Полный текст (44 стр.). Показаны 36–44 · переход к 41.
стр. 36
المفهوم حجة على ما قررناه إذا لم يخالف صريحا فإن الصريح مقدم على المفهوم كما صرح به الطرسوسي وغيره وذكره الاصوليون في ترجيح الادلة فإن القائلين باعتبار المفهوم في الادلة الشرعية إنما يعتبرونه إذا لم يأت صريح بخلافه فيقدم الصريح ويلغى المفهوم والله تعالى أعلم.
والعرف في الشرع له اعتبار … لذا عليه الحكم قد يدار
قال في المستصفى العرف والعادة ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول انتهى وفي شرح التحرير العادة هي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية انتهى (وفى) الأشباه والنظائر السادسة العادة محكمة واصلها قوله صلى الله تعالى عليه وسلم (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا فقالوا تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة ثم ذكر في الأشباه اما العادة إنما تعتبر إذا اطردت أو غلبت ولذا قالوا في البيع لو باع بدراهم أو دنانير في بلد اختلف فيها النقود مع الاختلاف في المالية والرواج انصرف البيع إلى الاغلب قال في الهداية لانه هو المتعارف فينصرف المطلق إليه اهـ وفى شرح البيرى عن المبسوط الثابت بالعرف كالثابت بالنص اهـ (ثم اعلم) أن كثيرا من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرت بتغير الازمان بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة كما قدمناه من افتاء المتأخرين بجواز الاستئجار على تعليم القرآن وعدم الاكتفاء بظاهر العدالة مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة ومن ذلك تحقق الاكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في عصره أن غير السلطان لا يمكنه الاكراه ثم كثر الفساد فصار يتحقق الاكراه من غيره فقال محمد باعتباره وافتى به المتأخرون * ومن ذلك تضمين الساعى مع مخالفته لقاعدة المذهب من أن الضمان على المباشر دون المتسبب ولكن افتوا بضمانه زجرا لفساد الزمان بل افتوا بقتله زمن الفترة. ومنه تضمين الاجير المشترك * وقولهم أن الوصى ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا * وافتاؤهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف * وعدم اجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الاراضى مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة * ومنعهم القاضى أن يقضى بعلمه وافتاؤهم بمنع الزوج من السفر بزوجته وإن اوفاها المعجل لفساد الزمان، وعدم سماع قوله أنه استثنى بعد الحلف بطلاقها الابينة مع أنه خلاف ظاهر الرواية وعللوه بفساد الزمان. وعدم تصديقها
стр. 37
بعد الدخول بها بأنها لم تقبض ما اشترط لها تعجيله من المهر مع انها منكرة للقبض وقاعدة المذهب أن القول للمنكر لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه * وكذا قالوا في قوله كل حل عليّ حرام يقع به الطلاق المعرف قال مشايخ بلخ وقول محمد لا يقع إلا بالنية أجاب به على عرف ديارهم اما في عرف بلادنا فيريدون به تحريم المنكوحة فيحمل عليه نقله العلامة قاسم ونقل عن مختارات النوازل أن عليه الفتوى لغلبة الاستعمال بالعرف ثم قال قلت ومن الالفاظ المستعملة في هذا في مصرنا الطلاق يلزمني والحرام يلزمنى وعليّ الطلاق وعليّ الحرام اهـ * وكذا مسئلة دعوى الأب عدم تمليكه البنت الجهاز فقد بنوها على العرف مع أن القاعدة أن القول للملك في التمليك وعدمه * وكذا جعل القول للمرأة في مؤخر صداقها مع أن القول للمنكر * وكذا قولهم المختار في زماننا قولهما في المزارعة والمعاملة والوقف لمكان الضرورة والبلوى. وقول محمد بسقوط الشفعة إذا اخر طلب التملك شهرا دفعا للضرر عن المشترى * ورواية الحسن بان الحرة العاقلة البالغة لو زوجت نفسها من غير كفؤ لا يصح * وافتاؤهم بالعفو عن طين الشارع للضرورة وببيع الوفاء والاستصناع والشرب من السقا بلا بيان مقدار ما يشرب * ودخول الحمام بلا بيان مدة المكث ومقدار ما يصب من الماء * واستقراض العجين والخبز بلا وزن وغير ذلك مما بنى على العرف وقد ذكر من ذلك في الأشباه مسائل كثيرة (فهذه) كلها قد تغيرت احكامها لتغير الزمان اما للضرورة واما للعرف واما لقرائن الاحوال وكل ذلك غير خارج عن المذهب لأن صاحب المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها ولو حدث هذا التغير في زمانه لم ينص على خلافها وهذا الذى جرأ المجتهدين في المذهب واهل النظر الصحيح من المتأخرين على مخالفة المنصوص عليه من صاحب المذهب في كتب ظاهر الرواية بناء على ما كان في زمنه كما مر تصريحهم به في مسئلة كل حل على حرام من أن محمدا بنى ما قاله على عرف زمانه وكذا ما قدمناه في الاستئجار على التعليم (فإن قلت) العرف يتغير مرة بعد مرة فلو حدث عرف آخر لم يقع في الزمان السابق فهل يسوغ للمفتى مخالفة المنصوص واتباع العرف الحادث (قلت) نعم فإن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في المسائل المارة لم يخالفوه الا لحدوث عرف بعد زمن الإمام فللمفتى اتباع عرفه الحادث في الالفاظ العرفية وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عرف زمنه وتغير عرفه إلى عرف آخر اقتداء بهم لكن بعد أن يكون المفتى ممن له رأى ونظر صحيح ومعرفة بقواعد الشرع حتى يميز بين العرف الذى يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره فإن المتقدمين شرطوا
стр. 38
في المفتى الاجتهاد وهذا مفقود في زماننا فلا اقل من أن يشترط فيه معرفة المسائل بشروطها وقيودها التي كثيرا ما يسقطونها ولا يصرحون بها اعتمادا على فهم المتفقه وكذا لا بد له من معرفة عرف زمانه واحوال أهله والتخرج في ذلك على استاذ ماهر ولذا قال في آخر منية المفتى لو أن الرجل حفظ جميع كتب أصحابنا لابد أن يتلمذ للفتوى حتى يهتدى إليه لأن كثيرا من المسائل يجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة انتهى * وفى القنية ليس للمفتى ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف انتهى ونقله منها في خزانة الروايات وهذا صريح فيما قلنا من أن المفتى لا يفتى بخلاف عرف أهل زمانه * ويقرب منه ما نقله في الأشباه عن البزازية من أن المفتى يفتى بما يقع عنده من المصلحة وكتبت في رد المحتار في باب القسامة فيما لو ادعى الولى على رجل من غير أهل المحلة وشهد اثنان منهم عليه لم تقبل عنده وقالا تقبل الخ نقل السيد الحموى عن العلامة المقدسي أنه قال توقفت عن الفتوى بقول الإمام ومنعت من اشاعته لما يترتب عليه من الضرر العام فإن من عرفه من المتمردين يتجاسر على قتل النفس في المحلات الخالية من غير اهلها معتمدا على عدم قبول شهادتهم عليه حتى قلت ينبغي الفتوى على قولهما لا سيما والاحكام تختلف باختلاف الايام انتهى وقال في فتح القدير في باب ما يوجب القضاء والكفارة من كتاب الصوم عند قول الهداية ولو اكل لحما بين اسنانه لم يفطر وإن كان كثيرا يفطر وقال زفر يفطر في الوجهين انتهى ما نصه * والتحقيق أن المفتى في الوقايع لابد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس وقد عرف أن الكفارة تفتقر إلى كمال الجناية فينظر إلى صاحب الواقعة إن كان ممن يعاف طبعه ذلك اخذ بقول أبي يوسف وإن كان ممن لا اثر لذلك عنده اخذ بقول زفر انتهى (وفى) تصحيح العلامة قاسم * فإن قلت قد يحكون اقوالا من غير ترجيح وقد يختلفون في التصحيح قلت * يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف واحوال الناس وما هو إلا رفق بالناس وما ظهر عليه المتعامل وما قوى وجهه ولا يخلو الوجود من تميز هذا حقيقة لا ظنا بنفسه ويرجع من لم يميز إلى من يميز لبرائة ذمته انتهى (فهذا) كله صريح فيما قلناه من العمل بالعرف ما لم يخالف الشريعة كالمكس والربا ونحو ذلك فلا بد للمفتى والقاضي بل والمجتهد من معرفة احوال الناس وقد قالوا ومن جهل باهل زمانه فهو جاهل وقدمنا انهم قالوا يفتى بقول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لكونه جرب الوقايع وعرف احوال الناس * وفى البحر عن مناقب الإمام محمد للكردرى كان محمد يذهب إلى الصباغين
стр. 39
ويسأل عن معاملتهم وما يديرونها فيما بينهم انتهى وقالوا إذا زرع صاحب الأرض ارضه ما هو أدنى مع قدرته على الأعلى وجب عليه خراج الأعلى قالوا وهذا يعلم ولا يفتى به كيلا يتجرى الظلمة على اخذ اموال الناس * قال في العناية ورد بأنه كيف يجوز الكتمان ولو اخذوا كان في موضعه لكونه واجبا * واجيب بانا لو افتينا بذلك لادعى كل ظالم في أرض ليس شأنها ذلك انها قبل هذا كانت تزرع الزعفران مثلا فيأخذ خراج ذلك وهو ظلم وعدوان انتهى * وكذا قال في فتح القدير قالوا لا يفتى بهذا لما فيه من تسلط الظلمة على اموال المسلمين اذ يدعى كل ظالم أن الأرض تصلح لزراعة الزعفران ونحوه وعلاجه صعب انتهى (فقد) ظهر لك أن جمود المفتى أو القاضى على ظاهر المنقول مع ترك العرف والقراين الواضحة والجهل بأحوال الناس يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين (ثم اعلم) أن العرف قسمان عام وخاص فالعام يثبت به الحكم العام ويصلح مخصصا للقياس والأثر بخلاف الخاص فإنه يثبت به الحكم الخاص ما لم يخالف القياس أو الاثر فإنه لا يصلح مخصصا (قال) في الذخيرة في الفصل الثامن من الاجارات في مسئلة ما لو دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالثلث ومشايخ بلخ كنصير بن يحيى ومحمد بن سلمة وغيرهما كانوا يجيزون هذه الإجارة في الثياب لتعامل أهل بلدهم في الثياب والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الاثر وتجويز هذه الإجارة في الثياب للتعامل بمعنى تخصيص النص الذي ورد في قفيز الطحان لأن النص ورد في قفيز الطحان لا في الحايك إلا أن الحايك نظيره فيكون واردا فيه دلالة فمتى تركنا العمل بدلالة هذا النص في الحايك وعملنا بالنص في قفير الطحان كان تخصيصا لا تركا أصلا وتخصيص النص بالتعامل جائز إلا ترى أنا جوزنا الاستصناع للتعامل والاستصناع بيع ما ليس عنده وانه منهى عنه وتجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص منا للنص الذي ورد في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا ترك للنص أصلا لانا عملنا بالنص في غير الاستصناع قالوا وهذا بخلاف ما لو تعامل أهل بلدة قفيز الطحان فإنه لا يجوز ولا تكون معاملتهم معتبرة لانا لو اعتبرنا معاملتهم كان تركا للنص أصلا وبالتعامل لا يجوز ترك النص أصلا وإنما يجوز تخصيصه ولكن مشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة وتعامل أهل بلدة واحدة لا يخص الاثر لأن تعامل أهل بلدة أن اقتضى أن يجوز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص فلا يثبت التخصيص بالشك بخلاف التعامل في الاستصناع فإنه وجد في البلاد
стр. 40
كلها انتهى كلام الذخيرة (والحاصل) أن العرف العام لا يعتبر إذا لزم منه ترك المنصوص وإنما يعتبر إذا لزم منه تخصيص النص والعرف الخاص لا يعتبر في الموضعين وإنما يعتبر في حق أهله فقط إذا لم يلزم منه ترك النص ولا تخصيصه وإن خالف ظاهر الرواية وذلك كما في الالفاظ المتعارفة في الإيمان والعادة الجارية في العقود من بيع واجارة ونحوها فتجرى تلك الالفاظ والعقود في كل بلدة على عادة اهلها ويراد منها ذلك المعتاد بينهم ويعاملون دون غيرهم بما يقتضيه ذلك من صحة وفساد وتحريم وتحليل وغير ذلك وإن صرح الفقهاء بان مقتضاه خلاف ما اقتضاه العرف لأن المتكلم إنما يتكلم على عرفه وعادته ويقصد ذلك بكلامه دون ما اراده الفقهاء وإنما يعامل كل أحد ما اراده والالفاظ العرفية حقائق اصطلاحية يصير بها المعنى الاصلى كالمجاز اللغوى قال في جامع الفصولين مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف انتهى * وفي فتاوى العلامة قاسم التحقيق أن لفظ الواقف والموصى والحالف والناذر وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها وافقت لغة العرب ولغة الشارع اولا انتهى (ثم اعلم انى لم ار من تكلم على هذه المسئلة بما يشفى العليل * وكشفها يحتاج إلى زيادة تطويل * لأن الكلام عليها يطول * لاحتياجه إلى ذكر فروع واصول * واجوبة عما عسى يقال * وتوضيح ما بنى على هذا المقال * فاقتصرت هناك على ما ذكرته * ثم اظهرت بعض ما اضمرته * في رسالة جعلتها شرحا لهذا البيت * وضمنتها بعض ما عنيت * وسميتها نشر العرف * في بناء بعض الأحكام على العرف * فمن رام الزيادة على ذلك. فليرجع إلى ما هنالك
ولا يجوز بالضعيف العمل … ولا به يجاب من جا يسأل
إلا لعامل له ضرورة … أو من له معرفة مشهوره
لكنما القاضى به لا يقضى … وإن قضى فحكمه لا يمضى
لاسيما قضاتنا اذ قيدوا … براجح المذهب حين قلدوا
وتم ما نظمته في سلك … والحمد لله ختام مسك
قدمنا أول الشرح عن العلامة قاسم أن الحكم والفتيا بما هو مرجوح خلاف الإجماع* وإن المرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع * وإن من يكتفى بان يكون فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسئلة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع انتهى * وقدمنا هناك نحوه عن فتاوى العلامة ابن حجر * لكن فيها أيضًا قال
стр. 41
الإمام السبكى في الوقف من فتاويه يجوز تقليد الوجه الضعيف في نفس الامر بالنسبة للعمل في حق نفسه لا في الفتوى والحكم فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز انتهى * وقال العلامة الشرنبلالى في رسالته العقد الفريد في جواز التقليد مقتضى مذهب الشافعى كما قاله السبكى منع العمل بالقول المرجوح في القضاء والافتاء دون العمل لنفسه ومذهب الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه لكون المرجوح صار منسوخا انتهى (قلت) التعليل بأنه صار منسوخا إنما يظهر فيما لو كان في المسئلة قولان رجع المجتهد عن أحدهما أو علم تأخر أحدهما عن الآخر والا فلا كما أو كان في المسئلة قول لابى يوسف وقول لمحمد فإنه لا يظهر فيه النسخ لكن مراده أنه إذا صحح أحدهما صار الآخر بمنزلة المنسوخ وهو معنى ما مر من قول العلامة قاسم أن المرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة لعدم (ثم) أن ما ذكره السبكي من جواز العمل بالمرجوح في حق نفسه عند الشافعى مخالف لما مر عن العلامة قاسم وقدمنا مثله أول الشرح عن فتاوى ابن حجر من نقل الإجماع على عدم الافتاء والعمل بما شاء من الأقوال * إلا أن يقال المراد بالعمل الحكم والقضاء وهو بعيد والاظهر في الجواب اخذا من التعبير بالتشهى أن يقال أن الإجماع على منع إطلاق التخيير أي بان يختار ويتشهى مهما أراد من الأقوال في أي وقت أراد اما لو عمل بالضعيف في بعض الاوقات لضرورة اقتضت ذلك فلا يمنع منه وعليه يحمل ما تقدم عن الشرنبلالي من أن مذهب الحنفية المنع بدليل انهم اجازوا للمسافر والضيف الذي خاف الريبة أن يأخذ بقول أبي يوسف بعدم وجوب الغسل على المحتلم الذى أمسك ذكره عند ما احس بالاحتلام إلى أن فترت شهوته ثم أرسله مع أن قوله هذا خلاف الراجح في المذهب لكن اجازوا الأخذ به للضرورة (وينبغي) أن يكون من هذا القبيل ما ذكره الإمام المرغيناني صاحب الهداية في كتابه مختارات النوازل وهو كتاب مشهور ينقل عنه شراح الهداية وغيرهم حيث قال في فصل النجاسة والدم إذا خرج من القروح قليلا قليلا غير سائل فذاك ليس بمانع وإن كثر وقيل لو كان بحال لو تركه لسال يمنع انتهى ثم اعاد المسألة في نواقض الوضوء فقال ولو خرج منه شيء قليل ومسحه بخرقة حتى لو ترك يسيل لا ينقض وقيل الخ وقد راجعت نسخة أخرى فرأيت العبارة فيها كذلك ولا يخفى أن المشهور في عامة كتب المذهب هو القول الثاني المعبر عنه بقيل واما ما اختاره من القول الأول فلم ار من سبقه إليه ولا من تابعه عليه بعد المراجعة الكثيرة فهو قول شاذ ولكن صاحب الهداية امام جليل من عظم مشايخ المذهب من طبقة أصحاب التخريج والصحيح كما مر
стр. 42
فيجوز للمعذور تقليده في هذا القول عند الضرورة فإن فيه توسعة عظيمة لاهل الاعذار كما بينته في رسالتي المسماة الأحكام المخصصة بكى الحمصة وقد كنت ابتليت مدة بكي الحمصة ولم أجد ما تصح به صلاتى على مذهبنا بلا مشقة إلا على هذا القول لأن الخارج منه وإن كان قليلا لكنه لو ترك يسيل وهو نجس وناقض للطهارة على القول المشهور خلافا لما قاله بعضهم كما قد بينته في الرسالة المذكورة ولا يصير به صاحب عذر لأنَّه يمكن دفع العذر بالغسل والربط بنحو جلدة مانعة للسيلان عند كل صلاة كما كنت افعله ولكن فيه مشقة وحرج عظيم فاضطررت إلى تقليد هذا القول ثم لما عافاني الله تعالى منه اعدت صلاة تلك المدة ولله تعالى الحمد. وقد ذكر صاحب البحر في الحيض في بحث ألوان الدماء اقوالا ضعيفة ثم قال وفى المعراج عن فخر الأئمة لو افتى مفت بشيء من هذه الأقوال في مواضع الضرورة طلبا للتيسير كان حسنا انتهى * وبه علم أن المضطر له العمل بذلك لنفسه كما قلنا وإن المفتى له الافتاء به للمضطر فما مر من أنه ليس له العمل بالضعيف ولا الافتاء به محمول على غير موضع الضرورة كما علمته من مجموع ما قررناه والله تعالى أعلم * وينبغى أن يلحق بالضرورة أيضًا ما قدمناه من أنه لا يفتي بكفر مسلم في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة فقد عدلوا عن الافتاء بالصحيح لأن الكفر شيء عظيم وفي شرح الاشباء للبيرى هل يجوز للإنسان العمل بالضعيف من الرواية في حق نفسه نعم إذا كان له رأى اما إذا كان عاميا فلم اره لكن مقتضي تقييده بذي الرأى أنه لا يجوز للعامى ذلك قال في خزانة الروايات العالم الذي يعرف معنى النصوص والاخبار وهو من أهل الدراية يجوز له أن يعمل عليها وإن كان مخالفا لمذهبه انتهى وتقييده بذى الرأى أي المجتهد في المذهب مخرج للعامى كما قال فإنه يلزمه اتباع ما صححوا لكن في غير موضع الضرورة كما علمته آنفا (فإن قلت) هذا مخالف لما قدمته سابقا من أن المفتى المجتهد ليس له العدول عما اتفق عليه أبو حنيفة وأصحابه فليس له الافتاء به وإن كان مجتهدا متقنا لأنهم عرفوا الادلة وميزوا بين ما صح وثبت وبين غيره ولا يبلغ اجتهاده اجتهادهم كما قدمناه عن الخانية وغيرها (قلت) ذاك في حق من يفتى غيره ولعل وجهه أنه لما علم أن اجتهادهم اقوى ليس له أن يبنى مسائل العامة على اجتهاده الاضعف أو لأن السائل إنما جاء يستفتيه عن مذهب الإمام الذى قلده ذلك المفتى فعليه أن يفتى بالمذهب الذى جاء المستفتى يستفتيه عنه * ولذا ذكر العلامة قاسم في فتاويه أنه سئل عن واقف شرط لنفسه التغيير والتبديل فصير الوقف لزوجته فأجاب انى لم اقف على اعتبار هذا في شيء من كتب علمائنا وليس للمفتى إلا نقل ماصح عند أهل مذهبه الذين يفتي بقولهم ولأن المستفتى
стр. 43
إنما يسأل عما ذهب إليه ائمة ذلك المذهب لا عما ينجلى للمفتى انتهى * وكذا نقلوا عن القفال من ائمة الشافعية أنه كان إذا جاء أحد يستفتيه عن بيع الصبرة يقول له تسألني عن مذهبي أو عن مذهب الشافعي وكذا نقلوا عنه أنه كان احيانا يقول لو اجتهدت فادى اجتهادى إلى مذهب أبي حنيفة فأقول مذهب الشافعى كذا ولكنى أقول بمذهب أبي حنيفة لانه جاء ليعلم ويستفتى عن مذهب الشافعى فلا بد أن أعرفه باني افتى بغيره انتهى * واما في حق العمل به لنفسه فالظاهر جوازه له ويدل عليه قول خزانة الروايات يجوز له أن يعمل عليها وإن كان مخالفا لمذهبه أي لأن المجتهد يلزمه اتباع ما ادى إليه اجتهاده ولذا ترى المحقق ابن الهمام اختار مسائل خارجة عن المذهب ومرة رجح في مسئلة قول الإمام مالك وقال هذا الذى ادين به وقدمنا عن التحرير أن المجتهد في بعض المسائل على القول بتجزى الاجتهاد وهو الحق يلزمه التقليد فيما لا يقدر عليه أي فيما لا يقدر على لاجتهاد فيه لا في غيره * وقولى لكنما القاضى به لا يقضى الخ أي لا يقضى بالضعيف من مذهبه وكذا بمذهب الغير (قال) العلامة قاسم وقال أبو العباس أحمد بن إدريس هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده كما يجب على المفتى أن لا يفتى إلا بالراجح عنده أوله أن يحكم باحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده جوابه أن جوابه أن الحاكم ان كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم ويفتى إلا بالراجح عنده وإن كان مقلدا جاز له أن يفتى بالمشهور في مذهبه وإن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان المحكوم به امامه الذي يقلده كما يقلده في الفتوى واما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام اجماعا واما الحكم والفتيا بما هو مرجوح فخلاف الاجماع انتهى. وذكر في البحر لو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه ناسيا لمذهبه نفذ عند أبي حنيفة وفي العامة روايتان وعندهما لا ينفذ في الوجهين واختلف الترجيح ففى الخانية أظهر الروايتين عن أبي حنيفة نفاذ قضائه وعليه الفتوى وهكذا في الفتاوى الصغرى * وفي المعراج معزيا إلى المحيط الفتوى على قولهما وهكذا في الهداية * وفي فتح القدير فقد اختلف في الفتوى والوجه في هذا الزمان أن يفتى بقولهما لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل واما الناسى فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره هذا كله في القاضي المجتهد فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة فيكون معزولا بالنسبة إلى هذا الحكم انتهى ما في الفتح انتهى كلام البحر * ثم ذكر أنه اختلفت عبارات المشايخ في القاضي المقلد والذي حط عليه كلامه أنه إذا قضى مذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ واقوى ما تمسك به ما في البزازية عن شرح الطحاوى إذا لم يكن القاضى مجتهدا وقضى بالفتوى
стр. 44
ثم تبين أنه على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه وله أن ينقضه كذا عن محمد وقال الثانى ليس له أن ينقضه أيضًا انتهى * لكن الذي في القنية عن المحيط وغيره ان اختلاف الروايات في قاض مجتهد إذا قضى على خلاف رأيه والقاضي المقلد ماذا قضى على خلاف مذهبه لا ينفذ انتهى * وبه جزم المحقق في فتح القدير وتلميذه العلامة قاسم في تصحيحه (قال) في النهر وما في الفتح يجب أن يعول عليه في المذهب وما في البزازية محمول على رواية عنهما فصار الامر أن هذا منزل منزلة الناسى لمذهبه وقد مر عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ فالمقلد أولى انتهى * وقال في الدر المختار قلت ولاسيما في زماننا فإن السلطان ينص في منشوره على نهيه عن القضاء بالاقوال الضعيفة فكيف بخلاف مذهبه فيكون معزولا بالنسبة لغير المعتمد من مذهبه فلا ينفذ قضاؤه فيه وينقض كما بسط في قضاء الفتح والبحر والنهر وغيرها انتهى (قلت) وقد علمت أيضًا أن القول المرجوح بمنزلة العدم مع الراجح فليس له الحكم به وإن لم ينص له السلطان على الحكم بالراجح وفي فتاوى العلامة قاسم وليس للقاضى المقلد أن يحكم بالضعيف لأنَّه ليس من أهل الترجيح فلا يعدل عن الصحيح إلا لقصد غير جميل ولو حكم لا ينفذ لأن قضائه قضاء بغير الحق لأن الحق هو الصحيح * وما نقل من أن القول الضعيف يتقوى بالقضاء المراد به قضاء المجتهد كما بين في موضعه مما لا يحتمله هذا الجواب انتهى * وما ذكره من هذا المراد صرح به شيخه المحقق في فتح القدير * وهذا آخر ما اردنا ايراده من التقرير * والتوضيح والتحرير * بعون الله تعالى العليم الخبير * اسأله سبحانه أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم * موجبا للفوز لديه يوم الموقف العظيم * وان يعفو عما جنيته واقترفته من خطأ واوزار * فإنه العزيز الغفار * والحمد لله تعالى اولا وآخرا وظاهرا وباطنا
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله تعالى على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين نجز ذلك بقلم جامعه
الفقير محمد عابدين غفر الله تعالى له ولوالديه
ومشايخه وذريته والمسلمين
آمين
وذلك في شهر ربيع الثاني سنة ثلاث واربعين ومأتين والف