← Адаб

Адаб · id 16435

شرح حماسة أبي تمام للفارسي

أبو القاسم الفارسي

Полный текст (899 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح كتاب الحماسة لأبي القاسم زيد بن على الفارسي المتوفى سنة ٤٦٧ هـ دراسة وتحقيق الدكتور محمد عثمان على

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة رحل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي بعد الثلث الأول من القرن الثالث الهجري بعام أو عامين، مخلفا وراءه المئات من القصائد والقطع الشعرية التي أستحق بها عن جدارة وعلو كعب أن يكون زعيم مدرسة في شعرنا العربي، ومخلفا كذلك اختيارات شعرية، كان يختارها من شعر العرب بذوقه ونقده، فجاءت هي الأخرى دالة علي سلامة في الذوق، وبصيرة في النقد حتى قيل: إنه كان فيها ((أشعر من شعرة)). وكان أروع اختياراته الشعرية- في نظر القدماء والمعاصرين- ديوان الحماسة الذي ما إن وقع تحت أيدي العلماء ودارسي الأدب حتى أقبلوا علية يوفونه حقه في الدراسة والشرح. بدأ ذلك منهم منذ منتصف القرن الثالث الهجري، وأستمر إلي عصرنا هذا الحديث. لقد تصدي لشرحه كبار العلماء في مختلف العصور، منهم في القدماء أبو عبد الله النمري، والحسن بن بشر الآمدي، وأبو هلال العسكري وأبو علي المرزوقي، وأبو الفتح عثمان بن جني، وأبو العلاء المعري، وتلميذة أبو زكرياء التبريزي، ومنهم من المعاصرين سيد علي المرصفي، والشيخ إبراهيم الدلجموني، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور. إن احتفال العلماء بديوان الحماسة كان عظيما، دل علي ذلك ما قمنا به من إحصاء لشروحهم، حيث بلغ تتبعنا لها- وفق ما وقفنا علية في المصادر ومكتبات العالم- أربعة وأربعين شرحا عدا الشروح المجهولة النسبة إلى أصحابها.

стр. 3

غير أن هذه الشروح لم تصل إلينا جميعها، ضاع جلها عبر الحقب والقرون، أو علي الأقل لا يعرف مكانها حتى الآن. إن ما وصل إلينا من مخطوطات هذه الشروح يعد ضئيلا بالقياس إلي ما خلفه العلماء من شرح هذا الاختيار، ومع ذلك فإن رحلة فك أسر هذه المخطوطات التي وصلت إلينا وإخراجها للقراء قد سارت بطيئة، بدأت في القرن الماضي عند المستشرق ((غيورنغ ولهلم)) الذي أخرج شرح التبريزي المتوسط محققا سنة ١٨٢٨ م، ثم تلاه شرح المرزوقي الذي حققته لجنة التأليف والترجمة والنشر بعناية أحمد أمين وعبد السلام هارون في سنة ١٩٥١ م. ومع قيمة هذين الشرحين من شرح المادة الشعرية التي ضمها ديوان الحماسة، فإن هناك شروحا مخطوطة متناثرة في مكتبات العالم، بعضها فك أسرة بالتحقيق في رسائل جامعية لم تصل بعد إلي أيدي القراء، وبعضها لا يزال ينتظر دورة في خدمة أهل البحث العلمي. وهذا الشرح الذي نقدم له بهذه الكلمات يعد ثالث شرح من عمل القدماء يخرج للقراء بعد شرحي المرزوقي والتبريزي السالفي الذكر، وهو شرح قام الترجيح علي أنة لأبي القاسم زيد بن علي الفارسي المتوفى بطرابلس الشام عام ٤٦٧ هـ. لقد كانت دراسة هذا الشرح وما قمنا فيه من تحقيق جزءا من رسالة جامعية تقدمنا بها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وهي رسالة جاءت في كتابين: أحدهما ((الموازنة بين شروح حماسة أبي تمام إلي نهاية القرن السادس الهجري)) والآخر دراسة ها الشرح وتحقيقه. وإذا كانت ظروف الطباعة قد أتاحت للكتاب الأول ((الموازنة بين الشروح)) أن يري النور قبل هذا الكتاب فإن هذا الأخير له من الفضل والقيمة ما يدركه كل قارئ له، ولعل فضلة وقيمتة- بالنظر إلي شرحي المرزوقي والتبريزي المطبوعين- يبدوان من منهج صاحبة، وهو منهج اختصاري تسهيلي يختلف عن منهج المرزوقي ((الإبداعي الفني)) ومنهج ((التجميعي الإنتخابي))، إنه منهج يقدم للقارئ المعلومات المختلفة التي أثارها العلماء السابقون للشارح حول النص

стр. 4

وعناصر شرحه مختصرة موجزة، وفي عرض سهل ميسر ومن ثم كان هذا الشرح أليق بقراء العربية والأدب في زماننا هذا، من حيث إنه زمان موسوم بكثرة الأعباء التي يضطلع بها دارس الأدب والعربية بعامة، من جري وراء العيش، وملاحقة لما تخرجه المطابع من مؤلفات، ومساهمة في قضايا العصر الذي نعيشه، وهي كثيرة لا تحصي، لهذا ولغيرة كان لهذا الشرح المختصر الموجز قيمته بين الشروح ما طبع وما لم يطبع. وإنني لآمل- وأنا أقدم هذا الشرح لعالم من علماء العربية، تفصلنا عنة قرابة الألف عام إلا عقودا-أن أكون قد قدمت عملا ذا نفع لقراء الأدب والباحثين فيه، ولا أدعي فيه كمالا ولكنة جهد وفرت له من عقلي وحواسي ما حقق له التقدير والإعجاب من أساتذة أجلاء، هم سندي ومفتخري، الأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي، والأستاذ الدكتور محمد رشدي حسن، والأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، والأستاذ الدكتور محمود علي مكي، أسبغ الله عليهم جميعا ثوب الصحة والعافية ومنحهم طول العمر حتى ينتفع غيري بهم مثلما انتفعت بعملهم إنه سميع مجيب. محمد عثمان علي

стр. 5

الفصل الأول: الدراسة

стр. 6

تمهيد: ينبغي أن ننوه بادئ ذي بدء إلي أن هناك عقبات أربعا تعترض سبيل الدارس لهذا الشرح. أولاها: الاضطراب الذي وقع في نسبته إلي صاحبة. وثانيها: شح المصادر في إيراد المعلومات التي تتصل بأبي القاسم زيد بن علي الفارسي الذي قام الترجيح علي إنه صاحب هذا الشرح. وثالثتها: مخطوطة هذا الشرح، فهي الوحيدة التي عثرنا عليها في بحثنا وتنقيرنا في المكتبات. ورابعتها: ناسخها الذي جاء أسمة في أول المخطوطة وآخرها ((ياقوت بن عبد الله))، فقد كشفت الدراسة أنه ليس ياقوت أبن عبد الله الرومي الحموي صاحب معجمي الأدباء والبلدان الذي ذكرت المصادر أنه كان يشتغل بحرفة نسخ الكتب، ولا ياقوت بن عبد الله الموصلي الذي ذكر كل من ياقوت وأبن خلكان أنه كان ينسخ الكتب ويبيعها، وأنه كان متقنا للكتابة علي طريقة أبن البواب. ووفقا لهذه العقبات رأينا أن تقوم الدراسة في هذا الفصل علي مباحث خمسة نحاول في كل مبحث من المباحث الأربعة الأولي أن نكشف عن كل عقبة منها، وأن نسير بها إلي وضوح وجلاء، ومن ثم خصصنا المبحث الأول لمعالجة العقبة الأولي حيث تناولنا بالدرس والمناقشة توثيق هذا الشرح ورجحان نسبته إلي زيد بن علي الفارسي، أتبعناه بمبحث ثان في دراسة حياته وآثاره محاولين أن نستنطق المصادر التي ترجمت له، وصولا إلي صورة واضحة المعالم عنه.

стр. 7

أما المبحث الثالث: فقد عالجنا فيه المنهج الذي سلكه في الشرح ومصادرة، وقيمة شرحه بالموازنة مع شرحي المرزوقي والتبريزي المطبوعين ومآخذنا علية. وجاء المبحث الرابع: في المخطوطة وناسخها وبيان حقيقة أمرة من خلال استعراض كل من حمل أسم ياقوت بن عبد الله ممن ذكرته المصادر التي رجعنا إليها- أما المبحث الخامس والأخير: فقد عقدناه لتوضيح منهجنا في التحقيق وما قدمناه من خدمة لهذا الشرح. -١ - توثيق الشرح إن أول ما يوجهه الدارس في الشرح هو نسبته إلي زيد بن علي الفارسي، وذلك لأننا نجد في أول الورقة الأولي من مخطوطة هذا الشرح خطأ واضحا وقع فيه الناسخ حيث كتب في العنوان وبخط كبير ((كتاب الحماسة، اختيار أبي تمام حبيب أبن أوس الطائي مع شرحه المختصر من إملاء الشيخ أبي علي أحمد بن محمد المرزوقي)) ثم نجد في الورقة ذاتها تصحيحا لهذا الخطأ بخط أحد الفضلاء جاء فيه ((هذا كتاب شرح الحماسة مما اختاره أبو تمام الطائي من تصانيف الشارح الإمام العالم العلامة زيد بن علي بن عبد الله الفارسي الفسوي. قال أبن عساكر في تاريخ دمشق وأبن العديم في تاريخ حلب: كان عارفا بعلوم كثيرة فاضلا بعلم اللغة والنحو، مات بطرابلس في ذي الحجة أو ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة)). والحق أن الذي يقرأ هذا الشرح ويعارضه بشرح الإمام المرزوقي يجد أن فروقا عدة قامت بين الشرحين وتدل دلالة واضحة علي أن هذا الشرح لا صلة له بشرح المرزوقي فهو ليس بمختصر منه كما ذهب الناسخ، فالاختلاف بين في عدة أمور أهمها المنهج وعناصر الشرح والأسلوب والمصادر المعتمد عليها في كل من

стр. 8

الشرحين، هذا أفضل عن الاختلاف في الأبواب، وترتيب القطع الشعرية، وعدد الأبيات في كل قطعة، ورواية الشعر. فإذا نظرنا إلي المنهج وجدنا أن منهج المرزوقي- كما أوضحناه في كتابنا: شروح حماسة أبي تمام- منهج إبداعي فني أدبي يقوم علي الجهد العقلي والذوق الأدبي في معالجة النصوص بصورة تؤكد المقدرة الفائقة التي يتمتع بها الإمام المرزوقي في استنباط المعاني من خلال محصولاتة الثقافية الواسعة في علوم اللغة والنحو والأدب والبلاغة وهي علوم أضطلع بها المرزوقي وبرزت بوضوح من خلال شرحه. أما منهج المصنف فهو منهج تعليمي يقوم علي الاختصار والتسهيل وإبراز معني النص في تناول سهل وعبارات ميسرة تميل غالبا إلي الإيجاز، وتدل علي أنه قد قصد بشرحه هذا فئة معينة من المتعلمين، فهو وإن كان قد أتفق مع المرزوقي في أن كلا منهما قد صنع شرحه لغاية تعليمية فإن متلقي شرحه قد كانوا مختلفين عن متلقي شرح المرزوقي، فالمرزوقي صنع شرحه لتلاميذه من بني وهم فئة خاصة، تعد نفسها للإمارة وتريد أن تصقل عقلها ووجدانها بالعلم والأدب لتنال منهما نصيبا وافيا يتناسب والمكانة التي تتطلع إليها في بلاط البويهيين. أما المصنف فالواضح أنه أملي شرحه لتلاميذ من عامة الشعب لا يمتون إلي الإمارة أو السلطان بصلة. هذا من حيث المنهج، وأما من حيث الشرح فالاختلاف فيها قائم تبعا للمنهج ذاته، وهي، كما رأيناها عند المرزوقي متنوعة، فيها الرواية، وفيها النحو واللغة والبلاغة والنقد، يصول فيها ويجول، في إيجاز تارة وإسهاب تارات أخري. أما المصنف فهو يهتم بالرواية كثيرا، ولكنة قليل الاهتمام بالنحو والبلاغة والنقد، يقصر جهده علي المعاني، يعرضها في إيجاز واضح حتى يخيل إليك وأنت تقرأ شرحه إنه قد جعل الإيجاز مذهبا آلي علي نفسه ألا يفارقه، ولذلك تراه حين يناقش اللغة يناقشها فقط ليبرز المعني الذي يريد إثباته، فهو يخالف المرزوقي الذي كثيرا ما نراه

стр. 9

يفرع الحديث في اللغة داعما شرحه لها بالشواهد من القرآن والشعر. والدارس للشرحين يستطيع أن يدرك الفروق في عناصر الشرح، وذلك من خلال أي نص من نصوص الحماسة، فمثلا في بيتي أبن زيابة الواردين في الحماسية رقم (٢٢) في شرح المرزوقي (٢٣) في شرح المصنف وهما: نبئت عمرا غارزا رأسه في سنة يوعد أخواله وتلك منة غير مأمونة أن يفعل الشيء إذا قاله نجد المرزوقي يتكلم أولا عن ((غارزا)) فيقول: جعل غرز الرأس كناية عن الجهل والذهاب عما علية وله من التحفظ، ثم وقف عند النحو فبين العلة النحوية في مجيء هذه الأسماء منصوبة، عمرا، غارزا، رأسه، فنبأ وأنبأ مما يتعدى إلي ثلاثة مفاعيل، فعمرا منصوب علي أنه مفعول ثان، وغارزا علي أنه مفعول ثالث، ورأسه انتصب من ((غارزا)) ثم أنتقل إلي ((سنة)) فأفاد بأنها الغفلة، وحددها بأنها ما يحدث من أوائل النوم في العين، ولم يستحكم بعد، ثم وقف عند جانب بلاغي فقال: وهذا من أحسن التشبيه وأبلغ التعريض والإبعاد إذا كان علي ما وصف حقيق بالتهجين يدل علي ذلك قوله: وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينة سنة وليس بنائم وقد فصل الله تعالي بينهما بقولة: ((لا تأخذه سنة ولا نوم)) والفعل وسن يوسن وسنا، ثم وضح موضع ((يوعد)) من الإعراب، فهي في موضع نصب علي الحال، وأخيرا رجع إلي ((غارزا)) التي بدأ بها حديثة عن البيت، فبين استخدامها في الحقيقة والمجاز حيث أشار إلي أن معني ((غارزا رأسه)) مدخلا، ومنة الغرز بالإبر. ويقال: ((غرز فلان رجلة في الغرز أي في الركاب، وتوسعوا حتى قالوا: إغترز فلان في ركاب القول. ثم أنتقل إلي البيت الثاني فبين الشاعر منة وهو التهكم والسخرية قال: وفي طريقته قول الآخر: وأما أخو قرط فلست بساخر فقولا ألا يا اسلم بمرة سالما

стр. 10

قال هذا ومرة معرض لكل بلاء، قم وقف عند النحو فوضح موضع ((أن يفعل)) من الإعراب قال: موضعه علي البدل من قولة: ((وتلك منة)) ثم أنتهي إلي المعني وهو ((تلك الخصلة لا يؤمن وقوعها من عمرو وهو فعلة لما يقوله)). أما المصنف فقد كان عملة في البيتين علي النحو التالي: قال: ((غارزا رأسه)) راكبا رأسه، في سنة أي في غفلة، وتلك منه غير مأمونة، يستهزئ به أي لا يقدر علي ذلك، لأنة أضعف من أن يفي بما يتوعد به، المعني: يصف بلوغه وعيد عمرو وأخواله، وهذا الشعار من جملة أخواله، أي خبرت أن عمرا توعدنا، ثم دل علي قلة اكتراثه به، وأنه إذا قال شيئا لم يف به)). وواضح أن المصنف كان همة في البيتين مقصورا علي المعني، يشرح المفردات التي يري ضرورة توضيحها، ثم يعمد إلي مجمل فيورده، فهو لا يشغل نفسه بالنحو، ولا البلاغة، وهو حين يتعرض للغة فإنما يتعرض لها من حيث المعني المراد من اللفظ في البيت غير ملتفت إلي توضيح استخدام اللفظ في الحقيقة والمجاز كما فعل المرزوقي، ولا متم شرحه بشواهد تدعم ما صورة من معان للغة. كذلك يمكن أن تلحظ هذه الفروق في العناصر في بيتي عمرو بن كلثوم الواردين في الحماسية (١٦٠) في الشرحين معا، وهما: فما أبقت الأيام ملمال عندنا سوي جذم أذواد محذفة النسل ثلاثة أثلاث فأثمان خلينا وأقواتنا وما نسوق إلي العقل نجد المرزوقي يقف عن كلمة ((الأيام)) فيفسرها بالوقعات، ثم ينتقل إلي ((ملمال)) فيقول: أراد من المال فجعل الحذف بدلا من الإدغام لما ألتقي بالنون واللام حرفان متقابلان، الأول متحرك والثاني ساكن لازما، ثم صور معني البيت الأول فقال: ((ما بقي تأثير الحوادث ونكبات الأيام عندنا من أصول المال ومقتنياتها إلا بقايا أذواد قطع الضر نسلها، وتمكن الهزال وسؤ الحال منها، فهي علي شرف فناء

стр. 11

وذهاب ثم رجع إلي المفردات ففسر الجذم بالأصل، والأذواد جمع ذود، والذود يقع علي ما دون العشرة، وقال أكثر أهل اللغة: إنها تقع علي الإناث دون الذكور، وبعضهم يجوز وقوعها علي الذكور أيضا، وما في البيت يشهد للأول. ثم أنتقل إلي البيت الثاني فقال: ((أموالنا ثلاثة أثلاث، فيرتفع الثلاثة علي أنه خبر مبتدأ محذوف، وما بعدها تفسير لها وتعليل، ونبه بما أورد وقسم الوجوه التي انصرفت إليها أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها، فقال: افترقت أموالنا فرقا ثلاثا: ففرقة منها صرفناها إلي أثمان خيلنا لأنا غزاؤون ومعالجو حروب فلا نستغني عنها، إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها، وفرقة منها حبسناها علي أقواتنا ومعايشنا لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى تستغرقها لان إقامتنا بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها، وفرقة وجهناها إلي الديات وأروش الجنايات التي كسبتها أيدينا وإجترحتها رماحنا إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في الاقتصاص منا، ومثل هذا قول الآخر: ((نأسو بأموالنا آثار أيدينا)) فواضح من شرح البيت الثاني: أن المرزوقي يجنح إلي الإطناب في تصوير المعني وهو إطناب قائم علي الترادف في الألفاظ وتتابع الجمل التي تؤكد المعني الواحد وتقوية وذلك مثل قولة: ((الوجوه التي انصرفت إليها أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها)) ومثل ((كسبتها أيدينا، وأجترحتها رماحنا)) والترادف مثل ((غراؤون ومعالجو حروب)) ومثل ((تنتابنا وتتناوب عليها)) و ((عزنا ومنعتنا)) كما نراه يجنح إلي تفريغ المعني وتنميته، فهو حين ذكر الوجه الأول: من وجوه مصارف أموالهم وهو أثمان الخيل فرع منة قولة: لأنا غزاؤون ومعالجو حروب فلا نستغني عنها، إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها، وحين ذكر الوجه الثاني: وهو الأقوات والمعايش فرع منة قولين كلاهما تعليل لحبس المال في هذا المصرف، أحدهما قولة: لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى تستغرقها، والآخر قولة: لأن إقامتنا

стр. 12

بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها، وكذلك لما ذكر الوجه الثالث وهو الديات وأروش الجنايات فرع منه قولة: إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في القصاص منا. أما المصنف فإنه لم يخرج عن منهجه في الشرح الذي لاحظناة في النص السابق فعناصره لم تتجاوز الرواية والمفردات ومجمل المعني، فهو يبدأ بالمفردات فيقول: ((ملمال)) أراد من المال، والجذم الأصل، ومعني محذفة النسل مقطوعة الأولاد، هذا ما أوردة في شأن البيت الأول، أما البيت الثاني فقد وقف فيه عند رواية أخري أثبتها التبريزي في متن شرحه، وهي رواية ((وما نسوق إلي القتل)) بدل العقل، ثم فسر معني البيت في إيجاز ظاهر قال: ((ثلاثة أثلاث، أي أموالنا ثلاثة أثلاث: ما نسوق إلي القتل لأجل القتل، أي ما نعطي في الديات، ونتحمل من المغارم، وثلثه ثمن الخيل، وثلثه للقوت والضيافة. وهو بهذا لا يتجاوز شرح المفردات وإيراد مجمل المعني في إيجاز بعيد عن الإطناب الذي أتخذه المرزوقي سبيلا في الشرح وإيضاح المعاني، ونحن هنا لا نريد أن نفاضل بين الشرحين، وإنما قصدنا أن ثمة فروقا واضحة في عناصر الشرحين جاءت تبعا للمنهج أتخذه كل من الرجلين. وبجانب الاختلاف في المنهج وعناصر الشرح لاحظنا أيضا اختلافا في تفسير الشعر، فبيت بشامة بن حزن الوارد في الحماسية (١٣٤)، والذي يقول فيه: إني امرؤ أسم القصائد للعدا إن القصائد شرها إغفالها قال المصنف في شرحه: ((أسم القصائد علي وجهين أحدهما أن يكون المراد أجود القصائد في هجاء العداكي تروي لجزالة معناها وبراعة لفظها، والآخر أن يكون المراد أذكر من أهجوه فيها كي تروي، والمعني يصف تجويده الشعر ليكثر إنشاده)).

стр. 13

هذا ما فهمه المصنف من البيت، أما المرزوقي فقد قال في معني ((أسم القصائد)) أعملها بما يصير كالسمة عليها حتى لا تنسب إلي غيري، وحتى يعرف منها السبب الذي خرجت علية، فمن سمعها عرف قصتها، ولهذا قال: إن القصائد شرها إغفالها أي شر الشعر ما لا ميسم لقائلة والمقول فيه علية. ثم عرض رأيا آخر في البيت قال: ((وسمعت من يقول: في البيت إنه مقلوب، والمراد أسم العدا بقصائدي كما قال الآخر: جعلت له من فوق العرانين ميسما والأول أكشف وأصح بدلالة أن الغفل جعله من القصائد فكذلك الموسوم يجب أن يكون منها)). ولا شك أن الفرق واضح بين التفسيرين، فالأول يذهب إلي أن السمة هنا الجودة القائمة علي جزالة المعني وبراعة اللفظ، أو هي أن يذكر في القصيدة المهجو حتى تشيع بين الناس وتروي، أما الآخر فيذهب إلي أن السمة هنا هي العلامة التي تميز شعرة، فلا ينسب إلي غيرة، أو تعني السبب الذي قيلت القصيدة من أجلة، فيعرف السامعون قصتها، ولم يقف المصنف عند قول الشاعر: ((أن القصائد شرها إغفالها)) ولكن واضح من شرحه أنه يذهب إلي أن شر القصائد ما لا جودة فيها، أو لم يذكر فيها أسم المهجو، في حين أن المرزوقي يفسر العبارة بأن شر القصائد ما لا سمة لقائلها أو دلالة تدل علي المقول فيه، والمقول فيه هنا هو المهجو، وهذا يدل علي أنها التقيا في هذا الجانب الجزئي من التفسير، غير أن ذكر المهجو في الشعر وأن كان سمة تسم القصيدة وتميزها فإنه لا يعني الجودة التي ذهب إليها المصنف في تفسيره الأول وأعتمدها في مجمل المعني. وفي بيت عبد الشارق بن عبد العزي الوارد في الحماسية (١٥٢) وهو البيت القائل: ألا حييت عنا يا ردينا نحييها وإن كرمت علينا

стр. 14

قال المرزوقي في شرحه: ((هذا علي كلامين، وألا افتتاح، والتحية قال بعضهم هي الوداع ها هنا، يقول: ألا أبلغت وداعنا يا ردينه، ثم قال: نحييها أي نودعها وإن عزت علينا مفارقتها، ويجوز أن يكون دعا لردينه فقال: جزاك الله عنا أي تولي الله ذلك من دوننا، ثم راجع نفسه فقال: نفعل علي فخامة موقعها منا، وجلالة محلها في قلوبنا، إذ كنا لا نقدر لها علي غير ذلك، وقولة: ((نحييها وإن كرمت)) يسمي التفاتا، كأنة التفت إلي من معه فقال ذلك)). أما المصنف فقد جاء في شرحه قولة: ((يعني نفارقها وإن كرمت علينا، قال أبو رياش: إن رجلا إذا عرف بمحبة امرأة لم يزوجوها له، وإذا سلم عليها عرف إنه يحبها ويهواها فقال: نسلم عليها وإن كان في السلام بأس منها، وهذا من إفراط شوقه وغلة هواة، وقبج غيرة: كان هذا الشعار غائبا عن ردينه فحن إليها، وأشتاق إلي قربها فقال: ألا خصصت عنايا ردينه بتحية منا، ثم قال معتذرا عن التسليم عليها في حال الغيبوبة نحييها وإن كرمت علينا أي وإن جلت عندنا من أن يتولى تحيتها غيرنا، غيرة منا عليها)). فواضح أن كلا من الشيخين ينقل قول من سبقه في معني البيت دون تعليق أو مناقشة، وهذا يدل علي أنهما ارتضيا ما نقلا، غير أن الاختلاف واضح بين ما نقلة المرزوقي وما نقلة المصنف، وطبيعي أن يقع ذلك لأن مصادرهما في الشرح مختلفة، وذلك علي النحو الذي سنوضحه في موضع آت. وإذا كنا قد لاحظنا فروقا في المنهج وعناصر في المنهج وعناصر الشرح وتفسير الشعر فإن هناك فرقا في الأسلوب، فالمرزوقي- كما نعلم- كان أديبا كاتبا، ولذا أصطبغ أسلوبه في الشرح بصبغة أدبية عالية، قال عنة ياقوت: ((كان يتفاصح في تصانيفه كابن جني، وقال عبد السلام هارون: ((والمرزوقي ذو عبارة رصينة متخيرة، يتكلف لها الصنعة

стр. 15

حينا، ويعمد آخر إلي السجع الهين. وأفاد الدكتور أحمد جمال العمري عن أسلوب المرزوقي فقال: ((وأسلوب المرزوقي مشرق مملوء حياة، هذا ما لمسناه يشرح فكرته ويدلل عليها، كان يختار التعبير الرائق الذي يثير في النفس ذكريات أو يوحي بخيالات تدعم المعني وتثير الشعور)). والحق أن الذي يقرأ شرحه يحس بأن الرجل كان في أسلوبه كما صورة هؤلاء العلماء، فقد كان يعني بأسلوبه عناية فائقة، ويكفي أن تقرأ مقدمته التي شرحها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لتدرك أنه كان ذا درجة عالية في السبك وصوغ الجمل والعبارات، أما المصنف فأسلوبه نابع من طريقته وهي طريقه-كما رأينا- بنيت علي السهولة واليسر والإيجاز، ومن ثم فهو لا يتكلف صوغ العبارة ولا يجتهد في تزيين كلامه وتوشيته بلون من ألوان البلاغة، وإنما يطلق العبارة سهلة لتوضح المعني الذي يريد إيصاله لمتلقي شرحه، فهو مثلا يقول في بيتي عمرو بن سبره الحرشي الواردين في الحماسية (١٦٢): إذا سالت الجوزاء والنجم طالع فكل مخاضات الفرات معابر وإني إذا ضن الأمير بإذنه علي الأذن من نفسي إذا شئت قادر ((إذا أشتد الحر، وقلت المياه عبرت الفرات ولك يمنعني خوف الغرق، وإذا بخل الأمير علي بإذنه قدرت علي الأذن من نفسي بالانصراف عن بابه وهربت من سلطانة)). وفي حين نجد المرزوقي يقول في البيتين: ((إذا تناهي الحر وارتفعت الجوزاء في أول الليل إلي كبد السماء، وطلع الثريا عند السحر، فكل مخاضه من جوانب الفرات معبر لي، أهرب فيه، لأن نضوب الماء ونقصانه يكون في ذلك الوقت، وإذا تمنع عن الأذن، وصدني الوقت عن مرادي، ولم أقدر علي جواز المسالح والمراصد لكونها مشحونة بالمرتبين فيها انتظرت غيض الماء وجزره في

стр. 16

الفرات وإمكان المخاضات من العبور والذهاب فحينئذ آذن لنفسي وأهرب، وإنما قال ذلك لأن المشارع لا تضبط كما تضبط الجسور ومضائق الطرق". فالمرزوقي يصور المعنى بوجدانه وعقله، يتدخل الوجدان في تخير الألفاظ وصوغ العبارات، ويتدخل العقل في هذا التعليل الذي يتبع كل معنى يصوره ويقرره، بينما نجد المصنف يقف في تصويره للمعنى عند الإيجاز، وبعبارات سهلة، لا تخير في ألفاظها ولا تأنق في صوغها. وأما المصادر فإن المصنف يعتمد على شروح سبقته لم يرها المرزوقي، ولم يفد منها فمن ذلك شرح أبي رياش الذي أفاد المصنف منه في أكثر من موضع، ومثله المبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة لابن جني، وهذان المصدران لم يقف عليهما المرزوقي، ولذا خلا شرحه مما فيهما من فوائد، قال عبد السلام هارون في الموازنة بين شرح المرزوقي وشرح التبريزي: "إن المرزوقي قد فاته كثير من أخبار الشعر ومناسباته، والكلام على أسماء الشعراء واشتقاق أعلامهم، وهما الميزتان اللتان امتاز بهما التبريزي عليه، والتبريزي في الناحية الأولى أفاد من شرح أبي رياش للحماسة، ويبدو أن كتاب أبي رياش لم يقع للمرزوقي حتى يمكنه الانتفاع به كما صنع التبريزي، وفي الناحية الأخرى قد أفاد من شرح أبي هلال ومن المبهج لابن جني". وأفاد المصنف من شرح الديمرتي للحماسة وكذلك شرح أبي علي الاستراباذي ورأيته ينقل من "معاني أبيات الحماسة" لأبي عبد الله النمري دون عزو، وهذه الشروح الثلاثة لا أثر لها في شرح المرزوقي. والمصنف أيضاً ينقل عن رجال لم يردوا في شرح المرزوقي مثل أبي سعيد السيرافي، وأبي علي القاساني، وأبي سعيد الفسوي.

стр. 17

ولعل المصدرين الوحيدين اللذين التقى فيهما المصنف مع المرزوقي هما أبو علي الفارسي والبرقي، فأما الأول فقد كان أستاذا للمرزوقي، قرأ عليه كتاب سيبويه وتتلمذ له، ولذا نراه يذكر سماعه عنه في جملة من المواضع في شرحه. أما المصنف فإن صلته بصاحب الإيضاح كانت عن طريق أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي أخذ عنه كتاب خاله "الإيضاح" وشرحه للناس، وأخذ الناس الإيضاح عن المصنف من هذا الطريق. وقد أفاد المصنف من أبي علي الفارسي في بعض مواضع من شرحه. أما البرقي فقد أفاد منه الرجلان، غير أن البرقي -وكما سيتضح لنا في موضع ترجمته من هذا البحث- غير معروف في المصادر التي وقفنا عليها. والمصنف كثيرا ما يورد عدة روايات للبيت الواحد، وهذا يدل على أنه قد وقف على نسخ مختلفة لمتن الحماسة أو روايات الشروح التي أفاد منها، والمرزوقي نفسه يشير في أكثر من موضع إلى أنه وقف على نسخ مختلفة لديوان الحماسة، غير أنني حين وازنت بين ما يناقشه المرزوقي من روايات وما يعرضه المصنف منها في شرحه وجدت أنه لا بد أن تكون مصادر الشيخين مختلفة في هذا الجانب، وربما كان مرد ذلك إلى تلك الشروح التي ذكرت أن المصنف أفاد منها، ولم يقف عليها المرزوقي. وبجانب ما ذكرنا من اختلاف في المنهج وعناصر الشرح وتفسير الشعر والأسلوب والمصادر هناك اختلاف في الأبواب، وعدد القطع الشعرية، وترتيبها وعدد

стр. 18

الأبيات في القطعة الواحدة، فضلا عن الاختلاف في رواية الشعر، فالأبواب عند المرزوقي أحد عشر باباً، وهي عند المصنف وغيره من الشراح عشرة أبواب، وذلك لأن الباب السادس جاء في شرح المرزوقي مشطوراً إلى بابين باب الأضياف وباب المديح، في حين أن قطع هذين البابين جاءت في باب واحد عند المصنف تحت عنوان باب الأضياف ولقد سبق أن ناقشنا ذلك في الكتاب الأول "الموازنة بين الشروح" وذكرنا أنه ربما يكون هذا قد وقع من النساخ الذين نسخوا شرح المرزوقي، ولكنه على أية حال يبقى فرقا بين الشرحين. أما عدد القطع الشعرية في هذه الأبواب فقد اتفقا في بعضها واختلفا في بعض، اتفقا في باب الحماسة فقطعه عند كليهما ٢٦١ قطعة، وكذلك في باب المراثي فهو عندهما ١٣٧ قطعة، وفي باب السير والنعاس الذي بلغ عندهما ٩ قطع، وكذلك في باب مذمة النساء، فهو في روايتيهما ١٩ قطعة، أما بقية الأبواب فالاختلاف فيها واضح، فباب الأدب ٤٧ قطعة عند المرزوقي ٥١ عند المصنف وباب الهجاء ٨٠ عند المرزوقي ٧٦ عند المصنف، وباب الأضياف والمديح جاء مجموعهما عند المرزوقي ١٤٢ قطعة وعند المصنف ١٣٩، وجاء باب الصفات ثلاث قطع عند المرزوقي وأربع قطع عند المصنف. أما الاختلاف في الترتيب فهو كثير متعدد، يكاد يشمل جميع الأبواب، فمثلا في باب الحماسة وهو باب اتفق الاثنان في عدد قطعه نجد أن الحماسية (٢٥٦) عند المرزوقي رواها المصنف بعد أربع قطع فهي عنده رقم (٢٦٠)، وفي باب المراثي الذي تساوت قطعه عندهما نجد أن مرثية جاءت عند المرزوقي هي مرثية جرير التي يرثي فيها قيس بن ضرار بن القعقاع، في حين أن هذه المرثية جاءت عند المصنف رقم (١٣٥) أي قبل قطعتين من نهاية الباب عنده. وفي باب النسيب في قطعة ابن هرم الكلابي وهي القطعة رقم (١٣٥) في شرح المصنف نجد أن المرزوقي روى بعدها خمس قطع جاءت متقدمة في شرح المصنف، فهي في رواية المصنف على الترتيب: ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٧٩، والقطعة (٧٩) التي نسبها المصنف إلى خلف بن

стр. 19

خليفة أو عبد الملك الحارثي هي آخر باب النسيب عند المرزوقي، بينما آخر قطعة عند المصنف هي قطعة ابن المولى التي رواها المرزوقي قبل القطعة (١٣٤) في ترتيب المصنف. وأما الاختلاف في عدد الأبيات في القطعة الواحدة فكثير بين الشرحين، وهذا يرجع غلى اختلاف نسخ الحماسة التي اعتمد عليها كل من الرجلين، والأمثلة عديدة يستطيع من يقف على الشرحين أن يلم بها، فحماسية قيس بن الخطيم وهي رقم (٥٧) رواها المرزوقي أربعة أبيات، بينما جاءت في رواية المصنف سبعة أبيات، وحماسية إبراهيم بن الحكم أو ابن أنيف النبهاني رقم (٧١) فهي عند المرزوقي خمسة وعند المصنف سبعة أبيات، وهكذا لو تتبعنا أبواب الحماسة لوجدنا الاختلاف متعدداً بين الشرحين في رواية عدد الأبيات في القطعة، وهو أمر أثبتناه في هوامش هذا الشرح، ويمكن أن يرجع إليه في سائر الأبواب. وكذلك نجد اختلافاً في رواية البيت الواحد، صحيح أن هناك التقاء في الرواية كثير من أبيات الحماسة غير أن هذا الالتقاء صحبه أيضاً اختلاف في مواضع متعددة بل هناك اختلاف في الاحتجاج لصحة الرواية التي اعتمدها كل منهما، فمثلا بيت الفند الزماني الوارد في الحماسية رقم (٢) رواه المرزوقي هكذا: مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان وقال في شرحه: "سعينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع" وقال: "من روى " عدا " على أن يكون من العدوان فليست روايته بحسنة لأن الليث في أكثر أحواله ظالم".

стр. 20

أما المصنف فقد اعتمد رواية "عدا" بالعين غير المعجمة وقال: "وعدا من العدوان، أي مشينا كما يمشي الأسد عاديا غضبان" ونقل رأي بعضهم "إن الرواية "عدا" ولا يجوز "غدا" لأن الليث لا يغدو ثقة بنفسه إلا لصيد لا يفوته متى قصده". وفي الحماسية التي نسبها المصنف إلى مؤرج السدوسي جاء البيت الأول منها في روايته على النحو التالي: لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان بينما أثبت المرزوقي في روايته الأولى "نزاع نفس" وقال في الشرح: "ويروى نزوع نفس والنزوع اشتهاره في الكف عن الشيء والنزاع الشوق، وإن كان جائزاً وقوع أحدهما موقع الآخر". كذلك روى المصنف البيت الأول من حماسية العباس بن مرداس رقم (١٤٩): أبلغ أبا سلمى رسولا تروعه ... ولو حل ذا سدر وأهلي بعسجل وقال: "الرسول ها هنا الرسالة ولذا أنث فقال: تروعه" وروى المرزوقي "رسولا يروعه" على أجراء اللفظ لا المعنى وقال: "الرسول يقع على المرسل والرسالة جميعا ويجري مجرى المصادر". وفي حماسة القتال الكلابي رقم (٢١٧) روى المصنف البيت الرابع منها هكذا: يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرى ... إذا كان عسر أنه الدهر لازب

стр. 21

ورواه المرزوقي "إذا كان يسر أنه الدهر لازب"، وفد نبهنا في هامش هذه الحماسية أن رواية المرزوقي في أصح معنى من رواية المصنف لأن الشاعر قال في الشطرة الأولى: أن العسر لا بد أن يخلفه يسر، فالعسر لا يدوم، واتساق المعنى يقتضي أن يقول في الشطرة الثانية أن اليسر أيضا لا يدوم. والحق أن معارضة هذا الشرح بشرح المرزوقي وغيره من الشروح الأخرى قد أثبتت فروقاً جمة في رواية المتن لا مع شرح المرزوقي فحسب بل مع غيره من الشروح الأخرى مثل شريح التبريزي الذي يجد القاريء مواضع اتفاق في الرواية مع المصنف، كما يجد مواضع اختلاف، وقد أثبتنا جميع ذلك في الهوامش. وبعد فإن هذه الفروقات التي شرحناها في جوانب مختلفة كانت غايتنا منها أن نؤكد أن هذا الشرح ليس مختصراً من شرح المرزوقي، كما توهم الناسخ، كما ليس بصحيح ما ذهب إليه صاحب كتاب "حماسة أبي تمام وشروحها" حين ذكر أن نصوصا من هذا الشرح "تلتقي في بعض جوانبها بما هو في شرح المرزوقي مع شيء من التصرف وعدم الالتزام بنصه"، إذ معنى هذا أن المصنف كان أمامه شرح المرزوقي يأخذ منه ثم يحور فيه ويورده دون عزو، وهذا ظاهر من قوله: "وهذا يعني أن صاحب هذا الشرح قد اطلع على شرح المرزوقي وأفاد منه دون أن يصرح باسمه"، وقال في موضع آخر: "إن المصنف في الثلث الأخير من شرحه أخذ يركز أكثر ما يركز على تفسير معاني الكلمات، ويبدو في هذا الجانب مستفيداً من شرح المرزوقي". فهذه الأقوال جميعاً لا تقوم على شيء وهي مدفوعة بعدة أمور: أحدها أن المصنف أفاد من شروح سبقته، كان يأخذ منها بالنص ويذكر أصحابها، وقد ذكرت هذه الشروح عندما فرقت بين مصادره ومصادر المرزوقي، وهو لم يذكر

стр. 22

المرزوقي في شرحه قط، فلو أنه وقف على شرح المرزوقي وقوف ناقل محور كما يزعم الدكتور عسيلان لما فات عليه أن يذكره، ولو من قبيل الاعتراض عليه، كما فعل التبريزي الذي وصفه عبد السلام هارون بأنه كان عالة في جمهور شرحه على المرزوقي، ينقل منه ما يريد دون عزو، ولا يذكره إلا في المواطن التي يعترض عليه فيها. وثانيها ما ثبت لدينا من خلال الدراسة الدقيقة المتأنية أن المصنف قد ينقل ممن سبقه دون عزو ولكنه لا يحور في الكلام المنقول أو يتصرف فيه بل ينقله حرفيا فما الذي يجعله ينقل من المرزوقي متصرفاً، ولا يتصرف في النقل من غيره، ففي الحماسية رقم (١٦٧) قال المصنف في بيت الشنفرى: هنالك لا أرضى حياة تسرني ... سجيس الليالي مبسلا بالجزائر "سجيس الليالي آخر الليالي، أي امتداد الدهر، وذلك أن الشيء أذا طالت مدته تغير في غالب الأمر فكأنه قال: لا أكلمك إلى آخر المدة التي يتغير فيها الدهر"، فهذا الكلام منقول بنصه من ابن جني في التنبيه حيث قال: "ومنه قولهم لا أكلمك سجيس الليالي أي امتداده والتقاؤه، وذلك أن الشيء إذا طالت مدته في غالب الأمر تغير وفسد فكأنه قال لا أكلمك إلى آخره المدة التي يتغير فيها الدهر". وفي المرثية رقم (٥٧) في بيت أم الصريخ الكندية القائل: ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما نقل التبريزي قول أبي عبد الله النمري وقد جاء فيه: "ظاهر الكلام يدل على أنهم أسلموا وخذلوا وكثرتهم الخيل فأحسنوا البلاء فقتلوا، ولوفروا لعذروا ولم يلاموا لوضوح عذرهم، ولأنهم عرفوا بالشجاعة من قبل". فهذا القول نكاد نجده

стр. 23

بنصه في شرح المصنف، ولم يعزه النمري كما فعل التبريزي قال: "ظاهر الكلام يقتضي ذلا لا عزا، فالعز لا يكتسب بالفرار ولكنها أرادت به أنهم أسلموا وخذلوا وكثرتهم الخيل فأحسنوا البلاء فقتلوا، ولو فروا لعذروا، وكانوا أعزة لم يلمهم صديق، ولم يعبهم عدو لوضوح أمرهم ولأنهم قد عرفوا بالشجاعة قبل". وهذا الكلام فيه تغيير طفيف عن كلام النمري، غير أن جل ألفاظه جاءت مطابقة، وربما وقع هذا التغيير الطفيف من التبريزي الذي نقل كلام النمري، فنحن لم يصل إلينا شرح النمري، وإنما وصل إلينا مختصر منه كما أوضحنا من قبل، وحتى إن قلنا بأن هذا التغيير الطفيف قد وقع من المصنف فإن غلبة الألفاظ شاهدة على أنه أخذه من النمري، فلو كان المصنف يتعمد النقل من المرزوقي ثم يتصرف فيما ينقل، كما ذهب الدكتور عسيلان، لوجدنا ألفاظ المرزوقي وجمله على هذا النحو الذي رأيناه في نقل المصنف عن ابن جني والنمري. وثالث هذه الأمور أن المثال الذي ساقه الدكتور عسيلان ليؤكد به إفادة المصنف من المرزوقي في شيء من التصرف لا يصلح أن يكون دليلا لما ذهب إليه فهو ينقل نصاً من شرح المرزوقي ونصا من شرح المصنف، وذلك عندما شرح كل منهما بيت سعد بن ناشب الوارد في الحماسية (١٠) في الشرحين، وهو البيت. وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذمة جالبا غير أنه لم ينقل كل ما جاء في الشرحين وهو كما قرأناه على النحو التالي: قال المصنف في شرحه: "المعنى أن هذا الرجل كانت له دار موروثة، وكان يلحقه من قومه ضيم، وقدروا أنه يحتمل ولا يفارق داره فقال: أصرف قلبي عن داري واتركها تهدم، وذلك أهون علي من أن أقيم عليها معترفاً بالذل" فأذم به، فاجعل هدم داري مانعا لي من مذمة باقية كي لا يقال: إنه أقام على الذل ضناً

стр. 24

بها". وقال المرزوقي في شرحه: "الذهول ترك الشيء متناسباً له ومتسليا عنه، ومنه اشتقاق ذهل يقول: إذا ضاق المنزل بي حتى يصير دار الهوان انتقلت عنه، واجعل خرابه وقاية للنفس من العار الباقي والذم اللاحق، وهذا قريب من قوله: "وإذا نبا بك منزل فتحول". فهل هذا الشرح يدل على أن صاحب الشرح السابق قد أفاد منه، أن الأصل في الشعر أن يكون معنى البيت الذي يريده الشاعر واحداً، وإنما الاختلاف بين الشراح يكون في تأويل هذا المعنى، فإذا حدث أن اتفقوا في هذا التأويل أصبح الاختلاف بينهم في اللغة والأسلوب، فكل منهم يصوره بلغته وأسلوبه، غير أن الفهم الذي يخرج به القاريء عادة يكون واحداً، وفي هذه الحال لا ينبغي أن نذهب إلى أن أحد الشراح قد أفاد من الآخر، لأن هذا الآخر متقدم عليه في الزمن إلا إذا اتفقا في الألفاظ وفي الجمل على نحو ما رأينا عند ابن جني والنمري ونقل المصنف منهما، أضف إلى هذا أن هذه الحماسية التي ضمت هذا البيت قد اشتملت على ثمانية أبيات أخرى جاء شرح الشيخين فيها مختلفا تماما، فضلا عن أنهما اختلفا في رواية البيت الخامس فقد رواه المصنف هكذا: أخي غمرات لا يريد على الذي ... يهم به من مقطع الأمر صاحبا ورواه المرزوقي "أخي عزمات لا يريد ... إلخ". ورابع هذه الأمور أن ليس بصحيح ما ذهب إليه الدكتور عسيلان في قوله إن المصنف "بدأت عنايته بالمعاني تقل في أواخر شرحه بحيث أصبح يركز أكثر ما يركز على تفسير معاني الكلمات، وأنه يبدو في هذا الجانب مستفيداً من شرح المرزوقي"، فالحق أن المصنف ظل ثابتاً على منهجه الذي وضحناه في أول هذا

стр. 25

الحديث وهو الإيجاز في الشرح، فإذا كانت ألفاظ البيت واضحة لا تحتاج إلى شرح بالمعنى فقط، وإذا كان بعضها يحتاج إلى شرح شرحه ثم أتى بالمعنى. قال في شرح آخر بيتين وردا في الحماسة، وهما البيتان اللذان وردا في وصف الديكة: على نغانغ سالت في بلاعمها ... كثيرة الوشي في لين وترقيق كأنما لبست أو ألبست فنكا ... فقلصت من حواشيها عن السوق قال: "نغانغ جمع نغنغ ونغنوغ، وهي لحمات متعلقة إلى جنب اللهاة، وقيل النغانغ هنا ما سال تحت منقارة كاللحية، وهذا أشبه شيء بمعنى البيت، وقوله كأنما يعني الديوك لبست أو ألبست فنكا، والفنك أشبه شيء بلون الديك الأبيض ثم احترز بقوله: فقلصت بقوله: فقلصت من حواشيه، أي ارتفعت حواشيه أي جوانبه، ومن زائدة. المعنى: أبدع في تشبيهها بلابس الفنك، واحترز بقوله فقلصت من الطعن عليه". أما المرزوقي فقد روى البيت الأول "على نعانع" بالعين غير المعجمة وقال: "النعانع أعراف الديكة، وأصل التنعنع الاضطراب، ولذلك قيل للطويل المضطرب النعنع، ونعانع المنطقة ذنابها، والبلعوم والبلعم مجرى الطعام وباطن العنق". هذا كل ما قاله المرزوقي في شرح البيتين، فأي الشرحين أقل عناية بالمعاني في تفسير الجزء الأخير من الاختيار وأي إفادة أفادها المصنف في شرحه من المرزوقي في هذه القطعة؟ . وإذا كان الدكتور عسيلان قد ذهب من كلامه هذا إلى الاتفاق الذي يحدث عادة بين الشراح في تفسير اللفظة الواحدة، وذلك مثل تفسير لفظة

стр. 26

"الحماضة" الواردة في البيت الذي جاء في القطعة قبل الأخيرة من اختيار الحماسة، وهو البيت الذي قيل في وصف عرف الديك. كأن حماضة في رأسه نبتت ... في أول الصيف قد همت بإثمار قال المصنف في شرح معنى "الحماضة" هي نبت أحمر يشبه عرف الديك"، وقال المرزوقي: "الحماض من ذكور البقل له زهرة حمراء كأنها الدم شبه عرف الديك به". أقول: إذا كان قد هدف من كلامه مثل هذا الاتفاق فإن الألفاظ عادة يكون لها مدلول واحد في الشعر لا تفسر إلا به، ولهذا فإنك لن تجد في جميع الشروح تفسيرا للحماضة سوى أنها نبت له نور أحمر أو زهرة حمراء، وهي كذلك في القواميس والمعاجم، ومن ثم لا يصح أن نقول: أن المصنف قد أفاد من المرزوقي في تفسير معاني الكلمات لأن معاني الكلمات تكاد تكون واحدة، وإنما المحك في هذا هو صياغة معاني الأبيات وهو أمر جد مختلف في الشرحين، يدل عليه ما أوردناه من فروق سابقة، وما أوردناه هنا. وفي إدراكي أن الذي أوقع الدكتور عسيلان في هذه الأقوال المضطربة والأحكام غير المتثيبة هو الخطأ الذي وقع فيه الناسخ حين جعل هذا الشرح مختصراً من شرح المرزوقي، فهذا الوهم من الناسخ جعله يهجم على شرح المرزوقي ليوازن به هذا الشرح متوهماً أن الناسخ ما فعل هذا إلا لتشابه بين الشرحين فأخذ فأخذ يعتسف السبيل لإثبات ذلك، وهذا أمر حرمه من حقيقة مهمة فاتت عليه في بحثه، فلو أنه أجرى هذه الموازنة بين هذا الشرح وشرح التبريزي لتوصل إلى أن التبريزي بجانب إفادته المتكررة من المرزوقي في شرحه حتى أن الغلبة المطلقة تكاد تكون مطابقة حرفيا لما أورده المرزوقي وهو أمر أقام الدكتور عسيلان الصفحات لإثباته فإن المواضع التي اختلف فيها التبريزي عن المرزوقي جاءت مطابقة نصاً ولفظاً لما ورد في هذا

стр. 27

الشرح، وقد كان ظن الدارسين لشرحي المرزوقي والتبريزي أن مواضع الاختلاف هذه إنما هي من عمل التبريزي، غير أن الذي يقرأ هذا الشرح يتضح له غير ذلك، ولقد قمنا بإحصاء للمواضع التي التقى فيها التبريزي مع المصنف بعيداً عن شرح المرزوقي فبلغت حسب الإحصاء ثلاثة وثلاثين ومائة موضع، وربما تجاوز الأمر هذا العدد لأن المرء مهما كان دقيقاً فإنه لا يسلم من أن يفوت عليه شيء. وجعله القول في هذا الجانب أن هذا الشرح ليس مختصراً من شرح المرزوقي كما توهم ناسخه، ولا كان صاحبه معتمداً فيه على المرزوقي، كما ذهب الدكتور عسيلان، غير أنه يبقى سؤال هل نسبة هذا الشرح إلى زيد بن علي الفارسي صحيحة كما جاء في تصحيح أحد الفضلاء في الورقة الأولى منها؟ . وللإجابة نقول: أنه ما من شك في أن الشرح ليس فيه ما ينص على أنه لزيد بن علي سوى هذه الإشارة، التي جاءت في الورقة الأولى، كما أنه ليس في الشرح ما يمكن أن يعتمد عليه في نفي هذه النسبة بل على العكس، أننا نجد عوامل عدة ترجح هذه النسبة، أحدها أن هذا الفاضل الذي صحح خطأ هذا الناسخ، ونسب الكتاب غلى زيد بن علي ليس من عامة الناس، فعبارته تدل على أنه من أهل العلم المطلعين على الكتب فهو يقول بعد أن أثبت نسبة الشرح إلى زيد بن علي: "قال ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن العديم في تاريخ حلب: كان عارفاً بعلوم كثيرة اضلا بعلم اللغة والنحو" وهي عبارة سبق أن أشرنا إلى أنها وردت في مختصر ابن عساكر، كما وردت بنصها في بغية الوعاة للإمام السيوطي، ولا شك أن رجلاً مثل هذا لا يصحح خطأ بخطأ، فأغلب الظن أنه رأى نسخة من هذا الشرح صحيحة النسبة إلى زيد بن علي فبنى عليها هذا التصحيح. وثاني هذه العوامل أن جميع المراجع التي ترجمت لزيد بن علي أثبتت أنه شرح الحماسة، فياقوت الحموي في معجم الأدباء، والقفطي في انباه الرواة وابن عساكر في تاريخ دمشق،

стр. 28

والسيوطي في بغية الوعاة، ومحمد بن باقر الحاجي في روضات الجنات، وحاجي خليفة في كشف الظنون، جميع هؤلاء أثبتوا أبا القاسم زيد بن علي قد سكن دمشق مدة، وأملى بها شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي وشرح حماسة أبي تمام. وثالث هذه العوامل أن جميع العلماء الذين وردوا في الشرح سواء كانوا من شراح الحماسة أو من غيرهم كانوا سابقين في الزمن لأبي القاسم زيد بن علي، إذ من الثابت أن جل المراجع التي تحدثت عنه حددت وفاته بسنة ٤٦٧ هـ، والعلماء والشراح الذين أفاد منهم في شرحه هم: الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ هـ، وسيبويه المتوفى سنة ١٨٠ هـ وقطرب المتوفى سنة ٢٠٦ هـ، وأبو زكرياء الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وأبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢١١ أو ٢١٣ هـ، وأبو زيد الأنصاري المتوفى سنة ٢١٤ هـ أو ٢١٥ هـ، والأصمعي المتوفى سنة ٢١٥ هـ، وابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٣٢ هـ، وأبو العميثل عبد الله بن خالد المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، وأبو حاتم السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، وابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، والمبرد المتوفى سنة ٢٨٥ هـ، والديمرتي الذي أشار بروكلمان إلى أنه توفي سنة ٢٨٧ هـ، وأبو رياش المتوفى سنة ٣٣٩ هـ، وأبو سعيد السيرافي المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وأبو سعيد الضرير المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وأبو علي الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، وأبو عبد الله الحسين النمري المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، وأبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ. وثمة رجلان أفاد منهما الشارح أحدهما البرقي والآخر أبو علي الحسن بن أحمد الاستراباذي، وهما الوحيدان اللذان يشكلان بعض الإشكال، فأما البرقي فقد ورد اسمه هكذا دون توضيح في الشرح، وكذلك في شرح المرزوقي والتبريزي،

стр. 29

ولقد ناقشنا أمره في هامش الحماسية (١٤) من باب الحماسة وأشرنا إلى أن هناك أكثر من واحد إلى برقة قم ويقال له البرقي، غير أن نقل المرزوقي منه يزيل هذا الإشكال، لأن الثابت في وفاة المرزوقي أنها كانت سنة ٤٢١. ومعنى هذا أن تاريخ وفاة البرقي ينبغي أن تكون سابقاً لهذا التاريخ أو قريباً منه. وأما الاستراباذي فالإشكال فيه ناتج عن أن حاجي خليفة ذكر أن تاريخ وفاته سنة ٧١٧ هـ وهو تاريخ متأخر بكثير عن وفاة زيد بن علي، غير أن وجوده في هذا الشرح الذي فرغ من نسخه سنة ٤٣٨ وقوبلت نسخته بنسخة أبي طاهر الشيرازي سنة ٤٦٦ هـ يلقي ظلالاً من الشك في هذا الذي ذكره حاجي خليفة، بل يتحول هذا الشك إلى يقين في أنه أخطأ حين نجد ياقوتا الذي توفي سنة ٦٢٦ هـ، قد ترجم له في معجم الأدباء ولكنه لم يذكر تاريخ وفاته فليس من المعقول أن تكون وفاته سنة ٧١٧ هـ كما ذكر حاجي، ويكون له ذكر في معجم الأدباء، كما أن ياقوتا قال في ترجمته: "حسنة طبرستان وأوحد ذلك الزمان" فلا شك أن قوله: "أوحد ذلك الزمان" يدل على أنه متقدم على ياقوت بزمن ليس بالقليل، ومن ثم فإن وروده في نسخة هذا الشرح، ووجود ترجمته في معجم الأدباء، وما ذكره ياقوت عنه يدل دلالة قاطعة على خطأ ما أورده حاجي خليفة. ولعل عبد السلام هارون قد فطن إلى هذا الخطأ حين ذكر الاستراباذي في الثبت الذي أورده لشراح الحماسة، وأهمل الإشارة إلى تاريخ وفاته، ولم يوردها بالرغم من أنه اعتمد في ثبته هذا على حاجي خليفة وأثبت ما أثبته حاجي خليفة في وفيات بقية الشراح الذين ذكرهم. ورابع هذه العوامل ما جاء في الحماسية رقم (٩٤) التي وردت في الحماسة دون نسبة ونسبها الجاحظ في البيان والتبيين إلى بكير بن الأخفش، فقد أورد المصنف

стр. 30

في شرح هذه الحماسية سماعا عن أبي سعيد الفسوي، فبالرغم من أننا لم نعثر على ترجمة لأبي سعيد هذا فإن نسبته إلى "فسا" البلد الذي ولد فيه زيد بن علي وحمل النسبة إليه فقيل له الفسوي تدل على أن أبا سعيد هذا هو أحد الشيوخ الذين أخذ عنهم زيد بن علي في بدء حياته العلمية، هذا فضلا عن أخذه كتاب الإيضاح عن أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي وكلاهما من فسا، ولقد رأينا أن الشرح أفاد من أبي علي في مواضع عدة. وخامس هذه العوامل التي ترجع نسبة هذا الشرح إلى زيد بن علي هو أن تاريخ نسخ مخطوطته يرجع إلى سنة ٤٣٨ هـ، وهو تاريخ يتفق مع ما ذكرته المراجع عن زيد بن علي، إذ ذكرت أنه خرج من فارس إلى العراق ثم قصد منه إلى الشام، وأقرأ العربية بحلب ودمشق، وفي دمشق أملى الإيضاح لأبي علي الفارسي وأملى شرح الحماسة لأبي تمام، وقال القفطي: "إنه عمر إلى أن قرأ عليه الشريف أبو بكر عمر بن إبراهيم الكوفي بحلب عند رحلته إليها في شهر رجب سنة خمس وخمسين وأربعمائة". فإذا كان قد أصبح معمراً في سنة ٤٥٥ هـ، فمن المرجح أن يكون قد جاء إلى الشام في وقت مبكر من عمره وأملى شرحه للحماسة قبل تاريخ نسخ هذه المخطوطة. لهذه العوامل جميعها نرجح أن يكون هذا الشرح صحيح النسبة لزيد بن علي الفارسي الفسوي، وأن تصحيح هذا الفاضل في الورقة الأولى من مخطوطته كان في موضع الصحة الذي يدعمه هذا الرجحان. -٢ - الشارح: حياته وآثاره ووفاته وأما زيد بن علي الذي رجحنا أن يكون هذا الشرح له فهو كما ذكرت المصادر

стр. 31

التي ترجمت له أبو القاسم زيد بن علي بن عبد الله الفارسي، ولد بمدينة "فسا" وإليها نسب فقيل "الفسوي"، وهي مدينة من مدن فارس ذكرها ياقوت في معجم البلدان، ووصفها بأنها أنزه مدينة بفارس، بينها وبين شيراز أربع مراحل وهي أصح هواء من شيراز وأوسع أبنية، ويبدو أنها كانت مدينة علم، فقد خرج منها علماء أشهرهم أبو علي الفارسي صاحب الإيضاح في النحو وزعيم مدرسة القياس في النحو العربي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ، وأبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الذي وصفه القفطي بأنه كان صاحب تصانيف في غاية الجودة والإتقان، وأبو يعقوب بن جوان الفارسي الفسوي المتوفى سنة ٢٧٧ هـ، وأبو سفيان بن أبي معاوية الفارسي الفسوي، وقد أشار إليهما ياقوت عندما تكلم عن علماء "فسا". ولا تصف المصادر كيف بدأت حياة زيد العلمية، غير أن من المرجح أنها بدأت في مدينة "فسا" مسقط رأسه حيث أخذ العلم عن شيوخها مثل أبي سعيد الفسوي الذي ذكره في شرحه ونقل عنه بالسماع، وكذلك أخذ كتاب الإيضاح عن أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي. ويغلب الظن أنه قبل أن يرحل من فارس إلى العراق والشام تنقل في مدن فارس طلباً للعلم لأني وجدته في حماسية الأعرج المعني يشير إلى أبي منصور بن الجبان وينقل عنه بالسماع، وأبو منصور بن الجبان كان يسكن الري، ترجم له ياقوت وقال: "أحد حسنات الري وعلمائها" ولم يذكر تاريخ وفاته ولكنه ذكر أن

стр. 32

شرحه "الشامل" قريء عليه سنة ست عشرة وأربعمائة، وهو تاريخ تناسب وسن طلب العلم بالنسبة لزيد بن علي، إذ نرجح أن ولادته كانت في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، وذلك بناء على ما أشرنا إليه سابقاً من قول القفطي في ترجمته أنه عمر إلى أن قرأ عليه الشريف أبو البركات عمر بن إبراهيم العلوي كتاب الإيضاح بحلب عند رحلته إليها من الكوفة في شهر رجب سنة ٤٥٥ هـ. ويشير القفطي إلى أنه خرج من فارس إلى العراق ومنه إلى الشام حيث استوطن بحلب لإقراء النحو بها فقرأوا عليه واستفاد أهلها منه. ويبدو أنه قبل أن يستوطن بحلب قد سكن دمشق، فقد ذكر أبو القاسم بن عساكر أنه سكن دمشق مدة وأقرأ النحو بها واللغة وأملي بها شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي وشرح الحماسة. وقد وهم القفطي حين ذكر أنه أخذ كتاب الإيضاح عن خاله أبي علي الفارسي، فهو ليس بابن أخت أبي علي الفارسي، كما أن أبا علي الفارسي توفي سنة ٣٧٧ هـ وزيد بن علي توفي سنة ٤٦٧ هـ، أي بعد وفاة أبي علي بتسعين عاما ومن ثم فليس من المعقول أن يكون قد طلب العلم وأخذ كتاب الإيضاح قبل وفاة أبي علي وإنما الضحيح ما ذكره كل من ياقوت والسيوطي أنه أخذ كتاب الإيضاح عن أبي الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي، ولا شك أن ذلك كان بعد وفاة أبي علي بزمن قد يطول وقد يقصر. والذي يفهم من المصادر التي ترجمت له أنه كان في المقام الأول نحوياً لغوياً، ولكنها بجانب ذلك اشارت إلى أنه كان صاحب حديث غير أنها اختلفت في ذكر

стр. 33

الشيوخ الذين أخذ عنهم الحديث، فياقوت يذكر أنه أخذ الحديث عن أبي ذر الهروي وغيره، وابن عساكر -ونقل عنه القفطي- يشير إلى أنه حدث عن الشيخ أبي الحسن ابن أبي الحديد الدمشقي، والسيوطي يشير إلى أنه أخذ الحديث عن ابن نعيم الهروي، ولعله أبو ذر الهروي الذي ذكره ياقوت، ولم تترجم هذه المصادر الثلاثة لهؤلاء المحدثين، ورجعنا إلى مظان أخرى مما توفر لدينا فلم نجد لهم ذكراً. مؤلفاته وتلاميذه: وإذا نظرنا إلى مؤلفاته وجدنا أن المصادر تشير إلى اثنين منها أحدهما شرح الإيضاح الذي قرأه عليه أبو البركات عمر بن إبراهيم العلوي الكوفي ورواه بالكوفة من هذا الطريق فأخذه عنه الجم الغفير من العلماء الرواة، والآخر شرح الحماسة الذي نرجح أنه هو هذا الشرح، وقد ذكر ياقوت في معجمه هذين الكتابين قال: "وله شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي وشرح الحماسة وغير ذلك". ويفهم من قوله "وغير ذلك" أن له مصنفات أخرى، غير أننا لم نجد له في المصادر سوى هذين الكتابين. وأما تلاميذه فقد أشارت المصادر إلى أنه قد تخرج على يديه عدد جم من أهل دمشق وحلب حين كان يقريء النحو واللغة بهما، وبرز من هؤلاء التلاميذ ثلاثة نفر هم: أبو البركات عمر بن إبراهيم العلوي السالف الذكر، وجد ابن عساكر الذي أشار إليه ابن عساكر نفسه حين قال: "وسمع منه جدي القاضي أبو الفضل عمر ابن أبي الحسن الدهستاني وأبو الحسن علي بن طاهر السلمي النحوي الذي أشار ابن عساكر أنه سمع منه أيضاً وترجم له ياقوت وذكر أن وفاته كانت في سنة ٥٠٠ هـ.

стр. 34

وفاته: ومن الثابت في المصادر أنه بعد دمشق وحلب انتقل إلى طرابلس الشام حيث ظل بها إلى أن وافته منيته التي أفادت جل المصادر أنها كانت في ذي القعدة أو ذي الحجة من سنة ٤٦٧ هـ، وشذ عن ذلك القفطي حين أخبر عن ابن الأكفاني أن وفاته كانت في ذي الحجة سنة ٤٧٩ هـ بطرابلس، غير أنه استدرك فقال: "قلت في هذا نظر فإنه يكون قد مات قبل ذلك"، ويدعم هذا الاستدراك كل من ياقوت والسيوطي وحاجي خليفة ومصحح نسبة هذا الشرح، فقد أجمعوا على أن وفاته كانت في العام المشار إليه وهو ٤٦٧ هـ وبطرابلس الشام. -٣ - الشرح: منهجه وقيمته رأينا فيما سبق أن منهج هذا الشرح منهج تعليمي يقوم على الاختصار والتسهيل، ورأينا أن عناصره في الأغلب الأعم لا تتجاوز الثلاثة عناصر: الرواية التي يعنى بها المصنف كثيراً، ثم معاني المفردات التي يشتمل عليها النص، وأخيراً مجمل المعنى للبيت الواحد أو الأبيات. فأما الاختصار والتسهيل فقد رأينا في الكتاب الأول الموازنة بين الشروح أنهما سبيل سلكها غيره من الشراح الذين عنوا بشرح الحماسة، بدأ ذلك منذ القرن الخامس واستمر حتى القرون التي تلته، قال سبط ابن الجوزي في مقدمة شرحه "مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة" وهو شرح أملاه مثل المصنف بدمشق حيث كان يدرس بها قال: "وبعد فإن طائفة من الأدباء وصيارفة العلماء كأبي هلال العسكري وأبي رياش، وأبي الحسن السمسمي، وأبي عبد الله النمري وأبي محمد الأعرابي، وأبي علي المرزوقي، وأبي العلاء المعري وغيرهم صرفوا عنان

стр. 35

الغاية إلى شرح كتاب الحماسة، واجتهدوا في غير نفاسة فأفادوا وأجادوا، غير أنهم مدوا أطناب الأطناب، وأسباب الإسهاب، وخير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيخل، فاستخرت الله تعالى في تجريد هذا المختصر من الاختيارات كالمعتصر". وهذا الذي أدركه سبط ابن الجوزي في عقود النصف الأول من القرن السابع أدركه المصنف في عقود النصف الأول من القرن الخامس وأدركه كذلك جماعة آخرون منهم -كما مر علينا في الكتاب الأول- صاحب الشرح المنسوب بالخطأ إلى أبي العلاء المعري، وأمين الدين الطبرسي المتوفى سنة ٥٤٨ هـ، وأبو الرضا الراوندي المتوفى بعد سنة ٥٤٩ هـ. وطبيعي أن هذا الإدراك عند هؤلاء العلماء وغيرهم ممن جنح إلى الاختصار والتسهيل لم يقع إلا بعد أن وقفوا على أعمال السابقين. وبخاصة رجال القرن الرابع الذين جعلوا من شروحهم مجالا واسعاً يناقشون فيه قضايا اللغة والأدب والنحو والبلاغة والنقد والرواية والأخبار، فتجاوزوا النص الأدبي الذي ضمه اختيار الحماسة إلى قضايا مسهبة تتصل بالأخبار ومناسبات الشعر كما فعل أبو رياش أو مشاكل لغوية ونحوية كما فعل ابن جني وأبو العلاء ومن بعدهما العكبري أو تأويلات متعددة لمعاني الشعر كما فعل أبو عبد الله النمري، وكل هذه أمور مع قيمتها العلمية وفوائدها الجمة للدارس المتخصص تحرم قاريء الأدب البحث من متعة معايشة النص وفهمه، بل إن هؤلاء الشراح وكما سبق أن أوضحنا في الكتاب الأول "الموازنة بين الشروح" قد جعلوا من اختيار الحماسة مجالاً لإبراز قدراتهم في فرع من فروع العلم، فالاخباري ينظر إلى النص الأدبي من خلال ما يستوعبه من أخبار، واللغوي ينظر إليه من خلال ملكاته اللغوية وقدرته على الاشتقاقات وإيراد النظائر في المعاني وما يطابقها من محفوظه اللغوي، وما يدل على ذلك من شواهد من القرآن الكريم أو الشعر العربي القديم أو كلام العرب الموروث، والنحوي ينظر إليه من خلال مواهبه النحوية التي تتصدى لعويصات المشكلات فيفرغ جهده في الإعراب وما يتصل به من استدلالات حتى ليخيل إليك أنك تقرأ كتابا في النحو لا كتاباً في الادب اختاره شاعر أديب.

стр. 36

كل هذه الأمور جعلت بعض الشراح في مختلف العصور يجنحون إلى التسهيل والإيجاز، وكان مصنف هذا الشرح من أوائل الذين سلكوا هذه السبيل. وهؤلاء الذين اتخذوا لأنفسهم هذا النهج كانوا يدركون أن لا بد لقاريء الأدب من أن يلم بشيء من تفسير أسماء الشعراء وأخبارهم التي دفعتهم إلى قول الشعر وبقدر من اختلافات الروايات، وبطرف مما يدخل في مجال اللغة والنحو والبلاغة، ولكنهم وهم يدركون هذه الحقائق أدركوا أن الإطالة في جانب من هذه الجوانب أمر يصرف القاريء عن المتن الذي هو قوام للدراسة والشرح، ومن هنا بدت قيمة جنوحهم إلى التسهيل وميلهم إلى الإيجاز. ونستطيع أن ندرك هذه القيمة إذا تصفحنا شرحي المرزوقي والتبريزي المطبوعين، فنحن كثيراً ما نجد المرزوقي وشرحه ذو فوائد جمة يجنح إلى الإغراق في جزيئة من جزيئات البيت بصورة تنسينا البيت نفسه، ناهيك عن القطعة كلها. ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيت تأبط شرا الوارد في الحماسية (٦٣)، والذ يصف فيه اتجاهه لابن عمه شمس بن مالك بالمديح جزاء ما أعطاه من إبل: أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك فقد وقف المرزوقي عند كلمة "هجان" فقال: "ويقع لفظ هجان للواحد وللجمع، يقال ناقة هجان ونوق هجان، ومثله درع دلاص ودروع دلاص، وذلك لأن فعالاً وفعيلا يتشاركان كثيراً، وكما جمع فعيل فعالا كذلك جمع فعال فعالاً، ألا ترى أن العدد والوزن فيهما واحد، وحرف المد في كل واحد بإزاء ما في الآخر، فإذا كان كذلك حمل عليه إلا أن فعالا إذا كان جمعاً ينوي بحركاته وألفه حركات بنائه، وهو جمع لا واحد كأن الكسرة في أوله الكسرة التي في أول ظراف وكرام لا الكسرة التي في أول حمار وإزار، وكذلك ألفا فاعلمه". فمثل هذا الكلام مع قيمته العلمية في مجال اللغة فإنه يصرف قاريء الأدب عن الغاية التي بنى عليها أبو تمام اختياره وهي أن يجعله يقف على النماذج الرفيعة من شعر العرب القديم.

стр. 37

ومن أمثلته ما جاء في شرحه لبيت الهذلول بن كعب العنبري الوارد في الحماسية (٢٣٩) والذي يصور فيه إنكار زوجته حين رأته يجلس إلى الرحا يطحن لإطعام ضيفانه: تقول ودقت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس فقد قال المرزوقي في شرح الشطر الثاني: "أبعلي موضعه رفع بالابتداء، والألف لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإنكار والتقريع، وقوله هذا يكون في موضع الخبر، والمتقاعس يتبعه على أنه عطف البيان له، وإن شئت جعلت هذا صفة لبعلي والمتقاعس خبراً وقوله "بالرحا لا يجوز أن يتعلق بالمتقاعس لأنه في تعلقه به يصير من صلة الألف واللام، وما في الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن تجعله تبييناً وتتصور "المقاعس" اسما تاما، ويصير موقع "بالرحا" بعده موقع بك بعد مرحبا، ولك بعد سقيا وحمدا، وإذا كان كذلك جاز تقديمه عليه كما جاز أن تقول بك مرحبا ولك سقيا، وللمازني في هذا طريقة أخرى، وهو أن يجعل الألف واللام من المتقاعس للتعريف فقط، ولا يؤدي معنى الذي، كما تقول نعم القائم زيد وبئس الرجل عمرو، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى الصلة فجاز وقوع الرحا متقدماً عليه ومؤخرا بعده، وموقع الجملة التي حكاها من كلام المرأة نصب على أنه مفعول لتقول، فأما ما يعمل في لفظة "قال" ومتصرفاته فهو ما يكون قولا ووصفا للجمل كقولك: قلت حقاً أو باطلاً أو قلت صدقاً أو كذباً وما أشبهه". فهذا درس في النحو يدل على عبقرية الإمام المرزوقي في استيعاب أسرار العربية ودقائقها، ولكنه بغير شك ينأى بالشرح الأدبي عن مساره الذي ينبغي أن يسير فيه، ويجعل قاريء الأدب معزولاً عن النص بهذا الاستطراد النحوي. وإذا كان المرزوقي في شرحه يستطرد استطراداً مسهباً في بعض القضايا اللغوية والنحوية التي تتصل بجزئية فإن الخطيب التبريزي بمنهجه الانتخابي من الشروح التي سبقته لم يسلم من ذلك أيضاً، غير أن إسهابه كان في جانبين فضلاً عن جنوحه المطرد نحو النحو وقضاياه، وأحد هذين الجانبين الأخبار

стр. 38

التي ينقلها عن أبي رياش والتي تتصل بأخبار الشعراء، ودوافع قولهم للشعر المختار في الحماسة، والأمر الآخر ما يتصل بشرح أسماء شعراء الحماسة مستفيداً من ذلك من شيخه أبي العلاء ومن أبي الفتح ابن جني. وتستطيع أن تدرك إسهابه في الجانب الأول إذا وقفت مثلا على الخبر الذي ساقه في حماسية جعفر بن علبة الحارثي التي مطلعها: هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق أو قرأت الخبر الذي ساقه في حماسية القتال الكلابي التي مطلعها: نشدت زياداً والمقامة بيننا ... وذكرته أرحام سعر وهيثم ونحن لا ننكر أن لهذه الأخبار قيمتها في فهم الجو النفسي والاجتماعي الذي قيل فيه الشعر، ولكن عرضها بهذا الحشد من الأسماء والشخصيات التي تتصل بهذه الأخبار وما تشتمل عليه من أشعار بعيدة عن نصوص الحماسة يجعل القاريء يحس بأنه قد ابتعد كثيراً عن المختار، هذا فضلاً عن أن هذه الأخبار قد جمعت في الغالب الأعم من أفواه رجال القبائل، فهي لهذا لا تخلو من عصبيات ونزعات قبلية، وتضع القاريء وجهاً لوجه أمام شك وعدم اطمئنان لما يرد فيها جلها أو بعضها. كذلك نلاحظ أن التبريزي يسهب في الجانب الثاني، جانب تفسير أسماء شعراء الحماسة، وهو في هذا كثيراً ما ينسى نفسه، وينساق، وينساق وراء شيخه أبي العلاء فيما خلفه من إسهاب وإفاضة في شرحه "الرياشي المصطنعي" ففي الحماسية التي قالها حطان بن المعلى وقف التبريزي عند اسم حطان ينقل عن أبي العلاء قوله: "حطان فعلان من الحط، ولا ينبغي أن يحمل على غير ذلك، لأن الحطن لم يستعملوه، وحططت ضد رفعت، ولا ينبغي أن يحمل على غير ذلك، لأن الحطن يستعملوه، وحططت ضد رفعت، وكل كلمة تشتق من هذا اللفظ فهي راجعة إلى ذلك اللفظ، ويقال للذي يحط به الأديم أي يرسم محط لأنه يحط عليه أي يوضع ثم قالوا

стр. 39

للمرأة محطوطة الكشح، ومحطوطة المتن، فإذا قالوا محطوطة المتن فإنما يراد أن متنها كأنه قد ملس بالمحط، وإذا قيل محطوطة الكشحين احتمل هذا الوجه، والأجود أن روافدها ارتفعت وأن كشحها حط لضمرها، وقد يجوز مثل هذا في المتن قال القطامي: بيضاء محطوطة المتنين بهكنة ... ريا الروادق لم تمغل بأولاد فتأمل هذا الكلام كيف بدأ وكيف انتهى، وكيف تجلت فيه عبقرية أبي العلاء في اللغة واشتقاقاتها واستعمالها في المدلول الدقيق، ولكن أين موقع هذا الكلام من النص المراد شرحه؟ ! . لا شك أن المنهج التعليمي الشامل الذي أخذ به بعض الشراح هو الذي دفعهم إلى هذا الجنوح في تفسير أسماء الشعراء، وهو تفسير لا علاقة للنص الأدبي به إلا في مجال المنهج التعليمي الشامل الذي يجعل من النص وقائله مجالا لدرس اللغة وما فيها من اشتقاقات ودلالات. والحق أن المصنف في شرحه هذا كان بمنأى عن هذه الاستطرادات، ذلك لأنه جعل الإيجاز سبيله الذي لا يحيد عنه، فهو مثلا يشرح أسماء الشعراء ولكنه لا يسهب هذا الإسهاب الذي رأيناه في نقل التبريزي عن شيخه أبي العلاء، وإنما يشرح الاسم بجملة أو جملتين، وأحيانا بكلمة واحدة، وهو في هذا يستفيد من ابن جني فيما خلفه في "المبهج" أو يجتهد فيما لم يتطرق إليه ابن جني في كتابه قال في تفسير اسم كبشة أخت عمرو بن معدي كرب "كبشة اسم مرتجل"، وليس بتأنيث كبش لأن ذلك لا مؤنث له من لفظه وإنما هو نعجة". وقال في تفسير "أبو حنبل الطائي" الحنبل القصير. وقال في شرح "قتة" من اسم "سليمان بن قتة" القتة واحدة ألقت وهي المرة الواحدة من قت الحديث إذاعه".

стр. 40

وهو كما قلنا يستفيد من ابن جني، ولكنه لا يسهب إسهابه فمثلا في شرح اسم "عبد الشارق بن عبد العزى" وقف المصنف عند اسم عبد الشارق فقط قال: "الشارق اسم صنم، والشارق الشمس كأنه عبد شمس"، أما ابن جني فقد وقف عند عبد الشارق ووقف عند عبد العزى، وأسهب إسهابا واضحاً في إيراد الأشباه والنظائر، وتوغل في الأوزان وأطال، قال: "الشارق اسم صنم لهم ولذلك قالوا عبد الشارق وكقولهم عبد العزى وكلاهما صنم، ومثله عبد يغوث وعبد ود ونحو ذلك، ويجوز أن يكون الشارق من قولهم عبد الشارق وهو قرن الشمس كقولهم: لا أكلمك ما ذر شارق أي ما طلع قرن الشمس، فقولهم إذا عبد الشارق كقولهم عبد شمس، وأما العزى فهو اسم صنم وهو تأنيث الأعز كما أن الجلي تأنيث الأجل، وأما قول الآخر: وإن دعوت إلى جلي ومكرمة ... يوماً سراة كرام الناس فادعينا فليس جلي في هذا تأنيث الأجل، ألا ترى أن فعلى أفعل لا تنكر، وإنما هي معرفة باللام أو بالإضافة، لا تقول صغرى ولا كبرى ولا وسطى، وإنما جلي في البيت بمنزلة الجلال والجلالة، ومثلها من المصادر على فعلى الرجعى والنعمى والبؤسى، تقول: آنستني برجعي منك أي برجوع منك، ولك عندي آلاء ونعمى، ولا أجزيك بؤسى ببؤسي، وكذلك قراءة من قرأ "قولوا للناس حسنى" أي إحساناً وحسناً، وأنكر ذلك أبو حاتم ولا وجه لإنكاره إياه لما ذكرنا، وأنثوا العزى في اسم الصنم كما أنثوه في قوله تعالى: (واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى). فلا شك أن مثل هذا العمل طيب ومفيد في مجال اللغة، ولكنه بعيد عن النص الأدبي المختار، صارف ذهن القاريء ومستثير له فيما لم يعد نفسه وعقله لاستيعابه، ولذا أحسن ابن جني حين أقام مثل هذه الدروس اللغوية في كتاب قائم بذاته عن كتابه التنبيه الذي تصدى فيه لشرح مشكلات الحماسة، ولهذا كان
следующие страницы →