← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 16231

إجماع المحدثين

حاتم العوني

Полный текст (176 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين]ـ المؤلف: حاتم بن عارف بن ناصر الشريف العوني الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

[إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين] المؤلف: الشريف حاتم بن عارف العوني دار النشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع البلد: المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ عدد الأجزاء: ١ مصدر الكتاب: ملتقى أهل الحديث www.ahlalhdeeth.com [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة لك اللهمَّ الحمدُ أجمع، حمداً يُرضيك عَجْزُهُ، ويَسْتَزِيدُك الإنعامَ تقصيرُهُ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُهُ ورسوله. فاللهم صَلِّ على مُحمّد وعلى أزواجه وذُرِّيَّتِهِ كما صلّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجِه وذُرِّيَّتِهِ كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ. أمّا بعد: فإن من أصول دعوتي في (المنهج المقترح لفهم المصطلح) الرجوعَ إلى المعين الصافي للسنة النبويّة وعلومها، والدعوة إلى إحياء منهج أئمة السنة في أصول علومها وفروعها، وتنقيتها من رُكام الجهل والتقليد والعلوم الدخيلة على الإسلام وحضارته. ونحن اليوم مع أثرٍ جديد من آثار (المنهج المقترح) ، قائم على نَبْذِ التقليد وعلى اعتمادِ الدليل. وهو أساس الدعوة السلفيّة السُّنِّيَّة التي بلغت بركاتُها أقطارَ الأرض، وغزت - بعُدّتها وعتادها من أدلّة الوحيين (الكتاب والسنة) ومنهجِ سلف الأمّة - أعتى القلوبِ وأعدى النفوس، فما برحت أن خالطت بشَاشةَ القلوب، واستلّت عداواتِ النفوس، وشرحتِ الصدورَ لما كان قد انشرح له صَدْرُ أصحابِ النبي ﷺ ، وعلمتْ أنه الحق!

стр. 4

وبناءً على ذلك: فإني لا أُحِلُّ لمن لم يتشرّب قَلْبُه ودمُه وعظامُه الدعوةَ السلفيّةَ، القائمة على نَبْذِ التقليد واعتماد الدليل= أن يقرأ هذا البحث، فإنك لستَ محدِّثًا قومًا بحديثٍ لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وأي فتنةٍ أعظم من فتنة من يرى التقليدَ هو الدين، ويَعُدُّ اتباعَ الدليل هو البدعة، إذا ما قرأ بحثًا قائمًا على ضدِّ ما يراه؟! أقول ذلك، لأني في هذا البحث قد ناقشت إحدى مُسَلَّمات التقليد، وسمحتُ لنفسي أن أجعلها مسألةً قابلةً للبحث والعَرْض على الدليل. فأوصلني هذا النظرُ السلفيُّ إلى نَسْفِ تلك المُسَلَّمة، وبيان أنها خطأٌ محضٌ، ليس لها من الحقّ نصيب!! فماذا أعمل؟! إذا كان الدليلُ ينقض تلك المُسَلَّمة!! لقد عانيتُ -أنا قبل غيري- من زعزعة الأدلة لتلك المسلّمة، وكنتُ أعالج من آثار الإلف العلميّ ورسوخِ البدهيّات الوهميّة شدّةً عظيمة، لم أتجاوزها إلا بتوفيق من الله تعالى، حين صَدَقْتُ مع المنهج السلفي في نَبْذِهِ التقليدَ واعتمادِه الدليلَ! لذلك فإني لن أَعْجَبَ إن عالجَ غيري مثلَ تلك الشِّدّةِ أو أشدّ، بل لن أعجب إن حال الإلف العلميُّ ورسوخُ البدهيّات الوهميّة دون اقتناعه بما جاء في هذا البحث، ولن أعجب -بعد ذلك- إن أنكره وشنّع في إنكاره. لكن ليعلم هذا أنه قد غُلبَ عن منهجه القائم على الدليل، وأنه قد حيل بينه وبين ما يشتهي من السموِّ عن التقليد الأعمى. أقول هذا كُلَّه، لشدّة ثقتي بصحّة ما توصّلتُ إليه، ولأني لم أترك سبيلاً من سُبُل التحرِّي والتثبّت إلا وسلكته، وكبحتُ نفسي بالحِلم

стр. 5

والأناة، حتى عزمت على نِشْر ما أثمره ذلك الجُهدُ والتدبُّر والاستدلالُ والتحلُّمُ والتأنّي. وإن كنتُ (ولم أزل) أعلم من ضعف الإنسان وجهله ما يمكن معه أن يحيف الحيفَ العظيم، وهو يحسب أنه على الصراط المستقيم. لكن ماذا أعمل؟! والحقُّ أمامي أراه كالشمس، والأدلّةُ تتوارد تَتْرى على إحقاقه وإزهاق الباطل. ليست المسألة من مسائل العقيدة الكبار، ولا من أصول الدين العظمى، لكنها -بحقّ- من أمهات مسائل علوم الحديث، إنها مسألة شروط قبول الحديث المعنعن. لقد ابتدأتُ التفكير في هذه المسألة، ومناقشة إحدى أكبر مسلّماتها من عام (١٤١٠هـ) ، فانهارت عندي هذه المسلّمة من عام (١٤١١هـ) . لكني بقيتُ مفكّرًا متدبّرًا، لا أكاد أذكرها لأحدٍ، إلا آحادًا قلائل، حرصًا مني على زيادة التثبّت، وبغرضٍ آخر: هو التفرّغُ لها في بحث مُسْتَقِلّ. ولقد أعانتني -بعد ذلك- النتائجُ المهمة التي توصّلت لها في كتابي (المرسل الخفي) ، وفيها نتائج لم أسبق إلى التنصيص عليها من قَبْلُ أبدًا في كتب المصطلح وعلوم الحديث= فازددتُ يقينًا من صحّة ما كانت قد قادتنى إليها الأدلّةُ التي سبق أن تنبّهت لها، وزاد عُمقُ المسألة عندي، واسْتَنَارت أدلّتها في قلبي. حتى ابتدأت إعلانَ ذلك في دروسي الخاصة من عام (١٤١٤هـ) ، ثم أعلنتها في محاضرة عامة في مسجد من مساجد مدينة جدّة سنة

стр. 6

(١٤١٨هـ) ، وسُجِّلت المحاضرة في شريطين، وانتشرت انتشارًا واسعًا، وتواردت عليّ الأسئلة والاستفسارات والاستشكالات. ثم عُدتُ إلى بَسْطها في دروسي في شرح كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث عام (١٤٢٠هـ) ، وسُجِّلت في ثلاثة أشرطة، شرّقت وغرّبت بين طلبة العلم المهتمّين بعلوم السنة. وقد تكرّر إليّ الطلبُ بنشر بحثي في هذه المسألة مطبوعًا، وما كنت أؤخّره إلا طلبًا للتفرّغ له. فما أن أنعم الله عليّ بذلك، حتى عاجلت أوراقي وبطاقاتي، كاتبًا هذا البحث المختصر، في هذه المسألة المهمّة. وممّا عاجلني بإخراج بحثي هذا، أني مع ما أتوقُّعه من تشنيع بعض المقلدين عليّ فيه، إلا أني ضنينٌ بنسبة نتائجه إليّ، معتزٌ بما توصلت إليه فيه، لأني لا أعلم أحدًا من قرون متطاولة قد أفصح بما ذكرته، ولا قرّر ما حرّرته. وقد ابتُلينا في هذا الزمان بما يسمَّى بـ (السرقات العلمية) ، وقد كنت أحدَ ضحاياها في يوم من الأيام (١) ، فلم أر أن السكوت يسعني، وأنه من الواجب عليّ النهيُ عن منكر لُبْسِ ثَوْبَيِ الزُّور، والزجرُ عن تشبُّعِ المَرْءِ بما لم يُعْطَ!!! خاصّةً بعد انتشار أشرطة المحاضرات من سنوات، كما سبق. ولا أشك أن القارىء الكريم قد عَرَفَ بعضَ تفاصيل المسألة، وما هي المسلّمةُ التي نقضتُها، إما من خلال الأشرطة المشار إليها، أو من خلال عنوان هذا البحث.

стр. 7

فالحديث المعنعن (وهو الحديث الذي يرويه الراوي عمن يروي عنه بلفظ: عن) ، قد نُقِل أن في شروط قبوله خلافًا، بسبب أن لفظ (عن) لا يدلّ على الاتّصال في اللغة، والاتصال -كما لا يخفى- أحد أهمّ أركان قبول وصحة المنقولات من الأحاديث والأثار. وأوّلُ من أثار هذه المسألة هو الإمامُ مسلمٌ في مقدّمة صحيحه، عندما عقد لهذه المسألة فصلاً خاصًا في تلك المقدّمة. وذكر مسلمٌ في ذلك الفصل أن أحدَ الجَهَلَةِ الخاملي الذِّكْرِ قد عَرَض لشروط قبول الحديث المعنعن، مُضيفًا شرطًا زائدًا عمّا عليه أهلُ الحديث قاطبة، ألا وهو شَرْطُ: أن نَقِفَ على ما يدل على السماع واللقاء ولو مَرّةً واحدةً في حديث كُلِّ راويين متعاصِرَيْنِ. فشنّ عليه مسلمٌ لذلك غارةً شديدةً، مُبيّنًا أنه مخالفٌ للإجماع، وأن قوله هذا مبتدع مستحدث. وبعد الإمام مسلم سكت العلماء عن إثارة هذا الخلاف، حتى جاء القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) ، فنسب ذلك الشرط الزائد، (الذي بدّعه مسلم ونقل الإجماع على خلافه) إلى الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني وغيرهما. ومن هنا تحوّلت المسألة تحوُّلاً خطيرًا، حيث تبنَّى ابنُ الصلاح (ت ٦٤٣هـ) الرأيَ المنسوب إلى البخاري. وتتابع العلماء على ذلك، حتى هذا العصر. بل صَنّفَ أحدُ العلماء كتابًا منفردًا في ترجيح المذهب الذي نُسب إلى البخاري على مذهب مسلم، وهذا العالم هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد الفِهْرِي الشهير بابن رُشَيد السبتي (ت ٧٢١هـ) ، وذلك في كتابه (السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن) .

стр. 8

وكتب أحدُ الباحثين المعاصرين بحثًا لنيل درجة الماجستير في الموضوع ذاته، وبالنتيجة ذاتها. وهو بحث جيّد، لولا أنه سلّم لتلك المسلّمة، وهي إثبات نسبة شرط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من أئمة الحديث. أعني كتاب (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللُّقْيَا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين) ، لمؤلِّفه خالد منصور عبد الله الدريس. ومع أن هذا البحث الأخير قد طُبع عام (١٤١٧هـ) ، ومع أني قد كنت انتهيتُ قبل طباعته من ترجيح عدم صحّة نسبة شرط العلم باللقاء إلى البخاري وإلى غيره من نُقَّاد الحديث= إلا أن اطلاعي عليه بعد ذلك لم يزدني من ترجيحي السابق ذكره إلا يقينًا، لأن ذلك البحث، وكتاب ابن رُشيد قبله، وكتب المصطلح عمومًا بعد القاضي عياض، لم تكن تتعرّض لأصل المسألة، وهي: (ما مدى صحّة نسبة ذلك الشرط إلى البخاري) ، وإنما كان هَمُّ الجميعِ الترجيحَ بين مذهب البخاري (في حُسبانهم) ومذهب مسلم!!! ومن هذا التسليم أُتيَ الجميع!!! ومن مناقشة تلك المسلَّمة وُفّقْتُ إلى الصواب (بحمد الله تعالى) !! وعرضت هذا البحث تحت ست مسائل: المسألة الأولى: تحريرُ شَرْطِ البخاري (المنسوب إليه) ، وشَرْطِ مسلم، وشَرْطِ أبي المظفّر السمعاني. المسألة الثانية: نسبةُ القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري (تاريخُها، ودليلها، ومناقشة الدليل) .

стр. 9

المسألة الثالثة: الأدلّة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء. المسألة الرابعة: بيانُ صواب مذهب مسلم وقُوّة حُجّته فيه. المسألة الخامسة: أثر تحرير شرط الحديث المعنعن على السنة النبويّة. المسألة السادسة: الردّ على آخر شُبْهَتين. وإني من خلال هذه المسائل، وما تضمَّنَتْهُ من عَرْض، لأرجو أن أكون قد نصحتُ للسنة النبويّة، ولطلبة علومها، وللمسلمين عمومًا. وأُذكّر كُلَّ قارىء لهذا الكتاب أن ينصح لنفسه، بحُسْن القراءة، وتمام التَّفَهُّم (١) ، والتجرُّدِ من الإلف العلميّ، والتحرُّر من قيود التقليد. وأن يُقبل على القراءة وهو مستعدٌ لتغيير أيِّ اعتقادٍ سابقٍ دَلَّهُ الدليلُ على بُطلانه، لا أن يُقْبِل جازمًا بخطأ الكاتب، باحثًا عن العثرات، راغبًا في اكتشاف الزلات. وأن يحرص على مخالفة سَنَنِ الذين في قلوبهم زيغ، فلا يَتَّبعُ المتشابهَ، بل يردُّ المتشابهَ إلى المُحْكَمِ. وعليه بعد ذلك من واجب إحسان النيّة، وحَمْل الكلام على أفضل مَحَامِله، وعلى الصواب ما أمكن= ما يأثم بعدم قيامه به. فإن خالف أحدٌ هذه الأخلاق، فليعلم أنه أوّل مخذول، فالحق أبلج، والدين محفوظ، فلن ينفعه أن يشنّع على الحق، ولا أن يسعى

стр. 10

في تخريب علوم الدين.. ولا بأي حُجّة، ولو ركب كل مركب، فليُرحْ وليسترحْ!!! أسأل الله تعالى لي وللقراء علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا مُتَقبَّلاً، وخاتمةً حسنة. وإلى مسائل البحث:

стр. 11

المسألة الأولى: تحرير شَرْطِ البخاري (المنسوب إليه) ، وشَرْطِ مسلم، وشَرْطِ أبي المظفّرِ السمعاني أولاً: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري: نسب عامّةُ أهلِ العلم ممّن جاء بعد القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) -أخذًا من القاضي عياض- إلى البخاري أنه يخالف مسلمًا في الحديث المعنعن، وأنه لا يكتفي بالشرط الذي بيّنه مسلم في صحيحه، بل يُضيفُ شرطًا زائدًا عليه. ثم اختلفوا في ذلك: - فذهب ابنُ رُشَيْد السَّبْتي (ت ٧٢١هـ) في كتابه (السَّنَن الأبين) إلى أن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة مثل مسلم، بل لا يكتفي أيضًا بما يدل على اللقاء بين الراويين، وإنّما يشترط أن يقف على ما يدلّ على السماع. مُعَلِّلاً ذلك -مع تصريحه بعدم وقوفه على نَصٍّ صريح فيه من البخاري- بأنّه الأليق بتحَرِّي البخاري، إذ هو الأقرب إلى الصواب (في رأي ابن رُشيد) ، لأنّه كم مِن تابعيٍّ لقي صحابيًّا وما سمع منه شيئًا (١) . - وذهب ابنُ رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ) في شرحه لعلل الترمذي إلى أن الإمام أحمد وأبا زرعة وأبا حاتم الرازيين يشترطون العلمَ بالسماع، بخلاف البخاري وابن المديني، فإنّ المَحْكِيَّ عنهما (كما يقول ابن رجب) الاكتفاءُ باللقاء (٢) .

стр. 12

* وأيَّد ابنَ رجب في ذلك صاحبُ كتاب: (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المعاصرين) ، ألا وهو خالد الدريس. محتجًّا بأقوالٍ للبخاري فيها أنه اكتفى بمطلق اللقاء للدلالة على الاتّصال، وبأن مسلمًا نصّ في ردِّهِ الذي في مقدّمة صحيحه أنه يردُّ على من كان يشترط اللقاء، ولم يذكر مسلمٌ اشتراطَ السماع (١) . ومع أن ابن رُشيد تشدّد ذلك التشدُّدَ إلاّ أنه عاد في آخر كتابه المذكور إلى الاكتفاء بالمعاصرة (دون العلم بالسماع أو اللقاء) ، لكن مع قُوّة القرائن الدالّة على السماع، كرواية المخضرم عن الصحابة (٢) . إلا أن ابن رُشيد لم ينسب هذا التَّخَفُّف إلى البخاري صراحة، وإنما عرضه وكأنه رأيٌ له قاله بناءً على نظره الخاصّ. ووافَقَ العلائيُّ في ذلك كلّه ابنَ رُشيد، في كتابه (جامع التحصيل) (٣) . وأيّدهما في ذلك خالد الدريس صاحبُ الدراسة الآنفة الذكر، لكن مع نِسبة ذلك التَّخَفُّفِ إلى البخاري، وأنه شَرْطُه. معتمدًا في تصحيح نسبته إلى البخاري على نُقُولٍ عنه، تدلّ على اكتفاء البخاري بالمعاصرة مع قرائن تُقَوِّي احتمالَ وُقُوعِ اللقاء (٤) . - وهناك قولٌ آخر في تحرير شرط البخاري المنسوب إليه، وهو أنه شرطٌ للبخاري في كتابه (الجامع الصحيح) ، لا في أصل الصحّة. أي

стр. 13

أنه تشدّدَ في صحيحه، فاشترط العلم باللقاء (أو السماع) ، مع كونه خارجَ الصحيح لا يشترط ذلك الشرط. أو كما عَبّر بعض أهلُ العلم عن ذلك بقوله: إن هذا الشرط شرط كمال، لا شرط صحّة (١) . ونخلص من هذا: أن شرط البخاري في الحديث المعنعن، بعد السلامة من وصمة التدليس، اختُلفَ فيه إلى أربعة أقوال: الأول: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على السماع نصًّا. الثاني: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على اللقاء. الثالث: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على اللقاء، وأنه يكتفي بالمعاصرة أحيانًا إذا وُجدت قرائن قويّة تدل على اللقاء والسماع. الرابع: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على اللقاء أو السماع في كتابه الصحيح، ولا يشترط ذلك للقول بالاتصال خارج كتابه. ملاحظة: لم يتنبّه ابنُ رُشيد والعلائي والدريس إلى أنهم بمَيْلِهم إلى الاكتفاء بالقرائن القويّة قد نسفوا ما ذهبوا إليه من تقويةِ اشتراط اللقاء أو السماع، إذ مِنْ أين لهم أن مسلمًا لم يكن مراعيًا لمثل تلك القرائن؟! حتى يجعلونه مخالفًا للبخاري!!!

стр. 14

بقي أمرٌ آخر يتعلق بتحرير شرط البخاري المنسوب إليه: وهو: ما هو حكم الحديث المعنعن الذي لم يتحقق فيه العلم باللقاء أو السماع عند البخاري بناءً على هذا الشرط المنسوب إليه، هل يُحكم بانقطاعه؟ أم يُكتفى بالتوقّف عن الحكم له بالاتّصال؟ لازمُ هذا الشرط المنسوب إلى البخاري، ومقتضى دليله: أنه لا يُجزم بانقطاع الإسناد الذي لا يتحقق فيه شرط العلم باللقاء، وإنّما يُكتفى بالتوقف، لأن اشتراط العلم باللقاء إنما توجَّهَ عند القائلين به لاحتمال عدم اللقاء، لا لتحقق عدم اللقاء، فإذا لم نعلم باللقاء يقينًا، يبقى احتمال اللقاء واحتمال عدمه احتمالين متساويين، فالتوقّف حينها هو الواجب (١) . وهذا هو ما نصَّ عليه مسلم في نقله لمذهب مخالفه، حيث ذكر مذهبه في الحديث المعنعن بين المتعاصرين اللذين لم يُعلم لقاؤهما، ثم قال في حكم هذا الحديث عند ذلك المخالف: ((وكان الخبر عنده موقوفًا، حتى يرد عليه سماعُه منه لشيءٍ من الحديث، قلَّ أو كَثُر..)) . (٢) وهذا هو ما نصَّ عليه ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨هـ) أيضًا، ونسبه إلى البخاري وعلي بن المديني، حيث قال في الحديث المعنعن الذي لم يُعلم انتفاء اللقاء بين رواته: ((فإن الحكم فيه أن يُحكم له بالاتصال له عند الجمهور، وشرط البخاري وعلي بن المديني أن يُعلم اجتماعُهما ولو مَرّةً واحدة، فهما -أعني البخاري وابن المديني- إذا لم يعلما لقاء

стр. 15

أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، وإنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان. فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما: هو محمول على الاتصال، والآخر: لم يُعلم اتصال ما بينهما. فأمّا الثالث: وهو منقطع، فلا. فاعلم ذلك، والله الموفّق)) (١) . أمّا الذهبي فتعقّب ابن القطان بقوله: ((بل رأيهما دالٌّ على الانقطاع)) (٢) . قلت: لكن لازم المذهب، ونصّ مسلم في مقدمته، كلاهما يؤيدان ما ذكره ابن القطان، كما سبق. أمّا موقف الذهبي فغريب مضطرب، لأنّه يصحح نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري، وهذه النسبة إنما تصح على المذهب الذي ذكره ابن القطان هنا، لا على ما اختاره الذهبي.. كما سيأتي شرحه مستقبلاً (٣) . ثانيًا: تحرير شرط مسلم: لقد أبان مسلمٌ عن رأيه في مقدّمة صحيحه بصراحةٍ، حيث قال: ((ذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجلٍ ثقةٍ روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه والسماعُ منه، لكونهما جميعًا كانا في عصرٍ واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام= فالرواية ثابتة، والحجّة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالةٌ بيّنةٌ أن هذا الراوي لم يَلْقَ من روى

стр. 16

عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأمّا والأمرُ مُبْهَمٌ، على الإمكان الذي فسّرنا= فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكونَ الدلالةُ التي بيّنّا)) (١) . ويقول في موطنٍ آخر: ((وإنما كان تَفَقُّدُ من تَفَقَّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديث ممن روى عنهم= إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقّدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم عِلّةُ التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مُدَلِّس، على الوجه الذي زعم من حكينا قولَه، فما سمعنا ذلك عن أحدٍ ممن سمّينا ولم نُسَمِّ من الأئمة)) (٢) . ويقول في تقديمه لمقالة صاحب المذهب المخالفِ له: ((أن كل إسنادٍ لحديث فيه فلانٌ عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما كانا في عصر واحد، وجائزٌ أن يكون الحديثُ الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. . .)) (٣) . وقال عقب ذكره لأمثلةٍ للأسانيد الصحيحة مع عدم العلم بالسماع: ((إذِ السماعُ لكل واحدٍ منهم ممكنٌ من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه)) (٤) . فمن خلال هذه النقول يتبيّن أن الإمامَ مسلمًا كان يشترطُ لقبول الحديث المعنعن ثلاثةَ شروط:

стр. 17

الأول: المعاصرة. الثاني: أن لا يكون الراوي الذي عنعن مدلِّسًا (ممن تُرَدُّ عنعنتهم بذلك) . الثالث: أن لا يكون هناك ما يدل على عدم السماع. فأما الشرطان الأولان فظاهران لا خلافَ فيهما ولا غموض، وأمّا الشرط الثالث فقد وقع فيه خلاف، ويحتاج إلى بيان. لقد صَرّح مسلمٌ بهذا الشرط عندما قال -كما سبق-: ((إلا أن يكون هناك دلالة بيّنةٌ أن هذا الراوي لم يَلْقَ من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا)) . فهذا نصٌّ صريحٌ أن المعاصرة قد تحصل بين الراويين، لكن يمنع من الحكم بالاتصال -عند مسلم- وجودُ دلالةٍ واضحةٍ تنفيه وتمنعه. فما هو مقصود مسلم بـ (الدلالة البيّنة) ؟ لا شك أن الراوي لو نَفَى عن نفسه السماعَ ممن عاصره، أو علمنا من أخبارهما أنهما لم يجتمعا في بلدٍ واحد قطّ، ولا كانت بينهما مكاتبةٌ أو إجازة= فإن هذه من أبين الدلائل على عدم الاتصال. وحينها فلن يحكم مسلم بالاتّصال، على ما يقتضيه كلامُه الصريحُ في ذلك، وعلى ما نصّ عليه ابن رُشيد السبتي أيضًا (١) . بل هذه الحالة لا تحتاج إلى تنصيص، لأن شرط الاتّصال الذي يشترطه مسلم هنا قد تيقّنا من عدم تحققه، وأصبح انتفاؤه واضحًا، لا قيمةَ معه من اشتراطِ المعاصرة وعدم التدليس.

стр. 18

لكن هناك دلائل بيّنةٌ عند أهل الحديث غير تلك الدلائل اليقينيّة، مثل بُعْدِ البلدان، أو إدخال الوسائط، ونحو ذلك من القرائن التي تشهد لعدم السماع وتُغلّبُ عدمَ حصوله. فهل هذه الدلائل تَدْخُل في (الدلالة البيّنة) التي ذكرها مسلم؟ الظاهرُ والأصل دخولها فيها، لأنها داخلةٌ في معنى ما ذكره مسلم. ويؤكد مراعاة مسلم لهذه القرائن أمور: الأول: صريحُ كلامه، وذلك في قوله بعد ذكره (الدلالة البيّنة) : ((فأمّا والأمر مبهم، على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بيّنا)) . فتأمّل قوله: ((والأمر مبهم)) ، وما تدل عليه من أن الحكم بالاتّصال بين المتعاصرين إنما يقول به مسلم عندما لا تكون هناك مرجّحات وقرائن تميل بكفّة المسألة إلى عدم السماع، إذ لو كانت هناك مثل تلك المرجحات والقرائن لم تُوصفِ المسألةُ بأن الأمر (أي أمر الاتصال) فيها مبهمٌ. ثم يؤكّد مسلمٌ أنه كان يراعي القرائن التي تحتفُّ برواية المتعاصرين، فإما أن تؤيدَ احتمال السماع أو أن تُضْعِف احتماله، وذلك في قوله: ((أن كل إسنادٍ لحديثٍ فيه فلانٌ عن فلان، وقد أحاط العلمُ بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائزٌ أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به..)) . فَتَنَبَّهْ إلى أنه ذكر المعاصرة، ثم أضاف إليها شرطًا آخر، وهو جواز السماع وإمكانه، وهو يعني عدم وجود قرائن تُبعد احتمال اللقاء.

стр. 19

نعم هناك قولان آخران لمسلم لا يدلاّن على اشتراط إمكان اللقاء، وهما مقدِّمة كلامه الأول، عندما قال: ((وجائزٌ ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد)) ، وقوله: ((إذ السماع لكل واحدٍ منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه)) . لكن هذين القولين المجملين لا يقضيان على النصين المبينين السابقين، خاصة وأن أحدهما جاء استثناءً في آخر كلامه الأول، كما سبق. الثاني: تطبيقاتٌ لمسلم تدل على مراعاته للقرائن: ولها عِدّة أمثلة، سنُأجّلُها إلى موطنٍ لاحقٍ (١) . وسأكتفي منها هنا بمثال واحدٍ: لقد تجنّب الإمامُ مسلم الإخراجَ للحسن البصري عن عمران بن حصين ﵁ في صحيحه خوفًا من عدم تحقق السماع بينهما، مع أن الحسن البصري وُلد سنة (٢١هـ) ، وتوفي عمران بن حصين سنة (٥٢هـ أو ٥٣هـ) . فالحسن معاصرٌ لعمران زيادةً على ثلاثين عامًا، ساكنَ الحسنُ خلالها عمران بين حصين في بلد واحد (هو البصرة) خمس عشرة سنة. ثم إن عمران بين حصين ﵁ كان أحدَ فقهاء الصحابة الذين بعثهم عمر بن الخطاب ﵁ لتعليم الناس بالبصرة، فكان عمران بن حصين بذلك متصدِّرًا للتعليم في بلد الحسن البصري، ولم يكن منعزلاً أو محجوبًا بإمارة أو ولاية.

стр. 20

ومع ذلك كلِّه يقول الحاكم في (المستدرك) عقب حديث للحسن عن عمران ﵁: ((حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بطوله. والذي عندي أنهما لم يُخرجا من ذلك خشية الإرسال. . .)) (١) . وقال في موطن آخر، مُصَرِّحًا بأنّ للشيخين قولاً في هذه المسألة ينقله الحاكم عنهما: ((لم يُخرج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج في هذه الترجمة حرفًا، وذكرا أن الحسن لم يسمع من عمران، والذي عندي أن الحسن سمع من عمران)) (٢) . فلمَ خشيَ مسلمٌ الإرسالَ، مع تحقق المعاصرة الطويلة؟! الثالث: نصَّ على مراعاة مسلم للقرائن غيرُ واحدٍ من العلماء: يقول ابن القطان الفاسي (ت ٦٣٨هـ) في (بيان الوهم والإبهام) ، متحدّثًا عن أن إدخال الوسائط بين الراويين يدل على عدم السماع، عند عدم تصريح أحدهما بلقائه الآخر في رواية أخرى: ((ويكون هذا (يعني: الإنقطاع) أبين في اثنين لم يُعلم سماعُ أحدهما من الآخر، وإن كان الزمانُ قد جمعهما. وعلى هذا المحدِّثون، وعليه وضعوا كتبهم: كمسلم في كتاب (التمييز) ، والدارقطني في (علله) ، والترمذي، وما يقع للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يُحصَى كثرة: تجدُهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن، إذا رُوي بزيادة واحدٍ بينهما)) (٣) .

стр. 21

ويقول العلائي في (جامع التحصيل) ، في سياق ذكره لمذاهب العلماء في الحديث المعنعن: ((والقول الرابع: أنه يُكتفى بمجرّد إمكان اللقاء، دون ثبوت أصله. فمتى كان الراوي بريئًا من تُهمة التدليس، وكان لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكنًا من حيث السِّنّ والبلد= كان الحديثُ مُتّصلاً، وإن لم يأتِ أنهما اجتمعا قط. وهذا قول الإمام مسلم، والحاكم أبي عبد الله، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والإمام أبي بكر الصيرفي من أصحابنا. وقد جعله مسلم ﵀ قولَ كافّةِ أهل الحديث)) (١) . فهذان عالمان يَنُصَّان على مراعاة الإمام مسلم للقرائن، فذكر الأولُ: قرينةَ إدخالِ للوسائط (٢) ، وذكر الثاني: قرينةَ بُعْدِ البلدان بين الراويين. ويزيد قول هذين الإمامين قوّةً أمران: - أن ابن القطان معتمدٌ في نقله لمذهب الإمام مسلم على كتاب له قد فُقِد أغلبه، وهو كتاب (التمييز) . فعند ابن القطان زيادةُ علم، ليس لدينا منها إلا اليسير. - وأن العلائي ممن ينصر رأي البخاري، ومع ذلك فقد أنصف مسلمًا عندما نقل هذا عنه. ومع أني ما كنتُ أحسب أن أحدًا سيشكُ في أن إمامًا مثل مسلم (في نَقْدِه وجَهْبَذَتِه) كان مراعيًا للقرائن الشاهدة للسماع أو عدمه، لأن مراعاة هذه القرائن أمرٌ لا يخفى على طلبة الحديث في زماننا، فكيف

стр. 22

بأحدِ أئمة العصر الذهبي للسنة؟!! = لكني أقول أخيرًا: هل يتصّورُ أحدٌ أن ناقدًا من النّقاد (دون مسلمٍ في العلم، فضلاً عن مسلم) كان يكتفي بالمعاصرة مطلقًا، دون نظرٍ منه إلى القرائن أبدًا؟!! وهل يتصوّرُ أحدٌ أنه لو روى راوٍ خراساني عن آخر أندلسيٍّ، أو روى يمانيٌّ عن قوقازي حديثًا واحدًا معنعنًا، مع روايته عنه أحاديث أخرى بواسطةِ راوٍ أو راويين فأكثر، وكان الحديث الأول (الذي يرويه معنعنًا بغير واسطة) فيه نكارةٌ لا يحتملها أحدُ من رواته= أن مسلمًا سيحكم باتّصال مثل هذا الحديث؟!!! فإن قيل: بَالَغْتَ في ذكر القرائن، فلا يقول أحدٌ باتّصال مثل هذا الحديث. فأقول: هذا هو معنى قولكم إن مسلمًا لا ينظر إلى شيءٍ سوى المعاصرة وانتفاء التدليس، فالمبالغة منكم لا مني! وعليه فلا بُدَّ أن تُقِرَّ بأن لمسلمٍ نظرًا ما إلى القرائن، بل قد أقررتَ! يبقى أن يزعم زاعمٌ بغير دليل، وغير ناظرٍ إلى الأدلّة المخالفةِ لقوله: إن نَظَرَ مسلمٍ إلى القرائن ضعيفٌ، لا كنظر غيره من الأئمة. وكفى بحكاية مثل هذا الزعم بيانًا لبطلانه. فإن ادُّعى دليلٌ لذلك: بأن مسلمًا أخرج أسانيد في صحيحه حُكم فيها بعدم لقاء رواتها لبعضهم، فإنه يلزم على هذا الاستدلال أن يكون البخاريُّ مثلَ مسلم، لأنه أخرج أيضًا أسانيد حُكم فيها بعدم لقاء رواتها لبعضهم (١) !!

стр. 23

على أن الصواب: هو أن الشيخين (البخاريَّ ومسلمًا) كانا مراعيين لقرائن السماع وعدمه أتمَّ مراعاة، وأمّا ما أخرجاه وحُكم عليه بعدم السماع فإنه لا يتجاوز أن يكون اختلافَ اجتهادٍ بين الأئمة غالبًا، وقد يصح أن يُعتذر في بعض الأحاديث بأنهما إنما أخرجاها متابعةً أو شاهدًا لا على وَجْهِ الأصالة والاحتجاج (١) ، وقد يصحُّ أيضًا أن يكون إخراجُه بيانًا لعلّته!! فيما إذا كان سياقُ ذكرهما له يدل على هذا المعنى. وانظر كيف قاد اعتقادُ عدمِ مراعاة مسلم للقرائن إلى ظُلمِ مسلم (عليه رحمة الله) !! وذلك في قول ابن رجب: ((ويردُّ على ما ذكره مسلمٌ: أنه يلزمه أن يحكم باتّصال كل حديث رواه من ثبت له رؤيةٌ من النبي ﷺ ، بل هؤلاء أولى، لأن هؤلاء ثبت لهم اللُّقِيّ، وهو يكتفي بمجرّد إمكان السماع. ويلزمه أيضًا الحُكْمُ باتصال حديث كل من عاصر النبي ﷺ ، وأمكن لُقِيُّهُ له، إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثُه عن النبي ﷺ مرسلاً، وهذا خلافُ إجماع أئمة الحديث)) (٢) . لقد ظنَّ ابنُ رجب أن مسلمًا لا يراعي قرائن عد السماع، ولذلك ألزمه بهذين الإلزامين. فلن تجدَ في الردّ على ذلك الظنّ، ولا في دَفْعِ هذين الإلزامين، أقوى من تصريح مسلم بعدم التزامه بهما. ففي الإلزام الأول: يقول مسلم في كتابه (الطبقات) ، وفي طبقة

стр. 24

التابعين: ((فأوّل ما نبدأ بذكره منهم، من قيل له إنه وُلد في حاية النبي ﷺ وبعضُهم سمّاه النبيُّ ﷺ بالاسم الذي هو اسمه)) (١) . فيُعلن مسلم هنا أن هؤلاء ممن وُلد في حياة النبي ﷺ وسمّاه النبي ﷺ = أنهم من التابعين، وحديث التابعي عن النبي ﷺ لا يصفه أحدٌ بأنه متّصل. وأمّا الإلزام الثاني: فإن مسلمًا أول من صنّف جزءًا في المخضرمين، والمخضرمون أعلى طبقةٍ في التابعين. ومع ذلك فقد صَرّح مسلمٌ بعدم الحكم بلقائهم للنبي ﷺ ، عندما قال في افتتاح جزئه فيهم: ((ذكر من أدرك الجاهليّة، ولم يَلْقَ النبيَّ ﷺ ، ولكنه صحب الصحابة بعد النبي ﷺ )) (٢) . فانظر إلى قوله: ((ولم يلق النبي ﷺ )) وما يتضمّنه من عدم الاكتفاء المطلق بالمعاصرة. ونخلص بذلك أن شروط مسلم لقبول الحديث المعنعن ثلاثة (كما سبق) ، هي: الأول: المعاصرة. الثاني: أن لا يكون الراوي ممن تُرَدُّ عنعنته بالتدليس. الثالث: عدمُ وجود دليل يقطع بانتفاء اللقاء، أو قرينةٍ تشهد لعدمه.

стр. 25

ملاحظة: تعبيرُ بعضِ أهل العلم: ((بأن البخاري يشترط العلم باللقاء أو السماع، وأن مسلمًا لا يشترط العلم بذلك)) تعبيرٌ فيه تجوُّزٌ وتسمُّحٌ، الداعي إليه عند هؤلاء العلماء: الاختصارُ، وعدم خفاء المعنى المقصود لدى السامعين. ذلك أن الشيخين كليهما -في الحقيقة- يشترطان العلم بالسماع، لأن هذا هو مقتضى شرط الاتّصال الذي يتّفقُ الشيخان عليه. وإنما يظهر الفرق بين المذهب المنسوب إلى البخاري ومذهب مسلم في وسيلة العلم بالسماع، لا في العلم بالسماع المتّفق عليه بالاتفاق على اشتراط الاتصال. فالبخاري (في الشرط المنسوب إليه) لا يعلم بالسماع حتى يقف على نصٍّ صريح يدل عليه، ومسلمٌ لا يعلم بالسماع إلا بالشروط الثلاثة المذكورة سابقًا. لذلك فإن الأدقّ أن يقال في التعبير عن شرط الشيخين: إن البخاري (فيما يُنسب إليه) يشترط أن يثبت لديه نصٌّ صريح دالٌّ على اللقاء أو السماع، وأمّا مسلم فلا يشترط ذلك. مع اشتراطهما جميعًا الاتصال، الذي إنما يُتَصَوَّرُ حصوله باللقاء والسماع. وأنبِّه إلى هذا حتى لا يقع في بعض الأذهان أن مسلمًا لا يشترط العلم باللقاء والسماع، بمعنى أنه لا يشترط الاتصال!! ومع هذا التنبيه فلا أجدُ عليَّ من غضاضةٍ إذا ما استخدمتُ العبارة المختصرةَ التي استخدمها العلماءُ من قبل، تجوُّزًا وتسمُّحًا أيضًا ثالثًا: تحريرُ شَرْطِ أبي المُظَفَّر السمعاني (ت ٤٨٩ه ـ) . ذكر أبو المظفّر السمعاني مجادلةً بين الشافعيّة والحنفيّة حول حُجِّيَّة الحديث المرسل، وأن الحنفيّة احتجّوا على الشافعيّة بقبول الشافعيّة

стр. 26

للحديث المعنعن، مع احتمال الانقطاع والتدليس. فأجاب أبو المظفَّر السمعاني بقوله في (قواطع الأدلّة) : ((أمّا قولهم: إنه تُقبل الرواية بالعنعنة. قلنا: نحن لا نقبل، إلا أن نعلم أو يغلب على الظن أنه غير مرسل، وهو أن يقول: (حدثنا فلان) أو (سمعت فلاناً) ، أو يقول (عن فلان) ويكون قد أطال صحبته، لأن ذلك أمارة تدلّ على أنه سمعه منه. فأمّا بغير هذا، فلا يُقبل حديثُه)) (١) . فاحتجَّ بهذه العبارة جَمْعٌ من أهل العلم على أن أبا المظفر السمعاني يشترط في الحديث المعنعن شرطًا هو فوق الشرط المنسوب إلى البخاري، ألا وهو اشتراط طول الصُّحْبة، وعدم الاكتفاء بمجرّد اللقاء، فضلاً عن المعاصرة! إلا أن لأبي المظفّر السمعاني كلامًا أَحْكَمَ من كلامه السابق، واحد أهمّ وجوه إحكامه أنه ذكره في سياق كلامه عن حكم الحديث المعنعن وحكم التدليس، فهو واردٌ في موطنه اللائق به، والذي هو أَوْلَى المواطن بأن يُوفَّى فيه حقّه من البيان. يقول أبو المظفّر السمعاني: ((فأمّا من لم يشتهر بالتدليس ولم يُعرف به، قُبِل منه إذا قال (عن فلان) ، وحُمل في ذلك على السماع، لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبًا للخِفّة، إذ هو أسهل عليهم من أن يقولوا في كل حديث: (حدثنا) . والعُرْفُ الجاري في ذلك يُقَامُ مقامَ التصريح)) (٢) . ثم نقل السمعاني كلام الحاكم في قبول الحديث المعنعن

стр. 27

مع السلامة من التدليس، بما تضمّنه كلام الحاكم من نَقْلِ الإجماع عليه (١) ، دون أن يخالفه في شيءٍ، بل نقله نَقْل المحتجِّ به المعتمدِ عليه. ففي هذا الموطن يصرّح أبو المظفّر أنه يقبل الحديث المعنعن دون قيد أو شرط، إلا من شرط أن لا يكون الراوي مدلّسًا. فإن قيل: لكنه أيضًا لم يشترط المعاصرة؟ قلت: لكن اشتراط المعاصرة أمرٌ بَدَهيّ، إذ كيف يتحقق الاتصال مع عدم المعاصرة؟ ! ثم ما معنى اشتراط سلامة الراوي من وصمة التدليس إذا لم يَكن هناك معاصرةٌ أصلاً؟ !! وعليه: فإن اشتراط المعاصرة في مثل هذا السياق لا حاجةَ إليها، كما أن اشتراطَ أن لا يكونَ الراوي قد صَرّح بعدم اللقاء غير محتاج إليه فيه. فإن قيل: فأيُّ القولين المعبِّرُ عن مذهب أبي المظفّر السمعاني؟ فأقول: هذا السؤال بُني على محاولة الترجيح، فإن أردنا الترجيح، فلا شك أن كلام أبي المظفر في اشتراط طول الصحبة كلامٌ مرجوحٌ، في مقابل كلامه الذي لم يشترط فيه هذا الشرط، وذلك لأسباب: أولاً: أن كلامه الذي لم يشترط فيه طول الصحبة جاء في موطنه وسياقه المستحقِّ له، وهو موطن الحديث عن حكم الحديث المعنعن. بخلاف كلامه الذي اشترط فيه طول الصحبة، فإنه جاء في غير موطنه، على ما بيّنّاه عند ذكره. والكلام الوارد في سياقه الطبيعي وموطنه اللائق به أولى بالتحرير والتدقيق من كلامٍ ورد عَرَضًا في غير مظنّته، لذلك

стр. 28

كان كلامه الذي لم يشترط فيه طول الصحبة أولى بالتقديم وأحق بالترجيح. ثانيًا: أن كلامه الذي لم يشترط فيه طولَ الصحبة، والذي جاء في موطنه اللائق به= كلامٌ يوافقه عليه جَمْعٌ من الأئمة (إن لم يكن جميع الأئمة) ، وعلى رأسهم الإمام مسلم والحاكم (الذي أورد كلامه محتجًّا به) . بخلاف كلامه الذي اشترط فيه طول الصحبة، والذي جاء في غير سياقه الطبيعي= فإنه كلامٌ لا يوافقه عليه أحدٌ، ومذهبٌ غريب لا متابع له فيه. وأَوْلى بالإمام الذي له قولان، أحدهما موافقٌ لجَمْع من الأئمة، والآخرُ مخالفٌ لجميع مذاهب الأئمة، أن يكون أولى المذهبين وأحرى القولين أن يُنْسَبَ إليه= ما كان موافقًا، لا ما كان شاذًّا مستنكرًا. ثالثًا: أن السمعاني لمّا قال كلامه الذي لم يشترط فيه طول الصحبة، علَّلَ قبول العنعنة بأن للعنعنة معنىً عُرْفيًّا يدل على الاتّصال. وهذا التعليل الذي صدر من السمعاني نفسه لبيان سبب قبول العنعنة، لا يكون لاشتراط طول الصحبة معه أيّ معنى، ولا يُتصَوَّر أن صاحب هذا التعليل يعود إلى اشتراط طول الصحبة، الذي هو شرطٌ يدل على أن القائل به كان غافلاً عن ذلك التعليل كل الغفلة (١) . رابعاً: أن كلام السمعاني الذي لم يشترط فيه طول الصحبة جاء مُعَلَّلاً، ومستدلاً عليه بكلام الحاكم أحدِ أئمة الحديث، بما تضمّنه كلامه من نقل الإجماع. بخلاف كلامه الذي فيه اشتراط طول الصحبة، فإنه لم يحشد له تلك الأدلّة. والكلام المؤيَّد بالدليل، أولى من الكلام الغُفْل المهمل من الدليل والبرهان.

стр. 29

هذا كله إن أردنا الترجيح بين قولي السمعاني، لكن الأولى أن نحاول الجمع بين قوليه، فذلك خيرٌ من ضربهما ببعضهما، خاصةً وأنهما قولان صادران من إمام واحد، بل في كتاب واحد أيضًا. والجمع يظهر من التدقيق في كلام السمعاني الذي اشترط فيه طُولَ الصحبة، والتنبُّهِ إلى أنه لم يشترط فيه انتفاءَ التدليس لقبول العنعنة أنه كان يريد أن يذكر حالةً من حالات الرواية بالعنعنة تكون محكومًا عليها بالاتّصال مطلقًا، حتى لو كان الراوي المُعَنْعِنُ مدلِّسًا. ولذلك ذكر شَرْطَ طول الصحبة، حيث إن من كان مختصًّا بشيخ ملازمًا له حُملت عنعنته عنه على الاتّصال، ولو كان من مشاهير المدلسين، كما هو مقرّر في هذا العلم (١) . وبذلك يكون السمعاني قد بيّن سِعَةَ دائرة قبول الحديث المعنعن، ففي كلامه الذي كان يتحدّث فيه عن حُكم الحديث المعنعن بيّن أنه حديثٌ مُتّصل من عامّة الرواة، ولم يَسْتَثْنِ إلا المدلسين، فهم وحدَهم الذين لا تُحمل عنعنتهم على الاتصال. ثم عاد السمعاني في الموطن الآخر إلى بيان أن الحديث المعنعن قد يُقبل حتى من المدلِّس، وذلك فيما إذا كان المدلِّس يروي عمن أطال صحبته من شيوخه. وقَصْدُهُ من ذلك إظهارُ ضَعْفِ حُجّة من شَبَّه الحديث المرسل بالحديث المعنعن بجامع الإرسال في الأول واحتماله في الثاني، فبيّن له بذلك أن من الأحاديث المعنعنة ما تُقبل من كل الرواة، ومنها ما

стр. 30

يُقبل من غير المدلسين، لضعف احتمال الإرسال، وغلبه الظن بالاتّصال فيهما. وبذلك يظهر لمن كان يناظره السمعاني أن غالب الأحاديث المعنعنة محمولة على الاتّصال، وأن احتمال الإرسال فيها ضعيفٌ بعيد. وغايةُ ما يقال: إن السمعاني أراد أن يذكر حالةً للحديث المعنعن يُقبل فيها من جميع الرواة ولو كانوا مدلِّسين، لذلك اشترط طول الصُّحْبة، بدليل عدم اشتراطه انتفاء التدليس لقبول العنعنة، وبدليل أن الشرط الذي ذكره هو الشرط الذي تُقْبَل معه العنعنة من المدلِّس. وكفى بهذين الدليلين بيانًا لمقصود السمعاني!! وبذلك يتّضحُ مثالٌ جديدٌ لما اكتنفَ هذه المسألة من الإشكالات، وما أحاط بها من الفُهُوم غير الموفّقة، التي كادت تُخفي معالم الصواب فيها. إذ إن اعتقادَ بعضِ أهل العلم أن أبا المظفَّر السمعاني يشترط طول الصُّحْبة، قد ساعدَ في تثبيت الشرط المنسوب إلى البخاري، إذْ إن في شرط طول الصُّحْبة مخالفةً قويّةً لشرط مسلم من جهة، ويقدح في الإجماع الذي نقله مسلم من جهةٍ أخرى، وأخيرًا: يجعل الشرط الذي نُسِبَ إلى البخاري مذهبًا وَسَطًا بين إفراط السمعاني وتفريط مسلم (١) !! ! وهذا الموقف ذكّرني بعددٍ من الأقوال لبعض الأئمة، فُهِمت خطأً، وتضاربت الأقوال في تحديد مذهب أصحابها. سأذكر منهم هنا واحدًا، وأرجيءُ البقيّة إلى صُلْب البحث.

стр. 31

فهذا الإمام أبوبكر الصيرفي (ت ٣٣٠هـ) شارحُ (الرسالة) للشافعي، بينما ينقل عنه ابنُ رجب الحنبلي أنه يشترط العلم بالسماع (١) ، ينقل عنه غيرُه خلافَ ذلك، فنقل العلائي (٢) وابنُ رُشَيد (٣) (كلاهما) عن الصيرفي أنه على مذهب مسلم. وقد وجدتُ عبارةً طويلةً للصيرفي تؤيّد مذهب مسلم، نقلها عنه الزركشي في (البحر المحيط) (٤) . وبذلك تعلم مقدارَ ما استولت نسبةُ ذلك الشرط إلى البخاري على أذهان بعض أهلِ العلم، حتى ربما فُهمت العبارة الواحدة أكثر من فهم، ونُسب إلى الإمام الواحد أكثر من مذهب!! فالتجرُّدُ في دراسة هذه المسألة، وهَجْرُ المألوفات العلميّة، وتَرْكُ ما يُظَنّ أنها مُسَلَّماتٌ ثوابت دون أن يكون لها من ذلك نصيب، وعَرْضُ كُلِّ قولٍ على مُسْتَنَدِهِ ودليله، فما قام به مُسْتَنَدُه قُبِل، وما أيّده الدليلُ نُصر، وما لم.. رُدَّ وهُجِر= هذا هو السبيل الوحيد لمن كَرِهَ الخطأ، وأَنِف من مَعَرَّةِ الجهل، وأَحبَّ الصواب، ورغب في زينة العلم.

стр. 32

المسألة الثانية: نسبة القول باشتراط العلم بالسماع إلى البخاري: تاريخُها، ودليلُها، ومناقشة الدليل الذي لا يختلف فيه اثنان: أن البخاري لم يُصَرِّح بالشرط المنسوب إليه، وهو اشتراطُ النصِّ الدال على اللقاء أو السماع، وأنه لا صَرّح بذلك في صحيحه ولا خارج صحيحه. وهذه قاعدةٌ، نبني عليها، لأنها محلّ اتّفاق. والقاعدة الثانية: أن كتاب (صحيح البخاري) لا ينفع أن يكون دليلاً على صحة نسبة ذلك الشرط إلى البخاري، ولو تحقّق فيه ذلك الشرط فعلاً دون انخرام، فكيف والشأن أنه لم يتحقق فيه!!! أمّا عدمُ صَلاَحِيَتِهِ لإثبات نسبة ذلك الشرط إلى البخاري ولو كان الشرطُ مُتحقّقًا فيه= فلأن البخاري أسَّسَ كتابه على شدّة الاحتياط، وبناه على المبالغة في التحرِّي. فتحقُّقُ ذلك الشرط في صحيح البخاري (لو تحقق) لا يلزم منه أن البخاريَّ كان يشترطه، لأنه حينها خرج مخرج الاحتياط والتَّحَرِّي. فكم من حديثٍ صحيح عند البخاري، لم يخرجه في الصحيح احتياطًا لصحيحه، وكم من رجل ثقةٍ عنده تجنّب التخريج له في الصحيح زيادةً في التنزيه لكتابه. فكما لم يدل تركه لذلك الحديث أنه غير صحيح عند البخاري، وكما لم يدل تجنُّبُهُ ذلك الراوي أنه ضعيف عنده= فكذلك تجنُّبُهُ لحديث من عَنْعَنَ عمّن عاصره ولم

стр. 33

يأت ما ينصُّ على لقائه به (لو التزمه البخاري) لا يدل على أن البخاري يردّ هذه الحالة من حالات الحديث المعنعن، ولا يدل (بالتّالي) أنه يشترط العلم باللقاء. فإن قيل: هذا فيه مَيْلٌ إلى ترجيح قَوْلِ من زَعَمَ أن شَرْطَ البخاري المنسوب إليه شَرْطُ كمال، بمعنى أنه شرطٌ له في (الجامع الصحيح) لا في أصل الصحّة. فأقول: لا، حاشا أن نميل إلى قولٍ لا دليل عليه، بل الدليل ينقضه. فإني أقول لأصحاب هذا الرأي: أبرزوا الدليل على ما تقولون؟ فالبخاري لم يصرّح به، و (الصحيح) ينقضُه (كما يأتي) ، والعلماء لمّا أعلُّوا بعض أحاديث (الصحيح) بعدم السماع -كما يأتي-، لم يعتبروا لهذا الشرط وجودًا، وإلا لكانوا أعرف الناس بقاعدة (من علم حجّة على من لم يعلم) ، فما بالُهم بَنَوْا تعليلهم على المشاحّةِ في ذلك؟ ! أمّا عدمُ تحقُّقِ شرط العلم باللقاء في صحيح البخاري نفسه، فهذا ما سيأتي إثباته، وأن البخاري أخرج أحاديث تحقّق فيها عدمُ اللقاء (عند البخاري قبل غيره) ، وأحاديثَ لم يعلم فيها باللقاء! !! (١) . والقاعدة الثالثة: أنّ أوّل من نسب هذا الشرط إلى البخاري وعلي ابن المديني هو القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) في كتابه (إكمال المعلم) ، حتى إن ابن رُشيد (ت ٧٢١هـ) في كتابه الذي خصَّهُ لهذه المسألة لم يذكر أحدًا قبل القاضي عياض نسب هذا الشرط إلى البخاري.

стр. 34

والقاضي عياض لمّا نسب هذا الشرط إلى البخاري لم يذكر دليلاً على ذلك، ولا شِبْهَ دليل، ولا أشار إلى شيءٍ من ذلك. بل كانت نسبته له نسبةً مختصرةً، لا دليل ولا تعليل ولا تطويل. حيث قال في شرحه لمقدّمة مسلم وما تضمّنته من الكلام عن الحديث المعنعن: ((والقول الذي ردّه مسلم هو الذي عليه أئمةُ هذا العلم: علي ابن المديني، والبخاري، وغيرهما)) (١) . فانقسم العلماء بعده قسمين: - قِسْمٌ قلّدوه تقليدًا محضًا في إثبات ذلك الشرط، ولم يبحثوا عن دليله أصلا، لكنّهم صُدِموا بأن صحيح مسلم يخالفه في هذا الشرط، فقادتهم جلالةُ مسلم ومكانة صحيحه إلى أن يدّعوا أن شرط العلم باللقاء شَرْطُ كمال. ونَسُوا أن قولهم هذا لا دليل عليه أيضًا! بل الدليل ينقضه!! ولم يتذكّروا أن مسلمًا إنما ردّ في مقدّمته على من اعتبر ذلك الشرط شَرْطَ صِحّة لا شَرْط كمال، بل إن دليل نسبة ذلك الشَرْط إلى البخاري مأخوذٌ من خارج صحيحه (كما يأتي) لا من صحيحه، فأنَّى يكون ذلك الشرط شرطًا للبخاري في الصحيح دون خارجه؟! ! ومن هؤلاء العلماء: ابن كثير، والبلقيني، وتبعهم أبو غُدّة، والألباني (٢) . - والقسم الآخر من العلماء: قلَّدوا القاضيَ عياضًا تقليدًا محضًا في أنّ البخاري يشترط ذلك الشرط، فنسبة ذلك الشرط إلى البخاري عندهم مستغنيةٌ عن الدليل! ! لكنّهم بحثوا عن نماذج تطبيقيّة لهذا

стр. 35

الشرط (في ظنّهم) ، إما لأجل ترجيح مذهب البخاري (كما نسبوه إليه) على مذهب مسلم (مثلما فعل ابن رُشيد وابن رجب) ، وإمّا لأجل الردّ على من ادّعى أنه شرطُ كمال للبخاري في صحيحه وليس شرطًا له في أصل الصحّة (مثلما فعل الحافظ ابن حجر في نكته) . وهؤلاء العلماء يأتي في مقدّمتهم: ابن رُشيد، وابن رجب، وابن حجر. وأيّدهم صاحبُ الرسالة المختصّة بهذه المسألة: خالد الدريس. ونستخلص من هذه القاعدة فوائد: الأولى: أن قسمًا من العلماء ليس لهم في إثبات نسبة هذا الشرط إلى البخاري ثقلٌ كبير، لأنّه لا جُهْدَ لهم فيها غير محض التقليد للقاضي عياض! فلا يُستغرب من كثرة المخطئين بعد ذلك في هذه المسألة، لأنّ بعض هذه الكثرة خرج عن سَنَنِه المعتاد في عدم قبول القول إلا بعد الاجتهاد والنظر في الدليل. الثانية: أنّ العلماء الذين استدلّوا لم يكن استدلالُهم لأجْلِ التحقُّقِ من صحّة نسبة ذلك الشرط إلى البخاري، إنما كان استدلالهم (في الغالب) لترجيح المذهب الذي نسبوه إلى البخاري على مذهب مسلم. وهذه نقطةُ ضَعْفٍ كبرى في منهج الاستدلال في هذه المسألة، هي التي أدّت إلى كل ذلك الخطأ الكبير العميق فيها. بل وهذه النقطة تجعلني أدخل غمار هذه المسألة وحدي، لا خَصْم لديَّ أناظره، لأن مُخَالِفِيَّ في هذه المسألة كانوا يستدلون على غير محلّ النزاع. الثالثة: أنّ العلماء الذين استدلّوا لم يلجؤوا إلى (صحيح البخاري) لانتزاع الأدلّة منه، وإنما ذهبوا إلى كتب البخاري الأخرى كـ (التاريخ

стр. 36

الكبير) و (الأوسط) و (القراءة خلف الإمام) . فعلوا ذلك مع أن (صحيح البخاري) هو المُسْتَدَلُّ له والمقصود بالمسألة أصلاً، وفعلوا ذلك مع خبرتهم الكبيرة بـ (صحيح البخاري) ، كصاحبي (فَتْحَيِ الباري) . ابنِ رجب، وابنِ حجر!! تأمَّلْ هذا الأمر وتدبَّرْهُ: لِمَ فعلوا ذلك؟! فستصلُ إلى أن جوابَ هذا الموقفِ الغريبِ في أحد احتمالين: إمّا أنّهم لم يجدوا فيه الدليل! أو أنّهم عرفوا أنه لا يصلح للاستدلال (كما سبق بيانه) ! وأيَّ الجوابين رضيتَ، فهو الذي سيعينُك على معرفة الحق في هذه المسألة (إن شاء الله تعالى) . وبعد هذه القواعد لسائل أن يَسْأَل: ما هو دليل نسبة هذا الشرط إلى البخاري وغيرِه من أهل العلم ممن نُسب إليهم؟ والجواب: أنّ السؤال خطأ من أساسه، لأن العلماء لم يستدلُّوا لذلك أصلاً، خاصةً في حق البخاري وابن المديني (اللذين نسب إليهما القاضي عياض ذلك الشرط) ، كما سبق. حتى مَنْ نسب ذلك الشرط إلى غير البخاري وابن المديني (كابن رجب) ، فإنما كان يذكر أدلّة نسبته إلى غيرهما بعد التسليم منه أنه شرطهما، وأن مسلمًا يخالفهما ويردّ عليهما، دون التثبُّت من صحّة هذا التسليم (أو قُل: التقليد) . فالسؤال يجب أن يكون: ألمْ يذكر العلماء ما ينفع أن يكون دليلاً على صحّة تلك النِّسبة في وجهة نظرهم؟ وإن لم يَقْصُدُوا هُمُ الاستدلالَ لذلك؟ فإن كان هذا هو السؤالَ، فالجوابُ: نعم، ذكروا ما يظنونه دليلاً. لكن قبل ذِكْرِ شُبْهَتِهم، يكفيك من قولٍ ضَعْفًا أنه لم يُسْتَدَلَّ عليه!!

стр. 37

إذن ما هو الدليل؟ هو باختصار: إعلالُ بعضِ الأحاديث بنفي العلم بالسماع أو اللقاء، كقول البخاري وغيره: ((فلان لا أعرف له سماعًا من فلان)) ، أو ((فلان لم أجد له سماعًا من فلان)) ، أو ((لا يذكر سماعًا من فلان)) ، ونحو ذلك من العبارات. وَوَجْهُ استدلالهم بذلك: أن الإعلال بنفي العلم بالسماع يدل على اشتراط العلم بالسماع، وإلا لم يكن لذلك الإعلال معنى. هذه هي الحجة الوحيدة التي ذكرها العلماء، والتي دَلّ إيرادُهم لها عَرَضًا لغير أصل مسألتنا (كما سبق) ، أنهم يعتبرونها حُجّةً على صحّة نسبة ذلك الشرط إلى البخاري وغيره من أهل العلم. ولم يذكر أحدٌ من أهل العلم علمتُهُ حُجّةً أخرى تنفع لتصحيح تلك النِّسبة، فليس لهم سواها. ومن ادّعى وجود حُجّة غيره هذه، فَلْيُظْهِرْها لي. أما وأنّ دليل نسبة اشتراط العلم بالسماع إلى البخاري هو ذلك الدليل وحدَه، فإن تصحيح هذه النسبة أو عدم تصحيحها منوطٌ بهذا الدليل وَحده أيضًا. فإن قام بالحُجّة: فالنسبة صحيحة، وإن لم يقم بالحُجّة: فالنسبة غير صحيحة، لأن القول العاري من الدليل عارٍ من أسباب القبول، ولا ترضاه العُقُول. لذلك فإن مناقشة ذلك الدليل مهمّةٌ جدًّا، وهذا ما سأقوم به الآن: لقد قام ذلك الدليل على أن إعلال البخاري وغيره للحديث بعدم العلم بالسماع يدل على اشتراط العلم بالسماع. وَوَجْهُ الاستدلال هذا

стр. 38

إنما يصح فيما لو كان الإعلالُ بنحو قولهم ((لا أعرف لفلان سماعًا من فلان)) إعلالاً بعدم العلم بالسماع فعلاً، وإعلالاً بعدم العلم بالسماع وَحْدَهُ، فهل الأمر في نحو تلك العبارة على هذا المعنى حقًّا؟ قبل الجواب التفصيلي المدلَّل عليه، أذكّر بأمرٍ لا يخفى على المتخصِّصين، يتعلّق بأحكام أئمة الحديث بعدم السماع أو الانقطاع والإرسال بين راويين متعاصرين، تلك الأحكام التي صُنِّفت لجمعها مؤلفات مفردة، كـ (المراسيل) لابن أبي حاتم و (جامع التحصيل) للعلائي و (تحفة التحصيل) لأبي زرعة العراقي. لا يشكُّ من نظر في تلك الأحكام بعدم السماع وبالانقطاع، والتي ظاهرُها الجزم بعدم وقوع سماع= أنها غالبًا مبنيّةٌ على قرائن تتعلّق بالراوي أو المرويِّ عنه أو بالخبر المروي أو بذلك كله أو بعضه. وأنها ليست مبنيّةً على خبرٍ من الراوي (المحكوم بعد سماعه) ، يُعلنُ فيه بأنه لم يسمع من فلان.. إلا نادرًا أو قليلاً. هذا أمرٌ لا يشكُّ فيه المتخصّصون، ولن يشك فيه غيرهم فيما لو تمهّل حتى ينظرَ في الأمثلة الآتية بعد هذا الجواب الإجمالي. والقرائن الدالّة على عدم السماع قد تتوارد، فتفيد القطع بعدم وقوعه فعلاً. وقد لا تصل إلى هذا الحدّ، فتفيدّ غلبة الظن بعدم وقوعه فقط. فإن كانت القرائن الدالّة على عدم السماع فيما دون حَدِّ القطع بعدم وقوعه، فإن الراوي لو صَرّح بالسماع (فيما يثبتُ عنه) ممن أفادت القرائنُ غلبةَ الظن بعدم سماعه منه، فإن الأصل تقديمُ النصِّ على القرائن، لأنه من باب تقديم القطعي الدلالة على الظنّي الدلالة. فيكون

стр. 39

الأصلُ في هذه الحالة الحكمَ بالسماع، وعدمَ النظر إلى القرائن. لكن إن لم يوجد نصٌّ دالٌّ على السماع، فإن إفادة القرائن غلبةَ الظن بعدم وقوع السماع تبقى هي المعمولُ بإفادتها المحكومُ بما تُرجّحُهُ. وهنا يظهر أن الوقوفَ على نصٍّ دالٍّ على السماع أو عدم الوقوف عليه هو القاعدة التي ننطلق منها في إعمال دلالة القرائن أو عدم إعمالها، ولذلك كان التنصيص على عدم وجود لفظٍ دالٍّ على السماع عند وجود تلك القرائن أمرًا محتَّمًا، لاستكمال المقدِّمات التي ستُوصِلنا إلى النتيجة. وهذا وَجْهٌ أوّلٌ لسبب الإعلال بعدم العلم بالسماع، وهو أنه إعلامٌ بأن الراوي لم يذكر نصًّا دالاًّ على السماع، وغالبًا لا يكون لهذا الإعلام أيّ فائدة إلا إن كانت هناك قرائن تشهد لعدم السماع. والوجه الثاني: أننا بيّنّا آنفًا أن الحكم بعدم السماع الذي يرد كثيرًا في أحكام الأئمة مبنيٌّ (في الغالب) على مُلاحَظَةِ القرائن، وليس مبنيًّا على خبرٍ يقيني ونصٍّ من الراوي نفسه (مثلاً) بأنه لم يسمع من فلان.. إلا نادرًا. وما دام الأمر كذلك، فإن القرائن وحدها قد لا تصل إلى حدّ إفادة القطع بعدم اللقاء، وقد تقترب من إفادة القطع، وقد تفيده. لكن يبقى أن الطريق إلى ذلك كله (وهو القرائن) طريقٌ وعر، والحكم الصادر من خلاله حكمٌ على مُغَيَّبٍ مجهول، لذلك كان من تمام الورع ومن الدقَّة في التعبير أن يستخدم الأئمة عباراتٍ تتضمن التشكيكَ في السماع وترجيحَ عدمِ وقوعه، دون تَجَاوُزِ ذلك إلى عباراتِ الجزم والقطع. فكانت عبارة نفي العلم بالسماع إحدى هذه العبارات، التي إنما قُصِد بها إعلانُ الشكِّ في السماع وترجيح عدمه.

стр. 40

كما كان منها ايضًا نحو قولهم: ((فلان لا أدري سمع من فلان أو لم يسمع)) (١) . والمقصود من نحو هذه العبارات بيان أن هناك قرائن تشهد لعدم حصول السماع، مع عدم قيام ما يدفع هذه القرائن، وهو النصّ الصريح الدال على السماع. وما زال العلماء (قديمًا وحديثًا) يتعاملون مع عبارات نفي العلم بالسماع على هذا المعنى الصحيح، وهي أنها عباراتُ نفيٍ للسماع، وأنها مثل قول العالم ((لم يسمع فلان من فلان)) أو ((فلان عن فلان منقطع)) أو ((مرسل)) ونحوها من العبارات التي فيها جزمٌ بعدم السماع. ولم يتعاملوا معها على أنَّها عباراتٌ تدلُّ على خبرٍ مجرّد بعدم العلم بالسماع، خبرٍ قائمٍ على اشتراط العلم بالسماع. وهذا أمرٌ جليٌّ، لا أظن أنه محلّ نزاع. فإن كانت ((لا أعرف لفلان سماعًا من فلان)) تُساوي ((لم يسمع فلان من فلان)) ، وأنها تعني ترجيح عدم السماع لقيام القرائن الدالة على عدمه= فبيّنوا لي وَجْهَ الاستدلال بنفي العلم بالسماع على أنه دليل اشتراطِ العلمِ به؟ ! بيّنوا لي ذلك، فإني لا أرى له وجهًا! ! وأرجو أن لا يتجاوز القارىء المدقِّق هذه المسألة حتى يجيب، وإلا فلا داعي لأن يُتِمَّ، لأنه حينها لا يُريد أن يتمَّ القراءة بفهم! !! وأزيد مقصودي توضيحًا فأقول: إن الاستدلال بعبارات نفي العلم بالسماع على أنّ قائلها يشترط العلم بالسماع إنما يصحّ ويتوجّه إذا ما
следующие страницы →