الشرك، وكان ذلك هو الفائدةَ التي استفادها من طلبه، والرِّبحَ الذي رَبِحه مِنْ تَعِبِه ونَصَبِه، وصار اشتغالُه بالعلم جنايةً عليه، ومحنةً له، ومصيبةً أصاب بها نفسه، وبليَّةً قادها إليها، ومعصيةً كان عنها بالجهل وعدمِ الطلب في راحة. وهكذا مَنْ لم يُحسن لنفسه الاختيار، ولا سلك فيها مَسالكَ الأبرار، ولا اقتدى بمَن أمر اللَّهُ بالاقتداءِ به من أهل العلم الذين جَعَلهم مَحِلًّا لذلك ومَرجعًا. فإذا تقرَّر لك هذا، وعلمتَ بما فيه من الضررِ العظيم الذي يَمحَقُ بركةَ العلم ويُشوِّهُ وجهه، ويُصيِّرُه بعد أن كان منَ العبادات التي لا تشبهُها طاعةٌ ولا تماثلُها قُربةٌ: معصيةً محضةً، وخطيئةً خالصةً، تبيَّن لك نفعُ ما أُرشِدُ إليه مِنْ تحرِّي الإيمان؛ الذي مِنْ أعظم أركانه وأهمِّ ما يُحصِّلُه لك: أن تكون مُنصِفًا لا متعصِّبًا في شيءٍ من هذه الشريعة؛ فإنها وديعةُ اللَّهِ عندك، وأمانتُه

стр. 26

لديك، فلا تَخُنْها وتَمحقْ بركتَها بالتعصُّبِ لعالِمٍ من علماء الإسلام؛ بأن تَجعلَ ما يصدرُ عنه من الرأي، ويُروى له من الاجتهاد حُجةً عليك وعلى سائر العباد؛ فإنك إن فعلتَ ذلك كنتَ قد جعلته شارعًا لا متشرِّعًا، ومكلِّفًا لا مكلَّفًا، ومتعبِّدًا لا متعبَّدًا، وفي هذا من الخطر عليكَ والوبالِ لك ما قدمناه، فإنه وإن فَضَلَك بنوعٍ من أنواع العلم، وفاق عليك بمُدرَكٍ (١) من مَدارك الفهم؛ فهو لم يَخرُج بذلك عن كونه محكومًا عليه، متعبَّدًا بما أنت متعبَّدٌ به؛ فضلًا عن أن يرتفعَ عن هذه الدرجة إلى درجةٍ يكون رأيُه فيها حُجةً على العباد، واجتهادُه لديها لازمًا لهم؛ بل الواجبُ عليك أن تعترفَ له بالسَّبْق، وتُقِرَّ له بعلوِّ الدرجةِ اللائقة به في العلم، معتقدًا أن ذلك الاجتهادَ الذي اجتهده، والاختيارَ الذي اختاره لنفسه بعد إحاطته بما لابد منه هو الذي لا يجبُ عليه غيرُه، ولا يلزمُه سواه؛ لِما ثبت في «الصحيح» عنه ﷺ من طُرقٍ أنه: «إذا اجتَهد الحاكمُ فأصاب فله أجران، وإن اجتَهد فأخطأ فله أجرٌ (٢)» (٣)، وفي خارج الصِّحاح من طُرق: «أنه إذا أصاب فله عشَرةُ أجُور»،

стр. 27

وقد صحَّحه الحاكم في «المستدرك» (١). وفضلُ اللَّهِ واسع، وعطاؤه جَمٌّ، وليس لك أن تعتقدَ أن صوابه صوابٌ لك، أو خطأَه خطأٌ عليه (٢)؛ بل عليكَ أن توطِّنَ نفسَك على الجِدِّ والاجتهاد والبحثِ بما يدخُل تحت طَوْقك (٣)، وتحيطُ به قدرتُك، حتى تبلغَ إلى ما بلغ إليه من أخذِ الأحكام الشرعيةِ مِنْ ذلك المَعْدِن (٤) الذي لا معدنَ سواه، والموطِنِ الذي هو أولُ الفكر، وآخِرُ العمل. فإن ظَفِرتَ به فقد تدرَّجتَ من هذه البدايةِ إلى تلك النهاية، وإن قصَّرتَ عنه لم تكن ملُومًا؛ بعد أن قررتَ عند نفسك وأثبتَّ في تصوُّرِك أنه لا حُجةَ إلَّا للَّه، ولا حكمَ إلا منه، ولا شرعَ إلَّا ما شرعه، وأن اجتهاداتِ المُجتهدين ليست بحُجةٍ على أحد، ولا هي من الشريعةِ في شيء؛ بل هي مختصَّةٌ بمن صَدرت عنه لا تتعدَّاه إلى غيره، ولا يجوزُ له أن يَحمِلَ عليها أحدًا من عباد اللَّه، ولا يَحِلُّ لغيره أن يَقبَلَها عنه، ويجعلَها حُجةً عليه يَدينُ (٥) اللَّهَ بها؛

стр. 28

فإن هذا شيءٌ لم يأذنِ اللَّهُ به، وأمرٌ لم يسوِّغْه لأحدٍ من عبادِه. ولا يَغُرَّك ما استَدلَّ به القائلون بجوازِ التقليد؛ فإنه لا دلالةَ في شيءٍ مما جاؤوا به على محل النزاع، وقد أوضحنا ذلك في مؤلَّفٍ مستقلٍّ، وهو «القول المفيد في حكم التقليد» (١)، فارجع إليه إنْ بقي في صدرك حرجٌ؛ فإنك تقفُ فيه على ما يُريحك، ويَنثلجُ به صدرُك، ويَفرحُ عنده رُوعُك (٢). • [كيف يُحقِّقُ طالبُ العلم الْمطالبَ السابقة؟]: فإن قلتَ: وكيف يَقتدِرُ على تصوُّر ما أرشدتَ إلى تصوُّرِه، ويتمكنُ من توطينِ نفسِه على ما دللتَ عليه مَنْ أراد الشروعَ في العلم بادئَ بَدءٍ، وهو إذ ذاك لا يدري ما الشرعُ، ولا يتعقَّلُ الحُجة، ولا يعرفُ الإنصاف، ولا يهتدي إلى ما هديتَه إليه (٣)؛ إلَّا بعد أن يتمرَّن ويُمارسَ، ويكونَ له من العلم ما يفهمُ به ما تريدُ منه؟!. قلتُ: ما أرشدتُ إليه يُعرف بمجرد العقل، وسلامةِ الفطرة، وعدمِ ورود ما يردُ عليها ممَّا يغيرُها، وعلى فرضِ ورودِ شيءٍ من المُغيِّرات عليها كاعتقاد حَقِّيةِ التقليد ونحوه، فارتفاعُ ذلك يحصُلُ بأدنى تنبيه؛ فإن هذا أمرٌ يقبله الطبعُ بأولِ وهْلةٍ لمطابقته للواقع وحَقِّيته. وكلُّ ما كان كذلك فهو مقبول، والطبائعُ تنفعلُ له انفعالًا بأيسر عملٍ وأقلِّ إرشاد، وهذا أمرٌ يعلمه كلُّ أحد، ويشتركُ في معرفته أفرادُ الناسِ على اختلاف طبقاتِهم، ولهذا نبَّه عليه الشارعُ ﷺ (٤)، فقال: «كلُّ مولودٍ يولَدُ

стр. 29

على الفطرة، ولكنْ أبوَاه يُهوِّدانِه، ويُنصِّرانِه، ويُمجِّسانِه»، وهو ثابتٌ في «الصحيح» (١). وإني أُخبرُك أيها الطالبُ عن نفسي تحدُّثًا بنعمةِ اللَّهِ سبحانه، ثم تقريبًا لما ذكرتُ لك من أن هذا الأمرَ (٢) كامنٌ في طبائع الناس، ثابتٌ في غرائزهم، وأنه من الفطرةِ التي فَطر اللَّهُ الناس عليها: أني لمَّا أردتُ الشروعَ

стр. 30

في طلب العلم ولم أكنْ إذ ذاك قد عرفتُ شيئًا منه، حتى ما يتعلقُ بالطهارة والصلاة، إلا مجردَ ما يتلقاهُ الصغيرُ من تعليمِ الكبير لكيفيةِ الصلاة والطهارة ونحوهِما، فكان أولُ بحثٍ طالعته بحث: «كونِ الفرْجين من أعضاء الوضوء» (١) في «الأزهار» و «شرْحه» (٢)، لأن الشيخ الذي أردتُ القراءة عليه والأخذَ عنه كان قد بلغ في تدريس تلامذتِه إلى هذا البحث، فلما طالعتُ هذا البحث قبلَ الحضور عند الشيخ، ورأيتُ اختلافَ الأقوال فيه، سألت والدي ﵀ عن تلك الأقوال: أيُّها يكونُ العملُ عليه؟ فقال: يكونُ العملُ

стр. 31

على ما في «الأزهار». فقلت: صاحب «الأزهار» أكثرُ علمًا من هؤلاء (١)؟ قال: لا. قلتُ: فكيف كان اتباعُ قوله دون أقوالِهم لازمًا؟ فقال: اصْنَعْ كما يصنعُ الناس، فإذا فَتح اللَّهُ عليك فستعرفُ ما يؤخذ به وما يُترك. فسألتُ اللَّهَ عند ذلك أن يفتحَ عليَّ مِنْ معارِفِهِ ما يتميَّزُ لي به الراجحُ من المرجوح، وكان هذا في أول بحثٍ نظرتُه، وأولِ موضعٍ درستُه وقعدتُ فيه بين يدي العلم. فاعتبِرْ بِهذا، ولا تستبعِدْ ما أرشدتُك إليه فتُحرمَ بركةَ العلم، وتُمحقَ فائدتَه. ثم ما زلتُ بعدُ كما وصفتُ لك، أنظرُ في مسائل الخلاف وأدرُسُها على الشيوخ، ولا أعتقدُ ما يعتقدُه أهلُ التقليد من حَقِّيةِ بعضها بمجردِ الإلف والعادةِ والاعتقادِ الفاسد والاقتداءِ بمن لا يُقتدى به؛ بل أُسائلُ مَنْ عنده علمٌ بالأدلة عن الراجح، وأبحثُ في كتب الأدلة عمَّا له تعلقٌ بذلك، وأستروحُ إليه، وأتعللُ به، مع الجِدِّ في الطلب، واستغراقِ الأوقات في العلم؛ خصوصًا علوم الاجتهاد وما يَلتحِقُ بها؛ فإني نشِطتُ إليها نشاطًا زايدًا لما كنتُ أتصوَّرُه من الانتفاع بها، حتى فَتح اللَّهُ بما فتح، ومَنح ما منح، فله الحمدُ كثيرًا حَمْدًا لا يُحاط به، ولا يمكنُ الوقوفُ على كُنهه (٢). فإذا وطَّنتَ نفسَك أيُّها الطالب على الإنصاف، وعدمِ التعصب لمذهبٍ من المذاهب، ولا لعالِمٍ من العلماء؛ بل جعلتَ الناس جميعًا بمنزلةٍ واحدةٍ في كونِهم مُنتمِينَ إلى الشريعةِ، محكومًا عليهم بما لا يجدون لأنفسِهم عنها مخرجًا، ولا يستطيعون تحوُّلًا فضلًا عن أن يَرتقُوا إلى واحدٍ

стр. 32

منهم أو يُلزموا تقليدَه وقبولَ قوله (١): فقد فُزتَ بأعظمِ فوائدِ العلم، ورَبِحتَ بأنفَسِ فرائدِه (٢). ولأمرٍ ما جَعل رسولُ اللَّه ﷺ المُنصفَ أعلمَ الناس وإن كان مقصِّرًا؛ فإنه أخرج الحاكمُ في «المستدرك» وصحَّحه مرفوعًا: «أعرَفُ الناس أبصرُهم بالحق إذا اختلف الناسُ، وإنْ كان مقصِّرًا في العمل، وإن كان يزحَفُ على اسْتِه» (٣). هكذا في حِفظي، فليُراجع «المستدرك» (٤). فانظر كيف جَعل ﷺ المنصفَ أعلم الناس، وجعل ذلك هو الخَصلةَ الموجبةَ للأعلميَّة ولم يَعتبر غيرَها؛ وإنما كان أبصرَ الناس بالحق إذا اختلف الناس لأنه لم يكن لديه هوًى ولا حَميَّةٌ ولا عصبيةٌ لمذهبٍ من

стр. 33

المذاهب أو عالِمٍ من العلماء، فصَفَت غريزتُه عن أن تتكدَّر بشيءٍ من ذلك، فلم يكن له مأربٌ (١) ولا مَقصِد إلَّا مجردُ معرفةِ ما جاء عن الشارع، فظَفِر بذلك بسهولةٍ من غير مشقةٍ ولا تعب؛ لأنه موجودٌ، إما في كتاب اللَّه وهو بين أظهُرنا في المصاحف الشريفة مفسَّرٌ بتفاسير العلماء الموثوق بهم، وإما في سنةِ رسول اللَّه ﷺ ، وهي أيضًا موجودةٌ؛ [و] قد ألَّف أهلُ العلم في أدلة المسائل من السُّنة كتبًا متنوعةً، منها ما هو على أبوابِ الفقه، ومنها ما هو على حروف المعجم؛ فكان تناوُلُه يسيرًا، ثم قد تكلَّم الأئمةُ على صحتها وحُسنها وضعفها، فجاؤوا بما لا يَحتاجُ الناظرُ معه إلى غيره، ووَضَعوا في ذلك مؤلفاتٍ مشتملةً على ذلك اشتمالًا على أحسنِ وجهٍ وأبدعِ أسلوب؛ ثم أوضحوا ما في السُّنة من الغريب؛ بل جَمعوا بين المتعارِضات، ورجَّحوا ما هو راجح، ولم يدَعوا شيئًا تدعُو إليه الحاجة؛ فإذا وقف على ذلك مَنْ قد تأهَّل للاجتهاد، وظَفِر بعلومه، أخذه أخذًا غيرَ أخْذِ مَنْ لم يكن كذلك، وعَمِل عليه مطمئنةً به نفسه، ساكنةً إليه، نافرةً عن غيره، هاربةً منه. * * *

стр. 34

الفصل الثاني أسبابُ الوقوعِ في التعصُّب وتركِ الإنصاف

стр. 35

الفصل الثاني أسبابُ الوقوعِ في التعصُّب وتركِ الإنصاف واعلمْ أن سببَ الخروج عن دائرةِ الإنصاف، والوقوعِ في موبقاتِ التعصُّب كثيرةٌ جدًّا. • [السبب الأول: النشوءُ في بلدٍ تميز أهله بالتعصُّب الْمَذهبي]: فمنها وهو أكثرُها وقوعًا وأشدُّها بلاءً: أن ينشأ طالبُ العلم في بلدٍ من البِلدان التي قد تمذهبَ أهلُها بمذهبٍ معين، واقتدَوا بعالِمٍ مخصوص، وهذا الداءُ قد طَبَّق في بلاد الإسلام وعمَّ أهلها، ولم يخرُج عنه إلا أفراد، قد يُوجد الواحدُ منهم في المدينة الكبيرة، وقد لا يوجد، لأن هؤلاء الذين ألِفوا هذه المذاهبَ قد صاروا يعتقِدون أنها هي الشريعة، وأن ما خرج عنها خارجٌ عن الدين، مُباينٌ لسبيل المؤمنين، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون]. فأهلُ هذا المذهب يعتقِدون أن الحقَّ بأيديهم، وأن غيرَهم على الخطإ والضلالِ والبدعة، وأهلُ المذهب الآخَرِ يُقابلونَهم بمِثل ذلك، والسببُ أنهم نشؤوا فوجدوا آباءهم وسائرَ قراباتِهم على ذلك، وَرِثَه الخَلَفُ عن السلف، والآخِرُ عن الأول، وانضم إلى ذلك قُصورُهم عن إدراك الحقائق بسبب التغيير الذي وَرَد عليهم ممن وجدوه قَبلَهم، وإذا وُجد فيهم من يعرف المُحِقِّين، فهو لا يستطيعُ أن ينطقَ بذلك مع أخصِّ خواصِّهِ وأقربِ قرابته

стр. 36

فضلًا عن غيره لِمَا يخافُه على نفسه، أو على ماله، أو على جاهِه، بحسبِ اختلاف المقاصد وتبايُنِ العزائم الدينية، فيَحصُلُ من قُصورهم مع تغيُّرِ فِطَرِهم بمن أرشدَهم إلى البقاء على ما هم عليه، وأنه الحقُّ وخلافه الباطل، وسكوتِ مَنْ له فطنةٌ ولديه عرفانٌ وعنده إنصافٌ عن تعليمهم معالِمَ الإنصاف وهدايتِهم إلى طُرق الحق: ما يُوجِبُ جُمودَهم على ما هم عليه، واعتقادَهم أن الحقَّ مقصورٌ عليه، منحصرٌ فيه، وأن غيرَه ليس من الدين، ولا هو من الحق! فإذا سمع عالمًا من العلماء يفتي بخلافه، أو يعملُ على ما لا يوافقه، اعتقد أنه من أهل الضلال، ومن الدعاةِ إلى البدعة! وهذا إذا عَجَز (١) عن إنزال الضرر به (٢) بيدِه أو لسانه؛ فإن تمكَّنَ من ذلك، فَعَله معتقِدًا أنه من أعظم ما يتقربُ به إلى اللَّه، ويدَّخرُه في صحائف حسناته، ويُتاجِرُ اللَّهَ به!. وهذا معلومٌ لكل أحد، وقد شاهَدْنا منه ما لا يأتي عليه حصرٌ ولا تُحيط به عبارة؛ بل قد بلغ هذا المُتعصبُ في معاداةِ مَنْ يخالفُه إلى حدٍّ تجاوَز به عداوتَه لليهود والنصارى! ولو عَلم المخدوعُ المغرور بأن سَعيَه ضلال، وعَملَه وبال، وأنه من الأخسرين أعمالًا، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف]، لَأَقصَرَ عن غِوايته، وارعوَى (٣) عن بعض جهله، لكنه جَهِل قَدْرَ نفسِه وخُسرانَ سَعيِه، وتحامى (٤) غيرُه مِنْ أهل المعرفة والفهم إرشادَه إلى الحق وتنبيهَه على فسادِ ما هو فيه، مخافةً على نفسه منه وممن يشابِهُه في ذلك، فتعاظَمَ الشرُّ، وعمَّ البلاء، وتفاقَم الأمر،

стр. 37

وعمَّ الضرر. ولو نَظر ذلك المتعصبُ بعين الإنصاف، ورَجَع إلى عقلهِ وما تقتضيه فطرتُه الأصيلة، لكفَّ عن فِعله، وأقصَر عن غَيِّه (١) وجَهلِه، ولكنه قد حِيل بينه وبين ذاك، وفَرغ الشيطانُ منه؛ إلَّا من عصم اللَّهُ وقليلٌ ما هم. وهكذا صاحِبُ المعرفة، وحامِلُ الحُجة، وثاقبُ الفهم، لو وَطَّن نفسه على الإرشادِ، وتكلَّم بكلمة الحق، ونَصر اللَّهَ سبحانه ونَصر دينَه، وقام في تبيينِ ما أمَره اللَّهُ بتبيينه: لَحَمِدَ مَسْرَاه (٢)، وشكر عاقبتَه، وأراه اللَّهُ سبحانه مِنْ بدائع صُنعه وعجائب وقايتِه وصِدقِ ما وعد به من قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد ﷺ ، ما (٣) يَزيدُه ثباتًا، ويشدُّ من عَضُده، ويقوِّي قلبَه في نُصرة الحق ومُعاضَدةِ أهلِه. ومَن تأمَّل الأمرَ كما ينبغي، عرَف أن كلَّ قائمٍ بحجةِ اللَّه؛ إذا بيَّنها للناس كما أَمره اللَّهُ، وصَدَع بالحق، وضَرب بالبدعة في وجه صاحبها، وألقَم المتعصبَ حَجَرًا، وأوضَح له ما شَرَعه اللَّهُ لعباده، وأنه في تمسُّكه بمَحضِ الرأي مع وجود البرهانِ الثابت عن صاحب الشرع كخابطِ عشْواء وراكِب العمياء (٤): فإن قَبِل (٥) منه ظَفِر بما وعده رسولُ اللَّه ﷺ من الأجر في حديث: «لَأَنْ

стр. 38

يَهدِيَ اللَّهُ بك على يديك رجلًا … » الحديث (١). وإن لم يَقبل منه، كان قد فعل ما أوجَبَ اللَّهُ عليه، وخَلَّص نفسه من كَتْم العلم الذي أمره اللَّهُ بإفشائه، وخَرج من ورْطةِ أن يكونَ من الذين يكتمُون ما أنزل اللَّهُ من البيِّنات والهدى، ودَفَع اللَّهُ عنه ما سوَّلته (٢) له نفسُه الأمارةُ من الظنون الكاذبة والأوهامِ الباطلة، وانتهى حالُه إلى أن يكونَ كَعبُه الأعلى، وقولُه الأرفع، ولم يَزِدْه ذلك إلَّا رفعةً في الدنيا والآخرة، وحظًّا عند عبادِ اللَّه، وظَفَرًا بما وَعَد اللَّهُ به عبادَه المتقين، وهم (٣) وإن أرادوا أن يَضَعُوه بكثرة الأقاويل، وتزويرِ المطاعن، وتلفيقِ العيوب، وتواعدوه بإيقاعِ المكروه به، وإنزالِ الضرر عليه؛ فذلك كلُّه ينتهي إلى خلافِ ما قدَّروه، وعكسِ ما ظنُّوه، وكانت العاقبةُ للمتقين، كما وَعد به عبادَه المؤمنين، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة]. * [ذِكرُ بعض الأئمَّةِ الذين أُوذُوا بسبب اتِّباعِهمُ الدليل]: ولقد تتبعتُ أحوالَ كثيرٍ من القائمين بالحق، المبلِّغين له كما أمر اللَّهُ، المرشِدين إلى الحق، فوجدتُهم يَنالون من حُسن الأُحدوثة (٤)، وبُعد الصِّيت، وقوةِ الشهرة، وانتشارِ العلم، ونَفَاقِ (٥) المؤلَّفات وطيرانها وقبولها في الناس ما لا يَبلغُه غيرهم، ولا ينالُه مَنْ سواهم، وسأذكرُ لك هنا جماعةً ممن

стр. 39

اشتُهرت مذاهبُهم، وانتشرت أقوالُهم، وطارت مصنَّفاتُهم بعدَما نالَهم من المحنة ما نالهم: كإمام دارِ الهجرة «مالك بن أنس»، فإنه بُلِيَ بخصوم، وعاداه مُلوك، فنشر اللَّهُ مذهبَه في الأقطار، واشتُهر من أقواله ما ملأ الأنجادَ والأغوار (١). كذلك الإمامُ «أحمد بن حنبل»؛ فإنه وقع له منَ المحن التي هي مِنحٌ ما لا يخفى على مَنْ له اطلاع، وضُرب بين يَدَيِ «المعتصم» العباسي ضربًا مبرِّحًا، وهَمُّوا بقتله مرةً بعد مرَّة، وسجَنوه في الأمكنةِ المظلمة، وكبَّلوه بالحديد، ونوَّعوا له أنواعَ العذاب، فنَشر اللَّهُ مِنْ علومه ما لا يَحتاج إلى بيان، ولا يفتقرُ إلى إيضاح، وكانت العاقبةُ له، فصار بعد ذلك إمامَ الدنيا غيرَ مدافَع، ومَرْجِعَ أهلِ العلم غيرَ منازَع، ودَوَّن الناسُ كلماتِه، وانتفعوا بها، وكان يتكلمُ بالكلمةِ فتطيرُ في الآفاق، فإذا تكلم بالكلمةِ في رجلٍ بجَرح، تَبِعَه الناس، وبَطَل علمُ المجروح! وإن تكلم في رجلٍ بتعديل، كان هو العدلَ الذي لا يَحتاج بعدَ تعديله إلى غيره. ثم الإمام «محمد بن إسماعيل البخاري»، أصابه من محمد بن يحيى الذُّهْلِيِّ وأتباعِه من المحنةِ ما مات به كَمَدًا (٢)، ثم جعل اللَّهُ تعالى كتابه «الجامع الصحيح» كما ترى أصحَّ كتابٍ في الدنيا، وأشهرَ مؤلَّفٍ في الحديث، وأجلَّ دفترٍ من دفاتر الإسلام. ثم انظر أحوالَ مَنْ جاء بعد هؤلاء بدهرٍ طويل، ك «ابنِ حزمٍ المَغرِبي»،

стр. 40

فإنه أُصيب بمِحَنٍ عظيمةٍ، بسبب ما أظهره من إرشاد الناس إلى الدليل والصَّدعِ بالحق، وتضعيفِ علم الرأي؛ حتى أفضى ذلك إلى امتحانِ الملوك له، وإيقاعِهم به، وتشريدِه من مواطنه، وتحريقِ مصنَّفاته، ومع ذلك نَشر اللَّهُ من علومه ما صار عند كل فرقةٍ، وفي كل بلاد المسلمين، وبين ظَهرانَيْ كل طائفة. ثم كذلك شيخ الإسلام «تقي الدين ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم»؛ فإنه لما أبان للناس فسادَ الرأي، وأرشدَهم إلى التمسُّك بالدليل، وصَدَع بما أمره اللَّهُ به، ولم يَخَفْ في اللَّه لومةَ لائم، قام عليه طوائفُ من المُنتمِين إلى العلم، المنتحِلين له من أهلِ المناصب وغيرهم، فما زالوا يحاولون ويُصاولون، ويَسعَون به إلى الملوك، ويَعقِدون له مجالسَ المناظرة، ويُفتون تارةً بسَفك دمه، وتارةً بتشريده، وتارةً باعتقاله، فنشر اللَّهُ من فوائده ما لم يُنشر بعضُه لأحدٍ من معاصريه، وترجَمه أعداؤه فضلًا عن أصدقائِه بتراجمَ لم يتيسَّر لهم مثلُها، ولا ما يقارنُها لأحدٍ من الذين يتعصَّبون لهم ويَدأبُون في نشر فضائلهم، ويُطرِئون (١) في إطرائهم، وجَعَل اللَّهُ له من ارتفاع الصِّيت وبُعدِ الشهرة ما لم يكن لأحدٍ من أهل عصره، حتى اختَلف مَنْ جاء بعدَ عصره في شأنه، واشتغلوا بأمره، فعاداه قومٌ، وخالَفهم آخرون، والكلُّ معترفون بقَدْره، معظِّمُون له، خاضعون لعلومه، واشتُهر هذا بينهم غايةَ الاشتهار، حتى ذكره المترجِمُون لهم في تراجِمِهم، فيقولون: «وكان منَ المائلين إلى ابن تيمية أو المائلين عنه»!. وهذه الإشارةُ إنما هي لقَصدِ الإيضاح لك، لتعلمَ بما يصنعُه اللَّهُ لعباده
следующие страницы →