← История

История · id 16439

المقتبس من أنباء أهل الأندلس

أبو مروان ابن حيان القرطبي

Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سنة اثنتين وثلاثين ومائتين فيها تقلب موسى بن موسى القسوي عن الطاعة، وأعند بتحامل عبد الله بن كليب عامل الثغر عليه، ومد يده إلى بعض أمواله، فأحفظه ذلك، وهاج حميته، وتحرك إلى تطيلة، وابن كليب داخلها، فطمع أن ينتهز منه فرصة، فاحتجز عنه عبد الله بحصانتها، ولم يؤته حرباً، واستغاث بالأمير عبد الرحمن، فأخرج إليه ابنه محمداً بالصائفة، وقاد معه محمد بن يحيى بن خالد، فاحتل عليه محمد بالجيوش، فأذعن موسى، واعترف بالذنب، وسأل العفو، فسارع الولد محمد إلى إجابته وتطمينه وإقراره على حاله، وتقدم بالصائفة إلى بنبلونه فجال بأرضها وأداخلها، ونكأ العدو أبرح نكاية. وفيها عزله الأمير عبد الرحمن حارث بن بزيع عن طليطلة في شوال منها، وولاها محمد بن السليم. وفيها كان القحط الذي عم الأندلس، فهلكت المواشي، واحترقت الكروم، وكثر الجراد، فزاد في المجاعة وضيق المعيشة.

стр. 2

وفيها استأمن غليالم بن برناط بن غليالم، أحد عظماء قوامس إفرنجة على الأمير عبد الرحمن بقرطبة، فأكرمه وأحسن إليه وإلى أصحابه، وصرفه معهم إلى الثغر لمغاورة الملك لذويق بن قارله بن ببين صاحب الفرنجة، وكانت بينه وبين قواد لذويق وقائع ظهر عليهم فيها، وأعانه عمال الثغر، فأثخن العدو، وأقام بمكانه ظاهراً على من انتقض عليهم من أمته مدة، وكتبه إلى الأمير متصلة. سنة ثلاث وثلاثين ومائتين فيها في شعبان منها عزل الأمير عبد الرحمن محمد بن السليم عن طليطلة، وولاها بعده أيوب بن السليم. سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها غزا بالصائفة المنذر بن الأمير عبد الرحمن، وقاد عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، ودبرا الوزير يحيى بن خالد. وفيها أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولاً من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة، لنقضهم العهد، وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين، ففتح الله للمسلمين عليهم، وأظفرهم بهم، فأصابوا سباياهم، وفتحوا أكثر جزائرهم، وأنفذ الأمير فتاة شنظير الخصي إلى ابن ميمون عامل بلنسية، ليحضر تحصيل الغنائم ويقبض الخمس، وكان قد صالح بعض أهل تلك الحصون على ثلث أموالهم وأنفسهم، وأحصيت ربعهم وأموالهم، وقبض ما عليه صولحوا.

стр. 3

وفيها ظهر غليالم بن برناط بن غليالم النازع إلى الأمير عبد الرحمن، القادم إلى باب سدته في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين على من حاده من أمته أهل إفرنجة، الذي نصبه الأمير عبد الرحمن لمغاورتهم وأمده بقوته، فاقتحم عليهم بلده في جمعه، فقتل وسبى، وحرق وخرب، وحاصر برشلونه حتى أضربها، وتقدم إلى جرندة، فشارفها، وورد كتابه على الأمير عبد الرحمن يعترف بما كان منه، ويذكر تماديه عليه، فأجيب بالإحماد لفعله، والإرصاد لمكافأته، وكتب إلى عبيد الله بن يحيى عامل طرطوشه وإلى عبد الله بن كليب عامل سرقسطة في إمداده ومعونته وتحريضه على شقاق قومه وتأييد عزيمته. وفي شهر رمضان منها عزل أيوب بن السليم عن طليطلة ووليها يوسف بن بسيل. وفيها عزل الأمير عبد الرحمن معاذ بن عثمان عن القضاء بقرطبة، وولى مكانه محمد ابن زياد. وفيها خرج فرج بن خير الطوطالقي بدنهكة وأروش، فأظهر المعصية، وجمع أهل الفساد، فعالجه الأمير عبد الرحمن بالخيل، فحوصر حتى أذعن بالطاعة، وعاد إلى الجماعة، فاصطنعه الأمير ورفع مرتبته، وولاه كورة باجة، فلم يلبث أن انتقض عليه إلى مديدة، وجرت منه خطوب أفسدت الصنيعة؛ ومن ولده بكر بن سلمة المستنزل من ناحية الغرب أيام الخليفة الناصر لدين الله. سنة خمس وثلاثين ومائتين فيها ورد كتاب أهل ميورقة على الأمير عبد الرحمن بن الحكم، مستغيثين مما دهمهم من سخطه، مستقيلين لعثراتهم لديه، راغبين في صفحه وإقالته، فعطف عليهم وأقالهم زلتهم، وأجابهم إلى مسألتهم، وأعطاهم ذمته، وجدد لهم عهده.

стр. 4

وفي آخرها عاد موسى بن موسى القسوي إلى الخلاف، وكشف وجهه بالمعصية، فأفسد ما حوالي مدينة تطيله، وعاث حوز طرسونة وبرجة، وظاهره أخوه لأمه العلج ابن ونقه ببنبلونة، فخرج إليه بالصائفة عباس بن الوليد المعروف بالطبلي، فعاد إلى الطاعة، واستقال الزلة، وبذل إسماعيل ابنه رهينة، فعاد الأمير إلى القبول منه، والاستظهار عليه، وأخرج بيعته والتوثق منه وقبض رهينته خالد بن يحيى ومحمد بن الوليد ومطرف بن نصير، فتمموا سلمه، وتوثقوا من عهده، وجدد له الأمير الولاية على تطيلة، ودخل أخوه العلج ابن ونقه صاحب بنبلونة معه في الأمان، وقبض الأمناء المخرجون إلى موسى رهينته التي كانت ولده إسماعيل الذي هو لابنة عمه ميمونة، فأقبل عباس الطلبي بالعسكر إلى الحضرة لتأخر الوقت عن دخول أرض الحرب، وما تولى إسماعيل بن موسى رهينة أبيه موسى في يد الأمير عبد الرحمن أن هرب من يده عن قرطبة حاناً إلى ما فارقه من الشقاق، ذاهلاً عما كان فيه من غضارة المعيشة، لتوسعه في القطائع المنيفة والصلات الجزلة، فرفض ذلك كله، وسما للمعصية، وأمر الأمير بقص أثره، فلم يبعد أن جئ به إليه من طريق الثغر، وقد انتهى إلى وادي آنة فقبض عليه هناك بعض من عرف خبره، ورده للأمير عبد الرحمن بقرطبة، فعفا عنه، وأغضى عن زلته، وخلاه على ما كان عليه من سعة قطائعه. وفيها سيلان عظيمان بنهر قرطبة في شهر رجب القمري الموافق لشهر ينير الشمسي رأس سنة العجم بالأندلس، عداً في أمهات السيول، وحمل وادي شنيل أيضاً، وطغى مدة، وأخرب حنيتين من قنطرة مدينة إستجة، وأبطل عدداً من أرجائها، وطمى السيل أيضاً بكورة إشبيلية التي بها قراره، فذهب مده في مجتمعه هناك بست عشرة قرية ما بين البحر وحاضرة إشبيلية...........

стр. 5

فيها من ناس وبهائم وأمتعة، فكان ذلك حدثاً عظيماً تحدث الناس عنه زماناً. وفيها هلك الطاغية رذمير بن أردميس ملك الجلالقة، فولى ابنه أردون، وكانت ولاية رذمير ثمانية أعوام. سنة ست وثلاثين ومائتين فيها ورد كتاب للأمير من عبيد الله بن يحيى من الثغر الأعلى، يذكر استغناءه عن العدة التي قد أمر باحتباسها قبله من الحرس، واكتفاءه بمائة وثلاثين غلاماً ذكر أنهم معه من مواليه وغلمانه، يرضى بسالتهم، ويحمد مذاهبهم، ويسكن إليهم، ويجتزى بخدمتهم، لما أصبح الثغر بحمد الله من السكون والهدوء، ووقم العدو بحروب، بارتضاء رأيه، وإحماد نظره، وقدم مقنباً من قبله من فرسان الخرس إلى مرابطهم بالماء، وأجرى القطائع على عدته تلك التي اقتصر عليها من الرواتب والنفقات والعلوفات عليهم مما في يده من مال السلطان، وأن يصرف جميع ما يقبضه بالثغر من الجزاء والعشور وجميع الوظائف بعد إقامة سائر النفقات الراتبة إلى فكاك أسراهم، وحمل مرجليهم، ومرمة حصونهم، ومصالح ثغورهم، وكل ما فيه تقويتهم على عدوهم، وسوغه أن يرتزق في كل شهر لعمالته مما يجتبيه مائتي دينار دراهم، وينهض معروفه للعام إلى ألف دينار مما يتقاضاه من جباية عمله، فكان عمل الأمير عبد الرحمن ذلك بالثغر وأهله من جلائل مناقبه. وفيها أدال الأمير عبد الرحمن ابنه الحكم بن عبد الرحمن عن ولاية كورة

стр. 6

إلبيرة بأخيه عبد الله بن عبد الرحمن، وولى الحكم كورة تدمير ومعه سعد أخو خزر لا يفارقه. ثم عزل عبد الله بن عبد الرحمن عن كورة إلبيرة فيها، فأعاد أخاه الحكم إليها. ولم يخرج إلى كورة تدمير في هذه السنة ولداً له على عادته لإمحال نالها في هذا العام. وفيها صرف الأمير عبد الرحمن عن كورة رية، وصرف خزر المولى الملازم له معه. وفيها ثار حبيب البرنسي بجبال الجزيرة الخضراء، واجتمع له خلق من أهل الفساد في الأرض، فشن بهم الغارة على قرى رية وغيرها، فأشاع الأذى، ونهب وقتل وسبى، فأخرج الأمير عبد الرحمن عند ذلك الخيل مع عباس بن مضا، فألفى أضداده قد قصدوا حبيباً وأصحابه، فأوقعوا بهم وقصوهم، وقتلوا خلقاً منهم، وتفرقت بقيتهم، فانخنس حبيب رئيسهم في غمار الناس، وطفئت نائرته، وطلب دهراً فلم يظفر به.

стр. 7

ذكر مهلك نصر الخصي الكبيرخليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم ﵀ وفي هذه السنة هلك أبو الفتح نصر الخصي، خليفة الأمير عبد الرحمن بن الحكم، المقدم على جميع خاصته، المدبر لأمر داره، المشارك لأكابر وزرائه في تصريف ملكه، وكان هلكه شبيه الفجأة في عقب شعبان من هذه السنة، أرقى ما كان في غلوائه، وأطمع ما هو بالاحتواء على أمر سلطانه، أرهب ما كان الناس له، وأخوفهم لعدوانه، إذ نال من أثرة مولاه الأمير عب الرحمن واصطفائه وإشراكه له في الرأي مع جلة وزرائه، وطوعه كثيراً إلى ما يخالفهم فيه، فوق ما ناله خادم خاص مع أمير رشيد سمع عنه، وله بذلك أخبار في الناس تصدق دلائل تحققه، سما بها - زعموا - في باطنه إلى غاية كرهها الله، إخترمه دونها حمامه، فقضى ذميماً مستراحاً منه. وكثر القول في السبب الذي أراده، والخوض فيما أتاه، فكان من أوضح ذلك ما ذكره أبو بكر بن القوطية، قال: كان نصر الخصي الجريء المقدم الوساع الفهم قد غلب على قلب مولاه الأمير عبد الرحمن بن الحكم واستظهر على حراصة مكانه لديه بانقطاعه إلى حظيته طروب أم عبد الله، الغالبة عليه من بين جميع نسائه، وحطه في شعبها، وممالأته إياها على ما تسعى له من تقديم ولدها عبد الله للأمر بعد الأمير أبيه على جميع الأراجح الأكبرين من ولده متى حان حينه، فخالص السيدة تشديداً، وأخلصت له، واستوى له بذلك أمره، وأصبح ملك عبد الرحمن في يده، يدبره كيف يشاء، فلا يرد أمره، قد أجهد سعيه آخر أمده في جهره وسره، بالتنويه بعبد الله بن سته طروب، والإشادة بذكره،

стр. 8

واستمالة طبقات الناس بالرغبة والرهبة إليه، والعمل على اختزان الخلافة عن أخيه محمد، بكر والده الأمير عبد الرحمن ومفضلهم المشار إليه إلى خالفتهم ابن طروب هذا، وسوقها إليه، يتأتى لذلك ويأتيه من جميع أبوابه، والقضاء يبعده عنه، ويسد دونه طرقه، وهو يرصد لوجبة الأمير عبد الرحمن مولاه، ليقضي في عبد الله قضاءه، فيملي لعبد الرحمن ويستأخر يومه، فيشق ذلك على الخصي ويرهب فوته، حتى سولت له نفسه اغتيال مولاه عبد الرحمن، وإلطاف التدبير عليه، كيما يتمكن من تقديم عبد الله مكانه، ولا يرهب الخلف عليه، لكثرة أنصاره من أهل الدار وغيرهم، وفشو صنائعه فيهم، فيتم له بابن طروب الاحتواء على الملك ويؤخر عنه محمد المرشح له وغيره ممن يطمع فيه. فوثق في ذلك بالحراني الطبيب، وكان في عداد صنائعه وقدر منه - مع الوفاء - الشره إلى ما يبذله له، فخلا به، وذكره أياديه لديه، وتدارساً فيما ينويه له، وقال له: هل لك في إحراز حسن رأيي للأبد، وحوز جزيل صلتي للآخر؟ فقال له الحراني: هذه هي المنية التي لا وراءها طلبة! فمن لي بنيلها؟ فقال له: هذه ألف دينار معجلة بين يدي الجري بالحاجة، واعمل لي سؤر الملوك الذي يدني الأجل، ويقلب الدول، ودعني لمكافأتك إن انقضت حاجتي. فوالله لأتجاوزن بها ظنك!. فأراه القبول لما بذله، والقيام بما كلفه. وخرج عنه وقد عدلت البدرتان جناحيه، فعمل ذلك الخلط باسم الدواء المسهل كما رسمه له، وأجهد رأيه في تقويته، واحتال في أن دس في خفية إلى فجر خطية

стр. 9

الأمير عبد الرحمن ضرة طروب مع بضع من كان يستطب لها عنده من ثقات قهارمتها يشير لها على ما دبر على الأمير من طريق العلاج، ويأمرها أن تحذره من شرب ما يأتيه نصر به أو يرسله، فوقاه جده بذلك، وسقى الخصي معيناً له. وقد كان الأمير شكا إلى نصر خلال ذلك خلطاً تحرك به عدل له عن أخذ الدواء الذي من عادته وإعداده ليوم فارقه على التوحش أمامه، فكان من توطئة نصر لذلك ما قدر أنه واقع به لا محالة. وبكر بذلك الخلط المسموم إلى الأمير في اليوم الذي ربط فيه موعده، فأصابه حذراً للذي سبق إليه، فتعلل على نصر، ووصف وعكاً طاف به ليلته، فنكث مرته، فلا فضل فيها للدواء، وأشار عليه بشربه، إذ لم يزل كثيراً يسعده في مثله، فذهب يعتذر بعدم التوحش له، فزجره وقال: سبحان الله! شيء اجتهدت لي فيه وألطفت تركيبه تخاف غائلته؟ عزمت لتشربنه! فعلم نصر أن خلافة لا يمكنه، فشربه بين يديه، واستأذنه في الخروج إلى منزله، فأمره، فانطلق يركض وركضه يزيده شراً، واستغاث بالحراني، فعرفه بما جرى عليه، والسم يجد به، فقال له: عليك بلبن المعز، فإن شربه يفتر عنك! ففرق غلمانه في طلبه، فعوجل قبل أن يؤتى به، ومضى لسبيله. فسر الناس بحتفه، وأطبقوا على ذمه، وقال يحيى الغزال عدوه الموتور من لدنه عند موته: من البسيط.

стр. 10

أغنى أبا الفتح ما قد كان يأمله ... من التصانع والتشريف للدور وكل عرض وقرض كان يجمعه ... حفيرة حفرت بين المقابير لم يألها القوم تضييقاً ولا وقعت ... فيها الكرازين إلا بعد تقدير فصار فيها كأشقى العالمين وإن ... لفوه بالنفح في مسك وكافور ما العرف لو أخبرونا بعد ثالثة ... إلا كعرف سواه المناخير وكان أزمع شيئاً لم تكن سبقت ... به من الله أحكام المقادير إذا أراد الإله الشيء كونه ... فلن يضرك فيه سوء تدبير وذكر أن الغزال أنذر بهلك نصر هذا من طريق النجم قبل وقوعه بمدة، فقال: من الكامل، الضرب الأحد المضمر. قل للفتى نصر أبي الفتح ... إن المقاتل حل بالنطح وأراه قهقر فيه ثم مضى ... قدماً ومدبراً إلى الرمح وأرى النحوس له مساعدة ... فانظر لنفسك واقبلن نصحي ووجدت ذلك إذ حسبت له ... مما يدل على غلا القمح

стр. 11

ونزول أمر لا أفوه به ... لو كان يبلغ بي إلى الربح وإذا رأيت البدر في بلع ... نزل القضاء بأبرح البرح يا رب طالعة العشاء أتت ... بخلاف ذاك طوالع في الصبح ولرب رافلة عشيتها ... في الوشي أضحت وهي المسح تبكي على من كان يكرمها ... نحاء بين نوادب نح وليحيى الغزال في نصر وذكر مسكنه بمنيته إلى جانب مقابر الربض والنهر: من الطويل. أيا لاهياً في القصر قرب المقابر ... يرى كل يوم وارداً غير صادر كأنك قد أيقنت أن لست صائراً ... غداً بينهم في بعض تلك الحفائر تراهم فتلهو بالشراب وبعض ما ... تلذ به من نقر تلك المزاهر وما أنت بالمغبون عقلاً ولا حجى ... ولا بقليل العلم عند التخابر وفي ذاك ما أغناك عن كل واعظ ... شفيق وما أغناك عن كل زاجر وكم نعمة يعصى بها العبد ربه ... وبلوى عدته عن ركوب الكبائر سترحل عن هذا وإنك قادم ... وما أنت في شك على غير عاذر

стр. 12

وقال يحيى الغزال عند ذكر الناس لإنزال السلطان زرياباً مغنيه في منية نصر الخصي أثيره بعد موته، يذكر تقلب الدنيا بأهلها: من الخفيف. ذكر الناس ... نصر لزريا ... ب وأهل لنيلها زرياب هكذا قدر الإله وقد تجرى بما لا تظنه الأسباب أخرجوه منها إلى مسكن ليس عليه إلا التراب حجاب لا يجيب الداعية فيه ولا ير ... جع من عنده إليه جواب وتغانت تلك المراكب عنه ... وأميلت إلى سواه الركاب ليس معه من كل ما كان قد جمع إلا ثلاثة أثواب وتلاشى جميع ذاك فلما ... يبق إلا ثوابه أو عقاب عسكر جندوا فليس بمأذو ... ن لهم عنه أن يكون الحساب فرأيت الرقاب من أهله ذلت وعزت من آخرين رقاب وكذاك الزمان يحدث في تص ... ريفه الذل والبلا والخراب لتعجبت والذي منه أعجبت إذا ما نظرت شيء عجاب لكأن الذي تولى الذي كا ... ن عليه مخلد لا يراب فعله بعده كفعل امرئ ليس عليه بعد الممات حساب ولعقل الفتى صحيح ولكن ... حيرته الأوراق والأذهاب وحكى الحسن بن محمد بن مفرح في كتابه قصة مهلك نصر هذا، فقال: كان السبب في مهلك نصر الفتى الكبير الغالب على الأمير عبد الرحمن بن الحكم المظاهر لسيدته طروب حظية الأمير عبد الرحمن على سوق الملك إلى ولدها منه عبد الله المعزو إليها أن عبد الرحمن التوى بهما معاً في تقديم عبد الله على محمد أخيه أكبر ولده،

стр. 13

المرشح من بينهم للأمر، لصدق نفسه على كون ما بينهما في الرجاحة والفضل، وتغليبه لرأيه فيه على هواه، لمعصيته لحظيته طروب. فلما أعيا عليها وعلى نصر ظهيرها لفته عن ذلك شق ذلك على نصر، وفكر في سوء عاقبته مع محمد إن خلص له الأمر، وقد كشف وجهه في صده عنه، فذهب إلى احتيال الأمير مولاه كيما يتمكن من نصب عبد الله ودحر محمد، فأتى الأمر من باب طبيب الأمير المعروف بالحراني، وكان يثق به، فخلا معه، وقال له: ما ترى رأيك في شيء تحوز به حسن رأيي، وتعجيل العطاء الرغيب مني، وتعتقد المنة علي؟. فقال: يا سيدي. بعض هذا غاية أملي! فكيف لي ببلوغه؟! فقال له: فقد أمكنك! فخذ هذه الألف دينار ابتداء، فأصلح بها من شأنك، واعمل لي سنون الملوك، من أجل ما تقدر عليه وأوحاه فعلاً، فيدك فيما عندي منطلقة! فأعده لميقاتك الذي أعرفك به. فلم يخطر على عصيانه، وأراه الرغبة في صلته، والحرص على قضاء حاجته، وقبض الألف منه، وعمل له السنون كما أراده. واتفق أن شكا الأمير إلى نصر فتوراً يجده، فأشار عليه بالدواء المسهل، وكان من عادته، فذكره بإدخاله، وأوصل إليه طبيبه الحراني، فوافقه على إدخال الدواء، وحد له تقديمه، ورسم له التوحش لإدخاله ليوم سماه، فتقدم الأمير إلى نصر بإدخال الحراني إلى خزانة الطب، وتمكينه مما يريد من أخلاط دوائه ليقيمه على حده، فشرع الحراني في ذلك، وفجر ثقة الأمير تطالعه بوصاياه، فأمكنت الحراني منها فرصة أوحى إليها

стр. 14

بشأن الدواء، وسألها أن تحذر الأمير من شرب الدواء، ففلعت ذلك خفية، فحذر الأمير، وطار بجناح الإشفاق عليه. فلما غدا به نصر في اليوم الذي فارقه عليه أظهر الأمير الانكسار عنه، ووصف عائقاً يمنعه منه، وأمر لحينه نصراً بشربه، فكأنه توانى إذ لم يستعد له، فأكرهه عليه، وأسرع الخروج إلى داره، وبادر الإرسال في الطبيب الحراني، فعرفه ما جرى عليه، واستغاثه، فأمره أن يشرب لبن المعز، فآل إلى أن طلب له وجيء به، فأعجل عليه السم، فمات، ولم يشربه. وذكر الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم أن نصراً هذا الذي إليه تنسب منية نصر - الأثير كان - عند الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وكان من الفتيان المنتقين الذين خصاهم أبوه الأمير الحكم من أبناء الناس الأحرار الذين تعبدوا ليستخدمهم داخل قصره وأبوه المعروف بأبي الشمول من أسالمة أهل الذمة من أهل قرمونة، نال بابنه نصر دنيا عريضة، وكان موته قبيل مهلك نصر ابنه بأيام. وأخبار نصر كثيرة. سنة سبع وثلاثين ومائتين فيها كانت وقيعة البيضاء، والبيضاء مجاورة لمدينة بقيرة من بلد بنبلونة بين المسلمين والكفرة الجاشقيين، فكان اليوم الأول منها على المسلمين، فاستشهد منهم جماعة، ونالت فيه موسى بن موسى خمس وثلاثون وخزة تخللت حلق درعه، واليوم الثاني كافحهم المسلمون، وقد أخذ المقدمة موسى بن موسى متحاملاً لألم جراحه، فحامى على المسلمين، وحسن غناؤه، فهزم الجاشقيون أعداء الله أفحش هزيمة، وفرشت الأرض بصرعاهم.

стр. 15

وفيها هلك ينقه بن ينقه أخو موسى بن موسى لأمه وظهيره على أمره، وكان قد أصابه فالج عطله إلى أن مضى لسبيله، فولى مكانه ابنه غرسيه، واستملكت له إمارة بنبلونة. وفيها في أيام ولاية عبيد الله بن يحيى للثغر قام بناحيته رجل من المعلمين، فادعى النبوة، وألحد في القرآن، فأحاله عن وجوهه، وأوله على غير تأويله، وقام معه خلق كثير. وكان ينهى عن قص الشارب والأظفار، ويقول لا تغيير لخلق الله، فأرسل عبيد الله من جاء به، فلما دخل عليه وكاشفه كان أول ما ابتدأه به أن دعاه إلى إتباعه، فاستشار فيه عبيد الله أهل العلم عنده، فأشاروا باستتابته ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، ففعل به ذلك، فلم يتب، فأسلمه للقتل صلباً، فجعل يقول: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله "؟ فأمضى عبيد الله قتله بالفتوى، وكتب إلى الأمير بأمره، فأحمد فعله. وفيها ابتدئ بعذاب عباس الطلبي وأخيه، ووليد بن أبي لحمة في استخراج الأموال التي غلوها بدفاع نصر الخصي عنهم، إذا كانوا صنائعه وبطانته، فلجوا بالمال، وشد عليهم العقاب. وفيها أيضاً قبض على مسرة الخصي الفتى الكبير وعباس أخيه، فسجنا، وذلك في صفر منها، وصير مكان مسرة قاسم الخصي الصقلبي، وذكر أنه وجد لمسرة ثمانية آلاف دينار دراهم. وفيها عزل الأمير عبد الرحمن محمد بن زياد عن القضاء بقرطبة وولى مكانه سعيد ابن سليمان بن حبيب الغافقي مجموعاً له إلى الصلاة، وذلك في ربيع الآخر منها، فكان آخر قضاة الأمير عبد الرحمن.

стр. 16

سنة ثمان وثلاثين ومائتين وفيها توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملك بن مروان ليلة الخميس لثلاث خلون من ربيع الآخر من هذه السنة، فدفن يوم الخميس في تربة الخلفاء بقصر قرطبة. وأدلاه في قبره أخواه المغيرة وأمية، وصلى عليه ابنه الخليفة محمد بن عبد الرحمن. مولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة، وأبوه الحكم يومئذ واليها لوالده الأمير هشام، فكانت سنة اثنتين وستين سنة. وكانت خلافته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وستة أيام. وقال الحسن بن محمد بن مفرج: قال ابن عبد البر: توفي الأمير عبد الرحمن ليلة الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وقيل: بل هي لثلاث خلون منه، فكانت خلافته إحدى وثلاثين سنة وثمانية وعشرين يوماً. وقيل: بل خمسة أشهر وقيل: ثلاثة أشهر وأربعة أيام. وقيل: ستة أيام. فدفن يوم الخميس من غد ليلة موته في روضة الخلفاء سلفه بقصر قرطبة، وصلى عليه ابنه الأمير محمد بن عبد الرحمن الوالي مكانه. وكانت سنة اثنتين وستين سنة. ومولده بطليطلة من الثغر الأدنى أيام كان والده الحكم بن هشام والياً عليها لجده هشام وذلك في شعبان سنة ست وسبعين ومائة. قال الفقيه محمد بن وضاح: احتجب الأمير عبد الرحمن بن الحكم عن الناس قبل موته مدة من ثلاثة أعوام أو نحوها من أجل علة أصابته طالت به واشتدت عليه، فحمته الحركة، وهدت قوته،

стр. 17

وأحدثت عليه رقة في نفسه، ووحشة في خاطره، وشدة أسف على ما نغص عليه من عصارة ملكه. فذكر أنه قال يوماً لأكابر خدمته الخاصة، وقد حفوه في مرضه، وفيهم سعدون زعيمهم الذي اختصه بعد مهلك حظيه نصر ومن يليه: يا بني! - وبذلك كان يخاطبهم مستلطفاً لهم ومرفقاً بهم - لقد اشتقت أن أعاين ضوء الدنيا وفسحة الأرض، إذ قد حميت عن الخروج إليها، فلعلني أعلو مرقبة يسافر بصرى فيها، فأتسلى بالنظر إلى بسيطها، وجسمي منزع، فهل سبيل إلى ذلك؟ فقالوا له: نعم يا مولانا. وابتدر أكابرهم إنفاذ أمره، فأخذوا سرير خيزران لطيفاً، وثيق الصنعة من أسرة الخلافة، ووضعوا فوقه فراشاً خفيفاً وثيراً حشوه الريش، أجلسوه فوقه، واحتملوه على أعناقهم، فصعدوا به إلى العلية على هيئته التي كانت من بنيان الأمير على باب الجنان من أبواب القصر القبلية، ثم هبطوا كذلك، فعانوا ذلك مرات يسوقون به الأمير في تعاريج درجة الدائرة، حتى استوى لهم ذلك كما أرادوه، وأمنوا على الأمير المشقة فيه. فوضعوا الأمير عبد الرحمن عند ذلك فوق ذلك الفراش، وشدوه من جهاته، واستوثقوا من اضطرابه، وصعدوا به هوناً، حتى صيروه بأعلى تلك العلية، فأجلسوه صدرها، وأدنوه إلى الباب الأوسط منها، فأشرف على صحراء الربض قدام باب القصر، وسرح بصره فيها، ورآها إلى كدى القنبانية، ونظر إلى النهر أمامه، والسفن تجري فيه صاعدة ونازلة. فاستروحت نفسه، وانشرح صدره، وشكر لخدمه ما تجشموه من إدنائه من مسرته وقال لهم: يا أولادي اجلسوا الآن حولي، وأنسوني بكلامكم، ومتعوني بأحاديثكم، ولا تنقبضوا عني بشيء مما تتحدثون به بينكم إذا انفردتم، كيما أشتغل بذلك عما أقاسيه من علتي. ففعلوا، وأنس هو بذلك وانبسط، وقطع أكثر نهاره في تلك العلية. ودنا المساء، فدعوه إلى النزول إلى مجلسه، فبيناه يتهيأ لذلك، إذ وقعت عينه في الصحراء قدامه على قطيع شاء وهي ترعى في منحدرها، ولم ير معها راع يسوقها، فقال لهم.

стр. 18

يا أولادي؟ ما بال هذه الغنم مهملة ولا راعي لها؟ فتأملوا فقالوا: يا مولانا هاك راعيها قاعد إلى جانبها مستريح في فيء جنان طروب تجاهه، يتملى في انحدارها. فقال: لعاً؟؟!. ثم أثبت بصره في تلك الغنم، فتنفس الصعداء، وأرسل عبته يبكي حتى أخضل لحيته، وقال: وددت والله أن أكون مكان ذلك الراعي ولا أنشب فيما نشبت من الدنيا ولا أتقلد من أمور الناس ما تقلدت! ثم استغفر الله كثيراً ودعاه. ونزلوا به إلى مهاده، فلم تطل فيما بعد نهاره هذا حياته. وذكر أحمد بن الأمير محمد بن عبد الرحمن قال: اعتل جدي الأمير عبد الرحمن علته التي توفي فيها، فطاولته ونهكته، وماطلته مدة: تارة تخف عنه، وتارة تثقله، فيركس ويضعف، وينيبوا العلاج عنه على اجتهاد تارة تخف عنه، وتارة تثقله، فيركس ويضعف، وينيبوا العلاج عنه على اجتهاد أطبائه في التماس شفائه، فنعى عليهم وقت سقامه. فلما كان قبل وفاته بأربعة أيام أو نحوها انحط مرضه، وتحركت له قوة خال بها أنه مبل من ضناه، فأمر بأن

стр. 19

يصلح له الحمام، ويعدل مزاجه، فاحتم فيه، وأجد خصابه، وكان يواليه ويجمل به، وحدثته نفسه بالركوب مع عياله طلب النزهة، وهو يأمل الإنظار، والموت أدنى إليه من وريده. فلما عزم على إتيان ما سولت له نفسه من ذلك دعا حاجته عيسى بن شهيد، وكان خفيفاً على قلبه، فأوصله إلى نفسه صبيحة اليوم الذي قضى نحبه في آخره، فبشره بتخفيف مرضه وانبعاث نشاطه، وقال له: كيف ترى خضابنا يا عيسى؟ فقال له: أصلح الله الأمير سيدي! أحسن خضاب رأيت قط، وأدله على انتعاش سيدي واقتيامه البقاء بخلوص القمر من انكسافه بفضل الله عليه وعلى رعيته. فسره قوله وقال له: إن بعض كرائمنا سألننا تجديد العهد لديهن بالركوب معهن للنزهة على مقتضى العادة، فاخرج من فورك، فانظر في إقامة ما يحتاج إليه لنزهتنا على أتم رسومها، واعجل بذلك، فإنا متحركون صبيحة غد بحول الله. فمضى عيسى لشأنه، وقال الأمير للراشدة القائمة على رأسه: أدخلي إلى خزانة الكسوة، فمريها أن تتخير لنا مما عندنا من الوشي رداء يوسفياً من أفخر نوعه، فجيئينا به. فمضت الراشدة وجاءته برداء يوسفي معمر، لم تر العيون آنق منه، فأمر بعض

стр. 20

أكابر الخدم أن تخرجه إلى عريف الخياطين بالقصر، فليقطعه ثوباً للبوسه، ويتخذ منه قلنسوة لحاجبه عيسى كيما يلبساه جميعاً لركوبهما صبيحة غدهما، ويجمع الصناع على إتمامهما للبوسهما، فعاد إليه الخادم بجواب عريف الخياطين، فذكر أن خياطة الجلد لا تمكنهم في مثل الوقت الذي حده، لدقة صنعة الثوب والأناة لنقشه، وتعذر جمع الأيدي عليه، فضلاً عن عمل القلنسوة التي يستأنف تجسيدها لحاجبه من فضل الثوب، ولا بد من الاستيناء بها. فشق ذلك على الأمير وكسر منه حتى ثناه حاجبه عيسى عن ذلك بلطفه، وهون عليه الخطب، وقال له. في الذي تحويه خزانة الأمير من الثياب ورفيع القلانس ما فيه مندوحة عن استكداد هذا الثوب الذي لا يؤمن الخطأ في حثه، ولن يفوته نيل ما قام في خاطره منه، لأقرب مداه بحول الله، وتجاوزه بالإبلاء إلى ما سواه، كما أن عندي من جليل خلعه ورفيع قلانسه ما أسره بالتجمل به في خدمته. فليضع عن نفسه العزيزة كلفة هذا في مثل هذا الوقت الضيق، ولينفذ عزمه في تفريج نفسه بنزهته. فوضع ذلك الرداء على كرسي في المجلس.... الإضراب عنه، والعمل على الحركة صبيحة غد. فنظر عيسى فيما أمره به، وهيأه على رسومه، وانقضى نهارهم، فما هو إلا أن صلى الأمير المغرب، فانتكثت مريرته، وثارت علته، وحضره حمامه، فتهوع، ودعا بالطست، فقاء دماً غبيطاً، وعاود ذلك مراراً، فلم يقلع عنه وجعه حتى لفظ نفسه، فتنوقضى نحبه. وقعد الأمير محمد من ليلته مكانه، فتنظر إلى ذلك الثوب الموشى المرجى قطعه موضوعاً على الكرسي، فعرف شأنه مع والده مساء ليلته، فعجب وقال:

стр. 21

ليصر كفن الأمير نضر الله وجهه! فعمل ذلك به وأصبح حديثه موعظة لمن سمع به. صفة الأمير عبد الرحمن عن أحمد بن محمد الرازي: كان أشم أقنى أعين أسود العينين، طوال فخم، مسبل، عظيم اللحية، يخضب يالحناء. نقش خاتمه: " عبد الرحمن بقضاء الله راض ". وهو أول من استنقشه، وقد مضى خبره. تسمية ذكور أولاده وهم في عدد الرازي أربعون. أولهم الأمير محمد الوالي بعده، أبو العاصي الحكم الاشتياق، أبو أيوب سليمان، أبو القاسم المطرف، أبو الحكم المنذر، أبو الوليد هشام، أبو بكر يحيى، أبو عبد الملك مروان، أبو عثمان، أبو سعيد مسلمة، أمية، عبد الملك، الأصبغ، أبو مروان عبيد الله، أبو معاوية سعيد، أبو العاصي بكر أبو الأصبغ عبد العزيز، أبو أمية العاصي، أبو محمد عبد الله، أبو حفص عمر، الأعرج طريف، أبو العباس الوليد، أبو العاصي عبد الجبار، أبو عبد الله أحمد، أبو القاسم إسحاق، والغمر شقيقة، أبو القاسم عبد الواحد، أبو إسحاق إبراهيم، أبو القاسم عمرو، يعقوب، أبو عبد الملك المغيرة، أبو الأصبغ عثمان، الغريض. وفي كتاب معاوية بن هشام الشبينسي قال:

стр. 22

من نبهاء ولد الأمير عبد الرحمن أبو قصي يعقوب، وكان أديباً شاعراً كلفاً بالعلوم جامعاً للآداب مطبوعاً في الشعر، وكان جواداً لا يليق شيئاً، ويسرف حتى يخل بنفسه وأخباره كثيرة. قال حيان: وصفه بالشعر، ثم لم ينشد له منه ما يصدق وصفه، بل أنشد ثلاثة أبيات من قصيدة مدح بها ابن أخيه العاصي بن الأمير محمد بن عبد الرحمن ليست بطائل، والأبيات: من الوافر: ينادي ماجداً من عبد شمس ... كريم الفرع مفضال اليدين سما للمكرمات فقد حواها ... بهندي وخطار رديني وغيثاً حين يسكب لا الثريا ... به حاذت ولا نوء البطين اضطرته القافية إلى أن قرن بين أغزر الأنواء وأنزرها، فأحال جداً. والإناث في عدد الرازي ثلاث وأربعون، وهن: أسماء، وعاتكة، وعائشة الغالب عليها عيشونة، أم الأصبغ، وأم هشام، وفاطمة الغالب عليها فطيمة، وعبدة، وعبدة أخرى، وأمة العزيز، وأم كلثوم، وأم عمرو، زينب، وأم هشام، وعبيدة، وناشدة، وقسيمة، عتيكة، وكنزة، وعزيزة، وأم حكيم كلهن، ومية، ولادة، وأم أبين، ولادة، أمة الوهاب، ظبي، وأمة الرحيم، رقية، أم عثمان، أم موسى، وأمة الرحمن، رحيمة، هشيمة، أمة الرحيم، أمة الملك، والسيدة بريهة، تملال، والمنى، حكيمة، أم سلمة، آمنة، والسيدة عليه. وزاد في عددهن معاوية بن هشام الشبينسي نسابة أهل البيت بنتين: أمية، ومهاة؛ فرقى عددهن خمساً وأربعين بنتاً.

стр. 23

حجاب الأمير عبد الرحمن قال الرازي: ألفى الأمير عبد الرحمن على حجابة والده الأمير الحكم عبد الكريم بن عبد الواحد ابن مغيث أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل جمله حسنة، فأقره عليها إلى أن توفي عبد الكريم حميداً فقيداً، فولى بعده حجابته سفيان بن عبد ربه ، وبعد سفيان عيسى بن شهيد ، ثم عزله بعبد الرحمن بن رستم، ثم عزل عبد الرحمن بن رستم، فأعاد عيسى بن شهيد إلى حجابته، فتولاها له إلى أن هلك عبد الرحمن لسبيله. سفيان بن عبد ربه وافق الرازي فيما ذكره من أسماء هؤلاء الحجاب الحسن بن محمد بن مفرج في كتابه، وذكر سفيان بن عبد ربه فقال: كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة المستقلين بأعبائها ممن جمع إلى الغناء والكفاية العفة والأمانة، قد تولى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم، وهو أول من استخزن بالأندلس، وحمل هذا الاسم الذي اعتور من علم عمله إلى اليوم، شركه في ذلك مرتيل المعروف بابن عفان جد هؤلاء الباقين اليوم إلى جانب باب القصر الأكبر المدعو باب السدة ولم يزل يتنقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة ومن ولده الأديب أبو الأسود، وكان ذا وجاهة عند الناس، حدثاً مؤنس الجليس ممتعاً، توفي في أيام الخليفة الناصر لدين الله رحمه الله تعالى.

стр. 24

عيسى بن شهيد مولى معاوية بن مروان بن الحكم قال: كان عيسى هذا منقطعاً إلى الأمير عبد الرحمن بعهد والده الأمير الحكم مؤملاً له، فلما أفضى الأمر إليه أزلفه به، وقدمه في عليه خاصته، وصرفه في علي مراتبها، فولاه خطة الخيل، ثم استوزره، وولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة، ثم استحجبه مكان سفيان بن عبد ربه، واستخصه دون أصحابه، وكان أهلاً لإيثاره، إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة، وهم متوافرون، ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم والجزالة. وقد قاد بالصوائف، فأحمدت سياسته، وكانت له في التدبير آراء صائبة، وفي الحروب مقام كريمة، وتهيأت له على العدو وقائع مثخنة. وكان نصر الخصي خليفة الأمير عبد الرحمن الغالب عليه من بين سائر أكابر خدمه المظاهر لحظتيه طروب الغالبة عليه من بين نسائه قد اشتمل على قصر الأمير عبد الرحمن ومن فيه، وشرك في تدبير سلطانه وهو شاحن لحاجبه عيسى عامل في إقصائه، فتسنى له ذلك عندما اعتل الأمير علته الطويلة التي حجبه فيها نصر، وأنفذ عليه أموراً منكرة، منها صرفه لعيسى. هذا عن الحجابة، وذلك بأن أخرج الأمر عن مولاه بصرف عيسى عن الحجابة وإقراره على خطة الوزارة، وتقليد عبد الرحمن بن رستم الحجابة مكانه. فجرى الأمر بذلك إلى أن استقل الأمير عبد الرحمن من علته، وقعد لأهل خططه، فدخلوا عليه يقدمهم الوزراء، وعيسى في عرضهم، فتقدم عبد الرحمن بن رستم جماعتهم في التسليم على الأمير، ثم قعد فوق ابن شهيد، فاستنكر الأمير ذلك، فلما استقر بهم

стр. 25

المجلس قال لعيسى بن شهيد فما يخاطبه به: ما شأن كذا؟ لأمر سأله عنه، فقال له: يا مولاي، لست بحاجب، وهذا هو الحاجب. وأشار إلى ابن رستم. فعلت الأمير عبد الرحمن كبرة، وعرف من حيث أتى، فكظم غيظه واصطبر. فلما خرج الوزراء دعا بنصر، فسأله عن عزل ابن شهيد، وولاية ابن رستم، فلم يمكنه إنكاره، وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته، فكذبه الأمير، وعلم أنها من تحامله وجسراته، فسبه وأغلظ له، وهم به، ثم عفا عنه، وأعاد عيسى بن شهيد إلى الحجابة، وعزل عنها عبد الرحمن بن رستم، وتركه على الوزارة، فلم يزل عيسى بن شهيد حاجباً للأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى أن توفي الأمير عبد الرحمن، فأمضاه عليها محمد سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقد استكمل في ولايته في الدولتين عشرين سنة. وقال أبو بكر بن القوطية: لما توفي الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد مغيث صدر دولة الأمير عبد الرحمن تنافس الوزراء كلهم في خطة الحجابة بعده، وكدوا بالوسائل والشفاعات حتى أضجروه، فأقسم أو اعتقد ألا يوليها واحداً منه، وعطلها مدة، ثم صيرها إلى رجل من أقادم صنائعه كان له اتصال به قبل الخلافة أحظاه لديه اسمه سفيان بن عبد ربه، أصله من برابر بيانة، لم يكن له قدم، وكانت له يقضة ومعرفة، فتولى حجابته أعواماً إلى أن مات، فولى عبده عبد الرحمن بن غانم، ثم مات بن غانم أيضاً، فصارت الحجابة إلى عيسى بن شهيد، ثم إلى عبد الرحمن بن رستم يداول الأمر بينهما، إلى أن

стр. 26

مات ابن رستم، فاتصلت الحجابة لعيسى بن شهيد بقية أيام الأمير عبد الرحمن. فلما ولى ابنه الأمير محمد أقر ابن شهيد خمسة أعوام إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وزراء الأمير عبد الرحمن قال أحمد بن محمد: كان وزراء الأمير عبد الرحمن: العباس بن عبد الله القرشي؛ الوليد بن عبد الله القرشي، عبيد الله بن يحيى بن خالد، عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث الحاجب القائد الكاتب؛ عبد الرؤوف بن عبد السلام؛ عيسى بن شهيد الحاجب؛ عبد الرحمن ابن رستم الحاجب؛ محمد بن السليم؛ وكانت له مع الوزارة خطط يرتزق عليها في كل شهر ثلاثمائة دينار؛ محمد بن عبد السلام بن بسيل، وكانت تلك سبيله؛ عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، وكانت أرزاقه تنتهي إلى العدد المذكرو؛ عبد العزيز ابن هشام بن خالد، وكانت أرزاقه أيضاً عظيمة؛ عبد الرحمن بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن غانم، محمد بن كليب بن ثعلبة، وكان قبل وزارته على الشرطة؛ يوسف ابن بخت؛ عبد الله بن أمية بن يزيد؛ حسن بن عبد الغافر بن أبي عبدة. قال ابن القوطية: والأمير عبد الرحمن أول من ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي، والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتاً، يخوض معهم فيما يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه. وإذا قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه فينظرون فيما يصدر إليهم من عزائمه. جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم.

стр. 27

قال ابن مفرج: وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولى الحلوم والنهي والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم. وسماهم حسبما تقدم، فزاد فيهم ابن مفرج عبد العزيز بن هاشم الملقب سعاد من غير تسمية ابن شهيد. قال أبو بكر: لم يختلف أحد من شيوخ الأندلس في أنه ما خدم ملوك بني أمية فيها أحد أكرم من عيسى بن شهيد غاية، ولا أكرم اصطناعاً، ولا أرعى لذمة. ولقد كان الحاجب قبله عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بهذه الصفة، على زيادة خصاله وأدواته على عيسى إلا في باب كرم الصنيعة واستتمامها، فلم يك يفضله درجة، بل كان عبد الكريم يقصر عن عيسى في باب قبول الهدية وتجويز المكافأة على قضاء الحاجة، فإنه كان يقبل ذلك ولا يأباه، وكان عيسى على الضد منه في هذا الباب: لا يقبل شيئاً منه ألبتة، وكان يهجر من عرضه إليه، ولا يرضى فيمن يتقلده من صنائعه ويشمله بنعمته إلا بغاية التشريف والإنهاض، والتخويل والإمداد. فمن مشهور ذلك فعله في عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني، فإنه قدم إلى الأندلس وهو فتى متأدب ظريف، كان يشدو شيئاً من الغناء على مذاهب الفتيان، فاعتلق بحبل ابن شهيد وهو صاحب الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فبلا منه فضلاً وحجى. فقال له: أمسك عن الغناء البتة، فإنه يريبك لدينا، وتحقق بأدبك، وتنبه لحظك، فلك خصال تجذب بضبعك! ففعل عبد الواحد ذلك، ولزم عيسى، فألقى دكره إلى الأمير عبد الرحمن، وأوصله إليه، فأصابه على ما وصفه له عيسى، فقبلته نفسه، وحركه عنده حظه، فأدنى

стр. 28

منزلته، ومكن خصوصيته، حتى نادمه وأنس به، ثم استخدمه ونقله في منازل الخدمة حتى خوله المدينة، ثم رقاه إلى الوزارة والقيادة. كتاب الأمير عبد الرحمن كتب له الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، مع ما كان إليه من الحجابة والقيادة، وعبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد بن أبي حوثرة مولى معاوية بن يزيد بن عبد الملك ابن مروان، بيت الكتابة لبني مروان بالأندلس، تناسق بعبد الله هذا ثلاثة منهم ما بينه وبين جده أمية بن يزيد كاتب الأمير الداخل عبد الرحمن بن معاوية. وكان مهلك جده أمية سنة أربع وخمسين ومائة، ومهلك أبيه محمد سنة ست وعشرين ومائتين، ومهلك عبد الله هذا المذكور سنة مائتين وست وأربعين. وكانوا أهل بيت نجابة..... وكتب له أيضاً محمد بن سعيد الزجالي، مؤسس بيت من بيوت الشرف بقرطبة من غير قدم في الدولة، ومحمد بن موسى بن محمد؛ وكان يخاطب عنه في بعض الأوقات كليب الكاتب من غير أن يرتسم بالخطة.

стр. 29

خبر الزجالي قال أبو بكر محمد بن عمر بن القوطية: هو محمد بن سعيد بن أبي سليمان، واسمه وارشكين، من بني يطفت من نفزة، وهو المعروف بحمدون، والملقب بالأصمعي، ولقب بذلك لذكائه وقوة حفظه، وكان أول من أصطنعه فاستكتبه الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وكتب لابنه محمد بعده، وأنجبت ولادته لابنيه عبد الله وحامد ابني محمد بن سعيد، فكانا كاتبين نحريرين، كلاهما كتب للسلطان، خلا عبد الله منهما لم يطل أمده في الكتابة، وكتب نحو ستة أشهر، فأعجلته المنية. وأما حامد أخوه فلزمته الكتابة وشهر إلى أن مات سنة ثمان وستين ومائتين. وكتب منهم أيضاً عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي سنة سبع وثمانين ومائتين، ثم إنه نالته علة عظيمة مدة، وتخفف، فأعاده الأمير عبد الله في دولته إلى الكتابة مراراً، واتصلت كتابته من بعده صدر دولة حفيده عبد الرحمن الناصر لدين الله إلى أن هلك في العسكر سنة ثنتين وثلاثمائة. فقوضت الكتابة عن بيت هؤلاء الزجاليين مدة إلى أن عادت عليهم بعبد الرحمن ابن عبد الله بن محمد الزجالي متقدماً للناصر لدين الله في مهمات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة آخر دولة الناصر، ثم لم ينجم في بيتهم كاتب بعده إلى آخر الدولة وقرأت.............. بالأدب أيام كانت سوقه نافقة، فارتقى به إلى معرفة الخلفاء، فبنى البيت المنيف، ونال ذروة المنزلة الرفيعة، وكانوا قدماً من عامة البتر من البرابر، أصولهم من ناحية

стр. 30

تاكرونا، لم يحفظ لأولهم نباهة، فسبق الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى اصطناع جدهم محمد بن سعيد هذا، وبلا منه فهماً ومعرفة وصيانة وجزالة استخدمه لها، فرقاه في منازل خدمته، واستكتبه واستخصه، فسما بيته، ولحق بأشراف الدولة. وقرأت في كتاب القاضي أبي الوليد ابن الفرضي المولف في طبقات أهل الدولة والأدب بالأندلس، قال: هو أبو عبد الله محمد بن سعيد بن موسى بن عيسى الزجالي - هو فخذ من بتر البرابر بالأندلس -، وكان يلقب بالأصمعي لعنايته بالأدب وحفظه للغة، وكان من أقوم أهل زمانه بها، وكان له حظ وافر من البلاغة، ونصيب حسن من صوغ القريض، ولم يكن لهؤلاء الزجاليين المقحمين في بيوت الشرف بقرطبة قبل جدهم محمد هذا قدم رياسة، ولا سالف صحبة للسلطان، ولا تشبث بخدمته، فهو أول من نجم فيهم وصارت له منزلة لديهم، كان سببها - زعموا - أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم عثرت به دابته وهو سائر في بعض أسفاره، وتطأطأت، فكاد يكبو لفيه، فلحقه جزع تمثل إثره لما استقلت به مطيته بقسيم بيت جرى بفيه، وهو: من الطويل. وما لا يرى مما يقي الله أكثر وطلب صدر البيت، فعزب عنه، وتعلق باله به، فسأل عنه أصحابه، فأضلوه وأمر بسؤال كل من تسمى بمعرفة في عسكره، فلم يكن أحد يقف عليه غير محمد بن سعيد هذا الزجالي، لما أراده الله تعالى من تحريكه، فقال لسائله؛ حاجة الأمير عندي، فليدنني أتمها له. فأدناه، فقال له أصلح الله الأمير، أول هذا البيت: ترى الشيء مما يتقي فتهابه ... وما لا نرى مما يقي الله أكثر

стр. 31

تمام البيت. فأعجب الأمير ما كان منه، وراقه بيانه، وأعجبه شكله، فقال له: إلزم السرادق. فلما جالسه وحدثه إزداد قبولاً له ورغبة فيه، فاستخدم واستخصه، ثم استكتبه بعد حين لسره. وكان قبل هذا اتخذه كاتباً لوزرائه إشراكاً لهم فيه على رسم من تقدمه، فحدت محمداً همته على الترفع عن ذلك للتفرد بأعلى المنازل، وكتب إلى الأمير عبد الرحمن يستعفيه من قصد وزرائه كتاباً يقول فيه: إن من وسم بميسم كتابته أعزه الله وشرف باسمها لجدير أن يعتلى عن كتابة وزرائه، ويزدهي بجصانة أسراره. تنبيهه إياه، فأفرده بكتابته، واتخذ للوزراء كاتباً مفرداً لكتابتهم، فجرى الأمر على ذلك من بعد الأمير عبد الرحمن إلى آخر الدولة. وكان محمد بن سعيد هذا من أحد عجائب الدنيا في قوة الحفظ، يضرب بحفظه الأمثلة، على تصديق ما يؤثر من ذلك من مشهور الحفاظ من صدر هذه الأمة. فذكر عنه ابنه حامد بن محمد قال: جاءه يوماً مستجد توسل إليه بشعر امتدحه به سأله أن يأذن له في إنشاده، ففعل، وجعل الشاعر ينشده له مسحنفراً في نشيده، ومحمد مطرق. فلما فرغ من شعره ذهب إلى مغالطته له، فقال له: يا هذا، ما الذي دعاك أن تنتحل شعراً لغيرك، فتقلبه فينا؟ وكنت في غنى عن ذلك، فقد كان في قصدك لنا وماتة أدبك إلينا ما نقضي به ذمامك،

стр. 32

ونعينك على شأنك! فقال له: سبحان الله يا سيدي! تقول ذلك في شعر كددت فيه خاطري، وأتعبت فيه ذهني؟ فلا والله ما أخذته من أحد، ولا سويته إلا من نظمي! فقال له محمد: باطل! إنه لشعر قد رويته قديماً وحفظته، فإن شئت فاستمع إليه أنشدكه وبدأ فأعاد الشعر عليه أو أكثره. فبقى حائراً لما فجأه به، وقد زال طمعه، وانقطعت حجته، واشتدت فجعته. فلما رأى محمد سوء مقامه قال له: خفض عليك، فأني مزحت معك، وإنك الصادق فيما قلت، الحقيق بالثواب على ما قرضت، وإنما أعانني عليك قوة حفظي الذي ذهبت إلى اختباره معك. ولا والله ما سمعت بهذا الشعر قبل يومي. فسرى عن الشاعر همه، وأجزل صلته. قال: وتوفي محمد بن سعيد هذا الأصمعي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وأعقب ابناً نجيباً يسمى حامد بن محمد ورث مكانه من الأدب والمعرفة والكتابة والبلاغة، فسلك سبيله في خدمة السلطان، وارتقى فوق ذروة أبيه بخطة الوزارة، بحضرة الأمير محمد بن عبد الرحمن. وقد كان أديباً حليماً عفا جميل الخصال، خلا أنه كان يعاب بالبخل والاقتصاد، فيضحى للذم في عرضه ذريعة. قيل لمؤمن بن سعيد الشاعر البذيء: ما بالك لا تسامر الوزير حامداً أو تراكبه حسبما نراك تفعله مع الوزراء من أصحابه مع قديم اتصالك به وسببك إليه؟ فقال مؤمن بن سعد: هذه جنازة غريب لا يصحبها من صحبها إلا الله تعالى! ونميت كلمته إلى حامد، فحقدها عليه. وشيعه مؤمن بعيد أيام في خروجه من القصر إلى داره لا ينكر ما عرفه من أنسه به ومذاكرته، فلما أراد مؤمن الانصراف قال له حامد: أعظم الله أجرك أبا مروان! وكتب خطاك! - دعاء مشيع الموتى -، تعريضاً له بقوله ومن نوادر حامد بن محمد الزجالي ما حكاه محمد بن نصر، قال: غلط إمام الوزير حامد بن محمد ليلة في بعض قراءته في صلاة التراويح في شهر رمضان

стр. 33

بمسجد حامد، وحامد حاضر، فقرأ مكان قوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة "، فقرأ: "..... فانكحوهما "، فلما انصرف حامد قال لبعض من يخصه من جيرانه: " أما سمعت ما أتى به إمامنا من تبديل حدودنا؟ وتضاحك، فقال له حامد: فقد سنحت لي فيه بديهة فاسمعها، وأنشده: من مجزوء الرمل أبدع القارئ معنى ... لم يكن في الثقلين أمر الناس جميعاً ... بنكاح الزانيين وأنشد لأحمد بن محمد بن فرج البلوي المعروف بالبلساري يهجو حامد بن محمد ويكثر بخله في اتخاذه لصنيع عنده قتر فيه على من شهده، وناقض مروءته، من أبيات فيها: من الكامل. فعل اللئيم وليته لم يفعل ... وأتى بفعل مثله لم يجمل ذبح الضفادع في الصنيع ولم يدع ... للنمل جارحة ولا للقمل وضع الطعام فلو علته ذبابة ... وقعت لتكمل شبعة لم تكمل وكأنما خرطت صحاف طعامه ... من دقة ودمامة من خردل

стр. 34

وكأن فترة صحفة عن صفحة ... في البعد والإبطاء فترة مرسل أرسل هذا الشاعر آفة على أهل هذا البيت لأمر أودى به من بعضهم، فعمم بهجائه، وأفحش لهم. ومن قوله في شعر له فيهم: من الطويل هم علموني اللؤم حتى كأنني ... لغير أبي أو معرق في الزجاجله أصحاب شرطة الأمير عبد الرحمن بن الحكم قال أحمد بن محمد الرازي: ألفى الأمير عبد الرحمن على الشرطة لأبيه الحكم محمد بن كليب بن ثعلبة، فأمضاه عليها، ثم رقاه إلى الوزارة. وقتاً تفرعت فيه أيامه شرطة العدو، ثم استعفى الشرطة إذا كره النظر، وولى مكانه الشرطة سعيد بن عياض القيسي. وكان على الشرطة والرد حارث ابن أبي سعد.

стр. 35

قواده عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث الحاجب الكاتب، وقاد لثلاثة من الخلفاء: هشام والحكم وعبد الرحمن؛ عبد الرحمن بن رستم؛ عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني؛ عباس بن الوليد الطلبي، وكان كثير التردد بالصوائف قضاة قرطبة للأمير عبد الرحمن بن الحكم على اختلاف الرواة في عددهم وترتيب دولهم قال أحمد بن محمد الرازي: كان له أحد عشر قاضياً: أولهم مسرور بن محمد، على اختلافهم في نسبه أيضاً، إذ يقول محمد بن حارث في كتابه: هو مسرور بن محمد بن سعيد بن شراحيل المعافري، ويقول ابن عبد البر: بل هو من موالي الأمير عبد الرحمن بن معاوية، يكنى بأبي نجيح، وذا من اختلافهم قبيح؛ ثم سعيد بن محمد بن بشير؛ ثم يحيى بن معمر ابن عمران الألهاني الإشبيلي؛ ثم الأسوار بن عقبة؛ ثم إبراهيم بن العباس بن عيسى ابن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ثم يخامر بن عثمان المعافري؛ ثم علي ابن أبي بكر القيسي؛ ثم معاذ بن عثمان الشعباني؛ ثم محمد بن زياد اللخمي؛ ثم سعيد ابن سليمان بن أسود عم سليمان بن أسود؛ ثم محمد بن سعيد. وقال الحسن بن محمد بن مفرج: قال ابن عبد البر في تاريخه: لما ولي الأمير عبد الرحمن بن الحكم استقضى على قرطبة مسرور بن محمد سنة سبع ومائتين؛ ثم سعيد بن سليمان سنة ثمان ومائتين، ثم يحيى بن معمر الألهاني سنة تسع

стр. 36

ومائتين، ثم الأسوار بن عقبة سنة عشر ومائتين وما بعدها؛ ثم إبراهيم بن العباس القرشي المرواني جد بني أبي صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة سنة ثلاث عشرة ومائتين؛ ثم محمد بن سعيد سنة أربع عشرة وما بعدها؛ ثم يخامر بن عثمان سنة عشرين ومائتين أيضاً، فقضى أعواماً؛ ثم علي بن أبي بكر سنة سبع وعشرين ومائتين وما بعدها؛ ثم معاذ بن عثمان الشعباني سنة إحدى وثلاثين ومائتين؛ ثم محمد بن زياد اللخمي سنة أربع وثلاثين ومائتين؛ فبلغت عدة قضاته عشرة رجال، وإنما كان سبب استكثار عبد الرحمن بن الحكم من القضاة وكثرة توليته وعزله لهم إتباعه فيهم رضاً كبير الفقهاء المشاورين الأثير عنده يحيى بن يحيى، إذ كان لا يزال يشير عليه بقاض، فيوليه الأمير عبد الرحمن مقتصراً فيه على رأيه، فإذا أنكر عليه يحيى شيئاً رفع عليه إلى الأمير، فلا يؤخر عزله، ولا يحيد عن مشورته، وكان يحيى الذي يولى مكانه. وكان الشيخ يحيى شديد التمكن من حسن رأي الأمير عبد الرحمن، وكان قد آثره على جميع الفقهاء أصحابه، وجعل توركه عليه، فمن أجل ذلك كثر عدد قضائه. قال الحسن: وقد خالف أبو بكر ابن القوطية ابن عبد البر في عدد هؤلاء القضاة وترتيب دولهم، فقال:

стр. 37

ألفى الأمير عبد الرحمن بن الحكم على قضاء والده الأمير الحكم سعيد بن محمد بن بشير المعافري، وجده على القضاء لأبيه، فأمضاه بعده. ومحمد بن شراحيل المعافري جد بني شراحيل هؤلاء الذين ينسب إليهم المسجد والدرب بالربض الغربي: ثم الفرج كنانة الكناني الشذوني؛ ثم يحيى بن معمر الألهاني الإشبيلي، ثم عزله لرفع الفقيه يحيى بن يحيى عليه، ثم الأسوار بن عقبة الجياني ثم إبراهيم بن العباس المرواني جد بني أبي صفوان هؤلاء القرشيين الوجوه بقرطبة، ثم عزله - زعموا - لكلمة خاطبته بها امرأة تخاصمت إليه بمجلس نظره، فلم ينكرها، وذلك أن قالت له: يا بن الخلائف! أنظر إلى نظر الله إليك!، فلم يغير عليها، فنماها إلى الأمير موسى بن حدير الخازن الأكبر؛ ورفع إليه صفحة يقول فيها: ما ينبغي للأمير أن يشركه في سلطانه من يخاطب بمثل ما يخاطب به، ويحلى تحليته، فذاك الذي أوجب عزله، وقيل إن تلك المرأة دست لتقول ذلك القول، فعزله الأمير سريعاً؛ ثم استقضى بعده محمد بن زياد جد بني زياد هؤلاء الركنيين، ثم عزله وأعاد يحيى بن معمر إلى القضاء ثانية؛ ثم يخامر ابن عثمان الجياني، واستعفاه من الولاية فأعفاه؛ وولى أخاه معاذ بن عثمان؛ ثم سعيد ابن سليمان الغافقي البلوطي آخر قضاته، فصارت عدة القضاة في أيامه عشرة رجال قال ابن عبد البر في تاريخه: وكانت الفتيا في أيام الأمير الحكم وأيام عبد الرحمن ولده تدور على عيسى ابن دينار؛ وزونان بن الحسن، ومحمد بن عيسى الأعشى راوية وكيع بن الجراح،

стр. 38

ويحيى بن يحيى الليثي، وسعيد بن حسان، وعبد الملك بن حبيب، ومحمد بن خالد الأشج. وغلب يحيى بن يحيى جميعهم على رأي الأمير عبد الرحمن، وألوى بإيثاره، فصار يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه، فلا يستقضي قاضياً ولا يعقد عقداً ولا يمضي في الديانة أمراً إلا عن رأيه وبعد مشورته، ويحيى بن يحيى في طي ذلك يعترف للأمير عبد الرحمن بجميل ذلك، فلا يأتلي في ذكر إحماد سيرته، ووصف معدلته وتزيين آثاره لدى رعيته، وتحضيضهم على طاعته، واستنهاضهم لتكاليفه، يتأتي لذلك بلطف تناوله وسلامة جانبه، وكأنه لا يقصده، ويرى السلطان منفعته، فيزداد في إعظام قدر الشيخ يحيى بصيرة، ولا ينقض لرياسته مريرة. قرأت في كتاب معاوية بن هشام الشيبنسي قال: حدثني أبي هشام قال: سمعت الفقيه أصبغ بن خليل يقول: خرج الأمير عبد الرحمن بن الحكم غازياً إلى بعض أهل الخلاف بالغرب الأقصى، وعقده على أن لا يدخل إلى دار الحرب سنته، فلم يستنفر أهل الموسطة، واقتصر على مدونته، فلما تهيأ له مراده في عصاة أهل الغرب وأصلحه بدا له في القفول إلى الحضرة، ورأى الدخول إلى بلد العدو، وإتمام غزوته بالصمد إلى نكايته؛ فتقدم في تهيئة ذلك، ووافى كتابه على البريد إلى ولده محمد بن عبد الرحمن، وهو مخلفه على قرطبة، ليلتزم للكون بالسطح على باب السدة من قصر الخلافة مبيت الأمير على العادة فأمره باستنفار الناس نحوه، وأخذ بتعجيل الخروج إليه واللحاق به بمكان رسمه. لهم وجه عزيمته،..... وأمره أن يحضر.................... ويقرئ الناس كتاب الأمير.

стр. 39

فوافينا محمداً، وهو يومئذ أمرد، ما في وجهه شعرة، فسلمنا عليه، وقضينا حقه وجلسنا على منازلنا بين يديه، وأبطأ الشيخ يحيى بن يحيى، والعيون تتطلع نحوه، فكان آخر القوم مجيئاً، وصار الولد أشد عليه من على جميعهم إقبالاً، وإليه انعطافاً، وبه بشا، فأجلسه معه على فراشه، وأحفى يحيى سؤاله، ودعا له. ثم أمر محمد عند ذلك بقراءة كتاب الأمير عبد الرحمن علينا بالاستنفار، فأصغينا إليه. فلما فرغ بدر يحيى بن يحيى فقال: نعم، أصلح الله الأمير. الواجب علينا الخفوف إلى الإمام أصلحه الله وأيده، والبدار إلى اللحاق به، وألا يعتذر في ذلك منا إلا معتذر قد أنزل الله في كتابه عذره لا سواه. فقيل للناس: قد سمعتم، فقوموا فانظروا في جهازكم على بركة الله. وعجلوا للخروج، فآخر مواقيتكم يوم كذا. فقام الناس، ولم يتحرك الشيخ يحيى بن يحيى في ذلك عن مكانه. قال أصبغ: وورد علي منهم النفير بما لا قبل لي به، إذ كنت مقلاً لا مال لي، ولا نهوض بي، فاشتد علي، وخبت فصاحتي. ولما رأيت يحيى لا يشير إلى القيام، وكنت على ظن أن له خبراً أردت الوقوف عليه، وكانت لي مكانة من صاحب المدينة المتولي للقصة انبسطت من أجلها بالجلوس. فلما لم يبق غيري أقبل يحيى على الولد محمد، فقال: قد يرى الأمير ضعفي على النفر لشيخي ووهني وأن مثلي لا يستطيع الغزو، ولكني أبعث ابني عبد الله في مثل العدة التي كنت إغزوا بها، فإنه - إن شاء الله - أغنى

стр. 40

وأجدى مني. فإن رأى الأمير سيدي أن يكتب إلى الإمام - أيده الله - بعذري ومكان طويتي فعل. فقد كرهت أن أعتذر بمحضر الملأ، لئلا أوجد لمن ليس له عذري سبيلاً إلى الاعتذار. فشكر له محمد فعله، واستحسن فيه رأيه، ووعده بتجديد المخاطبة في شأنه. فقام يحيى، وذهبت إلى القيام، وقد هبت الكلام، فقال لي صاحب المدينة: قد علمت الذي تذهب إليه والذي تستحيى الكلام من أجله. وحقك لازم لي، فأنت مخير بين أن تنفذ لرأي الإمام فتلحق به مستريحاً للهم عن قلبك، وبين أن تدخل بيتك، وتغلق بابك عليك، فلا تخرج عنه لشيء من الأشياء إلى أن يقفل الإمام أصلحه الله، وأنا من وراء الحفظ لك بحول الله. نقال: فاخترت لزوم بيتي، فلم أخرج منه إلى أن قفل الأمير، فلم أهج بإغضاء صاحب المدينة، وأقام على بينة من أمري، إذ تبين له عذري. قال ابن عبد البر: وكانت فتيا القضاة في مدة عبد الرحمن بن الحكم تدور على نفر من الجلة ماتوا في أيام الأمير عبد الرحمن في مدة مختلفة، إلا عبد الملك بن حبيب، فإنه استأخر بعد آخرهم موتاً إلى أن هلك الأمير عبد الرحمن، فلحق عبد الملك من أيام ولده
следующие страницы →