← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1665

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (659 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [حَدِيثُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ] ١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» .. ـــــــــــــــــــــــــــــ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا زَاي مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقُتِلَ سَنَةَ

стр. 2

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ، وَقِيلَ لِثَلَاثٍ. ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ بَدَأَ بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالطَّهَارَةِ، وَامْتَثَلَ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ: إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْتَدَأَ بِهِ فِي كُلِّ تَصْنِيفٍ وَوَقَعَ مُوَافِقًا لِمَا قَالَهُ. الثَّانِي: كَلِمَةُ إنَّمَا لِلْحَصْرِ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَهِمَ الْحَصْرَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» وَعُورِضَ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ، وَلَمْ يُعَارَضْ فِي فَهْمِهِ لِلْحَصْرِ وَفِي ذَلِكَ اتِّفَاقٌ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ. وَمَعْنَى الْحَصْرِ فِيهَا: إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ، وَنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ. وَهَلْ نَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ: بِمُقْتَضَى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ، أَوْ هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ؟ فِيهِ بَحْثٌ. الثَّالِثُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ: فَتَارَةً تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ، وَتَارَةً تَقْتَضِي حَصْرًا مَخْصُوصًا. وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ وَالسِّيَاقِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] وَظَاهِرُ ذَلِكَ: الْحَصْرُ لِلرَّسُولِ ﷺ فِي النِّذَارَةِ. وَالرَّسُولُ لَا يَنْحَصِرُ فِي النِّذَارَةِ، بَلْ لَهُ أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ كَثِيرَةٌ، كَالْبِشَارَةِ وَغَيْرِهَا. وَلَكِنَّ مَفْهُومَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي حَصْرَهُ فِي النِّذَارَةِ لِمَنْ يُؤْمِنُ، وَنَفْي كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى إنْزَالِ مَا شَاءَ الْكُفَّارُ مِنْ الْآيَاتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ» مَعْنَاهُ: حَصْرُهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى بَوَاطِنِ الْخُصُومِ، لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَإِنَّ لِلرَّسُولِ ﷺ أَوْصَافًا أُخَرَ كَثِيرَةً. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ [محمد: ٣٦] يَقْتَضِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْحَصْرَ بِاعْتِبَارِ مَنْ آثَرَهَا. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: فَقَدْ تَكُونُ سَبِيلًا إلَى الْخَيْرَاتِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ لِلْأَكْثَرِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَقَلِّ. فَإِذَا وَرَدَتْ لَفْظَةُ " إنَّمَا " فَاعْتَبِرْهَا، فَإِنْ دَلَّ السِّيَاقُ

стр. 3

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَصْرِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ: فَقُلْ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مَخْصُوص: فَاحْمِلْ الْحَصْرَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَمِنْ هَذَا: قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ وَبِالْقُلُوبِ] ١ الرَّابِعُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ وَبِالْقُلُوبِ، قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَلَكِنَّ الْأَسْبَقَ إلَى الْفَهْمِ: تَخْصِيصُ الْعَمَلِ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَإِنْ كَانَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ فِعْلًا لِلْقُلُوبِ أَيْضًا. وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ خَصَّصَ الْأَعْمَالَ بِمَا لَا يَكُونُ قَوْلًا. وَأَخْرَجَ الْأَقْوَالَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا عِنْدِي بُعْدٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ " الْعَمَلِ " يَعُمُّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. نَعَمْ لَوْ كَانَ خُصِّصَ بِذَلِكَ لَفْظُ " الْفِعْلِ " لَكَانَ أَقْرَبَ. فَإِنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُمَا مُتَقَابِلَيْنِ، فَقَالُوا: الْأَفْعَالُ، وَالْأَقْوَالُ. وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ الْأَقْوَالَ أَيْضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ] ١ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ ﷺ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ. فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِهِ. فَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ، قَدَّرُوا: " صِحَّةُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " أَوْ مَا يُقَارِبُهُ. وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا: قَدَّرُوهُ " كَمَالُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " أَوْ مَا يُقَارِبُهُ. وَقَدْ رُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْكَمَالِ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا كَانَ أَلْزَمَ لِلشَّيْءِ: كَانَ أَقْرَبَ إلَى خُطُورِهِ بِالْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ. فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَدِّرُونَهُ " إنَّمَا اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ " وَقَدْ قَرَّبَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِنَظَائِرَ مِنْ الْمُثُلِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّمَا الْمُلْكُ بِالرِّجَالِ؛ أَيْ قِوَامُهُ وَوُجُودُهُ. وَإِنَّمَا الرِّجَالُ بِالْمَالِ. وَإِنَّمَا الْمَالُ بِالرَّعِيَّةِ. وَإِنَّمَا الرَّعِيَّةُ بِالْعَدْلِ. كُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ: أَنَّ قِوَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ. [مَنْ نَوَى شَيْئًا حصل لَهُ] السَّادِسُ: قَوْلُهُ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَيَدْخُلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَمِنْ هَذَا عَظَّمُوا هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِي حَدِيثِ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ثُلُثَا الْعِلْمِ. فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ حَصَلَتْ فِيهَا نِيَّةٌ، فَلَكَ أَنْ

стр. 4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا عَلَى حُصُولِ الْمَنْوِيِّ. وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِيهَا نِيَّةٌ، فَلَكَ أَنْ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ حُصُولِ مَا وَقَعَ فِي النِّزَاعِ. [وَسَيَأْتِي مَا يُقَيَّدُ بِهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ] فَإِنْ جَاءَ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْوِيَّ لَمْ يَحْصُلْ، أَوْ أَنَّ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ يَحْصُلُ، وَكَانَ رَاجِحًا: عُمِلَ بِهِ وَخَصَّصَ هَذَا الْعُمُومَ. [أَنْوَاع الْهِجْرَة] ١ السَّابِعُ: قَوْلُهُ " فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ " اسْمُ " الْهِجْرَةِ " يَقَعُ عَلَى أُمُورٍ، الْهِجْرَةُ الْأُولَى: إلَى الْحَبَشَةِ. عِنْدَمَا آذَى الْكُفَّارُ الصَّحَابَةَ. الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ. الْهِجْرَةُ الثَّالِثَةُ: هِجْرَةُ الْقَبَائِلِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِتَعْلَمَ الشَّرَائِعَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَوَاطِنِ، وَيُعَلِّمُونَ قَوْمَهُمْ. الْهِجْرَةُ الرَّابِعَةُ: هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِيَأْتِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ. الْهِجْرَةُ الْخَامِسَةُ: هِجْرَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَحُكْمُهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ الْهِجْرَةِ وَإِنَّمَا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى أُمَّ قَيْسٍ. فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ وَلِهَذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ، دُونَ سَائِرِ مَا تُنْوَى بِهِ الْهِجْرَةُ مِنْ أَفْرَادِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِالدُّنْيَا. الثَّامِنُ: الْمُتَقَرَّرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: أَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ وَالْمُبْتَدَأَ أَوْ الْخَبَرَ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَغَايَرَا. وَهَهُنَا وَقَعَ الِاتِّحَادُ فِي قَوْلِهِ «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا، فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ حُكْمًا وَشَرْعًا. التَّاسِعُ: شَرَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفٍ فِي أَسْبَابِ الْحَدِيثِ، كَمَا صُنِّفَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ. فَوَقَفْتُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ - عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحِكَايَةِ عَنْ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ - وَاقِعٌ عَلَى سَبَبٍ يُدْخِلُهُ فِي هَذَا الْقَبِيلِ. وَتَنْضَمُّ إلَيْهِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ لِمَنْ قَصَدَ تَتَبُّعَهُ.

стр. 5

٢ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْعَاشِرُ: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا " مَنْ نَوَى شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " مَنْ لَمْ يَنْوِ الشَّيْءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ " وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ. أَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَآخِرُهُ يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، أَعْنِي قَوْلَهُ «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» . [حَدِيثُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ] " أَبُو هُرَيْرَةَ " فِي اسْمِهِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ. وَأَشْهُرُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ. أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ. وَتُوُفِّيَ - قَالَ خَلِيفَةُ: سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ: سَنَةَ ثَمَانٍ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَةَ تِسْعٍ. الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: " الْقَبُولُ " وَتَفْسِيرُ مَعْنَاهُ. قَدْ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ بِانْتِفَاءِ الْقَبُولِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» أَيْ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْمَحِيضِ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: الِاسْتِدْلَال عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْقَبُولِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ. وَقَدْ حَرَّرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا بَحْثًا. ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقَبُولِ قَدْ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ مَعَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ، كَالْعَبْدِ إذَا أَبَقَ لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، وَكَمَا وَرَدَ فِيمَنْ أَتَى عَرَّافًا. وَفِي شَارِبِ الْخَمْرِ. فَإِذَا أُرِيدَ تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ مِنْ انْتِفَاءِ الْقَبُولِ. فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِ مَعْنَى الْقَبُولِ، وَقَدْ فُسِّرَ بِأَنَّهُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ. يُقَالُ: قَبِلَ فُلَانٌ عُذْرَ فُلَانٍ: إذَا رَتَّبَ عَلَى عُذْرِهِ الْغَرَضَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ. وَهُوَ مَحْوُ الْجِنَايَةِ وَالذَّنْبِ.

стр. 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيُقَالُ، مَثَلًا فِي هَذَا الْمَكَانِ: الْغَرَضُ مِنْ الصَّلَاةِ: وُقُوعُهَا مُجْزِئَةً بِمُطَابَقَتِهَا لِلْأَمْرِ. فَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْغَرَضُ: ثَبَتَ الْقَبُولُ، عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْسِيرِ. وَإِذَا ثَبَتَ الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: ثَبَتَتْ الصِّحَّةُ. وَإِذَا انْتَفَى الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: انْتَفَتْ الصِّحَّةُ. وَرُبَّمَا قِيلَ مِنْ جِهَةِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ " الْقَبُولَ " كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالدَّرَجَاتُ عَلَيْهَا. وَ " الْإِجْزَاءُ " كَوْنُهَا مُطَابِقَةً لِلْأَمْرِ وَالْمَعْنَيَانِ إذَا تَغَايَرَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَخَصُّ مِنْ الْآخَرِ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيِ الْأَعَمِّ. و" الْقَبُولُ " عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَقْبُولٍ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ كُلُّ صَحِيحٍ مَقْبُولًا. وَهَذَا - إنْ نَفَعَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ عَنْهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، كَمَا حَكَيْنَا عَنْ الْأَقْدَمِينَ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْقَبُولِ مِنْ لَوَازِمِ الصِّحَّةِ. فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَتْ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ. وَيُحْتَاجُ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ عَنْهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ إلَى تَأْوِيلٍ، أَوْ تَخْرِيجِ جَوَابٍ. عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ فَسَّرَ " الْقَبُولَ " بِكَوْنِ الْعِبَادَةِ مُثَابًا عَلَيْهَا، أَوْ مَرْضِيَّةً، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ: أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ نَفْي الْقَبُولِ نَفْي الصِّحَّةِ: أَنْ يُقَالَ: الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ تَقْتَضِي: أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا أُتِيَ بِهَا مُطَابِقَةً لِلْأَمْرِ كَانَتْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ وَالْإِجْزَاءِ. وَالظَّوَاهِرُ فِي ذَلِكَ لَا تَنْحَصِرُ. [رَفْع الْحَدَثِ] ١ الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى: " الْحَدَثِ " فَقَدْ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: الْخَارِجُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. وَيَقُولُونَ: الْأَحْدَاثُ كَذَا وَكَذَا. الثَّانِي: نَفْسُ خُرُوجِ ذَلِكَ الْخَارِجِ. الثَّالِثُ: الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْخُرُوجِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ قَوْلُنَا " رَفَعْت الْحَدَثَ " وَ " نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ " فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَالْخُرُوجِ قَدْ وَقَعَ. وَمَا وَقَعَ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ، بِمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ وَاقِعًا. وَأَمَّا الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْخُرُوجِ: فَإِنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ بِهِ. وَمَدَّ غَايَتَهُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُكَلَّفِ الطَّهُورَ، فَبِاسْتِعْمَالِهِ يَرْتَفِعُ الْمَنْعُ. فَيَصِحُّ قَوْلُنَا " رَفَعْت الْحَدَثَ " وَ " ارْتَفَعَ الْحَدَثُ " أَيْ

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ارْتَفَعَ الْمَنْعُ الَّذِي كَانَ مَمْدُودًا إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَقْوَى قَوْلُ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ. ؛ لِأَنَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَفِعَ: هُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَخْصُوصَةِ، وَذَلِكَ الْمَنْعُ مُرْتَفِعٌ بِالتَّيَمُّمِ. فَالتَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ: أَنَّ رَفْعَهُ لِلْحَدَثِ مَخْصُوصٌ بِوَقْتٍ مَا، أَوْ بِحَالَةٍ مَا. وَهِيَ عَدَمُ الْمَاءِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا. وَقَدْ كَانَ الْوُضُوءُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَاجِبًا لِكُلِّ صَلَاةٍ، عَلَى مَا حَكَوْهُ وَلَا نَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ. وَهُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ انْتِهَائِهِ بِانْتِهَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ: أَنْ لَا يَكُونَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ. ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ؛ أَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ: إنَّ الْوُضُوءَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ. نَعَمْ هَهُنَا مَعْنًى رَابِعٌ، يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدَثَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ مُقَدَّرٌ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ. وَيُنْزِلُونَ ذَلِكَ الْحُكْمِيَّ مَنْزِلَةَ الْحِسِّيِّ فِي قِيَامِهِ بِالْأَعْضَاءِ. فَمَا نَقُولُ: إنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ - كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ - يُزِيلُ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْحُكْمِيَّ. فَيَزُولُ الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُقَدَّرِ الْحُكْمِيِّ. وَمَا نَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُقَدَّرُ الْقَائِمُ بِالْأَعْضَاءِ حُكْمًا بَاقٍ لَمْ يَزُلْ. وَالْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ زَائِلٌ. فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ نَقُولُ: إنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ الْوَصْفُ الْحُكْمِيُّ الْمُقَدَّرُ وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ زَائِلًا. وَحَاصِلُ هَذَا: أَنَّهُمْ أَبْدَوْا لِلْحَدَثِ مَعْنًى رَابِعًا، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَعَانِي. وَجَعَلُوهُ مُقَدَّرًا قَائِمًا بِالْأَعْضَاءِ حُكْمًا، كَالْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ، وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الْمَعْنَى الرَّابِعِ، الَّذِي ادَّعَوْهُ مُقَدَّرًا قَائِمًا بِالْأَعْضَاءِ، فَإِنَّهُ مَنْفِيٌّ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْأَصْلُ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ لَهَا، وَيَبْعُدُ أَنْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ. وَأَقْرَبُ مَا يُذْكَرُ فِيهِ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ قَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَانِعُ، كَمَا يُقَالُ، وَالْمَسْأَلَةُ مُتَنَازَعٌ فِيهَا. فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ انْتِقَالُ مَانِعٍ إلَيْهِ. فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ " الْحَدَثَ " عَامًّا فِيمَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ، فَإِذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ - أَعْنِي قَوْلَهُ «إذَا أَحْدَثَ» - جَمَعَ أَنْوَاعَ النَّوَاقِضِ عَلَى

стр. 8

٣ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ مُقْتَضَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنْ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ فَسَّرَ الْحَدَثَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ - لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ - بِأَخَصَّ مِنْ هَذَا الِاصْطِلَاحِ، وَهُوَ الرِّيحُ، إمَّا بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِ صَوْتٍ، فَقِيلَ لَهُ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا الْحَدَثُ؟ فَقَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ " وَلَعَلَّهُ قَامَتْ لَهُ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ اقْتَضَتْ هَذَا التَّخْصِيصَ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ: أَنَّهُ ﷺ نَفَى الْقَبُولَ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الْوُضُوءِ. وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا. فَيَقْتَضِي ذَلِكَ قَبُولَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا. وَتَدْخُلُ تَحْتَهُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْوُضُوءِ لَهَا ثَانِيًا. [حَدِيثُ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ] الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الْأَعْضَاءِ بِالْمُطَهِّرِ، وَأَنْ تَرْكَ الْبَعْضِ مِنْهَا غَيْرُ مُجْزِئٍ. وَنَصُّهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْقَابِ. وَسَبَبُ التَّخْصِيصِ: أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ. وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ " رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ ". وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ. وَالْمُرَادُ: الْأَعْقَابُ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُخَصَّ بِتِلْكَ الْأَعْقَابِ الَّتِي رَآهَا كَذَلِكَ. وَتَكُونُ الْأَعْقَابُ الَّتِي صِفَتُهَا هَذِهِ الصِّفَةُ، أَيْ الَّتِي لَا تُعَمَّمُ بِالْمُطَهِّرِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ الْمُطْلَقِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «رَآنَا وَنَحْنُ نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الْأَرْجُلِ غَيْرُ مُجْزِئٍ. وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِجَيِّدٍ. ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " أَنَّ الْأَعْقَابَ كَانَتْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ " وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ بِالِاتِّفَاقِ.

стр. 9

٤ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاءِ» وَفِي لَفْظٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَاَلَّذِينَ اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُجْزِئٍ إنَّمَا اعْتَبَرُوا لَفْظَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَطْ، وَقَدْ رُتِّبَ فِيهَا الْوَعِيدُ عَلَى مُسَمَّى الْمَسْحِ. وَلَيْسَ فِيهَا تَرْكُ بَعْضِ الْعُضْوِ. وَالصَّوَابُ - إذَا جُمِعَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ -: أَنْ يَسْتَدِلُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَيُجْمَعُ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ. فَبِهِ يَظْهَرُ الْمُرَادُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ " الْعَقِبَ " مَحَلٌّ لِلتَّطْهِيرِ، فَيَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ يَكْتَفِي بِالتَّطْهِيرِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ. [حَدِيثُ إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً] فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: " فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ " وَلَمْ يَقُلْ " مَاءً " وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِهَا وَتَرَكَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الِاسْتِنْشَاقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ: عَدَمُ الْوُجُوبِ. وَحَمَلَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ، بِدَلَالَةِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ» فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ. وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ. الثَّالِثَةُ: الْمَعْرُوفُ أَنَّ " الِاسْتِنْشَاقَ " جَذْبُ الْمَاءِ إلَى الْأَنْفِ.

стр. 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَ " الِاسْتِنْثَارُ " دَفْعُهُ لِلْخُرُوجِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِنْثَارَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ الَّذِي هُوَ الْجَذْبُ وَأَخَذَهُ مِنْ النَّثْرَةِ، وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ. وَالِاسْتِفْعَالُ مِنْهَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْجَذْبُ وَالدَّفْعُ مَعًا. وَالصَّحِيحُ: هُوَ الْأَوَّلُ. ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ. [اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِطَابَةِ] ١ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﷺ «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» الظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِطَابَةِ وَإِيتَارٌ فِيهَا بِالثَّلَاثِ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. فَإِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ ﵀ فِي الِاسْتِجْمَارِ أَمْرَانِ. أَحَدُهُمَا: إزَالَةُ الْعَيْنِ. وَالثَّانِي: اسْتِيفَاءُ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ. وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيتَارِ بِالثَّلَاثِ. فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ. وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ النَّاسِ الِاسْتِجْمَارَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ لِلتَّطَيُّبِ. فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ. فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ عَلَى هَذَا. وَالظَّاهِرُ: هُوَ الْأَوَّلُ، أَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ: هُوَ اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ. [غَسْل الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ] ١ الْخَامِسَةُ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ. وَلَا يُفَرِّقُ هَؤُلَاءِ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ، لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ» وَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى وُجُوبِ ذَلِكَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، دُونَ نَوْمِ النَّهَارِ. لِقَوْلِهِ ﷺ «أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ؟» وَالْمَبِيتُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.

стр. 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَهُ الْوُجُوبُ - إلَّا أَنَّهُ يُصْرَفُ عَنْ الظَّاهِرِ لِقَرِينَةٍ وَدَلِيلٍ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ، وَقَامَتْ الْقَرِينَةُ هَهُنَا. فَإِنَّهُ ﷺ عَلَّلَ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكَّ. وَهُوَ قَوْلُهُ «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ؟» وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أَنَّ الشَّكَّ لَا يَقْتَضِي وُجُوبًا فِي الْحُكْمِ، إذَا كَانَ الْأَصْلُ الْمُسْتَصْحَبُ عَلَى خِلَافِهِ مَوْجُودًا. وَالْأَصْلُ: الطَّهَارَةُ فِي الْيَدِ، فَلْتُسْتَصْحَبْ [وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الصَّيْدِ] . السَّادِسَةُ، قِيلَ: إنَّ سَبَبَ هَذَا الْأَمْرِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ، فَرُبَّمَا وَقَعَتْ الْيَدُ عَلَى الْمَحِلِّ وَهُوَ عَرِقٌ، فَتَنَجَّسَتْ. فَإِذَا وُضِعَتْ فِي الْمَاءِ نَجَّسَتْهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ: هُوَ مَا يَكُونُ فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُتَوَضَّأُ مِنْهَا. وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا الْقِلَّةُ. وَقِيلَ: إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ حَكِّ بَثْرَةٍ فِي جِسْمِهِ، أَوْ مُصَادَفَةِ حَيَوَانٍ ذِي دَمٍ فَيَقْتُلُهُ، فَيَتَعَلَّقُ دَمُهُ بِيَدِهِ. السَّابِعَةُ: الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ: اسْتَحَبُّوا غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، سَوَاءً قَامَ مِنْ النَّوْمِ أَمْ لَا. وَلَهُمْ فِيهِ مَأْخَذَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ: وَارِدٌ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِسَبْقِ نَوْمٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي عُلِّلَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ - وَهُوَ جَوَلَان الْيَدِ مَوْجُودٌ فِي حَالِ الْيَقَظَةِ. فَيَعُمُّ الْحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ. الثَّامِنَةُ: فَرَّقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، أَوْ مَنْ فَرَّقَ مِنْهُمْ، بَيْنَ حَالِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ وَغَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ. فَقَالُوا فِي الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ: يُكْرَهُ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا. وَفِي غَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهَا، قَبْلَ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ. وَلْيُعْلَمْ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا " يُسْتَحَبُّ فِعْلُ كَذَا " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " يُكْرَهُ تَرْكُهُ " فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا. فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُسْتَحَبَّ الْفِعْلِ، وَلَا يَكُونُ مَكْرُوهَ التَّرْكِ، كَصَلَاةِ

стр. 12

٥ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَلِمُسْلِمٍ «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الضُّحَى مَثَلًا، وَكَثِيرٍ مِنْ النَّوَافِلِ. فَغَسْلُهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ، قَبْلَ إدْخَالِهَا الْإِنَاءَ: مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ. وَتَرْكُ غَسْلِهَا لِلْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ: مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ. وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ النَّهْيِ عَنْ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ الْغَسْلِ فِي حَقِّ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ. وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ هِيَ الْأَظْهَرُ. [وُرُود الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ] التَّاسِعَةُ: اُسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: الْفَرْقُ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي: أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ. وَأَمَرَ بِغَسْلِهَا بِإِفْرَاغِ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِلتَّطْهِيرِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي: أَنَّ مُلَاقَاتَهَا لِلْمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّطْهِيرِ. [الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ] ١ الْعَاشِرَةُ: اُسْتُنْبِطَ مِنْهُ: أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. فَإِنَّهُ مُنِعَ مِنْ إدْخَالِ الْيَدِ فِيهِ، لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَيَقُّنَهَا مُؤَثِّرٌ فِيهِ، وَإِلَّا لَمَا اقْتَضَى احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ الْمَنْعَ. وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي. ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ: أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ، وَمُطْلَقُ التَّأْثِيرِ أَعَمُّ مِنْ التَّأْثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَعَمِّ ثُبُوتُ الْأَخَصِّ الْمُعَيَّنِ. فَإِذَا سَلَّمَ الْخَصْمُ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَقَدْ ثَبَتَ مُطْلَقُ التَّأْثِيرِ. فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ خُصُوصِ التَّأْثِيرِ بِالتَّنْجِيسِ. وَقَدْ يُورَدُ عَلَيْهِ: أَنَّ الْكَرَاهَةَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ التَّوَهُّمِ. فَلَا يَكُونُ أَثَرُ الْيَقِينِ هُوَ الْكَرَاهَةُ. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الْيَقِينِ زِيَادَةٌ فِي رُتْبَةِ الْكَرَاهَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ] الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: " الْمَاءُ الدَّائِمُ " هُوَ الرَّاكِدُ. وَقَوْلُهُ " الَّذِي لَا يَجْرِي " تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى الدَّائِمِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ؛ فَإِنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ عُمُومٍ. وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَخُصُّونَ هَذَا الْعُمُومَ، وَيَحْمِلُونَ النَّهْيَ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. وَيَقُولُونَ بِعَدَمِ تَنْجِيسِ الْقُلَّتَيْنِ - فَمَا زَادَ - إلَّا بِالتَّغَيُّرِ: مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ. فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ الْعَامُّ فِي النَّهْيِ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. فَإِنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ تَنْجِيسِ الْقُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا. وَذَلِكَ أَخَصُّ مِنْ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْعَامِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ. وَلِأَحْمَدَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، مِنْ عَذِرَتِهِ الْمَائِعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ. فَأَمَّا بَوْلُ الْآدَمِيِّ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ: فَيُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ: فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُلَّتَانِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى الْخَبَثَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَنْجَاسِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَوْلِ الْآدَمِيِّ. فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّجَاسَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ. وَيَخْرُجُ بَوْلُ الْآدَمِيِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ النَّجَاسَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُلَّتَيْنِ بِخُصُوصِهِ. فَيُنَجِّسُ الْمَاءَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ. وَيَلْحَقُ بِالْبَوْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ. ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَبْحِرَ الْكَثِيرَ جِدًّا: لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ. وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ: امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ. فَمَالِكٌ ﵀ -

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ إذَا حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ - لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ - لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ صُورَةُ التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ، أَعْنِي عَنْ الْحُكْمِ بِالْكَرَاهِيَةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ ثَمَّ: التَّحْرِيمُ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْكُلِّ. فَلِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولُوا: خَرَجَ عَنْهُ الْمُسْتَبْحِرُ الْكَثِيرُ جِدًّا بِالْإِجْمَاعِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى حُكْمِ النَّصِّ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ. وَيَقُولُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: خَرَجَ الْكَثِيرُ الْمُسْتَبْحِرُ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ. وَخَرَجَ الْقُلَّتَانِ فَمَا زَادَ، بِمُقْتَضَى حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، فَيَبْقَى مَا نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ دَاخِلًا تَحْتَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ. وَيَقُولُ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ الْمَذْكُورِ: خَرَجَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَبَقِيَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ، إلَّا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ، مُقْتَضَى حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فِيهِ عَامٌّ فِي الْأَنْجَاسِ، فَيُخَصُّ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ. وَلِمُخَالِفِهِمْ أَنْ يَقُولَ: قَدْ عَلِمْنَا جَزْمًا أَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى فِي النَّجَاسَةِ، وَعَدَمِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ بِمَا خَالَطَهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي فِيهِ سَائِرُ الْأَنْجَاسِ، وَلَا يَتَّجِهُ تَخْصِيصُ بَوْلِ الْآدَمِيِّ مِنْهَا، بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ لِهَذَا الْمَعْنَى - أَعْنِي التَّنَزُّهَ عَنْ الْأَقْذَارِ - أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ أَشَدُّ اسْتِقْذَارًا أَوْقَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَأَنْسَبَ لَهُ، وَلَيْسَ بَوْلُ الْآدَمِيِّ بِأَقْذَرَ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، بَلْ قَدْ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ، أَوْ يَرْجَحُ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى لِتَخْصِيصِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْعِ مَعْنًى. فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَوْلِ وَرَدَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ. وَالْوُقُوفُ عَلَى مُجَرَّدِ الظَّاهِرِ هَهُنَا - مَعَ وُضُوحِ الْمَعْنَى، وَشُمُولِهِ لِسَائِرِ الْأَنْجَاسِ - ظَاهِرِيَّةٌ مَحْضَةٌ. وَأَمَّا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَإِذَا حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ يَسْتَمِرُّ حُكْمُ الْحَدِيثِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، غَيْرِ الْمُسْتَثْنَى بِالِاتِّفَاقِ [وَهُوَ الْمُسْتَبْحِرُ] مَعَ حُصُولِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاغْتِسَالِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِالْبَوْلِ. فَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ إلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ. فَإِنْ جَعَلْنَا النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ: كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى مَنْعِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: إنَّ حَالَةَ التَّغَيُّرِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ. فَلَا يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَهَذَا مُتَّجِهٌ، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْصِيصُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَالْمُخَصِّصُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُتَغَيِّرِ] . الْوَجْهُ الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاغْتِسَالِ لَا يَخُصُّ الْغُسْلَ، بَلْ التَّوَضُّؤُ فِي مَعْنَاهُ. وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» وَلَوْ لَمْ يَرِدْ لَكَانَ مَعْلُومًا قَطْعًا، لِاسْتِوَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، لِفَهْمِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ: التَّنَزُّهُ عَنْ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْمُسْتَقْذِرَاتِ. الثَّالِثُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ " وَفِي بَعْضِهَا " ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ " وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ، يُفِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا بِطَرِيقِ النَّصِّ وَآخَرَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لَفْظَةُ " فِيهِ " لَاسْتَوَيَا، لِمَا ذَكَرْنَا. الرَّابِعُ: مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ قَطْعًا: مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الظَّاهِرِيَّةُ الْجَامِدَةُ: مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِالْبَوْلِ فِي الْمَاءِ حَتَّى لَوْ بَالَ فِي كُوزٍ وَصَبَّهُ فِي الْمَاءِ: لَمْ يَضُرَّ عِنْدَهُمْ. أَوْ لَوْ بَالَ خَارِجَ الْمَاءِ فَجَرَى الْبَوْلُ إلَى الْمَاءِ: لَمْ يَضُرَّ عِنْدَهُمْ أَيْضًا. وَالْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ حَاصِلٌ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِمْ. لِاسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِي الْحُصُولِ فِي الْمَاءِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ: اجْتِنَابُ مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِنْ الْمَاءِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَجَالِ الظُّنُونِ، بَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُسْتَعْمَلِ وَأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي الْمَاءِ يُفْسِدُهُ. ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ هَهُنَا عَلَى مُجَرَّدِ الْغُسْلِ. فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِمُجَرَّدِهِ. وَهِيَ

стр. 16

٦ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» وَلِمُسْلِمٍ «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ خُرُوجُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلتَّطْهِيرِ بِهِ: إمَّا لِنَجَاسَتِهِ، أَوْ لِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّخْصِيصِ. فَإِنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ - إمَّا الْقُلَّتَانِ فَمَا زَادَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ الْمُسْتَبْحِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ. وَمَالِكٌ لِمَا رَأَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، غَيْرَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ: يَحْمِلُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَقَدْ يُرَجِّحُهُ: أَنَّ وُجُوهَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ لَا تَخْتَصُّ بِالتَّطْهِيرِ. وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي النَّهْيِ. فَإِذَا حُمِلَ عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَفْسَدَةِ خُرُوجِ الْمَاءِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ: لَمْ يُنَاسَبْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَصَالِحِ الْمَاءِ تَبْقَى بَعْدَ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ الطَّهُورِيَّةِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ: كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ عَامَّةً؛ لِأَنَّهُ يُسْتَقْذَرُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ فِيهِ. وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ أَوْ شُرْبٍ، فَيَسْتَمِرُّ النَّهْيُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَفَاسِدِ الْمُتَوَقَّعَةِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ، أَعْنِي حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ. [حَدِيثُ إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا] فِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ ظَاهِرٌ فِي تَنْجِيسِ الْإِنَاءِ. وَأَقْوَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ. وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ، إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ: أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا» فَإِنَّ لَفْظَةَ " طُهُورُ " تُسْتَعْمَلُ إمَّا عَنْ الْحَدَثِ، أَوْ عَنْ الْخَبَثِ. وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ بِالضَّرُورَةِ. فَتَعَيَّنَ الْخَبَثُ. وَحَمَلَ مَالِكٌ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى التَّعَبُّدِ، لِاعْتِقَادِهِ طَهَارَةَ الْمَاءِ وَالْإِنَاءِ. وَرُبَّمَا رَجَّحَهُ أَصْحَابُهُ

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بِذِكْرِ هَذَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ السَّبْعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّجَاسَةِ: لَاكْتَفَى بِمَا دُونَ السَّبْعِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَغْلَظَ مِنْ نَجَاسَةِ الْعَذِرَةِ. وَقَدْ اكْتَفَى فِيهَا بِمَا دُونَ السَّبْعِ. وَالْحَمْلُ عَلَى التَّنْجِيسِ أَوْلَى. ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَعَبُّدًا، أَوْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى أَوْلَى. لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَكُونُ أَغْلَظَ مِنْ نَجَاسَةِ الْعَذِرَةِ، فَمَمْنُوعٌ عِنْدَ الْقَائِلِ بِنَجَاسَتِهِ، نَعَمْ لَيْسَ بِأَقْذَرَ مِنْ الْعَذِرَةِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ التَّغْلِيظُ عَلَى زِيَادَةِ الِاسْتِقْذَارِ. وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا قُلْنَا بِهِ. وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّفَاصِيلِ مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ فِي التَّفْصِيلِ، لَمْ يَنْقُصْ لِأَجْلِهِ التَّأْصِيلُ. وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ زِيَادَةُ التَّغْلِيظِ فِي النَّجَاسَةِ لَكُنَّا نَقْتَصِرُ فِي التَّعَبُّدِ عَلَى الْعَدَدِ، وَنَمْشِي فِي أَصْلِ الْمَعْنَى عَلَى مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى. [نَجَاسَة عَيْنِ الْكَلْبِ] ١ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلنَّجَاسَةِ: فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ نَجَاسَةُ فَمِهِ مِنْ نَجَاسَةِ لُعَابِهِ، فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ فَمِهِ، وَفَمُهُ أَشْرَفُ مَا فِيهِ. فَبَقِيَّةُ بَدَنِهِ أَوْلَى. الثَّانِي: إذَا كَانَ لُعَابُهُ نَجِسًا - وَهُوَ عَرَقُ فَمِهِ - فَفَمُهُ نَجِسٌ. وَالْعَرَقُ جُزْءٌ مُتَحَلَّبٌ مِنْ الْبَدَنِ. فَجَمِيعُ عَرَقِهِ نَجِسٌ. فَجَمِيعُ بَدَنِهِ نَجِسٌ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَقَ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ.

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا: أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ، وَأَنَّ نَجَاسَةَ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَفِيهِ بَحْثٌ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَجَاسَةِ الْإِنَاءِ الْوُلُوغُ. وَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ نَجَاسَةِ عَيْنِ اللُّعَابِ وَعَيْنِ الْفَمِ، أَوْ تَنَجُّسِهِمَا بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ غَالِبًا. وَالدَّالُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ. فَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْفَمِ، أَوْ عَيْنِ اللُّعَابِ. فَلَا تَسْتَقِيمُ الدَّلَالَةُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ كُلِّهِ. وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ تَنْجِيسَ الْفَمِ أَوْ اللُّعَابِ - كَمَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ - لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ. وَهُوَ إمَّا وُقُوعُ التَّخْصِيصِ فِي الْعُمُومِ، أَوْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ لِأَنَّا إذَا فَرَضْنَا تَطْهِيرَ فَمِ الْكَلْبِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَوَلَغَ فِي الْإِنَاءِ: فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ وُجُوبُ غَسْلِهِ أَوْ لَا. فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَجَبَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ. وَإِنْ ثَبَتَ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ. وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَاَلَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِهِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، أَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْغَالِبِ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الصُّوَرِ نَادِرٌ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وَهَذَا الْبَحْثُ إذَا انْتَهَى إلَى هُنَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْغَسْلَ لِأَجْلِ قَذَارَةِ الْكَلْبِ. [اعْتِبَارِ السَّبْعِ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ مِنْ ولوغ الْكَلْب] ١ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي اعْتِبَارِ السَّبْعِ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ. وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فِي قَوْلِهِ: يَغْسِلُ ثَلَاثًا. [الزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ فِي رواية الْحَدِيث] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ زِيَادَةُ " التُّرَابِ " وَقَالَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ. وَلَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ الزِّيَادَةُ: فَلَمْ يَقُلْ بِهَا. وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَقَالَ بِهَا غَيْرُهُ. [غَسْلَة التَّتْرِيبِ مِنْ ولوغ الْكَلْب] ١ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ، فَفِي بَعْضِهَا " أُولَاهُنَّ " وَفِي بَعْضِهَا " أُخْرَاهُنَّ " وَفِي بَعْضِهَا " إحْدَاهُنَّ " وَالْمَقْصُودُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ: حُصُولُ التَّتْرِيبِ فِي مَرَّةٍ مِنْ الْمَرَّاتِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ كَوْنُهُ فِي الْأُولَى: بِأَنَّهُ إذَا تَرَّبَ أَوَّلًا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَلْحَقَ بَعْضَ الْمَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ رَشَاشُ

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ بَعْضِ الْغَسَلَاتِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَتْرِيبِهِ، وَإِذَا أُخِّرَتْ غَسْلَةُ التَّتْرِيبِ، فَلَحِقَ رَشَاشُ مَا قَبْلَهَا بَعْضَ الْمَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ: اُحْتِيجَ إلَى تَتْرِيبِهِ، فَكَانَتْ الْأُولَى أَرْفَقَ بِالْمُكَلَّفِ. فَكَانَتْ أَوْلَى. ١ - الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» تَقْتَضِي زِيَادَةَ مَرَّةٍ ثَامِنَةٍ ظَاهِرًا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقِيلَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَالْحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ: احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﷺ «فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، أُولَاهُنَّ، أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» قَدْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ، وَيُوَصِّلَهُ إلَى الْمَحِلِّ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّهُ جَعَلَ مَرَّةَ التَّتْرِيبِ دَاخِلَةً فِي قِسْمِ مُسَمَّى الْغَسَلَاتِ، وَذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ لَا يُسَمَّى غَسْلًا، وَهَذَا مُمْكِنٌ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحِلِّ، وَأَتْبَعَهُ بِالْمَاءِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: غَسَلَ بِالتُّرَابِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلِ هَذَا فِي أَمْرِهِ ﷺ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ غَيْرُ طَهُورٍ، إنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُحَصِّلُ مُسَمَّى الْغَسْلِ [وَهَذَا جَيِّدٌ] . إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ " وَعَفِّرُوهُ " قَدْ يُشْعِرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالتَّتْرِيبِ بِطَرِيقِ ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَحِلِّ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ تَعْفِيرًا لُغَةً، فَقَدْ ثَبَتَ مَا قَالُوهُ، وَلَكِنْ لَفْظَةُ " التَّعْفِيرِ " حِينَئِذٍ تَنْطَلِقُ عَلَى ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحِلِّ، وَعَلَى إيصَالِهِ بِالْمَاءِ إلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الْغَسْلَةِ، إذْ دَلَّ عَلَى خَلْطِهِ بِالْمَاءِ وَإِيصَالِهِ إلَى الْمَحِلِّ بِهِ. فَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ التَّعْفِيرِ، عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ " التَّعْفِيرِ " لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا، أَعْنِي ذَرَّ التُّرَابِ وَإِيصَالَهُ بِالْمَاءِ. [اتَّخَذَ مَا أُبِيحَ لَهُ اتِّخَاذُهُ مِنْ الْكِلَاب فولغ فِي الْإِنَاء] ١ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْحَدِيثُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْكِلَابِ. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: قَوْلٌ بِتَخْصِيصِهِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ. وَالْأَقْرَبُ: الْعُمُومُ. ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صَرْفِهَا إلَى الْمَعْهُودِ الْمُعَيَّنِ، فَالظَّاهِرُ كَوْنُهَا لِلْعُمُومِ، وَمَنْ يَرَى الْخُصُوصَ قَدْ يَأْخُذُهُ مِنْ قَرِينَةٍ تَصْرِفُ الْعُمُومَ عَنْ ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُمْ نُهُوا عَنْ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ إلَّا لِوُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ. وَالْأَمْرُ بِالْغَسْلِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ عُقُوبَةٌ يُنَاسِبُهَا الِاخْتِصَاصُ بِمِنْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ فِي اتِّخَاذِ مَا مُنِعَ مِنْ اتِّخَاذِهِ. وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ مَا أُبِيحَ لَهُ اتِّخَاذُهُ، فَإِيجَابُ الْغَسْلِ عَلَيْهِ مَعَ الْمُخَالَطَةِ عُسْرٌ وَحَرَجٌ، وَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِذْنُ وَالْإِبَاحَةُ فِي الِاتِّخَاذِ. وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَرِينَةُ مَوْجُودَةً عِنْدَ النَّهْيِ. ١ - الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْإِنَاءُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ إنَاءٍ. وَالْأَمْرُ بِغَسْلِهِ لِلنَّجَاسَةِ. إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَنْجِيسَ مَا فِيهِ، فَيَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: قَوْلٌ: إنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ، وَأَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ لَا يُرَاقُ وَلَا يُجْتَنَبُ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ مُطْلَقًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. [ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلٌ: إنَّهُ لِلنَّدْبِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ طَهَارَةَ الْكَلْبِ - بِالدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ - جَعَلَ ذَلِكَ

стр. 21

٧ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄ «أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ـــــــــــــــــــــــــــــ قَرِينَةً صَارِفَةً لِلْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ. مِنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ. وَالْأَمْرُ قَدْ يُصْرَفُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالدَّلِيلِ. [الصَّابُون وَالْأُشْنَان وَالْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ تَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ] ١ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ " بِالتُّرَابِ " يَقْتَضِي تَعَيُّنَهُ. وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ - أَوْ وَجْهٌ - إنَّ الصَّابُونَ وَالْأُشْنَانَ وَالْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ، تَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتُّرَابِ: زِيَادَةُ التَّنْظِيفِ، وَأَنَّ الصَّابُونَ وَالْأُشْنَانَ يَقُومَانِ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ. ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إذَا وَرَدَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَاحْتَمَلَ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَجُزْ إلْغَاءُ النَّصِّ، وَاطِّرَاحُ خُصُوصِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ. وَالْأَمْرُ بِالتُّرَابِ - وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ زِيَادَةُ التَّنْظِيفِ - فَلَا نَجْزِمُ بِتَعْيِينِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. فَإِنَّهُ يُزَاحِمُهُ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مُطَهِّرَيْنِ، أَعْنِي الْمَاءَ وَالتُّرَابَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِوَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ، فَلَيْسَتْ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْقَوِيِّ. فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الِاحْتِمَالَاتُ، فَالصَّوَابُ اتِّبَاعُ النَّصِّ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطَ إذَا عَادَ عَلَى النَّصِّ بِإِبْطَالٍ أَوْ تَخْصِيصٍ: مَرْدُودٌ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ.

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ عُثْمَان دَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ] " عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عَبْدِ مَنَافٍ. أَسْلَمَ قَدِيمًا. وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ. وَتَزَوَّجَ بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَقُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لِثَمَانِي عَشَرَةَ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَمَوْلَاهُ " حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ بْنِ خَالِدٍ كَانَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ. ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْبَصْرَةِ. احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ. وَكَانَ كَبِيرًا. الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: " الْوَضُوءُ " بِفَتْحِ الْوَاوِ: اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَبِضَمِّهَا: اسْمٌ لِلْفِعْلِ عَلَى الْأَكْثَرِ. وَإِذَا كَانَ بِفَتْحِ الْوَاوِ اسْمًا لِلْمَاءِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - فَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ، أَوْ لِلْمَاءِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُتَوَضِّئًا بِهِ، أَوْ مُعَدًّا لِلْوُضُوءِ بِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى كَشْفٍ. وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ. وَهُوَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اُسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ: قَوْلُ جَابِرٍ " فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ " فَإِنَّا إنْ جَعَلْنَا " الْوَضُوءِ " اسْمًا لِمُطْلَقِ الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ " فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ " دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ مَائِهِ. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهُ هُوَ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ فِي أَعْضَائِهِ. ؛ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى أَنَّ " الْوَضُوءَ " اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ. وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ: جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِوَضُوئِهِ: فَضْلَةَ مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِبَعْضِهِ، لَا مَا اسْتَعْمَلَهُ فِي أَعْضَائِهِ. فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلِيلٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَإِنْ جَعَلْنَا " الْوَضُوءَ " بِالْفَتْحِ: الْمَاءَ مُقَيَّدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوُضُوءِ - بِالضَّمِّ " أَعْنِي اسْتِعْمَالَهُ فِي الْأَعْضَاءِ، أَوْ إعْدَادَهُ لِذَلِكَ: فَهَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ. ؛ لِأَنَّ " وَضُوءَهُ " بِالْفَتْحِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَائِهِ الْمُعَدِّ لِلْوُضُوءِ بِالضَّمِّ، وَبَيْنَ مَائِهِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوَضُوءِ. وَحَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ، أَوْ الْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ وَاسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى الْمُعَدِّ مَجَازٌ. وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ الْأَقْرَبِ إلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى. [غَسْل الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ] ١

стр. 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّانِي: قَوْلُهُ " فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ " فِيهِ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ الَّذِي مَضَى يُفِيدُ اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ عَدَمِ الْقِيَامِ: الِاسْتِحْبَابُ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ: الْكَرَاهِيَةُ لِإِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " عَلَى يَدَيْهِ " يُؤْخَذُ مِنْهُ: الْإِفْرَاغُ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " أَنَّهُ أَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، ثُمَّ غَسَلَهُمَا ". قَوْلُهُ: " غَسَلَهُمَا " قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كَوْنِهِ غَسَلَهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ، أَوْ مُفْتَرِقَتَيْنِ. وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ . الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " مُبَيِّنٌ لِمَا أُهْمِلَ مِنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ " إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ " رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا: ذِكْرُ الْعَدَدِ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ. [الْمَضْمَضَة فِي الْوُضُوءِ] ١ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ تَمَضْمَضَ " مُقْتَضٍ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ. وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ: مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيكِ. وَمِنْهُ: مَضْمَضَ النُّعَاسُ فِي عَيْنَيْهِ. وَاسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ - أَعْنِي الْمَضْمَضَةَ فِي الْوُضُوءِ - لِتَحْرِيكِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: " الْمَضْمَضَةُ " أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ يَمُجَّهُ - هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ - فَأَدْخَلَ الْمَجَّ فِي حَقِيقَةِ الْمَضْمَضَةِ. فَعَلَى هَذَا: لَوْ ابْتَلَعَهُ لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لِلسُّنَّةِ. وَهَذَا الَّذِي يَكْثُرُ فِي أَفْعَالِ الْمُتَوَضِّئِينَ [أَعْنِي الْجَعْلَ وَالْمَجَّ] وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْأَغْلَبُ وَالْعَادَةُ، لَا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ تَأْدِي السُّنَّةِ عَلَى مَجِّهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [التَّرْتِيب بَيْنَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ] السَّادِسُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ " دَلِيلٌ عَلَى التَّرْتِيبِ بَيْنَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُمَا. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ. وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَةِ تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ

стр. 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَفْرُوضِ: إنَّ صِفَاتِ الْمَاءِ ثَلَاثٌ أَعْنِي الْمُعْتَبَرَةَ فِي التَّطْهِيرِ - لَوْنٌ يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ، وَطَعْمٌ يُدْرَكُ بِالذَّوْقِ وَرِيحٌ يُدْرَكُ بِالشَّمِّ، فَقُدِّمَتْ هَاتَانِ السُّنَّتَانِ لِيَخْتَبِرَ حَالَ الْمَاءِ، قَبْلَ أَدَاءِ الْفَرْضِ بِهِ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ رَأَى التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ. وَلَمْ يَرَهُ بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ، كَمَا بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ. وَ " الْوَجْهُ " مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ. وَقَدْ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الِاشْتِقَاقَ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَحْكَامًا. وَقَوْلُهُ " ثَلَاثًا " يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ هَذَا الْعَدَدِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ فِيهِ. [إدْخَال الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ] ١ السَّابِعُ: قَوْلُهُ " وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ " الْمِرْفَقُ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ، لُغَتَانِ. وَقَوْلُهُ " إلَى الْمِرْفَقَيْنِ " لَيْسَ فِيهِ إفْصَاحٌ بِكَوْنِهِ أَدْخَلَهُمَا فِي الْغَسْلِ، أَوْ انْتَهَى إلَيْهِمَا وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إدْخَالِهِمَا فِي الْغَسْلِ. فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: الْوُجُوبُ. وَخَالَفَ زُفَرُ وَغَيْرُهُ. وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ: أَنَّ كَلِمَةَ " إلَى " الْمَشْهُورُ فِيهَا: أَنَّهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى " مَعَ " فَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَشْهُورِهَا. فَلَمْ يُوجِبْ إدْخَالَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَعْنَى " مَعَ " فَأَوْجَبَ إدْخَالَهَا. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا أَوْ لَا.

стр. 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْجِنْسِ دَخَلَتْ، كَمَا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ. وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَمْ تَدْخُلْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا دَخَلَ الْمِرْفَقَانِ هَهُنَا؛ لِأَنَّ " إلَى " هَهُنَا غَايَةٌ لِلْإِخْرَاجِ، لَا لِلْإِدْخَالِ. فَإِنَّ اسْمَ " الْيَدِ " يَنْطَلِقُ عَلَى الْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ. فَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْغَايَةُ لَوَجَبَ غَسْلُ الْيَدِ إلَى الْمَنْكِبِ. فَلَمَّا دَخَلَتْ: أَخْرَجَتْ عَنْ الْغَسْلِ مَا زَادَ عَلَى الْمِرْفَقِ. فَانْتَهَى الْإِخْرَاجُ إلَى الْمِرْفَقِ، فَدَخَلَ فِي الْغَسْلِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَمَّا تَرَدَّدَ لَفْظُ " إلَى " بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِلْغَايَةِ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى " مَعَ " وَجَاءَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أَنَّهُ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ " كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ. وَأَفْعَالُ الرَّسُولِ ﷺ فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ الْمُجْمَلِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ. وَهَذَا عِنْدَنَا ضَعِيفٌ. ؛ لِأَنَّ " إلَى " حَقِيقَةٌ فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ، مَجَازٌ بِمَعْنَى " مَعَ " وَلَا إجْمَالَ فِي اللَّفْظِ بَعْدَ تَبَيُّنِ حَقِيقَتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ: كَثْرَةُ نُصُوصِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا بِمَعْنَى " مَعَ " فَلَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي ذَلِكَ. فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْمَجَازَ. [اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ] ١ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ " ظَاهِرُهُ: اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ. ؛ لِأَنَّ اسْمَ " الرَّأْسِ " حَقِيقَةٌ فِي الْعُضْوِ كُلِّهِ. وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَسْحِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. ؛ لِأَنَّهُ فِي آخِرِهِ: إنَّمَا ذُكِرَ تَرْتِيبُ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ الصِّحَّةِ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ. فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوَابُ مُرَتَّبًا عَلَى إكْمَالِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إكْمَالُهُ، كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، أَوْ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ.

стр. 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ فَإِنْ سَلَكَ سَالِكٌ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمِرْفَقَيْنِ - مِنْ ادِّعَاءِ الْإِجْمَالِ فِي الْآيَةِ، وَأَنَّ الْفِعْلَ بَيَانٌ لَهُ - فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْآيَةِ: مُبَيَّنٌ. إمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: مُطْلَقَ الْمَسْحِ، عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْبَاءِ فِي الْآيَةِ التَّبْعِيضُ [أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ] ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: الْكُلُّ، عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْمَ " الرَّأْسِ " حَقِيقَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّ " الْبَاءَ " لَا تُعَارِضُ ذَلِكَ. وَكَيْفَمَا كَانَ: فَلَا إجْمَالَ. [الْغَسْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ] التَّاسِعُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ " صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِي أَنَّ وَاجِبَ الرِّجْلَيْنِ: الْمَسْحُ. وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَجَمَاعَةٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِيهِ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ - إلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ » فَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: انْضَمَّ الْقَوْلُ إلَى الْفِعْلِ. وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ: الْغَسْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ. [اسْتِحْبَاب التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ثَلَاثًا] ١ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ " ثَلَاثًا " يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ثَلَاثًا وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَى هَذَا الْعَدَدَ فِي الرِّجْلِ، كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا " وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا. فَاسْتُدِلَّ بِهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ. وَأُكِّدَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: بِأَنَّ الرِّجْلَ لِقُرْبِهَا مِنْ الْأَرْضِ فِي الْمَشْيِ عَلَيْهَا يَكْثُرُ فِيهَا الْأَوْسَاخُ وَالْأَدْرَانُ، فَيُحَالُ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِنْقَاءِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ. وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْعَدَدُ: زَائِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا فَالْأَخْذُ بِهَا مُتَعَيِّنٌ وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْعَدَدِ. فَلْيُعْمَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ " مِثْلَ ". [فَضْل الْوُضُوءِ] ١ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ " نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا " لَفْظَةُ " نَحْوَ " لَا تُطَابِقُ لَفْظَةَ " مِثْلَ " فَإِنَّ لَفْظَةَ " مِثْلَ " يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إلَّا فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ، بِحَيْثُ يُخْرِجُهُمَا عَنْ الْوَحْدَةِ. وَلَفْظَةُ " نَحْوَ "

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ لَا تُعْطِي ذَلِكَ وَلَعَلَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى الْمِثْلِ مَجَازًا أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِمَّا يَقْتَضِي الْمِثْلِيَّةَ إلَّا مَا لَا يَقْدَحُ فِي الْمَقْصُودِ. يَظْهَرُ فِي الْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ: أَنَّ فِيهِ أَشْيَاءَ مُلْغَاةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْفِعْلِ: فَإِذَا تَرَكْتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُمَاثِلًا حَقِيقَةً لِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يَقْدَحْ تَرْكُهَا فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ. وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ، وَتَرَتُّبُ الثَّوَابِ. وَإِنَّمَا احْتَجْنَا إلَى هَذَا وَقُلْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذُكِرَ لِبَيَانِ فِعْلٍ يُقْتَدَى بِهِ، وَيَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ عَلَيْهِ. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ الْمَحْكِيُّ الْمَفْعُولُ مُحَصِّلًا لِهَذَا الْغَرَضِ. فَلِهَذَا قُلْنَا: إمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَ " نَحْوَ " فِي حَقِيقَتِهَا، مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ، لَا بِمَعْنَى " مِثْلَ " أَوْ يَكُونَ تَرَكَ مَا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ. فَاسْتَعْمَلَ " نَحْوَ " فِي " مِثْلَ " مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُمْكِنُ أَنْ تُقَالَ: إنَّ الثَّوَابَ يَتَرَتَّبُ عَلَى مُقَارَنَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، تَسْهِيلًا وَتَوْسِيعًا عَلَى الْمُخَاطَبِينَ، مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ وَنُقَيِّدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْبَيَانِ. الثَّانِيَ عَشَرَ: هَذَا الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ بِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْوُضُوءُ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ. وَالثَّانِي: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ: لَا يَلْزَمُ تَرَتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ. وَقَدْ أَدْخَلَ قَوْمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ. وَعَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ هَذَا السُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ جُزْءًا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ: كَافٍ فِي كَوْنِهِ ذَا فَضْلٍ. فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ دَالًا عَلَى فَضِيلَةِ الْوُضُوءِ. وَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ حُصُولِ الثَّوَابِ الْمَخْصُوصِ، وَحُصُولِ مُطْلَقِ الثَّوَابِ. فَالثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ: يَتَرَتَّبُ عَلَى مَجْمُوعِ الْوُضُوءِ عَلَى النَّحْوِ الْمَذْكُورِ. وَالصَّلَاةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ. وَمُطْلَقُ الثَّوَابِ: قَدْ يَحْصُلُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ. [الْخَوَاطِر وَالْوَسَاوِس الْوَارِدَة عَلَى النَّفْسِ] الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ " وَلَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ " إشَارَةٌ إلَى الْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ الْوَارِدَةِ عَلَى النَّفْسِ. وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مَا يَهْجُمُ هَجْمًا يَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ عَنْ النَّفْسِ. وَالثَّانِي: مَا تَسْتَرْسِلُ مَعَهُ النَّفْسُ، وَيُمْكِنُ قَطْعُهُ وَدَفْعُهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ الثَّانِي. فَيَخْرُجُ عَنْهُ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، لِعُسْرِ اعْتِبَارِهِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ: لَفْظَةُ " يُحَدِّثُ نَفْسَهُ " فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ، وَتَفَعُّلًا لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ مَعًا، إلَّا أَنَّ الْعُسْرَ إنَّمَا يَجِبُ دَفْعُهُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ. وَالْحَدِيثُ إنَّمَا يَقْتَضِي تَرَتُّبَ ثَوَابٍ مَخْصُوصٍ عَلَى عَمَلٍ مَخْصُوصٍ. فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمَلُ: حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الثَّوَابُ، وَمَنْ لَا، فَلَا. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّكَالِيفِ، حَتَّى يَلْزَمَ رَفْعُ الْعُسْرِ عَنْهُ. نَعَمْ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَالَةُ مُمْكِنَةَ الْحُصُولِ - أَعْنِي الْوَصْفَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ - وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ. فَإِنَّ الْمُتَجَرِّدِينَ عَنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا، الَّذِينَ غَلَبَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَغَمَرَهَا: تَحْصُلُ لَهُمْ تِلْكَ الْحَالَةُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ. [حَدِيثُ النَّفْسِ] ١ الرَّابِعَ عَشَرَ " حَدِيثُ النَّفْسِ " يَعُمُّ الْخَوَاطِرَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالدُّنْيَا، وَالْخَوَاطِرَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْآخِرَةِ. وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا. إذْ لَا بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، كَالْفِكْرِ فِي مَعَانِي الْمَتْلُوِّ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَالْمَذْكُورِ مِنْ الدَّعَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ. وَلَا نُرِيدُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ: كُلَّ أَمْرٍ مَحْمُودٍ، أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ. وَإِدْخَالُهُ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ " إنِّي لَأُجَهِّزُ الْجَيْشَ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ " أَوْ كَمَا قَالَ. وَهَذِهِ قُرْبَةٌ، إلَّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ. ١ -

стр. 29

٨ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكْفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّسْتِ.. ـــــــــــــــــــــــــــــ الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ " غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " ظَاهِرُهُ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ. وَقَدْ خَصُّوا مِثْلَهُ بِالصَّغَائِرِ، وَقَالُوا: إنَّ الْكَبَائِرَ إنَّمَا تُكَفَّرُ بِالتَّوْبَةِ. وَكَأَنَّ الْمُسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ وَرَدَ مُقَيَّدًا فِي مَوَاضِعَ، كَقَوْلِهِ ﷺ «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ: كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» فَجَعَلُوا هَذَا الْقَيْدَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مُقَيِّدًا لِلْمُطْلَقِ فِي غَيْرِهَا.

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ عَمْرو بْن أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ] عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ: ثِقَةٌ. رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ. وَكَذَلِكَ أَبُوهُ ثِقَةٌ، اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ زَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ: وَهُوَ غَيْرُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، لَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ. وَحَدِيثُ الْأَذَانِ وَرُؤْيَتِهِ فِي الْمَنَامِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ لَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ. فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ. فَإِنَّهُ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ وَالْغَلَطُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ " فَدَعَا بِتَوْرٍ " التَّوْرُ: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ: الطَّسْتُ. وَالطَّسْتُ - بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِفَتْحِهَا، وَبِإِسْقَاطِ التَّاءِ - لُغَاتٌ. الثَّالِثُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ مِنْ آنِيَةِ الصُّفْرِ. وَالطَّهَارَةُ جَائِزَةٌ مِنْ الْأَوَانِي الطَّاهِرَةِ كُلِّهَا، إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا. وَقِيَاسُ الْوُضُوءِ عَلَى ذَلِكَ. [الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَصْلِ وَالْجَمْعِ وَعَدَدِ الْغَرْفَاتِ] ١ الرَّابِعُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ: قَدْ مَرَّ. وَقَوْلُهُ " فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ " تَعَرَّضَ لِكَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَصْلِ وَالْجَمْعِ، وَعَدَدِ الْغَرَفَاتِ. وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ الْجَمْعَ. وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ الْفَصْلَ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غُرْفَةٍ، ثُمَّ فَعَلَ كَذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ فَعَلَ كَذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى. وَهُوَ مُحْتَمِلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ غَيْرَ ذَلِكَ. وَهُوَ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَ الْعَدَدِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، مَعَ اعْتِبَارِ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ، إلَّا أَنَّا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَغْرِفَ غُرْفَةً، فَيَتَمَضْمَضَ بِهَا مَرَّةً مَثَلًا. ثُمَّ يَأْخُذَ غُرْفَةً أُخْرَى. فَيَتَمَضْمَضَ بِهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَأْخُذَ غُرْفَةً أُخْرَى، فَيَسْتَنْشِقَ بِهَا ثَلَاثًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي تُعْطِي هَذَا الْمَعْنَى. فَيَصْدُقُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ: تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثَلَاثًا مِنْ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ. [جَوَاز التَّكْرَارِ ثَلَاثًا فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ] ١ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا " قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ " وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَاثْنَتَيْنِ فِي بَعْضِهَا، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَبَعْضُهُ ثَلَاثًا، وَبَعْضُهُ مَرَّتَيْنِ. وَهُوَ هَذَا الْحَدِيثُ. [التَّكْرَار فِي مَسْحِ الرَّأْسِ] السَّادِسُ: قَوْلُهُ " ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، مَعَ التَّكْرَارِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَوَرَدَ الْمَسْحُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا، وَفِي بَعْضِهَا مُقَيَّدًا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَوْلُهُ " فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ " اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ، وَيَذْهَبَ إلَى الْقَفَا، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَهُوَ مَبْدَأُ الشَّعْرِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ " وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ - أَعْنِي إطْلَاقَ قَوْلِهِ " فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ " - إشْكَالٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ إلَى جِهَةِ الْقَفَا إدْبَارٌ، وَرُجُوعَهُ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ إقْبَالٌ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُفَسِّرُ وَهُوَ قَوْلُهُ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ. .. إلَخْ ". وَأَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ " الْوَاوَ " لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. فَالتَّقْدِيرُ: أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ. وَعِنْدِي فِيهِ جَوَابٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنَّ " الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ " مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ أَعْنِي: أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى مَا يُقْبِلُ إلَيْهِ، وَيُدْبِرُ عَنْهُ، فَيُمْكِنُهُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِقْبَالِ: الْإِقْبَالَ عَلَى الْفِعْلِ لَا غَيْرَ وَيُضَعِّفُهُ قَوْلُهُ " وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً ". وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَيَمُرُّ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمُؤَخَّرِ، مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ " أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ " وَيُنْسَبُ الْإِقْبَالُ: إلَى مُقَدَّمِ الْوَجْهِ، وَالْإِدْبَارُ: إلَى نَاحِيَةِ الْمُؤَخَّرِ. وَهَذَا يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الْمُفَسِّرُ لِكَيْفِيَّةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ. وَإِنْ كَانَ يُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ «أَنَّهُ ﷺ بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ» فَقَدْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَةٍ، أَوْ وَقْتٍ. وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْسِيرِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَبْدَأُ بِالنَّاصِيَةِ، وَيَذْهَبُ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى جِهَةِ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ، وَهُوَ النَّاصِيَةُ. وَكَأَنَّ هَذَا قَدْ قَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِهِ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ " [مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ظَاهِرِ " أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ "] فَإِنَّهُ إذَا بَدَأَ بِالنَّاصِيَةِ صَدَقَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَصَدَقَ أَنَّهُ أَقْبَلَ أَيْضًا. فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ، وَهُوَ الْقُبُلُ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُفَسِّرَةِ " بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ " قَدْ يُعَارِضُ هَذَا. فَإِنَّهُ جَعَلَهُ بَادِئًا بِالْمُقَدَّمِ إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى قَفَاهُ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْقَائِلُ - تَقْتَضِي أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، غَيْرَ ذَاهِبٍ إلَى قَفَاهُ، بَلْ إلَى نَاحِيَةِ وَجْهِهِ: وَهُوَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَائِلُ - الَّذِي اخْتَارَ هَذِهِ الصِّفَةَ الْأَخِيرَةَ -: إنَّ الْبُدَاءَةَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ مُمْتَدٌّ إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَابْتِدَاءُ الذَّهَابِ مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَجْهِ إلَى الْقَفَا. وَالْحَدِيثُ إنَّمَا جَعَلَ الْبُدَاءَةَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى الْقَفَا، لَا إلَى غَايَةِ الْوُصُولِ إلَى الْقَفَا وَفَرْقٌ بَيْنَ الذَّهَابِ إلَى الْقَفَا، وَبَيْنَ الْوُصُولِ إلَيْهِ. فَإِذَا جَعَلَ هَذَا الْقَائِلُ الذَّهَابَ إلَى الْقَفَا مِنْ حَيْثُ الرُّجُوعُ مِنْ مُبْتَدَأِ الشَّعْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَجْهِ إلَى جِهَةِ الْقَفَا: صَحَّ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الذَّهَابِ إلَى جِهَةِ الْقَفَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْعَدَدِ فِيهِمَا، أَوْ عَدَمِ الْعَدَدِ. وَالرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ: مُصَرِّحَةٌ بِالْوُضُوءِ مِنْ الصُّفْرِ. وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ. وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي قَوْلِهِ " تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَجَازٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ " مِنْ تَوْرٍ مِنْ مَاءٍ " وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى: مِنْ إنَاءِ

стр. 33

٩ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . ١٠ - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ـــــــــــــــــــــــــــــ مَاءٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. [حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّن] " عَائِشَةُ ﵂ " تُكَنَّى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ. يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. تُوُفِّيَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: بِثَلَاثٍ. وَ " التَّنَعُّلُ " لُبْسُ النَّعْلِ. وَ " التَّرَجُّلُ " تَسْرِيحُ الشَّعْرِ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: شَعْرٌ مُرَجَّلٌ، أَيْ مُسَرَّحٌ. وَقَالَ كُرَاعٌ: شَعْرٌ رَجْلٌ وَرَجِلٌ، وَقَدْ رَجَّلَهُ صَاحِبُهُ: إذَا سَرَّحَهُ وَدَهَنَهُ وَمَعْنَى التَّيَمُّنِ فِي التَّنَعُّلِ: الْبُدَاءَةُ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى. وَمَعْنَاهُ فِي التَّرَجُّلِ: الْبُدَاءَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مِنْ الرَّأْسِ فِي تَسْرِيحِهِ وَدَهْنِهِ. وَفِي الطُّهُورِ: الْبُدَاءَةُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ. وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ. وَالْبُدَاءَةُ بِالْيُمْنَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، حَيْثُ جُمِعَا فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، حَيْثُ قَالَ ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤] . وَقَوْلُهَا " وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ " عَامٌّ يُخَصُّ، فَإِنَّ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، يُبْدَأُ فِيهِمَا بِالْيَسَارِ. وَكَذَلِكَ مَا يُشَابِهُهُمَا.

стр. 34

عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ] الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ " الْمُجْمِرِ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ. وُصِفَ بِهِ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُجَمِّرُ الْمَسْجِدَ، أَيْ يُبَخِّرُهُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ " إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ " يَحْتَمِلُ " غُرًّا " وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَيُدْعَوْنَ، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى يُسَمَّوْنَ غُرًّا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَقْرَبُ - أَنْ يَكُونَ حَالًا، كَأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ أَوْ الْمِيزَانِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْعَى النَّاسُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أَيْ غُرًّا مُحَجَّلِينَ. فَيُعَدَّى " يُدْعَوْنَ " فِي الْمَعْنَى بِالْحَرْفِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى " يُدْعَوْنَ " بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَيَكُونُ " غُرًّا " حَالًا أَيْضًا. وَالْغُرَّةُ: فِي الْوَجْهِ. وَالتَّحْجِيلُ: فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. الثَّالِثُ: الْمَرْوِيُّ الْمَعْرُوفُ فِي قَوْلِهِ ﷺ " مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ " الضَّمُّ فِي " الْوُضُوءِ " وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَتْحِ، أَيْ مِنْ آثَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ: نَشَأَ عَنْ الْفِعْلِ بِالْمَاءِ. فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ " فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ " اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى

стр. 35

١١ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ لَفْظِ " الْغُرَّةِ " هُنَا، دُونَ التَّحْجِيلِ - وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ التَّحْجِيلِ أَيْضًا. وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَا بِسَبِيلٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ. وَأَرَادُوا: الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ. وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ فِي الْوَجْهِ: بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ. وَفِي الْيَدَيْنِ: بِغَسْلِ بَعْضِ الْعَضُدَيْنِ. وَفِي الرِّجْلَيْنِ: بِغَسْلِ بَعْضِ السَّاقَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَقْيِيدٌ وَلَا تَحْدِيدٌ لِمِقْدَارِ مَا يُغْسَلُ مِنْ الْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ. وَقَدْ اسْتَعْمَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَظَاهِرِهِ فِي طَلَبِ إطَالَةِ الْغُرَّةِ فَغَسَلَ إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمَنْكِبَيْنِ. وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَرَأَيْتُ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ ذَكَرَ: أَنَّ حَدَّ ذَلِكَ: نِصْفُ الْعَضُدِ، وَنِصْفُ السَّاقِ اهـ. [بَابُ الِاسْتِطَابَةِ] [حَدِيثُ النَّبِيَّ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ] الْخُبُثُ - بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ - جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ: جَمْعُ خَبِيثَةٍ. اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ. أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ " بْنِ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ - فَتْحُ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - أَنْصَارِيٌّ، نَجَّارِيٌّ. خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وَعُمِّرَ وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ كَثِيرُونَ، يُقَالُ: ثَمَانُونَ، ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ ذَكَرًا وَابْنَتَانِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: كَانَتْ سِنُّهُ يَوْمَ مَاتَ: مِائَةً وَسَبْعَ سِنِينَ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَخْبَرَتْنِي ابْنَتِي أُمَنَةُ: أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي - إلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ - بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ. الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا ": الِاسْتِطَابَةُ " إزَالَةُ الْأَذَى عَنْ الْمَخْرَجَيْنِ بِحَجَرٍ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ. مَأْخُوذٌ مِنْ الطِّيبِ، يُقَالُ: اسْتَطَابَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُسْتَطِيبٌ. وَأَطَابَ، فَهُوَ مُطَيِّبٌ. الثَّانِي: " الْخَلَاءُ " بِالْمَدِّ فِي الْأَصْلِ: هُوَ الْمَكَانُ الْخَالِي. كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ. ثُمَّ كَثُرَ تَجَوُّزٌ بِهِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ " إذَا دَخَلَ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ. كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ. ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ. وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ فِي ابْتِدَاءِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ غَيْرَ مُعَدٍّ لِذَلِكَ - كَالصَّحْرَاءِ مَثَلًا - جَازَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. وَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ - كَالْكُنُفِ - فَفِي جَوَازِ الذِّكْرِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. فَمَنْ كَرِهَهُ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يُؤَوِّلَ قَوْلَهُ " إذَا دَخَلَ " بِمَعْنَى: إذَا أَرَادَ. ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ " دَخَلَ " أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْكُنُفِ الْمَبْنِيَّةِ مِنْهَا عَلَى الْمَكَانِ الْبَرَاحِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْمُرَادُ، حَيْثُ قَالَ ﷺ " إنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ - الْحَدِيثُ ". وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَكَانِ: فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. وَيَحْمِلُ " دَخَلَ " عَلَى حَقِيقَتِهَا. الرَّابِعُ: " الْخُبُثُ " بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ: جَمْعُ خَبِيثٍ، كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَغَالِيطِ الْمُحَدِّثِينَ رِوَايَتَهُمْ لَهُ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هَذَا غَلَطًا؛ لِأَنَّ فُعُلًا - بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ - يُخَفَّفُ عَيْنُهُ قِيَاسًا. فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُبْثِ - بِسُكُونِ الْبَاءِ - مَا لَا يُنَاسِبُ الْمَعْنَى، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ - وَهُوَ سَاكِنُ الْبَاءِ - بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مَضْمُومُ الْبَاءِ. نَعَمْ، مَنْ حَمَلَهُ - وَهُوَ سَاكِنُ الْبَاءِ - عَلَى مَا لَا يُنَاسِبُ: فَهُوَ غَالِطٌ فِي الْحَمْلِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، لَا فِي اللَّفْظِ.

стр. 37

١٢ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» . قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: " فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ". ـــــــــــــــــــــــــــــ الْخَامِسُ: الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ " إنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ " أَيْ لِلْجَانِّ وَالشَّيَاطِينِ، بَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ هَذَا الدُّعَاءِ الْمَخْصُوصِ لِهَذَا الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ. [حَدِيثُ إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ] الْغَائِطُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ يَنْتَابُونَهُ لِلْحَاجَةِ. فَكَنُّوا بِهِ عَنْ نَفْسِ الْحَدَثِ، كَرَاهِيَةً لِذِكْرِهِ بِخَاصِّ اسْمِهِ " وَالْمَرَاحِيضُ " جَمْعُ الْمِرْحَاضِ. وَهُوَ الْمُغْتَسَلُ. وَهُوَ أَيْضًا كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِ التَّخَلِّي. الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا " أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ نَجَّارِيٌّ، شَهِدَ بَدْرًا. وَمَاتَ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ خَلِيفَةٌ: مَاتَ بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَذَلِكَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. الثَّانِي: قَوْلُهُ " إذَا أَتَيْتُمْ الْخَلَاءَ " اسْتَعْمَلَ " الْخَلَاءَ " فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَيْفَ كَانَ.؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَجَازًا. الثَّالِثُ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا. وَالْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مَذَاهِبَ فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، عَلَى مُقْتَضَى

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا، وَرَأَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ وَزَعَمَ أَنَّ نَاسِخَهُ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ. فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ التَّرْخِيصَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّحَارِي وَالْبُنْيَانِ فَمَنَعَ فِي الصَّحَارِي، وَأَجَازَ فِي الْبُنْيَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى الْحَدِيثَ الَّذِي يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُنْيَانِ. فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ - وَمَا فِي مَعْنَاهُ - عَلَى الصَّحَارِي، وَحَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْبُنْيَانِ. وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ " رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا. فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ. فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَاعْلَمْ أَنَّ حَمْلَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى الصَّحَارِي مُخَالِفٌ لِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ مِنْ الْعُمُومِ. فَإِنَّهُ قَالَ " فَأَتَيْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قَبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا " فَرَأَى النَّهْيَ عَامًّا. الرَّابِعُ: اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ هَذَا النَّهْيِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لِإِظْهَارِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْقِبْلَةِ.؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى مُنَاسِبٌ وَرَدَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ، فَيَكُونُ عِلَّةً لَهُ. وَأَقْوَى مِنْ هَذَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ: مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْبَرَازَ. فَلْيُكَرِّمْ قِبْلَةَ اللَّهِ ، وَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ» وَهَذَا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَمْرٍ آخَرَ. فَذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ - هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - عَجِبْتُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَمَا قَالَا؟ قُلْتُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ تَسْتَدْبِرُوهَا " وَقَالَ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ مَذْهَبًا مُوَاجِهَ الْقِبْلَةَ " قَالَ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِي الصَّحْرَاءِ، إنَّ لِلَّهِ خَلْقًا مِنْ عِبَادِهِ يُصَلُّونَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوهُمْ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهُمْ وَأَمَّا بُيُوتُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَتَّخِذُونَهَا لِلنَّتِنِ فَإِنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهَا. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَنَّ عِيسَى هَذَا ضَعِيفٌ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَاسْتَتَرَ بِشَيْءٍ: هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ أَمْ لَا؟ فَالتَّعْلِيلُ بِاحْتِرَامِ الْقِبْلَةِ: يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَالتَّعْلِيلُ بِرُؤْيَةِ الْمُصَلِّينَ: يَقْتَضِي الْجَوَازَ. الْخَامِسُ: قَوْلُهُ ﷺ " إذَا أَتَيْتُمْ الْخَلَاءَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ - الْحَدِيثُ " يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَالثَّانِي: عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْمَنْعِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَنْ الْعِلَّةِ. وَالْكَلَامُ الْآنَ عَلَى مَحِلِّ الْعِلَّةِ. فَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ تَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ. وَالثَّانِي: كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْمَنْعُ لِلْخَارِجِ، لِمُنَاسِبَتِهِ لِتَعْظِيمِ الْقِبْلَةِ عَنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَنْعُ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ: خِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَطْءِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، فَمَنْ عَلَّلَ بِالْخَارِجِ أَبَاحَهُ، إذْ لَا خَارِجَ. وَمَنْ عَلَّلَ بِالْعَوْرَةِ مَنَعَهُ. السَّادِسُ: " الْغَائِطُ " فِي الْأَصْلِ: هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ، كَانُوا يَقْصِدُونَهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْخَارِجِ. وَغَلَبَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ، فَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ " الْغَائِطِ " لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْبَوْلِ، لِتَفْرِقَتِهِ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] هَلْ يَتَنَاوَلُ الرِّيحَ مَثَلًا، أَوْ الْبَوْلَ أَوْ لَا؟ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُخَصَّصُ لَفْظُ " الْغَائِطِ " لِمَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُقْصَدَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الْغَائِطَ لِلرِّيحِ مَثَلًا. أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا كَانَ يَقَعُ عِنْدَ قَصْدِهِمْ الْغَائِطَ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ كَيْفَ كَانَ. وَالسَّابِعُ: قَوْلُهُ " وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا " مَحْمُولٌ عَلَى مَحِلٍّ يَكُونُ التَّشْرِيقُ وَالتَّغْرِيبُ فِيهِ مُخَالِفًا لِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا، كَالْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ مَسْكَنُ رَسُولِ

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ اللَّهِ ﷺ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْبِلَادِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا كَانَتْ الْقِبْلَةُ فِيهِ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ. الثَّامِنُ: قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ " فَقَدِمْنَا الشَّامَ إلَخْ " فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ ثَمَّةَ مِنْ حَمْلِهِ لَهُ عَلَى الْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبُنْيَانِ وَالصَّحَارِي، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً عِنْدَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الشَّرْعِ، عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ. وَهَذَا - أَعْنِي اسْتِعْمَالَ صِيغَةِ الْعُمُومِ - فَرْدٌ مِنْ الْأَفْرَادِ، لَهُ نَظَائِرُ لَا تُحْصَى، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمَثَلِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَتَتَبَّعْ نَظَائِرَهَا يَجِدْهَا. التَّاسِعُ: أَوْلَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ - وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ - بِأَنْ قَالُوا: إنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذَّوَاتِ مَثَلًا أَوْ عَلَى الْأَفْعَالِ. كَانَتْ عَامَّةً فِي ذَلِكَ، مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْأَحْوَالِ وَالْمُتَعَلِّقَات. ثُمَّ يَقُولُونَ: الْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ. فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ. وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهُمْ فِي الْجِدَالِ. وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ، بَلْ الْوَاجِبُ: أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الذَّوَاتِ - مَثَلًا - يَكُونُ دَالًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ. وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا ذَاتٌ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ. فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ، فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ. نَعَمْ الْمُطْلَقُ يَكْفِي الْعَمَلُ بِهِ مَرَّةً، كَمَا قَالُوهُ. وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ. فَإِنْ كَانَ الْمُطْلَقُ مِمَّا لَا يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مُخَالِفَةً لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ: اكْتَفَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ مُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ. قُلْنَا بِالْعُمُومِ مُحَافَظَةً عَلَى مُقْتَضَى صِيغَتِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ، مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا. فَمُقْتَضَى الصِّيغَةِ: الْعُمُومُ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَزْمَانِ، فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَثَلًا، وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ، وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ مَرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ.
следующие страницы →