← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1665

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Полный текст (659 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ﵄ قَالَ «كَتَبَ أَبِي - أَوْ كَتَبْتُ لَهُ - إلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ: أَنْ لَا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» . ٣٧٧ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ - ثَلَاثًا - قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ] النَّصُّ وَارِدٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقَضَاءِ حَالَةَ الْغَضَبِ وَذَلِكَ لِمَا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِسَبَبِهِ مِنْ التَّشْوِيشِ الْمُوجِبِ لِاخْتِلَالِ النَّظَرِ، وَعَدَمِ اسْتِيفَائِهِ عَلَى الْوَجْهِ. وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى إلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَا يُشَوِّشُ الْفِكْرَ، كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَهُوَ قِيَاسُ مَظِنَّةٍ عَلَى مَظِنَّةٍ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مُشَوِّشٌ لِلْفِكْرِ وَلَوْ قَضَى مَعَ الْغَضَبِ وَالْجُوعِ: لَنَفَذَ إذَا صَادَفَ الْحَقَّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَكَأَنَّ الْغَضَبَ إنَّمَا خُصَّ لِشِدَّةِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى النَّفْسِ، وَصُعُوبَةِ مُقَاوَمَتِهِ. ١ - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ بِالْحَدِيثِ كَالسَّمَاعِ مِنْ الشَّيْخِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ. وَأَمَّا فِي الرِّوَايَةِ: فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أَدَّى الرِّوَايَةَ بِعِبَارَةٍ مُطَابِقَةٍ لِلْوَاقِعِ جَازَ كَقَوْلِهِ: كَتَبَ إلَيَّ فُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا.

стр. 597

وَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ] فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: قَدْ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى انْقِسَامِ الذُّنُوبِ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ وَعَلَيْهِ أَيْضًا يَدُلُّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ " كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ " فَالْكَبَائِرُ وَالذُّنُوبُ عِنْدَهُ مُتَوَارِدَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الذُّنُوبِ. وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ كُلَّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ: عَلَى خِلَافِهِ وَلَعَلَّهُ أَخَذَ " الْكَبِيرَة " بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَنَظَرَ إلَى عِظَمِ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَسَمَّى كُلَّ ذَنْبٍ كَبِيرَةً. [مَسْأَلَة انْقِسَامِ الْكَبَائِرِ فِي عِظَمِهَا إلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ] ١ الثَّانِيَةُ: يَدُلُّ عَلَى انْقِسَامِ الْكَبَائِرِ فِي عِظَمِهَا إلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، لِقَوْلِهِ ﵇ " أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " وَذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ: اسْتِوَاءُ رُتَبِهَا أَيْضًا فِي نَفْسِهَا فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ: أَعْظَمُ كَبِيرَةٍ مِنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنْ الذُّنُوبِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الْكَبَائِرَ. [مَسْأَلَة اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِر] ١ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ تَعْرِيفَهَا بِتَعْدَادِهَا وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ أَعْدَادًا مِنْ الذُّنُوبِ، وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَلْيَجْمَعْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ الْحَصْرِ وَمِنْ هَذَا قِيلَ: إنَّ بَعْضَ السَّلَفِ قِيلَ لَهُ " إنَّهَا سَبْعٌ " فَقَالَ " إنَّهَا إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى السَّبْعِ ". وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْحَصْرِ بِالضَّوَابِطِ فَقِيلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّ كُلَّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وَعِيدٌ أَوْ لَعْنٌ، أَوْ حَدٌّ: فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ، فَتَغْيِيرُ مَنَارِ الْأَرْضِ: كَبِيرَةٌ لِاقْتِرَانِ اللَّعْنِ بِهِ وَكَذَا قَتْلُ الْمُؤْمِنِ، لِاقْتِرَانِ الْوَعِيدِ بِهِ وَالْمُحَارَبَةُ، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةُ وَالْقَذْفُ، كَبَائِرُ، لِاقْتِرَانِ الْحُدُودِ بِهَا، وَاللَّعْنَةِ بِبَعْضِهَا. وَسَلَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ طَرِيقًا فَقَالَ: إذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ: فَأَعْرِضْ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ عَلَى مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَقَلِّ مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ، فَهِيَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَإِنْ سَاوَتْ أَدْنَى مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ، أَوْ أَرْبَتْ عَلَيْهِ فَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَعَدَّ

стр. 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ مِنْ الْكَبَائِرِ: شَتْمَ الرَّبِّ ﵎، أَوْ الرَّسُولِ، وَالِاسْتِهَانَةَ بِالرُّسُلِ، وَتَكْذِيبَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَتَضْمِيخَ الْكَعْبَةِ بِالْعَذِرَةِ وَإِلْقَاءَ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ فَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يُصَرِّحْ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ دَاخِلٌ عِنْدِي فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ بِالْكُفْرِ إنْ جَعَلْنَا الْمُرَادَ بِالْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ: مُطْلَقَ الْكُفْرِ، عَلَى مَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ، وَلَا بُدَّ مَعَ هَذَا - مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَفْسَدَةَ لَا تُؤْخَذُ مُجَرَّدَةً عَمَّا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ أَمْرٍ آخَرَ فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّابِقَ إلَى الذِّهْنِ: أَنَّ مَفْسَدَةَ الْخَمْرِ: السُّكْرُ وَتَشْوِيشُ الْعَقْلِ؟ فَإِنْ أَخَذْنَا هَذَا بِمُجَرَّدِهِ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ شُرْبُ الْقَطْرَةِ الْوَاحِدَةِ كَبِيرَةً، لِخَلَائِهَا عَنْ الْمَفْسَدَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّهَا كَبِيرَةٌ فَإِنَّهَا - وَإِنْ خَلَتْ عَنْ الْمَفْسَدَةِ الْمَذْكُورَةِ - إلَّا أَنَّهُ يَقْتَرِنُ بِهَا مَفْسَدَةُ الْإِقْدَامِ وَالتَّجَرِّي عَلَى شُرْبِ الْكَثِيرِ الْمُوقِعِ فِي الْمَفْسَدَةِ فَبِهَذَا الِاقْتِرَانِ تَصِيرُ كَبِيرَةً. وَالثَّانِي: أَنَّا إذَا سَلَكْنَا هَذَا الْمَسْلَكَ فَقَدْ تَكُونُ مَفْسَدَةُ بَعْضِ الْوَسَائِلِ إلَى بَعْضِ الْكَبَائِرِ مُسَاوِيًا لِبَعْضِ الْكَبَائِرِ، أَوْ زَائِدًا عَلَيْهَا، فَإِنَّ مَنْ أَمْسَكَ امْرَأَةً مُحْصَنَةً لِمَنْ يَزْنِي بِهَا، أَوْ مُسْلِمًا مَعْصُومًا لِمَنْ يَقْتُلُهُ فَهُوَ كَبِيرَةٌ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً مِنْ أَكْلِ مَالِ الرِّبَا، أَوْ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلَى عَوْرَةٍ مِنْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ تُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ فِرَارِهِ مِنْ الزَّحْفِ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ دُونَ هَذِهِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ - عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْكَبِيرَةَ مَا رُتِّبَ عَلَيْهَا اللَّعْنُ، أَوْ الْحَدُّ، أَوْ الْوَعِيدُ - فَتُعْتَبَرُ الْمَفَاسِدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَمَا سَاوَى أَقَلَّهَا، فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَمَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ. [مَسْأَلَة الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ] الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﵇ " الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: مُطْلَقُ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: خُصُوصُهُ، إلَّا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ: أَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنْ الْإِشْرَاكِ، وَهُوَ كُفْرُ التَّعْطِيلِ. فَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ. [مَسْأَلَة عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مَعْدُودٌ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ] ١ الْخَامِسَةُ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مَعْدُودٌ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا

стр. 599

[مَسْأَلَة انْقِسَامِ الذُّنُوبِ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ] ـــــــــــــــــــــــــــــ شَكَّ فِي عِظَمِ مَفْسَدَتِهِ، لِعِظَمِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ إلَّا أَنَّ ضَبْطَ الْوَاجِبِ مِنْ الطَّاعَةِ لَهُمَا، وَالْمُحَرَّمِ مِنْ الْعُقُوقِ لَهُمَا: فِيهِ عُسْرٌ، وَرُتَبُ الْعُقُوقِ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَمْ أَقِفْ فِي عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَلَا فِيمَا يَخْتَصَّانِ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ، عَلَى ضَابِطٍ أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ مَا يَحْرُمُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ: فَهُوَ حَرَامٌ فِي حَقِّهِمَا، وَمَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ: فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُمَا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ طَاعَتُهُمَا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرَانِ بِهِ، وَلَا فِي كُلِّ مَا يَنْهَيَانِ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ حُرِّمَ عَلَى الْوَلَدِ السَّفَرُ إلَى الْجِهَادِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا مِنْ تَوَقُّعِ قَتْلِهِ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلِشِدَّةِ تَفَجُّعِهِمَا عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ أُلْحِقَ بِذَلِكَ كُلُّ سَفَرٍ يَخَافَانِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَقَدْ سَاوَى الْوَالِدَانِ الرَّقِيقَ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالْفُقَهَاءُ قَدْ ذَكَرُوا صُوَرًا جُزْئِيَّةً، وَتَكَلَّمُوا فِيهَا مَنْثُورَةً، لَا يَحْصُلُ مِنْهَا ضَابِطٌ كُلِّيٌّ فَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يُسْلَكَ فِي ذَلِكَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الْكَبَائِرِ، وَهُوَ أَنْ تُقَاسَ الْمَصَالِحُ فِي طَرَفِ الثُّبُوتِ بِالْمَصَالِحِ الَّتِي وَجَبَتْ لِأَجْلِهَا، وَالْمَفَاسِدُ فِي طَرَفِ الْعَدَمِ بِالْمَفَاسِدِ الَّتِي حُرِّمَتْ لِأَجْلِهَا. [مَسْأَلَة اهْتِمَامُهُ بِأَمْرِ شَهَادَةِ الزُّورِ أَوْ قَوْلِ الزُّورِ] ١ السَّادِسَةُ: اهْتِمَامُهُ ﵇ بِأَمْرِ شَهَادَةِ الزُّورِ، أَوْ قَوْلِ الزُّورِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ؛ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنُ بِهَا أَكْثَرُ، فَمَفْسَدَتُهَا أَيْسَرُ وُقُوعًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَذْكُورَ مَعَهَا: هُوَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَلَا يَقَعُ فِيهِ مُسْلِمٌ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالطَّبْعُ صَارِفٌ عَنْهُ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: " الزُّورِ " فَإِنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، كَالْعَدَاوَةِ وَغَيْرِهَا فَاحْتِيجَ إلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا، وَهُوَ الْإِشْرَاكُ قَطْعًا. " وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ " يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: " الزُّورِ " عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى: الْإِطْلَاقِ: لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْكِذْبَةَ الْوَاحِدَةَ وَمَا

стр. 600

٣٧٨ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ يُقَارِبُهَا لَا تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَأَسْقَطَتْ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِظَمِ بَعْضِ الْكَذِبِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] وَعِظَمُ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبُهُ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ كَبِيرَةٌ، وَالْغِيبَةُ عِنْدِي: تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقُولِ وَالْمُغْتَابِ بِهِ، فَالْغِيبَةُ بِالْقَذْفِ كَبِيرَةٌ، لِإِيجَابِهَا الْحَدَّ، وَلَا تُسَاوِيهَا الْغِيبَةُ بِقُبْحِ الْخِلْقَةِ مَثَلًا، أَوْ قُبْحِ بَعْضِ الْهَيْئَةِ فِي اللِّبَاسِ مَثَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيثُ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ إلَّا بِالْقَانُونِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي رُتِّبَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي. ١ - وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُطْلَقًا. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ أَمْرٍ آخَرَ فِي وَجْهِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: تَصَرُّفَاتٌ بِالتَّخْصِيصَاتِ لِهَذَا الْعُمُومِ، خَالَفَهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ. مِنْهَا: اعْتِبَارُ الْخُلْطَةِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ ادَّعَى سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْقِصَاصِ: لَمْ تَجِبْ بِهِ الْيَمِينُ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا فَتَجِب الْيَمِينُ. وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا، لَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ، قَالَ سَحْنُونٌ مِنْهُمْ: إلَّا أَنْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ الْأُمَنَاءِ - مِمَّنْ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ - لَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِ يَمِينًا. وَمِنْهَا: دَعْوَى الْمَرْأَةِ طَلَاقًا عَلَى الزَّوْجِ. وَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا يَسْتَدِلُّ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ.

стр. 601

كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ ٣٧٩ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ - إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ: اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ] هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْعِظَامِ الَّتِي عُدَّتْ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، فَأُدْخِلَتْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جُعِلَتْ أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ. وَهُوَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْوَرَعِ، وَتَرْكِ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الدِّينِ وَالشُّبُهَاتُ لَهَا مُثَارَاتٌ مِنْهَا: الِاشْتِبَاهُ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّحْلِيلِ، أَوْ تَعَارُضُ الْأَمَارَاتِ وَالْحُجَجِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﵇ " لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ " إشَارَةٌ إلَى هَذَا الْمُثَارِ، مَعَ أَنَّهُ يُحْمَلُ أَنْ يُرَادَ: لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَإِنْ عَلِمَ

стр. 602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ حُكْمَ أَصْلِهَا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ مُثَارِ الشُّبُهَاتِ. وَقَوْلُهُ ﵇ " مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ " أَصْلٌ فِي الْوَرَعِ وَقَدْ كَانَ فِي عَصْرِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَصَنَّفُوا فِيهَا تَصَانِيفَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ سَلَكَ طَرِيقًا فِي الْوَرَعِ فَخَالَفَهُ بَعْضُ أَهْلِ عَصْرِهِ وَقَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ مُبَاحًا - وَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ - فَلَا وَرَعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَعَ تَرْجِيحٌ لِجَانِبِ التَّرْكِ وَالتَّرْجِيحُ لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَعَ التَّسَاوِي مُحَالٌ، وَجَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ تَصْنِيفًا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا عِنْدِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَ طَرَفَاهُ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْمُبَاحِ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فَهَذَا الَّذِي رَدَّدَ فِيهِ الْقَوْلَ. وَقَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَهُوَ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ يَمْنَعُهُ إذَا حَمَلْنَا الْمُبَاحَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمُبَاحَ قَدْ صَارَ مُنْطَلِقًا عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى التَّسَاوِي، إذْ الدَّالُّ عَلَى الْعَامِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْخَاصِّ بِعَيْنِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُتَسَاوِيَ الطَّرَفَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، رَاجِحًا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ وَلَا يَتَنَاقَضُ حِينَئِذٍ الْحُكْمَانِ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ: فَلَا يَخْلُو هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ نَظَرٍ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ هَذَا الْمُشْتَبَهِ مُوجِبًا لِضَرَرٍ مَا فِي الْآخِرَةِ، وَإِلَّا فَيَعْسُرُ تَرْجِيحُ تَرْكِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَرْكَهُ مُحَصِّلٌ لِثَوَابٍ أَوْ زِيَادَةِ دَرَجَاتٍ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا يُفْهَمُ مِنْ أَفْعَالِ الْوَرِعِينَ فَإِنَّهُمْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ تَحَرُّجًا وَتَخَوُّفًا، وَبِهِ يُشْعِرُ لَفْظُ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ ﵇ " وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا عَوَّدَ نَفْسَهُ عَدَمَ التَّحَرُّزِ مِمَّا يُشْتَبَهُ: أَثَّرَ ذَلِكَ اسْتِهَانَةً فِي نَفْسِهِ، تُوقِعُهُ فِي الْحَرَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إذَا تَعَاطَى الشُّبُهَاتِ: وَقَعَ فِي الْحَرَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَمُنِعَ مِنْ تَعَاطِي الشُّبُهَاتِ لِذَلِكَ.

стр. 603

٣٨٠ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا. فَقَبِلَهُ» . ٣٨١ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَتْ «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» . ٣٨٢ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَوْلُهُ ﵇ " كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ " مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ " وَيُوشِكُ " بِكَسْرِ الشِّينِ بِمَعْنَى: يَقْرُبُ " وَالْحِمَى " الْمَحْمِيُّ، أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. وَتَنْطَلِقُ الْمَحَارِمُ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ قَصْدًا، وَعَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ الْتِزَامًا، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى الْأَوَّلِ أَشْهَرُ، وَقَدْ عَظَّمَ الشَّارِعُ أَمْرَ الْقَلْبِ لِصُدُورِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ عَنْهُ، وَعَمَّا يَقُومُ بِهِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعُلُومِ، وَرَتَّبَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْمُضْغَةِ، وَالْمُرَادُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاحَ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ أَوْ الِاعْتِقَادِ بِالْمَفَاسِدِ وَالْمَصَالِحِ. [حَدِيثُ أَنَسِ قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَأَخَذْتُهَا] يُقَالُ " لَغَبُوا " إذَا أَعْيَوْا " وَأَنْفَجْتُ الْأَرْنَبَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، فَنَفَجَ أَيْ: أَثَرْتُهُ فَثَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَثَرْنَاهُ، وَذَعَرْنَاهُ فَعَدَا. " وَمَرُّ الظَّهْرَانِ " مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْأَرْنَبِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُنْتَفَعُ بِبَعْضِهَا إذَا ذُبِحَتْ بِالْأَكْلِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْهَدِيَّةِ وَقَبُولِهَا.

стр. 604

«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» . ٣٨٣ - وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ قَالَ «أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ] يَسْتَدِلُّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَنْ يَرَى جَوَازَ أَكْلِ الْخَيْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، أَوْ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ - أَعْنِي بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ - بِأَنْ قَالَ: فِعْلُ الصَّحَابِيِّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَفِيهِ شَكٌّ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ لُحُومَ الْخَيْلِ " ثُمَّ إنْ سَلِمَ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ دَلَالَةِ النَّصِّ. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ: فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِجَابِرٍ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا " وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ " فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهَا التَّعَلُّقُ. وَأَمَّا الثَّانِي " وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ بِحَدِيثِ التَّحْرِيمِ - فَإِنَّمَا نَعْرِفُهُ بِلَفْظِ النَّهْيِ، لَا بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ، مِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَفِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ كَلَامٌ يُنْقَضُ بِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَإِنَّمَا أَرَادَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْآيَةَ خَرَجَتْ

стр. 605

٣٨٤ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ «أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ: وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ: نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ، وَرُبَّمَا قَالَ: وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَخْرَجَ الِامْتِنَانِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَاتِ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّحْلِ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِامْتِنَانَ بِنِعْمَةِ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَتَرَكَ الِامْتِنَانَ بِنِعْمَةِ الْأَكْلِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْأَنْعَامِ، وَلَوْ كَانَ الْأَكْلُ ثَابِتًا لَمَا تَرَكَ الِامْتِنَانَ بِهِ؛ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْأَكْلِ فِي جِنْسِهَا فَوْقَ نِعْمَةِ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْبَقَاءُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَا يَحْسُنُ تَرْكُ الِامْتِنَانِ بِأَعْلَى النِّعْمَتَيْنِ وَذِكْرُ الِامْتِنَانِ بِأَدْنَاهُمَا، فَدَلَّ تَرْكُ الِامْتِنَانِ بِالْأَكْلِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ ذُكِرَتْ نِعْمَةُ الْأَكْلِ فِي نَظَائِرِهَا مِنْ الْأَنْعَامِ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ اسْتِدْلَالًا حَسَنًا - إلَّا أَنَّهُ يُجَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْجِيحُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى الْإِبَاحَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ حَيْثُ قُوَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الدَّلَالَةِ. الثَّانِي: أَنْ يُطَالَبَ بِوَجْهِ الدَّلَالَةِ عَلَى عَيْنِ التَّحْرِيمِ فَإِنَّمَا يُشْعِرُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ، وَتَرْكُ الْأَكْلِ: أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مَتْرُوكًا عَلَى سَبِيلِ الْحُرْمَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ مِنْ حَيْثُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: عَلَى جَوَازِ النَّحْرِ لِلْخَيْلِ. وَقَوْلُهُ " وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ إلَى آخِرِهِ " يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، لِظَاهِرِ النَّهْيِ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِالْكَرَاهَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ.

стр. 606

٣٨٥ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» . ٣٨٦ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ] هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى لَفْظِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ أَدَلُّ مِنْ لَفْظِ النَّهْيِ، وَأَمْرُهُ ﵇ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ: مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَهُ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ لِلُحُومِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ عِلَّتَانِ أُخْرَيَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهَا أُخِذَتْ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لِأَجْلِ كَوْنِهَا مِنْ جَوَالِّ الْقَرْيَةِ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ وَالسَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ: أَنَّهُ لِأَجْلِ التَّحْرِيمِ، فَإِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا. وَ " كَفَأْتُ الْقِدْرَ " قَلَبْتُهُ، فَفَرَّغْتُ مَا فِيهِ.

стр. 607

اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ» . ٣٨٧ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ.» ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ] قَالَ ﵁ " الْمَحْنُوذُ " الْمَشْوِيُّ بِالرَّضِيفِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الضَّبِّ لِقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ " أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا "، وَلِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَكْلِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ - أَعْنِي الْفِعْلَ، وَالْقَوْلَ، وَالتَّقْرِيرَ مَعَ الْعِلْمِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعْلَامِ بِمَا يُشَكُّ فِي أَمْرِهِ، لِيَتَّضِحَ الْحَالُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَيْنَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهُ ضَبٌّ فَقُصِدَ الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ، لِيَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ إبَاحَتِهِ، إنْ أَكَلَهُ أَوْ أَقَرَّ عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَيْسَ مُطْلَقُ النُّفْرَةِ وَعَدَمُ الِاسْتِطَابَةِ دَلِيلًا عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ أَمْرٌ مَخْصُوصٌ مِنْ ذَلِكَ، إنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ، أَعْنِي الِاسْتِخْبَاثَ، كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ. [حَدِيثُ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْجَرَادِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهَا ذُكِّيَتْ بِذَكَاةِ مِثْلِهَا، كَمَا يَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ، مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ يَقْتَضِي مَوْتَهَا، كَقَطْعِ

стр. 608

٣٨٨ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: «عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَدَعَا بِمَائِدَةٍ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ، أَحْمَرُ، شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ: هَلُمَّ فَتَلَكَّأَ فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ.» ٣٨٩ - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ رُءُوسِهَا مَثَلًا فَلَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَإِنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ وَلَا بَيَانَ لِكَيْفِيَّةِ أَكْلِهِمْ. [حَدِيثُ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَدَعَا بِمَائِدَةٍ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ] " زَهْدَمُ " بِفَتْحِ الزَّايِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا وَ " مُضَرِّبٌ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَ " الْجَرْمِيُّ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الدَّجَاجِ، وَدَلِيلٌ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ قَدْ بُيِّنَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَلَّلَ تَأَخُّرَهُ بِأَنَّهُ رَآهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرَهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قُلْنَاهُ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَكُونُ أَكْلُ الدَّجَاجِ الَّذِي يَأْكُلُ الْقَذَرَ مَكْرُوهًا، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِأَكْلِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا تَغَيَّرَ لَحْمُهَا بِأَكْلِ النَّجَاسَةِ لَمْ تُؤْكَلْ. " وَهَلُمَّ " كَلِمَةُ اسْتِدْعَاءٍ، وَالْأَكْثَرُ فِيهَا: أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ. " وَتَلَكَّأَ " أَيْ تَرَدَّدَ وَتَوَقَّفَ. [حَدِيثُ إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا] " يَلْعَقَهَا " الْأَوَّلُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ مُتَعَدِّيًا إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. و " يُلْعِقَهَا "

стр. 609

بَابُ الصَّيْدِ ٣٩٠ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَفِي أَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ. فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ - يَعْنِي مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ -: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا. وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّانِي: بِضَمِّهَا، مُتَعَدِّيًا إلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقَدْ جَاءَتْ عِلَّةُ هَذَا مُبَيَّنَةً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» وَقَدْ يُعَلَّلُ بِأَنَّ مَسْحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ زِيَادَةُ تَلْوِيثٍ لِمَا مَسَحَ بِهِ، مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالرِّيقِ وَلَكِنْ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ بِالتَّعْلِيلِ لَمْ نَعْدِلْ عَنْهُ. [بَابُ الصَّيْدِ] " أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ " بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي خُشَيْنٍ، بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ وَهُوَ وَائِلُ بْنُ نَمِرِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ تَغْلِبَ - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ إلْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَ " خُشَيْنٌ " تَصْغِيرُ أَخْشَنَ مُرَخَّمًا، قِيلَ: اسْمُهُ جُرْثُومُ بْنُ نَاشِبٍ، أَعْنِي: اسْمَ أَبِي ثَعْلَبَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغَسْلِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ وَذَكَرُوا

стр. 610

٣٩١ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ـــــــــــــــــــــــــــــ الْخِلَافَ فِيمَنْ يَتَدَيَّنُ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ الْخَمْرِ، أَوْ يُكْثِرُونَ مُلَابَسَتَهَا، فَالنَّصَارَى: لَا يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَاتِ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَتَدَيَّنُ بِمُلَابَسَتِهَا كَالرُّهْبَانِ فَلَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِمْ مِمَّنْ يَتَدَيَّنُ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَاتِ. وَالْحَدِيثُ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى تَرْجِيحِ غَلَبَةِ الظَّنِّ فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ الْغَالِبِ رَاجِحٌ عَلَى الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَصْلِ. [مَسْأَلَة الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ وَالْكَلْبِ مَعًا] ١ الثَّانِيَةُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّيْدِ بِالْقَوْسِ وَالْكَلْبِ مَعًا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْحَدِيثِ لِلتَّعْلِيمِ الْمُشْتَرَطِ، وَالْفُقَهَاءُ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَجَعَلُوا الْمُعَلَّمَ: مَا يَنْزَجِرُ بِالِانْزِجَارِ، وَيَنْبَعِثُ بِالْإِشْلَاءِ. وَلَهُمْ نَظَرٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ، وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا رَتَّبَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ حُكْمًا، وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا: يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ. [مَسْأَلَة التَّسْمِيَةَ عَلَى الْإِرْسَالِ فِي الصَّيْد] ١ الثَّالِثَةُ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَشْتَرِطُ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّهُ وَقَّفَ الْإِذْنَ فِي الْأَكْلِ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ. وَفِيهِ هَهُنَا زِيَادَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مَفْهُومًا مُجَرَّدًا وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ: تَحْرِيمُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَمَا أَخْرَجَ الْإِذْنَ مِنْهَا إلَّا مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُسَمًّى عَلَيْهِ، فَغَيْرُ الْمُسَمَّى عَلَيْهِ: يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ الْمُحَرِّمِ لِلْمَيْتَةِ. [مَسْأَلَة الْمَصِيدِ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ] الرَّابِعَةُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَصِيدَ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فِي إدْرَاكِ الذَّكَاةِ، فَإِذَا قَتَلَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ بِظُفْرِهِ أَوْ نَابِهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ، فَفِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ أَكْلِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ الضَّعْفِ أَعْنِي أَخْذَ الْحُكْمِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ. [مَسْأَلَة غَيْرِ الْمُعَلَّمِ إذَا صَادَ] ١ الْخَامِسَةُ: شَرَطَ ﵇ فِي غَيْرِ الْمُعَلَّمِ إذَا صَادَ: أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاةُ الصَّيْدِ وَهَذَا الْإِدْرَاكُ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الزَّمَنُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الذَّبْحُ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَذْبَحْ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْعَجْزِ عَمَّا يَذْبَحُ بِهِ: لَمْ يُعْذَرْ فِي ذَلِكَ. الثَّانِي: الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، كَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَقَدْ أَخْرَجَ حُشْوَتَهُ، أَوْ أَصَابَ نَابُهُ مَقْتَلًا، فَلَا اعْتِبَارَ بِالذَّكَاةِ حِينَئِذٍ، هَذَا عَلَى مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ.

стр. 611

قَالَ «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا. قُلْتُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ، فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» . وَحَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ نَحْوُهُ، وَفِيهِ: «إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ.» وَفِيهِ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ.» وَفِيهِ أَيْضًا «إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ.» وَفِيهِ «وَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ.» وَفِي رِوَايَةٍ «الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ؟» .. ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَهُوَ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومُ شَرْطٍ وَالْأَوَّلَ مَفْهُومُ وَصْفٍ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ: أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ الْوَصْفِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَكْلِ مَصِيدِ الْكَلْبِ إذَا قُتِلَ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ هَذَا الْحُكْمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَكْلِ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ بِثِقَلِهِ، بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ الْمَاضِيَةِ الَّتِي اسْتَضْعَفْنَاهَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. ١ -

стр. 612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَارَكَ الْكَلْبَ كَلْبٌ آخَرُ: لَمْ يُؤْكَلْ وَقَدْ وَرَدَ مُعَلَّلًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ» . ١ - وَ " الْمِعْرَاضُ " بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: عَصًا رَأْسُهَا مُحَدَّدٌ، فَإِنْ أَصَابَ بِحَدِّهِ أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّهْمِ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ لَمْ يُؤْكَلْ وَقَدْ عُلِّلَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ وَقِيذٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى السَّهْمِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَجَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُثْقَلَاتِ. وَ " الشَّعْبِيُّ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ مِنْ شَعْبِ هَمْدَانَ. وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَحَدُهُمَا: لَا يُؤْكَلُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْعِلَّةِ فَإِنَّ أَكْلَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْإِمْسَاكِ لِنَفْسِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُؤْكَلُ لِحَدِيثٍ آخَرَ وَرَدَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ وَحُمِلَ هَذَا النَّهْيُ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَرُبَّمَا عُلِّلَ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمَيَاسِيرِ فَاخْتِيرَ لَهُ الْحَمْلُ عَلَى الْأَوْلَى وَأَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ كَانَ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَأَخَذَ لَهُ بِالرُّخْصَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ عَدَمَ الْأَكْلِ بِخَوْفِ الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذِهِ عِلَّةٌ لَا تُنَاسِبُ إلَّا التَّحْرِيمَ، أَعْنِي تَخَوُّفَ الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِهِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عُلِّلَ بِخَوْفِ الْإِمْسَاكِ، لَا بِحَقِيقَةِ الْإِمْسَاكِ. فَيُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فِي الْمَيْتَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ الْمُبِيحِ: رَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَكَكْنَا فِي أَنَّ الصَّيْدَ مَاتَ بِالرَّمْيِ، أَوْ لِوُجُودِ سَبَبٍ آخَرَ يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ - لَمْ يَحِلَّ، كَالْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ مَثَلًا. بَلْ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا إذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، وَفِيهِ أَثَرُ سَهْمِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ سَبَبٍ آخَرَ، فَمَنْ حَرَّمَهُ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِ سَبَبٍ آخَرَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ الْمَنْعِ إذَا وَجَدَهُ غَرِيقًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْهَلَاكِ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِ الصَّيْدِ. وَكَذَلِكَ إذَا تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ. نَعَمْ، يُسَامَحُ فِي خَبْطِ الْأَرْضِ إذَا كَانَ طَائِرًا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ.

стр. 613

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا - إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ - فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ» . ٣٩٣ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ إلَّا لِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ الْمَذْكُورَةِ - أَعْنِي: الصَّيْدَ، وَالْمَاشِيَةَ، وَالزَّرْعَ - وَذَلِكَ لِمَا فِي اقْتِنَائِهَا مِنْ مَفَاسِدِ التَّرْوِيعِ، وَالْعَقْرِ لِلْمَارَّةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِمُجَانَبَةِ الْمَلَائِكَةِ لِمَحِلِّهَا، وَمُجَانَبَةُ الْمَلَائِكَةِ أَمْرٌ شَدِيدٌ، لِمَا فِي مُخَالَطَتِهِمْ مِنْ الْإِلْهَامِ إلَى الْخَيْرِ، وَالدُّعَاءِ إلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِنَاءِ لِهَذِهِ الْأَغْرَاضِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: هَلْ يُقَاسُ عَلَيْهَا غَرَضُ حِرَاسَةِ الدُّرُوبِ أَمْ لَا؟ وَاسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ اتِّخَاذِهَا لِلصَّيْدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى طَهَارَتِهَا فَإِنَّ مُلَابَسَتَهَا - مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْ مَسِّ شَيْءٍ مِنْهَا - شَاقٌّ، وَالْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ إذْنٌ فِي مُكَمِّلَاتٍ مَقْصُودَةٍ، كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لَوَازِمِهِ مُنَاسِبٌ لِلْمَنْعِ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ " وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ " مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ؛ أَرَادَ ذِكْرَ سَبَبِ الْعِنَايَةِ بِهَذَا الْحُكْمِ، حَتَّى عُرِفَ مِنْهُ مَا جَهِلَ غَيْرُهُ، وَالْمُحْتَاجُ إلَى الشَّيْءِ أَكْثَرُ اهْتِمَامًا بِمَعْرِفَةِ حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِهِ.

стр. 614

الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ: إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّا لَاقُو الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى. أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ] خَدِيجٌ " وَالِدُ رَافِعٍ: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ آخِرِ الْحُرُوفِ جِيمٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا تَوَحَّشَ مِنْ الْمُسْتَأْنَسِ: يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَحْشِ، كَمَا أَنَّ مَا تَأَنَّسَ مِنْ الْوَحْشِ: يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسْتَأْنَسِ. وَهَذَا الْقَسْمُ، وَمُقَابَلَةُ كُلِّ عَشْرَةٍ مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ: قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قِسْمَةُ تَعْدِيلٍ بِالْقِيمَةِ وَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ التَّعْدِيلِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا جَاءَ فِي الْبَدَنَةِ " أَنَّهَا عَنْ سَبْعَةٍ " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَ " نَدَّ " بِمَعْنَى شَرَدَ، وَ " الْأَوَابِدُ " جَمْعُ آبِدَةٍ، وَقَدْ تَأَبَّدَتْ: أَيْ نَفَرَتْ وَتَوَحَّشَتْ مِنْ الْإِنْسِ يُقَالُ: أَبَدَتْ - بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُخَفَّفَةِ - تَأْبِدُ - بِكَسْرِهَا وَضَمِّهَا - أَيْضًا، أُبُودًا وَجَاءَ فُلَانٌ بِآبِدَةٍ، أَيْ كَلِمَةٍ غَرِيبَةٍ، أَوْ خَصْلَةٍ لِلنُّفُوسِ نَفْرَةٌ عَنْهَا وَالْكَلِمَةُ لَازِمَةٌ، إلَّا أَنْ تُجْعَلَ فَاعِلَةً، بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ مِنْ الْبَهَائِمِ مَا فِيهِ نِفَارٌ كَنِفَارِ الْوَحْشِ. ١ - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الذَّبْحِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى كَوْنِهِ حَدِيدًا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُحَدَّدًا. ١ - وَقَوْلُهُ " وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ " دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْإِذْنَ بِمَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ وَالْمُعَلَّقُ عَلَى شَيْئَيْنِ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى

стр. 615

بَابُ الْأَضَاحِيّ ٣٩٤ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ مَنْعِ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَّصِلَيْنِ وَقَدْ ذُكِرَتْ الْعِلَّةَ فِيهِمَا فِي الْحَدِيثِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى مَنْعِ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ ﵇ " أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ " عَلَّلَ مَنْعَ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ بِأَنَّهُ عَظْمٌ وَالْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ. . [بَابُ الْأَضَاحِيّ] " الْأَمْلَحُ " الْأَغْبَرُ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ. لَا خِلَافَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَالْمَالِكِيَّةُ يُقَدِّمُونَ فِيهَا الْغَنَمَ عَلَى الْإِبِلِ، بِخِلَافِ الْهَدَايَا فَإِنَّ الْإِبِلَ فِيهَا مُقَدَّمَةٌ، وَالشَّافِعِيُّ يُقَدِّمُ الْإِبِلَ فِيهِمَا. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ الْمَالِكِيَّةُ بِاخْتِيَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَضَاحِيّ لِلْغَنَمِ، وَبِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي فِدَاءِ الذَّبِيحِ. وَ " الْأَمْلَحُ " الْأَبْيَضُ وَالْمُلْحَةُ الْبَيَاضُ. وَقَدْ اخْتَارَ الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّوْنَ لِلْأُضْحِيَّةِ. وَفِيهِ تَعْدَادُ الْأُضْحِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الْقَرْنُ مِنْ الْمَحْبُوبَاتِ فِيهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَوَلِّي الْأُضْحِيَّةِ لِلْمُضَحِّي بِنَفْسِهِ، إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْبِيرِ عِنْدَ الذَّبْحِ.

стр. 616

كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ ٣٩٥ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ - عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهَا عَهْدًا نَنْتَهِي إلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا» . ٣٩٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ " الْخَمْرِ " لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا اُعْتُصِرَ مِنْ الْعِنَبِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَوْلُهُ " وَهِيَ مِنْ كَذَا وَكَذَا " جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقَوْلُهُ " خَامَرَ الْعَقْلَ " مَجَازُ تَشْبِيهٍ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ الْمَعْنَى بِالْمَحْسُوسِ. وَ " الْجَدُّ " يُرِيدُ بِهِ مِيرَاثَهُ، وَقَدْ كَانَ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، وَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ. وَ " الْكَلَالَةُ " مَنْ لَا أَبَ لَهُ وَلَا وَلَدَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

стр. 617

اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» . ٣٩٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «بَلَغَ عُمَرَ: أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَحَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ] قَالَ ﵁: الْبِتْعُ: نَبِيذُ الْعَسَلِ. " الْبِتْعُ " بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ، وَيُقَالُ: بِفَتْحِهَا أَيْضًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَتَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ. نَعَمْ أَهْلُ الْحِجَازِ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرَابِ الْجِنْسُ، لَا الْعَيْنُ، وَالْكُوفِيُّونَ يَحْمِلُونَهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ، وَعَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِينَ: يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " أَسْكَرَ " أَنَّهُ مُسْكِرٌ بِالْقُوَّةِ، أَيْ فِيهِ صَلَاحِيَّةُ ذَلِكَ. [حَدِيثُ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَحَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا] حَمَلُوهَا " أَذَابُوهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ مَا حُرِّمَتْ عَيْنُهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الصَّحَابَةِ الْقِيَاسَ فِي الْأُمُورِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ قَاسَ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْخَمْرِ عِنْدَ تَحْرِيمِهَا عَلَى بَيْعِ الشُّحُومِ عِنْدَ تَحْرِيمِهَا وَهُوَ قِيَاسٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَقَدْ وَقَعَ تَأْكِيدُ أَمْرِهِ بِأَنْ قَالَ عُمَرُ فِيمَنْ خَالَفَهُ " قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا " وَفُلَانٌ الَّذِي كُنِّيَ عَنْهُ: هُوَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ.

стр. 618

كِتَابُ اللِّبَاسِ ٣٩٨ - الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» . ٣٩٩ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ اللِّبَاسِ] الْحَدِيثُ: يَتَنَاوَلُ مُطْلَقَ الْحَرِيرِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: عَلَى الْخَالِصِ مِنْهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ نَهْيُ تَحْرِيمٍ. وَأَمَّا الْمُمْتَزِجُ بِغَيْرِهِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ الْغَلَبَةَ فِي الْوَزْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ الظُّهُورَ فِي الرُّؤْيَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَتَّابِيِّ مِنْ هَذَا. وَمَنْ يَقُولُ بِالتَّحْرِيمِ: لَعَلَّهُ يَسْتَدِلُّ بِالْحَدِيثِ وَيَقُولُ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مُسَمَّى الْحَرِيرِ، فَمَا خَرَجَ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ حَلَّ وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ.

стр. 619

[حَدِيثُ الْبَرَاءِ مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ] الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ» . ٤٠١ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ «أَمَرْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرْنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ أَوْ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ - أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ - بِالذَّهَبِ، وَعَنْ الشُّرْبِ بِالْفِضَّةِ وَعَنْ الْمَيَاثِرِ وَعَنْ الْقَسِّيِّ، ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى لُبْسِ الْأَحْمَرِ. وَالْحُلَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: ثَوْبَانِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْفِيرِ الشَّعَرِ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْخِلْقِيَّةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : يُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي هَيْئَتِهَا وَمَا كَانَ ضَرُورِيًّا مِنْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَصْلِهِ اسْتِحْبَابٌ، بَلْ بِوَصْفِهِ.

стр. 620

وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَمَرْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ] " عِيَادَةُ الْمَرِيضِ " عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: مُسْتَحَبَّةٌ بِالْإِطْلَاقِ وَقَدْ تَجِبُ، حَيْثُ يَضْطَرُّ الْمَرِيضُ إلَى مَنْ يَتَعَاهَدُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَدْ ضَاعَ، وَأَوْجَبَهَا الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْقَيْدِ، لِظَاهِرِ الْأَمْرِ. ١ - وَ " اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: اتِّبَاعُهَا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَإِنْ عَبَّرَ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ: فَذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالِاتِّبَاعِ عَنْ الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْغَالِبِ: أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ وَيُدْفَنَ فِي مَحِلِّ مَوْتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاتِّبَاعِ: الرَّوَاحُ إلَى مَحَلِّ الدَّفْنِ لِمُوَارَاتِهِ. وَالْمُوَارَاةُ أَيْضًا: مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لَا تَسْقُطُ إلَّا بِمَنْ تَتَأَدَّى بِهِ. ١ - وَ " تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ " عِنْدَ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ: مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ، بِخِلَافِ " رَدِّ السَّلَامِ " فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْكِفَايَاتِ. وَقَوْلُهُ " إبْرَارُ الْقَسَمِ، أَوْ الْمُقْسِمِ " فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُقْسِمُ مَضْمُومَ الْمِيمِ مَكْسُورَ السِّينِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَإِبْرَارُهُ: هُوَ الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَاهُ وَعَدَمُ التَّحْنِيثِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْيَمِينِ - كَمَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ آكَدُ مِمَّا إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْلِيفِ كَقَوْلِهِ: بِاَللَّهِ افْعَلْ كَذَا. ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَالِفِ وَفِيهِ تَغْرِيمٌ لِلْمَالِ وَذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ. ١ - وَ " نَصْرُ الْمَظْلُومِ " مِنْ الْفُرُوضِ اللَّازِمَةِ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِظُلْمِهِ، وَقَدَرَ عَلَى نَصْرِهِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِ. ١ - وَأَمَّا " إجَابَةُ الدَّاعِي " فَهِيَ عَامَّةٌ وَالِاسْتِحْبَابُ شَامِلٌ لِلْعُمُومِ، مَا لَمْ يَقُمْ مَانِعٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ فِي إجَابَةِ الدَّاعِي إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ: هَلْ تَجِبُ أَمْ لَا؟ وَحَصَلَ أَيْضًا فِي نَظَرِ بَعْضِهِمْ تَوَسُّعٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُرَخَّصَةِ فِي تَرْكِ إجَابَةِ الدَّاعِي. وَجُعِلَ بَعْضُهَا مُخَصَّصًا لِهَذَا الْعُمُومِ، بِقَوْلِهِ " لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْفَضْلِ

стр. 621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ التَّسَرُّعُ إلَى إجَابَةِ الدَّعَوَاتِ "، أَوْ كَمَا قَالَ، فَجُعِلَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ التَّبَذُّلِ بِالْإِجَابَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْفَضْلِ مُخَصَّصًا لِهَذَا الْعُمُومِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَ " إفْشَاءُ السَّلَامِ " إظْهَارُهُ وَالْإِعْلَانُ بِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْمَوَدَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . ١ - وَلْيُتَنَبَّهْ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا لَفْظُ الْأَمْرِ، وَإِيجَابُ بَعْضِهَا: كُنَّا قَدْ اسْتَعْمَلْنَا اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا إذَا جَعَلْنَا حَقِيقَةَ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَحَيَّلَ فِي هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، بِأَنْ يُقَالَ: نَخْتَارُ مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّ الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهُوَ مُطْلَقُ الطَّلَبِ فَلَا يَكُونُ دَالًّا عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ - الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ، أَوْ النَّدْبُ - فَتَكُونُ اللَّفْظَةُ اُسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ. ١ - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ. وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الرِّجَالِ وَدَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي أَوَانِي الْفِضَّةِ. وَهُوَ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ وَلَا اعْتِدَادَ بِهِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَالْفُقَهَاءُ الْقِيَاسِيُّونَ لَمْ يَقْصُرُوا هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الشُّرْبِ وَعَدُّوهُ إلَى غَيْرِهِ كَالْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ، لِعُمُومِ الْمَعْنَى فِيهِ. " وَالْمَيَاثِرُ " جَمْعُ مِيثَرَةٍ - بِكَسْرِ الْمِيم - وَأَصْلُ اللَّفْظَةِ: مِنْ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوِثَارِ فَالْأَصْلُ: مِوْثَرَةٌ: قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا وَهَذَا اللَّفْظُ مُطْلَقٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، مُفَسَّرٌ فِي غَيْرِهَا. وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " مَيَاثِرُ الْأُرْجُوَانِ " وَ " الْقَسِّيُّ " بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ - ثِيَابُ حَرِيرٍ تُنْسَبُ إلَى الْقَسِّ وَقِيلَ: إنَّهَا بَلْدَةٌ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ. ١ - وَ " الْإِسْتَبْرَقُ " مَا غَلُظَ مِنْ الدِّيبَاجِ. وَذَكَرَ الدِّيبَاجَ بَعْدَهُ: إمَّا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ ذِكْرِ الْخَاصِّ، لِيُسْتَفَادَ بِذِكْرِ الْخَاصِّ فَائِدَةُ التَّنْصِيصِ، وَمِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ: زِيَادَةُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي النَّوْعِ الْآخَرِ، أَوْ يَكُونُ ذِكْرُ " الدِّيبَاجِ " مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ

стр. 622

٤٠٢ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إذَا لَبِسَهُ فَصَنَعَ النَّاسُ كَذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ» ، وَفِي لَفْظٍ " جَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى ". ـــــــــــــــــــــــــــــ بِالْعَامِّ عَنْ الْخَاصِّ وَيُرَادُ بِهِ: مَا رَقَّ مِنْ الدِّيبَاجِ لِيُقَابِلَ بِمَا غَلُظَ وَهُوَ " الْإِسْتَبْرَقُ " وَقَدْ قِيلَ: إنَّ " الْإِسْتَبْرَقَ " لُغَةٌ فَارِسِيَّةٌ انْتَقَلَتْ إلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَلِكَ الِانْتِقَالُ بِضَرْبٍ مِنْ التَّغْيِيرِ، كَمَا هُوَ الْعَادَةُ عِنْدَ التَّعْرِيبِ. [حَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ لِبَاسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَأَنَّ لُبْسَهُ كَانَ أَوَّلًا، وَتَجَنُّبَهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِ " اللُّبْسِ " عَلَى التَّخَتُّمِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّأَسِّي بِأَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَإِنَّ النَّاسَ نَبَذُوا خَوَاتِيمَهُمْ، لَمَّا رَأَوْهُ ﷺ نَبَذَ خَاتَمَهُ، وَهَذَا عِنْدِي لَا يَقْوَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي تُمْكِنُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا التَّأَسِّي عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ، لَوْلَا التَّأَسِّي لِقِيَامِ الْمَانِعِ مِنْهُ فَهَذَا يُقَوِّي الِاسْتِدْلَالَ بِهِ فِي مَحَلِّهِ. وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْنَعُ فِعْلُهُ، لَوْلَا التَّأَسِّي، كَمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ: أَنْ يَكُونَ لُبْسَهُ حَرَامًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ الْأُمَّةِ وَلَا يَمْتَنِعُ حِينَئِذٍ أَنْ يَطْرَحَهُ مَنْ أُبِيحَ لَهُ لُبْسُهُ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِمِثْلِ هَذَا عَلَى التَّأَسِّي فِيمَا الْأَصْلُ مَنْعُهُ لَوْلَا التَّأَسِّي: فَلَمْ يَفْعَلْ جَيِّدًا لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الْفَرْقِ الْوَاقِعِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّخَتُّمِ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى، وَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا فِعْلٌ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْهُ: جَوَازُ اللُّبْسِ، بِخُصُوصِ كَوْنِهِ ذَهَبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَسْخُ الْوَصْفِ، وَهُوَ التَّخَتُّمُ فِي الْيُمْنَى بِخَاتَمٍ غَيْرِ الذَّهَبِ.

стр. 623

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ لُبُوسِ الْحَرِيرِ إلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُصْبُعَيْهِ: السَّبَّابَةَ، وَالْوُسْطَى» . ٤٠٤ -، وَلِمُسْلِمٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ] هَذَا الْحَدِيثُ: يَدُلُّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ مَنْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوَسُّعَ مَنْ تَوَسَّعَ فِي هَذَا، وَاعْتَبَرَ غَلَبَةَ الْوَزْنِ، أَوْ الظُّهُورَ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الِاعْتِذَارِ عَنْهُ: إمَّا بِتَأْوِيلٍ، أَوْ بِتَقْدِيمِ مُعَارِضٍ.

стр. 624

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ - انْتَظَرَ، حَتَّى إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ: اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [كِتَابُ الْجِهَادِ] [حَدِيثُ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِتَالِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَقَدْ، وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا، أَوْ أَثَرٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَلَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ وَأَصْعَبِهَا عَلَى النُّفُوسِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَتْ الْأُمُورُ الْمُقَدَّرَةُ عِنْدَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا: خَشِيَ أَنْ لَا تَكُونَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ كَمَا يَنْبَغِي فَكُرِهَ تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ لِذَلِكَ، وَلِمَا فِيهِ - إنْ وَقَعَ - مِنْ احْتِمَالِ الْمُخَالَفَةِ لِمَا وَعَدَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ، وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُطْلَقًا لِضُرٍّ نَزَلَ، وَفِي حَدِيثٍ «لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ» ، وَفِي الْجِهَادِ زِيَادَةٌ عَلَى مُطْلَقِ الْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ ﵇ «، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمَجَازِ الْحَسَنِ فَإِنَّ ظِلَّ الشَّيْءِ لَمَّا كَانَ مُلَازِمًا لَهُ، جُعِلَ ثَوَابُ الْجَنَّةِ

стр. 625

٤٠٦ - الْحَدِيثُ الثَّانِي: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ: خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْغَدْوَةُ: خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَاسْتِحْقَاقُهَا عَنْ الْجِهَادِ، وَإِعْمَالُ السُّيُوفِ: لَازِمًا لِذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُ الظِّلُّ. وَهَذَا الدُّعَاءُ: لَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ، تُطْلَبُ بِهَا الْإِجَابَةُ: أَحَدُهَا: طَلَبُ النَّصْرِ بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ ﵇ " مُنْزِلَ الْكِتَابِ " كَأَنَّهُ قَالَ: كَمَا أَنْزَلْته، فَانْصُرْهُ، وَأَعْلِهِ. وَأَشَارَ إلَى الْقُدْرَةِ بِقَوْلِهِ " وَمُجْرِيَ السَّحَابِ "، وَأَشَارَ إلَى أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا: بِقَوْلِهِ "، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ " إلَى التَّفَرُّدِ بِالْفِعْلِ، وَتَجْرِيدِ التَّوَكُّلِ، وَاطِّرَاحِ الْأَسْبَابِ، وَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ، وَحْدَهُ هُوَ الْفَاعِلُ. وَالثَّانِي: التَّوَسُّلُ بِالنِّعْمَةِ السَّابِقَةِ إلَى النِّعْمَةِ اللَّاحِقَةِ وَقَدْ ضَمَّنَ الشُّعَرَاءُ هَذَا الْمَعْنَى أَشْعَارَهُمْ، بَعْدَمَا أَشَارَ إلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ زَكَرِيَّا ﵇ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ فِي قَوْلِهِ ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] وَقَالَ الشَّاعِرُ: كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ فِيمَا مَضَى … كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيمَا بَقِيَ وَقَالَ الْآخَرُ: لَا وَاَلَّذِي قَدْ مَنَّ … بِالْإِسْلَامِ يَثْلُجُ فِي فُؤَادِي مَا كَانَ يَخْتِمُ بِالْإِسَاءَةِ … وَهْوَ بِالْإِحْسَانِ بَادِي [حَدِيثُ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا] " الرِّبَاطُ " مُرَاقَبَةُ الْعَدُوِّ فِي الثُّغُورِ الْمُتَاخِمَةِ لِبِلَادِهِ، وَفِي قَوْلِهِ ﵇ " خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا " وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَنْزِيلِ الْمُغَيَّبِ مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ، تَحْقِيقًا لَهُ، وَتَثْبِيتًا فِي النُّفُوسِ فَإِنَّ مِلْكَ الدُّنْيَا، وَنَعِيمَهَا، وَلَذَّاتِهَا مَحْسُوسَةٌ، مُسْتَعْظَمَةٌ فِي طِبَاعِ النُّفُوسِ فَحُقِّقَ عِنْدَهَا أَنَّ ثَوَابَ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ فِي الرِّبَاطِ - وَهُوَ مِنْ الْمُغَيَّبَاتِ - خَيْرٌ مِنْ

стр. 626

٤٠٧ - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «انْتَدَبَ اللَّهُ -، وَلِمُسْلِمٍ: تَضَمُّنَ اللَّهُ - لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي فَهُوَ عَلِيّ ضَامِنٌ: أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» . ٤٠٨ -، وَلِمُسْلِمٍ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إنْ تَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الْمَحْسُوسَاتِ الَّتِي عَهِدْتُمُوهَا مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ اسْتَبْعَدَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُوَازَنَ شَيْءٌ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ بِالدُّنْيَا كُلِّهَا، فَحَمَلَ الْحَدِيثَ أَوْ مَا هُوَ مَعْنَاهُ: عَلَى أَنَّ هَذَا الَّذِي رُتِّبَ عَلَيْهِ الثَّوَابُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا كُلِّهَا لَوْ أُنْفِقَتْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا أَنْ تَحْصُلَ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ ثَوَابَيْنِ أُخْرَوِيَّيْنِ، لِاسْتِحْقَارِهِ الدُّنْيَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأُخْرَى "، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي: أَوْجَهُ وَأَظْهَرُ. " وَالْغَدْوَةُ " بِفَتْحِ الْغَيْنِ: السَّيْرُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى الزَّوَالِ وَ " الرَّوْحَةُ " مِنْ الزَّوَالِ إلَى اللَّيْلِ وَاللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا تَكُونُ فِعْلًا وَاحِدًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ مِنْ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فَفِيهِ زِيَادَةُ تَرْغِيبٍ، وَفَضْلٌ عَظِيمٌ. [حَدِيثُ: " تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ "] " الضَّمَانُ، وَالْكَفَالَةُ " هَهُنَا: عِبَارَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ هَذَا الْمَوْعُودِ مِنْ اللَّهِ فَإِنَّ الضَّمَانَ، وَالْكَفَالَةَ: مُؤَكِّدَانِ لِمَا يُضْمَنُ، وَيُتَكَفَّلُ بِهِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِهِمَا.

стр. 627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ وَقَوْلُهُ " لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانٌ بِي " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ هَذَا الثَّوَابُ إلَّا لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَخَلَصَتْ مِنْ شَوَائِبِ إرَادَةِ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَإِنَّهُ ذُكِرَ بِصِيغَةِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الْمُقْتَضِيَيْنِ لِلْحَصْرِ، وَقَوْلُهُ " فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ " قِيلَ: إنَّ فَاعِلًا هَهُنَا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَمَا قِيلَ فِي " مَاءٍ دَافِقٍ " وَ " عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ " أَيْ مَدْفُوقٍ، وَمَرْضِيَّةٍ، عَلَى احْتِمَالِ هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ " ضَامِنًا " بِمَعْنَى ذَا ضَمَانٍ، كَلَابِنٍ، وَتَامِرٍ، وَيَكُونُ الضَّمَانُ لَيْسَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إلَيْهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ وَالْعَرَبُ تُضِيفُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، وَقَوْلُهُ " أَرْجِعُهُ " مَفْتُوحُ الْهَمْزَةِ مَكْسُورُ الْجِيمِ مِنْ رَجَعَهُ، ثُلَاثِيًّا مُتَعَدِّيًا، وَلَازِمُهُ، وَمُتَعَدِّيه، وَاحِدٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] قِيلَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو، فَتَغْنَمَ، وَتَسْلَمَ، إلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتُخْفِقَ أَوْ تُصَابَ إلَّا تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» ، وَالْإِخْفَاقُ: أَنْ تَغْزُوَ فَلَا تَغْنَمَ شَيْئًا ذَكَرَ الْقَاضِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَعِنْدِي: أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَتِهِ مِنْهُ إلَى مُعَارَضَتِهِ، وَيَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يُقَالَ بِتَعَارُضِهِمَا. نَعَمْ، كِلَاهُمَا مُشْكِلٌ. أَمَّا ذَلِكَ الْحَدِيثُ: فَلِتَصْرِيحِهِ بِنُقْصَانِ الْأَجْرِ بِسَبَبِ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا هَذَا: فَلِأَنَّ " أَوْ " تَقْتَضِي أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ، لَا مَجْمُوعَهُمَا فَيَقْتَضِي: إمَّا حُصُولُ الْأَجْرِ أَوْ الْغَنِيمَةَ، وَقَدْ قَالُوا: لَا يَصِحُّ أَنْ تُنْقِصَ الْغَنِيمَةُ مِنْ أَجْرِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَانُوا أَفْضَلَ الْمُجَاهِدِينَ، وَأَفْضَلَهُمْ غَنِيمَةً وَيُؤَكِّدُ هَذَا: تَتَابُعُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أَخْذِ الْغَنِيمَةِ، وَعَدَمِ التَّوَقُّفِ عَنْهَا، وَقَدْ اخْتَلَفُوا - بِسَبَبِ هَذَا الْإِشْكَالِ - فِي الْجَوَابُ فَمِنْهُمْ مِنْ جَنَحَ إلَى الطَّعْنِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ رُوَاتِهِ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا

стр. 628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــ الَّذِي تَعَجَّلَ مِنْ أَجْرِهِ بِالْغَنِيمَةِ: فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا بَعِيدٌ لَا يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ - أَعْنِي الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ - شَرَطَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْإِخْلَاصَ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي نُقْصَانِ الْأَجْرِ: يُحْمَلُ عَلَى مَنْ قَصَدَ مَعَ الْجِهَادِ: طَلَبَ الْمَغْنَمِ فَهَذَا شِرْكٌ بِمَا يَجُوزُ لَهُ التَّشْرِيكُ فِيهِ، وَانْقَسَمَتْ نِيَّتُهُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَنَقَصَ أَجْرُهُ، وَالْأَوَّلُ: أَخْلَصُ، فَكَمُلَ أَجْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْجَهُ مِنْ هَذَا عِنْدِي فِي اسْتِعْمَالِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى وَجْهَيْهِمَا أَيْضًا: أَنْ نَقْصَ أَجْرِ الْغَانِمِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا، وَحِسَابُ ذَلِكَ بِتَمَتُّعِهِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَذَهَابِ شَظَفِ عَيْشِهِ فِي غَزْوِهِ، وَبَعْدَهُ، إذَا قُوبِلَ بِمَنْ أَخْفَقَ، وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا، وَبَقِيَ عَلَى شَظَفِ عَيْشِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى غَزْوِهِ فِي حَالِهِ، وُجِدَ أَجْرُ هَذَا أَبَدًا فِي ذَلِكَ وَافِيًا مُطَّرِدًا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَمِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «فَمِنَّا مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدُبُهَا» ، وَأَقُولُ: أَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: فَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بُعْدِهِ فَأَمَّا الْإِشْكَالُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: فَظَاهِرُهُ جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْأُجُورَ قَدْ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْمَشَقَّاتِ، لَا سِيَّمَا مَا كَانَ أَجْرُهُ بِحَسَبِ مَشَقَّتِهِ، أَوْ لِمَشَقَّتِهِ دَخْلٌ فِي الْأَجْرِ، وَإِنَّمَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ بِأَخْذِ الْغَنَائِمِ فَلَعَلَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَصَالِحِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ كَانَ الْإِسْلَامُ فِيهِ غَرِيبًا - أَعْنِي ابْتِدَاءَ زَمَنِ النُّبُوَّةِ -، وَكَانَ أَخْذُ الْغَنَائِمِ عَوْنًا عَلَى عُلُوِّ الدِّينِ، وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ عُظْمَى قَدْ يُغْتَفَرُ لَهَا بَعْضُ النَّقْصِ فِي الْأَجْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ: فَقَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ النُّقْصَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَيْرِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّقَابُلُ بَيْنَ كَمَالِ أَجْرِ الْغَازِي نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَغْنَمْ، وَأَجْرِهِ إذَا غَنِمَ. فَيَقْتَضِي هَذَا: أَنْ يَكُونَ حَالُهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الْغَنِيمَةِ: أَفْضَلَ مِنْ حَالِهِمْ عِنْدَ وُجُودِهَا، لَا مِنْ حَالِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ حَالِ غَيْرِهِمْ قَطْعًا، فَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ. لَكِنْ لَا بُدَّ - مِنْ هَذَا - مِنْ اعْتِبَارِ الْمُعَارِضِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَلَعَلَّهُ مَعَ اعْتِبَارِهِ لَا يَكُونُ نَاقِصًا، وَيُسْتَثْنَى حَالُهُمْ مِنْ الْعُمُومِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ

стр. 629

٤٠٩ - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَلْمُهُ يَدْمَى: اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الثَّانِي، أَوْ حَالُ مَنْ يُقَارِبُهُمْ فِي الْمَعْنَى. وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ: فَإِشْكَالُهُ مِنْ كَلِمَةِ " أَوْ " أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَدْ يُشْعَرُ بِأَنَّ الْحَاصِلَ: إمَّا أَجْرٌ، وَإِمَّا غَنِيمَةٌ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا حَصَّلْنَا الْغَنِيمَةَ: يُكْتَفَى بِهَا لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ: بِأَجْرٍ، وَغَنِيمَةٍ وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ - فَفِيهِ إشْكَالٌ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا كَانَ الْمَعْنَى يَقْتَضِي اجْتِمَاعَ الْأَمْرَيْنِ: كَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي الضَّمَانِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ أَمْرَيْنِ لِهَذَا الْمُجَاهِدِ إذَا رَجَعَ مَعَ رُجُوعِهِ، وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ، بِأَنْ يَتْلَفَ مَا حَصَّلَ فِي الرُّجُوعِ مِنْ الْغَنِيمَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُتَجَوَّزَ فِي لَفْظَةِ " الرُّجُوعِ إلَى الْأَهْلِ " أَوْ يُقَالَ: الْمَعِيَّةُ فِي مُطْلَقِ الْحُصُولِ، لَا فِي الْحُصُولِ فِي الرُّجُوعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ: أَوْ أَرْجِعَهُ إلَى أَهْلِهِ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، وَحْدَهُ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَأَجْرٍ فَحَذَفَ " الْأَجْرَ " مِنْ الثَّانِي، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ إنَّمَا تَشْكُلُ إذَا كَانَتْ بَيْنَ مُطْلَقِ الْأَجْرِ، وَبَيْنَ الْغَنِيمَةِ مَعَ الْأَجْرِ وَأَمَّا مَعَ الْأَجْرِ الْمُفِيدِ بِانْفِرَادِهِ عَنْ الْغَنِيمَةِ فَلَا. [حَدِيثُ مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى] " الْكَلْمُ " الْجُرْحُ، وَمَجِيئُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ سَيَلَانِ الْجُرْحِ فِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الشَّهَادَةُ عَلَى ظَالِمِهِ بِالْقَتْلِ. الثَّانِي: إظْهَارُ شَرَفِهِ لِأَهْلِ الْمَشْهَدِ وَالْمَوْقِفِ بِمَا فِيهِ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ الشَّاهِدَةِ بِالطِّيبِ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَشْيَاءَ مُتَكَلَّفَةً، غَيْرَ صَابِرَةٍ عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْهَا: أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْمَاءِ: تَغَيُّرُ لَوْنِهِ، دُونَ تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى هَذَا الْخَارِجَ مِنْ جُرْحِ الشَّهِيدِ " دَمًا "، وَإِنْ كَانَ رِيحُهُ رِيحَ الْمِسْكِ، وَلَمْ يَكُنْ

стр. 630

٤١٠ - الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ: خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٤١١ - الْحَدِيثُ السَّادِسُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ: خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. ٤١٢ - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إلَى حُنَيْنٍ -، وَذَكَرَ قِصَّةً - فَقَالَ رَسُولُ ـــــــــــــــــــــــــــــ مِسْكًا فَغَلَّبَ الِاسْمَ لِلَوْنِهِ عَلَى رَائِحَتِهِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ، مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ. وَمِنْهَا: مَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي الْمَاءِ وَالسَّمْنِ قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ حُجَّتَهُ فِيهِ الرُّخْصَةُ فِي الرَّائِحَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ التَّغْلِيظُ بِعَكْسِ الِاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الدَّمَ لَمَّا انْتَقَلَ بِطِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَمَنْ حُكْمِ الْقَذَارَةِ إلَى التَّطْيِيبِ بِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ، وَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ، وَالطِّيبِ لِلشَّهِيدِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ يَنْتَقِلُ إلَى الْعَكْسِ بِخُبْثِ الرَّائِحَةِ وَتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ. وَمِنْهَا: مَا قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُضَافِ، الْمُتَغَيِّرَةِ أَوْصَافُهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا انْطَلَقَ عَلَى هَذَا اسْمُ الدَّمِ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ إلَى الطِّيبِ، قَالَ: وَحُجَّتُهُ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ. وَأَقُولُ: الْكُلُّ ضَعِيفٌ. [حَدِيث غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ] قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ مَضَى.

стр. 631

اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ - قَالَهَا ثَلَاثًا» . ٤١٣ - الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي سَفَرِهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اُطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ فَقَالَ: لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ] الشَّافِعِيُّ: يَرَى اسْتِحْقَاقَ الْقَاتِلِ لِلسَّلَبِ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِأَوْصَافٍ مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُ: يَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْعِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِصَرْفِ الْإِمَامِ إلَيْهِ نَظَرًا، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِقَاعِدَةٍ، وَهُوَ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الرَّسُولِ ﷺ فِي أَمْثَالِ هَذَا: إذَا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ التَّشْرِيعِ، وَالْحُكْمِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهِ وُلَاةُ الْأُمُورِ: هَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّشْرِيعِ أَوْ عَلَى الثَّانِي؟ ، وَالْأَغْلَبُ: حَمْلُهُ عَلَى التَّشْرِيعِ، إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «مِنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ - أَعْنِي التَّشْرِيعَ الْعَامَّ، وَإِعْطَاءَ الْقَاتِلِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ السَّلَبَ تَنْفِيلًا - فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي: فَظَاهِرٌ، وَإِنْ ظَهَرَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَغْلَبِ - وَهُوَ التَّشْرِيعُ الْعَامُّ - فَقَدْ جَاءَتْ أُمُورٌ فِي أَحَادِيثَ تُرَجِّحُ الْخُرُوجَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ بَعْدَمَا أَمَرَ أَنْ يُعْطَى السَّلَبُ قَاتِلًا، فَقَابَلَ هَذَا الْقَاتِلُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِكَلَامٍ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ " لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ " فَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِأَصْلِ التَّشْرِيعِ: لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ بِسَبَبِ كَلَامِهِ لِخَالِدٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَلَمَّا كَلَّمَ خَالِدًا بِمَا يُؤْذِيهِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِمَنْعِهِ، نَظَرًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ.

стр. 632

٤١٤ - الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ فَخَرَجَ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا» . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَتَى النَّبِيَّ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرِهِ] فِيهِ تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَةِ الْجَاسُوسِ الْحَرْبِيِّ، وَجَوَازِ قَتْلِهِ، وَمَنْ يُشْبِهُهُ مِمَّنْ لَا أَمَانَ لَهُ، وَأَمَّا كَلَامُهُمَا هَهُنَا عَلَى الْجَاسُوسِ الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْلِمِ: فَلَا تَعَلُّقَ لِلْحَدِيثِ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَةِ السَّلَبِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ غَيْرَ وَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ بَلْ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ، لِقَوْلِهِ " فَنَفَّلَنِيهِ "، وَفِي هَذَا ضَعْفٌ مَا، وَفِيهِ دَلِيلٍ - إذَا قُلْنَا بِأَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ - أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَهُ، نَعَمْ، إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا يُسَمَّى سَلَبًا، وَالْفُقَهَاءُ ذَكَرُوا صُوَرًا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ، وَتَرَدَّدُوا فِي بَعْضِهَا. فَإِنْ كَانَ اسْمُ " السَّلَبِ " مُنْطَلِقًا عَلَى كُلِّ مَا مَعَهُ، فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الصُّوَرِ. [حَدِيثُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ فَخَرَجَ فِيهَا فَأَصَبْنَا إبِلًا وَغَنَمًا] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَعْثِ السَّرَايَا فِي الْجِهَادِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِنْهَا عَنْ جَيْشِ الْإِمَامِ يَنْفَرِدُ بِمَا يَغْنَمُهُ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّهْمَانَ كَانَتْ لَهُمْ، وَلَا يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَهُمْ شَارَكَهُمْ فِيهَا وَإِنَّمَا قَالُوا بِمُشَارَكَةِ الْجَيْشِ لَهُمْ إذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُ، يَلْحَقُهُمْ عَوْنُهُ، وَغَوْثُهُ إنْ احْتَاجُوا، وَقَوْلُهُ "، وَنَفَّلَنَا " النَّفَلُ فِي الْأَصْلِ: هُوَ الْعَطِيَّةُ غَيْرُ اللَّازِمَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: أَنَّ " الْأَنْفَالَ " الْغَنَائِمُ، وَأَطْلَقَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَا يَجْعَلُهُ الْإِمَامُ لِبَعْضِ الْغُزَاةِ، لِأَجْلِ التَّرْغِيبِ، وَتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ عِوَضٍ عَنْهَا، وَاخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُهُمْ فِي مَحَلِّهِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ الْخُمُسِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمُسِ، وَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ كَانَ مِنْ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ

стр. 633

٤١٥ - الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ: يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» . ٤١٦ - الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ» . ـــــــــــــــــــــــــــــ الِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى سُهْمَانِهِمْ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَرَّرَ لَهُمْ اسْتِحْقَاقُهُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ الْمُوَزَّعَةُ عَلَيْهِمْ فَيَبْقَى النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ احْتِمَالًا قَرِيبًا، وَإِنْ اسْتَبْعَدَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّفَلُ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ بِالْوَاضِحِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ تَبَيَّنَ كَوْنُ هَذَا النَّفَلِ مِنْ الْخُمُسِ مِنْ مَوَاضِعَ أُخَرَ. [حَدِيثُ إذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ] فِيهِ تَعْظِيمُ الْغَدْرَةِ، وَذَلِكَ فِي الْحُرُوبِ كُلُّ اغْتِيَالٍ مَمْنُوعٍ شَرْعًا: إمَّا لِتَقَدُّمِ أَمَانٍ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ، أَوْ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ الدَّعْوَةِ حَيْثُ تَجِبُ، أَوْ يُقَالُ بِوُجُوبِهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهَذَا الْغَدْرِ: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَمْرِ الْحُرُوبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ وَضْعَهُ فِي مَعْنَى الْحَرْبِ، وَقَدْ عُوقِبَ الْغَادِرُ بِالْفَضِيحَةِ الْعُظْمَى، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مُقَابَلَةِ الذَّنْبِ بِمَا يُنَاسَبُ ضِدَّهُ فِي الْعُقُوبَةِ، فَإِنَّ الْغَادِرَ أَخْفَى جِهَةَ غَدْرِهِ وَمَكْرِهِ، فَعُوقِبَ بِنَقِيضِهِ، وَهُوَ شُهْرَتُهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَفِي اللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ هَهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ النَّاسِ. وَالتَّعْرِيفُ بِهِمْ فِي الْقِيَامَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى آبَائِهِمْ، خِلَافُ مَا حُكِيَ: أَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ فِي الْقِيَامَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّهَاتِهِمْ.

стр. 634

٤١٧ - الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، شَكَوَا الْقَمْلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْته عَلَيْهِمَا» . ٤١٨ - الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ: مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ مَقْتُولَةً] هَذَا حُكْمٌ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيمَنْ لَا يُقَاتِلُ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ لِغَلَبَةِ عَدَمِ الْقِتَالِ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَعَلَّ سِرَّ هَذَا الْحُكْمِ: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إتْلَافِ النُّفُوسِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِيه دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، وَمَنْ لَا يُقَاتِلُ وَلَا يَتَأَهَّلُ لِلْقِتَالِ فِي الْعَادَةِ: لَيْسَ فِي إحْدَاثِ الضَّرَرِ كَالْمُقَاتِلِينَ فَرُجِعَ إلَى الْأَصْلِ فِيهِمْ، وَهُوَ الْمَنْعُ. هَذَا مَعَ مَا فِي نُفُوسِ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ مِنْ الْمَيْلِ، وَعَدَمِ التَّشَبُّثِ الشَّدِيدِ بِمَا يَكُونُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا، فَرُفِعَ عَنْهُمْ الْقَتْلُ، لِعَدَمِ مَفْسَدَةِ الْمُقَاتَلَةِ فِي الْحَالِ الْحَاضِرِ، وَرَجَاءَ هِدَايَتِهِمْ عِنْدَ بَقَائِهِمْ. [حَدِيثُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَوْا الْقَمْلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ] أَجَازُوا لِلْمُحَارِبِ لُبْسَ الدِّيبَاجِ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، لِأَجْلِ هَذِهِ الْمُصْلِحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ تَعَيَّنَ لِذَلِكَ فِي دَفْعِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ سَمَّاهُ الرَّاوِي " رُخْصَةً " لِأَجْلِ الْإِبَاحَةِ، مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الْحَظْرِ.

стр. 635

الْكُرَاعِ، وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . ـــــــــــــــــــــــــــــ [حَدِيثُ كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ] قَوْلُهُ " كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادُ بِذَلِكَ: أَنَّهَا كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً لَا حَقَّ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ إخْرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا لِغَيْرِ أَهْلِهِ وَنَفْسِهِ تَبَرُّعًا مِنْهُ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ ﷺ وَيَكُونُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا لِغَيْرِهِ: مِنْ تَعْيِينِ الْمَصْرِفِ، وَإِخْرَاجِ الْمُسْتَحَقِّ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْخُذُهُ ﷺ لِأَهْلِهِ مِنْ بَابِ أَخْذِ النَّصِيبِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَصْرِفِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ، وَرَدَتْ مَعَ الِاشْتِرَاكِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ. فَأَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنَهُ إفَاءَةً عَلَى رَسُولِهِ، مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَصْرِفِ. ، وَفِي الْحَدِيثِ: جَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْأَهْلِ قُوتَ سَنَةٍ، وَفِي لَفْظِهِ: مَا يُوَجِّهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ» فَيُحْمَلُ هَذَا الِادِّخَارُ لِنَفْسِهِ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الِادِّخَارِ لِأَهْلِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَحْصُلُ شَكٌّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُشَارِكًا لِأَهْلِهِ فِيمَا يَدَّخِرُهُ مِنْ الْقُوتِ، وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالِادِّخَارِ الَّذِي اقْتَضَاهُ حَالُهُمْ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُونُوا لَمْ يَدَّخِرْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عَلَى غَيْرِهَا، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى لِسَانِ الطَّرِيقَةِ قَدْ جَعَلُوا - أَوْ بَعْضُهُمْ - مَا زَادَ عَلَى
следующие страницы →