Полный текст (1 641 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
١٧٥ - فَانظُرْ إلَى تعطِيلهِ الأوْصَافَ وَالْـ ... أفْعَالَ وَالأَسْمَاءَ للرحمنِ
١٧٦ - مَاذَا الذِي في ضِمْنِ ذا التَّعطِيل مِنْ ... نَفْيٍ ومنْ جَحدٍ ومنْ كُفْرَانِ
١٧٧ - لَكنَّه أبْدَى المَقَالَة هَكَذَا ... فِي قَالَبِ التَّنْزِيهِ لِلرحمنِ
١٧٨ - وآتَى إلَى الكفرِ العَظِيمِ فصَاغَهُ ... عِجْلًا ليفتِنَ أُمّةَ الثِّيرَانِ
١٧٩ - وَكسَاهُ أنْوَاعَ الجواهِرِ والحُلي ... منْ لُؤلؤ صَافٍ ومنْ عِقْيانِ
١٨٠ - فرآهُ ثِيرانُ الوَرَى فأصابَهُمْ ... كَمُصَابِ إخْوَتِهِمْ قَديمَ زَمَانِ
الحواشي
(١٤٨) ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ(١٥٢) ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، تفسير ابن كثير ١/ ٢٤٧، تفسير الطبري=стр. 632
١٨١ - عِجْلَانِ قَدْ فَتَنَا العِبَادَ: بصوْتِهِ ... إحْدَاهُمَا وبحَرفِهِ ذَا الثَّاني
١٨٢ - والنَّاسُ أكثرُهُم فأهْلُ ظَوَاهِرٍ ... تَبْدُو لَهمْ ليْسُوا بأهْلِ مَعَانِ
١٨٣ - فهُمُ القُشورُ وبالقُشورِ قِوَامُهُم ... وَاللُّبُّ حظُّ خُلَاصَةِ الإنْسَانِ
١٨٤ - وَلِذَا تقسَّمَتِ الطوَائِفُ قَولَهُ ... وتوارَثُوهُ إِرْثَ ذِي السُّهْمَانِ
١٨٥ - لَمْ يَنْجُ مِنْ أقوَالِه طُرًّا سِوَى ... أَهلِ الحَدِيثِ وشِيْعةِ القرآنِ
الحواشي
(٨٨) ﴾ [طه: ٨٨].
والعجل الثاني: عجل معنوي وهو تعطيل الأسماء والصفات وتحريفها بدعوى تنزيه الرحمن صاغه الجهم. فلما رآه جهال الناس افتتنوا بحَرْفه أي تحريفه وتمويهه.
١٨٣ - لبّ كلِّ شيء ولبابه: خالصه وخياره، ولب الجوز واللوز ونحوهما: ما في جوفه.
١٨٤ - من تأمل في معتقدات الفرق التي تنتسب إلى الإسلام وجد أن مذهب الجهم في التعطيل والجبر أصل تفرع عنه كثير من فرق الضلال كالمعتزلة والفلاسفة ومتأخري الأشعرية والقرامطة الباطنية وملاحدة الصوفية القائلين بالحلول والوحدة، شرح النونية لهراس ١/ ٢٣.
-يعني: اقتسمت فرقُ الضلال فيما بينها قول الجهم في الأسماء والصفات والجبر والإيمان والجنة والنار وغيرها، ولم يبق من أقواله قول إلا وقد قلدته فيه فرقة من الفرق، فورثوا أقواله منه ولم يتركوا منها شيئًا كما يورث مال الميت. والسُّهمان: جمع سَهْم أي النصيب.
١٨٥ - طرًا: جميعها.стр. 633
١٨٦ - فتبرَّؤوا منهَا براءةَ حَيْدَرٍ ... وَبَرَاءةَ المَوْلُودِ منْ عِمْرانِ
١٨٧ - مِنْ كُلِّ شِيعِيٍّ خَبِيثٍ وَصْفُهُ ... وَصْفُ اليهُودِ مُحَلِّلي الْحِيتَانِ
* * *
الحواشي
(١) ١٨٦ - حيدر هو لقب علي بن أبي طالب ﵁، وقد غلا فيه فريق من الناس، وتشيعوا له، وقدموه على أبي بكر وعمر ﵁، وتنقصوهما، وسبّوهما، ورفضوا إمامتهما، واشتد غلو بعضهم فادعى فيه الإلهية. وقد تبرأ ﵁ من هؤلاء جميعًا، وأمر بإحراق الذين ادعوا فيه الإلهية. فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو، قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو، فقال: ويحكم هذا كفر ارجعوا عنه وإلاّ ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام. فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار. وروي عنه أنه قال:
لما رأيتُ الأمر أمرًا منكرا ... أجّجتُ ناري ودعوتُ قَنْبَرا
منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/ ٣٠٦.
عمران: في جميع النسخ: "عثمان"، إلاّ نسخة ب التي كتب فيها فوق عثمان: "نسخة" ثم أثبت في الحاشية: "عمران"، وفوقه. "نسخ صح" وكذا "عمران" في طع، والظاهر أنه هو الصواب، والمقصود موسى بن عمران ﵇، ولكن اتفاق النسخ ولا سيما الأصل وف على "عثمان" أمر غريب! (ص).
والمعنى أن أهل الحق تبرؤوا من الجهم وأقواله أشد البراءة، كما تبرأ علي ﵁ من الشيعة الذين غلوا فيه، وكما تبرأ موسى ﵇ من اليهود الذين عبدوا العجل، وقد تقدم حكاية خبر عبادة اليهود للعجل في حاشية البيت رقم ١٨٠.
١٨٧ - الشيعة في اللغة: جماعة الرجل وحزبه وأنصاره وهم الذين يجتمعون على رأي واحد. وهي إذا أُطلقت أريد بها فرقة الشيعة، وهم الذين شايعوا عليًا ﵁ وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا ووصيةً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو تقية من عنده.=стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقالوا: إن الإمامة قضية أصولية لا تناط باختيار العامة، ولا يجوز للرسل أن يكلوها إلى العامة. ويقولون بعصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر بالتولي والتبري قولًا وفعلًا وعقدًا إلا في حالة التقية. الملل والنحل ١/ ١٤٤، مقالات الإسلاميين ١/ ٦٥، أصول مذهب الشيعة للقفاري ١/ ٤٠، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين للدكتور أحمد محمد جلي ص ١٥١.
- الشيعة اسم جنس يشمل جميع فرق الشيعة، لكن الناظم ﵀ وصفهم بأن لهم وصف اليهود، وهذا ينصرف إلى غلاتهم وهم الرافضة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أوجهًا كثيرة للشبه بين الرافضة واليهود، ومن ذلك: قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي.
وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من السماء. وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء.
واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم. وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم.
واليهود تزول عن القبلة شيئًا، وكذلك الرافضة.
واليهود تسدل أثوابها في الصلاة، وكذلك الرافضة.
واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة.
واليهود تبغض جبريل ويقولون: هو عدونا من الملائكة. وكذلك الرافضة يقولون: غلط جبريل بالوحي على محمد ﷺ .
وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواريو عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ . منهاج السنة ١٢٥ - ٢٧، وانظر بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود - لعبد الله الجميلي.=стр. 635
فصلٌ في مقدمةٍ نافعةٍ قبلَ التَّحكيمِ
١٨٨ - يَأَيُّهَا الرجلُ المُريدُ نَجَاتَهُ ... اِسْمَعْ مَقَالَةَ نَاصِحٍ مِعْوَانِ
١٨٩ - كُنْ في أمورِك كلِّها متمسّكًا ... بالوَحْي لَا بزخَارفِ الهَذَيانِ
١٩٠ - وَانْصُرْ كِتَابَ اللهِ والسُّنَنَ الَّتي ... جَاءتْ عَنِ المبْعُوثِ بالفُرْقَانِ
الحواشي
(١٦٣) ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(٦٥) ﴾ [البقرة: ٦٥]، وفي هاتين الآيتين ذكر الله تعالى خبر اليهود الذين كانوا في قرية عند البحر، قيل: إنها بين أيلة والطور تسمى مدين، وكانوا يصطادون السمك فيأكلون ويتجرون، فحرم الله تعالى عليهم صيد السمك في يوم السبت ابتلاء منه وامتحانًا بسبب فسقهم وعصيانهم. ثم جعل السمك يكثر في يوم السبت ويقلّ في غيره فلم يصبروا، فاحتال بعضهم لصيده، فجعل ينصب الشباك، ويحفر الحفر في يوم الجمعة، ثم يأخذها يوم الأحد وقد امتلأت بالحيتان، فاحتالوا على الصيد فنهاهم صالحوهم فلم ينتهوا، فغضب الله تعالى عليهم ومسخهم قردة وخنازير كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(١٦٦) ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، انظر تفسير الطبري ١/ ٣٢٩ - ٣٣٣، تفسير ابن كثير ١/ ١٠٥ - ١٠٧.
١٨٨ - المِعْوان: الحسن المعونة أو كثيرها. القاموس ص ١٥٧١.
١٨٩ - الزُّخْرُف: الزينة، قال ابن سيده: الزخرف: الذهب، هذا الأصل ثم سمّي كل زينة زخرفًا، ثم شبّه كلّ مموّه مزوّر به. اللسان ٩/ ١٣٢ - ١٣٣.
الهذَيان: كلام غير معقول مثل كلام المعتوه، يقال: هذَى يهذي هَذْيًا وهذيانًا: أي: هذى بكلام لا يفهم. اللسان ١٥/ ٣٦٠.стр. 636
١٩١ - وَاضرِبْ بِسيفِ الوحْيِ كلَّ مُعَطِّلٍ ... ضرْبَ المُجاهِدِ فَوْقَ كُلِّ بَنَانِ
١٩٢ - واحمِلْ بعزْمِ الصِّدْقِ حَمْلةَ مُخْلِصٍ ... متَجرِّدٍ لِلَّه غَيْرِ جَبَانِ
١٩٣ - وَاثبُتْ بِصبرِكَ تَحْتَ أَلْوِيَة الهُدَى ... فإذَا أُصِبْتَ فَفِي رضَا الرحمنِ
١٩٤ - واجْعَل كِتَابَ اللهِ والسُّنَنَ الَّتِي ... ثَبتَتْ سِلَاحَكَ ثمَّ صِحْ بجَنانِ
١٩٥ - مَنْ ذَا يُبارِزُ فلْيقدِّمْ نفسَهُ ... أوْ مَنْ يسَابِقْ يَبْدُ فِي الميْدَانِ
١٩٦ - واصدَعْ بِمَا قَالَ الرَّسُولُ وَلَا تَخَفْ ... مِنْ قلَّةِ الأَنْصَارِ وَالأعْوَانِ
١٩٧ - فالله نَاصرُ دينِهِ وكتَابِهِ ... واللهُ كَافٍ عَبْدَه بأَمَانِ
١٩٨ - لَا تَخشَ مِن كَيْدِ العدُوِّ ومكرِهِمْ ... فقتَالُهُمْ بالكِذْبِ والبُهْتَانِ
١٩٩ - فجُنودُ أتْبَاعِ الرَّسُولِ ملائِكٌ ... وَجنودُهُمْ فعَسَاكِرُ الشَّيْطَانِ
الحواشي
(١٢) ﴾ [الأنفال: ١٢]، والبنان: أطراف أصابع اليدين والرجلين. تفسير الطبري (شاكر) ١٣/ ٤٣١.
١٩٤ - الجَنان: القلب. و"صِحْ": فعل أمر من صاح يصيح. ومراد الناظم: اصرخ بهم صرخة الأبطال بقلب قوي جريء غير واهن ولا خائف.
١٩٧ - ب، د: "كافي".
١٩٨ - ب: "بالزور والبهتان".
١٩٩ - أي: أن الله تعالى ينزل الملائكة لتقاتل مع المؤمنين كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ(١٢) ﴾ [الأنفال: ١٢].
- قوله: "وجنودهم ... " كما قال تعالى عن الكافرين يوم بدر: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨].стр. 637
٢٠٠ - شَتَّانَ بَينَ العسْكَرينِ فَمنْ يَكُنْ ... مُتحَيِّزًا فَلْينظُرِ الفئَتَانِ
٢٠١ - واثْبُتْ وقَاتِلْ تَحتَ رَاياتِ الهُدى ... واصبِرْ فنصرُ اللهِ رَبِّك دَانِ
٢٠٢ - وَاذْكُرْ مَقاتِلَهُمْ لفُرسَانِ الهُدى ... لِلَّه دَرُّ مَقاتِلِ الفُرسَانِ
٢٠٣ - وادْرَأْ بِلفظِ النَّصِّ فِي نَحْرِ العِدَا ... وارجُمْهُمُ بثَواقِبِ الشُّهْبَانِ
٢٠٤ - لَا تَخشَ كَثْرَتَهُم فهمْ هَمَجُ الوَرَى ... وذُبابُه أَتَخافُ مِنْ ذِبَّانِ
الحواشي
(١١٠١) ومن هذه اللغة قول الشاعر:
تزوَّدَ منّا بين أذناه طعنةً ... دعته إلى هابي التراب عقيمِ
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١/ ٥٨ - ٥٩ أوضح المسالك لابن هشام ١/ ٤٦ وستتكرر هذه اللغة في النونية. انظر مثلًا الأبيات ٥٦٨، ٦٥٧، ٩٧٩، ٢٠٩٩.
٢٠٢ - أي: دل جند الحق على مقاتل هؤلاء الأعداء أي: المواضع التي يقتلون منها، ومراد الناظم: أخبِرْ أهلَ الحق بعيوب أهل البدع والمداخل التي يدخل عليهم من خلالها لهزيمتهم وردّ كيدهم.
٢٠٣ - درأه في نحره: دفعه في أعلى صدره. وخصّ النحر لأنه أسرع وأقوى في الدفع والتمكن من المدفوع. النهاية ٢/ ١٠٩.
٢٠٤ - الهَمَج: أصله جمع همجة وهي: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحُمُر وأعينها، والهمج: رَعاع الناس ورُذالهم. اللسان ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣.стр. 638
٢٠٥ - واشْغَلْهُمُ عنْدَ الجِدَالِ ببعْضِهِمْ ... بعضًا فَذَاكَ الْحَزْمُ للْفُرسَانِ
٢٠٦ - وإِذا هُمُ حَمَلُوا عَلَيْكَ فَلَا تَكُنْ ... فَزِعًا لِحَمْلَتِهِمْ وَلَا بجَبَانِ
٢٠٧ - وَاثبُتْ وَلَا تحمِلْ بِلَا جُنْدٍ فَما ... هَذَا بمحْمُودٍ لدَى الشُّجْعَانِ
٢٠٨ - فإذَا رأيتَ عِصَابَةَ الإسْلامِ قَدْ ... وَافَتْ عسَاكِرُهَا مَعَ السُّلْطَانِ
٢٠٩ - فهنَاكَ فاخْتَرِقِ الصُّفُوفَ وَلَا تَكُنْ ... بالعَاجِزِ الوَانِي وَلَا الفَزْعَانِ
٢١٠ - وتعرَّ منْ ثوبَيْنِ مَنْ يَلبَسْهُما ... يَلْقَ الرَّدَى بمذمَّةٍ وهَوَانِ
٢١١ - ثوبٌ من الجهْلِ المركَّبِ فَوْقَهُ ... ثَوبُ التعَصُّب بئْسَتِ الثَّوبَانِ
٢١٢ - وتَحَلَّ بالإنْصَافِ أفْخرِ حُلَّةٍ ... زِينَتْ بهَا الأعطافُ والكَتِفَانِ
٢١٣ - واجعَلْ شعارَكَ خشيةَ الرَّحمنِ مَعْ ... نُصْحِ الرَّسُولِ فحَبَّذا الأمْرَانِ
٢١٤ - وتَمَسَّكَنَّ بِحَبْلِهِ وَبِوَحْيِهِ ... وتَوَكَّلَنَّ حَقيقَةَ التُّكْلَانِ
٢١٥ - فالحَقُّ وَصْفُ الرَّبِّ وَهْوَ صِراطُهُ الىـ ... ـهَادِي إِلَيْهِ لصَاحِبِ الإيمَانِ
الحواشي
(١) ٢٠٨ - وافت: أتت وأقبلت.
٢٠٩ - الواني: الضعيف.
٢١٠ - في جميع النسخ وط: "يلقى" والصواب ما أثبتنا.
٢١١ - ثوبٌ: كذا مضبوط في الأصل بالرفع. ويجوز جرّه.
الجهل المركب: هو الجهل الذي يحسب صاحبه أنه على علم وهدى وهو من أهل الجهل والضلال فيجتمع له جهلان: جهله الأصلي وجهله أنه جاهل. اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٥٥.
"بئست الثوبان": أنث الفعل للفاعل المذكر -وهو الثوب- للضرورة. ومثله في البيت ٣٧٥٤. وتكرر ذلك في المنظومة. انظر مثلًا: ٢٣٧٢، ٢٤٦٢، ٢٧٨٨، ٣٥٥٩، ٣٧٥٥، ٣٧٦٣ وفي كل هذه المواضع جاء فعل "بئست" للمذكر (ص).
٢١٢ - الأعطاف: جمع عِطْف، وعطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال، وشِقّاه من لدن رأسه إلى وركه. اللسان ٩/ ٢٥٠.
٢١٥ - كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] فوصف الله سبحانه نفسه بأنه الحق.=стр. 639
٢١٦ - وهُوَ الصِّراطُ عَلَيْهِ رَبُّ العَرْشِ أَيْ ... ضًا ذِا وَذَا قَدْ جَاءَ فِي الْقرْآنِ
٢١٧ - والحَقُّ منْصُورٌ ومُمْتَحَنٌ فَلَا ... تَعْجَبْ فهَذِي سنَّةُ الرَّحمنِ
٢١٨ - وَبِذَاكَ يظهرُ حِرْبُهُ مِنْ حَرْبِهِ ... وَلأجْل ذَاكَ النَّاسُ طَائِفَتَانِ
٢١٩ - ولأجْلِ ذَاكَ الحربُ بَيْنَ الرُّسْلِ وَالْـ ... ـكُفَّارِ مُذْ قَامَ الوَرَى سَجْلانِ
٢٢٠ - لكنَّمَا العُقْبَى لأهْلِ الحَقِّ إنْ ... فَاتَتْ هُنَا كَانَتْ لَدَى الدَّيَّانِ
٢٢١ - واجعَلْ لقلْبِكَ هِجْرَتَينِ وَلَا تَنَمْ ... فهُما عَلَى كلِّ امْرِئٍ فَرْضانِ
٢٢٢ - فالهِجْرةُ الأُولى إلَى الرَّحْمنِ بالْـ ... إِخلَاصِ فِي سِرٍّ وفِي إعْلَانِ
٢٢٣ - فالقصدُ وجهُ الله بالأقْوَالِ والْـ ... أعْمالِ والطاعَاتِ والشُّكْرَانِ
الحواشي
(١) = -يعني: أن الحق هو صراط الله وطريقه الذي يهدي إليه من شاء من عباده، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥].
٢١٦ - يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، أي: إن الله تعالى على الحق في قوله وفعله وحكمه ﷻ . انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٤٥٠، تفسير الطبري مجلد ٧ /ج ١٢/ ٦٠.
٢١٨ - في د، ط: "من حزبه"، تصحيف.
٢١٩ - السجل: الدلو الضخمة المملوءة ماءً وجمعه سِجال. يقال: الحروب سجال، أي: سَجل منها على هؤلاء وآخر على هؤلاء، أي: ينتصر هؤلاء مرة وهؤلاء مرة. اللسان ١١/ ٣٢٥.
٢٢٠ - الديان: المحاسب المجازي. يقول: إنّ العقبى دائمًا لأهل الحق إن لم يحصلوها في الدنيا فهي لهم في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
٢٢١ - مراد الناظم بهجرة القلب: أن يترك العمل الذي يشوبه الرياء أو البدعة إلى العمل الصالح الذي توفر فيه شرطا قبول العمل: الإخلاص، والمتابعة.
٢٢٣ - ب، د، س: "في الأقوال".стр. 640
٢٢٤ - فبِذاكَ ينْجُو العَبْدُ منْ إشْراكِهِ ... ويصيرُ حقًّا عَابدَ الرَّحمنِ
٢٢٥ - والهِجرةُ الأخْرَى إلى المبعوثِ بالـ ... ـحَقِّ المُبينِ وواضحِ البُرْهَانِ
٢٢٦ - فيَدورُ معْ قَوْلِ الرَّسُول وفعْلِه ... نفيًا وإثباتًا بِلَا رَوَغانِ
٢٢٧ - ويُحكِّمُ الوحيَ المُبينَ عَلى الَّذِي ... قَالَ الشيوخُ فعندهُ حَكَمَانِ
٢٢٨ - لَا يحْكُمانِ بباطِلٍ أبدًا وكلُّ م ... العدلِ قَدْ جَاءتْ بِهِ الحَكَمانِ
٢٢٩ - وهُما كِتَابُ اللهِ أعْدلُ حاكمٍ ... فِيهِ الشِّفا وهدايةُ الحيْرَانِ
٢٣٠ - والحَاكِمُ الثاني كلامُ رسولِهِ ... مَا ثَمَّ غيرْهما لِذي إيمَانِ
٢٣١ - فإذا دَعَوْكَ لغَيرِ حُكمِهِما فَلا ... سَمْعًا لِدَاعِي الكُفْرِ والعِصْيانِ
٢٣٢ - قُلْ: لَا كرامةَ لَا وَلَا نُعْمَى وَلَا ... طَوْعًا لِمنْ يَدْعُو إِلَى طُغْيَانِ
٢٣٣ - وإذا دُعِيتَ إلَى الرَّسُولِ فَقلْ لهُمْ ... سَمعًا وطَوعًا لسْتُ ذَا عِصْيانِ
٢٣٤ - وإذا تكَاثَرتِ الخُصُومُ وصيَّحُوا ... فاثبُتْ فصَيْحَتُهم كَمِثلِ دُخانِ
الحواشي
(٥١) ﴾ [النور: ٥١].стр. 641
٢٣٥ - يَرْقَى إِلَى الأوْجِ الرَّفِيع وَبعْدَه ... يَهوِي إِلَى قَعْرِ الحَضِيضِ الدَّانِي
٢٣٦ - هَذَا وَإنّ قِتَالَ حزبِ اللهِ بالْـ ... أَعْمَالِ لَا بكتَائِبِ الشُّجْعَانِ
٢٣٧ - واللهِ مَا فتَحُوا البلَادَ بكثرةٍ ... أنَّى وأعدَاهُمْ بِلَا حُسْبَانِ
٢٣٨ - وَكَذَاكَ مَا فَتحُوا القلوبَ بهذِهِ الْـ ... آراءِ بَلْ بالعلْمِ والإيمَانِ
٢٣٩ - وشَجَاعَةُ الفُرْسَانِ نَفسُ الزُّهْدِ في ... نَفْسٍ وذَا مَحْذُورُ كُلِّ جَبَانِ
٢٤٠ - وشَجَاعَةُ الحُكّامِ والعُلَماءِ زُهْـ ... ـدُ فِي الثَّنَا مِنْ كلِّ ذِي بُطلَانِ
الحواشي
(٢٤٠) .
٢٣٨ - يريد ﵀ أن أهل الحق لا يعولون في قتال أعدائهم على كثرة عددهم أو تنوع عدتهم بل على جليل الأعمال وصالح العبادة والذل لرب العالمين، ولو اعتمدوا على قوتهم لما استطاعوا أن يفتحوا البلاد وهم ما يكادون يواجهون عدوًا إلا وهذا العدو يفوقهم في العدد والعدة، لكن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
د: "بكثرة الآراء".
-يعني: الآراء المخالفة لما جاء في الكتاب والسنة، وهي جميع آراء أهل البدع، فإن أهل الحق لم يهدوا الناس بها، ولم يدعوا الناس إلى الإسلام بالطرق الكلامية أو المناهج الفلسفية بل بالعلم والإيمان.
٢٣٩ - في متن الأصل: "عين الزهد"، وصححه في الحاشية بما أثبتنا، وكذا في جميع النسخ.стр. 642
٢٤١ - فإذا هُما اجْتَمَعَا لِقلْبٍ صَادِقٍ ... شَدَّتْ ركائبُهُ إلَى الرَّحمنِ
٢٤٢ - واقصِدْ إلَى الأقْرَانِ لَا أطْرَافِهَا ... فالعِزُّ تَحْتَ مَقَاتِلِ الأَقْرانِ
٢٤٣ - واسمَعْ نَصِيحةَ مَنْ لهُ خُبْرٌ بمَا ... عند الورَى مِنْ كَثْرة الجَوَلَانِ
٢٤٤ - مَا عِنْدَهُمْ واللهِ خَيْرٌ غَيرَ مَا ... أخَذُوهُ عمَّنْ جَاءَ بالقُرْآنِ
٢٤٥ - والكُلُّ بَعدُ فبِدْعةٌ أو فِرْيةٌ ... أوْ بحثُ تشْكِيكٍ ورأيُ فُلَانِ
٢٤٦ - فاصْدَعْ بأمرِ اللهِ لَا تَخْشَ الورَى ... في الله واخْشَاهُ تَفُزْ بأمَانِ
الحواشي
(٩٤) ﴾ [الحجر: ٩٤].стр. 643
٢٤٧ - واهجُرْ وَلَوْ كُلَّ الورى فِي ذاتِهِ ... لَا فِي هَوَاك ونَخْوةِ الشَّيطَانِ
٢٤٨ - واصبِرْ بغَيرِ تَسَخُّطٍ وَشِكَايَةٍ ... واصفَحْ بغيْرِ عِتَابِ مَنْ هُوَ جَانِ
٢٤٩ - واهجُرهُمُ الهَجرَ الجَميلَ بِلَا أذىً ... إنْ لَمْ يكنْ بدٌّ مِنَ الهِجْرانِ
٢٥٠ - وانظُرْ إلَى الأقدَارِ جَارِيَةً بِمَا ... قَدْ شَاءَ مِنْ غَيٍّ وَمِنْ إيمَانِ
٢٥١ - واجعَلْ لقلْبِكَ مُقْلَتين كِلاهُما ... بالحَقِّ فِي ذَا الخَلقِ باصرتَانِ
٢٥٢ - فانظُرْ بِعَينِ الحُكْمِ وارحَمْهُم بِهَا ... إذْ لَا تُرَدُّ مشيِئَةُ الدَّيَّانِ
٢٥٣ - وانظُرْ بعينِ الأمْرِ واحْمِلْهُمْ عَلَى ... أَحْكَامِهِ فَهُمَا إذًا نَظَرانِ
الحواشي
(٨٢) ﴾ [الأنعام: ٨٢].
٢٤٧ - في ذاته: أي لأجل الله تعالى وفي سبيله وطلب رضاه.
النخوة: العظمة والكبر والفخر. اللسان ١٥/ ٣١٢، ومراد الناظم بنخوة الشيطان: ما يلقيه الشيطان في قلب العامل من تعاظم وكبر ليفسد نيته ويحبط عمله.
٢٤٨ - الجاني: من الجناية، وهي الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة. اللسان ١٤/ ١٥٤.
٢٥١ - المقلة: العين. وكان الصواب: كلتاهما، ولكنه ذكّر المؤنث للضرورة.
وسيأتي مرة أخرى في البيتين: ٢٥٤، ١١٧٤ (ص).
باصرتان: كذا في الأصل وف. وكتب ناسخ ف صادًا صغيرة تحت صاد الكلمة تأكيدًا لها. وفي غيرهما: ناظرتان. مراد الناظم: تدبر وتفكر بقلبك وعين بصيرتك في حال هذا الخلق واجعل لك فيه نظرين.
٢٥٣ - يعني ﵀ بعين الحكم "الإرادة الكونية" وعين الأمر "الإرادة الشرعية"، وأهل الحق يفرقون بين الإرادتين، فيقولون: الإرادة نوعان:
الأول: إرادة كونية (وهي المقصودة بقوله: عين الحكم) ترادفها المشيئة وهما تتعلقان بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه. فهو سبحانه إذا أراد شيئًا وشاءه حدث ووقع عقب إرادته له كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ =стр. 644
٢٥٤ - واجْعَلْ لوجْهِكَ مُقْلَتينِ كِلاهُما ... مِنْ خَشيْةِ الرحمنِ بَاكيتانِ
٢٥٥ - لَوْ شاء رَبُّكَ كُنتَ أيْضًا مِثلَهمْ ... فالقلبُ بين أَصابعِ الرَحمنِ
الحواشي
(٨٢) ﴾ [يس: ٨٢]، فهذه الإرادة شاملة لجميع الحوادث من خير وشر.
الثاني: إرادة شرعية (وهي المقصودة بقوله: عين الأمر) تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذه الإرادة لا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه من الخير، وهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله أي: ما لا يحبه ولا يرضاه.
ولا تلازم بين الإرادتين بل قد تتعلق كل منهما بما لا تتعلق به الأخرى فبينهما عموم وخصوص من وجه، وقد تجتمع هاتان الإرادتان كما في إيمان أبي بكر فهو مراد كونًا لأنه وقع ومراد شرعًا لأنه محبوب مرضي عند الله تعالى. وقد تفترقان ككفر أبي جهل فهو مراد كونًا لأنه وقع، وغير مراد شرعًا لأنه مبغوض غير مرضي عند الله تعالى.
ومعنى كلام الناظم ﵀: أنك تنظر إليهم بعين الحكم فترحمهم لأن مشيئة الله وإرادته فيهم لا ترد، وتنظر إليهم بعين الأمر فتحملهم على أحكام الله فقد حرم عليهم الزنا والسرقة وإن أرادهما منهم كونًا. فإذا وقعا فحد الزاني واقطع السارق ولا تعطل الحكم الشرعي بحجة أن هذا مراد كونًا. شرح الطحاوية ١/ ٨٠، المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص ١٢١، شرح الواسطية لهراس ص ٥١ - ٥٢ شرح ابن عيسى ١/ ١٣١ - ١٣٢، الماتريدية للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٤٤٨.
٢٥٤ - كلاهما: انظر التعليق على البيت ٢٥١.
٢٥٥ - اهتداء الإنسان إلى الطريق السوي ونجاته من الطرق المنحرفة فضل ومنّة من الله تعالى وحده كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤] فلا ينبغي للعبد أن يُدِلّ =стр. 645
٢٥٦ - واحذَرْ كَمائنَ نفسِكَ اللَّاتي مَتَى ... خرجتْ عَليكَ كُسِرتَ كَسرَ مُهانِ
٢٥٧ - وإذا انتصرتَ لها تكونُ كَمنْ بَغَى ... طَفْيَ الدُّخانِ بمُوقَدِ النِّيرانِ
٢٥٨ - واللهُ أخْبرَ وَهْوَ أصدقُ قَائِلٍ ... أنْ ليسَ يَنصرُ عَبْدَهُ بأمَاني
الحواشي
(١) = على الله تعالى أو يعجب بعمله.
- يشير إلى ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن قلوب بني آدم كلَّها بين إصْبَعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مصرّفَ القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك" رواه مسلم ١٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤ كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاءَ.
٢٥٦ - يعني: خفاياها وغرائزها وشهواتها المحرمة، كالعجب والكبر وحب الظهور والشهوة والرياء وحب الدنيا وغير ذلك. وهذه متى غلبت على الإنسان فقد الإخلاص والالتجاء إلى الله تعالى والعمل من أجل نصرة دين الله، فيصبح يجادل ولقاتل من أجل هواه. وهنا لا ينصره الله لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وهو هنا لم ينصر الله وإنّما نصر نفسه.
٢٥٧ - طفي: بتسهيل الهمزة، وأصله: طَفْء، من طفئت النار: ذهب لهبها (ص). تكون: في ط: "فأنت".
بمُوقَد: كذا ضبطت في ف بضم الميم وفتح القاف. وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًّا. (ص) ومعنى البيت: أن الواجب على المسلم أن يحارب هوى نفسه ويدافع طغيانها فإذا ولجت في باطل أو وقعت في تقصير فلا ينتصر لها بل يردعها ويخذلها عن ذلك، فإن انتصر لها فهو كمن زاد الطين بلّة ويكون شأنه كمن أراد أن يطفئ الدخان بموقد النيران.
٢٥٨ - في ح، ط: "سوف ينصر" ولعله تغيير من ناسخ رأى كلمة "بأمان" مكتوبة في بعض النسخ بدون ياء، فظنّها من الأمن (ص).
الأماني: جمع أمنية من التمني وهو تشهي حصول المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون. اللسان ١٥/ ٢٩٤.стр. 646
٢٥٩ - مَن يعملِ السُوأى سُيجزَى مِثلَها ... أو يعملِ الحُسنى يَفُزْ بجِنَانِ
٢٦٠ - هَذِي وَصِيّةُ نَاصِحٍ ولِنفْسِهِ ... وَصَّى وبعدُ لِسائرِ الإِخْوَانِ
* * *
فصلٌ وهذا أوَّلُ عقدِ (١) مجلسِ التَّحكيمِ
٢٦١ - فاجلِسْ إذًا فِي مَجلسِ الحَكَمَيْنِ لِلرّ ... حْمنِ لا لِلنَّفْسِ والشَّيطانِ
٢٦٢ - إحداهُما النقلُ الصحيحُ وبَعدَه الـ ... ـعَقلُ الصَّريحُ وفِطرةُ الرحمنِ الحواشي
(١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(١٢٤) ﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤].
قال ابن كثير في تفسير الآية: "المعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان لهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ أي ليس لكم نجاة بمجرد التمني بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع شرعه" أ. هـ. تفسير ابن كثير ١/ ٥٥٧ بتصرف يسير، انظر تفسير الطبري مجلد ٤/ج ٥/ ٢٨٨.(١) كلمة "عقد" ليست في الأصل.
٢٦١ - أي: بعدما تتحلى بالصفات التي تقدمت من العدل والإنصاف والإخلاص وغيرها فاجلس للحكم بين هذه الطوائف لأنك بصفاتك هذه قد أصبحت أهلًا لذلك.
٢٦٢ - ط: "الأول النقل"، وهو مخالف لجميع النسخ، ولعلّه تغيير لما جاء في المتن من تأنيث المذكر، وقد مرّ مثله في البيت ٢٢٨ (ص).
- يعني بالنقل الصحيح: القرآن وما ثبت من السنة. =стр. 647
٢٦٣ - واحكُمْ إذًا فِي رُفْقةٍ قَدْ سافروا ... يَبغُونَ فاطرَ هَذِهِ الأكوانِ
٢٦٤ - فترافقُوا فِي سَيْرِهمْ وتفارقُوا ... عِند افتراقِ الطُّرْقِ بالحَيْرانِ
٢٦٥ - فأتَى فَريقٌ ثُم قَالَ وجدتُه ... هَذَا الوجودَ بِعَينِهِ وَعِيَانِ
الحواشي
(١) = العقل الصريح: هو العقل السالم من الشبهات والشهوات.
الفطرة: الجبلة المتهيئة لقبول الدين، التعريفات للجرجاني ص ٢١٥. وقال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي: "أما الفطرة فأريد بها ما يعم الهداية الفطرية والشعور الفطري والقضايا التي يسميها أهل النظر ضروريات وبديهيات والنظر العقلي العادي وأعني به ما يتيسر للأميين ونحوهم ممن لم يعرف علم الكلام ولا الفلسفة". التنكيل بما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل ٢/ ٢١٨.
وقال ابن القيم ﵀ بعدما عرض أقوال الناس في الفطرة: "فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أن الخلق مفطورون على دين الله الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجب فطرتهم ومقتضاها يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه، وأن حصول ذلك يقف على انتفاء المانع". شفاء العليل ص ٥٩٢ باختصار يسير، وانظر الصواعق المرسلة لابن القيم ٤/ ١٢٧٧، التنكيل للمعلمي ٢/ ١٩١.
٢٦٤ - ضرب الناظم ﵀ مثلًا للطوائف وأهل المذاهب واعتزاز كل منهم بقوله برفقة شرعوا في السفر، وقصدهم واحد، لا يطلبون إلا الحق، فسلكوا طريقًا واحدًا في مبتدأ سيرهم، فلما جدّ بهم السير وصلوا إلى مفترق الطرقات، فحينئذ سلك كلّ فريق من هذا الركب طريقًا غير طريق صاحبه. ثم رجعوا من سفرهم آئبين وعرضوا تجارتهم وما حصلوه في سفرهم وثمرات سعيهم على العالم العادل ليحكم بينهم بالحكم الموافق للنقل والعقل والفطرة. شرح النونية - السعدي ص ٢٢.
٢٦٥ - هذا الفريق الأول هم القائلون بوحدة الوجود ويسمَّون أيضًا بالاتحادية.
وهم قوم يزعمون أن الخالق اتحد بالمخلوق حتى صار هو هو، وعندهم من الضلال والكفر العظيم ما لا يخفى على من عرف مذهبهم وقرأ في كتبهم. وقد بدأ الناظم ﵀ بهم لأنهم أشدّ الفرق ضلالًا وزيغًا =стр. 648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والعياذ بالله. ومن كبارهم ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والعفيف التلمساني، وكلّهم تجمعهم الضلالة والزندقة. وحقيقة قولهم تعطيل الصانع بالكلية، والقول بقول الدهرية الطبيعية. وهم يقولون: إن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، ليس وجودها غيره ولا شيء سواه ألبتة. حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر والفسوق والعصيان عين وجود الرب، لا أنه منفصل عن ذاته وإن كان مخلوقًا له مربوبًا مصنوعًا له وقائمًا به. انظر مجموع الفتاوى ٢/ ١٤٢، درء تعارض العقل والنقل ٦/ ١١٨، الاستقامة ١/ ١١٣، التبصير في الدين ١١٦، الفرق بين الفرق ٢٧٣، ٣/ ٧٥.
ومن أقاويل كبيرهم محيي الدين بن عربي: "ومن عرف ما قررناه .. علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه .. " فصوص الحكم ص ٧٨.
وقال أيضًا: "وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله .. رأى سريان الحق في الصور الطبيعية والعنصرية، وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها، وهذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله " الفصوص ٣٢٨. وقال: " .. فإن شهد النفس كان مع التمام كاملًا فلا يرى إلا الله في عين كل ما يرى فيرى الرائي عين المرئي" الفصوص ص ٣٤٩، وزعم: أن الله تعالى كلمه فقال له: "ألا تراني أتجلى لهم في القيامة في غير الصورة التي يعرفونها والعلامة فينكرون ربوبيتي .. فحينئذ أخرج عليهم في الصورة التي لديهم فيقرون لي بالربوبية وعلى أنفسهم بالعبودية، فهم لعلامتهم عابدون .. فمن قيدني بصورة دون صورة فتخيله عبد وهو الحقيقة الممكنة في قلبه المستووة فهو يتخيل أنه يعبدني وهو يجحدني والعارفون .. لا يظهر لهم عندهم سوائي ولا يعقلون من الموجودات سوى أسمائي فكل شيء ظهر لهم وتجلى قالوا: أنت المسبح الأعلى". الفتوحات المكية ١/ ٤٩. ومن شعر ابن عربي:
فلا تنظر إلى الحق ... وتعريه عن الخلق
ولا تنظر إلى الخلق ... وتكسوه سوى الحق
الفصوص ص ١١٥. =стр. 649
٢٦٦ - مَا ثَمَّ مَوجُودٌ سِواهُ وإنَما ... غَلِطَ اللّسانُ فقالَ موجُودانِ
٢٦٧ - فهُو السَّماءُ بعينِها ونجُومُها ... وكذلِكَ الأفلاكُ والقَمرانِ
٢٦٨ - وهُو الغَمامُ بِعَينِه والثَلجُ والْـ ... أمْطارُ مَعْ بَرَدٍ ومَعْ حُسْبَانِ
٢٦٩ - وهُو الهواءُ بِعينِه والماءُ وَالتُّـ ... ـرْبُ الثقيلُ وَنَفسُ ذِي النِّيرانِ
٢٧٠ - هَذي بَسائطُه ومنهُ تركَّبتْ ... هَذي المَظَاهِرُ مَا هُنا شَيئانِ
٢٧١ - وَهُو الفقِيرُ لها لأجلِ ظهُورهِ ... فِيهَا كفَقْرِ الروحِ لِلأبدانِ
٢٧٢ - وهِي الَّتي افتقرَتْ إِلَيهِ لأنه ... هُوَ ذاتُها ووُجودُها الحَقَّانِي
الحواشي
(١) = ومن رؤوسهم أيضًا البلياني من مشايخ شيراز، ومن شعره:
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السرَّ من هو ذائقه
مجموع الفتاوى ٢/ ٤٧٣.
٢٦٨ - البرَد: الماء الجامد ينزل من السحاب قطعًا صغارًا ويسمّ حبّ الغمام وحبّ المزن (المعجم الوسيط).
الحُسبان: الصواعق والبرد والعجاج. القاموس: ٩٥.
٢٦٩ - يزعم القائلون بوحدة الوجود: أن هذه البسائط الأربع (الماء والهواء والتراب والنار) منها تتركب سائر الموجودات (كقول الطبيعيين القدماء). ويزعمون أيضًا أنّ الله تعالى قبل إيجاد المخلوقات كان في عماء (فضاء) فأوجد من هذا العماء جميع صور العالم، وفيه الملائكة والعقل والنفس والطبيعة. ومادة هذا العماء عناصر أربعة: الماء والهواء والتراب والنار، فتَنفس الرحمن، فدخل ما كان في هذا العماء في ذات الله ولم يبقَ إلا عماء، ثم أخرجها الرحمن، فمن الطبيعة ظهر كل جسم وجسد جسماني من عالم الأجسام العلوي والسفلي، وهي من نفس الرحمن ظهرت في الكون، فهو بخار الرحمن، فيه الرحمة، بل هو عين الرحمة. انظر الفتوحات المكية لابن عربي ١/ ٥٦، ٧٢٣، ٢/ ٤٢٠، ٤٣٠.
٢٧٢ - الحقاني: منسوب إلى الحق، كالربّاني إلى الربّ. تاج العروس ٦/ ٣١٩.
يزعم القائلون بوحدة الوجود: أن الله تعالى محتاج إلى هذه المظاهر والعوالم لأنه يظهر فيها، وهي محتاجة وفقيرة إليه لأنه هو جوهرها =стр. 650
٢٧٣ - وتَظلُّ تلبَسُهُ وتَخلَعُهُ وذَا الْـ ... إيجادُ والإعدامُ كُلَّ أوَانِ
٢٧٤ - ويَظلُّ يَلبَسُها وَيخلَعُها وَذَا ... حُكمُ المَظاهِرِ كَيْ يُرَى بِعيانِ
الحواشي
(١) = وروحها. قال شيخ الإسلام وهو يحكي أقاويل هؤلاء: "ويقولون: "إن الله يعبد أيضًا كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام، وهو غذاؤها بالوجود، وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه" مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٨.
وقال ابن عربي: "وإذا كان الحق هوية العالم فما ظهرت الأحكام كلّها إلا منه وفيه .. فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه على صورة الرحمن، أوجده الله أي ظهر وجوده تعالى بظهور العالم، كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية. فنحن صورته الظاهرة، وهويته تعالى روح هذه الصورة المدبرة لها، فما كان التدبير إلا فيه، كما لم يكن إلا منه" الفصوص ٣٠٣، ٣٠٤.
وقال شيخ الإسلام وهو يحكي كلام ابن عربي: "جعل وجوده مشروطًا بوجود العالم وإن كان له وجود ما غير العالم كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان وإن كان قائمًا بالحدقة. فعلى هذا يكون الله مفتقرًا إلى العالم محتاجًا إليه كاحتياج نور العين إلى الجفنين. وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير إلى أموالهم ليعطيها الفقراء فكيف قوله فيمن جعل ذاته مفتقرة إلى مخلوقاته بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت كما ينتشر نور العين ويتفرق ويعدم إذا عدم الجفن" مجموع الفتاوى ٢/ ١٨٦ - ١٨٧.
٢٧٣ - "وتظل تلبسه ... ": يعني العوالم والمظاهر والمخلوقات.
٢٧٤ - في الأصل: "ترى"، ولم ينقط حرف المضارع في ف.
- قال الشيخ محمد خليل هراس: "يعني أن تلك المظاهر والتعينات باعتبار أن ذلك الوجود المطلق هو قوامها الحامل لها فهي لا تزال تتوارد عليه في عملية إيجاد وإعدام مستمر كلما فنيت صورة خلعت ذلك الوجود ولبسته أخرى، وكذلك هو يظل يلبسها ويخلعها بلا انقطاع، وهذا حكم اقتضاه ظهور هذا الوجود فإنه لو دام على إطلاقه لما أمكن رؤيته وظهوره للعيان" شرح النونية ١/ ٦١.стр. 651
٢٧٥ - وَتكَثُّرُ المَوجودِ كالأعضاءِ في الْـ ... ـمَحسوسِ مِنْ بَشَرٍ ومِنْ حَيَوانِ
٢٧٦ - أوْ كالقُوى في النَّفْسِ ذلِك وَاحدٌ ... متكثِّرٌ قَامتْ بِهِ الأمْرانِ
٢٧٧ - فَيَكونُ كُلًّا هذِه أجزَاؤه ... هَذِي مَقالةُ مُدَّعي العِرفانِ
٢٧٨ - أو أنَّها كَتَكثُّرِ الأنواعِ فِي ... جِنْسٍ كَما قالَ الفَريقُ الثَّاني
٢٧٩ - فيكونُ كلِّيًّا وجزئيَّاتُه ... هَذَا الوجُودُ فهذِهِ قَوْلَانِ
الحواشي
(١) ٢٧٥ - لما احتج على القائلين بوحدة الوجود بأن الموجودات المشاهدة كثيرة متنوعة متعددة فكيف تقولون: إن الوجود واحد؟ قالوا: إن الموجود واحد وهذه الموجودات أجزاء له وهي بالنسبة لهذا الوجود المطلق كنسبة الأعضاء المختلفة لجسم الإنسان والحيوان إليه أو كنسبة قوى النفس المختلفة إليها أي: أنها كنسبة الجزء إلى كله. انظر شرح النونية - هراس ١/ ٦١.
وقال ابن عربي: "فالعالِمُ بالله يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود" الفصوص ص ٧٢. وانظر مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٧.
٢٧٦ - أنث لفظ "الأمر" -وهو مذكر- للضرورة، وانظر التعليق على البيت ٢٢٨ (ص).
- مراده بالأمرين: الأمر الأول: أنه واحد بذاته غير متعدد، الأمر الثاني: أنه مركب من أعضاء وقوى كثيرة فالإله عندهم قد قام به هذان الأمران فهو كل واحد غير متعدد ولكن له أجزاء.
٢٧٧ - هذا قول ابن عربي.
٢٧٨ - وهو ابن سبعين ومن وافقه. وفي ب، طه: "لتكثر"، تصحيف.
٢٧٩ - "فهذه قولان " كذا في جميع النسخ، وفيه تأنيث المذكر وإفراد المثنى للضرورة. وانظر مثله في إفراد اسم الإشارة ٣٢٦٣، ٥٥٠٩، ٥٧٥٠ (ص).
- بعد أن اتفق القائلون بوحدة الوجود على أن الوجود في نفسه شيء واحد وأن الكثرة هي في التعيّنات اختلفوا في نسبة ذلك الوجود الواحد إلى تلك التعينات، فذهب ابن عربي -كما تقدم- إلى أنها من نسبة الكل إلى أجزائه =стр. 652
٢٨٠ - أولاهما نَصُّ الفُصوصِ وبعدَه ... قولُ ابن سَبعينٍ وما القولانِ
الحواشي
(١) = كنسبة أعضاء الجسم إليه أو كنسبة قوى النفس إليها. وذهب ابن سبعين إلى أنها من نسبة الكلي إلى جزئياته يعني بذلك: أن هذا الوجود المطلق الكلي جنس، وهذه الموجودات المتعينة أنواع له فتكون هذه الكثرة البادية في الموجودات كثرة نوعية كما يقال مثلًا: "إن الحيوان جنس تحته أنواع هي الإنسان والفرس والجمل .. إلخ ". انظر بغية المرتاد لشيخ الإسلام ص ٤١٨، مقدمة ابن خلدون ص ٤٧١، شرح النونية - هراس ١/ ٦٢.
٢٨٠ - "أولاهما" كذا في ف وحاشية الأصل بخط من قابله على النسخة المقروءة على المؤلف. وفي غيرهما: "إحداهما". وأنث الناظم لفظ القول للضرورة. ومثله في: ١٦٨٢، ٢٩٢٧، ٤٨٩٨، وانظر التعليق على البيت ٢٢٨ (ص).
- وقد نقلنا نصق الفصوص آنفًا تحت البيت ٢٧٥.
وكتاب "فصوص الحكم" ألفه محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عربي، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحيي الدين بن عربي، ولد سنة ٥٦٠ هـ، وهو من رؤوس القائلين بوحدة الوجود وله مقالات في وجود الله تعالى وفي التصوف والولاية والنبوة، لا يقولها مؤمن بالله واليوم الآخر- وقد تقدم بعض ذلك عند حكاية مذهب القائلين بوحدة الوجود.
وقد حكى شيخ الإسلام كفره في عدة مواضع وشارح الطحاوية أيضًا وغيرهما من أهل العلم. ولابن عربي مؤلفات كثيرة منها: الفتوحات المكية، وديوان شعر، توفي في دمشق سنة ٦٣٨ هـ.
سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٤٨، ٤٩، الأعلام للزركلي ٦/ ٢٨١، ٢٨٢، مجموع الفتاوى ٢/ ٣٤٢، شرح الطحاوية ٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥.
وكتابه: فصوص الحكم يقع في مجلد قرابة الأربعمائة صفحة -وهو مطبوع- جمع فيه كفرياته وضلالاته ويزعم أنه ألّفه بأمر من النبي ﷺ لما رآه في المنام. وقد ذمّ العلماء هذا الكتاب وفنّدوا ما كتبه فيه وردوا عليه، قال الذهبي ﵀: ومن أردأ تواليفه كتاب "الفصوص" فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر. أ. هـ. السير ٢٣/ ٤٨ - ٤٩. =стр. 653
٢٨١ - عِنْد العَفِيفِ التلْمِسَانِيِّ الذي ... هو غايةٌ في الكُفرِ وَالبُهتانِ
الحواشي
(١) = وممن ردّ عليه: شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد الأقوم على ما في فصوص الحكم" (مجموع الفتاوى ٢/ ٣٦٢ - ٤٥١)، والإمام أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي المعروف بابن شيخ الحزاميين في كتابه "أشعة النصوص في هتك أستار الفصوص"، والإمام شمس الدين محمد بن محمد العيزري تلميذ التاج السبكي في كتابه "تسورات النصوص على تهورات الفصوص"، والعلامة الملا علي بن محمد القاري، والحافظ جمال الدين ابن الخياط اليمني، والفقيه محمد بن علي المعروف بابن نور الدين الموزعي الحماني، وغيرهم. شرح النونية - ابن عيسى ١/ ١٦٧.
ابن سبعين: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر ابن سبعين الإشبيلي الرَّقوطي. ولد سنة ٦١٤ هـ، من زهّاد الفلاسفة ومن رؤوس القائلين بوحدة الوجود. قال فيه ابن كثير: "اشتغل بعلم الأوائل والفلسفة فتولد من ذلك نوع من الإلحاد" أ. هـ. وأقواله أقبح وأكفر من أقوال ابن عربي، من كتبه: "كتاب اللهو"، "أسرار الحكمة المشرقية"، "النصيحة"، وله رسائل مطبوعة، وأتباعه يعرفون بالسبعينية، توفي سنة ٦٦٩ هـ. البداية والنهاية ٣/ ٢٦١، لسان الميزان ٣/ ٣٩٢، الأعلام ٣/ ٢٨٥، مجموع الفتاوى ٢/ ١٣١.
٢٨١ - العفيف التلمساني: سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الكوفي ثم التلمساني عفيف الدين أبو الربيع. شاعر له مشاركة في كثير من العلوم في النحو والأدب والفقه والأصول، وله في ذلك مصنفات، وهو من رؤوس القائلين بوحدة الوجود. وله من الأقوال في الضلال والزندقة ما لا يقوله مؤمن بالله واليوم الآخر. قال شيخ الإسلام ﵀ بعدما ذكر ابن سبعين وابن عربي: "والتلمساني أعظمهم تحقيقًا لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها، وأكفرهم بالله، وكتبه، ورسله، وشرائعه، واليوم الآخر .. لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي ما كفره أحد قط مثل التلمساني " أ. هـ ومشى مرة مع الشيرازي تلميذه فمرّا بكلب أجرب ميت فقال الشيرازي: هذا أيضًا من ذات الله؟ فقال: وثم خارج عنه؟ ومرّ التلمساني ومعه شخص بكلب، فركضه الآخر برجله، فقال: لا تركضه فإنه منه. من كتبه: شرح الفصوص، =стр. 654
٢٨٢ - إلّا منَ الأغلاطِ فِي حِسٍّ وَفِي ... وَهْمٍ وَتِلكَ طَبيعةُ الإنْسانِ
٢٨٣ - والكُلُّ شيءٌ واحدٌ فِي نفسِه ... ما لِلتعدُّدِ فِيهِ مِنْ سُلطانِ
٢٨٤ - فَالضيفُ والمأكولُ شيءٌ واحدٌ ... والوَهْمُ يَحسَبُ ههنا شيئانِ
٢٨٥ - وكذلكِ الموطوءُ عينُ الواطِ وَالْـ ... ـوَهْمُ البعِيدُ يقولُ ذَانِ اثنانِ
الحواشي
(١) = والعروض، وديوان شعر. البداية والنهاية ٣/ ٣٢٦، فوات الوفيات ٢/ ٧٢، وشذرات الذهب ٥/ ٤١٢، والأعلام ٣/ ١٣٠، مجموع الفتاوى ٢/ ١٧٥، ٣٠٩، ٤٧٢.
٢٨٣ - ذهب التلمساني إلى أن الوجود كله شيء واحد في نفسه لا تكثر ولا تعدّد فيه أصلًا. وهذه الكثرة التي نراها بأعيننا أو نتخيلها في نفوسنا لا حقيقة لها، بل هي من أغلاط الحس الذي قد يرى الشيء الواحد كثيرًا، والوهم الذي قد يتخيل الصورة الواحدة صورًا متعددة. وذلك الغلط في الحس والوهم من طبيعة الإنسان. انظر شرح النونية - هراس ١/ ٦٢، ٦٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما التلمساني ونحوه فلا يفرّق بين ماهية ووجود ولا بين مطلق ومعين، بل عنده ما ثم سوى ولا غير بوجه من الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء منه وأبعاض له بمنزلة أمواج البحر في البحر وأجزاء البيت من البيت .. ولا ريب أن هذا القول هو أحذق في الكفر والزندقة". مجموع الفتاوى ٢/ ١٦٩.
٢٨٥ - ط: "عين الوطء". وهو مخالف لما في جميع النسخ. ولعل ذلك للتخلص من الضرورة التي فيها. وهي تسهيل الهمزة في الواطئ ثم حذف الياء. (ص).
- قال ابن عربي: "فإن الله أحب من خلقه على صورته وأسجد له ملائكته .. فحبّب إليه ربه النساء كما أحبّ الله من هو على صورته فما وقع الحب إلا لمن تكون عنه، وقد كان حبه لمن تكون عنه وهو الحق .. ولما أحب الرجل المرأة طلب غاية الوصلة وهي النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها ولذلك أمر بالاغتسال منه فعمّت الطهارة كما عمّ الفناء فيها عند حصول الشهوة فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فإذا شاهد الرجل =стр. 655
٢٨٦ - وَلَرُبّما قالا مَقالَتَه كما ... قد قالَ قولَهما بِلا فُرقانِ
٢٨٧ - وأبَى سِواهمْ ذَا وَقال مَظاهرٌ ... تجْلُوه ذاتُ تُوَحُّدٍ ومثَانِ
٢٨٨ - فَالظاهِرُ المَجْلوُّ شيءٌ وَاحدٌ ... لكنْ مَظَاهِرُه بِلا حُسْبانِ
الحواشي
(١) = الحق في المرأة كان شهودًا في منفعل وإذا شاهده في نفسه .. شاهده في فاعل .. فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل ... فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهى ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية الخاصة .. غاب عنه روح المسألة، فلو علمها لعلم بمن التذ ومن التذ وكان كاملًا". الفصوص ٤٣٣ - ٤٣٨ باختصار.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ويذكر عن بعضهم أنه كان يأتي ابنه ويدعي أنه الله رب العالمين .. فقنح الله طائفة يكون إلهها الذي تعبده هو موطوءها الذي تفترشه" اهـ مجموع الفتاوى ٢/ ٣٧٨.
٢٨٦ - يعني: قال ابن عربي وابن سبعين مقالة التلمساني.
وذلك لأن هذه الأقوال الثلاثة جدّ متقاربة ومهما كان الفرق بينها فإنها مشتركة في القول بوحدة الوجود. قال شيخ الإسلام: "وأما ابن سبعين فتارة يجعله -أي الحق ﵎ بمنزلة المادة الجسمية .. وتارة يجعله الوجود المطلق الذي تتعاقب عليه الموجودات المعينات ويجعل الموجودات المعينة بمنزلة الماهيات وإن لم يجعلها ثابتة في العدم"، السبعينية ص ١٤٧، ١٥٢، وقد ذكر شيخ الإسلام قول التلمساني ونسبه إلى جميع القائلين بوحدة الوجود. انظر السبعينية ص ١٥٤.
٢٨٨ - بلا حسبان: أي كثيرة لا يحصرها عد. وهذا قول رابع للاتحادية، وهي أن هذه الموجودات إنما هي مظاهر وتجليات لشيء واحد، وهذه المظاهر ذات توحد أي انفراد وذات مثان أي تعدد. وقد أورد شيخ الإسلام هذا القول في معرض حكايته لأقوال أهل وحدة الوجود، ونسبه إلى الصدر الفخر الرومي وهو محمد بن إسحاق القونوي، من كبار تلامذة ابن عربي وأئمة الاتحادية. وقد تزوج ابن عربي أمه ورتاه. وبينه وبين نصير الدين الطوسي مكاتبات في بعض المسائل الحكمية. الأعلام ٦/ ٣٠. وهو يقول: "إن الله هو الوجود المطلق الذي =стр. 656
٢٨٩ - هذي عباراتٌ لهمْ مضمونُها ... ما ثَمَّ غَيرٌ قَطُّ في الأَعْيانِ
٢٩٠ - فَالقومُ مَا صَانوه عن إنْسٍ ولا ... جِنٍّ ولا شَجَرٍ وَلَا حَيَوانِ
٢٩١ - كلّا ولا عُلْوٍ وَلَا سُفْلٍ ولا ... وَادٍ ولا جبلٍ وَلَا كُثْبانِ
٢٩٢ - كلَّا ولا طَعْمٍ وَلَا ريحٍ وَلَا ... صَوتٍ وَلَا لونٍ من الألوانِ
٢٩٣ - لكنه المطعومُ والمَلموس وَالْـ ... ـمَشمومُ وَالمسموعُ بالآذانِ
٢٩٤ - وكذاك قالوا إنه المنكوحُ وَالـ ... ـمَذبوحُ بَلْ عينُ الغَوِيِّ الزاني
الحواشي
(١٠٧) ﴾ [الصافات: ١٠٧] فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان" أ. هـ. فصوص الحكم ص ٧٨ - ٧٩.
وقال شيخ الإسلام ﵀ أثناء حكايته قولهم: "ويقولون ومن أسمائه العلي عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو، وما نكح سوى نفسه، وما ذبح سوى نفسه" أ. هـ مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٨. وانظر التعليق على البيت رقم ٢٨٥.стр. 657
٢٩٥ - والكفرُ عِندَهُمُ هُدًى وَلَوَ انَّهُ ... دينُ المجُوسِ وعابدي الأوثانِ
٢٩٦ - قالوا وما عبدُوا سواهُ وإنَّما ... ضلُّوا بِمَا خصُّوا منَ الأعْيانِ
٢٩٧ - وَلَوَ أنَّهم عَمُّوا وَقالُوا كلُّها ... معبودَةٌ ما كان مِنْ كُفرانِ
الحواشي
(١) ٢٩٥ - يرى أصحاب وحدة الوجود أن جميع أهل الملل على حقّ، حتى المجوس عبَدَة النار والمشركين عباد الأوثان والأصنام ليسوا كفارًا ولا ضلاّلًا، لأنهم حينما عبدوا النار والحجارة وغيرها ما عبدوا إلا الله، لأن الله يتجلى في صورة الحيوان وفي صورة النار وكل صورة، قال ابن عربي:
كنار موسى رآها عين حاجته ... وهي الإله ولكن ليس يدريه الفصوص ص ٤١٩، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق كلامه على مذهب الاتحادية: "ومن كلماتهم ليس إلا الله، فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم، لأنه ما عندهم غير، ولهذا جعلوا قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بمعنى حكم وقدر لا بمعنى أمر، إذ ليس عندهم غَيْرٌ له تتصور عبادته فكل عابد صنم إنما عبد الله" مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٤، ١٢٩، ٤٦٧ وانظر مدارج السالكين ٣: ٤٧٩.
٢٩٧ - يزعم أصحاب وحدة الوجود: أن الهدى والإيمان أن تعبد وتعظم كل شيء ولا تخصص منها شيئًا، وأنك إن خصصت منها شيئًا دون شيء وقعت في الضلال. قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا حدثني الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند، وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان، وهذا حقيقة قول الاتحادية" الفتاوى ٢/ ٤٧٨، وقال في موضع آخر أثناء حكاية قولهم: "فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا وإن عباد الأصنام ما أخطؤوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شيء". مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨.
وقال ابن القيم ﵀ عند حكايته لمذهبهم: "والشرك عندهم وجود قديم وحادث وخالق ومخلوق ورب وعبد". المدارج ٣/ ٤٧٩.стр. 658
٢٩٨ - فالكفرُ سَتْرُ حقيقةِ المَعبودِ بالتَّـ ... ـخْصِيص عندَ مُحَقِّقٍ رَبَّاني
٢٩٩ - قالوا ولم يكُ كافِرًا في قولِه ... أنا رَبُّكمْ فرعونُ ذو الطُّغيانِ
٣٠٥ - بل كان حقًّا قولُه إذْ كان عَيْـ ... ـنُ الحق مضطَلِعًا بهذا الشانِ
٣٠١ - ولذا غَدا تغْريقُه في البحرِ تَطـ ... ـهيرًا من الأوهامِ والحُسْبانِ
الحواشي
(١) ٢٩٨ - قال ابن عربي: "فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلا الله فما عبد شيء لعينه إلا الله وإنما أخطأ المشرك حين نصب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من جانب الحق فشقي لذلك" أ. هـ الفتوحات المكية ١/ ٤٠٥.
٢٩٩ - يشير إلى ما حكاه الله تعالى عن فرعون لما جاءه موسى ﵇ رسولًا من عند الله وعرّفه بربه ودعاه إليه فكذب بالله وكفر وادعى الربوبية وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وقال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
قال ابن عربي: "ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] أي: وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم. ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقضِ ما أنت قاض فالدولة لك، فصحّ قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وإن كان عين الحق فالصورة لفرعون". أ. هـ الفصوص ص ٤١٣ - ٤١٤، مجموع الفتاوى ٢/ ١١٣ ، ١٢٤، السبعينية لشيخ الإسلام ١٢٩.
٣٠٠ - "مضطلعًا": من اضطلع بالأمر: نهض به وقوي عليه. اللسان ٨/ ٢٢٨.
٣٠١ - يقول ابن عربي أثناء كلام طويل في بيان صحة إيمان فرعون: " .. فلم يتيقن فرعون بالهلاك إذ آمن بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به، فآمن بالذي آمن به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة، فكان كما تيقن لكن على غير الصورة التي أراد، فنجاه الله من عذاب الآخرة في نفسه ونجى بدنه كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] لأنه لو =стр. 659
٣٠٢ - قالوا ولم يكُ منكِرًا مُوسَى لِما ... عبدُوه مِن عِجْلٍ لَدى الخَوَرانِ
٣٠٣ - إلا على منْ كَانَ ليسَ بعابدٍ ... معَهمْ وأَصبحَ ضَيِّقَ الأعْطانِ
٣٠٤ - ولذاكَ جرَّ بِلحيةِ الأخِ حيثُ لمْ ... يكُ واسعًا في قومِهِ لِبِطَانِ
الحواشي
(١) = غاب بصورته ربما قال قومه: احتجب، فظهر بالصورة المعهودة ميتًا ليعلم أنه هو، فقد عفته النجاة حسًا ومعنى، ومن حقت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن ولو جاءته كل آية حتى يروا العذاب الأليم أي يذوقوا العذاب الأخروي، فخرج فرعون من هذا الصنف" أ. هـ. فصوص الحكم ٤١٧ - ٤١٨.
٣٠٢ - كذا في ف "لدى" مضبوطًا بفتح الدال، وفي ظ أيضًا "لدى". وفي غيرهما: "لذي"، ولعله تصحيف.
الخوَران: يعني الخُوار، وهو صوت البقر. ولم أجد "الخوران" في المعجمات (ص).
- يشير إلى ما وقع من بني إسرائيل لما تركهم موسى ﵇ أيامًا، واستخلف عليهم هارون ﵇، وذهب إلى لقاء ربه جلّ وعلا. وكان معهم من حلي المصريين شيء كبير، فعمد إليها السامري وصاغها عجلًا، ونصبه لهم، وكان العجل إذا مرّ به الهواء خرج له خوار، كما قال تعالى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] فلما رجع موسى ﵇ إليهم ورأى ما هم عليه من الشرك غضب من فعلهم فكان ما حكى الله تعالى عنه إذ قال سبحانه: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٧، تفسير الطبري مجلد ٦/ج ٩/ ٣٢، تفسير القرطبي ٧/ ٢٨٤.
٣٠٣ - ضيق العطَن كناية عن ضيق الصدر وقفة الاحتمال (ص).
٣٠٤ - يعني: لحية هارون ﵇، كما حكى تعالى أن هارون قال لموسى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤].
البطان: الحزام الذي يلي البطن. يقال: رجل عريض البطان أي: رخي البال. اللسان ١٣/ ٥٢، وهو هنا بمعنى واسع الصدر.стр. 660
٣٠٥ - بل فَرَّقَ الإنكارُ منهُ بينهمْ ... لمَّا سرَى في وَهْمه غَيْرانِ
٣٠٦ - ولقدْ رأى إبليسَ عارِفُهُمْ فأَهْـ ... ـوَى بالسجودِ هُوِىَّ ذِي خُضْعانِ
٣٠٧ - قالوا له ماذا صنعتَ؟ فقالَ هل ... غيرُ الإلهِ وأنتُما عَمِيَانِ
٣٠٨ - مَا ثَمَّ غَيْرٌ فاسجدُوا إن شئتمُ ... لِلشمسِ والأصنامِ والشّيطانِ
الحواشي
(١) ٣٠٥ - ف، ب: فهمه.
- يزعم أهل الاتحاد: أن موسى لام هارون ﵉ وجره بلحيته لأنه لم يتسع صدره لما فعله قومه وإنما أنكر عليهم، وقالوا: إن هارون أنكر على عباد العجل عبادتهم لأنه لم يصل إلى درجة العارفين التي وصل إليها موسى فيدرك أن الإله تجلى في هذا العجل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: قال ابن عربي بعدما ذكر ما وقع من موسى ﵇ لما رجع إلى قومه من إلقائه الألواح وجره للحية هارون: "فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه وإن الله قد قضى ألا يعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، فكان موسى يربي هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن، ولذا لما قال هارون ما قال، رجع إلى السامري فقال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] يعني: فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص وقال له: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] فسماه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم لما علم أنه بعض المجالي الإلهية" أ. هـ. فصوص الحكم ص ٣٦٠ - ٣٦٢، مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٤، ٤٦٨.
٣٠٦ - الخُضعان: مصدر خضع، كالخضوع. اللسان ٨/ ٧٢.
٣٠٧ - عَمِيانِ: تثنية "عَم" بمعنى الأعمى. وكذا وردت التثنية هنا للجماعة، وسيأتي مثله في البيت ١٤٩٦ (ص).
٣٠٨ - هذا الساجد هو ابن عربي الذي يسمونه العارف والشيخ الأكبر، ذكر الشيطان في مجلسه فخرَّ ساجدًا، فقيل له في ذلك فقال: وهل ثمّ غير الله؟ شرح النونية - هراس ١/ ٦٦، ابن عيسى ١/ ١٦٥.стр. 661
٣٠٩ - فالكلُّ عينُ اللهِ عند مُحقِّقٍ ... والكلُّ معبودٌ لِذِي العِرْفَانِ
٣١٠ - هذا هوَ المعبودُ عِندَهُمُ فَقُلْ ... سبْحَانَكَ اللهمّ ذَا السُّبْحانِ
٣١١ - يا أُمَّةً مَعبودُها مَوْطُوؤُها ... أينَ الإلةُ وثُغْرَةُ الطَّعَّانِ
٣١٢ - يا أمَّةً قَدْ صارَ منْ كُفرانِها ... جُزْءًا يسيرًا جملةُ الكُفْرانِ
* * *
فصلٌ في قدومِ ركبٍ آخرَ
٣١٣ - وأتى فريقٌ ثُم قالَ وجدتُه ... بالذاتِ موجودًا بكلِّ مكانِ
الحواشي
(١) ٣١١ - ثغرة: كذا ضبط في ف بالضم ومعناها: نقرة النحر. وبالفتح: الفرجة، والثلمة. اللسان ٤: ١٠٣ - ١٠٤ ولعلها كناية عن موضع الوطء. وأراد بالطعان: الواطئ.
٣١٢ - يعني: لشدة كفر أهل وحدة الوجود صار جميع الكفر والضلال جزءًا يسيرًا من كفرهم.
٣١٣ - لما فرغ الناظم ﵀ من بيان مقالة أهل وحدة الوجود شرع في بيان مقالة أهل الحلول.
وهم قسمان:
الأول: قسم يقول بالحلول الخاص وهم النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حلّ في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء، وهو قول من وافق النصارى من غالية الرافضة كالسبئية الذين يقولون: إنه حلّ في علي وأئمة أهل بيته، والخطابية الذين يقولون: حلّ في جعفر الصادق، وغالبية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية.
الثاني: قسم يقول بالحلول العام وهو قول طائفة من الجهمية المتقدمين كالنجارية وهو قول عوامهم وعبادهم الذين يقولون: إن الله بذاته في كل =стр. 662
٣١٤ - هُوَ كالهَواءِ بِعَينِه لا عَينُهُ ... مَلأَ الخُلُوَّ ولا يُرى بعِيَانِ
٣١٥ - والقومُ مَا صانوهُ عن بِئرٍ ولا ... قَبرٍ وَلَا حُشٍّ ولا أعْطانِ
٣١٦ - بل منهُمُ مَن قَدْ رأى تشبيهَهُ ... بالرُّوحِ داخِلَ هذهِ الأبدانِ
٣١٧ - ما فيهمُ منْ قال ليسَ بداخلٍ ... أو خارجٍ عن جُملةِ الأكوانِ
٣١٨ - لكنّهمْ حامُوا على هذا ولمْ ... يتجاسَرُوا مِن عَسكرِ الإيمانِ
٣١٩ - وعليهمُ ردَّ الأئِمةُ أحمدٌ ... وَصِحَابُهُ من كلِّ ذِي عِرْفَانِ
الحواشي
(١) = مكان. وهذا القسم هو الذي حكى الناظم ﵀ قولهم في هذا الفصل. مجموع الفتاوى ٢/ ١٧١، ١٧٢، الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٣٣٤.
٣١٤ - في ف: "مِلءَ الخلوّ".
- يزعم هؤلاء: أن الله تعالى في كل مكان من دون أن يرى كالهواء الذي يملأ الخلاء ولا يراه أحد.
٣١٥ - الحش: مثلثة، المخرج وسمي حشّا لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع حشوش وهي أماكن قضاء الحاجة. اللسان ٦/ ٢٨٦، القاموس ٧٦١، والأعطان: مبارك الإبل. اللسان ١٣/ ٢٨٧.
٣١٦ - منهم من يقول: إن هذا العالم جسم كبير والله تعالى هو الروح الكامنة في هذا الجسم المدبرة له، فهو سارٍ في جميع أجزائه كحلول الروح في البدن الإنساني والحيواني. شرح النونية -هراس ١/ ٦٨، شرح النونية- السعدي ص ٢٤.
٣١٧ - هذا القول: "إن الله ليس في داخل العالم ولا خارجه ولا هو فوقه ولا حال فيه" هو قول جمهور الجهمية والمعتزلة والضرارية وغيرهم، وسيأتي تفصيل مذهبهم في الفصل التالي.
٣١٨ - حاموا على هذا: يعني قصدوه وطلبوه، ولكن لم يجرؤوا بالتصريح به خوفًا من عسكر الإيمان.
٣١٩ - يعني: الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وقد تقدمت ترجمته في التعليق على المقدمة.
- ب، ظ، س، طه: "صحابهم". =стр. 663
٣٢٥ - فَهُمُ الخصومُ لِكلِّ صاحبِ سُنَّةٍ ... وهمُ الخصومُ لمُنزِلِ القُرآنِ
٣٢١ - ولهمْ مقالاتٌ ذكرتُ أصولَها ... لمَّا ذكرتُ الجَهمَ في الأوزانِ
* * *
فصلٌ في قدوم ركبٍ آخر
٣٢٢ - وأتى فريقٌ ثمّ قاربَ وَصفُه ... هذا ولكنْ جدَّ في النُّكرانِ
٣٢٣ - فَأَسرَّ قَولَ مُعطِّلٍ ومكذِّبٍ ... في قالَبِ التَّنْزِيهِ للرَّحْمنِ
الحواشي
(١) = - ممن ردّ عليهم إمام أهل السنّة أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ (ت ٢٤١ هـ) في كتابه: "الرد على الجهمية والزنادقة" والإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) في كتابه: "الرد على الجهمية"، والإمام الحافظ أبو عبد الله بن مندة (ت ٣٩٥ هـ) في كتابه: "الرد على الجهمية" والإمام الحجة عثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٥ هـ) في كتابه: "الرد على الجهمية"، والإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في كتابه: "الرد على الجهمية" وغيرهم. وكثير من العلماء كانوا يفردون فصولًا من كتبهم للرد عليهم وبيان كفرهم وكشف ضلالهم.
٣٢١ - يشير ﵀ إلى كلامه في أول القصيدة على الجهم ومقالاته في الصفات والقدر وأفعال العباد وغير ذلك، فهؤلاء الجهمية مع ضلالهم في قولهم بالحلول وقعوا في تعطيل الصفات وغيره. راجع البيت: ٤٠ وما بعده.
٣٢٢ - كذا في الأصل وف. وفي غيرهما: "في الكفران". لما بيّن الناظم ﵀ في الفصل الماضي مذهب عوام الجهمية وعبادهم عقد هذا الفصل ليبين مذهب نظارهم ومتكلميهم. وقولهم قريب من قول عوامهم لكنهم صرحوا بالكفر الذي لم يصرح به العوام.
٣٢٣ - تقدم تعريف التعطيل والتنزيه في التعليق على المقدمة. =стр. 664
٣٢٤ - إذ قالَ ليس بدَاخلٍ فينا ولا ... هوَ خارجٌ عنْ جُملةِ الأكوانِ
٣٢٥ - بل قال لَيسَ ببائنٍ عنها ولا ... فيها ولا هو عيْنُها بِبَيانِ
٣٢٦ - كلَّا ولا فوْقَ السمواتِ العُلى ... والعرشِ من ربٍّ ولا رَحمنِ
٣٢٧ - والعرشُ ليس عليه معبودٌ سِوَى الْـ ... ـعَدَمِ الذِي لا شيءَ فِي الأَعيانِ
٣٢٨ - بل حَظُّهُ مِنْ رَبِّهِ حَظُّ الثَّرَى ... مِنْهُ وحَظُّ قَوَاعِدِ البُنيانِ
الحواشي
(١) = - هذا الفريق هم نظّار الجهمية والمعتزلة وبعض متأخري الأشاعرة، ويقولون: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه ولا حالًّا فيه ولا فوقه وليس في مكان من الأمكنة، فرارًا من وصف الله بالجسم أو الحيّز والحاجة إلى مكان. مجموع الفتاوى ٥/ ٢٧٢، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٣٧، أساس التقديس للرازي ص ٤٨ وما بعدها، المحصل للرازي ص ٣٦٠ وما بعدها. وسيأتي الرد عليهم مفصلًا.
٣٢٤ - ف: "خارجًا".
- يعني الناظم: أن هذا الفريق يبطن التكذيب والتعطيل لله ويظهر أنه ما أراد بذلك إلا تنزيه الله تعالى ونفي النقائص عنه. وسيأتي في كلام الناظم ﵀ الرد على هذا القول بتوسع في البيت: ١٠٤٧ وما بعده.
٣٢٥ - أي: ليس بمفارق ولا منفصل.
٣٢٧ - حقيقة قولهم أته ليس فوق السموات العلى والعرش رب ولا رحمن، بل ليس فوق العرش إلا العدم الذي لا حقيقة له في الخارج. مجموع الفتاوى ٣/ ٢١٨.
٣٢٨ - الثرى: هو التراب النديّ، أو الذي إذا بُلّ لم يصر طينًا لازبًا. اللسان ١٤/ ١١١.
- لما وصفوا الله تعالى بوصفهم هذا قالوا: ليس بعض المخلوقات أحظى به من بعض، بل هي سواء بالنسبة إليه، فحظُّ العرش من ربّه كحظ التراب وقواعد البنيان.стр. 665
٣٢٩ - لو كَانَ فَوْقَ العَرْشِ كَانَ كَهَذِهِ الْـ ... أَجْسَامِ سُبحَانَ العَظِيمِ الشَّانِ
٣٣٠ - ولقد وجدتُ لِفاضلٍ مِنْهُمْ مَقَا ... مًا قَامَهُ فِي النَّاسِ مُنْذُ زَمَانِ
الحواشي
(١) ٣٢٩ - هذا بيان لشبهتهم في إنكار أن الله تعالى فوق العرش وهو: أنه لو كان فوق العرش لكان محصورًا وجسمًا مركبًا محدودًا، وهذا تشبيه له بخلقه، ولا يجوز لله تعالى. انظر مجموع الفتاوى ٥/ ١١٢.
وسيأتي رد الناظم على شبهتهم، في البيت: ١٠٨٤ وما بعده.
٣٣٠ - في ب تحت كلمة "لفاضل": "هو الجويني"، وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجُوَيني ت ٤٧٨ هـ أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي. سمع من أبيه وأبي سعيد النصروبي وغيرهما، وروى عنه أبو عبد الله الفراوي وزاهر الشحامي وغيرهما، اشتغل بعلم الكلام ثم ندم، وله هفوات هجر بسببها ثم تاب. له مصنفات من أشهرها: غياث الأمم والتياث الظلم.
انظر: طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٦٥، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٦٨، الأعلام ٤/ ١٦٥، وفيات الأعيان ٣/ ١٦٧، تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ٢٧٨ - ٢٨٥.
وقصة مقامه المذكور أنه سئل: هل الباري في جهة؛ فقال: لا هو متعالٍ عن ذلك، قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول النبي ﷺ : "لا تفضلوني على يونس بن متى" فقيل له: ما وجه الدليل من هذا الخبر؟ فقال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينًا، فقام رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع بها اثنين لأنه يشق عليه. فقال واحد: هي علي، فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كما أخبر الله، ولم يكن محمد ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر وارتقى به صعدًا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام وناجاه ربه بما ناجاه به وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر. أ. هـ ساق القصة القرطبي في التذكرة ص ١٩٣ نقلًا عن القاضي أبي بكر بن العربي، ولعلّه ذكرها في تفسيره المخطوط. ولم أقف عليها في شيء من كتب الجويني، ولم أرَ أحدًا ذكرها ممن ترجم له أو كتب عنه استقلالًا.стр. 666
٣٣١ - قَالَ اسْمَعُوا يَا قَوْمِ إنَّ نَبِيَّكُمْ ... قَدْ قَالَ قَوْلًا وَاضِحَ البُرْهَانِ
٣٣٢ - لَا تحْكُمُوا بالفَضْلِ لِي أَصْلًا عَلَى ... ذِي النُّونِ يُونُسَ ذَلِكَ الغَضْبَانِ
٣٣٣ - هَذَا يَرُدُّ عَلَى المجَسِّمِ قَوْلَهُ ... أللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ والأكْوَانِ
الحواشي
(٨٧) ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وسبب غضب يونس ﵇ أنه مكث يدعو قومه فلم يؤمنوا به ولم يستجيبوا له فغضب ودعا عليهم وخرج من عندهم. انظر تفسير ابن كثير ٣/ ١٩٢، الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٥٩٨.
٣٣٣ - قوله "هذا": يشير به إلى الحديث المتقدم زاعمًا أنه دليل على ما قال.
- يعني بالمجسم هنا: المثبت أن الله تعالى فوق السموات مستوٍ على عرشه. وقد تقدم أن أهل البدع ينبزون أهل السنة المثبتين للصفات بألفاظ ينفرون بها الناس عنهم كالمجسمة والحشوية، وسيأتي تفصيل ذلك في التعليق على البيت ٣٧٥.стр. 667
٣٣٤ - وَيَدُلُّ أنّ إلهنَا سُبْحَانَهُ ... وَبحْمِدهِ يُلْفَى بِكلِّ مَكَانِ
٣٣٥ - قَالُوا لَهُ بَينْ لَنَا هَذَا فَلمْ ... يَفعَلْ فأعطَوهُ مِنَ الأثْمَانِ
٣٣٦ - أَلفًا مِنَ الذَّهَبِ الْعَتِيقِ فَقَالَ فِي ... تِبْيَانِهِ فاسْمَعْ لِذَا التِّبْيانِ
٣٣٧ - قَدْ كَانَ يُونُسُ في قَرارِ البحْرِ تَحْـ ... ـتَ الماءِ في قَبرٍ مِنَ الحِيتَانِ
٣٣٨ - ومحَمَّدٌ صَعِدَ السَّماءَ وجاوزَ السّـ ... ـبْعَ الطِّبَاقَ وَجَازَ كُلَّ عَنَانِ
٣٣٩ - وَكِلَاهُمَا فِي قُرْبهِ مِنْ رَبِّهِ ... سُبْحَانَهُ إِذْ ذَاكَ مُسْتَويَانِ
٣٤٠ - فالعُلْوُ والسُّفْلُ اللذانِ كِلَاهُمَا ... فِي بُعْدِهِ مِنْ ضدِّه طَرَفَانِ
الحواشي
(١) ٣٣٤ - يُلفَى: كذا بالفاء في الأصل وف. ومعناه: يوجد. ولم ينقط الحرف في ظ، وفي غيرها: "يُلقى" بالقاف. (ص).
إمام الحرمين الجويني وأصحابه الأشاعرة ينكرون أن الله تعالى عال على خلقه فوق سماواته مستو على عرشه لأن هذا يقتضي -في زعمهم- تنقيص الله بوصفه بالجسم أو الحاجة إلى الحيز والمكان، -كما تقدم- ومن عبارات الجويني في ذلك قوله: "الباري قائم بنفسه متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقلُّه" أ. هـ الإرشاد ص ٥٣، وقال: "الرب تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات والاتصاف بالمحاذاة لا تحيط به الأقطار ولا تكتنفه الأقتار، ويجل عن قبول الحد والمقدار" أ. ص لمع الأدلة ص ١٠٧.
وكلامه هذا -عفا الله عنه- يتضمن على أصولهم نفي العلو الذاتي لله تعالى، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه. وسيرد الناظم على هذا المذهب في الأبيات ١٠٤٦ وما بعده.
٣٣٦ - العتيق: البالغ النهاية في الجودة والحسن. اللسان. ١٠/ ٢٣٦.
٣٣٧ - العنان بالفتح: السحاب. اللسان ١٣/ ٢٩٥، وهو هنا يعني: عندما أسري به ﷺ ، وسيأتي تفصيل حادثة الإسراء والمعراج في البيت ٣٦٢ والتعليق عليها.
٣٤٠ - أي: أن العلو والسفل متباعدان متضادان فكل منهما في طرف بعيد عن الآخر.стр. 668
٣٤١ - إنْ يُنْسَبَا للهِ نُزِّهَ عَنْهُمَا ... بالاخْتِصَاصِ بَلَى هُمَا سِيَّانِ
٣٤٢ - فِي قُربِ مَنْ أضْحَى مُقيمًا فِيهمَا ... مِنْ رَبِّهِ فكلَاهُمَا مِثْلَانِ
٣٤٣ - فَلأِجْلِ هَذَا خُصَّ يُونُسُ دُونَهُمْ ... بالذكْرِ تَحْقيقًا لِهَذَا الشَّانِ
٣٤٤ - فأَتى النِّثارُ عَلَيْهِ مِنْ أصْحَابِهِ ... مِنْ كُلِّ نَاحِيةٍ بِلَا حُسْبَانِ
٣٤٥ - فاحْمَدْ إلهَكَ أيُّهَا السُّنِّيُّ إِذْ ... عَافَاكَ مِنْ تَحْرِيفِ ذِي بُهْتَانِ
٣٤٦ - واللهِ مَا يَرْضَى بهَذا خَائِفٌ ... مِنْ رَبِّهِ أَمسَى عَلَى الإِيمَانِ
٣٤٧ - هَذَا هُوَ الإلْحَادُ حقًا بَلْ هُوَ الـ ... ـتَّحْرِيفُ محْضًا أبردُ الهذَيَانِ
الحواشي
(١) ٣٤١ - وقع "بلى" موقع "بل" للضرورة. وقد سبق مثله في البيت ١٢٣ (ص).
ومراد هذا القائل: أن الله تعالى ينزه أن يختص به علو أو سفل بل هما سواء في حقه .
٣٤٢ - أي: من كان في العلو يتماثل ويتساوى مع من كان في السفل في القرب من الله تعالى كما تساوى قرب يونس ﵇ وهو في السفل مع قرب محمد ﵇ وهو في العلو.
٣٤٣ - كذا ضبط في الأصل "خُصّ يونسُ" بضم الخاء والسين.
- يزعم هذا القائل: أن رسول الله ﷺ خصّ يونس ﵇ بالذكر من جملة الأنبياء لأجل بيان أن قربهما من ربهما متساوٍ لم يفضل أحدهما الآخر، وأن العلو والسفل مستويان في حق الله، وهذا الكلام باطل كما تقدم، مع العلم أن النبي ﷺ لم يخص يونس من جملة الأنبياء بل نهى أن يفضل على موسى أيضًا -بالنص- وعلى جملة الأنبياء، وقد تقدم بيان ذلك في التعليق على البيت رقم ٣٣١.
٣٤٤ - النِّثار: بكسر النون، وكذا ضبط في ف. وهو مصدر نثر الشيء بيده: رمى به متفرّقًا مثل نثر الجوز واللوز وغيرهما. اللسان ٥/ ١٩١. ويعني الناظم هنا بالنثار: الذهب الذي كافؤوه به. وفي طه: "الثناء"، تحريف.
٣٤٧ - الإلحاد: في الأصل الميل عن الشيء، وسمي اللحد لحدًا لأنه ميل به إلى أحد جوانب القبر، ومن مال عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر فهو ملحد. ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ... ﴾ =стр. 669
٣٤٨ - واللهِ مَا بُلِيَ المجسِّمُ قطُّ ذِي الـ ... ـبَلْوَى وَلَا أَمْسَى بِذِي الخِذْلَانِ
٣٤٩ - أمثَالُ ذَا التَّأويلِ أفْسَدَ هَذِهِ الْـ ... أَدْيَانَ حِينَ سرَى إلى الأدْيَانِ
٣٥٠ - واللهِ لَوْلَا اللهُ حَافِظُ دِينهِ ... لَتَهدَّمتْ منْهُ قُوَى الأركانِ
* * *
الحواشي
(١) = [الأعراف: ١٨٠]. جمهرة اللغة لابن دريد ٢/ ١٢٥، تفسير الطبري ٦ /ج ٩/ ص ١٣٤.
التحريف: تقدم تعريفه في التعليق على المقدمة.
المحض: الخالص الصافي الذي لا يشوبه شيء من غيره. اللسان ٧/ ٢٢٧، ومراد الناظم ﵀: أن ما قالوه إلحاد وتحريف وباطل خالص لا يخالطه أدنى قدر من الحق.
٣٤٨ - يعني: أن المجسّم الغالي في تحديد صفات ربه وتصوير كيفياتها وهيئاتها -مع فساد طريقته وكونه في الحقيقة يعبد وثنًا صوّرته له نفسه الضالة- لم يُبْتَلَ بمثل بلوى هؤلاء المعطلة، بل هم أشد بلوى منه، كما قال شيخ الإسلام: "مرض التعطيل شر من مرض التجسيم" مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٤.
وقد يقال: إنه يعني المجسم بمفهوم أهل البدع وهو المثبت للصفات من أهل السنة والجماعة لأن الناظم هنا في معرض الانتصار لأهل الحق.
التجسيم: قد تقدم بيان معناه في التعليق على المقدمة، وسيأتي الكلام على نبز أهل البدع لأهل السنة بالمجسمة والحشوية في التعليق على البيت ٣٧٥.
٣٤٩ - تقدم بيان معنى التأويل لغة واصطلاحًا في التعليق على المقدمة.
- تكلم الناظم ﵀ في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" على التأويل وفصل فيه تفصيلًا قد لا يوجد عند غيره. ومما ذكر ﵀ فصل بعنوان "جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل". ثم ذكر ﵀: أن التأويل كان سبب ضلال اليهود في تغييرهم لكتبهم وعبادتهم العجل وقتل الأنبياء وغير ذلك، وسبب ضلال النصارى في قولهم بالتثليث وإبطالهم للشريعة وغير=стр. 670
فصلٌ في قدومِ ركبٍ آخرَ
٣٥١ - وأَتَى فرِيقٌ ثم قاربَ وَصْفُهُ ... هَذَا وَزَادَ عَلَيْه فِي الميزَانِ
٣٥٢ - قَالَ: اسْمَعُوا يَا قَوْمُ لَا تُلهيكُمُ ... هَذِي الأمَانِي هُنَّ شَرُّ أمَانِي
٣٥٣ - أتعبْتُ رَاحِلَتِي وَكَلَّ مَطِيَّتِي ... وبذلْتُ مَجهُودِي وقدْ أعْيَانِي
٣٥٤ - فتَّشْتُ فَوْقُ وتحتُ ثُمَّ أمَامَنَا ... وَوَرَاءُ ثم يسَارُ مَعْ أَيْمَانِ
٣٥٥ - مَا دلَّنِي أحَدٌ عَلَيْهِ هُنَاكُمُ ... كَلَّا وَلَا بَشَرٌ إِلَيْهِ هَدَانِي
٣٥٦ - إلا طَوَائِفُ بِالحَدِيث تَمسَّكَتْ ... تُعزَى مذاهِبُهَا إلَى القُرْآنِ
الحواشي
(١) = ذلك، وسبب لهدم أصول الإيمان والإسلام، وسبب لطرد إبليس ولعنه، وسبب لخروج آدم من الجنة، وسبب لكثير من الحوادث والحروب التي وقعت بعد موت النبي ﷺ إلى يومنا هذا.
ثم قال ﵀: "فقاتل الله التأويل الباطل وأهله، وأخذ حق دينه وكتابه ورسوله وأنصاره منهم، فماذا هدموا من معاقل الإسلام وهدوا من أركانه وقلعوا من قواعده؛ ولقد تركوه أرقّ من الثوب الخلق البالي الذي تطاولت عليه السنون وتوالت عليه الأهوية والرياح. لو بسطنا هذا الفصل وحده وما جناه التأويل على الأديان والشرائع وخراب العالم لقام فيه عدة أسفار" أ. هـ. الصواعق المرسلة ١/ ٣٤٨ - ٣٨١، وقد عقد الناظم ﵀ في هذه القصيدة فصلًا بعنوان "جناية التأويل على ما جاء به الرسول والفرق بين المردود والمقبول" وبين جناية التأويل على الإسلام والمسلمين.
٣٥٢ - يا قومُ: كذا ضبط في الأصل بالضم، وضبط في ف بالكسر.
٣٥٣ - كَلَّ: تعب وأعيا.
- ح، ط: "وكلت مهجتي" وهو تحريف.
٣٥٥ - يعني: أنه بحث في كل مكان وكل الجهات فلم يجد أحدًا يدله على إلهه إلا أهل الحديث، كما سيأتي في البيت بعده.
٣٥٦ - تعزى: تنسب.следующие страницы →