Полный текст (1 641 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٨)
الكافية الشافية في الانتظار للفرقة الناجية
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق وتعليق
محمد بن عبد الرحمن العريفي - ناصر بن يحيى الحنيني - عبد الله بن عبد الرحمن الهذيل - فهد بن علي المساعد
تنسيق
محمد أجمل الإصلاحي
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
رَاجَع هَذَا الجُزْءَ
محمد عزير شمس
سُعُود بن عَبْدِ العَزِيزِ العرِيفي
стр. 3
تصدير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فكان من فضل الله أن وفّق لإصدار نشرة علمية لكتاب «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» المعروف بنونية ابن القيم ﵀. وقد اعتُمد في تحقيق الكتاب على سبع نسخ خطية منها نسخة نفيسة نقلت عن نسخة سمعها الحافظ ابن رجب الحنبلي بقراءة والده على الناظم ﵀ قبل وفاته بستة أشهر. وقد جاء هذا العمل مع الشروح والتعليقات والمقدمة والفهارس في ثلاثة مجلدات استغرقت نحو ١٤٥٠ صفحة.
أما هذا المجلد الذي يحتوي على متن الكتاب فقط دون الشروح والتعليقات وغيرها، فقد توخينا به تقريب النونية على وجه آخر، فإن من قرائها من يرغب في حفظها واستظهارها، فيحتاج إلى استصحابها في حله وترحاله، ومنهم من يحب قراءة الأبيات قراءة متصلة، ومنهم من يريد تصفحها ومراجعتها على عجل. فمن أجلهم رأَينا أن نشر المتن وحده كاملًا في مجلد واحد يخف حمله ويسهل تناولُه.
والمأمول من القاريء الكريم - إذا خفي عليه معنى النص، أو استشكل شيئا من ضبطه وتحريره، أو رآه مخالفة لما في الطبعات الأخرى
стр. 4
من الكتاب - أن يرجع إلى النشرة المطوَّلة التي هي أصل هذه النشرة المجرَّدة.
نسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يتقبل سعي العاملين في هذا المشروع المبارك - إن شاء الله - والقائمين عليه، إنه قريب مجيب.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شهدتْ له بالربوبيةِ جميعُ مخلوقاته. وأقرَّتْ له بالعبوديةِ جميعُ مصنوعاتِه. وأدّت له الشهادةَ جميعُ الكائنات أنّه الله الذي لا إله إلّا هو بما أودعها مِن لطيفِ صُنْعِه وبديع آياته. وسبحان الله وبحمده عددَ خلقِه، ورضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومِدادَ كلماتِه. ولا إله إلَّا الله، الأحد
الصمد، الذي لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في أفعالِه ولا في صفاتِه، ولا في ذاته. والله أكبر، عددَ ما أحاط به علمُه، وجرى به قلمُه، ونفذ فيه حكمُه من جميع بريّاته. ولا حول ولا قوة إلا بالله، تفويضَ عبدٍ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا، بل هو بالله وإلى الله في مبادئِ أمره ونهاياتِه. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفؤ له، الذي هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحدٌ مِن جميع بريّاتِه.
وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخِيرتُه من بريّته، وسفيرُه بينه وبين عباده، وحجّتُه على خلقِه. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أرسله على حينِ فَترةٍ من الرّسُل، وطُموسٍ من السّبُل، ودُروسٍ من الكتب. والكفرُ قد اضْطَرَمت نارُه، وتطايرَ في الآفاق شرارُه. وقد استوجبَ أهلُ الأرضِ أن يَحِلَّ بهم العقابُ، وقد نظر الجبّارُ ﵎ إليهم فمَقَتَهم عربَهم وعجمَهم إلّا بقايا من أهل الكتاب. وقد استند كلُّ قوم إلى ظُلَم آرائِهم، وحكموا على اللهِ سبحانه بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم. وليلُ الكفرِ مُدْلَهِمٌّ
стр. 6
ظلامُه، شديدٌ قتامُه. وسبيلُ الحقِّ عافيةٌ آثارُه، مطموسةٌ أعلامُه. ففلَقَ اللهُ سبحانه بمحمّد ﷺ صبحَ الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاقَ نورًا، وأطلع به شمسَ الرسالة في حَنادِسِ الظُّلَمِ سراجًا منيرًا، فهدَى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّرَ به من العمَى، وأرشدَ به من الغيّ، وكثَّرَ به بعد القلّة، وأعزَّ به بعد الذلّة، وأغنَى به بعد العَيْلة، واستنقذ به من الهَلَكة، وفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفا.
فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَحَ الأمّة وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وعَبَد اللهَ حتى أتاه اليقين من ربّه. وشرح الله له صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وِزرَه، وجعل الذلّةَ والصَّغارَ على من خالف أمرَه.
وأقسم بحياته في كتابه المبين. وقرَنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر ذُكِر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين. فلا يصحّ لأحد خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذانٌ ولا صلاةٌ، حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين. فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وجميعُ خلقِه عليه، كما
عرّفنا بالله وهدانا إليه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته، ويجمع قلبه على محبته، شرح صدره لقبول صفاته العلا، وتلقيها من مِشكاة الوحي. فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقّاه بالرضا والتسليم، وأذعن له بالانقياد. فاستنار به قلبه، واتسع له صدره، وامتلأ به سرورًا ومحبة. وعَلِم أنه تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرَّفَ به إليه على لسان رسوله، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلةَ الغذاء أعظمَ ما كان إليه فاقة، ومنزلةَ الشفاء أشدَّ ما كان إليه حاجة. فاشتدّ بها فرحُه، وعظم بها غناه، وقويت بها معرفته، واطمأنّت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه. فجال من المعرفة في ميادينها، وأسام عينَ
بصيرتِه بين رياضها وبساتينها، لِتيقّنه بأنّ شرفَ العلم تابعٌ لِشرفِ معلومِه، ولا معلومَ أعظمُ وأجلُّ ممّن هذه صفتُه، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وأنَّ شرَفه أيضًا بحسب الحاجة
стр. 7
إليه، وليست حاجةُ الأرواح قطُّ إلى شيء أعظمَ منها إلى معرفة بارئها وفاطرها، ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزلْفى عنده. ولا سبيل إلى هذا إلّا بمعرفةَ أوصافه وأسمائه، فكلّما كان العبد بها أعلَم كان بالله أعرَف، وله أطلَب، وإليه أقرَب. وكلّما كان لها أنكَر كان بالله أجهَل، وإليه أكرَه، ومنه أبعَد. والله تعالى يُنْزِل العبد من نفسه حيث يُنزِله العبدُ من نفسه.
فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا نافرًا ومنفِّرًا، فالله له أشدُّ بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبرُ مقتًا، حتى تعود القلوب على قلبين:
قلبٌ ذكرُ الأسماءِ والصفاتِ قوتُه وحياتُه، ونعيمُه وقُرّةُ عينِه، لو فارقه ذكرُها ومحبّتُها ساعةً لاستغاث: يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك. فلسان حاله يقول:
يُرادُ مِن القلبِ نسيانُكم ... وتأبَى الطباعُ على الناقل
ويقول:
وإذا تقاضيتُ الفؤادَ تناسِيًا ... ألفيتُ أحشائي بذاك شِحاحًا
ويقول:
إذا مرِضنا تداوَينا بذكركم ... فنتركُ الذكرَ أحيانًا فننتكِسُ
ومن المحال أن يذكر القلب مَن هو محاربٌ لصفاته، نافرٌ من سماعها، معرضٌ بكلّيته عنها، زاعمٌ أنّ السلامة في ذلك. كلّا والله، إنْ هو إلّا الجهالة والخِذْلان، والإعراض عن العزيز الرحيم، فليس القلب الصحيح قطُّ إلى شيء أشوقَ منه إلى معرفة ربه تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، ولا أفرحَ بشيء قطُّ كفرحه بذلك. وكفى بالعبد خِذلانًا أن يُضرَبَ على قلبه سُرادِقُ الإعراضِ عنها والنَّفرةِ والتنفيرِ، والاشتغالِ بما لو كان حقًّا لم ينفع إلا بعد معرفة الله تعالى والإيمان به وبصفاته وأسمائه.
стр. 8
والقلب الثاني: قلبٌ مضروبٌ بسِياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبّته مصدود، وطريقُ معرفةِ أسمائه وصفاته كما أُنزِلتْ عليه مسدود، قد قَمَشَ شُبَهًا من الكلام الباطل، وارتوَى من ماءٍ آجن غير طائل، تَعُجُّ منه آياتُ الصّفاتِ وأحاديثُها إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منه إلى مُنْزِلها ضجيجًا، مما يسومها تحريفًا وتعطيلًا، ويُولي معانيها تغييرًا وتبديلًا. قد أعدّ لدفعها أنواعًا من العُدَد، وهيّأ لردّها ضروبًا من القوانين، وإذا دُعي إلى تحكيمها أبى واستكبر، وقال: تلك أدلّة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين. قد اتّخذ التأويلَ جُنّةً يَتترَّسُ بها من مواقع سهام السنّة والقرآن، وجعل إثباتَ صفاتِ ذي الجلال تجسيمًا وتشبيهًا يَصُدُّ به القلوبَ عن طريق العلم والإيمان. مزْجَى البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتمِ الرسل والأنبياء، لكنه مليء بالشكوك والشُّبَه والجدال والمِراء. خلع عليه الكلامُ الباطلُ خِلعةَ الجهلِ والتجهيل، فهو يتعثرّ في أذيالِ التكفير لأهل الحديث والتبديع لهم والتضليل. قد طاف على أبواب الآراء والمذاهب، يتكفّفُ أربابَها، فانثنى بأخسِّ المواهِب والمطالِب. عَدَلَ عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية المراد وغاية الإحسان، فابتلي بالوقوف على الأبواب السافلة المليئة بالخيبة والحرمان. قد لبس حُلّةً منسوجةً من الجهل والتقليد والشبه والعناد، فإذا بُذِلت له النصيحةُ، ودُعِيَ إلى الحقّ، أخذته العزّة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.
فما أعظم المصيبةَ بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشدَّ الجنايةَ به على السنّة والقرآن! وما أحبَّ جهادَه بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقلَ أجرَ ذلك الجهاد في الميزان!
والجهاد، بالحجّة والبيان مقدّم على الجهاد بالسيف والسنان. ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد إنذارًا وتعذيرًا. فقال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. وأمر تعالى بجهاد المنافقين والغلظة عليهم مع كونهم بينَ أظهُرِ المسلمين في
стр. 9
المقام والمسير، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]. فالجهادُ بالعلم والحجّة جهادُ أنبياءِ الله ورسله وخاصّته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والاتفاق، ومن مات ولم يغزُ، ولم يحدِّثْ نفسَه بغزو مات على شعبة من النفاق.
وكفى بالعبد عَمًى وخِذلانًا أن يرى عساكرَ الإيمان، وجنودَ السنّة والقرآن، قد لبِسُوا للحرب لأمتَه، وأعدُّوا له عُدّتَه، وأخذوا مصافَّهم، ووقفوَا مواقفَهم، وقد حمِي الوطيسُ، ودارت رحى الحرب، واشتدّ القتال، وتنادت الأقرانُ نَزَالِ نَزَالِ، وهو في المَلْجأ والمغارات والمُدَّخَل مع الخوالف كمين. وإذا ساعد القدرُ وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جَهدَ أيمانه: إنّي كنتُ معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين.
فحقيق بمن لنفسه عنده قَدْر وقيمة أن لا يبيعَها بأَخسِّ الأثمان، وأن لا يعرضها غدًا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبِّت قدمَه في صفوف أهل العلم والإيمان، وأن لا يتحيّزَ إلى مقالةٍ سوى ما جاء في السنّة والقرآن.
فكأنْ قد كُشِف الغِطَاء، وانجلى الغبار، وأبان عن وجوه أهل السنة مسفرة ضاحكة مستبشرة، وعن وجوه أهل البدعة عليها غَبَرة، ترهقها قَتَرة، يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه. قال ابن عباس ﵄: تبيضُّ وجوهُ أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوهُ أهل البدعة والفرقة.
فوالله لَمُفَارَقةُ أهلِ الأهواءِ والبدع في هذه الدار أسهلُ مِن مرافقتهم إذا قيل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وبعده الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم. وقد قال تعالى:
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧]، فجُعِل صاحبُ الحق مع نظيره في درجته، وصاحبُ الباطل مع نظيره في
стр. 10
درجته. هنالك والله يعضُّ الظالم على يديه، إذا حصلت له حقيقة ما كان في هذه الدار عليه ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
فصل
وكان مِن قدر الله وقضائه أن جمع مجلسُ المذاكرة بين مُثبتٍ للصفات والعلو ومعطّلٍ لذلك، فاستطعم المعطّلُ المثبتَ الحديثَ استطعامَ غيرِ جائعٍ إليه، ولكن غرضه عرض بضاعته عليه، فقال له: ما تقول في القرآن ومسألة الاستواء؟ فقال المثبت: نقول فيهما ما قال ربنا ﵎ وما قاله نبينا محمد ﷺ . نصف الله تعالى بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسولُه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. بل نثبت له
ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه النقائص ومشابهة المخلوقات، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل. فمن شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسَه أو وصفه به رسولُه تشبيهًا. فالمشبّه يعبد صنمًا، والمعطّل يعبد عدمًا، والموحّد يعبد إلهًا واحدًا صمدًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
والكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أنا نثبت ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذا نقول في صفاته إنّها لا تشبه الصفات. فليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فلا نشبّه صفاتِ الله بصفات المخلوقين.
ولا نزيل عنه سبحانه صفةً من صفاته لأجل شناعة المشنِّعين، وتلقيب المفترين. كما أنّا لا نبغض أصحابَ رسولِ الله ﷺ لتسمية الروافض لنا نواصب، ولا نكذّب بقدر الله تعالى ونجحد كمال مشيئته وقدرته لتسمية
стр. 11
القدرية لنا مُجْبِرة، ولا نجحد صفاتِ ربنا ﵎ لتسمية الجهمية والمعتزلة لنا مجسّمةً مشبّهةً حَشْويةً، كما قيل:
فإن كان تجسيمًا ثبوتُ صفاتِه ... تعالى فإنّي اليومَ عبدٌ مجسِّمُ
ورضي الله عن الشافعي إذ يقول:
إن كان رفضًا حبُّ آلِ محمَّدٍ ... فَلْيشهدِ الثَّقلانِ أنّي رافضي
وقدَّس الله روح القائل [وهو شيخ الإسلام ابن تيمية] إذ يقول:
إن كان نَصْبًا حبُّ صَحْبِ محمّدٍ ... فَلْيشهَدِ الثَّقَلانِ أنّي ناصبي
وأما القرآن فإني أقول إنّه كلام الله، منزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم الله به صدقًا، وسمِعَه جبريل منه حقًا، وبلّغه محمدًا ﷺ وحيًا. وأنّ ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١]، ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى الآيتان/ ١ - ٢]، و ﴿ق﴾ [ق/ ١] , و ﴿ن﴾ [القلم/ ١] عين كلام الله تعالى حقيقة. وأنّ الله تكلم بالقرآن [٤/ أ] العربي الذي سمعه الصحابة من رسول الله ﷺ . جميعُه كلامُ الله وليس قولَ البشر، ومن قال إنه قول البشر فقد كفر، والله يصليه سقر، ومن قال ليس لله في الأرض كلام فقد جحد رسالة محمد ﷺ ، فإن الله بعثه يُبلِّغ عنه كلامَه، والرسول إنما يبلِّغ كلامَ مُرسِله. فإذا انتفى كلام المرسِل انتفت رسالة الرسول.
ونقول: إن الله تعالى فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائنٌ مِن خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وإنّه تعالى إليه يصعَد الكلم الطيّب، وتعرُج الملائكة والروح إليه. وإنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرُج إليه.
وإن المسيح رُفِع بذاته إلى الله وإن رسولَ الله ﷺ عُرِج به إلى الله حقيقة. وإن أرواح المؤمنين تصعد إلى الله عند الوفاة، فتُعرَض عليه، وتقف بين يديه. وإنه تعالى هو القاهر فوق عباده وإن المؤمنين والملائكة المقربين يخافون ربَّهم من فوقهم.
стр. 12
أيدي السائلين تُرفَع إليه، وحوائجَهم تُعرَض عليه. وإنه سبحانه العلي الأعلى بكل اعتبار.
فلما سمع المعطل منه ذلك أمسك، ثم أسرّها في نفسه، وخلا بشياطينه وبني جنسه، وأوحى بعضهم إلى بعض أصناف المكر والاحتيال، ورامُوا أمرًا يستحمِدون به إلى نُظَرائهم من أهل البدع والضلال، وعقدوا مجلسًا بَيَّتُوا في مساء ليلته ما لا يرضاه الله من القول، والله بما يعملون محيط.
وأتوا في مجلسهم ذلك بما قدَروا عليه من الهذَيان واللَّغْط والتخليط، ورامُوا استدعاءَ المثبتِ إلى مجلسهم الذي عقدوه، ليجعلوا نُزُلَه عند قدومه عليهمَ ما لفّقوه من الكذب ونمّقوه. فحبَس الله سبحانه عنه أيديَهم وألسنتَهم، فلم يتجاسروا عليه، وردّ الله كيدهم في نحورهم فلم يصلوا بالسوء إليه، وخذلهم المُطَاعُ فمزّق ما كتبوه من المحاضر، وقلَبَ الله قلوب أوليائه وجندِه عليهم من كلِّ بادٍ وحاضر. وأخرج الناس لهم من المخبَّآتِ كمائنَها، ومن
الجَوائفِ والمُنقِّلات دفائنَها. وقوَّى اللهُ جأشَ المُثْبتِ، وثبَّت لسانه، وشيّد بالسنة المحمدية بنيانه. فسعى في عقد مجلس بينه وبين خصومه عند السلطان، وحكّم على نفسه كتب شيوخ القوم السالفين، وأئمتهم المتقدمين. وأنّه لا يستنصر من أهل مذهبه بكتاب ولا إنسان، وأنّه جعل بينه وبينكم أقوالَ من قلّدتموه، ونصوص من على غيره من الأئمة قدّمتموه. وصرّح المثْبِتُ بذلك بين ظهرانيْهم حتى بلّغه دانيهم لقاصيهم فلم يُذعِنوا لذلك
واستعفَوا من عقْدِه فطالبهم المُثْبتُ بواحدة من خِلال ثلاث:
مناظرة في مجلس عام على شَريطةِ العلم والإنصاف، تُحضَر فيه النصوصُ النبوية والآثارُ السلفية، وكتبُ أئمتكم المتقدمين من أهل العلم والدين. فقيل لهم: لا مراكبَ لكم تسابقون بها في هذا الميدان، وما لكم بمقاومة فُرسانه يدان.
فدعاهم إلى مكاتبةٍ بما يدعون إليه، فإن كان حقًّا قبلَه وشكركم عليه،
стр. 13
وإن كان غير ذلك سمعتم جوابَ المثبت، وتبيّن لكَم حقيقةُ ما لديه. فأبَوا ذلك أشدّ الإباء، واستعفَوا غاية الاستعفاء.
فدعاهم إلى القيام بين الركن والمقام قيامًا في مواقف الابتهال، حاسري الرؤوس نسأل الله أن يُنزل بأسَه بأهل البدع والضلال. وظنّ المثبتُ واللهِ أن القوم يجيبون إلى هذا، فوطّن نفسه عليه غاية التوطين، وبات يحاسب نفسه ويعرض ما يثبته وينفيه على كلام رب العالمين، وعلى سنة خاتم المرسلين، ويتجرد عن كل هوى يخالف الوحي المبين، ويهوي بصاحبه في أسفل السافلين. فلم يجيبوا إلى ذلك أيضًا، وأتوا من الاعتذار، بما دلّ على أن القوم ليسوا من أولى الأيدي والأبصار.
فحينئذ شمّر المثبتُ عن ساق عزمه، وعقد لله مجلسًا بينه وبين خصمه. يشهده القريب والبعيد، ويقف على مضمونه الذكيّ والبليد. وجعله عقدَ مجلس التحكيم بين المعطِّل الجاحد والمُثبِت المرمي بالتجسيم.
وقد خاصم في هذا المجلس بالله وحاكمَ إليه، وبرِئَ إلى الله من كل هوى وبدعة وضلالة، وتحيُّزٍ إلى فئةٍ غيرِ رسول الله ﷺ وما كان أصحابه عليه. والله سبحانه المسؤول أن لا يكِلَه إلى نفسه ولا إلى شيء مما لديه، وأن يوفقه في جميع حالاته لما يحبه ويرضاه، فإنّ أزِمّةَ الأمور بيدَيه.
وهو يرغب إلى من يقف على هذه الحكومة أن يقومَ لله قيامَ متجرِّدٍ عن هواه، قاصدًا لرضا مولاه؛ ثم يقرأها متفكرًا، ويعيدَها ويبدئَها متدبرًا؛ ثم يحكمَ فيها بما يرضي الله ورسوله وعباده المؤمنين، ولا يقابلَها بالسبِّ والشتم كفعل الجاهلين والمعاندين.
فإن رأى حقًّا قَبله وشكَر عليه، وإن رأى باطلًا ردّه على قائله وأهدى الصواب إليه، فإنّ الحقّ لله ورسولِه، والقصدُ أن تكون كلمةُ
السنة هي العليا، جهادًا في الله وفي سبيلِه. واللهُ عندَ لسانِ كلِّ قائل وقلبه، وهو المطّلع على نيتهِ وكسبِه. وما كان أهلُ التعطيل أوليَاءَه، إن أولياؤه إلّا المتقون المؤمنون المصدّقون. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة: ١٠٥].
стр. 14
فصل
وهذه أمثال حسان مضروبة للمعطِّل والمشبِّه والموحِّد ذكرتُها قبل الشروع في المقصود، فإن ضربَ الأمثال مما يأنس به العقلُ لتقريبها المعقول من المشهود.
وقد قال تعالى - وكلامه المشتمل على أعظم الحجج وقواطع البراهين- ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وقد اشتمل منها على بضعة وأربعين مثلًا، وكان بعض السلف إذا قرأ مثلًا لم يفهمه اشتدّ بكاؤه، ويقول: لست من العالمين. وسنفرد لها إن شاء الله كتابًا مستقلاًّ متضمنًّا لأسرارها ومعانيها وما تضمنته من فنون العلم وحقائق الإيمان.
وبالله المستعان وعليه التكلان.
المثل الأول: ثيابُ المعطِّل ملطَّخةٌ بعَذِرَةِ التحريف، وشرابه متغيّر بنجاسة التعطيل. وثيابُ المشبِّهَ متضمِّخَةٌ بدم التشبيه، وشرابه متغيّر بفَرْث التمثيل. والموحد طاهر الثوب والقلب والبدن، يخرج شرابه من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين.
المثل الثاني: شجرةُ المعطِّل مغروسةٌ على شفا جُرُفٍ هارٍ.
وشجرةُ المشبِّه قد اجتُثث من فوق الأرض ما لها من قرار. وشجرةُ الموحّد أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربّها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.
المثل الثالث: شجرةُ المعطّل شجرةُ الزَّقُّوم، فالحلوق السليمة لا تبلعُها. وشجرةُ المشبِّه شجرةُ الحنظَل، فالنفوس المستقيمة لا تتبعُها. وشجرةُ الموحِّد طُوبَى يسير الراكب في ظلّها مائةَ عام لا يقطعُها.
المثل الرابع: المعطِّل قد اتخذ قلبَه لوقاية الحر والبرد بيتَ العنكبوت. والمشبّه قد خُسِف بعقله، فهو يتَجلْجَلُ في أرض التشبيه إلى البَهْمُوت. وقلبُ الموحّد يطوف حول العرش ناظرًا إلى الحيّ الذي لا يموت.
المثل الخامس: مصباح المعطّل قد عصَفت عليه أهوِيةُ التعطيل،
стр. 15
فطَفِئَ وما أنار. ومصباحُ المشبّه قد غرِقتْ فتِيلتُه في عَكَر التشبيه، فلا يقتبس منه الأنوار. ومصباحُ الموحّد يتوقَّدُ من شجرة مباركة زيتونةٍ لا شرقيّة ولا غربيّة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسَسْه نار.
المثل السادس: قلب المعطِّل متعلّق بالعدَم، فهو أحقرُ الحقير. وقلب المشبِّه عابدُ الصنم الذي قد نُحِتَ بالتصوير والتقدير. والموحّدُ قلبُه متعبّدٌ لمن ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
المثل السابع: نقودُ المعطّل كلُّها زُيوف فلا تروج علينا. وبضاعةُ المشبِّه كاسدةٌ، فلا تَنْفقُ لدينا. وتجارةُ الموحِّد ينادى عليها يومَ العَرْض على رؤوس الأشهاد: هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا.
المثل الثامن: المعطِّل كنافخ الكِير إما أن يُحرِق ثيابَك، وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة. والمشبهُ كبائع الخَمر إمّا أن يُسكِرك، وإمّا أن يُنجِّسك. والموحد كبائع المسك إما أن يُحذِيَكَ، وإمّا أن يبيعَك، وإمّا أن تجدَ منه رائحةً طيبة.
المثل التاسع: المعطّل قد تخلّف عن سفينة النجاة، ولم يركبها، فأدركه الطوفان. والمشبّه قد انكسرت به في اللُّجّة، فهو يشاهد الغرَق بالعيَان. والموحّد قد ركِب سفينةَ نوح، وقد صاح به الرُّبّان: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١].
المثل العاشر: مَنْهلُ المعطِّل كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فرجع خاسئًا حسيرًا. ومشربُ المشبّه من ماء قد تغير طعمه ولونه وريحه بالنجاسة تغييرًا. ومشربُ الموحّد من كأس كان مزاجها كافورًا، عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرًا.
وقد سميتها بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية وهذا حين الشروع في المحاكمة، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 16
١ - حُكْمُ المَحَبَّةِ ثابتُ الأَركانِ ... مَا لِلصُّدُودِ بِفَسْخِ ذاكَ يَدانِ
٢ - أنَّى وقاضي الحُسْنِ نَفَّذَ حُكمَها ... فَلِذَا أَقرَّ بِذلك الخَصْمانِ
٣ - وأَتَتْ شُهودُ الوَصْلِ تَشْهدُ أَنّهُ ... حَقًّا جَرَى في مَجْلسِ الإِحسانِ
٤ - فَتأكَّد الحُكْمُ العَزِيزُ فَلَمْ يَجِدْ ... فَسْخُ الوُشاةِ إلَيْهِ مِنْ سُلْطانِ
٥ - ولأَجلِ ذا حُكْمُ العَذولِ تَداعَتِ الْـ ... أَرْكَانُ مِنْهُ فَخَرَّ للأَرْكانِ
٦ - وأتى الوشاةُ فَصَادَفُوا الحُكْمَ الذي ... حَكَمُوا به مُتَيَقَّنَ البُطلانِ
٧ - ما صادفَ الحُكمُ المَحَلَّ ولا هُوَ اسْـ ... ـتَوْفَى الشُّرُوطَ فَصارَ ذا بُطلانِ
٨ - فلِذاكَ قَاضِي الحُسنِ أَثْبتَ مَحْضَرًا ... بِفسَادِ حُكمِ الهَجْر والسُّلْوانِ
٩ - وحَكَى لك الحُكْمَ المُحَالَ ونَقْضَه ... فاسْمَعْ إذًا يا مَنْ لَهُ أُذنَانِ
١٠ - حَكَمَ الْوشَاةُ بغير ما بُرهانِ ... أنَّ المحبَّةَ والصُّدودَ لِدانِ
١١ - واللهِ ما هذا بِحُكْمٍ مُقْسِطٍ ... أين الغرامُ وصَدُّ ذِي هِجرَانِ
١٢ - شَتَّان بَينَ الحالَتَيْن فَإنْ تُرِد ... جَمْعًا فَما الضِّدَّانِ يَجْتَمعانِ
١٣ - يَا وَالِهًا هانَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ ... إذْ بَاعَها غَبْنًا بِكلِّ هَوَانِ
١٤ - أتَبيعُ مَنْ تَهْواهُ نَفْسُك طائِعًا ... بالصَّدِّ والتَّعذِيبِ والهِجْرانِ
стр. 17
١٥ - أجَهِلْتَ أوصافَ المَبِيعِ وقَدْرَهُ ... أمْ كُنتَ ذَا جَهْلٍ بِذِي الأَثْمانِ
١٦ - واهًا لِقَلْبٍ لا يُفارِقُ طَيرُه الْـ ... أَغْصانَ قائمةً على الكُثبانِ
١٧ - وَيظلُّ يشجَعُ فَوقَهَا ولغيرِه ... منهَا الثِّمارُ وكلُّ قِطْفٍ دَانِ
١٨ - وَيبيتُ يَبْكِي والمُواصِلُ ضاحِكٌ ... وَيَظَلُّ يَشْكُو وهْوَ ذُو شُكْرانِ
١٩ - هَذا ولو أنَّ الجَمَال معلَّقٌ ... بالنَّجمِ هَمَّ إليهِ بالطَّيَرانِ
٢٠ - للهِ زَائِرةٌ بلَيلٍ لَمْ تَخَفْ ... عَسَسَ الأميرِ ومَرْصَدَ السَّجَّانِ
٢١ - قَطعتْ بِلادَ الشَّامِ ثُمَّ تَيمَّمَت ... مِن أَرْضِ طَيْبَةَ مَطلِعَ الإِيمانِ
٢٢ - وأتَتْ على وادِي العَقيقِ فَجاوزَتْ ... مِيقَاتَهُ حِلًّا بِلَا نُكرانِ
٢٣ - وأَتَتْ عَلى وَادِي الأَرَاكِ ولَمْ يَكنْ ... قَصْدًا لَهَا فَأْلًا بأنْ سَتَراني
٢٤ - وأتتْ على عَرَفَاتِ ثُم مُحسِّرٍ ... وَمِنىً فَكم نَحَرَتْه من قُربَانِ
٢٥ - وأتتْ على الجَمَراتِ ثُم تَيمَّمتْ ... ذاتَ السُّتور وربَّةَ الأرْكانِ
٢٦ - هذا وما طافَتْ ولا اسْتلَمَتْ ولا ... رَمَتِ الجِمَارَ ولا سَعَتْ لِقِرَانِ
٢٧ - وعَلَتْ على أَعْلَى الصَّفَا فَتَيمَّمتْ ... دَارًا هُنَالِك للمحِبِّ العَاني
٢٨ - أَتُرى الدَلِيلَ أعارَها أَثْوابَهُ ... والرِيحَ أَعْطتْها مِنَ الخَفَقَانِ
٢٩ - وَاللَّهِ لَو أنَّ الدَليلَ مكَانَها ... ما كانَ ذلِكَ مِنهُ في إِمكَانِ
٣٠ - هَذا ولَوْ سَارتْ مَسِيرَ الريحِ مَا ... وَصَلتْ بِه لَيْلًا إلى نَعْمانِ
٣١ - سَارَتْ وكانَ دَلِيلَها فِي سَيْرِها ... سَعْدُ السُعودِ وليسَ بالدَّبَرانِ
٣٢ - [وَرَدَتْ جِفَارَ الدَمْع وهي غَزِيرَةٌ ... فَلِذَاك مَا احتَاجَتْ وُرُودَ الضَّانِ]
٣٣ - وَعَلَتْ عَلَى مَتْنِ الهَوَى وتَزَوَّدَتْ ... ذكْرَ الحَبيبِ ووصْلَهُ المتدَانِي
٣٤ - وَعَدَتْ بِزَوْرَتِهَا فأَوْفَتْ بالّذي ... وَعَدَتْ وكانَ بِمُلتَقَى الأجْفَانِ
٣٥ - لَم تَفْجَأِ المُشْتاقَ إلا وهْي دا ... خِلَةُ السُّتُورِ بِغَير مَا اسْتِئذانِ
٣٦ - قالتْ وقدْ كَشَفَتْ نِقابَ الْحُسْنِ ما ... بالصَبرِ لي عَنْ أنْ أَرَاكَ يَدانِ
٣٧ - وَتحَدّثَتْ عِندِي حَديثًا خِلْتُه ... صِدْقًا وقَد كَذَبتْ به العَينَانِ
стр. 18
٣٨ - فَعَجِبتُ مِنهُ وقُلتُ من فَرَحِي بِهِ ... طَمَعًا وَلكِنَّ المَنامَ دهَاني
٣٩ - (إنْ كُنتِ كاذبةَ الذِي حَدَّثْتِني) ... فَعَلَيكِ إثمُ الكاذِبِ الفتَّانِ
٤٠ - جَهْمِ بنِ صفوانٍ وشيعتِه الأُلى ... جَحدُوا صِفاتِ الخَالِق المنّانِ
٤١ - بَلْ عطَّلوا منهُ السَّماواتِ العُلَى ... والعَرْشَ أَخْلَوهُ مِنَ الرَّحْمنِ
٤٢ - ونَفَوْا كَلَامَ الرَّبِّ ﷻ ... وقَضَوْا له بالخَلْقِ والحِدْثَانِ
٤٣ - قَالُوا ولَيْسَ لربِّنَا سَمْعٌ وَلَا ... بَصَرٌ وَلَا وَجْهٌ فَكَيف يَدانِ
٤٤ - وكَذاكَ لَيسَ لِربِّنا مِنْ قُدرةٍ ... وإرادةٍ أَو رحْمَةٍ وحَنَانِ
٤٥ - كلَّا ولا وصْفٌ يقومُ به سِوَى ... ذاتٍ مُجرَّدَةٍ بِغَيْرِ مَعَانِ
٤٦ - وحياتُهُ هِيَ نفسُه وكلامُه ... هوَ غَيرُهُ فاعْجَبْ لِذَا البُهْتانِ
٤٧ - وَكَذاكَ قَالوا مَا لَهُ مِنْ خَلْقهِ ... أحدٌ يَكونُ خلِيلَهُ النَّفْسَانِي
٤٨ - وخَلِيلُهُ المُحْتَاجُ عِندَهُمُ وفِي ... ذَا الوَصْفِ يَدْخلُ عَابِدُ الأَوْثَانِ
٤٩ - فالكُلُّ مُفْتَقِرٌ إليهِ لِذاتِهِ ... في أَسْرِ قَبضتِهِ ذليلٌ عانِ
٥٥ - ولأَجلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خالِدُ الـ ... ـقَسْرِيُّ يومَ ذَبائِحِ القُرْبَانِ
٥١ - إذْ قَالَ: إبْرَاهيمُ لَيْسَ خَليلَهُ ... كَلَّا وَلَا مُوسى الكَليمَ الدَّانِي
٥٢ - شكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ ... للهِ دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ
* * *
فصلٌ
٥٣ - وَالعَبْدُ عنْدهُمُ فَلَيسَ بفَاعِلٍ ... بَلْ فِعْلُه كَتَحرُّكِ الرَّجْفَانِ
٥٤ - وهُبُوبِ رِيحٍ أو تَحرُّكِ نائِمٍ ... وتَحَرُّكِ الأَشجارِ للمَيَلانِ
٥٥ - وَاللهُ يُصْليهِ عَلى مَا لَيْس مِنْ ... أفْعَالِهِ حَرَّ الحَمِيمِ الآنِي
٥٦ - لكِنْ يُعاقِبُهُ عَلى أَفْعَالِهِ ... فِيهِ تَعالَى اللهُ ذو الإحسَانِ
٥٧ - وَالظُلْمُ عِندَهُمُ المُحَالُ لِذاتِهِ ... أنَّى يُنزهُ عَنهُ ذو السُّلطانِ
стр. 19
٥٨ - وَيكونُ مَدْحًا ذَلِكَ التَّنْزِيهُ مَا ... هَذا بِمَعْقولٍ لدى الأذْهَانِ
* * *
فصلٌ
٥٩ - وَكَذاكَ قَالُوا مَا لهُ مِنْ حِكْمَةٍ ... هِي غَايةٌ لِلأَمْرِ والإِتْقَانِ
٦٠ - مَا ثَمَّ غَيْرُ مشِيئةٍ قَدْ رجَّحَتْ ... مِثْلًا عَلى مِثْلٍ بِلا رُجْحَانِ
٦١ - هَذا وَما تِلْكَ المَشِيئَةُ وصفَهُ ... بَلْ ذَاتُهُ أو فِعْلُهُ قَولَانِ
٦٢ - وَكَلَامُهُ مُذْ كانَ غَيْرًا كَانَ مَخْـ ... ـلُوقًا لَهُ منْ جُمْلَةِ الأكْوَانِ
٦٣ - قَالُوا وإقْرارُ العِبَادِ بأَنَّه ... خلَّاقُهم هُوَ مُنْتَهَى الإيْمَانِ
٦٤ - وَالنَّاسُ فِي الإيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ... كَالمُشطِ عنْدَ تَمَاثُلِ الأسْنانِ
٦٥ - فَاسْألْ أبَا جَهْلٍ وَشيعَتَهُ وَمَنْ ... وَالَاهُمُ مِنْ عَابِدي الأوْثانِ
٦٦ - وسَلِ اليَهودَ وكُلَّ أَقْلَفَ مُشْرِكٍ ... عَبَدَ المَسِيحَ مُقَبِّلَ الصُّلْبَانِ
٦٧ - واسْأَلْ ثَمُودَ وَعادَ بَلْ سَلْ قَبْلَهُمْ ... أعْدَاءَ نُوحٍ أُمّةَ الطُّوفَانِ
٦٨ - واسْألْ أَبَا الجِنِّ اللعِينَ أَتَعْرِفُ الـ ... ـخلَّاقَ أَمْ أَصْبَحْتَ ذَا نُكْرانِ
٦٩ - واسألْ شِرَارَ الخَلْقِ أَعْنِي أُمَّةً ... لُوطِيَّة هُمْ ناكِحُو الذُكْرَانِ
٧٠ - واسألْ كَذاكَ إمَامَ كُلِّ مُعَطِّلٍ ... فِرعَونَ مَعْ قَارُونَ مَعْ هَامَانِ
٧١ - هلْ كانَ فِيهِمْ مُنكرٌ لِلْخالِقِ الرَّ ... بِّ العَظيمِ مُكوِّنِ الأَكْوانِ
٧٢ - فَلْيُبْشِرُوا مَا فِيهِمُ مِنْ كافِرٍ ... همْ عنْدَ جَهمٍ كَامِلو الإيمانِ
* * *
فصلٌ
٧٣ - وَقَضَى بِأَن اللهَ كانَ مُعطَّلًا ... والفِعلُ مُمتَنِعٌ بِلَا إمْكَانِ
٧٤ - ثُمَّ اسْتحَالَ وصَارَ مَقْدُورًا لَهُ ... مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ قَامَ بالدَّيَّانِ
стр. 20
٧٥ - بَل حَالُهُ سُبحَانَهُ فِي ذَاتِهِ ... قبْلَ الحُدُوثِ وَبَعْدَهُ سِيَّانِ
٧٦ - وَقَضَىَ بِأَن النَّارَ لَم تُخلَقْ وَلا ... جَنَّاتُ عَدْنٍ بَلْ هُمَا عَدَمَانِ
٧٧ - فَإذَا هُمَا خُلِقَا لِيَومِ مَعادِنَا ... فَهُمَا عَلى الأَوْقَاتِ فانِيَتَانِ
٧٨ - وَتَلَطَّفَ العَلَّافُ مِنْ أَتْبَاعِهِ ... فأَتى بضُحْكَةِ جاهلٍ مَجَّانِ
٧٩ - قَالَ: الفَناءُ يَكونُ في الحَرَكاتِ لَا ... فِي الذَّاتِ واعجَبَا لِذَا الهَذَيانِ
٨٠ - أَيَصِيرُ أَهْلُ الخُلْدِ فِي جَنَّاتِهمْ ... وجَحِيمِهِمْ كَحِجَارَةِ البُنْيَانِ
٨١ - مَا حَالُ مَنْ قَدْ كَانَ يَغْشَى أَهلَهُ ... عِنْدَ انْقِضَاءِ تَحَرُّك الحَيَوانِ
٨٢ - وَكَذاكَ مَا حَالُ الذي رفَعَتْ يَدَا ... هُ أُكْلَةً مِنْ صَحْفَةٍ وخِوَانِ
٨٣ - فَتَنَاهتِ الحَرَكَاتُ قَبلَ وصُولِهَا ... لِلْفَم عِنْدَ تَفَتُّحِ الأَسْنَانِ
٨٤ - وكذاكَ ما حَالُ الذِي امتَدَّتْ يَدٌ ... مِنْهُ إلى قِنْوٍ مِنَ القِنْوانِ
٨٥ - فتَنَاهَتِ الحَرَكَاتُ قَبلَ الأخْذِ هلْ ... يَبْقَى كذلِكَ سَائِرَ الأزْمَانِ
٨٦ - تَبًّا لِهَاتِيكَ العُقُولِ فَإنَّها ... واللهِ قد مُسِخَتْ عَلى الأَبْدانِ
٨٧ - تَبًّا لِمَنْ أضْحَى يُقَدِّمُهَا على الْـ ... آثارِ والأَخبَارِ والقُرآنِ
* * *
فصلٌ
٨٨ - وَقَضَى بِأنَّ اللهَ يَجْعلُ خَلْقَهُ ... عَدَمًا وَيقْلِبُه وُجُودًا ثَاني
٨٩ - العَرْشُ والكُرْسِيُّ والأَرْوَاحُ والْـ ... أَمْلاكُ والأَفْلاكُ والقَمرَانِ
٩٠ - والأَرْضُ والبَحْرُ المُحِيطُ وسَائرُ الْـ ... أكوانِ منْ عَرَضٍ ومِنْ جُثْمَانِ
٩١ - كُلٌّ سَيُفْنِيهِ الْفَنَاءَ المَحْضَ لَا ... يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ كَظِلٍّ فَانِ
٩٢ - ويُعِيدُ ذَا المَعْدومَ أَيضًا ثانيًا ... مَحْضَ الوُجُودِ إعَادَةً بِزَمَانِ
٩٣ - هَذَا المعَادُ وَذَلِكَ المَبْدَا لَدَى ... جَهْمٍ وقَدْ نَسَبُوهُ لِلْقْرآنِ
٩٤ - هَذا الذِي قادَ ابنَ سِينَا والأُلى ... قَالُوا مَقَالتَهُ إِلى الكُفْرانِ
стр. 21
٩٥ - لم تَقْبلِ الأذْهانُ ذَا وَتَوَهَّمُوا ... أنَّ الرَّسُولَ عَنَاهُ بالإيمَانِ
٩٦ - هَذَا كِتَابُ اللهِ أنَّى قَالَ ذَا؟ ... أوْ عَبْدُه المَبْعوثُ بالبُرْهَانِ؟
٩٧ - أوْ صَحْبُه مِنْ بَعْدِه أو تَابِعٌ ... لَهُمُ عَلى الإِيمَانِ والإِحْسَانِ؟
٩٨ - بَلْ صَرّحَ الوَحْيُ المُبِيْنُ بأَنَّهُ ... حقًّا مُغيِّرُ هذِه الأكْوانِ
٩٩ - فيُبَدِّلُ اللهُ السَّمَاواتِ العُلَى ... والأَرْضَ أيْضًا ذَانِ تَبْدِيلانِ
١٠٠ - وهُما كتبديلِ الجُلودِ لِساكِني النَّـ ... ـيرانِ عندَ النُّضجِ مِن نِيرَانِ
١٠١ - وَكَذَاكَ يَقْبِضُ أرضَه وَسَمَاءَه ... بِيدَيْهِ ما العَدَمانِ مَقبُوضَانِ
١٠٢ - وتُحدِّثُ الأرضُ التي كُنَّا بِها ... أخبارَها في الحَشرِ للرّحمنِ
١٠٣ - وتَظَلُّ تَشهدُ وَهْيَ عَدْلٌ بالذي ... من فوقِهَا قد أحدَث الثَّقَلانِ
١٠٤ - أَفَيَشْهَدُ العَدمُ الذي هُو كاسْمِهِ ... لَا شيءَ، هَذَا ليْسَ في الإمكانِ
١٠٥ - لَكِنْ تُسَوَّى ثم تُئسَطُ ثم تَشْـ ... ـهَدُ ثم تُبْدَلُ وَهْيَ ذاتُ كِيانِ
١٠٦ - وتُمَدُّ أيضًا مثلَ مَدِّ أدِيمِنَا ... مِنْ غيرِ أوْدِيَةٍ ولا كُثْبَانِ
١٠٧ - وتَقِيءُ يَومَ العَرْض ذا أكْبَادَهَا ... كالأُسْطُوَانِ نفائسَ الأثْمَانِ
١٠٨ - كلٌّ يَرَاهُ بِعَينِهِ وعِيَانِهِ ... مَا لامْرئٍ بالأخْذِ منْه يَدانِ
١٠٩ - وَكَذَا الجِبَالُ تُفَتُّ فتًّا مُحْكَمًا ... فَتَعودُ مِثْلَ الرملِ ذِي الكُثْبانِ
١١٠ - وتَكُونُ كَالعِهْنِ الَّذِي أَلْوَانُهُ ... وَصِبَاغُهُ منْ سَائِر الألْوَانِ
١١١ - وتُبَسُّ بسًّا مثْلَ ذَاكَ فَتنْثَنِي ... مثْلَ الهَبَاءِ لِنَاظِر الإِنسَانِ
١١٢ - وَكَذَا البحَارُ فإنَّها مَسْجُورَةٌ ... قَدْ فُجِّرتْ تَفْجِيرَ ذِي سُلْطانِ
١١٣ - وَكَذَلِك القَمَرانِ يأذَنُ ربُّنَا ... لهُمَا فيجْتَمِعَانِ يلتَقِيَانِ
١١٤ - هَذِي مكوَّرَةٌ وَهَذَا خَاسِفٌ ... وَكِلَاهُمَا فِي النَّار مَطْروحَانِ
١١٥ - وَكَوَاكِبُ الأفْلَاكِ تُنثَرُ كُلُّهَا ... كَلَالئٍ نُثِرَتْ عَلَى مَيْدانِ
١١٦ - وكَذا السَّمَاءُ تُشَقُّ شَقًّا ظَاهِرًا ... وَتَمُورُ أَيْضًا أيَّمَا مَوَرَانِ
١١٧ - وتصيرُ بعدَ الانشِقَاقِ كَمثلِ هـ ... ـذَا المُهْلِ أو تَكُ وردةً كَدِهانِ
стр. 22
١١٨ - والعرشُ والكُرسيُّ لا يُفْنِيهمَا ... أيْضًا وإنَّهُما لَمخْلُوقَانِ
١١٩ - والحُورُ لا تَفْنَى كَذلِكَ جَنَّةُ الْـ ... ـمأْوَى ومَا فِيهَا مِنَ الوِلْدَانِ
١٢٠ - ولأَجْلِ هَذَا قَالَ جَهْمٌ إنَّهَا ... عَدَمٌ ولمْ تُخْلَقْ إلى ذَا الآنِ
١٢١ - والأنبياءُ فإنَّهُمْ تَحْتَ الثَّرَى ... أجسَامُهُمْ حُفِظَتْ منَ الدَّيدَانِ
١٢٢ - ما لِلبلَى بلحُومِهِمْ وجُسُومِهِمْ ... أبَدًا وَهُم تَحْتَ التُّرَابِ يَدَانِ
١٢٣ - وَكَذاكَ عَجْبُ الظَّهْرِ لَا يَبلى بَلَى ... مِنْهُ تُركَّبُ خِلْقَةُ الإنسانِ
١٢٤ - وكَذَلِكَ الأرْوَاحُ لَا تَبْلَى كَمَا ... تَبْلَى الجُسُومُ ولَا بِلَى اللُّحْمَانِ
١٢٥ - ولأجْلِ ذَلِكَ لم يُقِرّ الجَهْمُ بالْ ... أرْوَاحِ خَارجَةً عنْ الأَبْدَانِ
١٢٦ - لكِنَّها مِنْ بَعْضِ أعْراضٍ بِهَا ... قَامَتْ وَذا في غَايَةِ البُطْلَانِ
١٢٧ - فالشَّأنُ للأرواح بعدَ فِراقِها ... أبدانَنا واللهِ أعظمُ شَانِ
١٢٨ - إمَّا عَذابٌ أوْ نَعيمٌ دَائمٌ ... قَدْ نُعِّمتْ بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ
١٢٩ - وتصيرُ طَيْرًا سَارحًا مع شَكْلِهَا ... تَجْنِي الثِّمَارَ بجَنَّةِ الحَيَوانِ
١٣٠ - وتظَلُّ واردةً لأنْهارٍ بهَا ... حَتَّى تَعُودَ لِذَلك الجُثْمَانِ
١٣١ - لَكنَّ أرْوَاحَ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا ... فِي جَوْفِ طَيْرٍ أخْضَرٍ رَيَّانِ
١٣٢ - فَلهُمْ بذَاكَ مزيَّةٌ في عَيشِهِمْ ... وَنَعِيمُهمْ للرُوحِ والأبْدانِ
١٣٣ - بَذَلُوا الجُسُومَ لربِّهم فأعَاضَهُمْ ... أجسامَ تلكَ الطيرِ بالإحْسانِ
١٣٤ - وَلهَا قَناديلٌ إِلَيْهَا تَنْتَهِي ... مَأوىً لَهَا كمسَاكِنِ الإنْسَانِ
١٣٥ - فالرُّوحُ بعدَ الموتِ أكملُ حالةً ... منهَا بهَذِي الدَّارِ في جُثْمَانِ
١٣٦ - وَعَذَابُ أشقَاهَا أشَدُّ مِنَ الَّذِي ... قَدْ عايَنتْ أبصَارُنَا بعِيَانِ
١٣٧ - والقائلُونَ بِأنَّها عَرَضٌ أبَوْا ... ذَا كلَّه تبًّا لِذِي نُكْرانِ
١٣٨ - وإذا أرَادَ اللهُ إخْرَاجَ الوَرَى ... بَعْدَ الْمَمَات إلَى المعادِ الثَّانِي
١٣٩ - أَلقَى على الأرْضِ التي هُمْ تَحتَها ... وَاللهُ مقتَدِرٌ وذُو سُلطانِ
١٤٠ - مطرًا غليظًا أبيضًا متتابِعًا ... عَشْرًا وعشرًا بعدَها عَشْرَانِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 23
١٤١ - فتظلُّ تَنبُتُ منهُ أجسامُ الوَرَى ... وَلحُومهُمْ كمنابِتِ الرَّيحانِ
١٤٢ - حَتَّى إذَا مَا الأمُّ حَانَ وِلَادُهَا ... وتمخَّضَتْ فَنِفَاسُهَا مُتَدَانِ
١٤٣ - أَوْحَى لها ربُّ السَّما فتشقَّقتْ ... فَبدَا الجَنينُ كأكملِ الشُّبَّانِ
١٤٤ - وتخلَّتِ الأمُّ الوَلودُ وأخرَجَتْ ... أثْقَالَها أُنْثَى ومِنْ ذُكْرَانِ
١٤٥ - واللهُ ينشِئُ خَلْقَهُ فِي نَشْأةٍ ... أخْرَى كَمَا قَدْ قَالَ في الفُرقانِ
١٤٦ - هَذَا الَّذِي جَاءَ الكتابُ وَسنةُ الـ ... ـهَادِي بهِ فاحْرِصْ عَلَى الإيمَانِ
١٤٧ - مَا قَالَ إنَّ اللهَ يُعْدِمُ خَلْقَهُ ... طُرًّا كَقَولِ الجَاهلِ الحيرانِ
* * *
فصلٌ
١٤٨ - وَقَضَى بِأنَّ اللهَ لَيْسَ بفَاعِلٍ ... فعْلًا يَقومُ بِهِ بِلا برهَانِ
١٤٩ - بَلْ فِعْلُه المفعُولُ خارجَ ذاتِهِ ... كَالْوَصْفِ غيرِ الذَّاتِ في الحُسْبانِ
١٥٠ - وَالجَبرُ مَذْهَبُهُ الَّذِي قَرَّتْ بهِ ... عَيْنُ العُصَاةِ وشيعةِ الشَّيطانِ
١٥١ - كانُوا على وَجَلٍ من العِصْيانِ إذْ ... هوَ فِعلهُم والذَّنْبُ للإِنسَانِ
١٥٢ - واللَّومُ لا يعْدُوه إذ هو فَاعلٌ ... بإرادةٍ وَبِقُدْرةِ الحيَوَانِ
١٥٣ - فأراحَهُمْ جهمٌ وشِيعَتُه مِنَ اللَّـ ... ـومِ العَنيفِ ومَا قَضَوْا بأمَانِ
١٥٤ - لكنَّهمْ حَمَلوا ذُنُوبَهُمُ عَلَى ... رَبِّ العِبَادِ بِعزَّةٍ وأمَانِ
١٥٥ - وتبرَّؤُوا مِنْها وقالُوا إنَّهَا ... أفْعَالُهُ مَا حيلَةُ الإنْسَانِ
١٥٦ - مَا كَلَّفَ الجبَّارُ نفسًا وُسْعَها ... أنَّى وَقَدْ جُبِلَتْ عَلَى العِصْيَانِ
١٥٧ - وَكَذا عَلَى الطَّاعاتِ أيضًا قَدْ غَدتْ ... مَجبُورةً فَلَهَا إذًا جَبْرَانِ
١٥٨ - وَالعَبْدُ في التَّحْقيقِ شِبْهُ نَعَامَةٍ ... قَدْ كُلِّفتْ بالحَمْلِ وَالطيَرا
١٥٩ - إذْ كَانَ صُورَتُها تَدُلُّ عَلَيْهِمَا ... هَذَا وَلَيْسَ لَهَا بِذَاكَ يَدَانِ
١٦٠ فلِذَاكَ قَال بأنَّ طَاعَاتِ الوَرَى ... وَكَذَاكَ مَا فَعَلُوهُ منْ عِصْيا
стр. 24
١٦١ - هِيَ عَينُ فِعْلِ الربِّ لَا أفْعَالُهُمْ ... فَيصِحُّ عَنْهُمْ عِنْدَ ذَا نَفْيا
١٦٢ - نَفْيٌ لِقُدْرتِهِمْ عَلَيْهَا أوَّلًا ... وَصدورِهَا مِنْهُمْ بِنَفْيٍ ثَانِ
١٦٣ - فَيقالُ مَا صَامُوا ولَا صَلَّوْا وَلَا ... زَكَّوْا ولَا ذَبَحُوا مِنَ القُرْبَانِ
١٦٤ - وَكَذَاكَ مَا شرِبُوا ومَا قَتَلُوا وَلا ... سَرَقُوا وَلَا فِيهِمْ غَوِيٌّ زَانِ
١٦٥ - وَكذاكَ لم يأتُوا اخْتِيارًا مِنْهُمُ ... بالكُفْرِ والإسْلامِ والإيْمَانِ
١٦٦ - إلَّا عَلَى وجْهِ المَجازِ لأنَّهَا ... قَامَتْ بِهِمْ كالطَّعْمِ والألْوَانِ
١٦٧ - جُبِرُوا عَلَى ما شَاءَهُ خَلَّاقُهمْ ... مَا ثَمَّ ذُو عَوْنٍ وَغَيْرُ مُعَانِ
١٦٨ - الكلُّ مَجْبُورٌ وَغَيْرُ ميَسَّرٍ ... كَالْمَيتِ أُدْرجَ داخلَ الأكْفَانِ
١٦٩ - وَكَذَاكَ أفْعَالُ المهَيْمنِ لَمْ تَقُمْ ... أيْضًا بِهِ خَوْفًا مِنَ الحَدَثَانِ
١٧٠ - فَإذَا جَمعْتَ مَقَالَتَيْهِ أنْتَجَا ... كَذِبًا وزُورًا واضِحَ البُهْتَانِ
١٧١ - إذ لَيْسَتِ الأَفْعَالُ فِعْلَ إلهنَا ... وَالرَّبُّ لَيْسَ بِفَاعِلِ العِصْيَانِ
١٧٢ - فَإذَا انْتَفَتْ صفَةُ الإلهِ وَفِعْلُه ... وَكَلَامُهُ وفعَائِلُ الإنْسَانِ
١٧٣ - فهُنَاكَ لَا خَلْقٌ وَلَا أمْرٌ وَلَا ... وَحْيٌ وَلَا تَكْلِيفُ عَبْدٍ فَانِ
١٧٤ - وَقَضَى عَلَى أسْمَائِه بحُدوثِهَا ... وبِخَلْقِهَا مِنْ جُمْلَةِ الأَكْوَانِ
١٧٥ - فَانظُرْ إلَى تعطِيلهِ الأوْصَافَ وَالْـ ... أفْعَالَ وَالأَسْمَاءَ للرحمنِ
١٧٦ - مَاذَا الذِي في ضِمْنِ ذا التَّعطِيل مِنْ ... نَفْيٍ ومنْ جَحدٍ ومنْ كُفْرَانِ
١٧٧ - لَكنَّه أبْدَى المَقَالَة هَكَذَا ... فِي قَالَبِ التَّنْزِيهِ لِلرحمنِ
١٧٨ - وآتَى إلَى الكفرِ العَظِيمِ فصَاغَهُ ... عِجْلًا ليفتِنَ أُمّةَ الثِّيرَانِ
١٧٩ - وَكسَاهُ أنْوَاعَ الجواهِرِ والحُلي ... منْ لُؤلؤ صَافٍ ومنْ عِقْيانِ
١٨٠ - فرآهُ ثِيرانُ الوَرَى فأصابَهُمْ ... كَمُصَابِ إخْوَتِهِمْ قَديمَ زَمَانِ
١٨١ - عِجْلَانِ قَدْ فَتَنَا العِبَادَ: بصوْتِهِ ... إحْدَاهُمَا وبحَرفِهِ ذَا الثَّاني
١٨٢ - والنَّاسُ أكثرُهُم فأهْلُ ظَوَاهِرٍ ... تَبْدُو لَهمْ ليْسُوا بأهْلِ مَعَانِ
١٨٣ - فهُمُ القُشورُ وبالقُشورِ قِوَامُهُم ... وَاللُّبُّ حظُّ خُلَاصَةِ الإنْسَانِ
стр. 25
١٨٤ - وَلِذَا تقسَّمَتِ الطوَائِفُ قَولَهُ ... وتوارَثُوهُ إِرْثَ ذِي السُّهْمَانِ
١٨٥ - لَمْ يَنْجُ مِنْ أقوَالِه طُرًّا سِوَى ... أَهلِ الحَدِيثِ وشِيْعةِ القرآنِ
١٨٦ - فتبرَّؤوا منهَا براءةَ حَيْدَرٍ ... وَبَرَاءةَ المَوْلُودِ منْ عِمْرانِ
١٨٧ - مِنْ كُلِّ شِيعِيٍّ خَبِيثٍ وَصْفُهُ ... وَصْفُ اليهُودِ مُحَلِّلي الْحِيتَانِ
* * *
فصلٌ في مقدمةٍ نافعةٍ قبلَ التَّحكيمِ
١٨٨ - يَأَيُّهَا الرجلُ المُريدُ نَجَاتَهُ ... اِسْمَعْ مَقَالَةَ نَاصِحٍ مِعْوَانِ
١٨٩ - كُنْ في أمورِك كلِّها متمسّكًا ... بالوَحْي لَا بزخَارفِ الهَذَيانِ
١٩٠ - وَانْصُرْ كِتَابَ اللهِ والسُّنَنَ الَّتي ... جَاءتْ عَنِ المبْعُوثِ بالفُرْقَانِ
١٩١ - وَاضرِبْ بِسيفِ الوحْيِ كلَّ مُعَطِّلٍ ... ضرْبَ المُجاهِدِ فَوْقَ كُلِّ بَنَانِ
١٩٢ - واحمِلْ بعزْمِ الصِّدْقِ حَمْلةَ مُخْلِصٍ ... متَجرِّدٍ لِلَّه غَيْرِ جَبَانِ
١٩٣ - وَاثبُتْ بِصبرِكَ تَحْتَ أَلْوِيَة الهُدَى ... فإذَا أُصِبْتَ فَفِي رضَا الرحمنِ
١٩٤ - واجْعَل كِتَابَ اللهِ والسُّنَنَ الَّتِي ... ثَبتَتْ سِلَاحَكَ ثمَّ صِحْ بجَنانِ
١٩٥ - مَنْ ذَا يُبارِزُ فلْيقدِّمْ نفسَهُ ... أوْ مَنْ يسَابِقْ يَبْدُ فِي الميْدَانِ
١٩٦ - واصدَعْ بِمَا قَالَ الرَّسُولُ وَلَا تَخَفْ ... مِنْ قلَّةِ الأَنْصَارِ وَالأعْوَانِ
١٩٧ - فالله نَاصرُ دينِهِ وكتَابِهِ ... واللهُ كَافٍ عَبْدَه بأَمَانِ
١٩٨ - لَا تَخشَ مِن كَيْدِ العدُوِّ ومكرِهِمْ ... فقتَالُهُمْ بالكِذْبِ والبُهْتَانِ
١٩٩ - فجُنودُ أتْبَاعِ الرَّسُولِ ملائِكٌ ... وَجنودُهُمْ فعَسَاكِرُ الشَّيْطَانِ
٢٠٠ - شَتَّانَ بَينَ العسْكَرينِ فَمنْ يَكُنْ ... مُتحَيِّزًا فَلْينظُرِ الفئَتَانِ
٢٠١ - واثْبُتْ وقَاتِلْ تَحتَ رَاياتِ الهُدى ... واصبِرْ فنصرُ اللهِ رَبِّك دَانِ
стр. 26
٢٠٢ - وَاذْكُرْ مَقاتِلَهُمْ لفُرسَانِ الهُدى ... لِلَّه دَرُّ مَقاتِلِ الفُرسَانِ
٢٠٣ - وادْرَأْ بِلفظِ النَّصِّ فِي نَحْرِ العِدَا ... وارجُمْهُمُ بثَواقِبِ الشُّهْبَانِ
٢٠٤ - لَا تَخشَ كَثْرَتَهُم فهمْ هَمَجُ الوَرَى ... وذُبابُه أَتَخافُ مِنْ ذِبَّانِ
٢٠٥ - واشْغَلْهُمُ عنْدَ الجِدَالِ ببعْضِهِمْ ... بعضًا فَذَاكَ الْحَزْمُ للْفُرسَانِ
٢٠٦ - وإِذا هُمُ حَمَلُوا عَلَيْكَ فَلَا تَكُنْ ... فَزِعًا لِحَمْلَتِهِمْ وَلَا بجَبَانِ
٢٠٧ - وَاثبُتْ وَلَا تحمِلْ بِلَا جُنْدٍ فَما ... هَذَا بمحْمُودٍ لدَى الشُّجْعَانِ
٢٠٨ - فإذَا رأيتَ عِصَابَةَ الإسْلامِ قَدْ ... وَافَتْ عسَاكِرُهَا مَعَ السُّلْطَانِ
٢٠٩ - فهنَاكَ فاخْتَرِقِ الصُّفُوفَ وَلَا تَكُنْ ... بالعَاجِزِ الوَانِي وَلَا الفَزْعَانِ
٢١٠ - وتعرَّ منْ ثوبَيْنِ مَنْ يَلبَسْهُما ... يَلْقَ الرَّدَى بمذمَّةٍ وهَوَانِ
٢١١ - ثوبٌ من الجهْلِ المركَّبِ فَوْقَهُ ... ثَوبُ التعَصُّب بئْسَتِ الثَّوبَانِ
٢١٢ - وتَحَلَّ بالإنْصَافِ أفْخرِ حُلَّةٍ ... زِينَتْ بهَا الأعطافُ والكَتِفَانِ
٢١٣ - واجعَلْ شعارَكَ خشيةَ الرَّحمنِ مَعْ ... نُصْحِ الرَّسُولِ فحَبَّذا الأمْرَانِ
٢١٤ - وتَمَسَّكَنَّ بِحَبْلِهِ وَبِوَحْيِهِ ... وتَوَكَّلَنَّ حَقيقَةَ التُّكْلَانِ
٢١٥ - فالحَقُّ وَصْفُ الرَّبِّ وَهْوَ صِراطُهُ الىـ ... ـهَادِي إِلَيْهِ لصَاحِبِ الإيمَانِ
٢١٦ - وهُوَ الصِّراطُ عَلَيْهِ رَبُّ العَرْشِ أَيْ ... ضًا ذِا وَذَا قَدْ جَاءَ فِي الْقرْآنِ
٢١٧ - والحَقُّ منْصُورٌ ومُمْتَحَنٌ فَلَا ... تَعْجَبْ فهَذِي سنَّةُ الرَّحمنِ
٢١٨ - وَبِذَاكَ يظهرُ حِرْبُهُ مِنْ حَرْبِهِ ... وَلأجْل ذَاكَ النَّاسُ طَائِفَتَانِ
٢١٩ - ولأجْلِ ذَاكَ الحربُ بَيْنَ الرُّسْلِ وَالْـ ... ـكُفَّارِ مُذْ قَامَ الوَرَى سَجْلانِ
٢٢٠ - لكنَّمَا العُقْبَى لأهْلِ الحَقِّ إنْ ... فَاتَتْ هُنَا كَانَتْ لَدَى الدَّيَّانِ
٢٢١ - واجعَلْ لقلْبِكَ هِجْرَتَينِ وَلَا تَنَمْ ... فهُما عَلَى كلِّ امْرِئٍ فَرْضانِ
٢٢٢ - فالهِجْرةُ الأُولى إلَى الرَّحْمنِ بالْـ ... إِخلَاصِ فِي سِرٍّ وفِي إعْلَانِ
٢٢٣ - فالقصدُ وجهُ الله بالأقْوَالِ والْـ ... أعْمالِ والطاعَاتِ والشُّكْرَانِ
٢٢٤ - فبِذاكَ ينْجُو العَبْدُ منْ إشْراكِهِ ... ويصيرُ حقًّا عَابدَ الرَّحمنِ
стр. 27
٢٢٥ - والهِجرةُ الأخْرَى إلى المبعوثِ بالـ ... ـحَقِّ المُبينِ وواضحِ البُرْهَانِ
٢٢٦ - فيَدورُ معْ قَوْلِ الرَّسُول وفعْلِه ... نفيًا وإثباتًا بِلَا رَوَغانِ
٢٢٧ - ويُحكِّمُ الوحيَ المُبينَ عَلى الَّذِي ... قَالَ الشيوخُ فعندهُ حَكَمَانِ
٢٢٨ - لَا يحْكُمانِ بباطِلٍ أبدًا وكلُّ م ... العدلِ قَدْ جَاءتْ بِهِ الحَكَمانِ
٢٢٩ - وهُما كِتَابُ اللهِ أعْدلُ حاكمٍ ... فِيهِ الشِّفا وهدايةُ الحيْرَانِ
٢٣٠ - والحَاكِمُ الثاني كلامُ رسولِهِ ... مَا ثَمَّ غيرْهما لِذي إيمَانِ
٢٣١ - فإذا دَعَوْكَ لغَيرِ حُكمِهِما فَلا ... سَمْعًا لِدَاعِي الكُفْرِ والعِصْيانِ
٢٣٢ - قُلْ: لَا كرامةَ لَا وَلَا نُعْمَى وَلَا ... طَوْعًا لِمنْ يَدْعُو إِلَى طُغْيَانِ
٢٣٣ - وإذا دُعِيتَ إلَى الرَّسُولِ فَقلْ لهُمْ ... سَمعًا وطَوعًا لسْتُ ذَا عِصْيانِ
٢٣٤ - وإذا تكَاثَرتِ الخُصُومُ وصيَّحُوا ... فاثبُتْ فصَيْحَتُهم كَمِثلِ دُخانِ
٢٣٥ - يَرْقَى إِلَى الأوْجِ الرَّفِيع وَبعْدَه ... يَهوِي إِلَى قَعْرِ الحَضِيضِ الدَّانِي
٢٣٦ - هَذَا وَإنّ قِتَالَ حزبِ اللهِ بالْـ ... أَعْمَالِ لَا بكتَائِبِ الشُّجْعَانِ
٢٣٧ - واللهِ مَا فتَحُوا البلَادَ بكثرةٍ ... أنَّى وأعدَاهُمْ بِلَا حُسْبَانِ
٢٣٨ - وَكَذَاكَ مَا فَتحُوا القلوبَ بهذِهِ الْـ ... آراءِ بَلْ بالعلْمِ والإيمَانِ
٢٣٩ - وشَجَاعَةُ الفُرْسَانِ نَفسُ الزُّهْدِ في ... نَفْسٍ وذَا مَحْذُورُ كُلِّ جَبَانِ
٢٤٠ - وشَجَاعَةُ الحُكّامِ والعُلَماءِ زُهْـ ... ـدُ فِي الثَّنَا مِنْ كلِّ ذِي بُطلَانِ
٢٤١ - فإذا هُما اجْتَمَعَا لِقلْبٍ صَادِقٍ ... شَدَّتْ ركائبُهُ إلَى الرَّحمنِ
٢٤٢ - واقصِدْ إلَى الأقْرَانِ لَا أطْرَافِهَا ... فالعِزُّ تَحْتَ مَقَاتِلِ الأَقْرانِ
٢٤٣ - واسمَعْ نَصِيحةَ مَنْ لهُ خُبْرٌ بمَا ... عند الورَى مِنْ كَثْرة الجَوَلَانِ
٢٤٤ - مَا عِنْدَهُمْ واللهِ خَيْرٌ غَيرَ مَا ... أخَذُوهُ عمَّنْ جَاءَ بالقُرْآنِ
٢٤٥ - والكُلُّ بَعدُ فبِدْعةٌ أو فِرْيةٌ ... أوْ بحثُ تشْكِيكٍ ورأيُ فُلَانِ
٢٤٦ - فاصْدَعْ بأمرِ اللهِ لَا تَخْشَ الورَى ... في الله واخْشَاهُ تَفُزْ بأمَانِ
٢٤٧ - واهجُرْ وَلَوْ كُلَّ الورى فِي ذاتِهِ ... لَا فِي هَوَاك ونَخْوةِ الشَّيطَانِ
стр. 28
٢٤٨ - واصبِرْ بغَيرِ تَسَخُّطٍ وَشِكَايَةٍ ... واصفَحْ بغيْرِ عِتَابِ مَنْ هُوَ جَانِ
٢٤٩ - واهجُرهُمُ الهَجرَ الجَميلَ بِلَا أذىً ... إنْ لَمْ يكنْ بدٌّ مِنَ الهِجْرانِ
٢٥٠ - وانظُرْ إلَى الأقدَارِ جَارِيَةً بِمَا ... قَدْ شَاءَ مِنْ غَيٍّ وَمِنْ إيمَانِ
٢٥١ - واجعَلْ لقلْبِكَ مُقْلَتين كِلاهُما ... بالحَقِّ فِي ذَا الخَلقِ باصرتَانِ
٢٥٢ - فانظُرْ بِعَينِ الحُكْمِ وارحَمْهُم بِهَا ... إذْ لَا تُرَدُّ مشيِئَةُ الدَّيَّانِ
٢٥٣ - وانظُرْ بعينِ الأمْرِ واحْمِلْهُمْ عَلَى ... أَحْكَامِهِ فَهُمَا إذًا نَظَرانِ
٢٥٤ - واجْعَلْ لوجْهِكَ مُقْلَتينِ كِلاهُما ... مِنْ خَشيْةِ الرحمنِ بَاكيتانِ
٢٥٥ - لَوْ شاء رَبُّكَ كُنتَ أيْضًا مِثلَهمْ ... فالقلبُ بين أَصابعِ الرَحمنِ
٢٥٦ - واحذَرْ كَمائنَ نفسِكَ اللَّاتي مَتَى ... خرجتْ عَليكَ كُسِرتَ كَسرَ مُهانِ
٢٥٧ - وإذا انتصرتَ لها تكونُ كَمنْ بَغَى ... طَفْيَ الدُّخانِ بمُوقَدِ النِّيرانِ
٢٥٨ - واللهُ أخْبرَ وَهْوَ أصدقُ قَائِلٍ ... أنْ ليسَ يَنصرُ عَبْدَهُ بأمَاني
٢٥٩ - مَن يعملِ السُوأى سُيجزَى مِثلَها ... أو يعملِ الحُسنى يَفُزْ بجِنَانِ
٢٦٠ - هَذِي وَصِيّةُ نَاصِحٍ ولِنفْسِهِ ... وَصَّى وبعدُ لِسائرِ الإِخْوَانِ
* * *
فصلٌ وهذا أوَّلُ عقدِ مجلسِ التَّحكيمِ
٢٦١ - فاجلِسْ إذًا فِي مَجلسِ الحَكَمَيْنِ لِلرّ ... حْمنِ لا لِلنَّفْسِ والشَّيطانِ
٢٦٢ - إحداهُما النقلُ الصحيحُ وبَعدَه الـ ... ـعَقلُ الصَّريحُ وفِطرةُ الرحمنِ
٢٦٣ - واحكُمْ إذًا فِي رُفْقةٍ قَدْ سافروا ... يَبغُونَ فاطرَ هَذِهِ الأكوانِ
٢٦٤ - فترافقُوا فِي سَيْرِهمْ وتفارقُوا ... عِند افتراقِ الطُّرْقِ بالحَيْرانِ
٢٦٥ - فأتَى فَريقٌ ثُم قَالَ وجدتُه ... هَذَا الوجودَ بِعَينِهِ وَعِيَانِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 29
٢٦٦ - مَا ثَمَّ مَوجُودٌ سِواهُ وإنَما ... غَلِطَ اللّسانُ فقالَ موجُودانِ
٢٦٧ - فهُو السَّماءُ بعينِها ونجُومُها ... وكذلِكَ الأفلاكُ والقَمرانِ
٢٦٨ - وهُو الغَمامُ بِعَينِه والثَلجُ والْـ ... أمْطارُ مَعْ بَرَدٍ ومَعْ حُسْبَانِ
٢٦٩ - وهُو الهواءُ بِعينِه والماءُ وَالتُّـ ... ـرْبُ الثقيلُ وَنَفسُ ذِي النِّيرانِ
٢٧٠ - هَذي بَسائطُه ومنهُ تركَّبتْ ... هَذي المَظَاهِرُ مَا هُنا شَيئانِ
٢٧١ - وَهُو الفقِيرُ لها لأجلِ ظهُورهِ ... فِيهَا كفَقْرِ الروحِ لِلأبدانِ
٢٧٢ - وهِي الَّتي افتقرَتْ إِلَيهِ لأنه ... هُوَ ذاتُها ووُجودُها الحَقَّانِي
٢٧٣ - وتَظلُّ تلبَسُهُ وتَخلَعُهُ وذَا الْـ ... إيجادُ والإعدامُ كُلَّ أوَانِ
٢٧٤ - ويَظلُّ يَلبَسُها وَيخلَعُها وَذَا ... حُكمُ المَظاهِرِ كَيْ يُرَى بِعيانِ
٢٧٥ - وَتكَثُّرُ المَوجودِ كالأعضاءِ في الْـ ... ـمَحسوسِ مِنْ بَشَرٍ ومِنْ حَيَوانِ
٢٧٦ - أوْ كالقُوى في النَّفْسِ ذلِك وَاحدٌ ... متكثِّرٌ قَامتْ بِهِ الأمْرانِ
٢٧٧ - فَيَكونُ كُلًّا هذِه أجزَاؤه ... هَذِي مَقالةُ مُدَّعي العِرفانِ
٢٧٨ - أو أنَّها كَتَكثُّرِ الأنواعِ فِي ... جِنْسٍ كَما قالَ الفَريقُ الثَّاني
٢٧٩ - فيكونُ كلِّيًّا وجزئيَّاتُه ... هَذَا الوجُودُ فهذِهِ قَوْلَانِ
٢٨٠ - أولاهما نَصُّ الفُصوصِ وبعدَه ... قولُ ابن سَبعينٍ وما القولانِ
٢٨١ - عِنْد العَفِيفِ التلْمِسَانِيِّ الذي ... هو غايةٌ في الكُفرِ وَالبُهتانِ
٢٨٢ - إلّا منَ الأغلاطِ فِي حِسٍّ وَفِي ... وَهْمٍ وَتِلكَ طَبيعةُ الإنْسانِ
٢٨٣ - والكُلُّ شيءٌ واحدٌ فِي نفسِه ... ما لِلتعدُّدِ فِيهِ مِنْ سُلطانِ
٢٨٤ - فَالضيفُ والمأكولُ شيءٌ واحدٌ ... والوَهْمُ يَحسَبُ ههنا شيئانِ
٢٨٥ - وكذلكِ الموطوءُ عينُ الواطِ وَالْـ ... ـوَهْمُ البعِيدُ يقولُ ذَانِ اثنانِ
٢٨٦ - وَلَرُبّما قالا مَقالَتَه كما ... قد قالَ قولَهما بِلا فُرقانِ
٢٨٧ - وأبَى سِواهمْ ذَا وَقال مَظاهرٌ ... تجْلُوه ذاتُ تُوَحُّدٍ ومثَانِ
٢٨٨ - فَالظاهِرُ المَجْلوُّ شيءٌ وَاحدٌ ... لكنْ مَظَاهِرُه بِلا حُسْبانِ
стр. 30
٢٨٩ - هذي عباراتٌ لهمْ مضمونُها ... ما ثَمَّ غَيرٌ قَطُّ في الأَعْيانِ
٢٩٠ - فَالقومُ مَا صَانوه عن إنْسٍ ولا ... جِنٍّ ولا شَجَرٍ وَلَا حَيَوانِ
٢٩١ - كلّا ولا عُلْوٍ وَلَا سُفْلٍ ولا ... وَادٍ ولا جبلٍ وَلَا كُثْبانِ
٢٩٢ - كلَّا ولا طَعْمٍ وَلَا ريحٍ وَلَا ... صَوتٍ وَلَا لونٍ من الألوانِ
٢٩٣ - لكنه المطعومُ والمَلموس وَالْـ ... ـمَشمومُ وَالمسموعُ بالآذانِ
٢٩٤ - وكذاك قالوا إنه المنكوحُ وَالـ ... ـمَذبوحُ بَلْ عينُ الغَوِيِّ الزاني
٢٩٥ - والكفرُ عِندَهُمُ هُدًى وَلَوَ انَّهُ ... دينُ المجُوسِ وعابدي الأوثانِ
٢٩٦ - قالوا وما عبدُوا سواهُ وإنَّما ... ضلُّوا بِمَا خصُّوا منَ الأعْيانِ
٢٩٧ - وَلَوَ أنَّهم عَمُّوا وَقالُوا كلُّها ... معبودَةٌ ما كان مِنْ كُفرانِ
٢٩٨ - فالكفرُ سَتْرُ حقيقةِ المَعبودِ بالتَّـ ... ـخْصِيص عندَ مُحَقِّقٍ رَبَّاني
٢٩٩ - قالوا ولم يكُ كافِرًا في قولِه ... أنا رَبُّكمْ فرعونُ ذو الطُّغيانِ
٣٠٥ - بل كان حقًّا قولُه إذْ كان عَيْـ ... ـنُ الحق مضطَلِعًا بهذا الشانِ
٣٠١ - ولذا غَدا تغْريقُه في البحرِ تَطـ ... ـهيرًا من الأوهامِ والحُسْبانِ
٣٠٢ - قالوا ولم يكُ منكِرًا مُوسَى لِما ... عبدُوه مِن عِجْلٍ لَدى الخَوَرانِ
٣٠٣ - إلا على منْ كَانَ ليسَ بعابدٍ ... معَهمْ وأَصبحَ ضَيِّقَ الأعْطانِ
٣٠٤ - ولذاكَ جرَّ بِلحيةِ الأخِ حيثُ لمْ ... يكُ واسعًا في قومِهِ لِبِطَانِ
٣٠٥ - بل فَرَّقَ الإنكارُ منهُ بينهمْ ... لمَّا سرَى في وَهْمه غَيْرانِ
٣٠٦ - ولقدْ رأى إبليسَ عارِفُهُمْ فأَهْـ ... ـوَى بالسجودِ هُوِىَّ ذِي خُضْعانِ
٣٠٧ - قالوا له ماذا صنعتَ؟ فقالَ هل ... غيرُ الإلهِ وأنتُما عَمِيَانِ
٣٠٨ - مَا ثَمَّ غَيْرٌ فاسجدُوا إن شئتمُ ... لِلشمسِ والأصنامِ والشّيطانِ
٣٠٩ - فالكلُّ عينُ اللهِ عند مُحقِّقٍ ... والكلُّ معبودٌ لِذِي العِرْفَانِ
٣١٠ - هذا هوَ المعبودُ عِندَهُمُ فَقُلْ ... سبْحَانَكَ اللهمّ ذَا السُّبْحانِ
٣١١ - يا أُمَّةً مَعبودُها مَوْطُوؤُها ... أينَ الإلةُ وثُغْرَةُ الطَّعَّانِ
стр. 31
٣١٢ - يا أمَّةً قَدْ صارَ منْ كُفرانِها ... جُزْءًا يسيرًا جملةُ الكُفْرانِ
* * *
فصلٌ في قدومِ ركبٍ آخرَ
٣١٣ - وأتى فريقٌ ثُم قالَ وجدتُه ... بالذاتِ موجودًا بكلِّ مكانِ
٣١٤ - هُوَ كالهَواءِ بِعَينِه لا عَينُهُ ... مَلأَ الخُلُوَّ ولا يُرى بعِيَانِ
٣١٥ - والقومُ مَا صانوهُ عن بِئرٍ ولا ... قَبرٍ وَلَا حُشٍّ ولا أعْطانِ
٣١٦ - بل منهُمُ مَن قَدْ رأى تشبيهَهُ ... بالرُّوحِ داخِلَ هذهِ الأبدانِ
٣١٧ - ما فيهمُ منْ قال ليسَ بداخلٍ ... أو خارجٍ عن جُملةِ الأكوانِ
٣١٨ - لكنّهمْ حامُوا على هذا ولمْ ... يتجاسَرُوا مِن عَسكرِ الإيمانِ
٣١٩ - وعليهمُ ردَّ الأئِمةُ أحمدٌ ... وَصِحَابُهُ من كلِّ ذِي عِرْفَانِ
٣٢٥ - فَهُمُ الخصومُ لِكلِّ صاحبِ سُنَّةٍ ... وهمُ الخصومُ لمُنزِلِ القُرآنِ
٣٢١ - ولهمْ مقالاتٌ ذكرتُ أصولَها ... لمَّا ذكرتُ الجَهمَ في الأوزانِ
* * *
فصلٌ في قدوم ركبٍ آخر
٣٢٢ - وأتى فريقٌ ثمّ قاربَ وَصفُه ... هذا ولكنْ جدَّ في النُّكرانِ
٣٢٣ - فَأَسرَّ قَولَ مُعطِّلٍ ومكذِّبٍ ... في قالَبِ التَّنْزِيهِ للرَّحْمنِ
٣٢٤ - إذ قالَ ليس بدَاخلٍ فينا ولا ... هوَ خارجٌ عنْ جُملةِ الأكوانِ
٣٢٥ - بل قال لَيسَ ببائنٍ عنها ولا ... فيها ولا هو عيْنُها بِبَيانِ
стр. 32
٣٢٦ - كلَّا ولا فوْقَ السمواتِ العُلى ... والعرشِ من ربٍّ ولا رَحمنِ
٣٢٧ - والعرشُ ليس عليه معبودٌ سِوَى الْـ ... ـعَدَمِ الذِي لا شيءَ فِي الأَعيانِ
٣٢٨ - بل حَظُّهُ مِنْ رَبِّهِ حَظُّ الثَّرَى ... مِنْهُ وحَظُّ قَوَاعِدِ البُنيانِ
٣٢٩ - لو كَانَ فَوْقَ العَرْشِ كَانَ كَهَذِهِ الْـ ... أَجْسَامِ سُبحَانَ العَظِيمِ الشَّانِ
٣٣٠ - ولقد وجدتُ لِفاضلٍ مِنْهُمْ مَقَا ... مًا قَامَهُ فِي النَّاسِ مُنْذُ زَمَانِ
٣٣١ - قَالَ اسْمَعُوا يَا قَوْمِ إنَّ نَبِيَّكُمْ ... قَدْ قَالَ قَوْلًا وَاضِحَ البُرْهَانِ
٣٣٢ - لَا تحْكُمُوا بالفَضْلِ لِي أَصْلًا عَلَى ... ذِي النُّونِ يُونُسَ ذَلِكَ الغَضْبَانِ
٣٣٣ - هَذَا يَرُدُّ عَلَى المجَسِّمِ قَوْلَهُ ... أللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ والأكْوَانِ
٣٣٤ - وَيَدُلُّ أنّ إلهنَا سُبْحَانَهُ ... وَبحْمِدهِ يُلْفَى بِكلِّ مَكَانِ
٣٣٥ - قَالُوا لَهُ بَينْ لَنَا هَذَا فَلمْ ... يَفعَلْ فأعطَوهُ مِنَ الأثْمَانِ
٣٣٦ - أَلفًا مِنَ الذَّهَبِ الْعَتِيقِ فَقَالَ فِي ... تِبْيَانِهِ فاسْمَعْ لِذَا التِّبْيانِ
٣٣٧ - قَدْ كَانَ يُونُسُ في قَرارِ البحْرِ تَحْـ ... ـتَ الماءِ في قَبرٍ مِنَ الحِيتَانِ
٣٣٨ - ومحَمَّدٌ صَعِدَ السَّماءَ وجاوزَ السّـ ... ـبْعَ الطِّبَاقَ وَجَازَ كُلَّ عَنَانِ
٣٣٩ - وَكِلَاهُمَا فِي قُرْبهِ مِنْ رَبِّهِ ... سُبْحَانَهُ إِذْ ذَاكَ مُسْتَويَانِ
٣٤٠ - فالعُلْوُ والسُّفْلُ اللذانِ كِلَاهُمَا ... فِي بُعْدِهِ مِنْ ضدِّه طَرَفَانِ
٣٤١ - إنْ يُنْسَبَا للهِ نُزِّهَ عَنْهُمَا ... بالاخْتِصَاصِ بَلَى هُمَا سِيَّانِ
٣٤٢ - فِي قُربِ مَنْ أضْحَى مُقيمًا فِيهمَا ... مِنْ رَبِّهِ فكلَاهُمَا مِثْلَانِ
٣٤٣ - فَلأِجْلِ هَذَا خُصَّ يُونُسُ دُونَهُمْ ... بالذكْرِ تَحْقيقًا لِهَذَا الشَّانِ
٣٤٤ - فأَتى النِّثارُ عَلَيْهِ مِنْ أصْحَابِهِ ... مِنْ كُلِّ نَاحِيةٍ بِلَا حُسْبَانِ
٣٤٥ - فاحْمَدْ إلهَكَ أيُّهَا السُّنِّيُّ إِذْ ... عَافَاكَ مِنْ تَحْرِيفِ ذِي بُهْتَانِ
٣٤٦ - واللهِ مَا يَرْضَى بهَذا خَائِفٌ ... مِنْ رَبِّهِ أَمسَى عَلَى الإِيمَانِ
٣٤٧ - هَذَا هُوَ الإلْحَادُ حقًا بَلْ هُوَ الـ ... ـتَّحْرِيفُ محْضًا أبردُ الهذَيَانِ
٣٤٨ - واللهِ مَا بُلِيَ المجسِّمُ قطُّ ذِي الـ ... ـبَلْوَى وَلَا أَمْسَى بِذِي الخِذْلَانِ
стр. 33
٣٤٩ - أمثَالُ ذَا التَّأويلِ أفْسَدَ هَذِهِ الْـ ... أَدْيَانَ حِينَ سرَى إلى الأدْيَانِ
٣٥٠ - واللهِ لَوْلَا اللهُ حَافِظُ دِينهِ ... لَتَهدَّمتْ منْهُ قُوَى الأركانِ
* * *
فصلٌ في قدومِ ركبٍ آخرَ
٣٥١ - وأَتَى فرِيقٌ ثم قاربَ وَصْفُهُ ... هَذَا وَزَادَ عَلَيْه فِي الميزَانِ
٣٥٢ - قَالَ: اسْمَعُوا يَا قَوْمُ لَا تُلهيكُمُ ... هَذِي الأمَانِي هُنَّ شَرُّ أمَانِي
٣٥٣ - أتعبْتُ رَاحِلَتِي وَكَلَّ مَطِيَّتِي ... وبذلْتُ مَجهُودِي وقدْ أعْيَانِي
٣٥٤ - فتَّشْتُ فَوْقُ وتحتُ ثُمَّ أمَامَنَا ... وَوَرَاءُ ثم يسَارُ مَعْ أَيْمَانِ
٣٥٥ - مَا دلَّنِي أحَدٌ عَلَيْهِ هُنَاكُمُ ... كَلَّا وَلَا بَشَرٌ إِلَيْهِ هَدَانِي
٣٥٦ - إلا طَوَائِفُ بِالحَدِيث تَمسَّكَتْ ... تُعزَى مذاهِبُهَا إلَى القُرْآنِ
٣٥٧ - قَالُوا: الَّذِي تَبْغيهِ فَوْقَ عِبَادِهِ ... فَوقَ السَّمَاءِ وفَوقَ كُلِّ مَكَانِ
٣٥٨ - وَهُو الَّذِي حَقًا عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ... لكنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى الأكْوَانِ
٣٥٩ - وإِلَيْهِ يَصْعَدُ كُلُّ قَوْلٍ طيِّبٍ ... وإِلَيْهِ يُرْفَعُ سَعْيُ ذِي الشُّكْرَانِ
٣٦٠ - والروحُ والأملَاكُ مِنْهُ تَنَزَّلَتْ ... وإِلَيْهِ تَعْرُجُ عِنْدَ كُلِّ أوَانِ
٣٦١ - وإِلَيْهِ أيدِي السَّائِلينَ توجَّهَتْ ... نَحْوَ العُلُوِّ بفطْرَةِ الرَّحْمنِ
٣٦٢ - وإلَيْهِ قَدْ عَرَجَ الرسولُ فقُدِّرَتْ ... مِن قُرْبِه مِنْ رَبِّهِ قَوْسَانِ
٣٦٣ - وإِلَيْهِ قد رُفِعَ المسِيحُ حقِيقَةً ... ولَسَوْفَ يَنْزِلُ كَيْ يُرَى بعِيَانِ
٣٦٤ - وإِلَيهِ يَصْعَدُ روحُ كلِّ مُصَدِّقٍ ... عِنْدَ الممَاتِ فينْثَنِي بأمَانِ
٣٦٥ - وإِلَيْهِ آمالُ العِبَادِ توجَّهَتْ ... نَحْوَ العُلُوِّ بِلَا تَواصٍ ثانِ
٣٦٦ - بَلْ فِطْرَةُ اللهِ الَّتي لَمْ يُفْطَرُوا ... إلا عَلَيْهَا الخَلْقُ وَالثَّقَلَانِ
стр. 34
٣٦٧ - ونظِيرُ هَذَا أنَّهُمْ فُطِرُوا عَلَى ... إِقرَارِهِم لَا شَكَّ بالدَّيَّانِ
٣٦٨ - لَكِنْ أولُو التَّعْطِيلِ مِنهُمْ أصْبَحُوا ... مَرْضَى بِدَاءِ الجَهْلِ وَالخِذْلَانِ
٣٦٩ - فَسَأَلتُ عنْهُم رُفقتي وأحبّتي ... أصْحابَ جَهْمٍ حزبَ جِنْكِسْخَانِ
٣٧٠ - مَنْ هؤلاءِ وَمَنْ يقالُ لهمُ فقَدْ ... جَاؤوا بأمرٍ مَالِئِ الآذانِ
٣٧١ - وَلهمْ عَلَيْنَا صَولةٌ مَا صَالهَا ... ذُو بَاطلٍ بَلْ صَاحبُ البُرْهَانِ
٣٧٢ - أوَ مَا سمعْتمْ قَوْلَهمْ وَكَلامَهُم ... مثلَ الصواعِقِ لَيْسَ ذَا لِجَبانِ
٣٧٣ - جَاؤوكُمُ مِنْ فوقِكُمْ وأتيتمُ ... مِنْ تحتِهمْ مَا أنْتمُ سِيَّانِ
٣٧٤ - جَاؤوكُمُ بالوَحْيِ لكنْ جِئتمُ ... بنُحَاتةِ الأفْكَارِ والأذْهَانِ
٣٧٥ - قَالُوا مُشَبَّهَةٌ مجَسِّمَةٌ فَلَا ... تَسْمَعْ مَقَالَ مُجَسِّمٍ حَيَوَانِ
٣٧٦ - والْعَنْهُمُ لَعْنًا كَثيرًا واغْزُهُمْ ... بعَسَاكِرِ التَّعْطِيلِ غيرَ جَبَانِ
٣٧٧ - واحْكُمْ بسَفْكِ دِمَائِهِمْ وبحَبْسِهِمْ ... أَوْ لَا فَشَرِّدْهُمْ عَنِ الأوْطَانِ
٣٧٨ - حَذِّرْ صِحَابَكَ مِنْهُمُ فَهُمُ أضَلُّ م ... مِنَ اليَهُودِ وعَابِدي الصُّلْبَانِ
٣٧٩ - واحذَرْ تُجَادِلَهُمْ بقَالَ اللهُ أوْ ... قَالَ الرَّسُولُ فتنْثَنِي بهَوَانِ
٣٨٠ - أنَّى وَهُمْ أوْلَى بِهِ قدْ أنفَدُوا ... فِيهِ قُوَى الأذْهَانِ والأبدَانِ
٣٨١ - فَإِذَا بُلِيتَ بهِمْ فَغَالِطْهُمْ عَلَى التَّـ ... ـأْويلِ للأَخْبَارِ وَالْقُرْآنِ
٣٨٢ - وَكَذَاكَ غالِطْهُمْ عَلَى التَّكذيِبِ لِلـ ... آحَادِ ذَانِ لِصَحْبِنَا أَصْلَانِ
٣٨٣ - أَوْصى بِهَا أَشْيَاخُنَا أشْيَاخَهُمْ ... فَاحْفَظْهُمَا بيديْكَ والأسْنَانِ
٣٨٤ - وإذَا اجْتَمعْتَ وهُمْ بمشْهَدِ مجْلِسٍ ... فابْدُرْ بإيرادٍ وشَغْلِ زَمَانِ
٣٨٥ - لَا يَمْلِكُوهُ عَلَيْكَ بالآثارِ والْـ ... أَخْبَارِ والتَّفسِيرِ للفُرْقَانِ
٣٨٦ - فتَصِيرَ إِنْ وَافَقْتَ مِثْلَهُمُ وإنْ ... عَارَضْتَ زِنْدِيقًا أَخَا كُفْرَانِ
٣٨٧ - وإذَا سَكَتَّ يُقَالُ هَذَا جَاهِلٌ ... فَابْدُرْ وَلَوْ بالفَشْرِ والهذَيَانِ
٣٨٨ - هَذَا الَّذِي واللهِ أوْصَانَا بهِ ... أشْيَاخُنَا فِي سالِفِ الأزمَانِ
٣٨٩ - فرجعْتُ من سَفَري وقلتُ لصَاحِبي ... ومطيَّتي قَدْ آذنتْ بحِرَانِ
стр. 35
٣٩٠ - عطِّلْ رِكَابَكَ واسترِحْ مِنْ سَيرِهَا ... مَا ثَمَّ شيءٌ غَيْرُ ذِي الأكْوَانِ
٣٩١ - لَوْ كَانَ للأكْوانِ رَبٌّ خَالِقٌ ... كَانَ المجسِّمُ صَاحِبَ البُرْهَانِ
٣٩٢ - أوْ كَانَ رَبٌّ بائنٌ عَنْ ذا الوَرَى ... كَانَ المجسِّمُ صاحِبَ الإيمَانِ
٣٩٣ - ولكَانَ عِنْدَ النَّاسِ أوْلَى الخَلْقِ بالْـ ... إِسْلامِ والإيمَانِ والإحْسَانِ
٣٩٤ - ولكَانَ هَذَا الحزْبُ فَوْقَ رؤوسِهِمْ ... لَمْ يخْتَلِفْ منهُمْ عَلَيْهِ اثْنَانِ
٣٩٥ - فدَعِ التَّكَالِيفَ الَّتي حُمِّلْتَهَا ... واخلَعْ عِذَارَكَ وارْمِ بالأَرْسَانِ
٣٩٦ - مَا ثَمَّ فَوْقَ العَرْشِ مِن ربٍّ ولَمْ ... يتكلّمِ الرَّحْمنُ بالقُرْآنِ
٣٩٧ - لَوْ كَانَ فَوْقَ العَرْشِ ربٌّ ناظِرٌ ... لزِمَ التَّحَيُّزُ وافتقارُ مَكَانِ
٣٩٨ - أو كَانَ ذَا القُرْآنُ عَيْنَ كَلَامِهِ ... حَرْفًا وَصوْتًا كَانَ ذَا جُثْمَانِ
٣٩٩ - فَإِذَا انْتَفَى هَذَا وهَذَا مَا الَّذِي ... يَبْقَى عَلَى ذَا النَّفْي مِنْ إِيمَانِ
٤٠٠ - فدَعِ الحَلَالَ مَعَ الحرَامِ لأهْلِهِ ... فهُمَا السِّيَاجُ لَهُمْ عَلَى البُسْتَانِ
٤٠١ - فاخْرِقْهُ ثم ادْخُلْ تَرَى في ضِمْنِهِ ... قَدْ هُيِّئَتْ لَكَ سَائِرُ الأَلْوَانِ
٤٠٢ - وَتَرَى به مَا لَا يَرَاهُ محَجَّبٌ ... مِنْ كلِّ مَا تَهْوَى بِهِ زَوْجَانِ
٤٠٣ - واقْطَعْ عَلائقَكَ الَّتي قَدْ قَيَّدتْ ... هَذَا الوَرَى مُذْ سَالِفِ الأزْمَانِ
٤٠٤ - لِتَصِيرَ حُرًّا لَسْتَ تَحْتَ أوَامِرٍ ... كَلَّا وَلَا نَهْيٍ وَلَا فُرْقَانِ
٤٠٥ - لَكِنْ جَعَلتَ حِجَابَ نَفْسِكَ إِذْ تَرَى ... فَوْقَ السَّمَا للنَّاسِ مِنْ دَيَّانِ
٤٠٦ - لَوْ قُلْتَ مَا فَوْقَ السَّماءِ مدبِّرٌ ... والعَرْشَ تُخْلِيهِ مِنَ الرَّحْمنِ
٤٠٧ - واللهُ لَيْسَ مُكلِّمًا لِعِبَادِهِ ... كَلَّا وَلَا مُتكلِّمًا بِقُرَانِ
٤٠٨ - مَا قَالَ قَطُّ وَلَا يَقولُ ولَا لَهُ ... قَوْلٌ بَدَا مِنْهُ إِلَى إنسَانِ
٤٠٩ - لَحَلَلْتَ طِلِّسْمًا وفُزْتَ بكَنْزِهِ ... وعَلِمتَ أن النَّاسَ فِي هَذَيَانِ
٤١٠ - لَكِنْ زَعَمْتَ بأنَّ رَبَّكَ بائِنٌ ... مِنْ خَلْقِهِ إذْ قُلْتَ مَوْجُودَانِ
٤١١ - وزَعمْتَ أنَّ اللهَ فوقَ العَرْشِ والْـ ... ـكُرْسِيَّ حقًّا فوقَهُ القَدَمَانِ
٤١٢ - وزعمْتَ أنَّ اللهَ يسْمَعُ خلقَهُ ... ويراهُمُ مِنْ فَوْقِ سَبعِ ثَمانِ
стр. 36
٤١٣ - وزعمْتَ أنَّ كَلَامَهُ منْهُ بَدَا ... وإِلَيْهِ يَرْجِعُ آخرَ الأزْمَانِ
٤١٤ - ووصَفتَهُ بالسَّمْعِ والْبصَرِ الَّذِي ... لَا يَنْبِغي إلَّا لِذِي الجُثْمَانِ
٤١٥ - ووصَفْتَهُ بإرادةٍ وبقدْرَةٍ ... وكراهَةٍ ومحَبَّةٍ وحَنَانِ
٤١٦ - وزعمْتَ أنَ اللَّهَ يعْلَمُ كُلَّ مَا ... فِي الكَوْنِ مِنْ سِرٍّ ومِنْ إعْلَانِ
٤١٧ - والعِلْمُ وصْفٌ زائِدٌ عنْ ذَاتِهِ ... عَرَضٌ يَقُومُ بغَيرِ ذِي جُثْمَانِ
٤١٨ - وزعمْتَ أنَّ اللهَ كلَّم عبْدَهُ ... موسَى فأسْمَعَهُ نِدَا الرَّحْمنِ
٤١٩ - أفتَسمَع الأُذنُانِ غيرَ الحرْفِ والـ ... ـصَّوتِ الَّذِي خُصَّتْ بِهِ الأُذُنانِ
٤٢٠ - وكذَا الندَاءُ فإنَّهُ صَوْتٌ بإجْـ ... ـماعِ النُّحَاةِ وأهْلِ كلِّ لِسَانِ
٤٢١ - لَكِنَّهُ صَوْتٌ رَفِيعٌ وَهْوَ ضِدٌّ م ... للنِّجَاءِ كِلَاهُمَا صوْتَانِ
٤٢٢ - فزَعَمْتَ أنَ الله نَادَاه وَنَا ... جَاهُ وَفِي ذَا الزَّعْمِ مَحْذُورَانِ
٤٢٣ - قُربُ المكَانِ وبُعْدُه والصَّوتُ بَلْ ... نَوْعَاهُ مَحْذُورَانِ مُمتَنِعَانِ
٤٢٤ - وَزعمْتَ أنَّ محمّدًا أسْرَى بِهِ ... لَيْلًا إِلَيْهِ فهْوَ مِنْهُ دَانِ
٤٢٥ - وَزعمْتَ أنَّ محمَّدًا يَوْمَ اللِّقَا ... يُدْنِيهِ رَبُّ العَرْشِ بالرِّضْوَانِ
٤٢٦ - حَتَى يُرَى المُخْتَارُ حقًّا قَاعدًا ... مَعَه عَلَى العَرْش الرَّفِيعِ الشَّانِ
٤٢٧ - وَزَعمْتَ أنَّ لعرْشِهِ أَطًّا بهِ ... كالرَّحْلِ أطَّ براكبٍ عَجْلَانِ
٤٢٨ - وَزَعمْتَ أنَّ اللهَ أبْدَى بَعْضَهُ ... لِلطُّور حَتَّى عَادَ كَالكُثْبَانِ
٤٢٩ - لمَّا تَجَلَّى يَوْمَ تَكْلِيمِ الرِّضا ... مُوسَى الكَلِيمِ مُكلَّمِ الرَّحْمنِ
٤٣٠ - وَزَعمْتَ لِلمعْبُود وَجْهًا بَاقِيًا ... ولَهُ يَمِينٌ بَلْ زعمْتَ يَدَانِ
٤٣١ - وَزَعمْتَ أنَّ يَدَيْهِ لِلسَّبْع العُلَى ... والأَرْضِ يَوْمَ الحَشْرِ قَابِضَتَانِ
٤٣٢ - وَزَعمْتَ أنَّ يَمِيِنَه ملأى مِن الْـ ... ـخَيْرَات مَا غَاضَتْ عَلَى الأزْمَانِ
٤٣٣ - وَزَعمْتَ أنَّ العَدْلَ فِي الأخْرَى بِهَا ... رَفْعٌ وخَفْضٌ وَهْوَ بِالميزَانِ
٤٣٤ - وَزَعمْتَ أنَّ الخَلْقَ طُرًّا عِنْدَما ... يهْتزُّ فَوْقَ أصَابِعِ الرَّحْمنِ
٤٣٥ - وَزَعَمْتَ أيْضًا أنَّ قَلْبَ العَبدِ مَا ... بَيْنَ اثْنَتَيْنِ مِن الأَصَابعِ عَانِ
стр. 37
٤٣٦ - وَزعَمْتَ أنَّ اللهَ يَضْحَكُ عِنْدَمَا ... يَتَقَابَلُ الصَّفَّانِ يَقْتتلَانِ
٤٣٧ - مِنْ عَبْدِه يأتِي فَيُبْدِي نَحْرَهُ ... لِعَدُوِّهِ طَلَبًا لِنَيْلِ جِنَانِ
٤٣٨ - وَكَذَاكَ يَضْحَكُ عِنْدَمَا يَثِبُ الفَتَى ... مِنْ فَرْشِهِ لِتِلَاوَةِ القُرْآنِ
٤٣٩ - وَكَذَاكَ يَضْحَكُ مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ ... إِذْ أَجْدَبُوا وَالغَيْثُ منْهُمْ دَانِ
٤٤٠ - وَزَعَمْتَ أنَّ اللَّهَ يَرضَى عَنْ أُولِي الْـ ... ـحُسْنَى ويغضَبُ عنْ أُولي العِصْيَانِ
٤٤١ - وَزَعمتَ أنَّ اللَّه يسْمعُ صَوْتَهُ ... يومَ المعَادِ بعيدُهُمْ والدَّانِي
٤٤٢ - لَمَّا يُنَادِيهمْ أَنَا الدَّيَّانُ لَا ... ظُلْمٌ لَدَيَّ فيسْمَعُ الثَّقَلَانِ
٤٤٣ - وزَعمْتَ أنَّ الله يُشرِقُ نُورُه ... فِي الأَرْضِ يومَ الفَصْلِ والميزانِ
٤٤٤ - وَزَعَمْتَ أنَّ الله يَكْشِفُ سَاقَهُ ... فَيَخِرُّ ذَاكَ الجمْعُ للأَذْقَانِ
٤٤٥ - وزَعَمْتَ أَن اللَّهَ يَبَسُطُ كفّه ... لمُسيئِنا لِيتوبَ من عِصيانِ
٤٤٦ - وزَعَمْتَ أَنّ يَمِينَه تَطوِي السَّمَا ... طيَّ السِّجِل عَلَى كِتابِ بَيَانِ
٤٤٧ - وَزَعَمْتَ أنَّ الله يَنْزِلُ فِي الدُّجَى ... فِي ثُلْثِ لَيْلٍ آخِرٍ أوْ ثَانِ
٤٤٨ - فيقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فأجِيبَهُ ... فأنَا القرِيبُ مجيبُ مَنْ نَادَانِي
٤٤٩ - وَزَعَمْتَ أنَّ لَهُ نُزُولًا ثَانِيًا ... يومَ القِيَامَةِ لِلقَضَاءِ الثَّانِي
٤٥٠ - وَزَعَمْتَ أنَّ الله يَبْدُو جَهْرَةً ... لِعبَادِهِ حَتَّى يُرَى بعِيَانِ
٤٥١ - بَلْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ ويرَوْنَهُ ... فالمُقْلَتَانِ إِلَيهِ نَاظِرَتَانِ
٤٥٢ - وَزَعَمْتَ أنَّ لِربِّنَا قَدَمًا وأنَّ م ... اللهَ واضِعُهَا عَلَى النِّيرَانِ
٤٥٣ - فَهُنَاكَ يَدْنُو بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِهَا ... وتقُولُ قَطْ قَطْ حَاجَتِي وكَفَانِي
٤٥٤ - وَزَعَمْتَ أنَّ النَّاسَ يَوْمَ مَزِيدِهِمْ ... كُلٌّ يُحَاضِرُ رَبَّهُ ويُدَانِي
٤٥٥ - بالحَاءِ مَعْ ضَادٍ وجَا مَعَ صَادِهَا ... وجْهَانِ فِي ذَا اللَّفْظِ محفُوظَانِ
٤٥٦ - فِي التِّرمِذِيِّ ومُسْنَدٍ وسِوَاهُمَا ... مِنْ كُتْبِ تَجْسِيمٍ بِلَا كِتْمَانِ
٤٥٧ - وَوصَفْتَهُ بِصفَاتِ حَيٍّ فَاعِلٍ ... بالاخْتِيَارِ وذَانِكَ الأَصْلَانِ
٤٥٨ - أَصلا التَّفرُّقِ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ فِي الْـ ... ـبَارِي فَكُنْ فِي النَّفْيِ غَيْرَ جَبَانِ
стр. 38
٤٥٩ - أَوْ لَا فَلا تَلعَبْ بدينِكَ نَاقِضًا ... نَفْيًا بإثْبَاتٍ بِلَا فُرقَانِ
٤٦٠ - فالنَّاسُ بَيْنَ مُعَطِّلٍ أوْ مُثْبِتٍ ... أَوْ ثَالِثٍ مُتنَاقِضٍ صَفعانِ
٤٦١ - واللهِ لَسْتَ برابِعٍ لَهُمُ بَلَى ... إِمَّا حِمَارًا أوْ مِنَ الثِّيرَانِ
٤٦٢ - فاسْمَحْ بإنْكَارِ الجَمِيعِ ولَا تَكُنْ ... مُتنَاقِضًا رَجُلًا لَهُ وَجْهَانِ
٤٦٣ - أَوْ لَا ففَرَّقْ بينَ مَا أثبتَّهُ ... ونفيتَهُ بالنصِّ وَالبُرْهَانِ
٤٦٤ - فالبَابُ بَابٌ واحدٌ فِي النَفْي والْـ ... إِثْبَاتِ فِي عَقْلٍ وَفِي مِيزَانِ
٤٦٥ - فمتَى أقرَّ ببعْضِ ذَلِكَ مُثْبِتٌ ... لَزِمَ الجَمِيعُ أَوِ ائْتِ بِالفُرْقَانِ
٤٦٦ - وَمَتَى نَفَى شَيْئًا وأثْبتَ مِثْلَهُ ... فمجسَّمٌ مُتَناقِضٌ دِيصَانِي
٤٦٧ - فذَرُوا المِرَاءَ وصَرِّحُوا بمذاهبِ الْـ ... ـقُدَمَاءِ وانْسَلِخُوا مِنَ الإيمَانِ
٤٦٨ - أَوْ قَاتِلُوا مَعَ أُمَّةِ التَّشْبِيهِ والتَّـ ... ـجْسِيمِ تَحْتَ لِوَاءِ ذِي القُرْآنِ
٤٦٩ - أوْ لا فَلَا تَتَلَاعَبُوا بعُقولِكُمْ ... وكِتَابِكُمْ وبسَائِرِ الأدْيَانِ
٤٧٠ - فجَمِيعُهَا قَدْ صَرَّحَتْ بصِفَاتِهِ ... وكَلَامِهِ وعُلُوِّهِ بِبَيَانِ
٤٧١ - والنَّاسُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ أوْ جَاحِدٍ ... أوْ بَيْنَ ذَلِكَ أو شَبيهُ أتَانِ
٤٧٢ - فَاصْنَعْ مِنَ التَّنزِيه تُرْسًا مُحْكَمًا ... وانْفِ الجَمِيعَ بِصَنْعَةٍ وبَيَانِ
٤٧٣ - وَكَذَاكَ لَقِّبْ مَذْهَبَ الإثْبَاتِ بالتَّـ ... ـجْسِيمِ ثُمَّ احْمِلْ عَلَى الأقْرَانِ
٤٧٤ - فَمَتَى سَمَحْتَ لَهُمْ بِوصْفٍ وَاحِدٍ ... حَمَلُوا عَلَيْكَ بحَمْلَةِ الفُرْسَانِ
٤٧٥ - فصُرِعْتَ صِرْعَةَ مَنْ غَدَا مُتلَبِّطًا ... وَسطَ العَرِينِ مُمَزَّقَ اللُّحْمَانِ
٤٧٦ - فَلِذَاكَ أنْكَرْنَا الْجَمِيعَ مَخَافَةَ التَّـ ... ـجْسِيمِ إنْ صِرْنَا إِلَى الْقُرْآنِ
٤٧٧ - ولِذَا خَلَعْنَا رِبْقَةَ الأدْيَانِ مِنْ ... أَعْنَاقِنَا فِي سَالِفِ الأزْمَانِ
٤٧٨ - وَلَنَا مُلُوكٌ قَاوَمُوا الرُّسْلَ الألُى ... جَاؤوُا بإثْباتِ الصَّفَاتِ كَمَاني
٤٧٩ - فِي آلِ فِرْعَونٍ وقارونٍ ونُمْـ ... ـرُودٍ وهامانٍ وجِنْكِسْخَانِ
٤٨٠ - وَلَنَا الأئمَّةُ كالفَلَاسِفَةِ الألُى ... لم يَعْبَؤوا أَصْلًا بِذِي الأدْيَانِ
٤٨١ - مِنْهُمْ أَرِسْطُو ثُمَّ شِيعَتُهُ إِلَى ... هَذَا الأَوَانِ وَعِنْدَ كُلِّ أَوَانِ
стр. 39
٤٨٢ - مَا فِيهمُ مَنْ قَالَ إنَّ الله فَو ... قَ العَرْشِ خَارِجَ هَذِهِ الأكْوَانِ
٤٨٣ - كَلَاّ وَلَا قَالُوا بِأنَّ إلهنَا ... مُتَكَلِّمٌ بِالوَحْيِ والقُرْآنِ
٤٨٤ - ولأجْلِ هَذَا رَدَّ فِرْعَونٌ عَلَى ... مُوسَى وَلَمْ يقْدِرْ عَلَى الإيمَانِ
٤٨٥ - إِذْ قَالَ مُوسَى رَبُّنَا متكَلِّمٌ ... فَوْقَ السَّمَاءِ وإنّه ناداني
٤٨٦ - وَكَذَا ابْنُ سِينَا لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ وَلَا ... أتْبَاعُهُ بَلْ صَانَعُوا بدِهَانِ
٤٨٧ - وَكَذَلِكَ الطُّوسِيُّ لَمَّا أَنْ غَدَا ... ذَا قُدْرَةٍ لَمْ يَخْشَ مِنْ سُلْطَانِ
٤٨٨ - قَتلَ الخَلِيفَةَ والقُضَاةَ وحَامِلي الْـ ... ـقُرْآنِ والفُقَهَاءَ فِي البُلْدَانِ
٤٨٩ - إذْ هُمْ مشَبِّهَةٌ مجَسَّمَةٌ ومَا ... دَانُوا بدِينِ أكَابِر اليُونَانِ
٤٩٠ - وَلَنَا المَلاحِدَةُ الفُحُولُ أئِمَّةُ التَّـ ... ـعْطِيلِ والسِّكِّينِ آلُ سِنَانِ
٤٩١ - وَلَنَا تَصَانِيفٌ بِهَا غَالبْتُمُ ... مِثْلَ الشِّفَا ورَسائِلِ الإخْوَانِ
٤٩٢ - وَكَذَا الإِشَارَاتُ الَّتِي هِيَ عنْدكُمْ ... قَدْ ضُمِّنَتْ لِقَوَاطِعِ البُرْهَانِ
٤٩٣ - قَدْ صَرَّحَتْ بالضِّدِّ ممَّا جَاءَ في التَّـ ... ـوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ
٤٩٤ - هِيَ عِنْدَكُمْ مِثلُ النُّصُوصِ وفوْقَهَا ... فِي حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وبَيَانِ
٤٩٥ - وإذَا تَحَاكَمْنَا فإنَّ إلَيْهِمُ ... يَقَعُ التَّحَاكُمُ لَا إِلَى القُرْآنِ
٤٩٦ - إِذْ قَدْ تَسَاعَدْنَا بأنَّ نصُوصَهُ ... لَفظيَّةٌ عُزِلَتْ عَن الإيقَانِ
٤٩٧ - فَلِذَاكَ حكَّمنَا عَلَيْهِ وأنْتُمُ ... قَوْلَ المُعَلِّمِ أولًا والثَّانِي
٤٩٨ - يَا وَيْحَ جَهْمٍ وابْنِ دِرْهَمَ والألُى ... قَالُوا بقَوْلِهمَا مِنَ الخَوَرَانِ
٤٩٩ - بَقِيَتْ مِنَ التَّشْبِيه فِيهِ بَقيَّةٌ ... نَقَضَتْ قَوَاعِدَهُ مِنَ الأرْكَانِ
٥٠٥ - يَنْفِي الصَّفَاتِ مَخَافَةَ التَّجْسِيم لَا ... يَلْوي عَلَى خَبَرٍ وَلَا قُرْآنِ
٥٠١ - ويقُولُ إنَّ اللهَ يَسْمَعُ أوْ يَرَى ... وَكَذَاكَ يَعْلَمُ سِرَّ كلِّ جَنَانِ
٥٠٢ - ويقُولُ إنَّ اللهَ قَدْ شاءَ الَّذِي ... هُوَ كَائِنٌ مِنْ هَذِهِ الأكْوَانِ
٥٠٣ - وَيقُولُ إنَ الفِعْلَ مَقْدُورٌ لَهُ ... وَالكَوْنَ يَنْسُبُهُ إِلَى الحِدْثَانِ
٥٠٤ - وبِنَفْيهِ التَّجْسِيمَ يَصْرُخُ فِي الوَرَى ... واللهِ مَا هَذَانِ يتَّفِقَانِ
стр. 40
٥٠٥ - لَكِنَّنَا قُلْنَا مُحَالٌ كُلُّ ذَا ... حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ والإِمْكَانِ
* * *
فصلٌ في قدوم ركب الإِيمان وعسكر القرآن
٥٠٦ - وَأتى فَرِيقٌ ثُمَّ قَالَ أَلَا اسْمَعُوا ... قَدْ جئْتُكُمْ مِنْ مَطْلَع الإيمَانِ
٥٠٧ - مِنْ أرْضِ طيبَةَ مِنْ مُهَاجَر أحْمَدٍ ... بالحَقِّ والبُرْهَانِ والتِّبْيَانِ
٥٠٨ - سَافَرْتُ فِي طَلَبِ الإله فَدَلَّنِي الْـ ... ـهَادِي عَلَيْهِ ومُحْكَمُ القُرْآنِ
٥٠٩ - مَعَ فِطْرَةِ الرَّحمن ﷻ ... وصرِيحِ عَقلٍ فاعْتلى بُنْياني
٥١٠ - فَتَوافَقَ العقلُ الصَّرِيحُ وَفِطْرَةُ الرّ ... حْمنِ والمنقُولُ فِي إيمَانِي
٥١١ - شَهِدُوا بأنَّ اللهَ ﷻ ... مُتَفَرَّدٌ بالمُلْكِ والسُلْطَانِ
٥١٢ - وَهُوَ الإلةُ الْحَقُّ لَا مَعْبودَ إلا ... م وَجْهُهُ الأَعْلَى العظيمُ الشَّانِ
٥١٣ - بَلْ كُلُّ معْبُودٍ سِوَاهُ فبَاطِلٌ ... مِنْ عَرْشهِ حَتَّى الحضِيضِ الدَّانِي
٥١٤ - وَعِبَادَةُ الرَّحْمن غَايَةُ حُبِّهِ ... مَعَ ذُلِّ عَابِدِه هُمَا قُطْبَانِ
٥١٥ - وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ العِبَادَةِ دائرٌ ... مَا دَارَ حَتَّى قامَتِ القُطْبَانِ
٥١٦ - ومَدَارُهُ بالأَمْرِ أمْرِ رسُولِهِ ... لَا بالهَوَى والنَّفْسِ والشَّيطَانِ
٥١٧ - فَقِيامُ دِينِ اللهِ بالإخلاصِ والْـ ... إحْسَانِ إنَّهُمَا لَهُ أصْلَانِ
٥١٨ - لَمْ يَنْجُ مِنْ غَضَبِ الإلهِ ونَارِهِ ... إلَّا الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلَانِ
٥١٩ - والنَّاسُ بَعْدُ فمشْرِكٌ بإِلهِهِ ... أوْ ذُو ابْتدَاعٍ أوْ لَهُ الوَصْفَانِ
٥٢٠ - واللهُ لَا يَرْضَى بكثْرَةِ فِعْلِنَا ... لَكِنْ بأحْسَنِهِ مَعَ الإيمَانِ
٥٢١ - فالعَارِفُونَ مُرادُهُمْ إحسَانُهُ ... والجَاهِلُون عَمُوا عَنِ الإِحْسَانِ
٥٢٢ - وَكَذَاكَ قَدْ شَهِدُوا بأنَّ اللهَ ذُو ... سَمْعٍ وذُو بَصرٍ هُمَا صِفَتَانِ
следующие страницы →