← Книги сунны

Книги сунны · id 16555

مسند الفاروق لابن كثير ت إمام

ابن كثير

Полный текст (1 379 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مسند الفاروق أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ وأقواله على أبواب العلم للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ يطبع كاملاً لأول مرَّة على نسخة بخط المؤلِّف وعليها تعليقات بخط الحافظ ابن حجر حقَّق نصوصه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه إمام بن علي بن إمام

стр. 2

الجزء الأول الطهارة - الفرائض

стр. 3

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فإن من الأمور التي استفاضت واشتهرت عند أهل الإسلام أن أفضل هذه الأمة بعد نبيِّها هم أصحاب رسول الله ﷺ ، أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا. وقد تنوعت النصوص الشرعية في ذِكر فضائلهم ومناقبهم، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي

стр. 4

التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خيرُ أمَّتي القَرْنُ الذين يَلُوني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم» (١). وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «النجومُ أَمَنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبت النجومُ أتى السماءَ ما توعَدُ، وأنا أَمَنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعَدون، وأصحابي أَمَنةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يوعَدون» (٢). وفي «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبُّوا أحدًا من أصحابي، فإنَّ أحدَكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما أدرك مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيفَه» (٣). ومن بين هؤلاء الصَّحْب الكرام الذي جاءت النصوص في ذِكر مناقبه وفضائله: الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فمن ذلك:

стр. 5

١ - ما ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بَيْنا أنا نائمٌ إذ رأيتُ قَدَحًا أُتِيتُ به، فيه لبنٌ، فشربتُ منه حتى إني لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أَعطيتُ فَضْلِي عُمرَ بنَ الخطابِ»، قالوا: فما أَوَّلتَ ذلك، يا رسولَ اللهِ؟ قال: «العلمَ» (١). ٢ - ومنها: ما ثبت في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُ الناسَ يُعرَضون عليَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومنها ما يَبلغُ دون ذلك، ومرَّ عُمرُ بنُ الخطابِ، وعليه قميصٌ يَجُرُّهُ»، قالوا: فما أَوَّلتَ ذلك، يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الدِّينَ» (٢). ٣ - ومنها: ما ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُريتُ كأني أنزع بدلوِ بَكْرةٍ على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، فنزع نزعًا ضعيفًا، والله ﵎ يغفر له، ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت غَرْبًا، فلم أر عبقريًا يفري فَرِيَّه، حتى رَوِيَ الناس وضربوا العَطَن» (٣).

стр. 6

٤ - ومنها: ما ثبت في «الصحيحين» من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إيهًا يا ابنَ الخطابِ، والذي نفسي بيده ما لَقِيكَ الشيطانُ سالكًا فجًّا قطُّ إلا سلك فجًّا غيرَ فجِّك» (١). ٥ - ومنها: ما ثبت في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قوله ﷺ : «إنه قد كان فيما مضى قبلَكم من الأمم محدَّثون، وإنَّه إنْ كان في أمتي هذه منهم، فإنه عمرُ بنُ الخطابِ» (٢). بل بَلَغ من عظيم مكانته ﵁ أن الوحي نزل بتصديقه في عدَّة من الوقائع، فمن ذلك: ١ - ما ثبت في «صحيح البخاري» (٤٠٢) عن أنس بن مالك ﵁: قال عمر ﵁: وافقت ربِّي في ثلاث: قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ (٣)، وآية الحجاب، قلت: يا رسولَ الله، لو أمرتَ نساءَك أن يحتجبن، فإنه يكلِّمهن البرُّ والفاجرُ، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساءُ النبيِّ ﷺ في الغَيرة عليه، فقلت لهنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ (٤)، فنزلت هذه الآية. ٢ - ومنها: ما ثبت في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما تُوفي عبد الله بن أُبَي ابن سَلُول جاء ابنُه عبد الله بن عبد الله إلى

стр. 7

رسولِ اللهِ ﷺ فسأله أن يعطيه قميصَه أن يكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يُصلِّي عليه، فقام رسولُ اللهِ ﷺ ليصلِّي عليه، فقام عمرُ فأخذ بثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أتصلِّي عليه وقد نهاك اللهُ أن تصلِّي عليه؟ فقال رسول اللهِ ﷺ : ((إنما خيَّرني اللهُ، فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ وسأزيدُ على سبعين)). قال: إنه منافقٌ! فصلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، وأنزل الله : ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ (١). وهذا الكتاب الذي بين يديك صنَّفه الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي ليجمع لك فيه ما استطاع إليه سبيلاً من فقه هذا الصحابي الجليل، سواء في ذلك ما رواه عن النبي ﷺ ، أو ما أفتى به ﵁. ولفِقه عمر ﵁ مزية خاصة، فقد طالت مدة خلافته، واتَّسعت رُقعة الإسلام في عهده، وكثُرَت الوقائع والمستجدات، فاحتاج إلى القول فيها، زد على هذا أن اللهَ تبارك تعالى حَبَاه بِثُلَّة من مشيخة المهاجرين والأنصار، فإذا نزلت بالمسلمين نازلةٌ جَمَعهم واستشارهم، فكانت فتاواه لا تمثل رأيه فحسب، بل تمثل رأي الجماعة من الصدر الأول. إذا تبين لك هذا؛ عرفتَ قدر هذا العمل الذي بين يديك، فشَكَرت لمؤلفه صنيعه، ودعوت الله أن يجزيه خيرًا على ما قام به من جمعٍ لفقه هذا

стр. 8

الصحابي الجليل، فليس من السهل أن تتتبَّع ما في بطون الكتب لتقف هنا أو هناك على فتوى أو رأي في مسألة، إن هذا العمل الذي بين يديك هو ثمرة رحلة طويلة وشاقة، لا يصبر عليها إلا رجلٌ يريد بعمله اللهَ والدارَ الآخرةَ، فجزى اللهُ مؤلفَه خيرًا، وجعل عمله في موازين حسناته، وجمعنا به في دار كرامته. وكتب إمام بن علي بن إمام في العاشر من شهر شعبان لعام ١٤٢٥ هـ (الرياض) محمول: ٠٠٩٦٦٥٥٩٣٣٤٩٢٠ منزل: ٠٠٩٦٦١٤٤٩٠٨٦٥ (مصر) هاتف: ٠٠٢٠٨٢٢٢٤١٢٢٠ ثم أعدت النظر فيه حتى تم بحمد الله تعالى في العاشر من شهر رمضان المبارك لعام ١٤٣٠ هـ بدار الفلاح بالفيوم

стр. 9

منهج التحقيق يتلخص عملي في هذا الكتاب على النحو التالي: ١ - الترجمة للمؤلف، مع ذِكر بعض شيوخه، وتلاميذه، وثناء العلماء عليه، وذِكر أهم مصنَّفاته. ٢ - إثبات صحَّة نسبة الكتاب للمؤلف. ٣ - منهج المؤلِّف في كتابه. ٤ - مزايا الكتاب. ٥ - موارد المؤلِّف في كتابه. ٦ - وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق. ٧ - منهج التحقيق. ٨ - نقد الطبعة الأولى للكتاب. ٩ - شكر وعرفان.

стр. 10

المبحث الأول: التعريف بالمؤلِّف (١) هو الإمام الحافظ المؤرِّخ المفسِّر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي. مولده: ولد الحافظ ابن كثير ﵀ في سنة ٧٠٠ هـ، فيما قاله الحافظ ابن حجر، وابن العماد، والسيوطي.

стр. 11

وذهب ابن تغري بردي، والدَّاوودي إلى أن ولادته كانت في سنة ٧٠١ هـ (١). حياته العلمية: حفظ القرآن الكريم، وهو ابن إحدى عشرة سنة على شيخه شمس الدين البعلبكي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ. وسمع «صحيح مسلم» في تسعة مجالس بقراءة الوزير أبي القاسم الأزدي الأندلسي على الشيخ نجم الدين القسطلاني. ودَرَس الفقه على الشيخ ابن الفركاح، وابن قاضي شهبة. وحفظ «التنبيه» للشيرازي، و «مختصر ابن الحاجب». وقرأ «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» على شيخه الحافظ أبي الحجاج المزِّي. ودَرَس أصول الفقه على أبي البقاء الأصفهاني. ودَرَس النحو على عبد الله الزبيدي النحوي. وتولَّى التدريس في دار الحديث الأشرفية، وتربة أم الصالح، الصالحية (٢). مشايخه: من أبرز مشايخه الذين تلقَّى عنهم العلم: ١ - ابن غيلان -شيخه في القرآن-: قال عنه ابن كثير: الشيخ الصالح العابد، شرف الدين أبي الحسن بن حسين بن غيلان البعلبكي الحنبلي، إمام مسجد السلالين بدار البطيخ العتيقة، سمع الحديث وأسمعه، وكان يقرئ القرآن طرفي النهار، وعليه ختمت القرآن في سنة أحد عشر وسبعمائة، وكان من الصالحين الكبار، والعُبَّاد الأخيار، توفي يوم السبت سادس صفر، وصلِّي عليه بالجامع، ودُفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة (٣). ٢ - ابن اللبَّاد -شيخه في القراءات-:

стр. 12

قال عنه ابن كثير: قرأت عليه شيئًا من القراءات، وكان متقلِّلاً من الدنيا، لا يقتني شيئًا، وليس له بيت ولا خزانة، إنما كان يأكل في السوق وينام في الجامع، توفي في مستهل صفر وقد جاوز السبعين، ودُفن في باب الفراديس ﵀ (١). ٣ - ابن الشِّحنة: قال عنه ابن كثير: الشيخ الكبير المسنِد المعمَّر الرُّحْلة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن بن علي بن بيان الديرمقرني، ثم الصالحي، الحجار، المعروف بابن الشِّحنة، سمع البخاري علي الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة بقاسيون، وإنما ظهر سماعه سنة ست وسبعمائة، ففرح بذلك المحدثون، وأكثروا السماع عليه، فقرئ البخاري عليه نحوًا من ستين مرة وغيره، وسمعنا عليه بدار الحديث الأشرفية في أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإجازات والسماع (٢).

стр. 13

٤ - برهان الدين الفَزَاري: قال عنه ابن كثير: هو الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ المذهب وعَلَمه، ومفيد أهله، شيخ الإسلام، مفتي الفرق، بقيَّة السَّلَف، برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم، ابن الشيخ العلامة تاج الدين أبي محمد عبد الرحمن، ابن الشيخ الإمام المقرئ المفتي برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري المصري الشافعي، ولد في ربيع الأول سنة ستين وستمائة، وسمع الحديث، واشتغل على أبيه، وأعاد في حلقته، وبرع وساد أقرانه وسائر أهل زمانه من أهل مذهبه في دراية المذهب ونقله وتحريره، ثم كان في منصب أبيه في التدريس بالبادرائية، وأشغل الطلبة بالجامع الأموي فانتفع به المسلمون، وقد عُرضت عليه المناصب الكبار فأباها ... ، وكان مقبلاً على شأنه، عارفًا بزمانه، مستغرقًا أوقاته في الاشتغال والعبادة ليلاً ونهارًا، كثير المطالعة، وإسماع الحديث، وقد سمعنا عليه «صحيح مسلم» وغيره ... ، وله تعليق كثير على «التنبيه»، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، وله تعليق على «مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه»، وله مصنَّفات في غير ذلك كبار، وبالجملة فلم أر شافعيًا من مشايخنا مثله، كان حسن الشكل، عليه البهاء والجلالة والوقار، حسن الأخلاق، فيه حدَّة، ثم يعود قريبًا، وكَرَمه زائد، وإحسانه إلى الطلبة كثير، وكان لا يقتني شيئًا ... ، توفي بُكرة يوم الجمعة سابع جمادى الأولى بالمدرسة المذكورة، وصلِّي عليه عقب الجمعة بالجامع، وحُملت جنازته على الرءوس وأطراف الأنامل، وكانت حافلة، ودُفن عند أبيه وعمه وذويه بباب الصغير رحمه الله تعالى (١).

стр. 14

٥ - الإمام المزي: جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي الدمشقي الشافعي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ. ٦ - شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ابن قاضي شهبة: لازم ابن تيمية، وعُرف بصحبته (١). وقال ابن حجر: وأَخَذ عن ابن تيمية، ففُتن بحبِّه، وامتُحن لسببه (٢). ٧ - الإمام الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الدمشقي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ. عقيدته: كان -رحمه الله تعالى- سَلَفيَّ العقيدة، ولو لم يكن لدينا دليلٌ على صحة ذلك إلا تتلمذه لشيخ الإسلام ابن تيمية لكان كافيًا، ناهيك عن كُتُبه التي تشهد بصحة هذه النسبة. فمن ذلك: تقريره لعقيدة السَّلَف في باب الأسماء والصفات: * فقد ذَكَر في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (٣) ما نصُّه: للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يُشبهه شيء من خَلْقه،

стр. 15

و ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، بل الأمر كما قال الأئمة، منهم: نعيم بن حماد الخزاعي قال: مَن شبَّه الله بخَلْقه كَفَر، ومَن جَحَد ما وصف الله به نفسه فقد كَفَر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفي عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى. * وذَكَر عند قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ (١) ما نصُّه: فيه أقوال للأئمة من السَّلَف: أحدهما: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من غير ما طريق ثابت في الصحاح. ومن ذلك: ردُّه على الفلاسفة المنكرين للمعاد: * فقد ذَكَر في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ (٢) ما نصُّه: يخبر تعالى عن قول الدُّهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا﴾ أي: ما ثَمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدُّهرية الدورية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذَّبوا المنقول، ولهذا قالوا:

стр. 16

﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ قال الله تعالى: ﴿وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ أي: يتوهمون ويتخيَّلون. ومن ذلك: ردُّه على الرافضة: * فقد ذَكَر في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ (١) ما نصُّه: أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبَّهم، أو أبغض أو سبَّ بعضهم، ولاسيما سيد الصحابة بعد الرسول ﷺ وخيرهم وأفضلهم، أعني: الصديق الأكبر، والخليفة الأعظم، أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم، ويسبونهم، عياذًا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبُّون مَن ﵃، وأما أهل السُّنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبُّون مَن سبَّه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون، وهؤلاء هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون. * وذَكَر عند قوله تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ (٢) حديث جابر بن سمرة ﵁ في «الصحيحين» (٣) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلاً»، ثم تكلَّم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أُبَي: ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: «كلهم من قريش».

стр. 17

وهذا لفظ مسلم. ومعنى هذا الحديث: البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا، يقيم الحق، ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وُجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشَّر به في الأحاديث الواردة بذكره أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ ، واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلاً وقِسطًا كما مُلئت جَورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم الرافضة وجوده، ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهُّم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر؛ الأئمة الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم. * وذَكَر عند قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ (١) ما نصُّه: ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية. ومن ذلك: ردُّه على الخوارج: * فقد ذَكَر في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (٢) ما نصُّه: فسمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا

стр. 18

استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، ونحوهم * وذَكَر عند قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (١) ما نصُّه: فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدأهم بسبب الدنيا، حين قَسَم النبي صلى الله علي وسلم غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القِسمة، ففاجأوه بهذه المقالة، فقال قائلهم، وهو ذو الخويصرة -بَقَر اللهُ خاصرتَه-: اعدل، فإنك لم تعدل. فقال رسول الله ﷺ : «لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»، فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد في قَتْله، فقال: «دعه، فإنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من جنسه- قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قَتَلهم» (٢)، ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ﵁، وقَتْلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم انبعث القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ . ومن ذلك: ردُّه على عبَّاد القبور من الصوفية: * فقد ذَكَر في «البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٢ - ٢٦٣) في ترجمة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ما نصُّه: قد بالغ

стр. 19

العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرًا جدًّا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنه لا تجوز، وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين، وليست من سلالته، والذي ينبغي أن يُعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي ﷺ بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفك من الخشب، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك. * وذَكَر أيضًا (١٤/ ١٢٤) في حوادث سنة ست وعشرين وسبعمائة مسألة شد الرِّحال لزيارة قبر النبي ﷺ ، ما نصُّه: ثم يوم الخميس دخل القاضي جمال الدين بن جملة وناصر الدين مشد الأوقاف، وسألاه [أي: ابن تيمية] عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج، وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية، إلى أن قال: وإنما المحزّ جعله زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع، مقطوعًا بها، فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذِكر قولين في شدِّ الرَّحْل والسَّفَر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شدِّ رَحْل إليها مسألة، وشدُّ الرَّحْل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شدِّ رَحْل، بل يستحبها ويندب إليها، وكُتُبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول: «زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة»، والله سبحانه لا يخفى عليه شيء،

стр. 20

ولا يخفى عليه خافية، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. تلاميذه: من أشهر تلاميذه الذين تلقَّوا عنه العلم ما يلي: ١ - علي بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي. المتوفى سنة ٧٩٢ هـ, وقد صرَّح بتتلمذه على المؤلِّف في عدة مواضع من كتابه «شرح العقيدة الطحاوية»، فانظر: (ص ٢٧٧، ٤٨٠، ٦٠٣). ٢ - أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ. ٣ - محمد بن علي بن الحسن بن حمزة بن أبي المحاسن الشافعي، المتوفى سنة ٧٦٥ هـ. ٤ - العراقي: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردي، المتوفى سنة ٨٠٦ هـ. ٥ - ابن الجزري: محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي، المتوفى سنة ٨١٦ هـ. ثناء العلماء عليه: أثنى عليه جماعة من الأعيان، فقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٤/ ١٥٠٨): له عناية بالرجال والمتون والتفقه، وخرَّج، وناظر، وصنَّف، وفسَّر، وتقدَّم. وقال في «المعجم المختص» (ص ٧٤): فقيه، متفنن، ومحدِّث متقن، ومفسِّر نقَّال، وله تصانيف مفيدة.

стр. 21

وقال ابن حجر في «الدُّرر الكامنة» (١/ ٣٧٤): كان كثير الاستحضار، حَسَن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، ولم يكن على طريقة المحدِّثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدِّثي الفقهاء. وقال ابن قاضي شهبة في «تاريخه» (٣/ ٤١٦): شيخ المفسرين، عمدة المحدِّثين والمؤرخين، مفتي المسلمين ... ، أقبل على حفظ المتون والأسانيد، والعلل والرجال والتاريخ، حتى برع في ذلك وهو شاب. وقال ابن حجي في «تاريخه»: وكان أحفظ من أدركنا لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وكان يستحضر شيئًا كثيرًا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان، وكان فقيها جيد الفهم، صحيح الذهن، يستحضر شيئًا كثيرًا، ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا وأفدت منه. وقال السيوطي في «طبقات الحفاظ» (ص ٥٣٣): وقال ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب» (٦/ ٢٣١): مؤلفاته: للحافظ ابن كثير ﵀ مؤلفات عديدة في شتى فنون العلم، فمن مؤلفاته المطبوعة: ١ - «الآداب والأحكام المتعلقة بدخول الحمَّام». ٢ - «الاجتهاد في طلب الجهاد». ٣ - «اختصار علوم الحديث». ٤ - «إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه».

стр. 22

٥ - «البداية والنهاية». ٦ - «تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب». ٧ - «تفسير القرآن العظيم». ٨ - «جامع المسانيد والسُّنن». ٩ - «جزء في بيع أمهات الأولاد». ١٠ - «طبقات الفقهاء الشافعيين» ١١ - «الفصول في سيرة الرسول». ١٢ - «فضائل القرآن». ١٢ - «مسند الفاروق» وهو كتابنا هذا. ومما ذُكر من مؤلفاته التي لم نقف عليها: ١ - «الأحكام الكبير». ٢ - «التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل». ٣ - «جزء في بطلان وضع الجزية عن يهود خبير». ٤ - «جزء في زواج رسول الله ﷺ من أم سلمة ﵂». ٥ - «جزء في تحريم الجمع بين الأختين». ٦ - «جزء في طرق وألفاظ وعلل وما يتعلق بحديث كفَّارة المجلس». ٧ - «جزء في فضل يوم عرفة». ٨ - «جزء في المراد بالصلاة الوسطى». ٩ - «سيرة الصديق». ١٠ - «سيرة عمر وأيامه». ١١ - «شرح صحيح البخاري». ١٢ - «كتاب الصِّيام، وما يتعلَّق برمضان من أحكام».

стр. 23

١٣ - «كتاب العقائد». ١٤ - «مسند الصديق». وفاته: بعد حياة حافلة بالتدريس والتأليف والعطاء والبذل توفي الإمام الحافظ ابن كثير في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان، سنة ٧٧٤ هـ، ودُفن في مقبرة الصوفية بجوار شيخه الإمام ابن تيمية. وقد رثاه أحد طلابه بهذين البيتين (١): لِفَقْدك طلابُ العلوم تأسَّفوا ... وجادوا بدمع لا يبيدُ غزيرُ ولو مَزَجوا ماءَ المدامعِ بالدماء ... لكان قليلاً فيك يا ابنَ كثير

стр. 24

المبحث الثاني: إثبات صحة نسبة الكتاب إلى المؤلِّف لا أجدني في حاجة للتدليل على صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه، فقد ذكره في عدَّة مواضع من كتبه ونوَّه بشأنه، فقال في «البداية والنهاية» (٥/ ١٥٤) عند حديثه عن تقبيل عمر للحجر الأسود وسجوده عليه: وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذي جمعناه في «مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁»، ولله الحمد والمنَّة. وقال في (٥/ ٢٨٨) عند كلامه على حديث: «لانُورَث، ما تركنا صدقة»: وقد تقصَّيت طرق هذا الحديث وألفاظه في «مسنَدَي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄»، فإني -ولله الحمد- جمعت لكل واحد منهما مجلدًا ضخمًا مما رواه عن رسول الله ﷺ ورآه من الفقه النافع الصحيح، ورتبتُه على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم. وقال في (٧/ ٨١) في معرض حديثه عن أم كلثوم بنت علي ﵂: وقد ذكرنا في «سيرة عمر»، و «مسنده» صفة تزويجه بها، وأنه أمهرها أربعين ألفًا. وقال في «تفسيره» (٣/ ٢٥٦) عند قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾: وقد ذكرنا في «مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوَّج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «كل سَبَب ونَسَب فإنه منقطعٌ يومَ القيامةِ، إلا سَبَبي ونَسَبي».

стр. 25

وقال في «جامع المسانيد والسُّنن» (٦/ ٣٦٢ - ط ابن دهيش) في ترجمة عمر بن الخطاب: تقدم مسنده مع الخلفاء الأربعة ﵁، وقد أوردنا له مسندًا آخر مرتَّبًا على أبواب الفقه بما روي عنه من الأحاديث والآثار، ولله الحمد والمنَّة. وقال أيضًا في (٥/ ٣٥٢) في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁: وقد أوردت «مسنده» على حِدَة في مجلد سيأتي على أبواب الأحكام، وكذلك «مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁». وقال في «اختصار علوم الحديث» (١/ ١٨٢ - النوع الثالث عشر) عند الكلام على حديث عمر ﵁: «إنما الأعمال بالنيات»: وقد ذكر له ابن منده متابعات غرائب، ولاتصح، كما بسطناه في «مسند عمر»، وفي «الأحكام الكبير».

стр. 26

المبحث الثالث: منهج المؤلِّف في كتابه ١ - لم يضع الحافظ ابن كثير لكتابه مقدِّمة يبيِّن فيها منهجه، والسبب في ذلك واضح؛ لأن «مسند الفاروق» حلقة من حلقات كتابه «جامع المسانيد والسُّنن»، ولَبِنَة من لَبِنَاته، كما هو واضح من كلامه على هذا الكتاب عند ترجمته لعمر ﵁، كما سبق نقله قريبًا. ٢ - اتَّبع المؤلِّف في ترتيبه لأبواب الكتاب طريقة أصحاب الجوامع مع تقديم وتأخير في بعض الأبواب. ٣ - جمع المؤلِّف في كتابه هذا بين الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، ولم يقتصر على واحد منهما. ٤ - اعتمد المؤلِّف في كتابه هذا على جمع مرويات عمر ﵁ من نفس المصادر التي بنى عليها كتابه «جامع المسانيد والسُّنن»، وهي: ١ - «مسند الإمام أحمد». ٢ - «صحيح البخاري». ٣ - «صحيح مسلم». ٤ - «سنن أبي داود». ٥ - «سنن الترمذي». ٦ - «سنن النسائي». ٧ - «سنن ابن ماجه». ٨ - «مسند أبي يعلى الموصلي». ٩ - «المعجم الكبير» للطبراني. ١٠ - «مسند البزار».

стр. 27

إلا أنه توسع في هذا الكتاب، وزاد مصادر أخرى، سيأتي ذكرها عند الكلام على موارد المؤلِّف في كتابه. وكان منهجه في ذلك: أنه يبدأ بذكر الحديث أو الأثر من «مسند الإمام أحمد»، ثم يعزوه إلى باقي أصحاب المصنَّفات الأخرى، لا سيما الكتب الستة، ثم بعد ذلك يقوم بجمع مروياته من باقي المصادر الأخرى. ٥ - برزت شخصية الحافظ ابن كثير في هذا الكتاب بوضوح وجلاء، فهو لا يسوق الروايات ساكتًا عنها، بل تراه يتكلَّم على الأسانيد والمتون كلام العالم الخبير، فيصحِّح ويضعِّف، ويعدِّل ويجرِّح، ويناقش الأقوال، وينقل من كلام الأئمة والعلماء ما يؤيد رأيه ويقوِّيه، إضافة إلى آرائه القيمة التي يبديها في ثنايا الكلام، ولا يخفى على كل باحث ودارس أهمية هذه الآراء، لما لهذا الإمام من مكانة سَنية. ٦ - لم يكتف المؤلِّف بسرد الروايات، بل كان يعلِّق على هذه الروايات بذكر مذاهب أهل العلم، وبيان الراجح منها. ٧ - دقته وتحرِّيه في سياق الأسانيد والمتون، فإذا أَشكل عليه لفظ كتب فوقه (كذا) إشارة منه إلى وجود خلل في الرواية. ٨ - تنبيهه على مواضع الانقطاع في الروايات بوضع علامة التضبيب. ٩ - اهتمامه بنقل كلام أئمة العلل على الروايات تصحيحًا وتعليلاً.

стр. 28

المبحث الرابع: مزايا الكتاب ١ - مما تميز به هذا الكتاب نقله لنصوص كثيرة من كتب صارت في زماننا في عداد المفقود، وهذا مما يعطي الكتاب أهمية كبرى. فمن ذلك: - «تفسير عَبد بن حميد». - «تفسير أبي بكر بن مردويه». - «تفسير ابن أبي شيبة». - «السُّنة» للطبراني. - «الفرائض» للإمام أحمد. - «الفرائض» لأبي بكر بن داود الظاهري. - «فضائل الشيخين» لأسد بن موسى. - «مستخرج البَرقاني». - «مسند أحمد بن مَنيع». - «مسند عمر» لأبي بكر الإسماعيلي. - «مسند مسدَّد بن مُسَرهد». - «المسند المعلَّل» لابن المديني. - «المسند الكبير» لأبي يعلى. - «مسند ابن أبي عمر العَدَني». - «معجم الصحابة» للدَّغولي. ٢ - ومن مزاياه: أنه يُعدُّ مصدرًا أصليًا من مصادر التخريج، لاشتماله

стр. 29

على أسانيدَ لكتبٍ صارت في زماننا في عداد المفقود، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ٣ - ومن مزاياه: أنه ينقل من النسخ الخطية للكتب، ولهذا مزية كبرى حيث استطعنا مقارنة ما في هذا الكتاب بما في غيره من النسخ المطبوعة، وقد ظهر هذا جليًا عند المقارنة بين ما يورده المؤلف هنا وبين الموجود في الكتب المطبوعة، ومن أبرز هذه الكتب: «مسند الإمام أحمد»، فقد وقفت على حديث أورده المؤلِّف في هذا الكتاب، ولا وجود له في الطبعة التي تولَّت نشرها مؤسسة الرسالة، بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، فانظر رقم (٣٣٤).

стр. 30

المبحث الخامس: موارد المؤلِّف في كتابه لقد اعتمد المؤلِّف في كتابه هذا على كثير من المصادر الحديثية والفقهية، وها أنا أوردها لك مرتبة على حروف المعجم: ١ - «الآداب» للدَّغولي. ٢ - «الأحاديث المختارة» لضياء الدين المقدسي. ٣ - «الأدب المفرد» للبخاري. ٤ - «إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه» للمؤلِّف. ٥ - «الاستذكار» لابن عبد البر. ٦ - «الاستيعاب» لابن عبد البر. ٧ - «الإشراف على منازل الأشراف» لابن أبي الدُّنيا. ٨ - «إصلاح المال» لابن أبي الدُّنيا. ٩ - «الأم» للشافعي. ١٠ - «الأمالي» للمحاملي، رواية ابن البيِّع، وابن مهدي الفارسي. ١١ - «الأمالي في آثار الصحابة» لعبد الرزاق الصنعاني. ١٢ - «الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم. ١٣ - «البحر الزخار» للبزار. ١٤ - «التاريخ» لابن معين. رواية الدُّوري. ١٥ - «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي. ١٦ - «التاريخ الكبير» للبخاري. ١٧ - «تاريخ مدينة دمشق» لابن عساكر. ١٨ - «تجريد الصحاح» لرَزين بن معاوية.

стр. 31

١٩ - «تحفة الأشراف» للمزِّي. ٢٠ - «التحقيق في أحاديث الخلاف» لابن الجوزي. ٢١ - «تفسير القرآن العظيم» لابن أبي حاتم. ٢٢ - «تفسير القرآن» لعَبد بن حميد. ٢٣ - «تفسير القرآن» لابن دحيم. ٢٤ - «تفسير ابن أبي شيبة». ٢٥ - «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» لابن عبد البر. ٢٦ - «التهجد وقيام الليل» لابن أبي الدُّنيا. ٢٧ - «جامع البيان في تفسير القرآن» لابن جرير الطبري. ٢٨ - «جامع الثوري». ٢٩ - «جامع المسانيد» لابن الجوزي. ٣٠ - «جامع المسانيد والسُّنن» للمؤلِّف. ٣١ - «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم. ٣٢ - «جزء الحسن بن عرفة». ٣٣ - «جزء الرافقي». ٣٤ - «جزء علي بن حرب». ٣٥ - «جزء ابن زَبر» في الشروط العمرية. ٣٦ - «جزء ابن العلاَّف». ٣٧ - «جزء أبي الجهم العلاء بن موسى». ٣٨ - «الجعديات» لأبي القاسم البغوي. ٣٩ - «جمهرة نسب قريش» للزبير بن بكَّار. ٤٠ - «حديث خيثمة الأطرابلسي».

стр. 32

٤١ - «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري». ٤٢ - «حلية الأولياء» لأبي نعيم الأصبهاني. ٤٣ - «دلائل النبوة» للبيهقي. ٤٤ - «ذم المُسكر» لابن أبي الدُّنيا. ٤٥ - «الزاهر في معاني كلمات الناس» لابن الأنباري. ٤٦ - «الزهد» لأحمد بن حنبل. ٤٧ - «الزهد والرقائق» لابن المبارك. ٤٨ - «الزُّهريات» لمحمد بن يحيى الذُّهْلي. ٤٩ - «الزيادات على كتاب المزني» لأبي بكر ابن زياد النيسابوري. ٥٠ - «سنن ابن ماجه». ٥١ - «سنن أبي داود». ٥٢ - «سنن الأثرم». ٥٣ - «سنن الترمذي». ٥٤ - «سنن الدارمي». ٥٥ - «سنن الدارقطني». ٥٦ - «سنن سعيد بن منصور». ٥٧ - «سُّنن النسائي» الصغرى والكبرى. ٥٨ - «السُّنن الكبرى» للبيهقي. ٥٩ - «السُّنن المأثورة» للشافعي. ٦٠ - «السُّنة» للطبراني. ٦١ - «السُّنة» لابن أبي عاصم. ٦٢ - «سيرة الصِّدِّيق» للمؤلِّف.

стр. 33

٦٣ - «السيرة» لابن إسحاق. ٦٤ - «السيرة» لابن هشام. ٦٥ - «سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز» لابن الجوزي. ٦٦ - «الشمائل المحمدية» للترمذي. ٦٧ - «الصحاح» للجوهري. ٦٨ - «صحيح ابن حبان». ٦٩ - «صحيح البخاري». ٧٠ - «صحيح مسلم». ٧١ - «صفة المنافق» للفِريابي. ٧٢ - «الصلاة» لأبي نعيم الفضل بن دُكَين. ٧٣ - «الصيام» للفِريابي. ٧٤ - «الضعفاء الكبير» للعقيلي. ٧٥ - «الطبقات الكبرى» لابن سعد. ٧٦ - «العقوبات» لابن أبي الدُّنيا. ٧٧ - «علل الحديث» لابن أبي حاتم. ٧٨ - «العلل ومعرفة الرجال» للإمام أحمد بن حنبل. ٧٩ - «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» للدارقطني. ٨٠ - «العلل» لابن المديني. ٨١ - «عمل اليوم والليلة» للنسائي. ٨٢ - «غريب الحديث» لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم. ٨٣ - «الغيلانيات» لأبي بكر الشافعي. ٨٤ - «الفرائض» للإمام أحمد بن حنبل.

стр. 34

٨٥ - «الفرائض» لأبي بكر بن داود الظاهري. ٨٦ - «فضائل الشيخين» لأسد بن موسى. ٨٧ - «فضائل القرآن» لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم. ٨٨ - «فوائد تمام الرازي». ٨٩ - «فوائد عبد الوهاب الجوبري». ٩٠ - «القبور» لابن أبي الدُّنيا. ٩١ - «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي. ٩٢ - «كرامات أولياء الله» لأبي القاسم اللالكائي. ٩٣ - «مجابو الدعوة» لابن أبي الدُّنيا. ٩٤ - «المجروحين» لابن حبان. ٩٥ - «محاسبة النفس» لابن أبي الدُّنيا. ٩٦ - «المحلى» لابن حزم. ٩٧ - «مختصر المزني». ٩٨ - «المخلِّصيَّات» لأبي طاهر المخلِّص. ٩٩ - «مداراة الناس» لابن أبي الدُّنيا. ١٠٠ - «المراسيل» لأبي داود السجستاني. ١٠١ - «المراسيل» لابن أبي حاتم. ١٠٢ - «مسائل حرب الكِرماني». ١٠٣ - «المستخرج» للبَرقاني». ١٠٤ - «المستدرك» للحاكم. ١٠٥ - «مسند ابن أبي عمر العَدَني». ١٠٦ - «مسند أحمد بن مَنيع».

стр. 35

١٠٧ - «مسند الإمام أحمد بن حنبل». ١٠٨ - «مسند أبي داود الطيالسي». ١٠٩ - «مسند أبي يعلى الموصلي» رواية ابن حمدان، وابن المقرئ. ١١٠ - «مسند إسحاق بن راهويه». ١١١ - «مسند إسماعيل الصفَّار». ١١٢ - «مسند الحميدي». ١١٣ - «مسند الشهاب» للقضاعي. ١١٤ - «مسند الصدِّيق» للمؤلِّف. ١١٥ - «مسند عَبد بن حميد». ١١٦ - «مسند عمر» لأبي بكر الإسماعيلي. ١١٧ - «مسند مسدَّد بن مُسَرهد». ١١٨ - «المسند المعلَّل» لابن المديني. ١١٩ - «مسند الهيثم بن كُلَيب». ١٢٠ - «مسند وكيع». ١٢١ - «المصاحف» لابن أبي داود. ١٢٢ - «مصنَّف ابن أبي شيبة». ١٢٣ - «مصنَّف عبد الرزاق». ١٢٤ - «المطر والرعد والبرق» لابن أبي الدُّنيا. ١٢٥ - «المعجم الأوسط» للطبراني. ١٢٦ - «معجم الصحابة» للدَّغولي. ١٢٧ - «المعجم الصغير» للطبراني.

стр. 36

١٢٨ - «المعجم الكبير» للطبراني. ١٢٩ - «المعرفة والتاريخ» للفَسَوي. ١٣٠ - «معرفة السُّنن والآثار» للبيهقي. ١٣١ - «مكائد الشيطان» لابن أبي الدُّنيا. ١٣٢ - «من عاش بعد الموت» لابن أبي الدُّنيا. ١٣٣ - «مناقب عمر بن الخطاب» لابن الجوزي. ١٣٤ - «المنتظم في تاريخ الأمم والملوك» لابن الجوزي. ١٣٥ - «الموطأ للإمام مالك» رواية يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري. ١٣٦ - «الموفَّقيات» للزبير بن بكَّار. ١٣٧ - «الهواتف» لابن أبي الدُّنيا. ١٣٨ - «الورع» لابن أبي الدُّنيا.

стр. 37

المبحث السادس: الملحوظات على الكتاب لقد وقفت أثناء عملي في هذا الكتاب على عدَّة ملحوظات، ألخصها فيما يلي: أولاً: هناك آثار عزاها المؤلِّف إلى مصادر غيرها أولى منها، فمن ذلك: عزوه بعض الآثار لـ «مناقب ابن الجوزي»، أو لـ «مسند عمر» للإسماعيلي، في حين أنها في مصادر أعلى، كـ «صحيح مسلم»، أو «موطأ مالك». وهذه بعض الأمثلة: المثال الأول: في (٢/ ١٤٦) عزا أثرًا لعمر في استشارته الصحابة في إملاص المرأة إلى «غريب الحديث» لأبي عبيد، وهو عند البخاري في «صحيحه». المثال الثاني: في (٢/ ٥٤٠) عزا قول عمر ﵁: «وَجَدنا خير عيشنا في الصبر» لـ «جزء ابن العلاَّف»، وهو عند ابن المبارك في «الزهد والرقائق»، وأحمد في «الزهد»، وأبي نعيم في «الحلية»، بل وعلَّقه البخاري في «صحيحه» جازمًا به. المثال الثالث: في (٢/ ٥٨٤) عزا قول عمر: «كان أبو بكر أحبَّنا إلى رسول الله ﷺ » لـ «سنن الترمذي»، وهو في «صحيح البخاري». ثانيًا: صحَّح المؤلِّف أحاديث وآثارًا، وبالنظر في كلام أئمة العلل تبين خلاف ما ذهب إليه. وهذه بعض الأمثلة:

стр. 38

المثال الأول: عند الحديث رقم (٣): ذَكَر ما أخرجه ابن ماجه وأحمد، من طريق رِشدين بن سعد وابن لهيعة، عن الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أَسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنه توضَّأَ عام تبوك واحدةً واحدةً. ثم قال: وهذا إسناد حسن. قلت: لكن له علَّة، فقد قال الترمذي في «سننه» بعد ذِكره لهذه الطريق: وليس هذا بشيء، والصحيح: ما روى ابن عَجْلان، وهشام بن سعد، وسفيان الثوري، وعبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ . المثال الثاني: عند الحديث رقم (٧٦): ذَكَر ما أخرجه أبو يعلى من طريق بشر بن منصور، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». ثم قال: وهذا إسناد جيد من هذا الوجه. قلت: لكن له علَّة، فإنَّ أصحاب عبيد الله بن عمر خالفوا بشر بن منصور في روايته، فرووه عن عبيد الله بن عمر، فقالوا: عن نافع، عن ابن عمر. ليس فيه: عمر. المثال الثالث: عند الحديث رقم (١٨٣): ذَكَر ما أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدَّار قال: أصاب الناسَ قحطٌ في زمان عمرَ ﵁، فجاء رجلٌ إلى قبر النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله! استَسق اللهَ لأمَّتك، فإنهم قد هَلَكوا. فأتاه رسولُ الله ﷺ في المنام، فقال: ائت عمرَ، فأقرئه منِّي السلامَ، وأخبره أنهم مُسقَون، وقل له: «عليك بالكَيس الكَيس»، فأتى الرجل، فأخبر عمر، وقال: يا ربُّ، ما آلو إلا ما عَجِزتُ عنه. ثم قال:

стр. 39

هذا إسناد جيد قوي. قلت: لكن له علَّة، والصواب: أنه ضعيف منكر، وقد أُعلَّ بستِّ علل، كما بيَّنت ذلك في موضعه. ثالثًا: ذَكَر المؤلِّف في بعض الأبواب أحاديثَ وآثارًا ضعيفة واقتصر عليها، ومع البحث وَجَدت لها طرقًا أخرى صحيحة تغني عن الضعيف الذي أورده، أو تشدُّ من أزره وتقوِّيه، وهذه بعض الأمثلة: المثال الأول: عند الحديث رقم (٤٩٩): ذَكَر ما أخرجه أبو جعفر بن ذَريح، عن هنَّاد، عن عَبدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي قال: أَتى عُمرَ بن الخطاب رجلٌ فقال: إنَّ ابنةً لي كنت وأدتها في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدرَكَت معنا الإسلام، فأسلَمَت، فلمَّا أسلَمَت أصابها حدٌّ من حدود الله، فأَخَذَتْ الشَّفرةَ لتذبح نفسَها، فأدركناها، وقد قطعت بعض أوداجها، فداويناها حتى برئت، ثم أقبَلَتْ بعدُ بتوبة حسنة، وهي تُخطَب إلى قوم، فأُخبرهم من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر ﵁: أَتَعمِد إلى ما ستره الله فتُبديه! والله لئن أخبرتَ بشأنها أحدًا من الناس؛ لأجعلنَّك نكالاً لأهل الأمصار، أَنكِحها نكاح العفيفة المسلمة. ثم قال: فيه انقطاع. قلت: له طريق أخرى صحيحة: أخرجها عبد الرزاق والطبري، من طريق الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أنَّ رجلاً خطب إليه ابنة له، وكانت قد أَحدَثَت، فجاء إلى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: ما رأيتَ منها؟ قال: ما رأيتُ إلا خيرًا. قال: فزوِّجها، ولا تُخبِر. المثال الثاني: عند الحديث رقم (٥٧٧): ذَكَر ما أخرجه مالك في «الموطأ» عن يحيى، عن سعيد: أنَّ عمر قال: أيُّما امرأة فَقَدت زوجها

стр. 40

فلم تدر أين هو؛ فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرًا. ثم قال: وهذه آثار صحيحة عن عمر. والخلاف في سماع سعيد من عمر مشهور، ومع ذلك، له طريق أخرى صحيحة: أخرجها البيهقي، عن أبي الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفَّار، نا محمد بن عبد الملك، نا يزيد بن هارون، أنا سليمان التيمي، عن أبي عمرو الشيباني: أنَّ عمرَ ﵁ أجَّل امرأة المفقود أربع سنين. المثال الثالث: عند الحديث رقم (٧٩٥): ذَكَر ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر: أنه انقطع شِسع نعله، فاسترجع، وقال: كلُّ ما ساءك مصيبة. قلت: سكت عنه، وفي إسناده عبد الله بن خليفة، قال عنه الذهبي في «الميزان»: لا يكاد يُعرَف. وقال الحافظ في «التقريب»: مقبول. ومع ذلك فله طريق أخرى يتقوَّى بها، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن منصور، عن مجاهد، عن سعيد بن المسيّب قال: انقطع قِبَال نعل عمر، فقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. فقالوا: يا أمير المؤمنين، أفي قِبَال نعلك؟! قال: نعم، كلُّ شيء أصاب المؤمن يكره، فهو مصيبة. رابعًا: ذَكَر المؤلِّف أحاديث وآثارًا ضعيفة، ولم ينبِّه على ضعفها، وهذه بعض الأمثلة: المثال الأول: عند الحديث رقم (٥٠١): ذكر ما أخرجه قال أبو القاسم البغوي، عن أبي نصر التَّمار، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عُمَير، عن زيدِ بنِ عَذَبَةَ قال: قال عمرُ بن الخطاب: الرِّجالُ ثلَاثةٌ،
следующие страницы →