Полный текст (291 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الشيء إذا بان وظهر وأوضحته أنا. وأحكم أي شدد وأوثق وأصله من المنع وحقق قال أبو زيد حققت الأمر أحققته إذا كنت على يقين منه.
وقوله " وقال له أيضاً وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول يريد الإيجاز وهذا ليس بمحمود في كل موضع ولا بمختار في كل كتاب بل لكل مقام مقال ولو كان الإيجاز محموداً في كل الأحوال لجرده الله في القرآن ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد وحذف تارة للإيجاز وكرر تارة للأفهام وعلل هذا مستقصاة في كتابنا المؤلف في تأويل مشكل القرآن " الأيجاز ضد الأطالة يقال أوجز الكلام والعطية ونحوها والأكثر في الكلام أوجز وفي الوعد أنجز وأمر وجيز وكلام وجيز ووجز وموجز وموجز يقال وجز في كلامه وأوجز وقد توجزت الشيء مثل تنجزت والأيجاز يستحسن إذا صح به المعنى وكان في الكلام دليل على ما أختصر نحو قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " ففي هذا حذف وذلك أن المرأة لا تكون معتدة بالشهور وهي مرتابة بإنها تحيض أو لا تحيض وإنما تكون العدة بالشهور إذا يئس يأسا لا ريب فيه والمعنى والله أعلم واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم في يأسهن فزال الريب فعدتهن وفي قوله " واللائي لم يحضن " حذف أيضاً تقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذف لدلالة ما قبله عليه. ومثله قوله " يبين الله لكم أن تضلوا " لأن البيان لم يوضع للضلال إنما وضع لإزالته فكان المعنى والله أعلم لئلا تضلوا ومنه قوله تعالى " حتى توارت بالحجاب " يريد الشمس فاضمرها ولم يجرد لها ذكر ومثل ذلك في القرآن والكلام كثير. والأطالة والتكرير يقعان لتأكيد وتعظيم كقوله تعالى " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " وكقوله سبحانه " كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون " " وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين " وكقول ابن الخرع:
فكادت فزارة تصلى بنا ... أولى فزارة أولى فزارا
وكقول عبيد.
هلا سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أينا
стр. 72
فهذا وشبهه إنما كرر لتأكيد ما يشتمل عليه من معنى التوعد والأعذار ومما جاء منه في معنى التعظيم قوله النابغة:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها ... سواقط من حر وقد كان أظهرا
وكقول سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نفض الموت ذا الغنى والفقيرا
والمشكل المشتبه واشتقاقه في قول بعضهم من الشكلة وهي الحمرة تختلط بالبياض وهذا شيء أشكل وقال الرياشي أشكل على الأمر إذا اختلط وكان أشكل الأمر صار له أشكال أي أشباه وأمثال. ومعنى القرآن الضم والجمع من قولهم ما قرأت الناقة سلاقط أي لم تضم رحمها على ولد وقال قطرب لم تقرأ جنينا لم تلقه قال ويجوز أن يكون معنى قرأت القرآن أي لفظت به مجموعا والقول الأول هو المعروف.
وقوله " وليس يجوز لمن قام مقاما في تخضيض على حرب أو حمالة لدم أو صلح بين عشائر أن يقلل الكلام ويختصر ولا لمن كتب إلى عامة كتابا في فتح أو استصلاح أن يوجز ولو كتب كاتب إلى اهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير للمعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان حين بلغه عنه تلكؤ في بيعته أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى فاعتمد على أيتهما شئت لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان " أعم مذاهب العرب وفصحاء الكتاب الإشارة إلى المعاني باللفظ الوجيز ويرون ذلك من أحسن الصناعة ولكل من الإيجاز والإطالة موضع يخصه وقيل إنما سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ من أدبه بإيجازه مالا يبلغه المتكلف بإكثاره وقيل لحكيم الفرس ما البلاغة فقال تصحيح الأقسام واختصار الكلام وقيل لحكيم الروم ما البلاغة فقال الاختصار عند البديهة والغزارة عند الحاجة وقيل لبليغ الهند ما البلاغة قال البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة وقيل إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عي. وأخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن الفرضي عن الصولي عن محمد بن عروس عن أبيه قال كان جعفر بن
стр. 73
يحيى يقول البلاغة تناسب المعاني وعذوبة الألفاظ وأن يكون للكلام حد يحجزه عن الخروج إلى غيره وعن دخول غيره عليه كقول علي ﵁ أين من سعى واجتهد وأعد واحتشدو جمع وعدد وبنى وشيد وفرش
ومهد فاتبع كل لفظة لفظة تناسبها ولو قلب بعض الألفاظ إلى بعض لكان كلاما مستويا ولكن أين سماء من أرض وقيل لبعض البلغاء ما البلاغة فقال سد الكلام معانيه وإن قصر وحسن التأليف وإن طال وقال معاوية لعمرو بن العاص من أبلغ الناس قال من اقتصر على الإيجاز وتنكب الفضول قال فمن أصبر الناس قال أردهم لجهله بحلمه وقيل لأعرابي من أبلغ الناس قال أحسنهم لفظا وأمثلهم بديهة يعني أحسنهم انتزاعاً للمثل على البديهة وقعد أعرابي إلى ربيعة الرأي فأكثر ربيعة ثم قال يا أعرابي ما البلاغة فقال الإقلال في الإيجاز قال فما العي قال ما كنت فيه منذ اليوم وقيل للمفضل ما الإيجاز فقال تقليل الكثير وتقصير الطويل. والتحضيض مصدر قولك حضضته على الشيء إذا حرضته عليه وحثثته والحض الحث على الخير. والحمالة تحمل الدية عن القوم ويقال أيضا حمال بلا هاء قال الأعشى:
فرع نبع يهتز في غصن المج د عظيم الندى كثير الحمال
والحمالة بكسر الحاء علاقة السيف والجمع الحمائل وكذلك المحمل بكسر الميم والجمع الحامل. والعشائر جمع عشيرة وهي القبيلة ومن دونها ومن أقرب إلى الرجل من أهل بيته والمعشر والنفر والرهط هؤلاء معناها الجمع وهي للرجال دون النساء لا واحد لشيء منها من لفظة وقيل المعشر كل جماعة أمرهم واحد مثل معشر المسلمين ومعشر المشركين. والتلكؤ الاعتلال والامتناع يقال تلكأت تلكؤاً إذا اعتللت وامتنعت. ويحذر يخوف والنحذير التخويف والحذار المحاذرة والحذر والحذر التحرز حذرت أحذر حذراً ورجل حذر وحذر أي متيقظ. والإنذار الإعلام مع التحذير يقال أنذرته أنذره إنذار إذا أعلمته وحذرته ولا يكون المعلم منذراً حتى يحذر بإعلامه فكل منذر معلم وليس كل معلم منذراً.
وقوله " هذا منتهى القول فيما نختاره للكاتب فمن تكاملت له هذه الأدوات
стр. 74
وأمده الله بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر وسكون الطائر وخفض الجناح فذلك المتناهي في الفضل العالي في ذرى المجد الحاوي قصب السبق الفائز بخير الدارين إن شاء الله " الإمداد أن يرسل الرجل لرجل بمدد يقال أمددنا فلانا بجيش ومال وغير ذلك قال الله تعالى " يمددكم ربكم بخمسة آلاف " وقال في المال " أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين " وقال " وأمددناكم بأموال وبنين " ومد النهر وحكى قوم أمد ومده نهر آخر إذا زاد في مائة قال:
سيل أتيٌّ مده أتيّ
ومددت الدواة وأمددتها إذا زدت في مائها ونقسها وأصل المد الزيادة والمادة الزيادة المتصلة. وقوله من العفاف قال علماء أهل اللغة العفاف الكف عما لا يحل يقال عف يعف عفا عفافا وعفة ورجل عف وامرأة عفة. والحلم ترك الإعجال بالعقوبة يقال حلمت عنه أحلم حلما وأنا حليم. والصبر الحبس صبرت نفسي على الأمر أي حبست وقتله صبراً إذا أمسكه ثم قتله ومنه قيل للرجل يقدم فتضرب عنقه قتل صبرا يعني أنه أمسك على الموت وكذلك إن حبس رجل نفسه على شيء يريده قال صبرت نفسي ومنه يمين الصبر وهو أن يحبسه السلطان على اليمين حتى يحلف بها. وسكون الطائر مثل يقال للرجل الحليم إنه لساكن الطائر أي إن طائره لا ينفر من سكونه وذلك أن الطير لا يقع إلا على ساكن فيراد أنه ساكن لا يتحرك حتى يصير بذلك عند الطائر كالجدران والأبنية التي لا تخاف الطير وقوعاً عليها ولا حلولاً بها وفي قولهم كأنما على رؤوسهم الطير قولان أحدهما أنهم لا يتحركون فصفتهم صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيده فهو يخاف أن تحرك طيران الطائر وذهابه والآخر هو أن نبي الله سليمان ﵇ كان يجلس هو وأصحابه ويقول للريح أقلينا وللطير أظلينا ويستشعر أصحابه السكون والسكوت فشبهوا بجلساء سليمان ﵇ الذين لا يتحركون والطير تظلهم من فوق رؤوسهم وللطائر مواضع فالطائر الحط والطائر العمل والطائر التطير. وخفض الجناح يريد لين
стр. 75
الجانب قال الله تعالى " واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين " أي ألن جانبك لهم. والمتناهي الذي بلغ النهاية وهي الغاية. والذرى بضم الذال جمع ذروة وذورة وهي أعلى الشيء فأما الذرى بفتح الذال فهو الكنف. والمجد بلوغ نهاية الكرم وأصله من الكثرة وأن تأكل الماشية حتى تمتلئ بطونها يقال راحت الإبل مجدا وموجدا ومنه رجل ماجد ومجيد وقد مجد ومجد بالفتح والضم فكأن الماجد الممتلئ كرما وشرفا قال ابن السكيت الشرف والمجد يكونان بالآباء يقال رجل شريف وماجد أي له آباء متقدمون في الشرف. والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والحاوي الجامع. والقصب جمع قصبة وكانت العرب تنصب في الرهان قصباً تكون لهم كالغايات يقع السبق إليها وقال أبو عبيدة كانوا يعطون الأول والثاني والثالث من السوابق في الحلبة قصبا كلما سبق فرس أعطى قصبة يقال هذا فرس مقصب إذا كان سابقا بأخذ القصب وصفة القصبة التي تعطي صاحب السابق من الخيل يوم الحلبة يكتب كتاب هذا فرس فلان بن فلان سبق يوم كذا ثم يعلق ذلك الكتاب في رمح أو قصبة يترك في يد صاحب الفرس يطوف بها على الناس فيعرف سبقه فيعطى على ذلك. والفائز الظافر بخير الدنيا والآخرة.
قال أبو محمد: بسم الله الرحمن الرحيم " باب معرفة ما يضعه الناس غير موضعه " من ذلك أشفار العين أصل ش ف ر في اللغة القلة ومن ذلك قيل لحرف كل شيء شفر لأنه أقله ومنه يقال شفر مال الرجل إذا قل وعيش مشفر أي ضيق قال الشاعر يصف النساء:
مولعات بهات هات وإن شف ر مال طلبن منك الخلاعا
وقال الآخر:
قد شفرت نفقات القوم بعدكم ... فأصبحوا ليس فيهم غير ملهوف
ومنه قولهم في النفي ما بالدار شفر بفتح الشين أي ما بها أحد وقال اللحياني شفر لغة وقال البصريون والكوفيون بأسرهم العرب تقول لحرف كل
стр. 76
شيء من القبر والمياه والأنهار والعينين شفر وشفير فإذا جاوزوا هذا قالوا شفر وقولهم ما بالدار شفر أي أحد.
وحمة العقرب أصلها حموة وكذلك لغة ودغة اسم امرأة حمقاء يضرب بحمقها المثل وبغة لولد الناقة الذي بين الهبع والربع وقيل أصلها حمية من الحمى يقال اشتد حمو الشمس وحمى الشمس وأخبرت عن محمد بن عبد الواحد عن ابي سعيد عن ابن دريد قال سألت أبا حاتم عن الحمة فقال سألت الأصمعي عن ذلك فقال هي فوعة السم أي حرارته وقال ابن الأعرابي يقال لسم العقرب الحمة والحمة ولم يحك التشديد غيره وهو الثقة الأمين. وإبرة العقرب شوكتها وإبرة الذراع الناتئ في وسط المرفق وما يليه مما يلي البطن كسر قبيح ومما يلي الجانب الآخر كسر حسن قال الشاعر:
الحسن والقبح في عضو من الجسد
وقال ابن سيرين يكره الترياق إذا كان فيه الحمة يقال درياق وترياق وطرياق وطراق وليس له اشتقاق لأنه رومي معرب.
قال أبو محمد وتقول المجوس إن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خط على النملة شفى صاحبها قال الشاعر قيل إنه لعمرو بن حممة الدوسي:
لنا العزة القعساء والبأس والندى ... بدينا بها في كل ناد وفي حفل
وإن تشرب الكلبى المراض دماءنا ... برين ويبرى ذو نجيس وذو خبل
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل
وهذا البيت يروى لمزاحم العقيلي وعروة بن أحمد الخزاعي. العزة الغلبة والمنعة والقعساء الثابتة يقال عز أقعس. والنادي مجلس القوم ومتحدثهم. والحفل المجتمع. والكلبي المجانين والكلب الجنون ولقد مضى شرحه والنجيش الداء الذي لا يبرأ. والخبل الجنون وفساد الأعضاء يقول لنا الفضل على الناس بالغلبة والشدة ونحن ملوك دماؤنا تشفي من الكلب وقوله ولا عيب فينا نفى أن يكون فيهم عيب ثم قال مثل هذا كثير ويعدونه من صنعة الشعر والمعنى لكن مع انتقائنا من العيوب فينا عرق معشر كرام وهو كقولك ما في فلان عيب إلا إنه سخي أي لا عيب فيه يقول فعيبنا أنا لا نخط على النمل أي
стр. 77
لسنا بمجوس ومثله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
والمعشر في اللغة كل جماعة فوق العشرة وأمرهم واحد نحو معشر المسلمين ومعشر الكافرين والأنس معشر والجن معشر وقيل معناه أنا لا نأتي ما قد جمعه النمل في الصيف فنأخذه في الشتاء من قراها ونأكله. وقوله بمجوس لا ينصرف للتعرف والتأنيث لأنه اسم قبيلة ولا يجوز أن تدخله الألف واللام إلا بعد النسبة إليه ومجوس اسم للجمع كتمر فإذا نسبت إليه قلت مجوسي ثم تجمع مجوسياً المنسوب فتقول مجوس فمجوس جمع وليس باسم الجمع ثم تدخل الألف واللام على جمع مجوسي فتقول المجوس.
قال أبو محمد الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع قال النابغة الجعدي واسمه عبد الله بن قيس ويكنى أبا ليلى:
سألتني جارتي عن أمتي ... وإذا ما عي ذو اللب يسل
سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل
طلبوا الملك فلما أدركوا ... بحساب وانتهى ذاك الأجل
وضع الدهر عليهم بركه ... فأراه لم يغادر غير فل
وأراني طرباً في أثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل
جارته هنا امرأته قال الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة
وأمته قومه وأمة الرجل قرنه الذي يكون فيه وعي ذو اللب أي لم يعرف وجه الأمر ولم يهتد له واللب العقل ولب كل شيء خالصه ومنه سمى سم الحية لبا يقول إذا لم يعرف العاقل وجه الأمر سأل عنه وقوله شرب الدهر عليهم وأكل شرب أهل الدهر والمعنى لما ماتوا فنسوهم وفارقهم الحزن عليهم عادوا إلى الأكل والشرب. وقوله فلما أدركوا لما علم للظرف والمعنى لما نالوا ما قدره الله لهم وبلغوه من أحوال الملك المحسوبة والسنين المعلومة وانتهت أجالهم ماتوا وذهبوا. وقوله وضع الدهر عليهم بركه أي صدره كأنه افتراسهم كما يفترس الأسد الفريسة وهذا مثل وإنما يريد أهلكهم ولم يغادر لم يترك غبر فل أي غير بقية منكسرة وأصل الفل المنهزمون. وقوله وأراني يروى بفتح الهمزة
стр. 78
وضمها على ما لم يسم فاعله وإنما تعدى هذا الفعل إلى ضمير الفاعل وأنت لا تقول ضربتني لأنه من أفعال الشك واليقين وهي غير مؤثرة يقول أراني استخف من بعدهم كما يستخف الواله وهو المتحير أو المختبل وهو الذاهب العقل يقال منه وله يوله ولهاً ويروي أو كالمحتبل وهو الذي قد وقع في الحبالة ويروى كالمتبل وهو مفتعل من التبل والتبل أن يسقم الهوى الإنسان.
" وقال آخر " نسبه بعضهم إلى بشار والصحيح إنه لأبي جنة الأسدي بالجيم والنون كذا أخبرت عن الحسن بن بشر الآمدي وأسم أبي جنة حكيم بن عبيد ويقال حكيم بن مصعب وهو خال ذي الرمة:
فلما ودعونا واستقلوا ... إلى صهب هواديهن قود
كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهن ليتهم بعيد
وفاضت عبرة أشفقت منها ... تجود كأن وابلها الفريد
فقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكن قد أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
قوله استقلوا يقول لما احتمل من يحب على الابل سايرين والصهب الابل البيض يضرب بياضها إلى الحمرة والهوادي الأعناق والقود الطوال كتمت عواذلي مافي فؤادي أي أخفيت عنهن ما أجده من الوجد بالمتحملين وأظهرت لهن السرور ببعدهم خوفاً من لائمتهن وبعيد يقع للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وكذلك قريب قال الله تعالى " وما هي من الظالمين ببعيد " والمعنى مكان بعيد وقريب ومن بناه على قرب وبعد ولم ينو المكان ثنى وجمع وأنث. وقوله وفاضت عبرة أشفقت منها أي خفت من ظهورها وتجود تأتي بدمع غزير والوابل أكثر منه وأصلهما في المطر والفريد جمع فريدة وهي الشذرة من الفضة كاللؤلؤة وقوله كلا ليس الأمر كما زعمتن ومعناها الردع والزجر والجليد الجلد يقول لم أبك ولكن أصاب عيني عود أقذاها فجرى دمعها فقالوا أي قال العاذلون والعاذلات فلذلك أتى بالواو ما لدمعهما سواء أي فما أجرى دمع الأخرى وإنما قالوا ذلك تكذيبا له وكلتا اسم لتثنية المؤنث كما أن كلا للمذكر وألفها للتأنيث وتاؤها منقلبة عن الوار وأصلها كلوى.
стр. 79
وقوله من ذلك الحشمة. الحشمة في اللغة لها موضعان أحدهما الغضب والآخر الحياء وقيل للمبرد الحشمة الغضب والحشمة الحياء ما معنى ذلك فقال الغضب والحياء كلاهما نقصان يلحق النفس فكان مخرجهما واحدا وسمي حشم الرجل حشماً لأنهم يغضبون لغضبه.
وأما زكنت الأمر فقال ابن درستويه معناه حزرت وخمنت وقال وأهل اللغة يقولون معناه علمت ويستشهدون عليه ببيت قعنب وليس فيه دليل على تفسيرهم أنما معناه خمنت على مثل ما خمنوا عليه من سوء الظن والعرب تقول فلان صاحب أركان وليس يعنون به صاحب علم ولكن صاحب حزر وأنشد أبو محمد بيت قعنب:
ولن يراجع قلبي حبهم أبدا ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
يقول قد علمت من بغضهم لي مثل ما علموا من بغضي لهم فقلبي لا يودهم أبداً لذلك يعني بني ضب وبني وهب وهم بنو أعمامه من بني عبد الله بن غطفان وكانوا يحسدونه ويروى زكنت من بغضهم.
وقوله أن القافلة لا تسمى قافلة حتى يصدروا. فقال الأزهري هذا غلط ما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلاً بأن ييسر الله لها القفول وهو شائع في كلام فصحائهم والذي قال الأزهري هو قول ابن الأعرابي.
وأما المأتم فأصله من الجمع وهو الأتم في الخرز وهو أن ينفتق خرزتان فتصيرا واحدةً وأمرأة أتوم إذا التقى مسلكاها والفعل منه أتم يأتم وأتم يأتم ومأتم من أتم يأتم وقال أبو عطاء السندي وكان فصيحاً واسمه مرزوق:
ألا أن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
يرثى ابن هبيرة وكان المنصور قتله بعد أن أمنه وسبب ذلك أنه دخل على المنصور يوما فقال له حدثنا فقال له يا أمير المؤمنين إن سلطانكم حديث وإمارتكم جديدة فأذيقوا الناس حلاوة عدلها وجنبوهم مرارة جورها فو الله يا أمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة ثم نهض فنهض معه سبعمائة من
стр. 80
قيس فأثأره المنصور بصره وقال لا يعز ملك فيه مثل هذا ثم قتله فلما حمل رأسه إليه قال للحرسي أترى إلى طينة رأسه ما اعظمها فقال الحرسي طينة أمانه أعظم من طينة رأسه. قوله لم تجد لم تسمح بالبكاء وجمود قليلة الدمع يقال عين جامدة وجمود وسنة جماد قليلة القطر وعشية بدل من قوله يوم واسط وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال وهو تحديد وتوقيت ومعنى قيام النائحات تهيؤها للنوح كما تقول قامت السوق والجيوب جمع جيب والفعل منه جبت القميص إذا قورت جيبه وجيبته إذا عملت له جيبا وقال سلمت جبت القميص وجبته وأنشد لأبي حية النميري واسمه الهيثم بن الربيع:
رمته أناة من ربيعة عامر ... نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم
فجاء كخوط البان لا متتابع ... ولكن بسيما ذي وقار وميسم
فقلن لها سرا فديناك لا يرح ... صحيحا وإلآ تقتليه فألممي
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبه ... تنادوا وقالوا في المناخ له نم
قوله رمته أي رمته بنظرها إليه والأناة المرأة التي فيها فتور عند القيام وأصلها ونأة من الونى وهو الفتور والكسل والواو المفتوحة لم تزل منها الهمزة إلا في أحرف يسيرة هذا أحدها وقد يجوز أن تكون أناة من التأني وهو التمكث وربيعة بن عامر بن صعصعة أخو نمير ووصفها برقاد الضحى لأنها مكفية مكرمة تخدم ولا تخدم والخوط الغصن والبان شجر شبه به الشباب الناعم وخص البان لأن قضبانه أحسن القضبان في الطول والاستواء والمتتايع الذي يتهافت على أمر ليس بالحميد وموضع كخوط نصب على الحال ولا متتايع ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال لا هو متتايع ولكن استدراك بعد نفي أي جاء غير متتايع ولكن بهذه السيما وهي العلامة والمسيم الحسن وأثر الجمال يقول نحل لما رمته فصار كأنه خوط بان قضافة ونحافة ومع ذلك كان وقورا موسوما بالحسن والجمال. وقلن لها أي قالت النسوة التي حوالي هذه المرأة لها وقوله سرا يجوز أن يكون مصدرا في موضع الأمر كأنه قال ساريه مسارة فوقع السر موقع المسارة فيكون على هذا لا يرح جواب الأمر الذي دل عليه سرا ويجوز أن يكون سرا مصدرا في موضع الحال ويكون لا
стр. 81
يرح مجزوما بلا النهي ويجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية كما تقول لا أرينك ههنا والمعنى لا تكن ههنا فأراك أي يقلن لها قد ألقيته في فتنة العشق فلا تدعيه يروح صحيحا وأدنيه من الموت أن لم تقتليه والممى أي قاربى وأظهر التضعيف ضرورة لأن الميم هنا تلزمها الحركة. وألقت قناعا القناع المقنعة يقول طرحت قناعها وسترت بمعصمها وجها كالشمس والمعصم من موضع السوار من اليد. وقوله وقالت يجوز أن يكون معناه تكلمت كما تقول قال وقلنا أي تكلم وتكلمنا وقيل معناه أو مأت أو تهيأت لأمر تريده وافرغت صبت السحر في عيني الرجل وفؤاده وسحرت عينه لأنه رآها فوق ما هي عليه من الحسن والسحر إخراج الشيء في أحسن معارضه حتى يفتن ويروى قلن له أنعم على القلب أي أحزن وتوجد من العشق ويجوز أن يكون معنى أنعم هزءاً أي قد صدناك واستعبدناك. وقوله فود بجدع الأنف الباء هنا تفيد معنى العوض تقول هذا بذاك أي عوض من ذاك وتنادوا يجوز أن يكون تجمعوا من الندى وهو المجلس وأن يكون من النداء يريد تداعوا وقالوا ذلك وجدع الأنف قطعه والمناخ موضع الإناخة.
قال أبو محمد ومن ذلك الحمام. الحمام اسم جنس الواحدة حمامة يقع على الذكر والأنثى وحكى عن الأصمعي أنه قال اليمام ضرب من الحمام بري. وانشد أبو محمد لحميد بن ثور الهلالي ويكنى أبا الأخضر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما
من الورق حماء العلاطين باكرت ... عسيب أشاء مطلع الشمس أسحما
عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقة صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما
يقول ما أثار شوقي إلا صوت قمرية تدعو ذكرها وقيل الحر فرخ الحمام والساق أبوه وقيل ساق حر حكاية صوتها والترحة الحزن والترنم الصوت الذي لا يفهم والورق جمع ورقاء وهي التي لونها كلون الرماد وحماء سوداء والعلاط سمة في العنق يعني طوقها والعسيب عود السعفة والإشاء صغار النخل والأسحم الأسود وإن بمعنى كيف ويكون أنى بمعنى أين أيضا وتفغر تفتح يقول عجبت كيف يفصح غناؤها بما في جوفها من الحزن ولم تفتح فاها فتنطق فهي مطبقة فمها لا تفتحه وقوله فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها بقول لم
стр. 82
أر إنساناً هيج شوقة صوت حمامة ولا عربيا مثلي شاقه صوت أعجم وهو الذي لا يفصح وذلك أن العربي لا يهتدي إلى غناء الأعجمي فلا يطرب له فإذا أطربه غناؤه فذاك متناهي الحسن وعنى بالأعجم الحمامة ويروى ولم أر محزونا له مثل صوتها أي لم أر محزونا أملح صوتا من صوتها.
وأنشد أبو محمد للنابغة الذبياني واسمه زياد ويكنى أبا إمامة:
وأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد
قالت إلا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما وجدت ... ستاً وستين لم ينقص ولم يزد
فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ... ونصفه قديه تم الحمام ميّه
يخاطب النعمان ويعتذر إليه مما بلغه عنه. أحكم أي كن حكيما والحكم الحكمة مثل نعم ونعمة ونحل ونحلة تقول أحكم كحكم فتاة الحي إذ أصابت فوضعت الأمر موضعه وهي لم تحكم بشيء إنما قالت شيئا كانت فيه حكيمة يقول فأصب أنت في الأمر ولا تقبل ممن سعى عليّ وقال الأصمعي سمعت ناسا بالبادية يحدثون أن ابنة الخس كانت قاعدة في جوار فمر بها قطا وارد في مضيق من الجبل فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه معه ... إلى قطاة أهلنا إذاً لنا قطاً مائه
فاتبعت القطا فعدت على الماء فإذا هي ست وستون. وقال أبو عبيدة زرقاء اليمامة كان اسمها اليمامة فسميت جو اليمامة وقال ابن الكلبي اسمها عنز وكانت زرقاء فنسبت إلى اليمامة وكانت من بقية طسم وجديس وكانوا من ساكني اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأكثرها خيرا فمر بها سرب من قطا على مسيرة ثلاث فنظرت إليها فقالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ... ونصفه قدية تم الحمام ميّة
وكان لها قطاة فنظر فإذا القطا كان ستا وستين وكان وقع في شبكة صياد فعدته وهو يمر بين جبلين حين نظرت إليه وحسبته وأسرعت الحسبة والثمد الماء القليل وقدي أي حسبي وهي كلمة تستعمل كثيرا ولا يعرف استعمالها مع الظاهر وإذا جاءت مع المضمر فإنما يخاطب بها المواجه وحذف النون من
стр. 83
قدني عند سيبويه للضرورة وعند الفراء لغة. ويروى فياليت ما هذا الحمام. والحمام بالرفع والنصب فمن رفع جعل ما كافة ومن نصب جعلها زائدة والحمام يذكر ويؤنث ويوصف بالواحد والجمع فلذلك قال وارد وكل ما كان بينه وبين واحده التاء فهو اسم للجمع وحكمه وكذلك. والثمد الماء القليل ويحفه يكون من جانبيه والنيق أرفع موضع في الجبل وإذا كان الحمام بين جانبي نيق ضاق عليه الموضع وركب بعضه بعضا فكان أشد لعده. وقوله مثل الزجاجة يريد عينا صافية كصفاء الزجاجة فحسبوه الهاء للحمام. وقوله لم تنقص ولم تزد يروى بالتاء والياء فالياء ضمير العدد وقيل هو ضمير الحمام والتاء ضمير المرأة وروى أبو عبيدة فكلمت مائة بالتخفيف أي فتمت وقال الأصمعي الحسبة الجهة التي يحسب منها وهي مثل القعدة والجلسة والحسبة هي المرة الواحدة تقول اسرعت أخذاً في تلك الجهة.
وقوله ومن ذلك الربيع. قال أبو يحيى بن كناسة في صفة أزمنة السنة وفصولها وكان علاّمة بها أعلم أن السنة أربعة أزمنة الربيع الأول وهو عند العامة الخريف ثم الشتاء ثم الصيف وهو الربيع الآخر ثم القيظ قال وهذا قول العرب البادية قال والربيع الأول هو الخريف عند الفرس يدخل لثلاثة أيام من أيلول قال ويدخل الشتاء لثلاثة أيام من كانون الأول قال ويدخل الصيف الذي هو الربيع عند الفرس لخمسة أيام تخلو من آذار ويدخل القيظ الذي هو صيف عند الفرس لأربعة أيام حزيران. قال أبو يحيى وربيع أهل العراق موافق لربيع الفرس وهو الذي يكون بعد الشتاء وهو زمان الورد وهو أعدل الأزمنة وفيه تقطع العروق ويشرب الدواء قال وأهل العراق يمطرون في الشتاء كله ويخصبون في الربيع الذي يتلو الشتاء وأما أهل اليمن فإنهم يمطرون في القيظ ويخصبون في الخريف الذي تسميه العرب الربيع الأول.
وأنشد أبو محمد شاهداً على ظل الليل لذي الرمة واسمه غيلان بن عقبة:
قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه البوم
بالصهب ناصبة الأعناق قد خشعت ... من طول ما وجفت أشرافها الكوم
أعسف أسير على غير هداية والنازح الخرق البعيد والمعسف والعسف واحد وهو أن يأخذ على غير هدى والمجهول الذي لا يهتدي لطريقه وقد بالغ
стр. 84
في وصف نفسه بقطع الفلوات وارتكاب الأهوال لأنه لم يكفه أن يجعل الموضع الذي يسير فيه خرقا لا يهتدي فيه حتى أخبر أنه يسري فيه في ليل أسود لا قمر فيه وذلك لقطعه ثم جعله لا يسمع به سوى صوت البوم وذلك أروع له وأبعد من الأنيس. والهام جمع هامة وهي أنثى البوم والذكر الصدأ والأخضر هنا الأسود وظله ستره ويروى في ظل أغضف وهو المتثنى والصهب جمع أصهب وصهباء وهي الإبل التي يخالط بياضها حمرة وهو أن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه وجمل صهابى أي أبيض اللون وهو نجار العتق. وخشعت تطامنت. والوجيف ضرب من السير سريع. وأشرافها أسنمتها الواحد شرف والكوم جمع أكوم وكوماء وهي العظيمة السنام يقول أعسف هذا المكان المجهول معصفة في ليل متراكب الظلمة بالإبل الصهب الناصبة الأعناق وقد تطامنت اسنمتها العظام الطوال ولصقت بظهورها من طول سيرها السريع.
قال أبو محمد ومنه قول الله " حتى تفيء إلى أمر الله " أي ترجع وأنشد لامرئ القيس بيتا وقبله:
فلمّا رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائضها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي
أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن علي بن عمر عن عبيد الله بن محمد المروزي الكاتب عن ابن الأنباري عن العنزي عن علي بن الصباح عن هشام بن محمد عن فروة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب عن أبيه عن جده قال قدم على رسول الله ﷺ ناس من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أحيانا الله بيتين من شعر امرئ القيس خرجنا نريدك فلما كنا ببعض الطريق ضللناه فبتنا على غير ماء فلم نزل ثلاثا على ذلك حتى استذرينا بظل الطلح والسمر فبينا نحن على ذلك إذ أقبل راكب على بعير متلثم بعمامة فتمثل رجل منا بقول امرئ القيس فلما رأت. البيتين فقال الراكب من يقول هذا قلنا امرؤ القيس قال فو الله ما كذب هذا ضارج عندكم فحبونا إليه على الركب فوجدناه ماء قد علاه العرمض وهو الطحلب فشربنا منه حتى روينا وحملنا ما كفانا حتى وقفنا على الطريق فقال رسول الله ﷺ " ذاك رجل شريف في الدنيا مذكور فيها منسي في
стр. 85
الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار " في رأت ضمير يعود إلى ناقته والفريصة اللحمة في ناغض الكتف على الجنب وهو أول ما يرعد من الدابة إذا فزع. يقول لما رأت الناقة أن الشريعة همها تيممت العين أي قصدتها وإنما جعل البياض من فرائصها داميا ليدل على ما لحقها من الكلال والتعب في طول السير وقال أبو إسحق الحربي الصواب وإن البياض من فراسنها دامي والفراسن جمع الفرسن وهو في يد الناقة والسلاميات عظام الفرسن. وقوله عرمضها العرمض الخضرة التي تعلو الماء. والطامى المرتفع. وضارج جبل.
وأنشد أبو محمد للشماخ ويكنى أبا سعد يمدح عرابة الأوسى وقبله:
إليك بعثت راحلتي تشكى ... حروثا بعد محفدها السمين
إذا بركت على شرف وألقت ... عسيب جرانها كعصا الهجين
إذا الأرطى توسد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين
الراحلة من الإبل التي يختارها الرجل لمركبه. والحروث الهزال والمحفد السنام يقول لم أزل أذيبها في السير إليك حتى أنضيتها بعد سمنها والشرف ما ارتفع من الأرض. والعسيب هنا عظم الذنب. والجران باطن عنق البعير وهو ما أصاب الأرض منه إذا برك وأراد بالهجين الراعي شبه عنق ناقته بالعصا لهزالها. والأرطى ضرب من الشجر وخصه لأن منبته في الرمل والبقر والظباء تعوذ وتكنس فيه من الحر والبرد والمطر. وقوله توسد أبرديه أي اتخذ الظل والفيء وسادة. والجوازئ الظباء التي تجتزئ بالرطب عن الماء. والعين جمع عيناء وهي الواسعات العيون.
قال أبو محمد ومن ذلك الآل والسراب. أما السراب فإنما سمي سرابا لأنه يسرب سربا أي يجري جريا يقال سرب الماء يسرب سروبا قال الفراء وهو ما لصق بالأرض والآل الذي يكون كالملاء بين السماء والأرض كأنه الماء قال ويكون من الضحى إلى زوال الشمس والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر. والآل الشخص والآل الأحوال جمع آلة والآل الخشب المجرد والآل الأهل. وأنشد أبو محمد للنابغة الجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا
стр. 86
قال وهذا من المقلوب. قوله تعدي أي تستحضر الخيل يقول هي تمرح بهم فكان ذاك نزوان الآل ومفعول تعدى محذوف أراد تعدى فوارسنا أفراسهم والرعن أنف نادر من الجبل. والقف الجبيل الصغير وقال أبو عبيدة الرعن والآل كلاهما يرفع أحدهما الآخر وليس هذا من المقلوب لأنه شبه الكتيبة برعن والقف وشبه ما على الكتيبة من الحديد بالآل فلو كان الآل هو الرافع لم يكن التشبيه واقعا لأن الحديد أبدا يعلو الكتيبة. والقيعة جمع قاع وهو المنبسط من الأرض الذي لا نبت فيه ومثله نار ونيرة وولد وولدة وأخ وأخوة قال أبو محمد إنما الدلج سير الليل وأنشد للشماخ:
كأنها وقد براها الاخماس ... ودلج الليل وهاد قياس
ومرج الضفروماج الاحلاس ... شرائج النبع براها القواس
يهوى بهن بختري هواس ... كأن حر الوجه منه قرطاس
ليس بما ليس به باس باس ... ولا يضر البر ما قال الناس
الضمير في كأنها يرجع إلى الإبل والاخماس جمع خمس والخمس أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه ثلاثة أيام وترد في اليوم الخامس وبراها هزلها وقطع لحمها والهادي الدليل والقياس الذي يقيس طريقا بطريق فيأخذ بالأشبه ومن روى قسقاس فهو الهادي المتفقد الذي لا يغفل إنما دأبه التلفت والتنظر يقال ليلة قسقاسة شديدة الظلمة يقول هزل هذه الإبل اظماؤها وسراها واتعاب دليلها الماهر بالدلالة فلا ينزل ولا يتوقف للاستدلال فتستريح الإبل ومرج قلق يقال مرج الخاتم في يدي إذا قلق والضفر نسيج من الشعر عريض يشد في وسط الناقة يقول اضطراب بطانها منت هزالها والاحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يكون تحت الرحل والقتب يلي ظهر البعير والشرائج جمع شريجة وهو أن يشق القضيب نصفين فتعمل منه قوسان فيقال لكل واحدة شريج وشريجة وبراها قطعها وقوله يهوى بهن أي يسرع بهذه النوق بخترى وهو المتبختر والهواس والهواسة الرجل المجرب الشجاع وحر الوجه خالصه وشبهه بالقرطاس لبياضه. قال أبو محمد أبو زبيد يذكر قوما يسرون اسم أبي زبيد حرملة بن المنذر:
تواصوا بالسرى هجرا وقالوا ... إذا ما ابتز أمركم النعوس
стр. 87
فإياكم وهذا العرق واسموا ... لموماة فآخذها مليس
وحفوا بالرحال على المطايا ... وضموا كل ذي قرن وكيسوا
فباتوا يدلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد غموس
تواصوا أي أوصى بعضهم بعضا هجرا أي وقت الهاجرة والسرى سير الليل خاصة. وابتزاي عري من الأمر وجرد ويروى ابتز بالفتح أي إذا غلب أمركم ناعس وقوله فإياكم وهذا العرق أي احذورا هذا العرق وأبعدوا عنه وهو الجبل ويقال الغيضة وميلوا إلى الموماة وهي الفلاة وأصلها موموة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وآخذها طريقها الذي يؤخذ فيه فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى ماء دافق أي مدفوق ومليس أي أملس. وحفوا بالرحال يقول إذا أعييتم وغلبكم النعاس فأنيخوا بنا في الموماة وإياكم أن تنيخوا قريبا من هذا العرق وأديروا الرحال حولهم وأعدوا الرماة. والقرن الجعبة وكيسوا أي استعملوا الكيس وهو العقل قال الشاعر:
فلو كنتم لميسة أكاست ... وكيس الأم يعرف في البنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتم ... غثاثاً ما ترى فيكم سمينا
فباتوا يدلجون أي يسرون الليل وبات الأسد يسري معهم حيث لا يرونه يراعى غرتهم. وقوله هادٍ أي مهتد إلى الطريق والمأخذ والهموس الذي لا يسمع لقوائمه وطء ولا يحس به أحد. والدجى الظلمة الواحدة دجية، ويروي عموس وغموس بالعين والغين ومعناهما الشديد: قال أبو محمد وكان رجل من أصحاب اللغة يخطئ الشماخ في قوله:
وكنت إذا لاقيتها كان سرنا ... لنا بيننا مثل الشواء الملهوج
وكادت غداة البين ينطق طرفها ... بما تحت مكنون من الصدر مشرج
وتشكو بعين ما أكل ركابها ... وقيل المنادى أصبح القوم أدلجي
يقول كنت إذا لاقيت هذه المرأة لم أتمكن من مسارتها والاشتفاء بحدثيها وتعرف ما عندها لي إلا على عجلة وغير تمكن من اتمام الحديث خوف الرقباء فكان سرنا مثل الشواء الذي لم يتم نضجه وقوله بما تحت مكنون من الصدر أي مكتوم. ومشرج مشدود كشرج العيبة وهي عراها المداخل بعضها
стр. 88
في بعض يقول كادت هذه المرأة غداة الفراق تبكي فيعلم ببكائها في ضميرها فيقوم بكاؤها مقام النطق بسرنا والبوح به وتشكو بعين معناه أنها لا تقدر على الكلام من التعب والجهد فهي تومئ بطرفها إليه وقوله ما أكل ركابها قال أبو علي يجوز أن ينشد ما أكلت ركابها على أن يكون بمعنى المصدر فيكون التقدير وتشكو بعين إكلال ركابها ولا يكون في الصلة شيء يرجع إلى ما لأنها إذا كانت بمعنى المصدر لم يكن في صلتها عائد إليها والمعنى على ضربين أحدهما أن يكون وتشكو بعيني إكلال ركابها إياها فترك ذكر المفعول للدلالة عليه والآخر أن يكون وتشكو كلال ركابها ولا تقدر المفعول ولكن كأنك قلت وتشكو أن أكلت ركابها أي صارت ذات كلال وفي ذلك دلالة على كلالها إذ كانت معهن تسير بسيرهن ويجوز ما أكلت ركابها على أن يكون ما بمعنى الذي فيكون التقدير وتشكو بعين الذي أكلته ركابها فتحذف الهاء العائدة إلى الموصول والذي أكلته ركابها هو التعب والكلال فهذا في المعنى مثل الأول وإن كان تقدير اللفظ مختلفا وهذا الوجه هو الرواية في البيت فيما روى عن الأصمعي ويجوز تشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما بمعنى الذي ويكون فاعل أكلّ ضمير ما والذي أكل ركابها في المعنى هو دؤوت السير وكثرته وموضع ما مع صلته في كل هذه الوجوه نصب. ويجوز وتشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما تعجبا كأنه قال وتشكو بعين ما أكل ركابها فتعجب من كلال ركابها فيكون موضع ماجراً صفة للعين كما تقول مررت برجل ما أحسن ثوبه ولا يجوز أن تكون مانفيا في قول من رفع فقال ما أكل ركابها لقوله وقيل المنادى ولا يكون مع هذا الأمر منادى الرفقة والائتمار له إلاّ تكل الركاب ويكون قيل المنادى على هذا التأويل أصبح القوم أدلجي محمولاً على فعلٍ آخر غير تشكو هذه الظاهرة كأنه وتشكو قيل المنادى إلا أن هذا الظاهر دلّ عليه وإن شئت حملت قيل المنادى في هذا الوجه على موضع الباء وما جرته مثل مررت بزيد وعمراً ويكون في الأقاويل الأخر مثل قولك وتشكو زيدا وعمراً فهذا ما يحتمله ها البيت وقيل في قوله وتشكو يعني الناقة وشكواها رغاؤها وأثر الكلال فيها وما بمعنى الذي وقال بعضهم الشكوى ههنا من المرأة يقول غمزت بعينها وأومأت بيدها لأنها لا تقدر على الكلام ممن تهابه والقول الأول قيل أنه قول الأصمعي ويروى وقيل المنادى وقول المنادى فالقول
стр. 89
مصدر والقيل والقال اسمان وهذا على أن المنادى نادى في أول الليل أو في وسطه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العرض ". أخبرت عن ابن الأنباري أنه قال أنكر ابن قتيبة أن يكون العرض الآباء والأسلاف واحتج بالحديث في أهل الجنة وليس في احتجاجه بهذا الحديث حجة له لأن الأعراض عند العرب المواضع التي تعرق من الجسد وقال والذي يدل على غلطه في هذا التأويل قول مسكين الدارمي:
رب؟ مهزولٍ سمينٍ عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
معناه مهزول البدن والجسم كريم الآباء وقال عمر بن الخطاب ﵁ للحطيئة كأني بك عند رجل من قريش قد بسط لك نمرقةً وكسّر أخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفعت تغنيه بأعراض الناس فمعناه بثلب أسلافهم وآبائهم وقال الآخر:
قاتلك الله ما أشد عليك ال بذل في صون عرضك الخرب
يريد في صوت أسلافك اللئام وقول حسان: فان أبي ووالده وعرضي
معناه فان أبي ووالده وآبائي فأتى بالعموم بعد الخصوص ذكر الأب ثم جمع الآباء كما قال الله تعالى " ولقد آتينا سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " فخص السبع ثم أتى بالقرآن العام بعد ذكره إياها وقول أبي ضمضم اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك معناه إني تصدقت عليهم بما يلحقوني من الأذى في أسلافي فجعلتهم من إثم ذلك في حل. وقول أبي الدرداء أقرض من عرضك ليوم فقرك من سب أباك وأسلافك فلا تسب أباه وأسلافه ولكن اجعل ذلك قرضا عليه ليوم القصاص والجزاء قال وقول ابن قتيبة لا يجوز أن يكون الأسلاف لأنه إذا ذكر أسلافه لم يكن التحليل إليه لذكره قوما موتى ليس المعنى في هذا عندنا على ما قال لأنه لم يحلله من سبّه الآباء وإنما أحله مما وصل إليه من الأذى في ذكره أسلافه انتهى كلام أبي بكر فهذه الشواهد التي استشهد بها ابن قتيبة على أن العرض النفس متأولة كما ترى والدليل القاطع
стр. 90
عن ان العرض النفس حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " أراد احتاط لنفسه لا يجوز فيه معنى الآباء وكذلك قوله ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه لا يكون عرضه إلا نفسه وقد اختلف الناس في العرض وحمله على ما قيل فيه أنه النفس والبدن والريح والحسب وما يمدح به الرجل ويذم وخلائقه المحمودة والموضع الذي يعرق منه الجسد والعرض أيضا الرجل الذي يعترض الناس بالباطل والعرض وادي اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه. وأنشد لحسان بن ثابت ابياتا قبلها:؟ ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
اتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان رضيع رسول الله ﷺ أرضعته حليمة وكان يألفه في الجاهلية فلما بعث عاداه وهجاه ثم أسلم عام الفتح وشهد حنيناً والمغلغلة الرسالة تحمل من بلد إلى بلد. وقوله فقد برح الخفاء أي انكشف الستر واتضح الأمر وهو مثل والخفاء مصدر خفي الأمر خفاء إذا اكتتم ويروى فأنت مجوف نخب هواء والمجوف الذي لا قلب له كالقصبة الجوفاء وكذلك النخب والهواء الرجل الجبان يقال رجل هواء وقوم هواء وأصله من قولهم وعاء هواء إذا كان منخرق الأسفل لا يعي شيئا والكفء النظير يقال كفءٌ وكفؤ وكفؤ قالوا وكفئ على فعيل وكفاء على فعال والوقاء ما وقى شيئاً وهو كالفداء يقول هجوكم لا ينقصه كما أن مدحكم لا يرفعه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العترة " أما العترة فهي نسل الرجل وربما جعلوها الأسرة واشتقاقها من العتر وهو الأصل فكأنها الجماعة التي أصلها واحد ومعنى حديث أبي بكر ﵁ نحن عترة رسول الله ﷺ التي خرج منها وبيضته التي تفقأت عنه. التفقؤ التشقق وضرب البيضة مثلاً ومعنى قوله وإنما جيبت العرب عنا كما جيبت الرحا عن قطبها يقول خرقت العرب عنا وكنا وسطا وكانت العرب حوالينا كما خرقت الرحا في وسطها القطب وهو الذي تدور عليه الرحا وهذا مثل أيضا.
стр. 91
وأما الجاعرتان فقال أبو زيد وغيره هما من البعير العظمان المكتنفان أصل الذنب والذنب بينهما وقال الليث هما حيث يكوي الحمار في مؤخره وهما الرقمتان وهذا قريب من قول أبي زيد وحكى بعضهم عن الأصمعي هما حرفا الوركين المشرفان على الفخذين والرقمتان أيضا شبه ظفرين متقابلين في باطن أعضاد الفرس والحمار وأنشد أبو محمد بيتا لكعب ابن زهير وقبله.
كأني شددت بأنساعها ... قويرح عامين جاباً شنونا
يقلّب حقباً ترى كلّهن ... قد حملت فأسرّت جنينا
فأبقين منه وأبقى الطرّاد ... بطنا خميصا وصلبا سمينا
وعوجا خفافا سلامٍ الشظى ... وميظب أكم صليباً رزينا
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبه ... رأيت لجاعرتيه غضونا
الاتساع حبال من أدم الواحد نسع وقويرح تصغير قارح يريد حمار وحش شبه ناقته به في قوتها وصلابتها ثم أخذ في وصف الحمار والأتن الجأل يهمز ولا يهمز وهو الصلب الغليظ. والشنون الذي بين السمين والمهزول والحقب جمع أحقب وحقباء وهي التي في حقوبها بياض وأسرت جنينا أي أضمرت ولدا في بطنها فأبقين منه أي أبقت الاتن من العير وأبقى الطراد أيضا بطناً خميصا أي ضامرا. وعوجا خفافا يعني قوائم منحنية خفيفة. وسلام الشظى سليمة من الداء والعيب. والشظى عظمٌ لاصق بالذراع وميظب أكمٍ يريد أنه مواظب أبدا على الأكم يعني، حوافر تديم دقّ الأكم والصليب الصلب. وقوله انتحاهنّ أي قصدهنّ وشؤبوبه شدة دفعته في جريه والهاء راجعة إلى العير والضمير في انتحاهنّ يرجع إلى الأتن. والغضون الاسترخاء والتثني من الهزال.
قال أبو محمد وأما قول الهذلي في صفة الضّبع عشنزرةٌ جواعرها ثمان فلا أعرف عن أجذ من علمائنا فيه قولا أرتضيه.
الهذلي هو الأعلم واسمه حبيب بن عبد الله وهو أخو صخر الغيّ وأول هذا الشعر:
أعبد الله ينذر يال سعد ... دمي إن كان يصدق ما يقول
متى ما يلقني ومعي سلاحي ... يلاق الموت ليس له عديل
стр. 92
فشايع وسط ذودك مقبئناً ... لتحسب سيداً ضبعاً تبول
عشنزرة جواعرها ثمانٍ ... فويق زماعها خدم حجول
قوله ينذر أي يوجب على نفسه سفك دمي يقول أن لقيته لأقتلنه ويروى يوعد أي يتهدد. وسعد بن هذيل بن مذركة بن الياس بن مضر. والمعنى أن كان يصدق فتعجبوا له يريد أنه كاذب لا يقدر على ما يقول. وقوله فشايع أي ادع أبلك ويروى تشايع أي تنادي. وتدعو ذودك والذود ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل. ومقبئناً منتصبا ويروى مستقناً من القنّ وهو الذي يقيم مع غنمه يشرب ألبانها ويكون معها حيث ذهبت. وتنول تحرك رأسها ويروى تبول يهزأ به. وعشنزرة غليظة مسنة يريد الضبع. وقوله جواعرها ثمان قال ابن قتيبة لا أعلم عن أحد من علمائنا فيه قولاً أرتضيه قال لنا الشيخ أبو زكريا قد وجدنا في ذلك قولا مرضيا وذلك أن هذا مبنيٌّ على قولهم في المثل " أحاديث الضّبع من استها بالليل " يضرب مثلا للباطل وهو أن في حياء الضبع خروقا كثيرة فإذا كان الليل استقبلت الريح بحيائها فيسمع له عند ذلك كالحديث فجعل الشاعر هذه الخروق جواعر وادعى أنها ثمان. والزمعة التي خلف الظّلف مثلٍ الزيتونة. والخدم جمع خدمة وهي مثل الخلخال وقيل جعل جواعرها ثمانياً يريد أن خلقها منتشر وإنما هي جاعرتان ويروى عشوزنة وهي أيضا الغليظة.
قال أبو محمد ومن ذلك الفقير والمسكين.
اختلف أهل اللغة في الفرق بين الفقير والمسكين فمذهب يونس بن حبيب ومن وافقه أن الفقير أحسن حالا من المسكين وقد ذكر ابن قتيبة حجته ومذهب الأصمعي ومن وافقه أن المسكين أحسن حالا من الفقير قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا لأن الله عز اسمه قال " أما السفينة فكانت لمساكين " فأخبر أن للمسكين سفينة من سفن البحر وهي تساوي جملة من المال وقال تعالى " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس. إلحافا " فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين قال والذي احتج به يونس من قول الأعرابي لا والله بل مسكين يجوز أن يكون أراد لا والله بل أنا أحسن حالا من الفقير وليس في بيت الراعي حجّةٌ لأن
стр. 93
المعنى كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى وليست له في هذه الحال حلوبة. ومعنى الفقير في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فلا حال هي أوكد من هذه. ومعنى المسكين الذي سكنه الفقر أي قلل حركته واشتقاقه من السكون والفعل منه تمسكن وتسكّن إذا صار مسكينا كتمدرع إذا لبي المدرعة. وأنشد أبو محمد بيت الراعي النميري ولم يكن راعيا وإنما كان يجيد وصف الإبل فلقب الراعي واسمه عبيد بن حصينٍ ويكنى أبا جندل وقبل البيت:
أزرى بأموالنا قوم بعثتهم ... بالعدل فينا فما أبقوا ولا قصدوا
نعطي الزكاة فما يرضى خطيبهم ... حتى تضاعف أضعافا لها عدد
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
قوله أزرى بأموالنا أي قصر بها يقال زريت عليه إذا عبت عليه فعله وأزريت به إذا قصّرت به والمعنى أنهم أهانوا الأموال وأسرفوا في هلاكها فلم يبقوا على شيء. والقصد ضدّ الإسراف. وخطيبهم متكلمهم ومتقدمهم يقول لا يرضى بالزكاة حتى يأخذ اضعافاً كثيرة لها عدد تعدياً وظلماً. شكا إلى عبد الملك ظلم السعاة على الصدقات لقومه وجورهم عليهم وأنهم لم يتركوا للفقير شيئاً والفقير لا يجب عليه في المقدار الذي يملكه صدقة ولا سبيل عليه للسعاة. وقوله وفق العيال أي ما يكفي عياله وحلوبته يراد به ما فيه لبن يحلب ويقال ما لفلان حلوبة ولا ركوبة أي ناقة يحلبها وناقة يركبها. وقوله لم يترك له سبد أي لم يترك له شيء وهذه الكلمة تستعمل في النفي إذا عبر عن الإنسان وأخبر عنه أنه لا يملك شيئاً قيل ما له سبد ولا لبدٌ بمعنى ما له شيءٌ والسبد من الشعر واللبد من الصوف هذا الأصل ثم اتسع فيه.
قال أبو محمد والخائن الذي أؤتمن فأخذ وأنشد للنمر بن تولب العكلي.
وإن بني ربيعة بعد وهب ... كراعي البيت يحفظه فخانا
وهب رجل من ربيعة نازع النمر بن تولب في بئر تدعي الدخول وهي بئر نميرة الماء وكان النمر سقاه فلم يشكر له يقول وهب أمثل ربيعة فإذا خان فكلهم خائن كما يقال في بني فلان بعد فلان خير أي إذا لم يكن فيه خير فليس في أحد منهم وقوله كراعي البيت أي كمن أؤتمن على بيت فخان الذي
стр. 94
ائتمنه عليه ويروى يحفظه بضم الياء أي يجعل حافظا له.
قال " والملآم الذي يقوم بعذر اللئام " فيه لغتان ملآم على وزن مفعال وملأم على وزن مفعل. وقوله ومن ذلك التليد والتلاد. التاء فيهما بدل من الواو وأصلهما من الولادة والواو تبدل منها التاء كثيرا.
وقوله " ومن ذلك اللبة يذهب الناس إلى أنها النقرة التي في النحر وذلك غلط " قد وهم في هذا لأن اللبة والنقرة والثغرة والمنحر شيء واحد وهي الهزمة بين الترقوتين قال الراجز: وتارة في ثغر النحور وروى أبو العشراء عن أبيه قال قلت يا رسول الله أما تكون الزكاة إلا من اللبة أو الحلق فاللبة موضع النحر والحلق موضع الذبح فكأنه ظن أن النحر يكون في موضع الذبح وإنما النحر ودج في أصل العنق والذبح في آخره مما يلي الرأس والإبل تنحر ولا تذبح والبقر تذبح تنحر والغنم تذبح.
قال أبو محمد " إنما الآرى الآخيّة التي تشد بها الدابة من تأرّيت بالمكان إذا أقمت به ".
الآخية وزنها فاعولة من تأخّيت أي قصدت وتيممت وهو عود يعرض في الحائط والجميع الأواخي والأخايا وفي الحديث " لا تجعلوا ظهوركم كأخايا الدواب " يعني في الصلاة وأنشد لأبي قحفان عامر بن الحارث أعشى بأهلة بيتا قبله:
لا يغمز الساق من أينٍ ولا وصب ... ولا يزال أمام القوم يقتفر
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصفر
يرثى المنتشر بن وهب ويقال أنها لأخت المنتشر. قوله لا يغمز الساق يقول
стр. 95
هو مصحح لا يصيب ساقه ألم فيغمز من أجله ولا يعيا إذا مشى ولا يتوصب لشدته وقوته ويجوز أن يكون المراد إذا لحقه ألم من التعب لم يغمز ساقه كما يفعل الناس بلا يصبر على ذلك إلى أن يزول ولا يميل إلى الدعة والرفاهية. والأين الأعياء والوصب ألم التعب للمشي ويقتفر يتتبع أي يتقدم أصحابه فينظر لهم الأثار وقوله لا يتأرى أي لا يتحبس ليدرك الطعام أن أصاب شيئاً أكله وإن لم يصب شيئا صبر على الجوع ولا يحرص على طيب الطعام يريد أنه ليس بشرهٍ نهمٍ ينتظر إدراك القدر. والشراسيف مقاط الأضلاع الواحد شرسوفٌ. والصفر حية تكون في الجوف كان يقال في الجاهلية إذا جاع الإنسان عضت على شراسيفه.
وقوله ابن قتيبة " ولا يقال اطعمنا ملّةً " يريد به أجود الوجهين فإنه يجوز أن يقال أطعمنا ملّة يراد خبز ملّةٍ فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ومثله في القرآن والكلام كثير.
قال أبو محمد العبير عند العرب الزعفران وحده وأنشد للأعشى:
فبان بحسناء رقراقةٍ ... على أن في الطرف منها فتورا
مبتلّة الخلق مثل المهاة ... لم تر شمسا ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العروس ... في الصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
بأن أي فارق بحسناء أي بامرأة جميلة ولا يقال للرجل أحسن والرّقراقة البيضاء الناعمة ويقال هي التي يبرق وجهها كأن الماء يجري فيه ويروى برّاقة. والطرف اسم جامع للبصر وهو ههنا تحريك الجفون والفتور الاسترخاء وإنما يستحسن الفتور في الجفون لا في نفس البصر والمبتلة التامة الخلق ولا يوصف به الرجل ويقال المبتلة التي لم يركب لحمها بعضه بعضا وقيل هي المنقطعة عن النساء لها عليهنّ فضل. والمها بقر الوحش الواحدة مهاةٌ والمها البلّور أيضا. وقوله لم تر شمسا ولا زمهريرا أي هي في كن لم تجد حرا ولا بردا. وقوله وتبرد برد رداء العروس في الصيف أي تبرد هذه المرأة في الصيف بردا مثل برد رداء العروس إذا رقرقت فيه العبير أي صبغته بالزعفران وصقلته أي قد جمعت في الصيف البرد وطيب الرائحة. ثم قال وتسخن ليلة لا
стр. 96
يستطيع يقول هي حارة في الليلة الشديدة البرد التي لا يقدر الكلب فيها على النباح من شدة البرد إلا أن يهر هريراً وهو دون النباح كما قال الآخر: سخنة في الشتاء باردة في الصيف سراج في الليلة الظلماء.
قال أبو محمد " ومن ذلك الأعجمي والعجمي ". قال الفراء وأبو العباس الأعجم الذي في لسانه عجمة والأعجمي هو العجمي قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا. والأعراب أهل البادية والعرب أهل الأمصار فإذا نسبت رجلا إلى أنه من أعراب البادية قلت أعرابيّ ولا يقال عربيّ لئلا يشتبه بالنسبة إلى أهل الأمصار قال الفراء إذا نسبت رجلا إلى أنه يتكلم بالعربية وهو من العجم قلت رجل عربانيّ وإنما سميت العرب عربا لحسن بيانها وإيضاح معانيها من قولهم قد أعربت عن القوم إذا تكلمت عنهم وابنت معانيهم.
قال أبو محمد " إنما أشلاء الكلب أن تدعوه إليك وكذلك الناقة والفرس والشاة " وأنشد لأبي نخيلة:
إني إذا ما جاع جار الجنب ... أشليت عنزي ومسحت قعبي
ثم تهيأت لشرب قأب ... دأبا على ماء بدئ عذب
وأنشده ابن المفجع:
ضبا على ما بدئ عذب ... في قعدتي ولست بالمقرنبي
أمثل شيء ما ترى من شطبي ... تسعى يداي وألوي عجبي
إذ مر يهوي كرشاء الغرب
وهو إناء من خشب والضب الجلب بجميع الأصابع واقرنبي جلس على رجليه متجمعا يقول فأنا أرجف من الكبر يقول أخاف الذئب إذا مر وليس في نهوض وأنا التمس بيدي في الأرض حجرا أرميه به وألوى عجبي أتلفت لا يقول دعوت عنزي لاحتلبها ومسحت قعبي لا حلب فيه ثم تهيأت أي تأهبت لأن أشرب شربا كثيرا مرويا. والقأب الشرب المروي الكثير يقال قأب وقئب وذأج وصيب إذا شرب شرباً كثيراً الماء البديء المبتدأ منبعه ويقال في
стр. 97
مبتدأ الورد ويقال هو العجيب عذوبةً وأما الأشلاء فقد جاء في معنى الإغراء وهو قليل قال بلال بن جرير: نزلنا بجلاد فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل وقال آخر:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرغم من تلك النوابح والمشلي
وقوله " ومن ذلك حاشية الثوب " الحاشية مشتقة من الحشا وهو الناحية لأنها ناحية الثوب يقال أنا في حشا فلان أي في ناحيته وقيل أن حاشيتا الثوب جانباه الطويلان في طرفيهما الهدب واشتقاق الطرة من الطر وهو القطع لأنها مقطوعة من جملة الثوب وكذلك الطرة من الشعر سميت طرة لأنها مقطوعة من جملته والطرة بالفتح المرّة الواحدة وبالضم الشيء المقطوع بمنزلة الغرفة والغرفة وقال ابن دريد طرّة الثوب موضع هدبه.
وأما الهجين وهو الذي أبوه خير من أمه فالفعل منه هجن يهجن هجانة وهجنة وهجونة والهجنة في الكلام ما يلزمك من العيب تقول لا تفعل هذا فيكون عليك هجنة. والأقراف مداناة الهجنة من قبل الأب وأنشد عن أبي عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير في روح بن زنباع:
وهل هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحري ... وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
تقول أنا في خلوص نسبي بمنزلة المهرة العربية الكريمة وروح في أيتشاب نسبه كالبغل فإن ولدت كريما فهو خليف أن يشبهني وإن ولدت لئيما فمن قبل أبيه من قبلي وفي البيت إقواء ويروى وإن يك إقراف فأقرفه الفحل ويروى فما أنجب الفحل ويروى فجاء به الفحل.
باب ما جاء مثنى في مستعمل الكلام
قوله " العمر أبو بكر وعمر " إن قيل كيف غلب عمر على أبي بكر وهو أفضل قيل إن الاسم أخف من الكنية وقيل لأن العرب إذا ذكروا اسمين بدؤا بالأدنى منهما يقولون ربيعة ومضر وسليم وعامر ولم يترك له قليلاً ولا كثيراً وقيل
стр. 98
لعثمان يوم الدار نسألك سيرة العمرين وسئل قتادة عن عتق أمهات الأولاد فقال أعتق العمران فمن بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد ففي قول قتادة العمران عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
وقوله " وقال حجازي لرجل استضافه " الحجازي هو مزيد وقول مزبد الليل والحرة فالحرة أرض غليظة تركبها حجارة سودٌ وعني حرة المدينة وحرار العرب خمس حرة بني سليم وحرة ليلى وحرة راجل وحرة واقم بالمدينة وحرة النار لبني عبس. وقولهم ما يدري أي طرفيه أطول قال بعضهم المعنى أي نصفيه أطول والطرف الأسفل أطول من الطرف الأعلى فالنصف الأسفل طرف والنصف الأعلى طرف والخطر ما بين منقطع الضلوع إلى أطراف الوركين وذلك نصف البدن والسرة بينهما كأنه جاهل لا يدري أي طرفي نغسه أطول. قال أبو محمد وأنشد أبو زيد لعون بن عبد الله بن عتبة:
وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح
يقول كيف أغفر لك شتمك والديّ ولا صلح بعد شتم الوالدين وصلوح مصالحةٌ قال وأطرافه أبواه وإخوته وأعمامه وكل قريب له محرم وقيل الأطراف السادة واحدهم طرف وطريف كما أن أحد الاشراف شريف وينشد:
عليهن أطراف من القوم لم يكن ... طعامهم حباً بزغبة أسمرا
ويروي برغمة وهو موضع وأراد بالحب العدس.
باب تأويل المستعمل من مزدوج الكلام
يقال مزدوج ومزدوجٌ جميعا المفتوح الواو مصدر أو مفعول على قولهم قصيدة مزدوجة أي ازدواجها الشاعر. قولهم له الضح والريح قال ابن الأعرابي الضح ما برز للشمس والريح ما اصابته الريح وقال الأصمعي الضح الشمس وأنشد:
أبيض ابرزه للضح راقبه
وقال أبو عبيدة جاء بالضح والريح معناه جاء بكل شيء والضح البراز الظاهر والاختيار أن يكون الضح الشمس.
стр. 99
قال أبو محمد " له الويل والأليل " فالأليل الأنين قال ابن ميادة وميادة أمه واسمها الرماح بن أبرد:
خليليّ سيرا واذكرا الله ترشدا ... وسيلا ببطن النسع حيث تسيل
وإن أنتما كلمتماها سقتكما ... يمانية ريّا الغمام هطول
تقولا لها ما تأمرين بوامق ... له بعد نومات العيون اليل
قوله سيلا أي اهبطا وانحدرا والنسع اسم واد. والريا السحابة الممتلئة ماء والهطول فعول من الهطلان وهو تتابع القطر المتفرق العظام والوامق المحب. ومعنى ما تأمرين بوامق أي ما تأمرين في أمره اتهجرينه أم تصلينه. والإليل أنين وتوجع وقرأت بخط الصولي قال سمعت
أبا العباس أحمد بن يحيى ﵀ قال الأليل من وجدٍ بلغ القلب والأنين من علةٍ والحنين تشوق والرنين الضجة من البكاء والحنين صوت يتردد في الحلق مع البكاء لا ينفذ عنه. وقولهم لا يقبل منه صرف ولا عدل فيه سبعة أقوال يروى عن النبي ﵇ أنه قال " الصرف التوبة والعدل الفدية " وهو قول مكحول ومذهب الأصمعي وقال يونس الصرف الاكتساب والعدل الفدية وقال أبو عبيدة الصرف الحيلة وقال قوم الصرف الفريضة والعدل التطوع وقال الحسن العدل الفريضة والصرف النافلة وقال قتادة في قوله تعالى " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها وقيل العدل المثل واحتجوا بقوله تعالى " أو عدل ذلك صياما " وقال جماعة من أهل اللغة العدل والعدل لغتان لا فرق بينهما بمنزلة السلم والسلم وقال الفراء العدل ما عادل الشيء من غير جنسه والعدل ما عادل الشيء من جنسه يقال عندي عدل صوبك أي قيمته من الدراهم أو غيرها أخبرت بذلك عن ابن الأنباري وقولهم " ما يعرف هراً من برّ " قال الفراء الهر العقوق والبرّ اللطف والمعنى ما يعرف براً من عقوق وقال خلد بن كلثوم الهر السنور والبر الجرذ وقال ابن الأعرابي ما يعرف هارا من بارا لو كتبت له وقال أبو عبيدة ما يعرف الهرهرة من البربرة والهرهرة صرت الضأن والبربرة صوت المعز.
وقولهم " حياك الله وبياك " في حياك ثلاثة أقوال الملك والسلم قال الله تعالى " إذا حييتم بتحية " معناه إذا سلم عليكم والبقاء قال الشاعر:
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه
стр. 100
وفي بياك خمسة أقوال قال الفراء معناه كمعنى حياك وهو كقولهم بعداً وسحقاً ودخلت الواو لمّا خالف لفظه وقال الأحمر معناه حياك الله وبوأك منزلا فتركت العرب الهمز وأبدلوا من الواو ياء ليزدوج الكلام فتكون بياك على مثل حياك وقال أبو زيد وأبو مالك حياك الله وبياك معناه حياك وقربك وقال ابن الأعرابي معناه قصدك بالتحية وقال الأصمعي معنى بياك أضحكك ذهب إلى قول المفسرين وذلك أنهم زعموا أن قابيل لما قتل هابيل مكث آدم سنة لا يضحك فأوحى الله إليه حياك الله وبياك قال وما بياك قال أضحكك فضحك. وأنشد ابو محمد للحذلمي شاهدا على أن بياك اعتمدك:
باتت تبيا حوضها عكوفا ... مثل الصفوف لاقت الصفوفا
وأنت لا تغنين عني فوفا ... ثم تقول أعطني التشريفا
يصف الإبل ومشيها إلى الحوض لتشرب شبهها بالصفوف من الناس التي تلقى مثلها وقوله وأنت يعني امرأته لا تغنين عني فوفا وذلك أن تسأل رجلا فيقول بظفر إبهامه على ظفر سبابته ولاذا ومنه الفوف وهو البياض في أظفار الأحداث يقول وأنت لا تعينيني على عمل بشيء مما أحتاج إليه ثم تريدين أن أمدحك وأشرفك من غير استحقاق والتشريف ذكرها بالجميل ومدحها وقوله عكوفا أي عاكفة والعاكف المقبل على الشيء والملازم له قال وأنشد ابن الأعرابي لرويسد الأسدي:
فينا لبيد وأبو محياه ... وعسعس نعم الفتى تبيّاه
لبيدا اسم رجل هو في اللغة الجوالق الصغير. وأبو محياه رجل كنى بماءة في بلاد بني أسد تسمى محياه. وعسعس أيضا اسم رجل يقال هو عسعس بن سلامة وكان مذكوراً في صدر الإسلام ويقع في بعض النسخ ومنه التحيات لله يراد الملك لله قال عمرو بن:
وكل مفاضة بيضاء زغف ... وكل معاود الغارات جلد
أسير به إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بجند
стр. 101
أي أسير بهذا الفرس الذي يعاود الغارات إلى النعمان وبهذه المفاضة يقال درع مفاضةٌ وفيوضٌ إذا كانت سابغة وجند موضع وتحيته ملكه.
وقولهم " ما به حبض ولا نبض " يروى حبض ونبّض وإلا كثر التحريك والمسكن مصدر والمحرك اسم ومعناها التحرك يقال حبض القلب يحبض حبضاً إذا ضرب ضرباً شديداً وكذلك العرق يحبض ثم يسكن وهو أشد من النبض ويقال حبض الشيء نقص حبضاً ومنه سهم حابض إذا سقط بين يدي الرامي ويقال من النبض نبض ينبض نبضاناً وهو تحركه وربما أنبضته الحمى وغيرها من الأمراض ومنبض القلب حيث تراه ينبض وحيث تجد همس نبضاته.
وقولهم " ما له سبد ولا لبدٌ " أي ماله ذو شعر ولا ذو وبر متلبد ولهذا سمى المال سبداً وقال الأصمعي ماله سبد ولا لبداي ماله قليل ولا كثير وقال غيره السّبد من الشعر واللبد من الصوف. وقوله " هم بين حاذف وقاذف " معناه أنهم في شر ومكروه عظيم والحذف الرمي بالعصا والخذف بالخاء الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع والقذف يكون بالسهم والحصى والكلام وغير ذلك. وقوله " هو جائع نائع " اختلفوا في النوع فقال بعضهم هو الجوع وقال بعضهم هو العطش قال وهو بالعطش أشبه لقول العرب هو جائع نائع فلو كان الجوع نوعا لم يحسن تكريره وقيل إذا اختلف اللفظان جاز التكرير والمعنى واحدٌ وقال ابن الأنباري أكثر أهل اللغة أن النائع الجائع وقيل لابنة الخسّ ما أحدٌ شيء قالت ضرس جائع يقذف في معي نائع وقيل هو اتباع كحسنٍ بسنٍ وأنشد أبو محمد على العطشان:
لعمر بني شهاب ما أقاموا ... صدور الخيل والأسل النياعا
الأسل الرماح وقيل أطراف الأسنة والنياع العطاش إلى الدماء.
وقوله " ما ذقت عنده عبكة ولا لبكة " أصل العبك خلطك الشيء والعبكة قطعة من سويق وقيل العبكة ما يتعلق بالسقاء من الوضر ويقال هي الشيء الهين واللبك جمعك الثريد لتأكله واللبكة اللقمة منه.
وقوله " لا يدالس ولا يوالس " قال ابن الأنباري معناه لا يخلط قال الشاعر:
стр. 102
هم السمن بالسنوات لا ألس فيهم
أي لا تخليط فيهم والسنوت الكمون وقيل الشبت وقيل الرازيانج وقيل العسل.
باب ما يستعمل من الدعاء في الكلام
" أرغم الله أنفه " قال الأصمعي الرغم كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه ويذله والرغم أيضا المساءة والغضب يقال فعلت كذا على رغمه أي على مساءته وغضبه وقال ابن الأعرابي وأبو عمر ومعنى أرغم أنفه أي عفره بالرغام وهو تراب يخلط فيه رمل. وقولهم " قمقم الله عصبه " معناه قبض عصبه وجمع بعضه إلى بعض وضمه أخذ من القمقام وهو الجيش يجتمع من ههنا وههنا حتى يكثر وينضم بعضه إلى بعض والقمقام البحر أيضاً منه والقمام السيد لأن قومه ينضمون إليه والقمقام صغار القردان لأن خلقه منضم بعضه إلى بعض قال الحربي معنى قمقم الله عصبه سلط عليه القردان. وقولهم " استأصل الله شأفته " قيل في معناه ايضا أن الشأفة الأصل. وفي قولهم " اسكت الله نأمته " أن النأمة عرق في شواة الرأس. وقوله " أباد الله خضراءهم " أي سوادهم الخضرة عند العرب السواد يقال الليل أخضر لسواده وإنما قيل للأسود أخضر لأن الشيء إذا اشتدت خضرته رئي أسود وقال أحمد بن عبيد يقال أباد الله خضراءهم وغضراءهم معناه جماعتهم. ويقال في قولهم " بالرفاء والبنين " أنه مأخوذ من رفوت الرجل إذا سكّتّه قال الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع
وقوله " مرحبا وأهلا " قال الفراء هو منصوب على المصدر وفيه معنى الدعاء كأنه قال رحب الله بك مرحبا وأهلك أهلا والرحب والرّحب السّعة وسميت الرّحبة لاتساعها.
باب تأويل كلام من كلام الناس مستعمل
قولهم " حلب الدهر أشطره " كأنه استخرج درّة الدهر في حلبة لطول تجربته
стр. 103
وهي بدل من الدهر بدل الاشتمال والتقدير حلب أشطر الدهر. وقولهم " أخذ الشيء برّمته " فيه قولان أحدهما أن الرّمة في هذا الموضع قطعة حبل يشدّ بها الأسير وذلك أنهم كانوا يشدون الأسير فإذا قدموه ليقتل قالوا أخذناه برمته أي بالحبل المشدود به ثم استعمل في غير هذا والقول الآخر قد ذكره ابو محمد وأنشد للأعشى بيتا قبله:
تنخّلها من بكار القطاف ... أزيرق آمن أكسادها
كحوصلة الرأل في دنها ... إذا اجنئت بعد أقعادها
فقلت له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها
تنخلها أي تخير هذه الخمرة. وألازيرق الخمار وجعله أزرق لأنه كان علجا. وبكار القطاف أوله حين يقطف فيعصر أراد أول الخمر. وقوله آمن أكسادها يقول قد علم أنها جيدة فهو لا يخاف كسادها يقال أكسد الرجل إذا كدت سوقه وشبهها بحوصلة الرأل لحمرتها والرأل فرخ النعامة وحوصلته حمراء. ويقال بل أراد أن السنين أتت عليها فقللتها حتى اجنئت أي أضحت وأميلت بعد ما كانت منتصبة وهو إقعادها فقلت له أي للخمار هذه هاتها أي يعني هذه الخمرة فإني لا أريد غيرها. بأدماء أي بناقة أدماء وهي الصادقة البياض السوداء الأشفار والذكر آدم وفي الظباء الحمراء وفي الناس السمراء ومقتادها عبدها الي يقودها ويروي هاتها إلينا بأدماء مقتادها أي بالتي يقتاد عبدها الذي يقودها ويروي هاتها إلينا بأدماء مقتادها أي بالتي يقتاد صاحبها مثلها كما تقول امرأة حاطبها وجارية طالبها أي بالتي يطلب مثلها ويقال في قولهم " مابه قلبةٌ " أنه داء يصيب الإبل في رؤوسها فتقلبها إلى فوق. وأنشد أبو محمد لحميد بن ثور وذكر فرسا:
لا رحح فيها ولا اصطرار ... ولم يقلب أرضها البيطار
ولا لحبليه بها حبار
الرحح سعة الحافر وهو عيب يقال حافر أرحّ إذا كان واسعا والاصطرار ضيقة وهو عيب يقال حافر مصطر إذا كان ضيقا. ولم يقلب أرضها أي قوائمها والبيطار العالم بأحوال الخيل وأدوائها ويقال له ايضا بيطر ومبيطر. وقوله ولا لحبليه بها حبار يقول لم يشدها بحبليه فيؤثرا فيها وحبلاه الزيار والشكال.
стр. 104
وقولهم " فلان نسيج وحده " أي هو واحد في معناه ليس له فيه ثان كأنه ثوب نسج على حدته لم ينسج معه غيره. ووحده منصوب في جميع كلام العرب إلا في ثلاثة مواضع نسيج وحده وعيير وحده وجحيش وحده وهما ذم يراد بهما رجل نفسه لا ينتفع به غيره وهي نكرات وهو في غير هذا منصوب كقولك لا آله إلا الله وحده لا شريك له وفي نصبه ثلاثة أقوال قال قوم من البصريين هو منصوب على الحال وقال يونس وحده عندهم بمنزلة عنده وقال هشام وحده منصوب على المصدر وفعله وحد يحد. وقولهم " لئيمٌ راضع " فيه أربعة أقوال أحدهما أنه الذي رضع اللؤم من ثدي أمّه أي ولد في اللؤم ونشأ فيه وقيل الراضع الذي يأخذ الخلالة من رأس الخلالة فيأكلها بخلا وحرصا على أن لا يفوته شيء وقيل الراضع هو الراعي لا يمسك معه محلبا فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج بأنه لا محلب معه وإذا أراد هو الشرب رضع الناقة والشاة والوجه الرابع الذي ذكره. وقولهم " وضع على يدي عدل " هو العدل بن جزء بن سعد العشيرة وفي الكتاب هو العدل بن فلان وأخبرت عن محمد بن سعد أنه قال إنما سمي سعد العشيرة لأنه طال عمره وكثر ولده فكان ولده وولد ولده ثلاثمائة رجل فكان يركب فيهم فيقال من هؤلاء معك يا سعد فيقول عشيرتي مخافة العين عليهم فقيل سعد العشيرة. وقولهم " برح الخفاء " يقال برح الخفاء من قولهم ما برحت من مكاني أي ما زلت ومن قال برح أراد انكشف وزال الخفاء وأول من قاله شقّ الكاهن. وقولهم " لا تبلم عليه " فيه قولان أحدهما الذي ذكره وهو قول الأصمعي والثاني هو تفعّل من الأبلمة وهي خوصة المقل والمعنى لا يجمع عليه أنواع المكروه كجمع الخوصة لبقل وفي الأبلمة ثلاث لغات أبلمةٌ وأبلمةٌ وابلمة. وقولهم " طعنه فقطره " إذا ألقاه على أحد قطريه فإن ألقاه على وجهه قيل قحطبه وإن ألقاه على رأسه قيل نكته وإن ألقاه على قفاه قيل نكته وإن ألقاه على قفاه قيل سلقه وسلقاه وأنشد أبو محمد عن أبي زيد:
قد أركب الاله بعد الآله ... وأترك العاجز بالجداله
منعفراً ليست له محاله قوله الآله بعد الآله أي الحالة بعد الحالة والمنعفر المتلطخ بالعفر وهو التراب. والمحالة ههنا الحيلة. وقوله " بكى الصبيّ حتى فحم " مصدره الفحم
стр. 105
والفحم والفحم. وقولهم " غضب واستشاط " يجوز أن يكون من شاط إذا هلك كأنه احتدّ حتى أشرف على الهلاك قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
وقد يجوز أن يكون معنى استشاط هلك حلمه ومنه الغضب غول الحلم وسمى الشيطان لأنه يشيط بقلب ابن آدم أي يميل فقولهم غضب واستشاط يجوز أن يكون أيضا من الميل عن الحق والجور عنه إذا كان غضبه فيما لا يرضى فإن كان الغضب في حق فمعنى استشاط أي حاد عن طبعه الذي كان عليه. وقولهم " عدا فلان طوره " إذا افتخر فوق مقداره وادعى رتبة ليس لها وذلك أن الطوار فناء الدار وليس لأحد حقٌ ما عدا فناءه والطور في غير هذا الحال. وقيل في قولهم " أمر لا ينادي وليده " قال ابن الأعرابي معناه أمر كامل ما فيه خلل ولا اضطراب قد قام به الكبار فاستغنى بهم عن نداء الصغار وقال الفراء هذه لفظة تستعملها العرب إذا أرادت الغاية وأنشد:
لقد شرعت كفّا يزيد بن مزيد ... شرائع جود لا ينادى وليدها
وقوله وقال أبو العميثل العميثل الرجل الطويل وقيل الأسد. وقولهم " لكل ساقطة لاقطة " معناه لكل كلمة ساقطة أي يسقط بها الإنسان لاقط أي متحفظ لها فكان يجب أن يقال لكل ساقطة لاقط أي لكل كلمة خطأ متحفظ لها فأدخلت الهاء في اللاقطة ليزدوج الكلام كما قالوا أني لآتيه بالغدايا والعشايا وقال الفراء العرب تدخل الهاء في نعت المذكر في المدح والذم للمبالغة يذهبون في المدح إلى معنى الداهية وفي الذم إلى معنى البهيمة ولم يقل هذا غير الفراء ومن أخذ بقوله. وقولهم " على ما خيّلت " معناه على ما أرت الحال وشبهت فأضمر الحال ولم يجر لها ذكرٌ لعلم المخاطب بها كما قال تعالى " حتى توارت بالحجاب " يعني الشمس فاضمرها ولم يجر لها ذكر. ويقال معنى قولهم على ما خيّلت أي ما أرتك نفسك أنه الصواب ويقال على ما تخيلت وخيلت هو الكلام الجيد والأصل فيه من قولهم خيلت السحابة وتخيلت إذا أرت مخيلة المطر والمخيلة نفس السحابة فإذا أردت الفعل قلت
стр. 106
مخيلة والفعل منه خالت وأخالت وأخيلت وتخيلت. وقولهم " تركته يتلدد " معناه بقي متحيرا ينظر مرة إلى هذا اللديد ومرة إلى هذا اللديد وقال الأصمعي هو مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه ومن ذلك اللدود وهو ما سقيه الإنسان في أحد شقي الفم وقولهم " كبر حتى صار كأنه قفة " اشتقاق القفة من تقفف أي تقبّض واجنمع يقال استقفّ الشيخ إذا انضم وتشنّج وقال بعضهم القفة شجرة مستديرة ترتفع من الأرض قدر شبر وتيبس فيشبّه بها الشيخ إذا عسا فيقال كأنه قفة قال أبو بكر بن الأنباري وجائز أن يشبه الشيخ بقفة الخوص. وقولهم " خبيثٌ داعر " الداعر الخبيث الفاجر يقال دعر الرجل دعراً إذا كان يسرق ويزنى ويؤذي الناس وهو الدّعار أيضا فهو بالدال وأما الذاعر بالذال معجمة فالمفرغ يقال قد ذعرت الرجل إذا أفزعته، وقولهم " مائة ونيف " النيف وزنه فيعل ولا يجوز تخفيفه لعلتين أحداهما أن المخفف من المشدد إنما يستعمل فيما يستعملونه ولا يجعل قياسا والأخرى أن الميت والهين كثر استعماله وهذا قل استعماله لأن كل شيء معلوم أنه يموت من جماد وحيوان يقال مات الثوب بلي وماتت الأرض لم تنبت وليست كل مائة تزيد ولو قيل لجاز وقد خففت النية فقالوا النية. وقال أبو العباس الذي حصلنا من كلام حذاق البصريين والكوفيين أن النيف من واحد إلى ثلاث والبضع من أربع إلى تسع ولا يقال نيّفٌ إلا بعد كل عقد. قال أبو محمد وقولهم " لاجرم " قال الفراء هي بمنزلة لا بد ولا محال ثم كثرت في الكلام حتى صارت كقولك حقاً واصله من جرمت أي كسبت قال الشاعر هو أبو أسماء بن الضريبة.
ولقد طعنت أبا عينة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
جرمت معناه كسبت وهو يتعدى إلى مفعولين كما أن كسبت كذلك ففزارة المفعول الأول وأن تغضبوا المفعول الثاني قال أبو عبيدة معناه أحقّت الطعنة لعم الغضب وروى قوم فزارة الغضب وحقيقة معنى لا جرم أن لا نفي لكلام وجرم بمعنى كسب وقولع تعالى " لا جرم أنهم في الآخرة " لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم فردّ ذلك فقيل لا ينفعهم ذلك ثم ابتدئ فقيل " لاجرم أنهم في الأخرة هم الآخرون " أي كسب ذلك العمل لهم الخسران وفي لا جرم ست لغات لا جرم أنك محسن وهي لغة أهل الحجاز ولا جرم أنك محسن بضم الجيم وتسكين الراء وبنو فزارة يقولون لا جرانك محسن وبنو عامر يقولون لا جرم أنك قائم ويقال لا إن ذا جرم إنك عمرو لا جرم أن لهم
стр. 107
النار على وزن لا لا كرم. قال أبو محمد وكان الدليل بالفلاة ربما أخذ التراب فشمه ليعلم أعلى قصدٍ هو أم على جور ثم كثر ذلك حتى سمعوا البعد مسافة وأنشد لرؤية:
تنشّطته كل مغلاة الرهق ... مسودة الأعطاف من وشم العرق
مضبورة قرواء هر جاب فنق ... مائرة الضبعين مصلات العنق
إذا الدليل استاف ألاق الطرق يصف ناقة والنّشط سرعة المشي يقول رمت بيديها ثم ردتها سريعاً إلى صدرها أي أسرعت المشي في هذا المهمه. والهاء في تنشطه راجعة إلى المهمة وأصل النشط الجذب. والمغلاة السريعة السير من الغلو وهو بعد الخطوة ويقال المغلاة الناقة التي تغلو في سيرها والوهق من المواهقة وهو التباري في السير مع المواظبة عليه. والأعطاف الجوانب الواحد عطف. يقول جهدت هذه الناقة جتى عرقت فبقي أثر عرقها أسود كالوشم ويقال أن الناقة إذا وردت لخمس عرقت عرقا خاثرا كالزفت. والمضبورة هي المجموع بعضها إلى بعض الموثوقة الخلق ومنه إضبارة الكتب والقرواء الطويلة القرى وهو الظهر ولا يكاد يقال للذكر أقرى والهر جاب الطويلة على وجه الأرض الضخمة الوثيقة الخلق والفنق الكثيرة واللحم وامرأة فنقٌ أي مفتّقة منعمة. ومائرة الضبعين أي مترددتهما. والضبعان العضدان. والمصلات السهلة العنق أي ليست بكثيرة لحم العنق ولا بكثيرة الشعر. وأخلاق الطرق البعيدة القديمة الواحد خلقٌ وهي الطرق التي لا يسار فيها لقدمها. يقول هذه الناقة تهتدي في هذا الموضع الذي يضل فيه الدليل وتسرع فيه السير. وإنما يقصد بشم التراب رائحة الأبوال والأبعار فيعلم بذلك أنه مسلوك.
ومن المنسوب قول أبي محمد " القطا كدرى نسب إلى معظم القطا وهي كدرٌ وكذلك القمري منسوب إلى طير دبس " ليس بصحيح عندهم لأن الجمع لا ينسب إليه إذا لم يسم به والصحيح أنه منسوب إلى القمرة والدبسة والكدرة. وقوله: " والحداد هالكي لأن أول من عمل الحديد الهالك بن عمرو " وقيل إنما سمي الحداد بذلك لأنه يتهالك على الحديد إذا حلاه ومنه سميت الفاجرة هلوكا لتثنيها في مشيها.
стр. 108
باب أصول أسماء الناس المسميين بالنبات
قال أبو محمد ثمامة واحدة الثمام وهو شجر له خوص وأنشد لعبيد ابن الأبرص:
عيّوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشمٍ وآخر من ثمامه
يمدح حجر بن عمرو والد امرئ القيس والضمير في عيّوا يعود إلى بني أسد وكان حجر مالك بن أسد أي لم يدروا كيف يصنعون بأمرهم كما لم تدر الحمامة كيف تصنع ببيضتها وذلك أن الحمامة تضع بيضتها بين عودين رخو وصلبٍ فهو على خطر ويروى برمت بنو أسد. والنشم شجر يتخذ منه القسى يوصف بالصلابة. والثمام خيطان صغار العيدان دقاق تأكله الإبل والغنم.
قال أبو محمد شقفرة واحدة الشقر وهو شقائق النعمان وأنشد:
وهم ماهم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر
وتساقى القوم كأساً مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر
ما استفهام على سبيل التعجب أي شيء هم إذا لبسوا الدروع وحضروا الحرب. والبأس الحرب والشدة وما يخاف. والمحتضر الحاضر والكأس المر ما يتجرعونه من الحتوف. وعلا الخيل أي ألبستها دماء من كثرة الجراحات ويروى وعلى الخيل بالجر على أن يكون على حرفا وشبّه الدماء بالشقر لحمرة الدم. وقول أنسٍ كنّاني رسول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها وكان يكنى أبا حمزة. الحمزة في الطعام شبه اللذعة والحرارة وكذلك الشيء الحامض إذا لذع اللسان وقرصه فهو حامز ورمانة حامزةٌ فيها حموضة. والبقلة التي جناها أنس كان فيها لذع للسان فسميت البقلة حمزةً بفعلها.
وفي المسمين بأسماء الطير سعدانة الحمامة. والسعدانة كركرة البعير واسم شجرة وجمعها السعدان وهي أيضا العقدة في أسفل الميزان.
стр. 109
المسمون بأسماء السباع قال أبو محمد " حيدرة الأسد ". ابن الأعرابي الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس وسمى بذلك لغلظ عنقه وقوة ساعده ومنه غلام حادرٌ إذا كان ممتلئ البدن شديد البطش والياء زائدة وقال أبو زيد الحيدرة الهلكة يقال رماه الله بالحيدرة أي بالهلكة. وأنشد أبو محمد لعلي ﵁ ولم يختلف الرواة أن هذه الأبيات لعلي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... رئبال آجام شديد القصره
أكيلكم بالصاع كيل السندره الرئبال ها هنا الأسد وقد يوصف به الذئب واللص والآجام جمع أجمة وهو موضع القصب. والقصرة أصل العنق. والسندرة مكيال كبير. وخص الأم بالتسمية لأن أبا طالب غاب عن مولده فسمته أمه بذلك فلما رجع سماه عليا. وقوله " هيصم الأسد " أخذ من الهصم وهو الكسر يقال هصمه وهزمه إذا كسره وهو الهصمصم أيضا وقال الأصمعي الهيصم الغليظ الشديد. وقوله " نهشل الذئب " قيل إنه مأخوذ من النهش واللام زائدة وقال ابن الأعرابي نهشل إذا عضّ إنسانا تجمشا ونهشل إذا أكل أكل الجائع. وقوله " كلثوم الفيل " سمي بذلك لاستدارة وجهه والكلثمة استدارة الوجه مع كثرة اللحم.
المسمون بأسماء الهوام قال أبو محمد " شبت دابة تكون في الرمل " وأنشد لساعدة بن جؤية بيتا قبله:
فلم ينتبه حتى أحاط بظهره ... حسابٌ سربٌ كالجراد يسوم
فورّك لينا لا يثمثم نصله ... إذا صاب أوساط العظام صميم
ترى أثره في صفحتيه كأنه ... مدارج شبثانٍ لهن هميم
الهاء في ينتبه تعود إلى ولد امرأة شبه وجده بها في قوله:
وما وجدت وجدي بها أمّ واحد ... على الناي شمطاء القذال عقيم
لم ينتبه لم يشعر وأحاط بظهره أتاه من ورائه. سرب قطيع رجال هاهنا.
стр. 110
ويسوم يمرّ مراً سهلاً يعني القطيع حساب عدد رجال. وورك حمل عليهم سيفا لينا يقال ورك فلان ذنبه على فلان أي حمله عليه ويقال وركه حرّفه بعض التحريف ويقال صيره على جانبه الأيسر فهو يقع على الورك لا يثمثم لا يتعتع ولا يرد نصله ويقال مصممّ وأثره فرنده والشبثان واحدها شبث وهي دابة كبيرة الأرجل صفراء رأسها ثلثاها وهي شبيهة بالعقربان تخرج في بعض الليل تدب وقال الباهلي هو دخال الأذن. وصفحتاه جانباه والمدارج جمع مدرج وهو الممشى.
وقوله " الذر جمع ذرة وهي أصغر النمل وبه سمي الرجل ذرا " يجوز أن يكون سمي به ويجوز أن يكون سمي مصدر ذر البقل إذا طلع وكذلك الشمس وذررت الشيء المسحوق إذا أخذته بأطراف أصابعك ونثرته. والفرعة القملة العظيمة والفرعة أيضا أعلى الجبل وفريعة تصغير واحدة منهما.
المسمون بالصفات وغيرها ابن القرّيّة هو أيوب بن زيد بن قيس والقرية أمه وهو من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر وكان لسناً خطيباً وكان مع الحجاج فقتله بسبب اتهمه فيه بميل إلى ابن الأشعث. وقال أبو محمد " الحوفزان فوعلان من حفزه يقال أنه سمي بذلك لأن بسطام بن قيس حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته فسمى بتلك الحفزة الحوفزان " وأنشد:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا هكذا الرواية عنه وهو سهو والصحيح أن الذي حفزه قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر في يوم جدود وكان من حديثه فيما بلغنا عن أبي عبيدة قال عز الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة من بني سعد بن زيد مناة فأخذ نعما كثيرا وسبى نساءً فيهن الزرقاء من بني ربيع بن الحارث فأعجب بها وأعجبت به فلما انتهى إلى جدود ومنعتهم بنو يربوع بن حنظلة ان يردوا الماء ورئيسهم عتيبة بن الحارث ابن شهاب فقاتلوهم فلم تكن لغزى بكربهم يدان فصالحوهم على أن أعطوا بني يربوع بعض غنائمهم وجلال تمر زعمت بكر أنهم أصابوهن من بني سعدٍ على أن يخلوهم وورد الماء فقبلوا
следующие страницы →