Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فصل
ربما أضمرت كان الناقصة بعد (لدن) قال:
من لد شولاً فإلى إتلائها
أي من لدن كانت شولاً ... وقدره سيبويه، والجمهور: من لد أن كانت شولاً، وقال أصحابنا هو تفسير معنى لا إعراب، ويروى من لدشول أي من لد شولان، والشول من النوق: المرتفعة اللبن وقيل: شول مصدر، وشبهت بلدن أزمان في قول الشاعر:
أزمان قومي والجماعة ... ... ... ... ...
قدره سيبويه أزمان كان قومي، وقالت العرب: أما أنت منطلقًا انطلقت معك، فقال سيبويه التقدير: أن كنت فحذف الفعل، وعوض منه (ما) فلا
стр. 1192
يجمع بينهما، وانفصل الضمير لما حذف الفعل، و (أنت) اسم كان المضمرة، ومنطلقًا الخبر، و (أما أنت) مفعول من أجله، التقدير: لأن كنت منطلقًا انطلقت معك، وزعم بعض النحويين أن (كان) في هذا التركيب تامة، ومنطلقًا وما أشبهه حال. واستدل بلزوم التنكير فيه، وصحح ذلك بعض معاصرينا، وزعم أبو علي، وابن جني أن (ما) لما كانت عوضًا نابت مناب (كان) في العمل، وزعمًا أنه مذهب سيبويه، وزعم المبرد أن (ما) ليست عوضًا؛ فيجوز الجمع بينهما، وبين الفعل تقول: أما كنت منطلقًا انطلقت معك، وزعم الكوفيون أن (أن) هذه المفتوحة الهمزة أداة شرط كـ (إن) المكسورتها، وجاز حذف الفعل في المذهبين: للعلم بأن (أن) لا يقع بعدها إلا الأفعال، واتفقوا على أنه إذا حذفت (ما)، وأتى بالفعل كانت (إن) مكسورة، وهي عند البصريين غير (أن) المفتوحة وأما قوله:
إما أقمت وأما أنت مرتحلاً ... ... ... ... ...
فإنه صح عطف إحداهما على الأخرى، وإن اختلفا لاشتراكهما في المعنى، والقدر المشترك بين المفعول له، والشرط، وعلى رأي الكوفيين هما شرطان، وإذا كانت
стр. 1193
(إن) مكسورة، لم يجز عدم الفعل ووجود (ما) كما لم يجز إظهاره، ووجود ما مع المفتوحة، قاله سيبويه، وقال أيضًا سيبويه: أما زيد ذاهبًا ذهبت معه؛ «أي إن كان زيد ذاهبًا»، أتى بالاسم ظاهرًا، والمحفوظ المسموع أن يكون ضميرًا لمخاطب، والقياس عليه في ضمير المتكلم، والغائب والاسم الظاهر جائز، والأحوط التوقف مع المسموع.
وسمع قليلاً حذف كان واسمها بعد إن الشرطية مزيدًا بعدها (ما)، فمن ذلك قول العرب: افعل ذلك إما لا «أي إن كنت لا تفعل غيره»
ولا يحذف الفعل مع المكسورة معوضًا عنها إلا في هذا، فلو قلت: إن ما كنت منطلقًا انطلقت معك، كانت (ما) زائدة، وليست عوضًا، ولا يجوز: أن ما أنت منطلقًا انطلقت معك.
ومضارع (كان) إذا دخل عليه الجازم، جاز حذف النون، لكثرة الاستعمال، وسواء في ذلك الناقصة، والتامة، لكنه في التامة أقل، وفي الناقصة أكثر، هذا ما لم يتصل بالمضارع الضمير المتصل خبرًا لها، فلا يجوز حذف النون نحو قوله:
فإن لم يكنها أو تكنه ... ... ... ....
وكذلك إن لقيت ساكنًا نحو قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ وأجاز
стр. 1194
يونس حذفها في الكلام كقوله:
لم يك الحق ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وأجاز غيره في الضرورة.
وخبر هذه الأفعال إذا كان ظرفًا، أو مجرورًا، أو جملة، فهو في موضع نصب، أو مفردًا، فاتفق أكثر النحويين على أنه لا يجوز رفعه على إضمار مبتدأ محذوف فتقول: كنت قائمًا، ولا يجوز: كنت أنا قائم، وقد ورد في الشعر ما ظاهره الجواز، فإن كان تفصيل جاز النصب، والرفع تقول: كان الزيدان قائمًا، وقاعدًا، ويجوز قائم وقاعد، وخالف في الرفع بعض الكوفيين فقالوا: هو منصوب على الحال، وليس مشبهًا بالمفعول، وقد تقدم ذكر ذلك، ويجوز رفع
стр. 1195
الاسمين بعد كان وأخواتها، وأنكر الفراء سماعه، وقال الجمهور: فيها ضمير الشأن، وقال الكسائي، وتبعه ابن الطراوة هي ملغاة.
ومعمول الخبر إن قدمته مع الخبر على هذه الأفعال جاز، أو وحده نحو: زيدًا كان عمرو ضاربًا فذكروا في جواز ذلك خلافًا، وسواء أكان ظرفًا أم مجرورًا، أم غير ذلك، وتقدم في تراكيب ابن شقير جواز ذلك من كل قول، وتقدم مذهب الكوفيين في منعهم تقديم الخبر، وتوسيطه إذ كان يتحمل الضمير، وتخريج الكسائي والفراء، وأما التفريع على مذهبهم في تقديم المعمول على الفعل، أو على الاسم، فإن قدمته بعد الخبر نحو قوله: قائمًا في الدار كان زيد، وكان قائمًا في الدار زيد، أو قبل الخبر نحو: في الدار قائمًا كان زيد، وكان في الدار قائمًا زيد، فالأمر عندهم على ما كان عليه في الصورتين إلا في الثانية، فلا يجوز أن يكون خلفًا عند الكسائي، كان المعمول ظرفًا، أو غير ظرف.
وفصل الفراء فقال: إن كان المعمول ظرفًا، أو مجرورًا، جاز أن تكون الصفة خلفًا، أو غيرهما لم يجز أن يكون خلفًا نحو: طعامك آكلاً كان زيد، وكان طعامك آكلاً زيد، والصحيح عندنا أنه خبر مقدم، لم يخلف موصوفًا يثنى ويجمع، وإذا قدمت الخبر، وأخرت المعمول نحو: آكلاً كان زيد طعامك؛ فقيل: لا يجوز، وتقدمت لنا في تراكيب ابن شقير أنها جائزة من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين، فإن جعلت المسألة على كلامين أي يأكل طعامك جاز على كل مذهب.
وإذا قلت: كان كائنًا زيد قائمًا، فالكسائي يجعل في كان ضمير الشأن،
стр. 1196
وكائنًا خبر كان، وزيد اسم كائن، وقائمًا خبر كان، والفراء يجعل كائنًا خبر كان، وزيد مرفوعًا بكان، وكائن على أنهما اسم، وقائمًا خبر كائن، ولا يجوز عندهما أن تقول: كائنا كان زيد قائما، فيفصل بين كائن وخبرها، وهو (قائم) بأجنبي، ولا يجوز حمله على فعل مضمر يدل عليه كائن، كما كان في آكلاً كان زيد طعامك، ولا يجوز عندهم كان يقوم زيد، على أن يكون خبرًا مقدمًا؛ بل على أن يكون في كان ضمير الشأن، و (يقوم) في موضع الخبر على مذهب الفراء، (وزيد) مرفوع بيقوم، ولا يجوز عندهم تقدم (يقوم) على الفعل فتقول: يقوم كان زيد على وجه من الوجوه والظرف، والمجرور في ذلك كالفعل، لكونهما لا يخلفان الموصوف، فإن كان الخبر اسمًا لا يتحمل الضمير جاز توسيطه، وتقديمه عندهم نحو: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، إذا أردت أخوة النسب لا أخوة الصداقة.
стр. 1197
فصل (ما) النافية
إذا دخلت على الجملة الاسمية، ففيها لغتان: إحداهما: رفع الاسم، ونصب الخبر، وهي لغة الحجاز قال الكسائي: وأهل تهامة، وقال الفراء: لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء. انتهى.
وجاء القرآن كثيرًا بالباء، وجاء بالنصب في قوله تعالى: ﴿ما هذا بشرًا﴾ ﴿ما هن أمهاتهم﴾، قالوا: ولا يحفظ النصب في كلامهم في الشعر إلا في قوله:
أبناؤها متكنفون آباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
بنصب أولادها، واللغة الأخرى برفع الاسمين على الابتداء والخبر، وحكى سيبويه أنها لغة تميم، وحكى الفراء والكسائي أنها لغة نجد، وذكر لنصب الخبر شروطًا في المشهور:
أحدها: تأخر الخبر، فإن تقدم ارتفع نحو: ما قائم زيد، وذهب الفراء
стр. 1198
إلى أنه يجوز نصبه فتقول ما قائمًا زيد، وعنه، وعن الكسائي فيما نقل ابن عصفور: لا يجوز النصب، وقال الجرمي: هي لغة، وحكى: «ما مسيئًا من أعتب»، ونسبة جواز ذلك إلى سيبويه باطلة، فإن قدمت الخبر منصوبًا، وأدخلت (إلا) على الاسم فقلت: ما قائمًا إلا زيد، أجاز ذلك الأخفش، ومنعه البصريون، وخرج ذلك ابن مالك، على أن إلا زيد، بدل من اسم (ما) محذوفًا، والتقدير: ما أحد قائمًا غلا زيد، حذف أحد، وأغنى البدل عن اسم ما؛ فإن أدخلت الباء على الخبر نحو: ما بقائم زيد أجازه البصريون، وينبغي أن يرجع الحجازي في التقديم تميميًا، ومنع الكوفيون ذلك مطلقًا على اللغتين.
وذكر ابن عصفور عن الفراء: إجازة ما بقائم زيد؛ فإن فصلت بين (ما) والمجرور بالباء، بمجرور متعلق به جاز عند الكسائي، والفراء نحو: «ما إليك بقاصد زيد»، و «ما فيك براغب عمرو»، وإذا طرحت الباء رفعت، وهذا النقل مخالف لما قبله؛ فإن كان الخبر ظرفًا، أو مجرورًا نحو: ما عندك زيد، وما في الدار أحد، فذهب الأخفش إلى أنه يجوز، وهو قول أبي بكر العرشاني، وأجاز ذلك الجمهور، وهو اختيار الأعلم، فالظرف والمجرور في موضع نصب على أنه خبر
стр. 1199
ما الحجازية، فإن توسط المعمول الذي للخبر بين (ما) والمرفوع، وهو ظرف أو مجرور جاز نحو: ما اليوم زيد ذاهبًا، وما بسيف زيد ضاربًا أو غيرها نحو: ما طعامك زيد آكلاً لم يجز خلافًا لابن كيسان؛ فإنه يجيز نصبه، نص عليه؛ مد بن منصور اليشكري في أرجوته قال:
وما جوادك الغلام راكب ... فليس للجواد يلقى ناصب
إلا ابن كيسان من المذاهب ... فإنه أجاز نصب الراكب
فإن رفعت آكلاً، جاز عند الجمهور، وحكى منعه عن الرماني.
الثاني: بقاء نفيه؛ فإن كان موجبًا بغير جاز النصب عند الفراء، ووجب عند البصريين نحو: ما زيد غير عاقل، أو بإلا نحو: ما زيد إلا أخوك، فقال النحاس: لا يجوز إلا الرفع بلا خلاف، وذلك فيما كان الثاني فيه هو الأول، ولم يكن صفة، ولا منزلاً منزلته؛ فإن كان صفة فالرفع نحو: ما زيد إلا قائم، وأجاز الفراء النصب نحو: ما أنت إلا راكبًا، فأما ماشيًا فلست بشيء تضمر أنك جميل في حال ركوبك: وإنك شيء إذا ركبت، وإذا مشيت فلست بشيء، وإن كان منزلاً منزلته نحو: ما زيد إلا زهير، فلا يجوز فيه عند الجمهور إلا الرفع، وأجاز الكوفيون فيه النصب، فإن قلت: ما زيد إلا لحيته، وما زيد غلا عيناه، فالرفع عند البصريين، وأجاز الكوفيون في هذا النصب، ولا يجوز النصب عند البصريين في غير المصادر، إلا أن تعرف المعنى، فتضمر ناصبًا نحو: ما زيد غلا لحيته مرة، وعينه أخرى، وما زيد إلا عمامته تحسينًا، ورداءه تزيينًا أي تتعهد، وحكى ابن مالك
стр. 1200
جواز النصب في الخبر بعد إلا من غير تفصيل عن يونس، ونقل ابن عصفور عن الكسائي والفراء أنه إذا دخلت إلا على الخبر، لم يجز نصبه، ولا جره بالباء، وتقدم ذكر ذلك.
[وإذا كان الخبر مصحوبًا بحرف التنفيس أو بقد أو بلم جاز دخول إلا عليه نحو: ما زيد إلا سوف يقوم أو قد يقوم أو لم يخرج ومنع من جواز ذلك الفراء]؛ فإن توسط معمول الخبر بينه وبين إلا لم يجز النصب عند البصريين نحو: ما زيد إلا عمرا ضارب، وأجازه الكسائي والفراء، هذا نقل ابن أصبغ، وقال النحاس: لا يجيز الفراء «ما عبد الله إلا بالجارية كفيل»، وما بالجارية إلا عبد الله كفيل، وذلك جائز عند الكسائي والبصريين.
الثالث: فقد إن بعد (ما) ذكر ابن مالك أنه يبطل العمل بلا خلاف، فتقول: ما إن زيد قائم، وليس كما ذكر؛ بل وجوب الرفع مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى جواز النصب، وحكي ذلك يعقوب، و (إن) زائدة كافة لا نافية خلافًا للكوفيين، ونقل ابن عصفور عن الكسائي والفراء أنه إذا جيء (بإن) بعد (ما)، لا يجوز النصب، ولا الجر بالباء.
الرابع: ألا تؤكد (ما) بما فيجب الرفع نحو: ماما زيد ذاهب عند عامة النحويين، وأجاز جماعة من الكوفيين النصب.
стр. 1201
الخامس: ألا يبدل من الخبر بدل مصحوب بإلا نحو: ما زيد شيء أو بشيء إلا شيء لا يعبأ به، فهنا يستوي اللغتان الحجازية، والتميمية ذكر ذلك سيبويه.
وفي كتاب القاسم البطليوس: جواز نصب الخبر، ورفع ما بعد (إلا) على البدل من الموضع، وهو وهم فاحش، ولا يجوز تقدم معمول الخبر على ما لا يرفع الخبر، ولا ينصبه نحو: طعامك ما زيد آكلاً، أو آكل عند البصريين؛ لأن (ما) لها صدر الكلام، وأجاز ذلك الكوفيون.
وفي كتاب الإنصاف قال ثعلب: إ ن كانت ردًا للخبر لمن قال: زيد آكل طعامك، فرد عليه نافيًا، وما زيد أكلاً طعامك جاز التقديم فتقول: طعامك ما زيد آكلاً، وإن كان جوبًا للقسم إذا قال: والله ما زيد بآكل طعامك، كانت بمنزلة اللام في جواب الكلام فلا يجوز التقديم.
فإن أدخلت الباء على الخبر فقوم لا يجيزون ذلك فيقولون: ما طعامك زيد بآكل، وما فيك زيد براغب، إلا أنهم يرفعون الخبر إذا لم تدخل الباء، ولا يجيزون النصب، ولا يجيزون طعامك ما زيد آكلاً أبوه، وأجازه بعض الكوفيين، ونصب الخبر عند البصريين (بما)، وعند الكوفيين بإسقاط الخافض.
стр. 1202
فصل
إذا عطفت على الخبر بحرف لا يوجب نحو: ما زيد قائمًا ولا قاعدًا جاز في قاعد وجهان:
أحدهما: نصبه عطفًا على الخبر وهو أجود.
والآخر: رفعه على إضمار هو، وقد منع قوم من القدماء النصب في العطف على خبر ليس، ومنعهم في (ما) أولى، وأوجبوا الرفع على إضمار (هو)، وأما الخفض فيه على التوهم فمسموع، لكن عامة النحويين لا يجيزونه، وأجازه الكسائي، والفراء، قياسًا، ونسبة النحاس جواز ذلك إلى سيبويه وهم، وإنما حكى ذلك سيبويه في ليس؛ فإن كان الخبر لا يقبل الباء نحو: ليس زيد إلا قائمًا، ونحو: ليس زيد يركب، وما زيد يركب، فمن أجاز الجر في العطف لا يجيزه في هذا، أو بحرف يوجب رفعت نحو: ما زيد قائمًا بل قاعد أي بل هو قاعد، وليس من عطف [المفرد] على الخبر، بل من عطف الجمل.
فإن كان اللسان سبق إلى ذكر الخبر غلطًا فاستدركت نصبت، فقلت: بل قاعدًا، كما تقول: ما ضربت رجلاً بل امرأة، إذا غلطت، قاله بعض أصحابنا، ولم يسمع إجراء (لكن) مجرى (بل) في ذلك، بل هو مسموع في ليس نحو: ليس زيد قائمًا لكن قاعد، وقال الفارسي: قياس لكن أن يكون مثل بل فتقول: ما زيد قائمًا لكن قاعد، وإذا عطفت على الاسم رفعت فقلت: ما زيد قائمًا، ولا عمرو،
стр. 1203
فإن ولى العاطف الذي لا يوجب وصفًا، ورفع سببًا نصبت الوصف، ورفعت به السببي، أو رفعته خبرًا للاسم بعده، أو مبتدأ مرفوعًا به الاسم، مستغنى به عن الخبر فتقول: ليس زيد قائمًا، ولا قاعدًا أخوه، وما زيد قائمًا ولا قاعدًا أخوه، ويجوز، ولا قاعد أخوه على التقديرين، ومن أجاز الجر في ما زيد قائمًا، ولا قاعد أجازه هنا.
وإن ولي الوصف أجنبي، جاز مع ليس نصبه فتقول: ليس زيد ذاهبًا، ولا مقيمًا عمرو إلا عند أولئك القدماء، بل يجب عندهم الرفع، وإذا نصبت كان الوصف معطوفًا على الخبر، والأجنبي معطوف على اسم ليس، وإذا رفعت الوصف؛ فعلى وجهين: رفعه حين وليه السببي، وقد سمع الجر فيه نحو: ليس زيد بقائم، ولا ذاهب بكر، وذلك إذا جر خبر ليس بالباء، وخرج ذلك على حذف الحرف لدلالة ما قبله عليه، لا على أنه مما ناب فيه الحرف مناب عاملين، فإن وليه في «ما» تعين رفعه نحو: ما زيد قائمًا، ولا ذاهب عمرو، ورفعه من ذينك الوجهين هذا مذهب البصريين، وأجاز الكسائي، والفراء فيه النصب فتقول: ما زيد قائمًا ولا ذاهبًا عمرو، وحكى الكوفيون من قول العرب ما زيد قائمًا فمخلفًا أحد بالنصب، فلو كان خبر «ما» مجرورًا بالباء نحو: ما زيد بقائم ولا خارج عمرو، لم يجز جره عند البصريين، وأجازه الكوفيون، فلو حذفت «لا» لم يجز جره عند البصريين، والفراء، وأجازه هشام، كما أجاز الذي قبله.
стр. 1204
فإن تأخر الوصف عن الأجنبي؛ وحرف العطف موجب رفعت، فقلت: ما زيد قائمًا، بل عمرو خارج أو غير موجب، والخبر مرفوع رفعت فقلت: ما زيد قائم، ولا عمرو خارج، أو منصوب، فأجمعوا على الرفع نحو: ما زيد قائمًا ولا عمرو ذاهب، وزعم الجرمي أنهم رووا أن أكثر العرب يرفع، واختلفوا في نصبه، فأجازه الخليل، وسيبويه، والكسائي، وهشام، ومنعه النحويون القدماء، وقال سيبويه: وتقول: «ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة»؛ وإن شئت نصبت بيضاء، وبيضاء في موضع جر، ولا يجيز المبرد في بيضاء إلا الرفع، وإن كان خبر (ما) مجرورًا، وعطفت على اللفظ قلت: ما زيد بقائم، ولا عمرو بذاهب، أو على الموضع نصبت الخبر؛ إن كانت حجازية فقتل: ما زيد بقائم، ولا عمرو ذاهبًا. ويجيء فيها الخلاف السابق، أو تميمية رفعت فقلت: ما زيد بقائم، ولا عمرو ذاهب.
وهذه مسائل تتعلق بما يجوز دخول همزة الاستفهام على (ما) الحجازية فتعمل نحو: أما زيد قائمًا، ولا يجوز حذف اسم (ما) لو قلت: زيد ما منطلقًا تريد: ما هو منطلقًا لم يجز، وإذا قلت: ما هو طعامك زيد بآكل، هو ضمير الشأن؛ إن كانت (ما) حجازية، لم يجز، أو تميمية جازت، وإذا قلت: اليوم ما زيد إياه ذاهبًا، جازت عند الأكثرين، ومنعها بعضهم، وإذا أخرت الاسم موجبًا بإلا، وقدمت معمول الخبر عليه نحو: ما طعامك آكل إلا زيد، جاز ذلك عند البصريين، ولم يجز عند الكسائي، والفراء، وأجاز الأخفش (ما نعم الرجل عبد الله»، ولا قريب من ذلك. وإجازة غيره نصب قريب على الظرف، وأجاز الكسائي إضمار (ما) وأنشد:
стр. 1205
فقلت لها والله يدري مسافر ... ... ... ...
«أي ما يدري مسافر» فأمضر ما قال الفراء: فسألته عن والله أخوك قائمًا فرأيته كالمرتاب من إدخال الباء، ويجوز حذف الخبر عبد (ما) المكفوفة بإن للدلالة نحو:
... ... ... فما إن من حديث ولا صال
وبناء النكرة مع «ما» تشبيهًا بلا نحو: ما باس عليك شاذ لا ينقاس وقال الشاعر:
стр. 1206
وما باس لو ردت علينا تحية ... قليلاً على من يعرف الحق عابها
стр. 1207
فصل
(إن) النافية أجاز إعمالها إعمال (ما) الحجازية الكسائي، وأكثر الكوفيين، وابن السراج، والفارسي، وابن جني، ومنع من ذلك الفراء وأكثر البصريين، واختلفوا على سيبويه، والمبرد، فنقل السهيلي أن سيبويه أجاز إعمالها، وأن المبرد منع من ذلك، ونقل النحاس عكس هذا، قال: سيبويه، والفراء يرفعان، والكسائي ينصب، وهو مذهب أبي العباس، وقال ابن الطاهر: «نص سيبويه على إعمالها إعمال (ليس)»، وأكثر أصحابنا: يذهب إلى أنها لا تعمل، وأن قوله:
إن هو مستوليًا على أحد ... ... ...
стр. 1208
ضرورة، والصحيح جواز إعمالها؛ إذ قد ثبت ذلك لغة لأهل العالية نثرًا ونظمًا، ومن النثر «إن ذلك نافعك ولا ضارك»، «وإن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية»، وقال أعرابي: إن قائمًا يريد: إن أنا قائمًا حذف الهمزة، ونقل حركتها إلى نون (إن)، وأدغم كقوله: ﴿لكنا هو الله ربي﴾ أي لكن أنا، وتعمل في المعرفة والنكرة ويبطل عملها انتقاض النفي كما قال تعالى: ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ وتوسط الخبر نحو: إن منطلق زيد.
وتعمل (لا) أيضًا عمل (ما)، وعملها قليل بخلاف عمل (إن)، ودعوى ابن مالك العكس باطلة، وزعم الأخفش، والمبرد أن (لا) لا تعمل عمل ليس، وزعما أن قول سيبويه (وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك في قول من جعلها كليس»، إنما قاله قياسًا منه، ولذلك ساغ لهما خلافه، وذهب بعضهم إلى أنها أجريت مجرى ليس في رفع الاسم خاصة، لا في نصب الخبر، وهو مذهب الزجاج قال: وهي مع اسمها في موضع رفع على الابتداء، وزعم بعضهم أنها لم يحفظ النصب في خبرها ملفوظًا به، والصحيح سماع ذلك، لكنه في غاية الشذوذ والقلة ومنه:
تعز فلا شيء على الأرض باقيًا ... ... ....
стр. 1209
وقوله:
نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... ... ... ....
والنقل عن بني تميم أنهم لا يعملونها إعمال ليس، وأكثر من أجاز إعمالها اشترط تنكير معموليها، وأن لا يتقدم خبرها على اسمها، وأن لا ينتقض النفي، وأن لا يفصل بينها، وبين مرفوعها، وفي البسيط: الظاهر أن الفصل يبطل عملها، وأجاز ابن جني إعمالها في المعرفة، وجاز ذلك في قول النابغة الجعدي:
وحلت سواد القلب لا أنا باغيًا ... ... ...
стр. 1210
وقول الآخر:
... ... لا الدار دارًا ولا الجيران جيرانا
واختلف النحويون في ماهية (لات)، فذهب بعضهم إلى أنها فعل ماض بمعنى نقص، نفي بها كما نفي بليس، ذكره الخشني في شرحه لكتاب سيبويه، وذهب بعضهم إلى أن أصلها ليس أبدلت سينها تاء، والجمهور على أن (لات) حرف لحقته التاء، فذهب سيبويه إلى أنه من تركيب الحرف مع الحرف نحو: إنما فلو سميت به حكيته، وذهب الأخفش، والجمهور إلى أنها (لا) زيدت عليها التاء كما زيدت في ثم، فقالوا: ثمت فهي للتأنيث، وذهب ابن الطراوة إلى أن التاء ليست للتأنيث؛ إنما هي زائدة على الحين، واتبع في ذلك أبا عبيدة، وكتبت في المصحف منفصلة من الحين، ووقف جمهور القراء عليها بالتاء ابتاعًا للرسم، وعن الكسائي الوقف بالتاء وبالهاء، واختلفوا هل تعمل أم
стр. 1211
لا، فذهب الأخفش إلى أنها لا تعمل، بل إن ارتفع الاسم بعدها فهو مبتدأ، وخبره محذوف، أو خبر محذوف المبتدأ، أو انتصب فعلى إضمار فعل، وذهب الجمهور إلى أنها تعمل، واختلفوا فذهب الأخفش في قول: إلى أنها تعمل نصبًا عمل لا التي للنفي العام، وذهب الجمهور إلى أنها تعمل عمل ليس، واختلفوا أعملها مختص بلفظ الحين، أم يتعدى إلى ما رادف الحين من الظروف، فمذهب الفراء أنه مختص بالحين، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإذا كان الظرف منصوبًا، فهو خبرها، والاسم محذوف، وإذا كان مرفوعًا فهو سامها وخبرها محذوف، ولم يسمع بالاسم، والخبر ملفوظًا بهما معًا، وذهب الفارسي، وغيره إلى أنها تعمل في الحين، وفيما رادفه معرفة كان، أو نكرة، ومما عملت فيه قوله:
حنت نوار ولات هنا حنت ... ... ... ... ...
وقوله:
ندم البغاة ولات ساعة مندم ... ... ... ... ....
стр. 1212
وشذ مجيء غير الظرف مرفوعًا بعدها في قوله:
... ... ... ... يبغي حوارك حين لات مجير
وقد تؤول، وزعم الفراء أن (لات) يخفض بها أسماء الزمان نحو قوله:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... ... ... ... ...
стр. 1213
وقوله:
... ... ... ... ولتندمن ولات ساعة مندم
وقرئ شاذًا: «ولات حين مناص» بالخفض، ولا يعرف ذلك البصريون وقد أضيف إليها الحين في قوله:
وذلك حين لات أوان حلم ... ... ... ....
وقد جاءت لات غير مضاف إليها حين، ولا مذكور بعدها حين، ولا مرادفه في قول الأفوه:
... .... ... وتولوا لات لم يغن الفرار
والعطف على خبر «لات» عند من أعملها إعمال ليس، كالعطف على خبر
стр. 1214
(ما) الحجازية تقول: لات حين جزع، ولات حين طيش، ولات حين قلق، بل حين صبر، تنصب في الأولى، وترفع في الثانية كما كان في (ما)، ولا النافية حرف، وزعم بعض النحاة أنها اسم بمعنى (غير) في قوله: «جئت بلا زاد»، وغضبت من لا شيء، وفي النهاية «أنه مذهب الكوفيين (فزاد) و (شيء) مجروران بالإضافة، لا بحرف الجر، ومذهب الجمهور أنها للنفي؛ وهي زائدة من حيث تخطى حرف الجر لجر ما بعد (لا)، ولا يعني بالزائد، أن وجوده كعدمه.
стр. 1215
فصل
تزاد الباء في خبر «ما» المنفي نحو قوله تعالى: ﴿وما ربك بغافل﴾، كما تزاد في خبر ليس كقوله تعالى: ﴿ألست بربكم﴾؛ فإن كان الخبر موجبًا لم تدخل نحو: ليس زيد غلا قائمًا، وما زيد غلا قائم؛ فإن زيدت كان بين اسم ما وخبرها نحو: ما زيد كان بقائم، جاز ذلك عند البصريين والكسائي ومنع ذلك الفراء، فلو كان الخبر ظرفًا، أو كاف التشبيه أو مثلاً، فأجاز هشام دخولها على الظرف فأجاز: ما عبد الله بحيث تحب، وأجاز البصريون دخولها على الظرف، والذي يجوز أن يستعمل اسمًا نحو: ما هذا المكان بمكان شر، ولا هذا اليوم بيوم حزن، وعلى مثل نحو: ما زيد بمثلك، ووافقهم على جواز دخولها على (مثل) الكسائي، وأجاز أيضًا دخولها على (الكاف)، وحكى: ليس بكذاك أي ليس كذلك، ومنع هشام دخولها على الكاف، وعلى (مثل) واضطرب الفراء فقال مرة: لا تدخل الباء على (مثل)؛ لأنها بمعنى الكاف، وقال مرة: تدخل الباء على الكاف، ولا تدخل على شيء من الصفات غيرها؛ لأنها في معنى مثل، ومما هو منصوب خبر ليس، ولا تدخل الباء في خبر ليس في الاستثناء تقول: قام القوم ليس زيدًا، ولا يجوز ليس بزيد، وأجاز ابن مالك: دخولها في خبر (لا) العاملة عمل ليس نحو: لا رجل بقائم، ولا قاعدًا وقال ابن هشام: لم يسمع في خبر (لا)، فلا يقاس على خبر (ما)، وقد تزاد بعد فعل ناسخ للابتداء نحو قوله:
... ... ... لم أكن ... بأعجلهم ... ...
стр. 1216
و:
... ... ... ... ... ... .... لم يجدني بعقدد
أي لم أكن أعجلهم، ولم يجدني قعددًا، وقد توهم بعضهم دخول الباء على خبر كان، فعطف على المنصوب مجرورًا في قوله:
وما كنت ذا نيرب فيهم ... ولا منمش منهم منمل
توهم أنه قال بذي نيرب، وقال متمم بن نويرة:
وما كان وقافًا إذا الخيل أحجمت ... ولا طائشًا عند اللقاء مدفعا
ولا بكهام سيفه عن عدوه ... إذ هو لاقى حاسرًا أو مقنعًا
стр. 1217
توهم أنه قال: وما كان بوقاف، قال ابن مالك: وبعد لا التبرئة ومنه قول العرب: «لا خير بخير بعده النار» إذا لم تجعل الباء بمعنى (في)، واتبع في ذلك الفارسي في أحد قوليه، وابن طاهر، وابن خروف، وقال الفارسي أيضًا لا تكون الباء هنا زائدة؛ لأنها لا تزاد في المرفوع، وقال بعض أصحابنا لا يقال: لا رجل بقائم، ولا إنسان بورع؛ لأنه لم يأت به سماع صحيح، وإذا كانت الباء ظرفية، فالتقدير: لا خير في خير بعده النار، والظرف بعده في موضع الصفة، وزيدت أيضًا في خبر المبتدأ بعد هل نحو قوله:
... ... ... ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وبعد (ما) المكفوفة (بإن) نحو قوله:
... ... ... ما إن أبو مالك ... بواه ... ... ...
стр. 1218
وفي خبر «إن»، وقد انسحب عليها نفي قال تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر﴾ أجرى على ما هو في معناه، كأن المعنى أو ليس بقادر وفي خبر «لكن» نحو قوله:
ولكن أجرًا لو فعلت بهين ... ... ... ....
وفي خبر ليت نحو قوله:
... ... ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم
قال ابن مالك، وفي خبر «إن» في قوله:
.... ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
стр. 1219
(أي فإنك المجرب)، ولا يتعين ما قاله ابن مالك في خبر المبتدأ في قوله:
... ... ... ... ... ومنعكها بشيء يستطاع
(أي شيء يستطاع)، وأجاز الأخفش زيادتها في الواجب نحو: زيد بقائم، واستدل بقوله تعالى: ﴿جزاء سيئة بمثلها﴾ (أي مثلها) وقال ابن مالك: وربما زيدت في الحال المنفية نحو قوله:
فما رجعت بخائبة ركاب ... ... ....
стр. 1220
وقوله:
... ... ... ... ... مما انبعثت بمزءود ولا وكل
تقديره عنده، فما رجعت خائبة ركاب، فما ابنعثت مزءودًا، ولا يتعين ما قاله، ولا يطرد زيادة الباء على قول الجمهور إلا في خبر ليس، و (ما) على ما سبق، مما أجمعوا عليه، إذا كان منفيًا، ليس في باب الاستثناء وعلى ما وقع فيه الاختلاف.
فأما الخبر المنفي بعد (ما) في لغة بني تميم، فذهب ابن السراج والفارسي في أحد قوليه، وتبعهما الزمخشري إلى أنه لا يجوز دخول الباء عليه، والصحيح جواز ذلك، وهو كثير جدًا في نثرهم، ونظمهم، ومما نص
стр. 1221
على ذلك سيبويه، والفراء، ونص الفراء على «أن أهل نجد يجرون الخبر بالباء كثيرًا فإذا أسقطوا البار رفعوا» انتهى كلامه.
وإذا عطفوا على المجرور بالباء في هذه اللغة، رفعوا المعطوف على الموضع، كما ينصب الحجازيون إذا عطفوا على المجرور بالباء على الموضع، وقال النحاس: أجمعوا على أن الباء تدخل على المرفوع، والمنصوب، واختلفوا في فائدة المجيء بالباء فقال البصريون: يجوز أن لا يسمع المخاطب ما، فيتوهم أن الكلام موجب، فالباء يفهم أنه نفي وقال الكوفيون: هذا نفي كقولك: إن زيدًا لمنطلق، فالباء تقابل اللام، وإذا قدمت الخبر، أو معموله، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز زيادة الباء في الخبر، بل تقول: ما قائم زيد، وما طعامك آكل زيد، وذهب الفراء إلى جواز دخولها فيهما فتقول: ما بقائم زيد، وما طعامك بآكل زيد، وفصل قوم فأجازوا ذلك مع تقديم معمول الخبر، ومنعوا ذلك مع تقديم الخبر نفسه، وأجاز الفراء: ما هو بذاهب زيد، فإن ألقيت الباء نصبت فقلت: ما هو ذاهبًا زيد، ولا يجوز عند البصريين وتأولوا قوله: «وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر».
стр. 1222
باب أفعال المقاربة
سمي الباب ببعض ما يقع فيه، وهي جعل، وطفق بكسر الفاء وفتحها والكسر لغة القرآن، وقالوا: طبق بالباء المكسورة بدلاً من الفاء، وأخذ، وعلق، وأنشأ، وهب، وهلهل، وكاد، وكرب، وأوشك، وأولى، وعسى، خلافًا لأحمد بن يحيى؛ إذ زعم أنها حرف لا فعل، ونسب ذلك إلى ابن السراج، واخلولق، وزاد ابن مالك (حرى) ويحتاج ذلك إلى استثبات، وذكره أبو سهل الهروي في كتاب (أسفار الفصيح) منونًا اسمًا، وقال ولا يثنى، ولا يجمع، وزاد ثعلب (قام)، وزاد أبو إسحاق البهاري: قارب، وكارب، وقرب، وأحال، وأقبل، وأظل، وأشفى، وشارف، وقرب، ودنا، وآثر، وقام، وقعد، وذهب، وازدلف، ودلف، وأشرف، وأزلف، وتهيأ، وأسف، وزاد غيره طار، وانبرى، وألم، ونشب، [وذكر ابن هشام اللخمي فيها: ابتدأ، ونشب، وعبا]، ومما هو للشروع في الفعل الستة الأول، وقال ثعلب: يقال: قام
стр. 1223
يفعل كذا إذا أخذ فيه، ولمقاربة الفعل الخمسة بعدها، ولرجائه عسى، واخلولق قال ابن مالك: وحرى: والمشهور أن (كرب) للمقاربة، وقيل للشروع، وقد ترد (عسى) للإشفاق، وذلك قليل، وقد اجتماع مجيئها للرجاء، والإشفاق في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم﴾ وقال خطاب: عسى بعيدة عن المقاربة، ومعناها الترجي للفعل، واستدناء وقوعه، وقال قوم: معنى عسى الإشفاق والطمع انتهى.
ويلازمهن لفظ المضي، إلا (كاد) فسمع مضارعها كقوله تعالى: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ وسمع نفي خبرها قال:
... ... ... ... ... ... ... ... ... طال حتى كاد صبح لا ينير
ولا يبعد جواز ذلك في غيرها مما لا يدخل عليه (أن)، وأوشك فسمع يوشك، وأنكر الأصمعي: أوشك، وقد نقله الخليل، وغيره، وهو مسموع في كلامهم، ونذر اسم فاعل منهما قالوا: كائد، وموشك، وروى
стр. 1224
عبد القاهر: عسى يعسى فهو عاس، وهو غريب
والمشهور أن هذه الأفعال من أخوات «كان»، تدخل على المبتدأ والخبر، لكن خبرها لا يكون إلا مضارعًا، وذهب الكوفيون إلى أن الفعل بدل من الاسم بدل المصدر، وكأنهم بنوا هذا على أن هذه الأفعال ليست ناقصة، فالمعنى عندهم قرب قيام زيد، وكرب خروج عمرو، ثم قدمت الاسم، وأخرت المصدر فقلت: قرب زيد قيامه، ثم جعلته بالفعل، وهي تامة، وهو مذهب أبي بكر خطاب، وتقديره: عسى زيد القيام، وذهب بعضهم إلى أن موضع الفعل نصب بإسقاط حرف الجر؛ إذ يسقط كثيرًا مع (أن)، فمعنى عسى زيد أن يقوم: عسى زيد القيام، ومعنها اخلولق، وكرب يفعل: تهيأ للفعل، وذهب بعضهم على أن قولهم: عسى أن يقوم زيد من باب الإعمال، وفي البسيط منها لتهيئة مجيء الأمر: اخلولقت الأرض أن تنبت، والسماء أن تمطر، ولذلك تدخل اللام فتقول: اخلولقت لأن تمطر، وقد جعل بعضهم اخلولق وأخلق من النواقص، وليست كذلك؛ إذ ما بعد اخلولق مفعول لأجل دخول اللام، وهي بالنظر إلى معناها تامة، وأخلق معناه تهيأ الشيء لأن يكون انتهى.
والقول الأول هو الصحيح، ولا تدخل (أن) على خبر هلهل، وما قبلها، وتدخل على خبر أولى، وحرى، واخلولق، فأما «عسى» فجمهور البصريين:
стр. 1225
على أن حذف «أن» من خبرها لا يكون إلا في الضرورة، وقاله الفارسي، وأجاز حذفها في التذكرة في الكلام، وهو ظاهر قول سيبويه، قال سيبويه: «من العرب من يقول: عسى يفعل».
وأما «كاد»، و «كرب»، و «أوشك»، فزعم ابن مالك أنه يجوز أن تدخل في خبرهن، وألا تدخل، ودخولها في خبر «كاد»، و «كرب» عند أصحابنا من باب الضرورة، ولا يقع في الكلام، وزعم الزجاجي أن «قارب»، مما الأجود فيه أن تستعمل بأن، وقيل: ليست من أفعال هذا الباب، إذ
стр. 1226
تتعدى إلى مفعول تقول: قارب زيد القيام، وذكر سيبويه اقتران الفعل بأن في قولهم: دنوت أن تفعل، وأما «ألم» فجاء في الحديث «لولا أنه شيء قضاه الله لألم أن يذهب بصره»، وأما «أوشك»، فالأعرف اقتران خبرها بأن، وندر دخول الباء على «أن» نحو:
أعاذل توشكين بأن تريني ... ... ... ....
ويجيء خبر كاد وعسى اسمين منصوبين نحو:
فأبت إلى فهم وما كدت آيبًا ... ... ... ... ....
ونحو:
стр. 1227
لا تلحني إني عسيت صائما
وجعل السين مكان أن في خبر عسى قال:
عسى طيئ من طيئ بعد هذه ... ستطفئ غلات الكلى والجوانح
ولم توضع سوف مكان (أن)، ومجيء خبر جعل مقرونًا بأن في قول كثير عزة:
وأشعرتها نفثًا رقيقًا فلو ترى ... قد جعلت أن ترعى النفث بالها
ومجيئه جملة اسمية نحو قوله:
وقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب
стр. 1228
قال ابن مالك: وفعلية مصدرة (بإذا)، أو كلما قال: كقول ابن عباس: «فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا»، ولم يمثل مجيئها مصدرة بكلما قال: وندر إسنادها إلى ضمير الشأن، ولم يمثله، ويمكن أن يمثل بما حكاه أبو عمر الزاهد عن ثعلب قال كلام العرب: عسى زيد قائم، فتجعل «زيدًا» مبتدأ، وقائمًا خبره، ومن العرب من يجعلها في معنى كان فيقول: عسى زيد قائمًا فيجوز في قول من قال: عسى زيد قائم، أن يكون عسى أسندت لضمير الشأن، وقد أجاز ذلك الأخفش في قوله تعالى: «من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق». وظهر من قول ثعلب، ومن العرب من يقول: عسى زيد قائمًا أن ذلك لغة، ولا يحفظ البصريون رفع الاسمين بعد عسى، والتصريح بالخبر منصوبًا إلا في ضرورة، أو فيما جاء في المثل من قولهم: «عسى الغوير أبؤسا»، وقد أولوه، وأما قول الكميت:
стр. 1229
قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم ... عسى الغوير بإبآس وإغوار
فإنه زاد الباء في «بإبآس»، وما كان من هذه الأفعال لا يستعمل ما بعد مرفوعها (بأن)، لا خلاف في أنه داخل على المبتدأ والخبر وما قرن بها، فمذهب الجمهور أنه من باب كان أيضًا [«عسى الغوير أبؤسا» مثل لكل شيء يخاف أن يأتي منه شر، وضع «أبؤسا» موضع الخبر مع أن خبر عسى لا يكون اسمًا لا يقال: عسى زيد منطلقًا؛ لأن في المثل يأتي ما لا يأتي في غيره كذا في الصحاح] وصححه ابن عصفور، ومذهب الكوفيين أنه بدل اشتمال مما قبله، واختاره ابن مالك، ومذهب المبرد، وظاهر كلام الزجاجي أنه مفعول به، ونسبه ابن مالك إلى سيبويه.
ولا يتقدم ما بعد المرفوع على هذه الأفعال لا يقال: أفعل طفقت، ولا أن يقوم عسى زيد، وهذا باتفاق، وهكذا الفعل.
وفي النهاية: الظاهر أن القياس لا يمنع من تقديم خبر كاد عليها؛ لأن فعل متصرف، ولكن لم أره متقدمًا، ولم يعثر على نص في التقديم ولا عدمه، ولو قيل: لا يتقدم تشبيهًا بخبر عسى لكان قولاً، وتوسطه بين الفعل ومرفوعه، والفعل غير
стр. 1230
مقرون «بأن» جائز نحو: طفق يصليان الزيدان؛ فإن كان مقرونًا (بأن)، ففيه خلاف، أجاز ذلك المبرد، والسيرافي، والفارسي، وصححه ابن عصفور، ومنهم من منع ذلك وإليه ذهب الأستاذ أبو علي، وزعم أنه لا يجوز في عسى أن يذهب زيد، إلا أن يكون زيد فاعلاً بيذهب، ومن أجاز توسيطه، يجيز هذا الوجه، وتسد أن وصلتها مسد المبتدأ والخبر، وتظهره ثمرة الخلاف في التثنية والجمع، فعلى الجواز تقول: عسى أن يقوما أخواك، وعلى المنع تقول: عسى أن يقوم أخواك، وفي البسيط: ظاهر كلام سيبويه أنها هاهنا تامة لا خبر لها، وفاعلها ما بعدها على تقدير المصدر، ومعناها دنا، وقرب، ولا يجوز صريح المصدر انتهى.
وزعم بعضهم في هذا التركيب أن الخبر محذوف، والتقدير: قارب قيام زيد الوقوع، وهذا تفسير معنى، ومن ذهب إلى أن «أن والفعل» في «عسى زيد أن يقوم»، في موضوع مفعول أجاز ذلك في التقديم نحو: عسى أن يقوم زيد، قال أبو بكر خطاب: أن يقوم فاعل بعسى هذا قول النحويين، وقد كان عندي قياسًا، أن يكون مفعوله توسط بين الفعل وفاعله، كما تقول: يريد أن يضربك زيد المعنى: يريد زيد أن يضربك، وجاز أن يتوسط مفعول عسى، كما توسط خبر «ليس» في قولنا: ليس قائمًا زيد، وهذا قول حسن في القياس غير أنه رأى رأيناه، ولم يقل به أحد غيرنا، واتباعنا لأئمة النحويين أحق وأجمل انتهى.
وقد يحذف الفعل إن علم نحو قوله: «من تأنى أصاب أو كاد» ولا يخلو
следующие страницы →