← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأنبياء والرسل. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وهو خطاب لأهل الكتاب المعاصرين للنبي ﷺ وهم يؤمنون بعيسى والإنجيل، وبموسى والتوراة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] كما قال سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] والأدلة في هذا كثيرة جداً، فكونهم أهل كتاب لا يمنع كونهم كفاراً، كما هو صريح كتاب الله، وعليه فكل من بلغته دعوة الإسلام ثم لم يؤمن بها، ولم يتبع النبي محمدًا ﷺ فهو كافر مخلد في النار أبدًا، إذ لا يسع أحد الخروج عنه، ولا يقبل منه سواه، ولا نجاة له بدونه، والله تعالى أعلم. (١)

стр. 352

شدة تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يحفظك ويمنعك منهم. فإن قيل: أليس قد شُج وجهه، وكسرت رباعيته ﷺ ، وأوذي بضروب من الأذى؟ أجيب: بأنّ معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك، وفي هذا تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا، فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام). (١) وجه الاستنباط: أنه تعالى وعد نبيه ﷺ العصمة من الناس أن يعتدوا عليه بالقتل، وفيه إشارة إلى أنه سيُصيبه ويلحقه من الأذى في سبيل الدعوة مادون القتل الكثير، حتى يأذن الله بإكمال الدين وإتمام الرسالة. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على شدّة تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن حتماً عليه ﷺ أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع الأذى؛ بدلالة الإشارة بقوله ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأمرَه بإبلاغ الرسالة، ووعده بالعصمة من القتل، فدلَّ على أنه سيناله من أذى الكفار في سبيل الدعوة

стр. 353

مادون القتل الكثير، إلا أنه تعالى سيعصمه من الناس، حتى يأذن الله باكتمال الدين وإبلاغ الرسالة. وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، وأبو حيان، وغيرهما. (١) والعصمة المقصودة في الآية هي: منعهم أن ينالوه ﷺ بسوء، من قتل أو أسر أو غيره (٢)، دفعاً لما قد يحمله على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس. وكل ذلك قد تحقق له ﷺ ، فقد عصمه الله وحفظه من كفار قريش عندما هموا بقتله في مكة- مع شدة العداوة، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً - فصانه في ابتداء الرسالة بعمِّه أبي طالب، إذ كان رئيساً مُطاعاً كبيراً في قريش، ثم قيّض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى المدينة، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، وعصمه من القتل في المدينة فيما حضره من غزوات، ولما سمَّ اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وعصمه الله منها؛ فأخبرته الشاة أنها مسمومة، ومات الصحابي الذي كان معه (٣)، ولم يمت ﷺ إلا بعد أن بلَّغ الرسالة. (٤)

стр. 354

قال أبو حيان مؤيداً دلالة هذه الآية: (وأما شج جبينه وكسر رباعيته يوم أُحد فقيل: الآية نزلت بعد أحد (١)، فأما إن كانت قبله فلم تتضمن العصمة هذا الابتلاء ونحوه من أذى الكفار بالقول، بل تضمنت العصمة من القتل والأسر، وأما مثل هذه ففيها الابتلاء الذي فيه رفع الدرجات واحتمال كل الأذى دون النفس في ذات الله، وابتلاء الأنبياء أشد، وما أعظم تكليفهم .. ، وتضمنت هذه الجملة الإخبار بمغيب ووُجد على ما أخبر به، فلم يصل إليه أحد بقتل ولا أسر مع قصد الأعداء.) (٢) وقال الشيخ بن باز في بيان وعد الله لنبيه بالعصمة في هذه الآية، وما أصابه ﵊: (أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقاً شديداً، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ .) (٣)

стр. 355

وبهذا يظهر صحة الإشارة بالعصمة في هذه الآية كما استنبطها الخطيب إلى بيان شدة تكليف الأنبياء، والله تعالى أعلم.

стр. 356

سورة الأنعام فائدة ذكر قوله تعالى ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرناً آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخرب بلاده منهم، فإنه قادر على أن يُنشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة ذكر إنشاء قرن آخرين بعد هؤلاء المذكورين في الآية، وهي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه شيء، ولا يعجزه أن يُهلك قرناً، ويخلي ديارهم منهم، بل هوقادر سبحانه على أن يستبدلهم بآخرين، وفيه تعريض بالمخاطبين أيضاً، بإهلاكهم إذا عصوا، والمغزى: فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذَّبتموه أكرم على الله من رسولكم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه تعالى وإحسانه. (٢)

стр. 357

ودلالة هذه الآية على هذا المعنى نصَّ عليها عموم المفسرين كالزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور، وغيرهم. (١) قال أبو حيان: (فائدة ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم، إظهار القدرة التامة على إفناء ناس وإنشاء ناس، فهو تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخرب بلاده، وينشئ مكانه آخر يعمر بلاده، وفيه تعريض بالمخاطبين، بإهلاكهم إذا عصوا كما أهلك من قبلهم). (٢) فهذه الآية فيها الإشارة إلى ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم والقرون، فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع أهلكهم الله لما كفروا وطغوا وظلموا، فكيف حال من هو أضعف منهم، وأقل عدَداً وعُدداً، فهذا يوجب الاعتبار والانتباه من الغفلة. (٣) وفيها تأكيد على كمال القدرة وسعة السلطان، وأن ما ذُكر من إهلاك الأمم لا ينقص من ملكه تعالى شيئاً بل كُلَّما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]. (٤) وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]، وقد جرت سنته تعالى بزوال أهل الظلم بعد الإمهال، وهذا دأبه في

стр. 358

الأمم السابقين واللاحقين فلتعتبروا أيها المخاطبون بمن قصَّ الله عليكم نبأهم. وهي إشارات حسنة من الآية، والله تعالى أعلم.

стр. 359

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة، ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة، وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه). (١) هذه الآية فيها دلالتان: الدلالة الأولى: عموم أحكام القرآن لكل من بلغه. وجه الاستنباط: أن (مَنْ) من صيغ العموم (٢)، فتشمل كل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص عموم أحكام القرآن لكل من بلغه؛ حيث أخبر تعالى في هذه الآية أنه ﷺ منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائناً من كان، ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار. فالمعنى: كل من بلغه القرآن من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة.

стр. 360

وهنا مسألة صحة تكليف المعدوم أوخطاب المعدوم؟ (١) والصحيح فيها أن المعدوم مُكلَّف إذا وُجد بالخطاب الأول، ولا يحتاج في تكليفه لخطاب جديد، ولا يفتقر إلى إدخاله مع الأوائل بالقياس عليهم؛ لأنه كان داخلاً معهم بالأصالة. ويدل لذلك هذه الآية إذ هي نص قاطع في هذه المسألة، وبيان ذلك: أن النبي ﷺ قد بعثه الله تعالى بشيراً ونذيراً وداعياً إليه بإذنه، وهذه النذارة التي أوكلت له ﷺ متوجهة لطائفتين، طائفة موجودة وهي: المرادة بقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، والخطاب هنا للموجودين في عهده، والطائفة الثانية: الطائفة التي لم توجد في عهده، فيدخلون جميعهم في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، فالموجودة حصلت النذارة لهم بالمباشرة، والمعدومة حصلت النذارة لهم بالبلاغ، فكل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة واتضحت له المحجة، فسائر الأمة بعده ﷺ إلى أن تقوم الساعة تدخل

стр. 361

في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقد تقرّر في القواعد أن (مَنْ) من صيغ العموم، كما تقدم؛ لأنها اسم موصول، والأسماء الموصولة تفيد العموم، فتشمل كل من بلغه القرآن إذا وُجِد وتمت فيه شرائط التكليف فلا يحتاج في تكليفه لدليل مستقل أو قياس خاص والله تعالى أعلم. (١) وممن أشار إلى هذه الدلالة: البيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم. (٢) قال الألوسي: (استُدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين. فذهب الحنابلة إلى الأول، والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول (٣)). (٤)

стр. 362

ويدل له قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] والحاصل أن دلالة النص في هذه الآية على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد، كشمولها لمن قد كان موجوداً وقت النزول قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.

стр. 363

الدلالة الثانية: أن من لم يبلغه القرآن فلا يؤاخذ. وجه الاستنباط: أن مفهوم قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ نفي الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه، وعليه تنتفي المؤاخذة لعدم البلاغ. الدراسة: استنبط الخطيب كذلك من قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أن من لم يبلغه القرآن ولم تصله الدعوة فإنه لا يؤاخذ؛ وهو مبني على القول بالمفهوم؛ لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وعليه انتفاء المؤاخذة، فدلّ بمفهوم المخالفة على أن من لم تبلغه النذارة فليس بمُنذَر، وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه. ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: البيضاوي، والألوسي وغيرهما. (١) قال الألوسي: (استُدِل بالآية على أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية). (٢) وقال البغوي – في غير موضع هذه الآية-: (وذلك أن الله تعالى أجرى السُنَّة أن لا يأخذ أحداً إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنباً إذا أُمر فلم يأتمر،

стр. 364

أو نُهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل، ولا عذاب على كافر أصلاً حتى تبلغه نذارة الرسول فالحُجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان). (١) ومن لم تبلغه دعوة الرسول ﷺ ، ولم تصله نذارة القرآن فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، فهم معذورون بالجهل لكنهم يمتحنون يوم القيامة. أما نفي المؤاخذة مطلقاً والعذر بالجهل كما قال به الأشاعرة (٢) فغير صحيح، والذي عليه أهل السنة أن أهل الفترة ومن في حكمهم ممن لم يبلغهم القرآن ودعوة الرسل لا يعذرون بالجهل مطلقاً، بل يمتحنون في عرصات القيامة، وهو الراجح من أقوال أهل العلم. (٣) وعليه فكل من لم تبلغه نذارة القرآن يكون معذوراً بجهله إلى أن تبلغه نذارته أو بالامتحان، وأما من بلغته نذارة القرآن ولم يؤمن به فهو في النار، ففرضٌ على من بلغه التصديق به واتّباعه، والهجرة لتحصيل ذلك (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 365

الهادي والمضل هو الله تعالى، وما وقع من الأفعال إنما هو بمشيئة الله. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (١) وجه الاستنباط: لمَّا نسب الله سبحانه الهداية والضلال إلى نفسه، دلّ على رد قول المعتزلة في زعمهم خلق العبد فعل نفسه. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنَّص على أن الهداية والضلال بيد الله خلافاً لمذهب المعتزلة، ومن تبعهم من القدرية القائلين بأنهما من فعل العبد؛ حيث دلَّت على أنه تعالى المضل من يشاء إضلاله من خلقه عن الإيمان، والهادي منهم من أحب هدايته، فموفقه بفضله للإيمان به، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أم الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء. (٢)

стр. 366

قال القرطبي: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ دلَّ على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله. ألا ترى أنه قال: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله، وفيه إبطال لمذهب القدرية.) (١) وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبوحيان، وابن عادل، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم. (٢) وتأوّلت المعتزلة هذه الآية فقالوا: معنى يضلله: يخذله، وضلاله أن لم يلطف به؛ لأنه ليس من أهل اللطف، ومعنى يجعله على صراط مستقيم: يلطف به لأن اللطف يجري عليه، وهذا على قول الزمخشري (٣)، وهو من تحريفاته للهداية والضلالة تبعاً لمعتقده الفاسد في أن الله تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال، وأنهما من جملة مخلوقات العباد. (٤) ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات المشيئة لله، وأن كل ما في الكون واقع بمشيئة الله تعالى. (٥)

стр. 367

قال ابن أبي العز في شرحه كلام الطحاوي رحمهما الله: (يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً) رداً على المعتزلة في هذا الباب: قال: (هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالاً، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. وهذا مبني على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه، لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]. ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧]. وقوله ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩].) (١) وفي هذا دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، وأن ما وقع من الأفعال إنما هوبمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله لم يشأه، سواء ذلك في الطاعة أو المعصية أو ما ليس بطاعة ولا معصية من المباحات، والمشيئة عند أهل السنة لا يلزم منها الحب والرضا، وإنما تتعلق بالإرادة الكونية القدرية التي لا يخرج شيء

стр. 368

في الوجود عنها سواء كان طاعة أو معصية، فإذا كان الفعل طاعة فإنه يكون واقعاً بمشيئة الله وبحبه ورضاه، وإذا كان معصية فإنه يكون واقعاً بمشيئة الله وعدم حبه ورضاه لذلك. وبهذا يتضح أن قول المعتزلة في تقسيم المشيئة لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وبدلالة هذه الآية كما نصَّ عليها الخطيب ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، حيث لا يمكن تقدير المشيئة هنا أنها مشيئة الإلجاء والإكراه، ولكن المعتزلة يأخذون ببعض الكتاب ويردون بعضه، وأهل الحق يدينون لله بالقرآن كله. (١) والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 369

الفائدة من قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (فإن قيل: قد يُستدل بهذا على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء لأنّ معنى الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي، ولولا أنّ الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟ أجيب: بأنه ﷺ إنما قال ذلك تواضعاً لله تعالى، واعترافاً بالعبودية، حتى لا يُعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح، وبأنّ المراد بما قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، وذلك لا يدل على أنهم أفضل من الأنبياء). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على فائدة قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء؟ فأجابهم ﵊ بقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر، وإنما نفى عن نفسه هذه الأشياء تواضعاً لله تعالى، واعترافاً له بالعبودية، وأيضاً حتى لا يقترحوا عليه الآيات التي لايقدر عليها،

стр. 370

فنفى قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وليس في ذلك دلالة على أنهم أفضل من الأنبياء. (١) وممن أشار إلى هذا المعنى من المفسرين: ابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم. (٢) قال ابن عطية مؤيداً هذه الدلالة: (وتعطي قوة اللفظ في هذه الآية الملك أفضل من البشر، وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه أن الملك أعظم موقعاً في نفوسهم وأقرب إلى الله، والتفضيل يعطيه المعنى عطاء خفياً وهو ظاهر من آيات أخر، وهي مسألة خلاف). (٣) وذكر الرازي وجهاً آخر في فائدة هذه الآية إضافة لإظهار التواضع منه ﵊، والاعتراف بالعبودية، وهي أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية، كقولهم ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخر مطالبهم، فقال تعالى في آخر الآية ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوة، وأما هذه الأمور التي طلبتموها، فلا يمكن تحصيلها إلا بقدرة الله، فكان المقصود من هذا

стр. 371

الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه. (١) واستدل الجبائي (٢) بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وجعل معنى الآية: لا أدعي منزلة فوق منزلتي، قال: فلولا أن الملك أفضل لم يصح ذلك، وتبعه الزمخشري كعادته يُرغم معاني القرآن على مسايرة مذهبه (٣)، فهو جارٍ على مذهب المعتزلة أن الملَك أفضل خلق الله. وهذه المسألة (٤) محل خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم بتفضيل الملائكة، وقال بعضهم بتفضيل بني آدم، ولكل قولٍ أدلته (٥)، ومذهب أهل السنة أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة - كما تقدم - وهو الراجح. (٦)

стр. 372

قال ابن عاشور رداً عليهم: (ومن تلفيق الاستدلال أن يستدل الجبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء، مع بُعد ذلك عن مهيع الآية). (١) وقال الشوكاني موافقاً الخطيب وغيره في هذه الآية: (وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). (٢) والصحيح أنه ليس في الآية دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما هو محل النزاع كما زعم الجبائي وغيره، وإن كان ظاهرها يؤيده؛ لأنها إنما وردت رداً على الكفار في قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ .. الآية، وتكليفهم له عليهم الصلاة والسلام بنحو الرقي في السماء وغيره مما لا طاقة له به. فردَّ قولهم: بأنه بشر، وذلك شأن البشر، ولم يدَّعِ أنه ملك، حتى يُتعجب من أكله للطعام، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء. قال الألوسي: (ونحن لا ندعي تميز الأنبياء على الملائكة عليهم الصلاة والسلام في عدم الأكل مثلاً، والقدرة على الأفاعيل الخارقة كالرقي ونحوه، ولا مساواتهم لهم في ذلك، بل كون الملائكة متميزين عليهم، عليهم الصلاة والسلام في ذلك مما أجمع عليه الموافق والمخالف، ولا يوجب ذلك اتفاقاً على أن الملائكة أفضل منهم بالمعنى

стр. 373

المتنازع فيه، وإلا لكان كثير من الحيوانات أفضل من الإنسان ولا يدعي ذلك إلا جماد). (١) فلا يلزم من الآية تفضيل الملائكة على الأنبياء، لأنه لا خلاف أن الأنبياء، يأكلون الطعام، وأن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها، ولا يوجب ذلك اتفاقاً على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. (٢) ولعل هذا الجواب أظهر من كون هذا القول منه ﷺ من باب التواضع وإظهار العبودية لله كما حكاه الخطيب، والله تعالى أعلم.

стр. 374

حجية سد الذرائع. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ أي: اعتداءً وظلماً ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلاً منهم بالله وبما يجب أن يذكر به، وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر). (١) وجه الاستنباط: أن اللَّه تعالى قد حرّم سبّ الأصنام التي يعبدها المشركون مع كون السب حمية لله وإهانة لأصنامهم؛ لكون ذلك السب ذريعة إلى أن يسبوا اللَّه تعالى. الدراسة: هذه الآية أصل في قاعدة سد الذرائع (٢)؛ حيث حرّم تعالى سبّ آلهة المشركين مع كون السبّ غيظاً وحميةً لله وإهانةً لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبّهم لله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبّته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز (٣)، فاستنبط الخطيب منها بدلالة اللازم أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها.

стр. 375

ووجه النهي عن سبّ أصنامهم هو أن السبّ لا تترتب عليه مصلحة دينية؛ لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك، وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل، وينهض به المُحِق ولا يستطيعه المبطل، فأما السبّ فإنه مقدور للمُحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفُحشه ما لا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلّب على المُحق. ويكفي وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. (١) ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ماجاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه» (٢)، وكان ﵊ يكِفُّ عن قتل المنافقين؛ لأنه ذريعة إلى قول الكفار: إن محمداً يقتل أصحابه. (٣) وممن استنبط هذه القاعدة الجليلة من الآية: السمرقندي، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والسيوطي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وابن عاشور وغيرهم. (٤)

стр. 376

قال الشوكاني: (في هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبَّب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرمة، ومخالفة حق، ووقوع في باطلٍ أشدّ، كان الترك أولى به، بل كان واجباً عليه، .. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشُبه). (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 377

تكذيب القدرية والمعتزلة في قولهم: لا يحسُن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه. قال الله تعالى: ﴿ ... كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال الخطيب الشربيني ﵀: (وفي هذه الآية دليل على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه فهو الفعال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل). (١) وجه الاستنباط: ظاهر الآية يفيد العموم في تزيين الله تعالى الخير والشر. الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة النَّص تكذيب القدرية والمعتزلة في قولهم: «لا يحسُن من الله تعالى خلق الكفر وتزيينه» حيث قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فنصَّ سبحانه على تزيين العمل لكل أمة. وظاهر قوله تعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ العموم في الأمم وفي العمل، فيدخل فيه المؤمنون والكافرون، أي: كما زينَّا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية. (٢)

стр. 378

قال ابن عباس: «زيَّنا لأهل الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر» (١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا ما عليه أهل السنة من أن المُزين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، هو الله تعالى بدلالة ظاهرهذه الآية، ففيه رد على القدرية والمعتزلة في زعمهم أن خَلق الكفر وتزيينه لا يحسن من الله تعالى. (٢) وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والقاسمي، وغيرهم. (٣) وأهل السُنَّة على أن خَلقه تعالى الكفر والظلم في الكافر والظالم، وإقراره ثم تعذيبهما عليه، وخَلقه الكفر وغضبه منه وسخطه إياه، كل ذلك منه تعالى حكمة وعدل وحق، وممن دونه تعالى سفه وظلم وباطل. (٤) فالمؤمن اختار الإيمان وأحبَّه واستحسنه وأراده وآثره على ضده، وكرِه الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يُرده وآثر عليه ضده، والله خلق له الاختيار والاستحسان والإرادة للإيمان والبغض والكراهة والاستقباح للكفر، قال تعالى ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]

стр. 379

والكافر على عكسه اختار الكفر واستحسنه وأحبَّه وأراده وآثره على ضده، وكرِه الإيمان وأبغضه ولم يُرده، والله تعالى خلق ذلك كله، وليس أحدهما بممنوع عن ضد ما اختاره، ولا بمحمول على ما اكتسبه، ولذلك وجبت حجة الله عليهم، وحقَّ عليهم القول، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. (١) قال ابن القيم: (قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ

стр. 380

وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] فأضاف التزيين إليه سبحانه خلقاً ومشيئة. وحذَف فاعله تارة، ونسَبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة. وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار للعبد ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، وهو من الشيطان قبيح. وأيضاً فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيء عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيء من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه، زيَّنه سبحانه له وأعماه عن رؤية قُبحه بعد أن رآه قبيحاً. وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يُريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحاً، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه. فربما رآه حسناً عقوبة له، .. ومع هذه فحجة الله قائمة عليه بالرسالة، وبالتعريف الأول. فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء). (١) فثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول، ولا حركة، ولا سكون، إلا إذا زيَّن الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيماناً وعلماً وصدقاً وحقاً، فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل. (٢)

стр. 381

وبهذا يظهر بطلان قول المعتزلة والقدرية، وأن الحق ما ذهب إليه أهل السنة في أن الخالق للكفر، والمزين له هو الله تعالى كما دلت عليه الآية؛ إذ هي نص في محل النزاع، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أجل وأعلم. نجاسة الخنزير نجاسة عين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قال الخطيب الشربيني ﵀: (قوله تعالى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي: نجس، فالضمير يعود على المضاف إليه؛ لأنّ اللحم دخل في قوله ﴿مَيْتَةً﴾، وحينئذٍ ففي الآية دلالة على نجاسة الخنزير وهو حي، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى). (١) الدراسة: استنبط الخطيب من الآية بدلالة النص نجاسة عين الخنزير؛ لأن الضمير فى قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على لفظ الخنزير لا على لفظ «لحم»، وعلَّله بأن اللحم داخل في حكم الميتة، وقال سبحانه في موضع آخر ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فتحريم اللحم معلوم بالنصّ عليه، ولو عاد الضمير عليه لخلا الكلام من فائدة التأسيس، فوجب عوده إلى كلمة «خنزير» ليفيد الكلام تحريم بقية أجزائه.

стр. 382

وقد اختلف العلماء في نجاسة عين الخنزير، فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الخنزير حيوان نجس. (١) وعمدة أدلتهم هي هذه الآية، وذهب مالك إلى أن الخنزير طاهر (٢)، كما هو ظاهر قوله تعالى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أن المحرّم منه هو لحمه فقط، وجمهور الفقهاء على أن المحرم لحمه وسائر أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر والمراد جميع أجزائه؛ لكون اللحم هو معظم ما ينتفع به. (٣) والخلاف في عود الضمير في قوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، فإما أن يعود على «لحم الخنزير»، أو يعود على «خنزير» فإنه أقرب مذكور، والأظهر أنه يعود على ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن المُحدَّث عنه إنما هو اللحم، وجاء ذكر الخنزير على سبيل الإضافة إليه، لا أنه هو المُحدَّث عنه المعطوف (٤)، وعلى كلٍ فهو دليل على نجاسة لحم الخنزير.

стр. 383

قال السمين الحلبي: (ورُجِّح الأول - أي عود الضمير على لحم الخنزير - بأن اللحم هو المُحدَّث عنه، والخنزير جاء بعرضية الإضافة إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: «رأيت غلام زيد فأكرمته» أن الهاء تعود على الغلام؛ لأنه المُحدَّث عنه المقصود بالإخبار عنه لا على زيد؛ لأنه غير مقصود). (١) وقال ابن كثير: (قوله ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعُمُّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطَّرِد). (٢) وعليه فالذي يظهر ضعف ما قاله الخطيب من عود الضمير على المضاف إليه دون المضاف، كما أن دلالة الآية على نجاسة عين الخنزير ليست دلالة قطعية، فقد يراد بالنجاسة: النجاسة الحُكمية وهى حُرمة الأكل، وليس النجاسة العينية، كنجاسة المشركين في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد: نجاسة الاعتقاد وليس النجاسة العينية، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فنجاسة الأنصاب والأزلام حُكمية وهى الحرمة وليست نجاسة عينية، ولذلك استدل بعض العلماء على

стр. 384

نجاسة عين الخنزير بالقياس على الكلب؛ لأنه أسوأ حالاً منه حيث لا يجوز الانتفاع به. (١) وقد نصَّ على نجاسة الخنزير بدلالة الآية جمهور المفسرين. (٢) قال الطبري في بيان معنى الآية (وحُرّم عليكم لحم الخنزير أهليه وبريّه. فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم، والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنزير فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، حرام جميعه، لم يخصص منه شيء). (٣) وقال السمرقندي: (ذكر اللحم خاصة والمراد به اللحم والشحم وجميع أجزائه. وهذا شيء قد أجمع المسلمون على تحريمه، فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها، وأحل البعض منها، وهو السمك والجراد، وذكر الدم وإنما المراد به بعض الدم؛ لأنه لم يدخل فيه الكبد والطحال، وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره). (٤)

стр. 385

والحاصل أن الخلاف في عود الضمير لفظي، والآية دالة على نجاسة لحم الخنزير وتحريمه على كلا الاحتمالين، لكننَّا لا نجزم بقطعية دلالتها على نجاسة عين الخنزير. (١) والله تعالى أعلم.

стр. 386

سورة الأعراف التنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه سبب طرد إبليس منها لا لمجرد معصيته. قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] قال الخطيب الشربيني ﵀: (﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أي: عن أمري لأنّ الجنة أو السماء مكان الخاشع المطيع لأمر الله تعالى، وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة والسماء، وأنه تعالى إنما طُرد إبليس لتكبره لا لمجرّد المعصية). (١) وجه الاستنباط: أنه تعالى قال ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فجعله علة للأمر المذكور بقوله ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ ولا ينبغي أن يسكن الجنة متكبر مخالف لأمر الله. (٢) الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من هذه الآية أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأن إبليس طُرد منها لتكبره لا لمجرد معصيته؛ لأن الله تعالى بيَّن أنه ليس لمن في الجنة أن يتكبَّر فقال ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فالفاء لترتيب الأمر بالهبوط على مخالفته للأمر، أي: اهبط من السماء أو الجنة التي هي محل المطيعين من

стр. 387

الملائكة الذين لا يعصون الله فيما أمرهم إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع، فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ربه مثلك. (١) ولهذا قال: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة متكبرٌ مخالفٌ لأمر الله . فدلّ قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ على أن ذلك الوصف لا يُغتفر منه، لأن النفي بصيغة (ما يكون لك) أشد من النفي بـ (ليس لك كذا)، وهو يستلزم هنا نهياً؛ حيث نفاه عنه مع وقوعه، وعليه فتقييد نفي التكبر عنه بالكون في السماء؛ لوقوعه علّة للعقوبة، دلّ على عظم قبح التكبر وشناعته، وأنه معصية لا تليق بأهل العالم العلوي، ولهذا كان طرد إبليس من الجنة، وليس للمعصية ومخالفة أمر الله فحسب. (٢) وممن استنبط هذا المعنى بدلالة هذه الآية: الطبري، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، وغيرهم. (٣) وقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة في سورة البقرة، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر». (٤)

стр. 388

والذي يظهر - والله تعالى أعلم- أنه طُرد لتكبره ولمخالفته لأمر الله بالمعصية أيضاً، فالجمع بين هذين السببين أولى من الاقتصار على أحدهما، ولا يقلّ ذلك في الدلالة على قبح التكبر، والتنبيه على شناعته كما استنبطه الخطيب، ولذلك طُرد وأُبعد قال تعالى: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي من أهل الصغار والهوان على الله، وعلى أوليائه يذُمّه كل إنسان ويلعنه كل لسان - عياذاً بالله منه- والله تعالى أجل وأعلم.

стр. 389

قبح كشف العورة لغير حاجة. ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] قال الخطيب الشربيني ﵀: (بيّن علة الوسوسة بقوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ﴾ أي: ليُظهر ﴿لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ أي: ستر وغطي ﴿عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ أي: عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر، وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة، وعند الزوجة من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع). (١) وجه الاستنباط: أن آدم وحواء ﵉ كرها التعري ولم يكن معهما ثالث، فدلّ على قبح التعري وإن لم يكن مع المتعري أحد إلا لحاجة. الدراسة: استنبط الخطيب بدلالة اللازم من قوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ وقوله سبحانه: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ قُبح كشف العورة؛ لأنه تعالى بيّن علة وسوسة إبليس لآدم وحواء في الجنة وطمعه في غوايتهما، حيث أراد أن يسوءهما بظهور ما كان مستوراً عنهما من عوراتهما، لأنهما كانا لا يريان عورة نفسيهما ولا يراها أحدهما من الآخر، فلمّا ذاقا الشجرة (بدت لهما سوآتهما) (٢)، فلما ظهرت لهما عوراتهما وتجافى عنهما لباسهما، حتى أبصر كل

стр. 390

واحد منهما ما ووري عنه من سوأة صاحبه حدث في نفسيهما الشعور بقبح بروزها، فشرعا يخفيانها عن أنظارهما استبشاعاً وكراهيةً بالفطرة التي فطرهم الله عليها. (١) وقد جاء في السنن أن رسول الله ﷺ سُئل: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال: أفرأيت إن كان الرجل خالياً قال: «فالله أحق أن يستحيا منه». (٢) وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وابن عادل، وحقي، والقاسمي، وغيرهم. (٣) قال القرطبي: (في الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر، ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة، كما قيل لهما: ولا تقربا هذه الشجرة). (٤) وهذه دلالة قوية الظهور، وعليه فعدم وجوب ستر العورة بين الزوجين لا يعني أن كشفها لغير حاجة مستساغ، بل هو مستهجن في الطبع تأنفه النفوس، وهو يتنافى مع الحياء الذي هو شعبة من الإيمان خاصة عند قضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →