← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ولو أن النص الأخير يوحى بأنه لم يكن ثمة تمييز بين الجزية وضريبة الأرض. وفي العصر الساداتى واللودى لا نسمع شيئًا عن جباية الجزية. ونستبين من الأسلوب الذي يتحدث به مؤرخو عهد أكبر أنه قد ألغاها، بل إن الإشارات إلى ذلك في عهد تغلق قد تكون في معظمها مدائح، ومع ذلك فإنه ليس ثمة اتفاق بينهم على تاريخ إلغاء الجزية؛ ويجعل أبو الفضل في كتابه "أكبر نامه" (المكتبة الهندية، جـ ٢، ص ٢٠٣) هذا الإلغاء سنة ٩٧١ هـ (١٥٦٤ م)، وبجسعله بداءونى سنة ٩٨٧ هـ (١٥٧٩ م)؛ انظر كتاب "منتخب التواريخ"، المكتبة الهندية، جـ ٢، ص ٢٧٦) والبداءونى نفسه- الذي يبادر فيما عدا ذلك إلى ذم أكبر لأى انحراف منه عن مذهب أهل السنة- يذكر حادثة الإلغاء بلا تعليق. ولا يشير نظام الدين أحمد إلى الجزية، ولكنه يذكر إلغاء "زكاة" سنة ٩٨٩ هـ (١٥٨١ م). وقد اتخذ أورنكزيب عدة إجراءات حيال غير المسلمين تقوم على التفرقة، ثم فرض جزية سنة ١٠٩٠ هـ (١٦٧٩ م) يذكر كتاب "مرآت أحمدى" (جـ ١، ص ٢٦٩ - ٢٩٨) أن هذا الفرض جاء بعد ملتمس رفعه إليه العلماء والفقهاء. وقد عجل بهذا الحكم بلأ شك الضائقة المالية ورغبة أورنكزيب الشخصية، ولو أن ذلك لا يفسر، بطبيعة الحال، ما كانت عليه هذه الضريبة من تفرقة. ويذكر إيسرَداس في كتابه "فتوحات عالمكيرى" (المتحف البريطانى، الإضافات رقم ٢٣٨٨٤, ورقة ٧٤ أ - ٧٤ ب) أن موظفى الحكومة قد أعفوا منها وأن هذه الضريبة كانت ثلاث فئات: أصحاب الأملاك التي تقدر ب ٢.٥٠٠ روبية عليهم ١٦ روبية، وأصحاب الأملاك التي تقدر ب ٢٥٠ روبية، عليهم ٦ روبيات و ٨ أنّات، وأصحاب الأملاك التي تقدر بـ ٥٢ روبية عليهم ٣ روبيات و ٤ أنّات؛ أما العميان، والمشلولون، والمعدمون فقد أعفوا منها. وقد أدى استحداث هذه الضريبة إلى مقاومة من الناس

стр. 2977

ومعارضه من دوائر بلاط دلهى، ولكن هذه المقاومة أخمدت. ويذكر كتاب "مرآت أحمدي" أن الجزية أتت بموارد قدرها ٥٠٠.٠٠٠ روبية من ولاية كجرات. ولم تبق الجزية طويلا بعد وفاة أوركزيب سنة ١١١٨ هـ (١٧٠٧ م): إذا يقال إن بهادر شاه وجهاندار شاه، وفرخسيار، ومحمد شاه قد ألغوها جميعًا، ولو أن فرخسيار كان قد سك في وقت من الأوقات "درهمًا شرعيًا" لتيسير أداء الجزية بالفئات الشرعية (انظر "دار الضرب"). وقد حاول نظام الملك آصف جاه أن يعيد الجزية سنة ١١٣٥ هـ (١٧٢٣ م) , وأعادها محمد شاه اسميًا سنة ١١٣٧ - (١٧٢٥ م) ولكن هذه الإعادة لم توضع موضع التنفيذ قط. المصادر: علاوة على ما ذكر في صلب المادة: (١) على محمد خان: مرآت أحمدى، جـ ١، برودة سنة ١٩٢٨, ص ٢٩٦ - ٢٩٨. (٣) محمد ساقى مستعد خان: مآثر عالمكيرى، كلكته سنة ١٨٠٧ - ١٨٧٣, ص ١٧٤. (٣) خليل خان: منتخب اللُباب، كلكتة سنة ١٨٦٠ - ١٨٧٤, الفهرس، مادة جزية. (٤) Scoria do Mogor: N. Manucci, طبعة وترجمة M. Irvine جـ ٣، لندن سنة ١٩٠٧, ص ٢٨٨ - ٢٨٩. (٥) Religious policy: S. R. Sharma of the Mughal Emperors، كلكته سنة ١٩٤٠ , الفهرس مادة Jizya. (٦) Later Mughals: W. Irvine, في مجلدين، كلكتة سنة ١٩٢١ - ١٩٢٢, الفهرس مادة. Jizya (٧) Jizyah in the post-: Satish Sandra Aurangzeb period في proc. ٩ th Indian History Congress، سنة ١٩٤. خورشيد [هاردى P.Hardy]

стр. 2978

جسر بنات يعقوب جسر على الأردن جنوبي بحيرة الحولة حيث يمر الطريق البحرى الممتد من دمشق إلى صفد وعكَّا فوق هذا النهر، وقد أخذت أهمية هذا الطريق التجارى في الازدياد في عهد الصليبيين، ومن ثم فليس بعجيب أن يكون قد دار في سبيل الاستيلاء على هذا المعبر قتال عنيف عدة مرات، ففي عام ٥٥٢ هـ (١١٥٧ م) هزم نور الدين الفرنجة عند مخاضة يعقوب. وابتنى بلدوين الرابع عام ٥٧٣ هـ (١١٧٨ م) حصنا في للك البقعة على الضفة اليمنى للأردن عند بيت يعقوب بالقرب من مخاضة الأحزان ويقول ياقوت (جـ ١، ص ٧٧٥) إن هذه المخاضة سميت بهذا الاسم، لأن يعقوب بكى ولده يوسف في هذا الموضع، وسرعان ما خرّب صلاح الدين هذا الحصن بعد ذلك مباشرة عام ٥٧٥ هـ (١١٧٩ م) واستؤنف الحج إلى مشهد اليعقوبى (ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ١١، ص ٣٠١؛ أبو شامة في Recueil des Hist. des Crois جـ ٤، ص ١٩٤, ٢٠٣ وما بعدها؛ وانظر أيضًا Les Colonies Franques de la Syrie: Rey ص ٤٣٨). ويذكر الدمشقي (طبعة مهرن، ص ١٠٧) جسر يعقوب الذي يعبر الأردن في هذا الموضع. وابتنى أحد تجّار دمشق خانًا في هذه البقعة في القرن التاسع الهجرى الموافق القرن الخامس عشر الميلادي (انظر المجلة الأسيوية، المجموعة التاسعة، جـ ٦، ص ٢٦٢). وظل هذا الطريق في القرون التالية هو الطريق الرئيسى إلى دمشق من الغرب، ومن ثم دأب الرحالة المشارقة والمغاربة على ذكر هذا الجسر في كتبهم باسمه المعروف به حتى الآن وهو جسر بنات يعقوب، (جسر بنات يعقوب، جسر يعقوب Pons Jacob يعقوب كوبروى، انظر. هـ Zeitrchrift der .Deutsch Morgenl Ges جـ ٦٤، ص ٦٩٤ - ٧٠٠). وتحققت أهمية هذا الجسر الحربية في الأزمنة الحديثة عند ما تقدمت الجنود الفرنسية نحوه عام ١٧٩٩.

стр. 2979

ويقول بيدكر Baedeker (Palaelestina, ص ٢٤٧) إن الجسر الحالى يرجع تاريخه إلى القرن الخامس عشر، ويبجل الناس قبر بنات يعقوب وهو غير بعيد من الجسر. وما زالت إلى الجنوب من هذا الجسر بمسافة قصيرة بقايا قليلة من الحصن الذي يرجع تاريخه إلى عهد الصليبيين. المصادر: علاوة على المصادر المذكورة في صلب المقال انظر: (١) Erdkaunde: Ritter جـ ١٥، ص ٢٦٦ وما بعدها. (٢) Quart. State pal. Explor, Fund ments سنة ١٨٩٨, ص ٢٩ وما بعدها. (٣) Jahrbuch- Palaestina جـ ٢، ص ٨٢، جـ ٥، ص ١٩. [هارتمان R. Hartmann] الجساس أحمد بن علي (أبو بكر الرازي) فقيه حنفى مشهور وإمام "أصحاب الرأي" في زمنه. ولد أحمد سنة ٣٠٥ هـ جسر بنات يعقوب- الجَسّاس (٩١٧ م) وشخص إلى بغداد سنة ٣٢٤, ودرس فيها الفقه على يد علي بن الحسن الكَرْخى. وكذلك درس القرآن والحديث نازلا بسنده إلى العاصم وعبد الباقي قانع (شيخ الدارقطني المشهور)، وعبد الله بن جعفر الإصفهانى، والطبراني وغيرهم. وقد استمع الجساس لنصح شيخه الكرخى، فشخص إلى نيسابور ليأخذي (أصول الحديث" على الحاكم النيسابورى. وفي هذه الأثناء توفى الكرخى، فعاد الجساس إلى بغداد (سنة ٣٤٤ هـ)؛ ثم أصبح من بعد إمام الحنفية في بغداد. وجاء في الأخبار أنه رشح للقضاء مرتين ولكنه أبي، وكان أحمد يتوسط بين أصحاب الحديث والفقهاء. ومن تلاميذه القدوري, وأبو بكر بن أحمد بن موسى الخوارزمى وغيرهما. وتوفى الجساس في ٧ ذي القعدة سنة. ٣٧٠ (١٤ أغسطس سنة ٩٨١) في نيسابور. وحسبنا أن نذكر من كتبه: "كتاب الأصول" وشرحه على "الجامع الكبير" للسيوطى؛ وشرحه على "المختصر في الفقه" (وهو أقدم شروح هذا الكتاب)،

стр. 2980

ومختاراته من "كتاب اختلاف الفقهاء" للطحاوى (انظر Schacht Aus den Bib: lintheken. جـ ١، رقم ٢٤)؛ و "أحكام القرآن" طبعة كليسلى رفعت، إستانبول سنة ١٣٣٥ - ١٣٣٨ هـ؛ في ثلاثة مجلدات، طبعة القاهرة سنة ١٣٤٧ هـ. المصادر: (١) تاريخ بغداد، جـ ٤، ص ٣١٤, رقم ٢١١٢. (٢) الجواهر المضيئة، جـ ١، ص ٨٤. (٣) ابن قتلبغا، ص ٤، رقم ١١. (٤) الشذرات، جـ ٣، ص ٧١. (٥) Classen der ha-: Fluegel nePtischen Rechtsgelehrten. (٦) Brockelmann، جـ ١, الطبعة الثانية، قسم ١، ص ٣٣٥. خورشيد [سبايز O. Spies] جعفر الصادق أبو عبد الله، بن محمد الباقر، وكان راوية من رواة الأحاديث، وهو آخر إمام اعترف به الإثنا عشرية والشيعة والإسماعيلية، ولد عام ٨٠ هـ (٦٩٩ - ٧٠٠) أو عام ٨٣ هـ (٧٠٢ - ٧٠٣ م) في المدينة، ووالدته هي أم فروة، وهي ابنة حفيد لأبي بكر. وقد ورث الإمامة من الباقر عام ١١٩ هـ (٧٣٧ م) أو عام ١١٤ هـ (٧٣٣ م) ومن ثم فإنه عاش في السنوات الحرجة التي انتقلت فيها السلطة من الأمويين إلى العباسيين، وكان على رأس هؤلاء الشيعة الذين رضوا بإمامة فاطمية غير محاربة. وعاش في هدوء بالمدينة، وكان حجة في الحديث، والفقه على الأرجح، وتتحدث عنه أسانيد أهل السنة باحترام. ولم يعمل على قيام قطيعة حادة بينه وبين معظم من هم على مذهب غير مذهب الشيعة، بل إن تابعًا شيعيًا من أتباعه استطاع الظهور في أسانيد أهل السنة (وقد اتهم الشيعة المتأخرون خلفه عبد الله بأنه ذو ميول سنية) ومع ذلك فإنه كان، فيما يبدو، زعيما شيعيًا جادًا. والظاهر أنه أباح لشيعته أن يعُّدوه، مثل أبيه، مفسرًا أوحد للشريعة، وأقنعهم بأن الله آثره بالعلم والمعرفة

стр. 2981

الدينية (وأنه، من حيث المبدأ، الرجل الوحيد الجدير بأن يتولى الحكم شرعًا). بيد أنه كان يعقد حلقات الدرس في دائرة أوسع من الناس، وكانوا يستفتونه هو وغيره من الشيوخ. ويقال إن أبا حنيفة ومالك بن أنس وواصل ابن عطاء وغيرهم من الشخصيات البارزة قد رووا عنه الحديث. وبدأ الشيعة، في بواكير عهده، يتبوأون مكانًا مرموقًا في مجال الفقه، ولكن لا يمكن أن نقول على وجه التحقيق إلى اى حد يمكن أن تنسب مذاهب الأئمة الاثنا عشرية الإسماعيلية (أو الزيدية) التي تلت ذلك إلى تعاليمه، على الرغم من أن له دورًا قياديًا في مذهبى الاثنا عشرية والإسماعيلية. وكان جعفر في الفترة التي نشبت فيها فتنة زيد سنة ١٢٢ هـ (٧٤٠ م) بمثابة رمز لهؤلاء الشيعة الذين لم أبوا أن ينتقضوا، وظل محايدا لم ثناء الفتن التي نشبت بعد وفاة الوليد سنة ١٢٦ هـ (٧٤٤ م) عندما توقع معظم الشيعة أن تصل الأسرة العلوية أخيرًا إلى الحكم. ولعل شيعة الكوفة قد طلبوا منه العون، وربما طلبوا منه ترشيح نفسه في عهد انتصار العباسيين، ولكن يبدو أنه تحاشى الاعتراف بترشيح أي شيعى آخر من غير شيعته، وكان إذا ما فكر في نفسه تمسك بمبدأ القعود، أي أن الإمام الحق ليس في حاجة لمحاولة الاستيلاء على السلطة إلا إذا كان الوقت مناسبًا، وحسبه أن يقوم بالتعليم. والتزم للمرة الثانية جانب الحياد في الفترة التي انتفض فيها الشيعى محمد النفس الزكية بالحجاز سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ م) , وتزعم لم نصار الحسين الذين لجأوا إلى السلبية في قضية الحسن الكبرى، فتركه المنصور يعيش في سلام. وقد اجتذب جعفر دائرة من المفكرين النابهين، معظمهم، مثل غالبية الشيعة، كانوا يعيشون عيشة عادية في الكوفة (وبعضهم في البصرة). وكان أبوالخطاب أكثر زعماء غلاة الشيعة المتقدمين إنتاجًا، ويبدو أنه كانت تربطه به صلات وثيقة، فنسبت بعض الآراء المتطرفة إلى جعفر نفسه (ولكن الأئمة الاثنا عشرية رفضوا هذه الآراء من بعد، وعدوها أفكارًا مدسوسة من أبي

стр. 2982

الخطاب). ومهما يكن من شيء فإن جعفرًا أنكر على أبي الخطاب، قبل أن يقتل عام ١٣٨ هـ (٧٥٥ م)، قوله، وقرر أنه تجاوز الحدود. وقد أزعج هذا الرفض بعض أعوانه. ومن المحتمل، فيما يبدو، أن تكون بعض الآراء الشيعية المتطرفة قد عاونت على إضفاء صفة الجاذبية على إمامة جعفر في العراق، ومع ذلك أنه أصر على ألا تخرج عن الحدود. واشترك معه ومع ابنه فلاسفة يبزونه في التخصص، نذكر منهم بخاصة هشام بن الحكم ومحمد بن النعمان، الملقب باسم شيطان الطاق، الذي كان ينزع إلى منهج المشبِّهة، معارضًا به منهج المعتزلة الأوائل الذين جادلوه فيما يقول، ونسب إلى جعفر نفسه (وليس هناك ما يؤكد صحة ذلك) موقف إزاء مسألة القدر، يزعم أنه وسط بين الجبر والاختيار. وتوفى جعفر عام ١٤٨ هـ (٧٦٥ م)، مات مسمومًا بناء على أوامر المنصور، كما تذهب إلى ذلك رواية الاثنا عشرية، وهي غير محتملة، ودفن في البقيع بالمدينة، وكان الناس، وبخاصة الشيعة، يزورون ضريحه إلى أن هدمه الوهابيون. وقد ترك أتباعًا متماسكين، وحياة عقلية نشطة تصلح لتكوين فرقة. بيد أن بعض نزعاته المتبانية، التي كان يدأب على محاولة التوفيق بينها، كانت فيما يبدو سببًا في أن تتعرض بعد لانشقاقات تاريخية بين آونة وأخرى بسبب النزاع على من يخلفه في الإمامة. وكان قد استخلف إسماعيل، وهو ابنه الأكبر من زوجة من أبناء على تسمى فاطمة، وهي حفيدة الحسن ﵁، غير أن إسماعيل توفى قبل أبيه، وهي حقيقة زعزعت إيمان بعض أتباع جعفر، وتمسك جمهور غفير بإمامة إسماعيل، وأصر البعض على أنه لم يمت بل استتر، ورأى البعض الآخر أن تنتقل الإمامة إلى ابنه محمد بن إسماعيل، وتكونت من هؤلاء نواة الإسماعيلية المتأخرين، ويعد جعفر عندهم الإمام الخامس. ومهما يكن من أمر فإن غالبية أتباع جعفر، ارتضوا عبد الله أخا إسماعيل لأمه، وأكبر الاحياء من الأبناء

стр. 2983

على أساس أن جعفرًا كان قد أرسى قاعدة عامة بأن يخلف الإمام ابنه الأكبر، بيد أن عبد الله توفى، بعد بضعة أسابيع دون أن يعقب ذرية، ومن ثم ارتضت الأغلبية موسى إمامًا، وكانت أمه جارية، وقد رحب به البعض منذ البداية، ومنهم فلاسفة مبرزون، وتطور هؤلاء إلى الشيعة الاثنا عشرية، وكانوا يرون أن جعفرًا هو الإمام السادس. وأكدت قلة منهم أن جعفرًا لم يمت حقًّا، وأنه مستتر وسيعود في صورة المهدي المنتظر (أطلق على هوْلاء اسم الناووسية). وتطلِّع بعض أتباع جعفر إلى محمد شقيق موسى الصغير، الذي أصبح من بعد إمام الشُمَيطية. ويعد جعفر عند معظم الشيعة إمامًا من أعظم الأئمة، والمعلم المثالى للفقه. ويشير الاثنا عشرية إلى أنفسهم باعتبار أنهم أصحاب مذهب سموه مذهب الجعفرية. ونسبت إلى جعفر اقوال عديدة تعرّف مذهب الشيعة، ونسبت إليه كذلك أدعية وعظات. ونسب إليه كل من أهل السنة والشيعة كتبًا عديدة، ليس بينها كتاب صحيح على الأرجح، وهي تتناول بصفة خاصة العرافة والسحر والكيمياء، وأشهرها جميعًا كتاب الجفر الذي تكتنفه الأسرار ويتنبأ بأحداث المستقبل. ويعد جعفر الشيخ الأكبر للكيميائى جابر بن حيان (الذي كان في الواقع يجلُّه باعتباره معلمًا دينيًّا)، ويعد أيضًا من كبار الصوفية. ونسب إليه، وبخاصة بين الشيعة، كثير من الأقوال تناولت كل جوانب المسائل التي كانت موضعًا للجدل، وهذه الأخبار تكاد تكون عديمة القيمة في تحديد آراءه بالفعل في حالة معينة. المصادر: (١) الطبري، طبعة دى غويه، جـ ٣، ص ٢٥٠٦ وما بعدها. (٢) ابن خلكان: وفيات الأعيان، طبعة م. محيي الدين عبد الحميد، القاهرة سنة ١٣٦٧ هـ (١٩٤٨ م)، جـ ١، ص ٢٩١ وما بعدها (تعليق رقم ١٢٨). (٣) الحسن بن موسى النَّوْبَخْتى فرق الشيعة، طبعة م. صادق آل بحر

стр. 2984

العلوم، النجف سنة ١٣٥٥ هـ (١٩٣٦ م) , ص ٦٢ - ٧٩. مراجع أخرى: (٤) Arabische Al -: Julius F.Ruska , chemisten جـ ٢، ' Der Sechte Imam Ga far al Sadiq, هيدلبرغ سنة ١٩٢٤ وانظر أيضًا. (٥) ibn Hayyan and: Ruska Gabir - seine Beziehungen Zum Imam Ga'far as Sadiq، في Isl عدد ١٦، ص ٢٦٤ - ٢٦٦. (٦) The Shi': Dwight M. Donaldson ite religion وهو أقل تمحيصًا، لندن سنة ١٩٣٣، الفصل الثاني عشر، وانظر أيضًا عن المؤلفات المنحولة له. (٧) Brockelmann , القسم الأول، ص ١٠٤. (٨) Marshal G.S.Hodgson: How did the early Shi'a became sectarian, في Journal of the American Oriental Society عدد ٧٥ سنة ١٩٥٥، ص ١ - ١٣. (٩) عبد العزيز سيد الأهل: جعفر بن محمد، بيروت سنة ١٩٥٤. آدم [هودجسون M. G.S Hodgson] جعفر بن أبي طالب ولقبه الطَيّار (أي الذي يطير إلى الجنة) وهو ابن عم النبي [ ﷺ ]. وكان جعفر من السابقين إلى الإسلام، هاجر مع المسلمين في هجرتهم الثانية إلى الحبشة. وتذهب الرواية الشائعة إلى أنه كان في الواقع زعيم المهاجرين والمتحدث بلسانهم في حضرة النجاشي. ويقول البعض إنه حضر غزوة بدر، ولكنه كان في الحبشة وقت حدوث تلك الغزوة، ولم يعد إلى بلاد العرب إلا عام ٧ هـ (٦٢٨ م) بعد وقعة خيبر مباشرة، وكان له نصيب في الغنائم التي غنمها المسلمون فيها شأنه في ذلك شأن باقي أتباعه من المهاجرين. وقد أنفذ النبي [ ﷺ ] في العام التالي جيشًا عدَّته ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زيد بن حارثة لقتال الروم, واختار جعفرًا نائبًا لزيد إذا ما سقط في القتال كما اختار عبد الله بن

стр. 2985

رواحة خلفا لجعفر إذا هلك أيضًا في القتال. ولاقى هذا الجيش العدو عند مؤته غير بعيد من البحر الميت، وسقط في القتال كل من زيد وجعفر وابن رواحة على التعاقب، ولم يستطع خالد ابن الوليد إيقاف المسلمين الذين ركنوا إلى الفرار والعودة بهم إلى المدينة إلا بشق الأنفس. وكان ذلك في العام الثامن من الهجرة (٦٢٩ م) ولا يزال قبر جعفر الطيار قائمًا عند مؤته، ويقال إن النصارى أيضًا يبجلون قبره كما يبجله المسلمون. وابتنى المسجد القائم هنالك الملك المعظم عيسى الأيوبى. المصادر: (١) ابن سعد، جـ ٤، القسم الأول، ص ٢٢ وما بعدها. (٢) الطبري، طبعة ده غويه. في مواضع مختلفة. (٣) تاريخ ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٢، ص ٤٢، ٥٩ وما بعدها؛ ١٦٣, ١٧٨ وما بعدها. (٤) الكاتب نفسه: أسد الغابة، جـ ١، ص ٢٨٦ وما بعدها. (٥) ابن حجر: الإصابة، جـ ١، ص ٤٨٥ وما بعدها. (٦) Der Islam um Morgen: Mueller undAbendland جـ ١، ص ١٠٥. (٧) Annah dell' Islam: Caetani , انظر الفهرس. (٨) Die: Domaszewski, Bruennow provincia Arabia جـ ١، ص ١٠٥. (١) Arabia petraea: Musil جـ ١، ص ٦١، ١٥٢، جـ ٣، ص ٢٨٧، ٣٣٠. (١٠) Ursemitische Religrion: Curtiss ص ٢٠٤ وما بعدها. (١١) المجلة الأسيوية، المجموعة التاسعة، جـ ٤، ص ٢٨٠. [تسترشتين K. V.Zettersteen] (*) جعفر بن أبي طالب: ابن عم النبي ﷺ ، وشقيق على، وكان أسن منه بعشر سنين. وعندما ضاقت ذات يد والده، أخذه عمه العبَّاس إلى بيته، ليخفف العبء عن أبي طالب، وكفل محمد ﷺ عليًّا. وجعفر من أوائل الذين اعتنقوا

стр. 2986

الإسلام (يحتل جعفر المركز الرابع والعشرين أو الحادي والثلاثين أو الثاني والثلاثين في ثبت السابقين إلى الإسلام) وكان ضمن المسلمين الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة (يتصدر اسمه القائمة الثانية التي أوردها ابن هشام في كتابه ص ٢٠٩). وتبعته زوجته أسماء بنت عميس. وعندما بعثت قريش أبا ربيعة بن المغيرة المخزومي ابن العاص إلى النجاشي، تطلب منه اعتقال المهاجرين، قام جعفر بتلاوة آيات من القرآن الكريم ورد فيها ذكر العذراء مريم (من سورة مريم) أمام العاهل الحبشى، وقرأ في حضرته من بعد، آيات من القرآن الكريم تناولت عيسى بن مريم (سورة النساء)، وظفر منه بالحماية لنفسه ولأصحابه، بل يقال إنه جعل النجاشي يدخل في دين الإسلام. وفي غضون فترة الهجرة المذكورة أوصى النبي ﷺ النجاشي صراحة بجعفر، وفي الفترة التي عقد فيها عهد التآخى المشهور بين المهاجرين والأنصار، آخى النبي صلى الله عليبما وسلم بين معاذ بن جبل وجعفر، وإن جعفرًا قد شهد وقعة بدر، إذ أن اسمه يذكر بين من شهدوها. والتقى جعفر، لدى عودته من بلاد الحبشة، بالنبي ﷺ يوم الاستيلاء على خيبر سنة ٧ هـ (٦٢٨ م) فضمه النبي ﷺ إلى صدره بحرارة وصاح قائلا: "ما أدرى بأيهما أنا أسَرْ. بقدوم جعفر أو بفتح خيبر؟ ". ويتردد اسم جعفر في المصادر المتصلة بقصة عمّارة بنت حمزة عم النبي ﷺ . وكانت الفتاة قد بقيت بمكة. وعرض عليّ أن يتخذها زوجة ويصحبها إلى المدينة لينقذها من عبدة الأوثان، ويحترم في الوقت نفسه صلح الحديبية، فاحتج زيد ابن حارثة بأنه وليها بصفته أخًا لحمزة ووريثًا له، وقال إن جعفرًا وليها كذلك بسبب قرابته لها (كان جعفر ابن أخي حمزة وأخا زوج أم عمارة) ووافق محمد ﷺ على أن جعفرًا هو الذي تجب ولايته للفتاة، ومنعه من الزواج بها بسبب صلة قرابته المزدوجة. ورحب جعفر بقرار النبي

стр. 2987

صلى الله عليه وسلم، وحجل حول محمد ﷺ . ويروى أن النبي ﷺ . قال في هذه المناسبة: "أشبهت خَلْقى وخُلُقى". وعندما قرر النبي ﷺ أن ينفذ عام ٨ هـ (٦٢٩) حملة إلى ما وراء حدود الروم (البوزنطيين) أقام زيد بن حارثة أميرًا للجيش، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. واستشهد الثلاثة في وقعة مؤتة (جمادى الأولى عام ٨ هـ = ٦٢٩ م) فنوا في قبر واحد، ليس عليه آية علامات تميزه. وفي مؤتة قبر عليه نقش تذكار بالخط الكوفي، لا يزال بعضه قائمًا، وهذا يدل على قدم الرواية التي تدور حوله. وقد حارب جعفر بشجاعة واستشهد (وكان وقتذاك في الأربعين من عمره)، ويقال إنه أعجز جواده قبل المعركة حتى لا يجد أمامه سبيلا للهرب، وأنه أول من فعل ذلك في الإسلام. وقطعت يداه الواحدة بعد الأخرى فحمل العلم بأن ضمه إلى صدره بطرفيه المبتورين. وأحصى في جسده أكثر من ستين جرحًا. ورأي النبي ﷺ ، بفضل قواه الخارقة، ما حدث في المعركة وهو فوق منبره. وذهب في اليوم التالي إلى بيت جعفر وأبلغ أرملته، وهو يبكى، بمصابها. وكان جعفر أشد أقارب محمد ﷺ شبهًا به، وقد لقب باسم أبي المساكين (أو أبي المساكن) بسبب برّه بالفقراء، وأُطِلق عليه بعد استشهاده اسم جعفرَ ذي الجناحين أو جعفر الطيَّار في الجنة، لأن النبي ﷺ قال إنه رآه في المنام يطير بجناحين يقطران دمًا بين جماعة من الملائكة في الجنة. وجاء في كتاب (أسد الغابة) وكتاب (عمدة الطالب) أنه لقب أيضًا باسم ذي الهجرتين لأنه هاجر مرتين، أولاهما إلى بلاد الحبشة وثانيتها إلى المدينة، ومن الأبناء الذين أنجبهم جعفر من زوجته أسماء، عون ومحمد، وقد سقطا شهيدين في كربلاء بجوار الحسين ﵁، وذريته من صلب ابنه عبد الله فحسب. ويحدثنا ابن أبي الحديد عن مناظرات من يرون أن فضائل جعفر

стр. 2988

أعظم من فضائل عليّ، وقد اعتنق الإسلام بعد سن البلوغ ومات شهيدًا، على حين نجد بعض موضوعات أخرى. وقد تناول أبو حيان التوحيدى في الباب الخامس من كتابه البصائر. المصادر: (١) ابن هشام، ص ١٥٩, ١٦٤، ٢٠٩, ٢١٩, ٢٢١, ٣٤٤, ٧٨١, ٧٩٤ - ٧٩٦. (٢) الطبري، جـ ١، ص ١١٦٣ وما بعدها , ١١٨٤، ١٦١٠, ١٦١٤، ١٦١٦ - ١٦١٨؛ جـ ٢، ص ٣٢٩؛ جـ ٣، ص ٢٢٩٧ وما بعدها. (٣) الواقدي (طبعة فلهاوزن)، ص ٧٣, ٨٣, ٢٨٢, ٢٨٧, ٢٩٦, ٣٠٢ وما بعدها، ٣٠٩ وما بعدها, ٤٣٣. (٤) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٤، ص ١٥٩, ١٨١، ١٨٢, ٢٩٠, ٤٤٩؛ جـ ٥، ص ١٤٨. (٥) ابن خلدون، جـ ٢، الملحق، ص ٧، ١٦ وما بعدها. (٦) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ١، ص ٢٨٦ - ٢٨٩. (٧) ابن حجر: الإصابة، جـ ٢، ص ٥٨٤، رقم ٨٧٤٦. (٨) ابن عنبة: عمدة الطالب، النجف، سنة ١٣٥٨ هـ، ص ١٩ وما بعدها. (٩) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، القاهرة سنة ١٣٢٩ هـ, جـ ٢، ص ١٠٨ وما بعدها؛ جـ ٣، ص ٣٩ - ٤١. (١٠) Annali: Caetani, الفهرست في نهاية المجلد الثاني. (١١) Mu-: W. Montgomery Watt hammad at Mecca. أكسفورد سنة ١٩٥٣، ص ٨٨, ١١٠, ١١١. (١٢) الكاتب نفسه: Muhammad at Medina، أكسفورد سنة ١٩٥٦، ص ٥٤ وما بعدها و ٣٨٠ وما بعدها (فيما يختص بشرح تحريم زواج جعفر بعمارة). (١٣) أما بالنسبة لحديث الشبه بين النبي [ ﷺ ] وجعفر فانظر wensinck: Concordance، مادة صحابة. (١٤) وأما فيما يختص بالضريح والمصادر المتعلقة به فانظر Harawi:

стр. 2989

des lieux de Pelerinage Guide (= كتاب الزيارات) ترجمة J.Snurdel - Thomine. دمشق سنة ١٩٥٧. ص ٤٧. آدم [فشيافا كليبرى L. Veccia Vaglieri] جعفر بن يحيى البرمكى كانت مكانة أسرة جعفر قد هيأت له على الفور أسباب الاتصال الوثيق بالبيت المالك، لأن أباه يحيى بن خالد البرمكى كان بحكم تربعه على دست الوزارة الحاكم الفعلى للإمبراطورية الإسلامية العظيمة، في حين كان أخوه الفضل بن يحيى مقربًا من الخليفة هارون أخيه في الرضاع. وقد اكتسب بحسن خلاله محبة الخليفة العباسى العظيم، وبلغ من الجاه والسلطان شأوا عظيما. واختاره الخليفة لولاية مصر عام ١٧٦ هـ (٧٩٢ - ٧٩٣ م) ثم أعفاه من أعباء هذا المنصب في العام التالي. ثم أنفذه عام ١٨٠ هـ (٧٩٦ - ٧٩٧ م) إلى الشام عندما شبت فيها الفتنة فأعاد السلام إلى ربوعها. وفي هذا العام ولَّاه الخليفة على خراسان وسجستان ولكن حل محله في الولاية عيسى بن جعفر بعد ذلك بعشرين يومًا. وولى جعفر الوزارة أيضًا فترة من الزمن. ومهما يكن من شيء فلم يكن لجعفر شأن خطير في الحياة العامة، وينحصر شأنه في سلطانه العظيم على هارون حتى أن الخليفة لم يكن يطيق فراق صديقه الذكى المثقف، بل بلغ من شأنه أنه عهد إليه تهذيب ولده الأكبر المأمون. وقد ذهب هارون في تعلقه العجيب بجعفر الشاب إلى حد أنه زوجه من أخته المحبوبة العباسة. فقد كان هارون يرغب في أن تكون العباسة وجعفر إلى جانبه، ولكن العباسة لم تكن لتستطيع أن تسفر أمام جعفر الشاب فلم يكن بد من تزويجها منه. ولما كان يخشى أن يصبح البرامكة بهذه المصاهرة خطرًا يهدد العباسيين فقد اشترط أن يكون الزواج بالاسم فقط: ومهما يكن من شيء فقد حملت العباسة ولدًا من جعفر. وفي رواية أخرى أنها حملت توأمين أرسلهما إلى مكة ليشبا فيها. ولم تخف الحقيقة على هارون طوياو، إذ غدرت بالعباسة إحدى جواريها. ولما استوثق

стр. 2990

هارون من صحة هذه القصة، وكان في رحلة إلى مكة، عوَّل على الانتقام. وقد قتل جعفر بأمر من الخليفة هارون الرشيد من غير محاكمة، وذلك في آخر يوم من المحرم عام ١٨٧ هـ (٢٧ يناير ٨٠٣ م). وزج ببقية أفراد الأسرة البرمكية في السجن وصودرت أملا كهم. ومهما يكن من شيء فإننا لا نعرف على وجه التحقيق هل كانت العلاقة بين جعفر والعباسة هي السبب الحقيقي في تنكر الخليفة هارون لصفيه جعفر. والحق إن طول اعتماد هارون على وزرائه من البرامكة أصبح أمرًا غير محتمل، ثم إن سلطان البرامكة الذي لم يسمع بمثله من قبل كان يقتضي أمرًا من أمرين، إما رضوخ الخليفة التام لهم، وإما القضاء على البرامكة قضاءً مبرمًا. وذكرت تعليلات أخرى لهذه النكبة، فقد قيل مثلًا إن جعفرًا أطلق سراح الثائر يحيى بن عبد الله دون استئذان الخليفة فأسخطه عليه. ومهما يكن من أمر فإن الخليفة هارون قد حنق على جعفر لسبب ما، وإلا كان غضبه قد انصبَّ على أبيه رأس أسرة البرامكة، ومن المحقق أيضًا أن دسائس الفضل بن الربيع فعلت فعلها في هذا الشأن. ومن المحتمل أن تكون هناك عدة أسباب حدت بهارون إلى القضاء على البرامكة. المصادر: (١) الطبري، طبعة ده غويه، جـ ٣، انظر الفهرس. (٢) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٦، ص ٨٢ - ١٦١. (٣) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ١٣١, ترجمة ده سلان, جـ ١، ص ٣٠١ وما بعدها. (٤) Chalifen: Weil Geschichte der جـ ٢، ١٣٥ وما بعدها. (٥) Der Islam im Morgen -: Mueller und Abendland جـ ١، ص ٤٩٧ وما بعدها. (١) al - Ras-: E. H. Palmer Haroun chid، انظر الفهرس، مادة جعفر. [تسترشتين K V. Zettersteen]

стр. 2991

جغرافيا قصدنا من كتابة هذه المادة إلى دراسة كتب الجغرافيا عند المسلمين، فهي لذلك محاولة لسد الثغرة التي قال بارتولد W.Barthold المقدمة التي كتبها للطبعة المنقولة طبق الأصل من كتاب "حدود العالم" (لينينغراد، سنة ١٩٣٠, ص ٧) أنها نقص خطير في دائرة المعارف هذه. وكلمة جغرافيا (وينطق بها أحيانا بفتح الجيم) لم تستعمل للدلالة على علم الجغرافيا إلا متأخرًا. وجرى قدماء الجغرافيين على اسمعمال هذا اللفظ علما على كتاب بطليموس المعروف في الجغرافيا (الفهرست، ص ٢٦٨) وعلى كتاب مارينوس الصورى (المسعودى: التنبيه والإشراف، ص ٣٣، وقد فسرت كلمة جغرافيا في هذا الموضع بأنها "قطع الأرض"). واستعملت لأول مرة بمعنى "علم الجغرافيا" في رسائل إخوان الصفاء (طبعة القاهرة سنة ١٣٤٧ هـ, ص ١١١) ولكنها فُسرت أيضًا في هذا الموضع بأنها "صورة الأرض"، وظل هذا المعنى شائعًا في العصور الوسطى. ولم يصبح لهذه الكلمة المعنى الذي نعرفه اليوم من علم الجغرافيا إلا في ازمنة حديثة بعض الشيء (انظر الفصل المعقودعلى علم الجغرافيا في كتاب كشف الظنون لحاجى خليفة، الآستانة سنة ١٣١١ هـ, جـ ١، ص ٣٩٤). ويمكن القول بأن مصنفات المسلمين لم تنشأ فرعًا متميزًا بنفسه عن فروع التأليف الأخرى إلا بعد عام ٨٠٠ للميلاد، فقد ألفت لأول مرة في القرن التاسع طائفة من الرسائل تتناول المسائل الجغرافية بصفة خاصة. وقد اختلف كتاب ذلك العهد اختلافًا كبيرًا في تناولهم هذه المسائل ثم تطورت شيئًا فشيئا فأصبحت تكتب بأسلوب مقرر على تفاوت في ذلك، وكان هذا الأسلوب أهم سمات الجغرافيا عند المسلمين لعهدها القديم، وهو يشمل القرنين العاشر والحادى عشر. على أن كتاب المسلمين لم يكتبوا بأسلوب واحد يبعث الملل, ولم يكن الاشتغال بدراسة

стр. 2992

المسائل الجغرافية ليبدأ إلا في الوقت الذي استقرت فيه الحضارة الإسلامية وتجمعت حول أول حاضرة ثقافية هامة لها ألا وهي بغداد. فقد أتيحت الفرصة أول ما أتيحت لتدوين المعلومات المخللفة المتصلة بالعالم المادى، وهي المعلومات التي اكتسبتها أجيال العرب المتقدمة ومن أسلم من أهل الممالك التي فتحها العرب. وقد استقيت هذه المعلومات من موارد متعددة. فالأحوال الجغرافية لجزيرة العرب كما صورها الشعر العربي القديم كانت موردًا هامًا من هذه الموارد. ذلك أن هذا الشعر غنى بأعلام جغرافية كان البدو يدركون حقيقتها، فقد وعوا هذا الشعر عن ظهر قلب، وكانوا يتبينون طريقهم على الفور في بلادهم الواسعة باستذكارهم إحدى القصائد التي ورد بها اسم الموضع الذي يجدون أنفسهم فيه (Das: Buhl Leben Muhammeds ص ٦١). وانتقلت هذه المعلومات الجغرافية المفصلة هي والرواية الشعرية القديمة إلى حضارة الإسلام الأكثر ثقافة. وكان لغويو القرن الثامن مثل الأصمعى من المتقصين لجغرافية بلاد العرب. واستمرت هذه الصلة بين اللغة والجغرافيا قائمة خلال القرون المتعاقبة، ولا تزال واضحة في المعاجم الجغرافية التي كتبت في القرون المتأخرة مثل (معجم البكرى) وهو كتاب قصد به مؤلفه إلى ضبط أسماء المواضع وغير ذلك من المعلومات الجغرافية الواردة في الشعر، وكتاب (الأمكنة) للزمخشرى، وكتاب (الأمكنة) لأبي الفتح نصر الإسكندرى (المتوفى عام ١١٦٥؛ انظر معجم البلدان لياقوت، جـ ١، ص ٨) ومعجم البلدان لياقوت ناهيك بالمؤلفات اللغوية المتأخرة مثل (تاج العروس) وهو يزودنا بكثير من المعلومات الجغرافية. على أن الجغرافيا العربية قد درسها في القرون المتقدمة علماء من طراز هشام أبي المنذر بن الكلبى المتوفى عام.٨٢٠ م دراسة أكثر استقلالا من ذي قبل، ويقول صاحب الفهرست (ص ٩٧) إن هشامًا كتب مالا يقل عن عشرة كتب في المسائل

стр. 2993

الجغرافية. ولم يصل إلينا شيء من هذه الكتب، ولذلك لا نعلم هل تناول مصنفاه "كتاب البلدان الكبير" و "كتاب البلدان الصغير" بلادًا أخرى غير الجزيرة العربية، وإذا كان "كتاب العجائب" للحسن بن المنذر- الذي ذكره الإدريسي كثيرًا -هو عين "كتاب العجائب الأربعة" لهشام (الفهرست، ص ٩٧) فإن هذا المؤلف يكون أول من كتب في الموضوعات الجغرافية العامة في الإسلام، ويتصل بهذه الرواية الجغرافية العربية الخالصة الكتاب النفيس "جزيرة العرب" للهمدانى. والقرآن أقدم الوثائق التي تناولت معلومات جغرافية ليست عربية خالصة، ومع ذلك فالإرشادات الجغرافية الواردة فيه نادرة، وفيها الفكرة القائلة بأن الأرض مستوية عليها الجبال كالأوتاد (سورة النبأ، الآية ٦ و ٧). وكثيرًا ما يستشهد الكُتَّاب المسلمون بهذه الآيات في أدعيتهم (كالإدريسى مثلًا) أو يسعون إلى تأييد آرائهم بما ورد في القرآن. وينطبق هذا على ها جاء في قوله تعالى "وهو الذي مرج البحرين هذا عذبٌ فراتٌ وهذا ملحٌ أجاجٌ وجعل بينهما برزخا .. " (سورة الفرقان، الآية ٥٣؛ سورة النمل، الآية ٦١؛ سورة الرحمن، الآية ١٩؛ وانظر المقدسي، ص ١٦). وقد أصبح هذا المذهب عقيدة في علم الجغرافيا وعلم رسم المصورات الجغرافية في القرن العاشر (انظر Der Koran and: Barthold das Meer في Zeitschrift der Deutschen .Gesell . Morgenl سنة ١٩٣٠, ص ٣٧ وما بعدها فيما يتصل بما يمكن أن يكون الأصل في هذا الرأى). على أن القرآن يتحدث أيضًا في آية من آياته عن البحار السبعة. ولابد أن يكون قد انتقل إلى العرب من هذه العهود الإسلامية الموغلة في القدَم، أن لم يكن قبل ذلك، آراء جغرافية أولية تناقلها اليهود والنصارى. وكان غالب هذه الآراء من أصل شرقي، وهي أقرب إلى علم وصف الكون منها إلى الجغرافيا. فهي تتحدث مثلًا عن امتداد الأرض بما يقدر بمئات السنين (ابن خرداذبه، ص ٩٣) وعن البحر المحيط وعن بعض الأنهار التي أصلها من الجنة، وعن عمق البحار، وعن تماسك الجبال والسلاسل

стр. 2994

الجبلية، وتنقل هذه الآراء الأخيرة غالبًا عن وهب بن منبه، وقد درس فنسنك هذه الآراء المتصلة بعلم وصف الكون في - The Ideas of The Western Sem ites Concerning the Navel of the Earth سنة ١٩١٦. في. Verh. AK. Amst. . ومن هذه الآراء أيضًا روايات خاصة بتقسيم مبتكر للأرض وتصورات عن شكلها. فقد جاء في رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها على هيئة الطير (ابن عبد الحكم: فتوح مصر، ويلاحظ ابن حوقل، مكتبة طوب قابى، رقم ٣٣٤٦ بالآستانة، ص ١٢١ أن هذا الوصف لا يصدق إلا إذا كان المقصود بلاد العرب). وآراء عن توزيع الشعوب على سطحها. والواضح أن هذه الآراء مأخوذة عن أسفار العهد القديم: منها إسكان يأجوج ومأجوج في أقصى الشمال الشرقي، وهم من الأقوام الذين ذكرهم القرآن وكذلك ربط نسب بعض الأقوام المخللفة بأبناء نوح. ولما كثر الأعاجم في الإسلام أضيفت على التدريج بعض التصورات البدائية المماثلة المأخوذة عن المصادر الفارسية والمصرية واليونانية، وقد كانت بعض هذه التصورات مرجع الأهواء التي أثرت قرونا في المصنفات الجغرافية، ولم يظهر بعضها في المصنفات إلا في عهد متأخر عن هذا، وهي من أصل قديم دون شك، مثل الاعتقاد بأن الأرض تحيط بجبل قاف. وازدادت معلومات العرب الجغرافية الواقعية عن العالم غير العربي إبان الفتوحات الكبرى، ودونت هذه المعلومات في أول ما كتب عن هذه الفتوح، فكتب الحديث وأبواب الفتوح منها خاصة صدى لما دون من هذه المعلومات، ولكنها في جملتها لا تزودنا بمعارف جغرافية مميزة، ففيها ذكر لفضائل المدن والبلدان المختلفة مثل المدينة وبيت المقدس والشام ومصر واليمن. وفي الباب العاشر لكتاب الملاحم لأبي داود وصف مفصل نوعا لمدينة البصرة (وقد استقيت هذه المعلومات الخاصة بالحديث من فنسنك A. J. Wensinck) . وإلى جانب هذه الأحاديث الفقهية، أحاديث أخرى مشابهة نذكر منها على سبيل المثال فضائل مصر والقبط الواردة في كتاب

стр. 2995

ابن عبد الحكم، وكتب الفضائل المصرية التي ظهرت بعد ذلك. ويتصل بأقدم ما عرف من المعلومات الجغرافية السياسية فقرة من "كتاب الزيج"، للفزارى الفلكى (النصف الثاني من القرن الثامن) بها وصف للعالم المعروف وقتذاك. وقد حفظ لنا المسعودى هذه الفقرة في كتابه مروج الذهب (جـ ٤، ص ٣٧ وما بعدها). وفيها صلة بين التاريخ المشوب بالجغرافيا الخالصة وهي صلة لم تنفصم أبدًا. فقد كان كثير من جغرافي العصور التالية مؤرخين في الوقت نفسه مثل اليعقوبى والبلخى والمسعودى، بينما اشتمل كثير من المصنفات التاريخية على فصول هامة في الجغرافيا. وفي "كتاب المعجب، لعبد الواحد المراكشى (طبعة دوزى، ص ٢٥٢) فقرة مفيدة تبين أنهم كانوا يدركون الفارق بين هذين النوعين من التأليف إدراكا واضحا، على أن هذا الاتصال بين التاريخ والجغرافيا ظل قائما بل ازداد قوة حتى في الوقت الذي قصر فيه الجغرافيون والمؤرخون همهم على أفكار خاصة كما هو الشأن في المؤلفات المصرية المعروفة بالخطط وفي الحوليات المتعددة التي كتبت عن جهة أو إقليم بعينه. وثمة طائفة من مصادر المعارف الجغرافية هي الإشارات إلى ما يمكن أن نسميه بالجغرافيا الفلكية. ويستخلص من شواهد شتى أن هذه الآراء عرفت أول ما عرفت من المشرق، ولعلهم نقلوها من الرسائل الهندية التي كتبت في الفلك مثل "السدهانا" التي عرفت في بغداد أيام المنصور عن طريق مدرسة جنديسابور، ولا شك أن القول بالأقاليم السبعة قد عرف أصلا عن هذا السبيل (ولعل هذا القول قد تأثر بالتقسيم الإيرانى للأرض إلى سبعة "كشورات"). يؤيد ذلك أن أقدم الأوصاف التي تناولت الأقاليم السبعة بدأت بذكر البلدان التابعة لكل إقليم في الشرق (الفرغانى، طبعة كوليوس Golius ص ٣٢ وما بعدها؛ Klimata Die sieben: E.Honigmann هيدلبرغ سنة ١٩٢٩, ص ١٣٥ وما بعدها). وهناك إلى ذلك بقايا إحصاء لأطوال مدن من جهة المشرق (الهمدانى: جزيرة العرب، ص ٤٤

стр. 2996

وما بعدها؛ Honigmann: كتابه المذكور، ص ١٣٩ وما بعدها)، في حين أن الاعتقاد في "قبة الأرض" من المعتقدات الهندية الأصل كما يثبت ذلك اسم "أرين" الذي يطلق على هذه القبة وهو قراءة خاطئة لاسم المدينة الهندية أجّينْى وكان بها مرصد. وانتقلت فكرة قبة أرين -كما هو معروف- إلى التصورات الجغرافية في العصور الوسطى وذلك عن طريق المسلمين، ونذكر أخيرا أن اسم "زيج" الذي يطلق على الجداول الفلكية وعلى الجداول الجغرافية الخاصة بخطوط الطول والعرض لا بد أن يرجع إلى ما أثر عن هذا العلم الفارسى الهندى (انظر ما سبق ذكره عن كتاب الزيج للفزارى). وأهم من ذلك بكثير إدخال الجغرافية الفلكية اليونانية إلى الموضوعات التي يدرسها العلماء في بغداد وذلك بفضل مابدا من إقبال على الترجمة في بلاط خلفاء العباسيين الأول. وكانت الـ "كيو كرفياى أوفيكسيس" هي وغيرها من موضوعات بطلميوس أول ما تناوله المسلمون بالدرس، وهناك معلومات كثيرة عما تم من ترجمات لكتب بطلميوس، فقد قام ابن خردذابة بترجمة منها كما ذكر ذلك هو نفسه (المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٦، ص ٣) وقام الفيلسوف الكندى المتوفى عام ٨٧٤ هـ بترجمة أخرى أو عملت له (انظر الفهرست) ص ٢٦٨؛ ابن القفطى، ص ٩٨) وثالثة قام بها ثابت ابن قرة المتوفى عام ٩٠١ هـ والذي لدينا بالفعل هو "كتاب صورة الأرض" لمحمد بن موسى الخوارزمى (طبعة B. A. H. U. G. H.V. MZIK جـ ٣، ص ١٩٢٦) وقد كتب حوالي منتصف القرن العاشر. وكان الخوارزمى من رجال الفلك، والجزء الأكبر من كتابه على هيئة جداول أو زيج. ومن ثم فإن كتاب صورة الأرض ليس ترجمة لكتاب بطلميوس في الجغرافيا فحسب ولكنه أيضًا نقل على صورة الجداول من معارف بطلميوس أدرجت فيها معلومات المسلمين في الجغرافيا بصفة خاصة.

стр. 2997

اما المسائل المتعلقة باعتماد هذا الكتاب على مصنفات بطلميوس اليونانية أو السريانية ومدى هذا الاعتماد، وبإقحام المدن الإسلامية فيه وبالمصور الجغرافي الذي وصفه الخوارزمى بوضوح، وتطور تأليف هذا الكتاب، فقد ناقشها كل من نللينو (انظر e il suo: Nalllno AL. Huwarinni della Geografia di Ptolomea rifacimento في R Acc. dei Lincei Atti المجموعة الخامسة، المجلد الثاني، سنة ١٨٩٤) وفون مزيك (Mzik Ptolemaeus and die Karten der: Von arabischen Geographer في Mitteilungen der geographischen GeseUschaft، جـ ٥٨، سنة ١٩١٢, ص ١٥٢ وما بعدها)؛ وهونكمان (E. Honigmann: كتابه المذكور ص ١٢٢ وما بعدها). وهناك مسألتان هامتان جديرتان بالذكر: الأولى أن جداول "كتاب صورة الأرض" قد رتبت على طريقة الأقاليم السبعة التي سبق أن ذكرناها وهي الطريقة التي مهر فيها العلماء المسلمون على ما يظهر قبل أن يتلقوا جغرافية بطلميوس، ومن ثم أصبحت هذه الطريقة مذهبًا شائعًا في المصنفات الفلكية الإسلامية وفي كثير من الرسائل الجغرافية بعد أن كانت في الجغرافيا القديمة فكرة ثانوية. ونستبين من غالب هذه المصنفات أن القاعدة الأساسية لهذه الطريقة فقدت، وهذا ثابت من التباين العظيم بين درجات خطوط عرض الأقاليم الواردة في هذه المصنفات فالمسعودى مثلًا يرى أن جميع البلاد في إقليم واحد تقع على خط عرض واحد (التنبيه والإشراف، ص ٤٤) أما حساب البيرونى البعيد عن الهوى الوارد في مصنفه "كتاب التفهيم" فهو من الشاذ النادر (E. Sitzungsberichte de Phys - Wiedemann zietaet in Erlangen . medizrn جـ ٤٤، ص ١٦ وما بعدها) والمسألة الثانية هي المصورات الجغرافية الأربعة الواردة في مخطوط كتاب صورة الأرض المحفوظ في استراسبرغ، وظاهر أنه قصد بها توضيح بعض المعالم الجغرافية وأهمها مصور مجرى النيل، وقد رسمت فيه حدود الأقاليم. وليس هناك مصور للعالم، ولكن البيانات الخاصة بخطوط الطول والعرض

стр. 2998

تزودنا بالمادة اللازمة لرسم مثل هذا المصور. وقام مزيك Mzik بإعادة رسم مصور إفريقية (Denkchr. der Phil - hut. Cl. der .Wiss. Wien Kais . Ak، جـ ٥٩، ص ٤) وهذا يدلنا على أن معر هذا العمل لا يمكن القيام به إلا مع تصويبات كثيرة. وثمة مصنفات جغرافية إلى جانب كتاب صورة الأرض للخوارزمى بها جداول مأخوذة من المصادر ذاتها ممر التي ذكرها البتانى (طبعة نللينو، جـ ٣، ص ٢٣٤ وما بعدها). والتي ذكرها ياقوت نقلا عن كتاب الملحمة المنسوب إلى بطلميوس، ومن قبيل هذه المصنفات العلمية المعلومات الخاصة بخطوط الطول والعرض الورادة في زيج كثير من المصنفات الفلكية، وكلها وفق طريقة الأقاليم السبعة، نذكر منها على سبيل المثال مصنفات ابن يونس المتوفى عا ١٠٠٨ م في الزيج الحاكمي، والبيرونى المتوفى ١٠٤٨ م في القانون المسعودى، و"كتاب الأطوال" الذي لا نعرف مؤلفه ويذكره كثيرًا أبوالفداء، والمراكشى المتوفى عام ١٢٦٢ في كتابه "جامع المبادئ" وغيرهم كثير، ومن المستحيل إعادة رسم المصورات الجغرافية على أساس هذه الأزياج، والظاهر أن الفلكيين أنفسهم لم يفكروا في هذا الأمر، كذلك لم يكن للجغرافيين فيما يبدو دراية صحيحة بالمعلومات التي أوردها الفلكيون. ويستثنى من ذلك بوجه ما كتاب "صور الأقاليم" الذي كتبه سهراب في منتصف القرن العاشر (طبعة Mzik في B. A. H. U. G.، جـ ٥) فهو مفيد من هذه الناحية وإن اشتمل على معلومات إسلامية أوفى، رتبت على نسق النظام الذي اتبع في كتاب الخوارزمى. وكانت معرفة العرب بالجغرافية الفلكية اليونانية وثيقة الصلة بالنهضة العلمية التي أزكاها الخليفة المأمون (٨١٣ - ٨٣٣) فقد كلف بعض العلماء القيام بالأرصاد الفلكية، وقد قيست الدرجة الجغرافية خلال هذه الأرصاد. وكانت الجداول الفلكية المعروفة باسم "الزيج المأمونى الممتحن" من ثمرات ذلك، ولم تصل إلينا هذه الجداول صيغتها الأصلية (Honigmann: كتابه

стр. 2999

المذكور، ص ١١٣ وما بعدها). ولعل من ثمرات أعمالهم أيضًا ضربًا من مصورات العالم سماها المسعودى (التنبيه والإشراف، ص ٣٣, ٤٤) "الصورة المأمونية"، وهو يقول إن الأرض صورت في هذه الخريطة على طريقة بطلميوس، وإذا كان الجغرافي الأندلسى الزهري (القرن الثاني عشر) قد وصف حقيقة في مصنفه "كتاب الجغرافيا" هذه الخريطة المأمونية كما يقول في مقدمته، فإن هذه الخريطة تكون قد قسمت إلى سبعة أقاليم يحيط ستة منها بالإقليم السابع وهو الأوسط ويحيط بالأقاليم كلها البحر المحيط. وهذا النظام أكثر انطباقًا على التقسيم الفارسى إلى كشاور كما وصفه البيرونى (كتاب التفهيم؛ Sitzungsherichte d. Phys. medizin . Sozietat in Erlangen جـ ٤٤) وهذا قريب الاحتمال. ثم إن القيام برسم مصور العالم للمأمون يعد رمزا للسلطان العالمى على مثال ما كان عليه الحال في فارس القديمة، إذ يقال إن مدو هذه المصورات قد عملت لملوك الساسانين (أردشير الأول كما في رواية ياقوت، جـ ١، ص ١٦؛ الدمشقي، ص ١٨؛ المقريزى في.، s ة Par les membres de L'In Mbmoires publices Franc d. Archeologie Orientate au Caire جـ ٣٠، ص ٣٣؛ قباذ كما في رواية أحمد الطوسى: عجائب المخلوقات مخطوط في كوتا، القسم الفارسى رقم ٣٥، ورقة ٢٧). ثم عمد بعض الملوك الأقوياء إلى تشجيع القيام برسم المصورات الجغرافية مثل الساسانيين في خراسان وملوك النورمانديين في صقلية. على أن ظهور المصنفات الجغرافية الوصفية إبان القرن التاسع الميلادي في حاضرة الثقافة العباسية كانت تدعو إليه ضرورة علمية، فقد كانت الحاجة ماسة أول كل شيء إلى معرفة الطرق الكبرى التي تربط أقاليم الدولة الإسلامية بعضها ببعض، وكانوا يطلبون هذه المعلومات لأغراض إدارية وسياسية، كذلك كانت الحاجة ماسة إلى تعيين محطات القوافل على طرق الحج الموصلة إلى مكة. وكانت مادة هذه الأوصاف الخاصة بطرق المسافرين موفورة إلى حد ما في

стр. 3000

دواوين الحكومة تكملها أوصاف الرحالين. فقد كانوا على الخصوص يعودون من رحلاتهم بمعلومات جديدة عن الممالك البعيدة على شواطئ المحيط الهندى وفي جزائره الكثيرة، وقلما كانت قصص هؤلاء تدون في رسائل مستقلة برأسها في القرن التاسع، ولدينا مع ذلك أخبار رحلات التاجر سليمان التي قام بها إلى الهند والصين في منتصف القرن التاسع (نشرها رينو Reinaud عام ١٨١١ عن المخطوط رقم ٢٢٨١ المحفوظ بالمكتبة الأهلية بباريس وعنوانه "سلسلة التواريخ") وجرت العادة على إدماج أخبار الرحالة في الكتب العامة التي تتسم أكثر من غيرها بالسمة الوصفية إدماجا يختلف في درجة وضوحه كما هو الشأن في رحلة سلام المترجم إلى الشمال الشرقي (ابن خرداذبه، ص ١٦٢ وما بعدها). ولم تصبح كتب هؤلاء الرحالة بابا قائما بذاته إلا في القرون التالية مثل كتاب عجائب الهند لبزرك بن شهريار (طبعة. Van der Lith، ليدن سنة ١٨٨٣ - ١٨٨٦) , وفيها مجموعة كبيرة من القصص العجيبة التي تسربت إلى المصنفات المتأخرة الخاصة بوصف الكرة الأرضية. ومن الصعب أن نسميها مصنفات جغرافية وإن ظهرت في صورة رحلات قام بها السندباد البحرى ووردت في كتاب ألف ليلة وليلة، وهي مع ذلك معدودة من المصنفات الخاصة بالملاحة التي ظهرت في القرن الخامس عشر. وأدت مجموعات كتب الرحلات وغيرها من المعلومات الجغرافية العلمية إلى ظهور كتب مختلفة في المسالك والممالك. وأقدم الكتب التي تسمى بهذا الاسم ما ألفه أبو العباس جعفر بن أحمد المروزى المتوفى عام ٨٨٧ كما في رواية صاحب الفهرست (ص ١٥٠، ولكن إذا كان ابن خرداذبه والأصح: خرّداذبه بالراء المشددة) قد كتب النسخة الأولى من مصنفه "كتاب المسالك والممالك" حوالي عام ٨٤٦ كما يظن ده غويه de Goeje (انظر في Osteuropaiesche und: J. Marquardt Streifzuege Ostasiatische، ص ٣٩٠) فإن رواية الفهرست لا يمكن أن تكون صحيحة. ومن المؤلفين القداص الذين

стр. 3001

صنفوا كتابًا بهذا الاسم أحمد بن محمد الطيب السرخسى المتوفى عام ٨٩٩ (الفهرس، ص ٢٦١. Brockelmann: . Cexchichte der arab. Litter جـ ١، ص ٢١٠) وكان تلميذًا للكندى، وهو أحد الذين ترجموا كتب بطلميوس وصاحب رسالة في المد والجزر (في مخطوط ٣٢. Seld Arch. A بمكتبة بودليانا). وليس لدينا من هذه الكتب مع ذلك إلا كتاب ابن خزَّداذبة وهو يزودنا- إلى جانب ما به من أدلة للمسافرين- بإشارات فلكية جغرافية (وفقا لبطلميوس) وأخبار الرحالة ومعلومات تاريخية استقاها من المصادر الفارسية عن الحياة في الجاهلية وبعض الآراء الجغرافية الشائعة. ولا يتبع هذا الكتاب نظاما دقيقا في طريقة تأليفه، ولعل ذلك راجع إلى أنه ليس بين أيدينا سوى مختصر له، ومما هو جدير بالملاحظة أننا نجد فيه في الوقت نفسه معلومات جغرافية مستفادة من جميع المصادر المختلفة تقريبًا التي عددناها سابقًا، ولا ينحصر موضوع هذا الكتاب في العالم الإسلامي الذي كان معروفا زمن المؤلف بل يمتد إلى جميع البقاع غير الإسلامية التي استطاع المؤلف أن يجمع شيئًا من أخبارها. وهذا التعميم ظاهرة ترجع دون شك إلى أثر جغرافية بطلميوس، ومما ساعد على ذلك كثيرا أن القسم الأكبر من العالم كما عرفه بطلميوس يتفق وما كان معروفًا من العالم في العصر الإسلامي العباسى، ذلك العالم الذي كان قد أخذ وقتذاك يصبح وحدة ثقافية أكبر منه وحدة سياسية، ومن قبيل كتاببن خرَّداذبة كتاب البلدان لابن واضح اليعقوبى المتوفى عام ٨٩٧, والرسالة الموسومة بهذا الاسم أيضًا لابن الفقيه الهمذانى. وقد وصف كاله P.Kahle أخيرا مخطوطًا أكمل من كتاب الهمذانى في (Zeit. der Deutschen Morgen. GeselL , ص ٤٣ وما بعدها) وكتاب الأعلاق النفيسة لابن رسته، وقد عاش في صدر القرن العاشر) والفصول الجغرافية في كتاب الخوارج لابن قدامة فهذه المصنفات كلها تزودنا بمعلومات متشابهة ولكنها على الجملة أدخل في الأدب منها في الجغرافيا، ولعلها أكثر تأثرا في طريقة

стр. 3002

تأليفها بسنة التأليف العربي في الجغرافيا التي سبق أن وصفناها. ولا شك أن من هذه المصنفات الرسالة الجغرافية المفقودة التي كتبها الجاحظ المتوفى عام ٨٦٥ وعنوانها "كتاب الأمصار وعجائب البلدان". ونذكر أخيرا من بين هذا النوع من التأليف كتاب المسالك والممالك للجيهانى الذي وزر للسامانيين في النصف الأول من القرن العاشر، وقد فقد هذا الكتاب (انظر مع ذلك E. Herzfeld في Ephemerides Orientates ليبسك سنة ١٩٢٦, رقم ٢٨) ولكن المقدسي يقول (ص ٢٤١) إنه يختلف اختلافا يسيرا عن كتاب ابن خرَّداذبه، ويمكن أن نقول بوجه عام إن هذه المجموعة من الكتب الجغرافية غنية بالمعلومات المتصلة بجميع الموضوعات التي تهم الطبقات المثقفة من المجتمع (انظر ما ذكره المقدسي تقديرا لكتاب الجيهانى، ص ٣ و ٤). ويظهر أن هذا النوع من التأليف كان يجمع فيه كل المعارف الدنيوية التي لا تجد لها مكانا في كتب الحديث والدين. ونشطت حركة التأليف الجغرافي في بغداد وما حولها في القرن العاشر فقامت نتيجة لذلك مدرسة جغرافية يصح أن نطلق عليها اسم المدرسة القديمة. ورأس هذه المدرسة هو العالم أبو زيد أحمد ابن سهل البلخى المتوفى عام ٩٣٤, وكان في حداثته، مثل السرخسى، تلميذًا للكندى ببغداد، وقد صنف في بلخ في سن عالية كتابًا يعرف عادة باسم "صور الأقاليم". وهذا الكتاب في جوهره مصورات جغرافية على الأرجح أضيفت إليها نصوص مختصرة (المقدسي، ص ٤). ولم يصل الينا النص الأصلي من كتاب البلخى، ولكنه أدمج في الكتابين الجغرافيين وابن حوقل المتوفى عام ٩٧٥، ويعرف كلاهما باسم "كتاب المسالك والممالك" كما أدمج في طائفة من المخطوطات الفارسية التي تتضمن نقولا من النسخة القديمة من كتاب الإصطخري. وتعطينا المصورات الجغرافية الواردة في مخطوطات هذه المصنفات كلها فكرة وافية عن مصورات كتاب البلخى، وقد أطلق ملر

стр. 3003

K. Millet في كتاب Mappae Arabicae علي أطلس البلخى الجغرافي اسم "أطلس. الإسلام"، ويشمل هذا الأطلس في تسلسل منظم مصورات للعالم والجزيرة العربية ولبحر فارس والمغرب ومصر والشام وبحر الروم، كما يشمل أربعة عشر مصورا آخر لأنحاء من أواسط العالم الإسلامي وشرقه. وتمثل الأقسام الجغرافية المختلفة من فارس مصورات منفصلة، بينما تمثل مصورات العالم الغربي ممالك بأكملها، وهذا يفصح بأن الأولى أصلها إيرانى، ويؤيد ذلك أيضًا بعض فقرات من النص، ونستدل من شكل هذه المصورات وتعاقبها -كما وضعت أمامنا في القرن العاشر- على أنه قصد بها قبل كل شيء تصوير مملكة الإسلام، ويدعم هذا أقوى تدعيم ما يصاحب هذه المصورات من نصوص (الأصطخرى، ص ٢؛ ابن حوقل، ص ٤). وتشهد هذه الجغرافيا الإسلامية الخالصة إلى جانب ذلك بأن لا صلة بينها وبين الجغرافيا الفلكية على الأطلاق (الأصطخرى، ص ٣؛ ابن حوقل، ص ٤). فلا نجد بالمصورات الجغرافية أي أثر لتقسيم العالم إلى أقاليم وفقا لخطوط العرض، ذلك أن لفظ إقليم يطلق فيهاعلى كل بقعة من الأرض خصت بمصور. ولا تزال الطريقة التي خرج بها "أطلس الإسلام" إلى الوجود في حاجة إلى البحث، ذلك أن شيرنكر (A.Sprenger: Die Post. and Reiserouten, Vorrede ص ١٤ وما بعدها) أخذ بفقرة وردت في الفهرست (ص ١٣٨ تعد الفلكى أبا جعفر الخازن أول واضع لهذا النوع من المصورات الجغرافية، وإن كان هذا الفلكى كما يقول سوتر Suter. Die)W math. U. astron. der arabes ص ٥٨) قد توفى فيما بين ٩٦١ و ٩٦٢ فهو لذلك أصغر بكثير من البلخى. على أن هذه المصورات لا صلة لها بالجغرافيا الفلكية، فهي تدرس كل إقليم على حدة ولا يمكن أن تجمع معا بحال في كلّ واحد. ولا صلة لها بالمصورات الواردة في مخطوط الخوارزمى. ومع ذلك لا يصح أن نرفض الرأى القائل بأن هذه

стр. 3004

المصورات أريد بها في الأصل أن تكون دلائل للمسافرين. ولا نعرف فوق هذا إلا القليل النادر عن فن رسم المصورات الجغرافية في الأزمنة المتقدمة. ويذكر ابن الفقيه (ص ٢٨٣) خريطة للديلم رسمت للحجاج. وررد في كتاب البلاذرى (ص ٣٧١) ذكر لمصور جغرافي لقنوات البصرة رسم إجابة لملتمس رفع إلى الخليفة المنصور. ونستدل من ترتيب المصورات الجغرافية في "أطلس الإسلام" أنه كان هناك "أطلس إيرانى" أقدم عهدا وأنه هيئ واصلح ليكون ملائمًا للعالم الإسلامي. ولم تصدر المصورات الخاصة بالأقاليم الإيرانية الخالصة إلا بمصور للعالم وبآخر لكل من البحرين، بحر فارس وبحر الروم. وقد يكون هناك ارتباط بين مصور العالم ومصور المأمون، ومما هو جدير بالذكر أن تقسيم العالم إلى أقاليم يشبه بعض الشبه تقسيم الأقاليم كما رواه البلاذرى في كتابه فتوح البلدان. وتثير مختلف النصوص الواردة في كتب الجغرافيا التي ألَّفتها مدرسة البلخى وقد أطلق عليها ده غويه دون وجه حق اسم كتب المسالك، لأن هذا الاسم أقدم عهدا منها) هي وهذه المصورات طائفة كبيرة من المسائل اللغوية نحيل القارئ فيما يختص بها إلى بحث ده غويه Frage Die Istachri - Balchi): de Goeje في der Deutschen. Morgen Zeitschrift .Gesell ص ٤٢ وما بعدها) وإلى كرامرز (La question Balhi - Istahri -: J. H. Kramers .de l'Islam Acta O rient et L'Atlas Ibn Howkal جـ ١٠، ص ٩ وما بعدها). وترتيب الموضوعات الجغرافية يعتمد كل الاعتماد على المصورات. ففي كل إقليم دراسة متعاقبة للمدن والأنهار والجبال والسكان ثم يلي ذلك دلائل للمسافرين. وهذا الترتيب يهيئ المجال لإدخال بعض مسائل جديدة يزودنا بها الرحالة والوثائق الرسمية واتساع المعرفة بالتاريخ أو غير ذلك من المصادر, ونري في نص ابن حوقل خاصة إضافات كثيرة إلى المعلومات الخاصة بإفريقية والأندلس. وهذه الإضافات ملموسة أيضًا في مصوراته الدقيقة التي رسمها لهذه الأقاليم.

стр. 3005

والمدرسة الإسلامية البلخية في التصنيف الجغرافي بخاصة لم تظهر في بلاط العباسيين وكانت تربطها بهذا البلاط وشاثج مأثورة، ولكنها نشأت في المركز الثقافى الجديد الذي تغلب عليه النزعة الفارسية، وهو المركز الذي تجمَّع حول بلاط السامانيين في خراسان. ولا شك أن اهتمام الجيهانى بالجغرافيا كان له أثر بالغ في للك الحركة وان كان كتابه بمثابة تكملة للتقليد الجغرافي القديم. على أن الذين ساروا على نهج مدرسة البلخى لم يكونوا من الخراسانيين، فالإصطخرى كان من أهل فارس وابن حوقل من أهل نصيبين، بل أن نص النسخة الأخيرة من كتاب الجيهانى كان مشايعًا للفاطميين، بينما كان في كتاب الإصطخري والنسخة المتقدمة من كتاب ابن حوقل ما ينبئ عن ميل شديد نحو السامانيين. والمقدسى المتوفى عام ١٠٠٠ هو آخر الجغرافيين العظام الذين ساروا على نهج مدرسة البلخى. وقد عده سيرنكر Sprenger .A أعظم الجغرافيين في كل العصور، وهو من أهل بيت المقدس. ولدينا نسختان من كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" إحداهما تميل إلى السامانيين والأخرى تميل إلى الفاطميين. وقد تحرر المقدسي من الطريقة التي اتبعت في أطلس الإسلام، فالمصورات التي في مخطوطاته فيها السمات البدائية التي عرفت بها مصورات الإصطخري الأولى. ويختلف تقسيمه للعالم إلى أقاليم عن التقسيم الوارد في أطلس الإسلام. وهو يتناول مرة أخرى دراسة الجغرافية الفلكية، غير أنه قصر في ذلك تقصيرًا كبيرًا. ويمكن القول بأن هذا المؤلف هو آخر أتباع المدرسة الجغرافية الإسلامية الخالصة، وقد خلفت آثارا في كثير من كتب الجغرافيا التي ظهرت في القرون المتأخرة، إلا أن مؤلفات أصحابها تركت من ذلك الوقت للنساخ خاصة، وكانوا يتفاوتون في العناية بما ينقلونه، ولم يبق في الكتب الجغرافية من مصورات هذه المدرسة إلا مصور العالم، إذ نتبينه بوضوح في مصورى العالم الواردين في كتابى القزوينى وابن الوردى، وأقل من ذلك وضوحًا في مصورات العالم المستديرة الواردة في كتاب الإدريسي. وهذا

стр. 3006

المصور أيضًا هو الأساس الذي قام عليه مصور العالم المستدير الهام الذي نشاهده في مخطوط الكاشغرى المسمى "ديوان لغات الترك، المحفوظ بالآستانة (الآستانة ١٣٣٣ - ١٣٣٥). وكان إلى جانب مدرسة البلخى طائفة من المؤلفين الذين عاشوا في القرن العاشر وساهموا في نشر المعارف الجغرافية، ويمكن أن نقسم مؤلفاتهم بوجه عام إلى فئة تحاول دراسة العالم المعروف بأسره، وأخرى تصف ممالك أوأقاليم بعينها. ومن كتب الفئة الأولى كتابًا الجيهانى وسهراب السابق ذكرهما، ومنها أيضًا كتاب "آكام المرجان" لشخص يدعى إسحاق ابن الحسين، ولعله من المصادر التي ذكرها الإدريسي. وفي هذا المصنف تعداد جملة من المدن على الأسلوب الذي شاع فيما بعد. وقد كتب هذا المصنف حوالي عام ٩٥٠ ونشره كوداتزى (Rendiconti della: A. Cndazzi . , Classe di Sc Reale Accademia dei Mor. storefrlol. سنه ١٩٢٩). وهناك أيضًا لمحة جغرافية في الرسالة الرابعة من القسم الأول من رسائل إخوان الصفاء وفيها فصلت آراء بطلميوس التي أخذ بها الجغرافيون في القرن السابق، وهناك إشارات ممائلة في كتاب "البدء والتاريخ" الذي ألفه المطهر بن طاهر المقدسي عام ٩٩٦ (طبعة إيوار cl. Huart في Publications de l'ecole des langues orientates vivantes باريس ١٨٩٩ - ١٩١٧) وأهم من هذا أيضًا كتاب "حدود العالم" الذي لا نعرف مؤلفه، وقد كتب بالفارسية (أو نقل عن العر بية؟ ) عام ٩٨٣ - ونشر بارتولد Barthold صورة طبق الأصل من هذا الكتاب في لينينغراد سنة ١٩٣٠ ونظام هذا الكتاب مثل نظام كتاب بطلميوس بحذافيره، ولكن حذفت منه جميع المعلومات الخاصة بخطوط الطول والعرض، ويذهب بارتولد إلى أن ثمة علاقة أدبية بين هذا الكتاب وكتاب الجيهانى، ويبين أيضًا أن بينه ربين القسم الجغرافي من الكتاب الفارسى زين الأخبار للكرديزى (كتب حوالي سنة ١٠٥٠) صلة أخرى. ونذكر أخيرا أنه ألَّف في ذلك القرن أيضًا للخليفة الفاطمى العزيز (٩٧٥ - ٩٩٦) كتاب

стр. 3007

المسالك والممالك للمهلبى، ولم يبق من هذا الكتاب سوى مقتطفات في ياقوت وأبي الفداء. والمسعودى المتوفى عام ٩٥٦ أعظم الجغرافيين أصالة في القرن العاشر، ففي كتابه الضخم "مروج الذهب" وكذلك في مصنفه كتاب "التنبيه" وصف للممالك التي زارها، وهو يسوق إشارات تاريخية، ويناقش جميع المسائل الجغرافية التي قد تعرض بشكل ما في كتب جغرافيى القرن السابق دون أن يتقيد كثيرًا بمنهج خاص. ولم يقصر المسعودي كلامه على العالم الإسلامي. وهناك آخر هو ابن فضلان الذي أسفر إلى بلغار نهر إتيل (الفلجا) عام ٩٢١ - ٩٢٢. وقد عرف ياقوت رسالة ابن فضلان كما عرفت هذه الرسالة حديثًا بصورة أكمل في مخطوط ابن الفقيه الذي كشف عنه أخيرا (انظر كالة p.Kahle في Zeitschrift Morgenlandischen Gesellschafl der Deutschen سنة ١٩٣٤, ص ٤٤) هذا فضلا عن أخبار رحلته التي ذكرها أبو دلف مسعر بن المهلهل، الذي بدأ رحلته الواسعة بآسية عام ٩٤٢. ويظهر أن هناك نصًّا موثوقًا به من هذه الرسالة في مخطوط ابن الفقيه. وذكر إبراهيم ابن يعقوب، وهو رحالة آخر، أخبار رحلاته في أوربا، وقد أورد كل من البكرى والقزوينى مقتطفات منها. وقام ابن سليمان الأسوانى برحلة في النيل إلى النوبة حوالي عام ٩٧٥ ووصف هذه الرحلة في "كتاب أخبار النوبة" وقد حفظ لنا المقريزى فقرات من أخبار هذه الرحلة. وتؤدى بنا أخبار هذه الرحلات إلى النوع الثاني من الأوصاف الجغرافية التي ذكرناها آنفا، وهي الكتب الجغرافية الاقليمية والمحلية التي تتصف في الوقت نفسه بالطابع الجغرافي التاريخي. وفي طليعة هذه المصنفات أول ما ألف من كتب الخطط المصرية. ويقول المقريزى إن المثل الأول لهذا النوع من التأليف هو محمد ابن يوسف الكندى ولد الكندى (طبعة. J Kong. Danske Videnske . Setsk Oestrup Forh (سنة ١٨٩٦، رقم ٤) ورسالة ابن زولاق المتوفى عام ٩٩٧ المعروفة بهذا

стр. 3008

الاسم أيضًا وهي متصلة كذلك بالفقرات الخاصة بالفضائل الواردة في كتب الحديث. وقد سار على منوالها في القرن الحادي عشر محمد بن سلامة القضاعى المتوفى ١٠٦٢ في كتابه "المختار في ذكر الخطط والآثار" وأورد كل من ياقوت والمقريزى فقرات هامة من هذا الكتاب. وظهرت في القرن الثاني عشر "الرسالة المصرية" لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز المتوفى عام ١١٣٤ وفي ياقوت والمقريزى فقرات منها، ووصف محمد بن يوسف الورّاق المتوفى عام ٩٧٣ المغرب في مصنفه "كتاب المسالك والممالك" (انظر المقرى، جـ ٢، ص ١١٢ وما بعدها) وقد فقد هذا الكتاب، ولكن البكرى في القرن التالي اعتمد عليه كثيرا في تأليف كتابه؛ ووصف الأندلس على هذا النحو أحمد بن محمد الرازي التأريخى المتوفى عام ٩٥٥ (انظر مقدمة دوزى في طبعته لكتاب ابن عذارى، جـ ١، ص ٢٣) وخلَّف هذا الكتاب المفقود آثارا في الكتاب الأندلسية المتقدمة، ووصف الهمدانى في كتابه "جزيرة العرب" الذي ذكرناه آنفًا الجزيرة العربية وصف العارف الخبير. ولا نزال في حاجة إلى أن نعرف إلى أي مدي ساهمت هذه الأوصاف الجغرافية الإقليمية في الكتب الجغرافية العامة، وهذا يصدق أيضًا على كثير من كتب تخطيط البلدان المصبوغة بالصبغة التاريخية التي قصرت على مدينة بالذات، وهي التي لا يمكن فصلها تماما عن الكتبلتى وصفت الأقاليم. وتسود الناحية التاريخية وكذلك الناحية الخاصة بالتراجم هذه الكتب الخاصة بوصف البلدان، وهي لذلك تسمي "تأريخ". ومن أقدم المؤلفات التي تدخل في هذا الباب أخبار مكة للأزرقى المتوفى عام ٨٥٨. وبقى لنا من هذا القرن ففسه جزء من كتاب تأريخ بغداد لابن أبي طاهر المتوفى عام ٨٩٣ وهو الذي سار على منواله الخطيب البغدادي المتوفى عام ١٠٧٠ الذي ألف كتابًا بالعنوان نفسه. وقد ألِّفت كتب أخرى مماثلة عن بعض المدن الأكثر إيغالا في ناحية الشرق مثل تأريخ بخارى للنرشخى المتوفى عام ٩٥٩، وقد

стр. 3009

وصفت بهذه الرسيلة كثير من المدن في الشرق والغرب وصفا تاريخيًا تخطيطيًا، ومن المستحيل تعداد هذه الكتب لكثرتها، لأن هذه الأوصاف ظلت حتى اليوم من الأبواب الأدبية الشائعة في جميع أنحاء الممالك العربية والإيرانية والتركية الإسلامية. وقل إنتاج المؤلفات الجغرافية العامة الجديدة في القرن الحادي عشر، ويعود ذلك من غير شك إلى استمرار انحلال العالم الإسلامي سياسيا. ثم يمكن أن نقول أيضًا أنه كان قد تم ذكر كل شيء خاص بدلائل المسافرين وأوصاف الممالك مما تتطلبه الحاجة الأدبية والعملية، وقد أعيد كشف العالم المعروف وقتذاك كشفا يتفق ووجهة النظر الإسلامية الاستعمارية، ذلك لأنه لم تضف معلومات جديدة عن بقاع كانت مجهولة لدى الأقدمين اللهم إلا إذا استثنينا بعض جهات من إفريقية، على أن حركة الكشف كانت أوسع من ذي قبل، فقد أمدتنا كتب الجغرافيا التي ألفت في القرنين التاسع والعاشر بمعلومات أوفى من التي أمدتنا بها المصادر القديمة ومصادر العهد اليونانى المتأخر وخاصة عن الممالك الآسيوية، وظهر في القرن الثاني عشر أيضًا كتابان جغرافيان من الطراز الأول ختما العهد القديم لهذا النوع من التأليف ختاما حميدا، أولهما كتاب البيرونى في وصف الهند (كتب حوالي عام ١٠٣٠) وهو يزود معارف المسلمين بمعلومات أوفى عن آراء الهندوس في الجغرافيا ونظام الكون إلى ما فيه من المعلومات الجغرافية الغزيرة عن الممالك المفتوحة حديثًا. ومصنفات البيرونى الأخرى، وخاصة كتاب "القانون المسعودى"، جديرة بالذكر لوضوحها في عرض الحقائق الجغرافية وإن كانت من كتب الفلك. ويشمل كتاب التفهيم في مخطوطاته الخمسة المعروفة مصورا عجيبًا مستديرًا للعالم يوضح به مواضع البحار (أعيد إثبات مصورات المخطوطات الأربعة على الصفحة ٧١٣ من كتاب Monumenta Cartographica Africae et Aegypti ليوسف كمال). ويصف البيرونى في مصنفه الآثار الباقية (طبعة سخاو، ص ٣٥٧ بعض الطرق

стр. 3010

الهندسية لمساقط مصورات السماء والأرض، على أن هذه الطرق لم تطبق عمليا فيما يظهر كما هو شأن غيرها مما أبدعته ألمعية هذا العالم العظيم، والكتاب الجغرافي العظيم الآخر الذي ظهر في القرن الحادي عشر هو كتاب المسالك والممالك الذي ألفه الكاتب الأندلسى أبو عبيد البكرى عام ١٠٦٧ صاحب المعجم كما ذكرنا من قبل، ولا نستطيع بعد تكوين فكرة عن ماهية هذا الكتاب الكبير بأكمله لأننا لا نعرف إلا وصف البكرى لشمالى إفريقية (طبعة ده سلان de Slane) وما ذكره من معلومات عن جنوب الروسيا (من كونك Kunik وروزن Rosen؛ وانظر تعليق رتر Ritter على مخطوط الآستانة المنشور في مجلة SLl. جـ ١٩، ص ٤٣). ويظهر أن البكرى لم يكن من مدرسة البلخى لانعدام المصورات الجغرافية في كتابه، ومهما يكن من الأمر فإن كتاب البكرى يعتمد إلى حد كبير على دراسات المؤلف الشخصية كما أنه دون فيه كثيرا من الحقائق التي كانت معروفة في زمنه. ومن كتب الرحلات التي ترجع إلى القرن الحادي عشر الكتاب المشهور "سفرنامه" لناصر خسرو وقد ألف حوالي عام ١٠٤٥، والأخبار المستقاة من إبراهيم الطرطوشى المتوفى عام ١٠٨٥ الذي ساح في فرنسا وألمانيا، وقد روى القزوينى هذه الأخبار. وظل كثير من المصادر الأدبية وخاصة الكتب التاريخية بعد القرن الحادي عشر يزودنا بالمعارف الجغرافية وأخذت الكتب الجغرافية الصرف منذ ذلك الوقت يتميز طابعها أكثر فأكثر بالتنسيق الأدبى للمواد الواردة في المصنفات المتقدمة. وبدأ الناس يشعرون بثقل وطأة التقليد، وجنح المؤلفون إلى تدوين فوائد المعارف التي جمعتها الأجيال السابقة دون تمييز بينها وصوغها في أسلوب أدبى، وخفف التقدم التاريخي من الشعور بالوحدة الجغرافية للعالم الإسلامي، ومال الكتاب إلى ذكر العجائب والخوارق كما حدث في المصنفات الجغرافية اللاتينية المتأخرة، وأهم الظواهر كلها التقريب بين الجغرافيا الوصفية والجغرافيا الفلكية، وأبرز مثل لذلك كتاب "نزهة المشتاق"

стр. 3011

للإدريسى المتوفى عام ١١٥٦ ويشتهر هذا الكتاب بمصوراته السبعين، ويمثل كل منها عشر إقليم من الأقاليم السبعة، وهي إن وضعت جنبًا إلى جنب على الطريقة الصحيحة- وهذا أمر جديد غاية الجدة على فن رسم المصورات الجغرافية في الإسلام- تألف منها مصور تام للعالم المأهول وفقا لتصور بطلميوس، وفي مقدمة هذا الكتاب أيضًا مصور مستدير للعالم لعله يرجع إلى تقليد إسلامي متقدم في رسم المصورات الجغرافية. ويصعب علينا أن نتثبت: هل كان هذا المصور العالمى ومصور الأقاليم الكبير موضوعين جنبا إلى جنب- هما صورة طبق الأصل من مصور العالم الفضى الذي رسم لروجر ملك صقلية راعى الإدريسي كما يقول المؤلف في مقدمته. ومن العجيب أن هذه المقدمة لا تذكر شيئًا عن الطرق الفلكية التي كانت مستعملة في رسم المصورات الجغرافية، وإن كانت تذكر بعض الإشارات العامة عن الجغرافيا الفلكية. وهذا يؤدى أيضًا إلى النتيجة العجيبة، وهي أنه لم تكن هناك ابدًا طرائق فلكية وأنه لاشك في أن الأدريسى قد اتخذ أحد مصورات بطلميوس أساسا لعمله (انظر أيضًا. H Mzik Mitteilungen der geographischen: Von A , Gesezischajt in Wien جـ ٥٨، سنة ١٩١٢, ص ١٥٢ وما بعدها) واعتمد النص كثيرًا فيما يتصل بالممالك الإسلامية على الكتابين المتقدمين وخاصة بن حوقل الذي كثيرًا ما فسرت أقواله مع ذلك تفسيرًا خاطئا (هناك مثال ناطق لهذا في كتاب Eranshahr: Marquardt ص ٢٦١). واستعان الإدريسي فيما كتبه عن الممالك الأوربية بالمعلومات التي جمعت للملك روجر Roper من الرحالين والتجار. وهذه المعلومات جد مهمة لقدمها، ولكن بعد أن عرفنا على مدى الأيام الطريقة غير المضبوطة التي اتبعت في استغلال هذه المعلومات في النص وفي المصورات الجغرافية فإن الحيطة التامة واجبة عند الإفادة من هذا الكتاب (Idrisi: R. Ekblom und die Ortsnamen der Ostseelander في Nammoch Bygd, استوكهولم سئة ١٩٣١). وهناك مختصر لكتاب الإدريسي كتب عام ١١٩٢ (مخطوط رقم ٦٨٨ المحفوظ بمكتبة حكيم أوغلى

стр. 3012

بالآستانة) وقد ألحقت به أيضًا بعض المصورات منها مصور الإقليم جنوب خط الاستواء، ومقدمة هذا المختصر أكثر تفصيلا في الفلك، ولكنها لا تفصح عن شيء من المبادئ الخاصة بفن رسم المصورات الجغرافية. ويظهر أن شهرة الإدريسي تنحصر في القسم الغربي من العالم الإسلامي، والكتاب الوحيد الذي يشبه كتاب الإدريسي- فيما نعرف -هو "كتاب جغرافيا في الأقاليم السبعة" لابن سعيد المتوفى سنة ١٢٧٤ ولدينا جزء من هذا الكتاب (باريس، المخطوط العربي رقم ٢٢٣٤. المتحف البريطانى، القسم الشرقي رقم ١٥٢٤). وهو مقسم إلى الأقاليم السبعة نفسها، وكل إقليم مقسم إلى عشرة أقسام وقد ذكرت فيه خطوط الطول والعرض لكل موضع جغرافي على جانب كبير من الأهمية، وهذا يتيح لنا رسم مصور جغرافي كامل. واستغل هذا الكتاب كثيرًا من الحقائق الجديدة مثل أخبار رحلات ابن فاطمة الذي توغل في رحلاته على طول شواطئ إفريقية وانتقال القبائل الجديدة الذي تم في شمالي إفريقية بعد قيام الموحدين. وهناك مختصر آخر غير كامل من هذا الكتاب بعنوان "كتاب بسط الأرض في طولها والعرض" (مخطوط في بودليانا بأكسفورد). ونلمس أيضًا النزوع إلى التقريب بين الجغرافية الوصفية والجغرافية الفلكية في القرن الثاني عشر في مختصر لكتاب ابن حوقل، أعده كاتب أندلسى حوالي عام ١١٥٠ (مخطوط بباريس رقم ٢٢١٤؛ مخطوطات بالآستانة بمكتبة طوب قايى رقم ٣٣٤٧، وفي آياصوفيا رقم ٢٩٣٤). وفي هذا المختصر زيادات كثيرة تشير إلى عصر هذا الكاتب الأندلسى إلى جانب ما به من مصورات ابن حوقل المعروفة ومصور النيل نفسه الذي عرفناه عن "كتاب صورة الأرض" للخوارزمى. وبعض الزيادات التي أدخلت على النص خاصة بهذا المصور أما كتاب "منتهى الإدراك للخرقى المتوفى عام (١١٣٨ - ١١٣٩) فيمكن أن يعد من الناحية الفلكية اتجاها نحو الجغرافيا الوصفية، وقد ألف هذا الكتاب في مرو.

стр. 3013

ومن كتب الجغرافيا التي ظهرت أيضًا في منتصف القرن الثاني عشر "كتاب جغرافيا" لكاتب أندلسى يسمى الزهري، وجاء في هذا الكتاب أنه وصف لمصور العالم (جغرافيا) الذي رسم للمأمون (انظر ما سبق) ولكن صاحبه يقسّم العالم المعروف وقتذاك بطريقة تخالف تمامًا ما جرت عليه العادة، فهو يقسمه إلى سبعة أقاليم تحيط ستة منها بإقليم مركزى على مثال التقسيم الفارسى إلى "كشورات" ثم يقسم كل إقليم إلى ثلاثة أقسام، ولا شك أن هذا التقسيم يرجع إلى آراء جغرافية أقدم من ذلك عهدا بكثير، وهي في حاجة إلى دراسة خاصة، ثم إن المعلومات الجغرافية الواردة في هذا الكتاب تخرج بعض الشيء عن المألوف، وهي أميل إلى الأعاجيب والتهاويل، وكانت الأندلس أكثر الممالك حظًا من الوصف المفصل. أما في القرون التالية للإدريسى فإن المصاعب تزداد إذا ما أردنا أن نرد ضروب التأليف الجغرافي إلى موضعها من البيئة الثقافية والسياسية للعالم الإسلامي الذي اختلفت أحواله الاجتماعية وتباينت أشد التباين وقتذاك، وأصبحت المعارف الجغرافية شيئًا فشيئا من المأثورات، وقلت الحاجة في بلاط أمراء ذلك العهد إلى الكتب الجغرافية العامة، وقد أشبعوا حاجاتهم منها بنسخ الكتب الجغرافية الأقدم عهدا، ويؤيد ذلك النسخ المتعددة من مؤلفات مدرسة البلخى، وهي التي نسخت لخزانة سلاطين المماليك بمصر ثم سلاطين العثمانيين من بعدهم، وأصبح مؤلفو الرسائل الجغرافية منذ ذلك الوقت إلى العلماء ذوي الأصالة أقرب، يحيطون بالتواليف احاطة واسعة. ولكنا نجد أن هذه الرسائل أيضًا يغلب عليها الجمع، فهي تتفاوت بين الترتيب الجارِ على حروف المعجم أو غيرها وبين إعادة ترتيب المعارف ترتيبا يتجلى فيه الابتكار. وهيأت هذه الحالة أيضًا الأسباب لكتابة ما يعرف بكتب علم الكون والقصص العجيبة غالبا المكانة الأولى فيها، وجرت الحال بأن لا يكون للحقائق الجغرافية الجديدة في مجموع الروايات المكانة اللائقة فيها. وقد ازدادت هذه الحقائق الجديدة

стр. 3014

في ذلك العهد لاتساع البقاع التي استقر بها المسلمون. ومما يجدر ذكره فوق ذلك أن جل المؤلفات الجغرافية القيمة كانت تؤلف منذ ذلك الوقت في الشرق الأوسط في في الشام ومصر. ولم تلائم الأحوال السياسية في فارس والشرق الأقصى هذا النوع من التأليف، بل سار الفلكيون خاصة في تلك الأنحاء على المنهج المألوف من قبل مثل نصير الدين الطوسى المتوفى عام ١٢٧٣ ومعاصره الأحدث منه سنًّا قطجـ ١ لدين الشيرازى وهو عالم عظيم أورد في كتابيه عن الفلك "نهاية الإدراك" و "التحفة الشاهية" آراء جليلة عن الجغرافية الفلكية بل إنه أمدنا بالمواد الصالحة لرسم خريطة العالم؛ وألوغ المتوفى عام ١٤٤٩ هو آخر من يمثل الجغرافيا الفلكية في الشرق؛ وازدادت في الوقت نفسه أهمية الكتب الجغرافية الإقليمية وخاصة ها صدر منها بمصر، وكانت هذه الكتب تدرس من حين لآخر موضوعات جغرافية عامة في فصل تمهيدى، ثم دخلت في هذه الكتب الجغرافية التي ظهرت في القرون المتاخرة معلومات جديدة بسبب ازدياد عدد الرحالين وغالبهم من أصل غربي. وأول كتاب يعد من صميم الكتب التي تدرس علم الكون "تحفة الألباب" الذي ألفه أبو حامد الأندلسى عام ١١٦٢ (طبعة G.Ferrand في المجلة الأسيوية سنة ١٩٢٥) والمادة الجغرافية في هذا الكتاب ضئيلة لم يجر المؤلف في تناولها على نهج. وجنح إلى ذكر الأعاجيب. وشبيه بهذا الكتاب- وإن كانت معارفه أغزر- الكتاب الفارسى "عجائب المخلوقات" لأحمد الطوسى المتوفى عام ١١٩٣. وهو يشبه من عدة وجوه كتاب القزوينى في عجائب المخلوقات. والكتب الجغرافية في وصف الأقاليم لهذا العهد تتمثل في "كتاب الاستبصار" لمؤلف غير معلوم، وهو في جوهره مأخوذ مما ذكره البكرى من المعلومات الجغرافية الخاصة بمصر وشمالى إفريقية، ولكنه منسق على هيئة إحصاء المدن مرتبة ترتيبًا جغرافيًا خاصًّا وموضحة بمعلومات معاصرة، ويكمل كتب الأوصاف الجغرافية الإقليمية التي

стр. 3015

ظهرت في الشرق في النصف الأول من القرن الثاني عشر: الكتابفارسى "فارسنامه" لابن البلخى (طبعة Le strange و R. A. Nicholson في مجموعة كجـ ١ لتذكارية سنة ١٩٢١) واعتمد المؤلف على الخصوص في القسم الجغرافي من هذا الكتاب على ما ذكر ابن حوقل. وهذا الكتاب من الكتبلتى ترجع إلى العهد السلجوقى في فارس. وظهر أيضًا في ذلك الوقت الكتاب الفارسى "جهان نامه" الذي ألفه محمد ابن نجيب بكران لمحمد خوارز مشاه سنة ١٢٠٠ - ١٢٢٠ م (انظر: Barthold Turkestan down to the Mongol Invasion ص ٣٦). وأتم ياقوت كتابه المشهور "معجم البلدان" عام ١٢٢٨ أي في نهاية الفترة التي بلغت فيها الموحدة السياسية للدولة الإسلامية أوجها في عهد العباسيين. وهذا الكتاب اضخم المرتب على حروف الهجاء أكمل مصنف للمعلومات الجغرافية الوصفية والفلكية واللغوية وأخبار الرحالين التي جمعها السلف. وقد قصد به أيضًا إلى سد حاجة كتاب اسير بتحقيق الأنساب على طريقة السمعانى في مصنفه "كتاب اأنساب" الذي ألف عام ١١٦٧ وطريقة سلفيه الدارقطني وابن ماكولا. وتوخى ياقوت أن يكون كتابه وافيًا بكل مطلب. وقد ظل هذا الكتاب المرجع الذي يفى بجل حاجات المستشرقين المحدثين. وكان ياقوت على دراية بجميع المعارف الجغرافية الإسلامية في عهده بما في ذلك كثير من المصادر التي لم تصل إلينا (انظر Die -F.J.Heer historischen and geographischen Quellen in Raqut's Geographischen Woerterbuch استراسبورغ سنة ١٨٩٨). وكتابه حجة لكثرة استشهاده بالبيرونى في مقدمته. وأخذ ياقوت مادة مصنفه "كتاب المشترك" من المعجم وهو في الأسماء الجغرافية التي تطلق على أكثر من موضع. أما كتاب "مراصد الإطلاع" الذي ألف بعد عهد ياقوت بقرن من الزمان فهو مقتبس أيضًا من المعجم ويشمل الموضوعات الجغرافية فقط. كذلك يصح القول بأن ياقوت من أعظم العلماء الرحالين في عصره. أما كتاب "تقويم البلدان" لأبي الفداء المتوفى عام ١٣٣١ فهو أثر علمي لا يقل
следующие страницы →