← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1666

الأشباه والنظائر - ابن نجيم

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (361 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا﴾ "، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ الْأَنْجَاسِ مَا يُوَضِّحُهَا فَنَسُوقُ عِبَارَتَهُ بِتَمَامِهَا. قَوْلُهُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُتَمَكَّنْ مِنْ الْإِزَالَةِ لِخَفَاءِ خُصُوصِ الْمَحَلِّ الْمُصَابِ مَعَ الْعِلْمِ بِتَنْجِيسِ الثَّوْبِ قِيلَ: الْوَاجِبُ غَسْلُ طَرَفٍ مِنْهُ فَإِنْ غَسَلَهُ بِتَحَرٍّ، أَوْ بِلَا تَحَرٍّ طَهُرَ وَذِكْرُ الْوَجْهِ يُبَيِّنُ أَنْ لَا أَثَرَ لِلتَّحَرِّي، وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي قِيَامِ النَّجَاسَةِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَغْسُولِ مَحَلَّهَا فَلَا يَقْضِي بِالنَّجَاسَةِ بِالشَّكِّ كَذَا، أَوْرَدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ قَالَ: وَسَمِعْت الْإِمَامَ تَاجَ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُهُ وَيَقِيسُهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هِيَ: إذَا فَتَحْنَا حِصْنًا وَفِيهِمْ ذِمِّيٌّ لَا يُعْرَفُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِيَقِينٍ فَلَوْ قُتِلَ الْبَعْضُ، أَوْ أُخْرِجَ حَلَّ قَتْلُ الْبَاقِي لِلشَّكِّ فِي قِيَامِ الْمُحَرَّمِ، كَذَا هُنَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ مُجَرَّدًا عَنْ التَّعْلِيلِ، فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ صَلَاةً، ثُمَّ ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ فِي طَرَفٍ آخَرَ تَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّى (انْتَهَى) وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: ثَوْبٌ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا يَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ، وَذَلِكَ التَّعْلِيلُ مُشْكِلٌ عِنْدِي، فَإِنَّ غَسْلَ طَرَفٍ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي طُهْرِ الثَّوْبِ بَعْدَ الْيَقِينِ بِنَجَاسَةٍ قَبْلُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شَكٌّ فِي الْإِزَالَةِ بَعْدَ تَيَقُّنِ قِيَامِ النَّجَاسَةِ، وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ الْمُتَيَقَّنَ قَبْلَهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ ثُبُوتَ الشَّكِّ فِي كَوْنِ الطَّرَفِ الْمَغْسُولِ وَالرَّجُلِ الْمُخْرَجِ هُوَ مَكَانَ النَّجَاسَةِ، وَالْمَعْصُومَ الدَّمِ يُوجِبُ أَلْبَتَّةَ الشَّكَّ فِي طُهْرِ الْبَاقِي وَإِبَاحَةِ دَمِ الْبَاقِينَ وَمَنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ مَشْكُوكًا فِيهِ ارْتِفَاعُ الْيَقِينِ عَنْ تَنَجُّسِهِ وَمَعْصُومِيَّتُهُ. وَإِذَا صَارَ مَشْكُوكًا فِي نَجَاسَتِهِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ إلَّا أَنَّ هَذَا إنْ صَحَّ لَمْ يَبْقَ لِكَلِمَتِهِمْ الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا أَعْنِي قَوْلَهُمْ: الْيَقِينُ لَا يَرْتَفِعُ

стр. 37

بِالشَّكِّ مَعْنًى فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَثْبُتَ شَكٌّ فِي مَحَلِّ ثُبُوتِ الْيَقِينِ لِيُتَصَوَّرَ ثُبُوتُ شَكٍّ فِيهِ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ ذَلِكَ الْيَقِينُ. فَمِنْ هَذَا حَقَّقَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُ الْيَقِينِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَخْلُصُ الْإِشْكَالُ فِي الْحُكْمِ لَا الدَّلِيلِ فَنَقُولُ: وَإِنْ ثَبَتَ الشَّكُّ فِي طَهَارَةِ الْبَاقِي وَنَجَاسَتِهِ لَكِنْ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ الْيَقِينِ السَّابِقِ بِنَجَاسَتِهِ، وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، فَلَا تَصِحُّ بَعْدَ غَسْلِ الطَّرَفِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ الطَّارِئَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَقِينِ السَّابِقِ، عَلَى مَا حُقِّقَ مِنْ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْيَقِينُ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ فَغَسْلُ الْبَاقِي، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْبَاقِي مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: الْقِسْمَةُ فِي الْمِثْلِيِّ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ الْبُرِّ قُسِمَ، طَهُرَ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي كُلِّ جُزْءٍ هَلْ هُوَ الْمُتَنَجِّسُ، أَوْ لَا؟ قُلْت: يَنْدَرِجُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوَاعِدُ: مِنْهَا قَوْلُهُمْ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَتَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مَسَائِلُ مِنْهَا: مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، وَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ مُحْدِثٌ، كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بَيْتَ الْخَلَاءِ وَجَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَشَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ، أَوْ لَا كَانَ مُحْدِثًا، وَإِنْ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ وَمَعَهُ مَاءٌ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَمْ لَا كَانَ مُتَوَضِّئًا عَمَلًا بِالْغَالِبِ فِيهِمَا وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ اسْتَيْقَنَ بِالتَّيَمُّمِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي التَّيَمُّمِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ عُضْوًا لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِعَيْنِهِ غَسْلَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَمَل رَأَى الْبَلَّةَ بَعْدَ الْوُضُوءِ سَائِلًا مِنْ ذَكَرِهِ يُعِيدُ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُهُ كَثِيرًا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَوْلٌ، أَوْ مَاءٌ لَا يَلْتَفِت إلَيْهِ وَيَنْضَحُ فَرْجَهُ وَإِزَارَهُ بِالْمَاءِ قَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، وَإِذَا بَعُدَ عَهْدُهُ عَنْ الْوُضُوءِ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَوْلٌ لَا تَنْفَعُهُ الْحِيلَةُ (انْتَهَى) وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ مَثَلًا فَبَرْهَنَ عَمْرٌو عَلَى الْأَدَاءِ، وَالْإِبْرَاءِ فَبَرْهَنَ زَيْدٌ عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا لَمْ تُقْبَلْ، حَتَّى يُبَرْهِنَ أَنَّهَا حَادِثَةٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ، أَوْ الْإِبْرَاءِ شَكَّ فِي وُجُودِ النَّجَسَ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ؛ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: حَوْضٌ تَمْلَأُ مِنْهُ الصِّغَارُ، وَالْعَبِيدُ بِالْأَيْدِي الدَّنِسَةِ، وَالْجِرَارِ الْوَسِخَةِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ نَجَاسَةٌ؛ وَلِذَا أَفْتَوْا بِطَهَارَةِ طِينِ الطُّرُقَاتِ، وَفِي الْمُلْتَقَطِ فَأْرَةٌ فِي الْكُوزِ لَا يَدْرِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْجَرَّةِ لَا يَقْضِي بِفَسَادِ الْجَرَّةِ بِالشَّكِّ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ رَأَى فِي ثَوْبِهِ قَذَرًا وَقَدْ صَلَّى فِيهِ وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَهُ يُعِيدُهَا مِنْ آخِرِ حَدَثٍ أَحْدَثَهُ وَفِي الْمَنِيِّ آخِرِ رَقْدَةٍ (انْتَهَى) . يَعْنِي احْتِيَاطًا وَعَمَلًا بِالظَّاهِرِ. أَكَلَ آخِرَ اللَّيْلِ وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلُ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَكَذَا فِي الْوُقُوفِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَعَ الشَّكِّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ أَمْسَى بِالْأَكْلِ مَعَ الشَّكِّ إذَا كَانَ بِبَصَرِهِ عِلَّةٌ، أَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً، أَوْ مُتَغَيِّمَةً، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يَسْتَبِينُ فِيهِ الْفَجْرُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طُلُوعُهُ لَا يَأْكُلُ، فَإِنْ أَكَلَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ شَيْءٌ لَا قَضَاءَ

стр. 38

عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَهُ قَضَى وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ لَمْ يَأْكُلْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ فَإِنْ أَكَلَ وَلَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ شَيْءٌ قَضَى وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ وَتَمَامُهُ فِي الشَّرْحِ مِنْ الصَّوْمِ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَدَمَ وُصُولِ النَّفَقَةِ، وَالْكُسْوَةِ الْمُقَرَّرَتَيْنِ فِي مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ فَالْقَوْلُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ كَالْمَدْيُونِ إذَا ادَّعَى دَفْعَ الدَّيْنِ وَأَنْكَرَ الدَّائِنُوَلَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكَرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي السُّكُوتِ وَالرَّدِّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرِّضَاء. ِ وَلَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعِدَّةِ فِي الرَّجْعَةِ فِيهَا فَالْقَوْلُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَالْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ فَيَمْلِكُ الْإِخْبَارَ. وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الطَّوْعِ فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِنْ بَرْهَنَا فَبَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْإِكْرَاهَ، أَوْلَى، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ اللَّحْمَ لَحْمُ مَيِّتَةٍ، أَوْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ، لَمْ أَرَهُ الْآنَ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: الْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْبُطْلَانِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا. أَصْلُ الْبَيْعِ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّاةَ فِي حَالِ حَيَاتِهَا مُحَرَّمَةٌ فَالْمُشْتَرِي مُتَمَسِّكٌ بِأَصْلِ التَّحْرِيمِ إلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ زَوَالُهُ ادَّعَتْ الْمُطَلَّقَةُ امْتِدَادَ الطُّهْرِ وَعَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ صُدِّقَتْ وَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا إلَّا إذَا ادَّعَتْ الْحَبَلَ فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إلَى سَنَتَيْنِ فَإِنْ مَضَتَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا حَبَلَ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَلِذَا لَمْ يُقْبَلْ فِي شُغْلِهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ.؛ وَلِذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي لِدَعْوَةِ مَا خَالَفَ الْأَصْلَ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفِ، وَالْمَغْصُوبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ عَمَّا زَادَ وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، أَوْ حَقٍّ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا فَقِيلَ: أَقَلُّهُ اثْنَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ وَعَلَيْهِ مَبْنَى الْإِقْرَارِ. قَاعِدَةٌ مَنْ شَكَّ هَلْ فَعَلَ شَيْئًا أَمْ لَا؟ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ وَتَدْخُلُ فِيهَا قَاعِدَةٌ أُخْرَى: مَنْ تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ حَمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ إلَّا أَنْ

стр. 39

تَشْتَغِلَ الذِّمَّةُ بِالْأَصْلِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْيَقِينِ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى قَاعِدَةٍ ثَالِثَةٍ هِيَ: مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ"وَالْمُرَادُ بِهِ غَالِبُ الظَّنِّ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: وَلَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الصَّلَاةِ شَيْءٌ، وَاجِبٌ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ عُمْرِهِ مُنْذُ أَدْرَكَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّهِ فَسَادَهَا بِسَلْبِ الطَّهَارَةِ، أَوْ تَرْكِ شَرْطٍ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُكْرَهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ (انْتَهَى) . شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا، أَعَادَ فِي الْوَقْتِ شَكَّ فِي رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، وَهُوَ فِيهَا أَعَادَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَلَا، وَإِنْ شَكَّ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى، فَإِنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ كَثُرَ تَحَرَّى، وَإِلَّا أَخَذَ بِالْأَقَلِّ وَهَذَا إذَا شَكَّ فِيهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ الْفَرَاغ أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا وَشَكَّ فِي تَعْيِينِهِ قَالُوا: يَسْجُدُ سَجْدَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً، ثُمَّ يَسْجُدُ بِسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بَعْدَ السَّلَامِ: إنَّك صَلَّيْت الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَشَكَّ فِي صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي صِدْقِهِ شَكٌّ فِي الصَّلَاةِ. وَلَوْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَالْقَوْمِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى يَقِينٍ لَا يُعِيدُ وَإِلَّا أَعَادَ بِقَوْلِهِمْ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَلَوْ صَلَّى رَكْعَةً بِنِيَّةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ شَكَّ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ فِي الْعَصْرِ، ثُمَّ شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ أَنَّهُ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ شَكَّ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّهُ فِي الظُّهْرِ قَالُوا: يَكُونُ فِي الظُّهْرِ وَالشَّكُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ تَذَكَّرَ مُصَلِّي الْعَصْرِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً وَلَمْ يَدْرِ هَلْ تَرَكَهَا مِنْ الظُّهْرِ، أَوْ الْعَصْرِ الَّذِي هُوَ فِيهَا تَحَرَّى، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ يُتِمُّ الْعَصْرَ وَيَسْجُدُ سَجْدَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُعِيدُ الظُّهْرَ احْتِيَاطًا، ثُمَّ يُعِيدُ الْعَصْرَ فَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.، وَفِي الْمُجْتَبَى إذَا شَكَّ أَنَّهُ كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ أَوْ لَا؟ أَوْ هَلْ أَحْدَثَ، أَوْ لَا، أَوْ هَلْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا، أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ، أَوْ لَا اسْتَقْبَلَ إنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَّا فَلَا (انْتَهَى) . وَلَوْ شَكَّ أَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ، أَوْ الْقُنُوتِ لَمْ يَصِرْ شَارِعًا وَتَمَامُهُ فِي الشَّرْحِ مِنْ آخِرِ سُجُودِ السَّهْوِ. وَلَوْ شَكَّ فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ، ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يَتَحَرَّى كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا: يُؤَدِّي ثَانِيًا؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الرُّكْنِ وَالزِّيَادَةَ عَلَيْهِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَزِيَادَةُ الرَّكْعَةِ تُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَكَانَ التَّحَرِّي فِي بَابِ الصَّلَاةِ أَحْوَطَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْحَجِّ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: شَكَّ فِي الْقِيَامِ فِي الْفَجْرِ أَنَّهَا الْأُولَى، أَوْ الثَّانِيَةُ رَفَضَهُ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ، ثُمَّ أَتَمَّ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ شَكَّ فِي سَجْدَتِهِ أَنَّهَا عَنْ الْأَوَّلِ أَمْ عَنْ الثَّانِيَةِ يَمْضِي فِيهَا، وَإِنْ شَكَّ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ إتْمَامَهَا لَازِمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِذَا رَفَعَ

стр. 40

رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ قَعَدَ، ثُمَّ قَامَ وَصَلَّى رَكْعَةً وَأَتَمَّ بِسَجْدَةِ السَّهْوِ. وَإِنْ شَكَّ فِي سَجْدَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَ إنْ كَانَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى يُمْكِنُ إصْلَاحُهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الْمَاهِيَةِ بِالرَّفْعِ عِنْدَهُ فَتَرْتَفِعُ السَّجْدَةُ بِالرَّفْضِ ارْتِفَاعُهَا بِالْحَدَثِ فَيَقُومُ وَيَقْعُدُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إلَى أَنْ قَالَ نَوْعٌ مِنْهُ، تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا قَوِيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا فِعْلِيًّا يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الرُّكُوعِ فَيَسْجُدُ ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْنِ. صَلَّى صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَيَّةِ صَلَاةٍ أَعَادَ الْفَجْرَ، وَالْوِتْرَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ التَّرْكَ فِي الْأَرْبَعِ فَذَوَاتُ الْأَرْبَعِ كُلُّهَا، (انْتَهَى) وَمِنْهَا: شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا لَمْ يَقَعْ. شَكَّ أَنَّهُ؛ طَلَّقَ وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ، بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ إلَّا أَنْ يَسْتَيْقِنَ بِالْأَكْثَرِ، أَوْ يَكُونَ أَكْبَرُ ظَنِّهِ عَلَى خِلَافِهِ وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: عَزَمْت عَلَى أَنَّهُ ثَلَاثٌ يَتْرُكُهَا، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عُدُولٌ حَضَرُوا ذَلِكَ الْمَجْلِسَ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ وَصَدَّقَهُمْ أَخَذَ بِقَوْلِهِمْ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَعَنْ الْإِمَامِ الثَّانِي حَلَفَ بِطَلَاقِهَا وَلَا يَدْرِي أَثَلَاثٌ أَمْ أَقَلُّ يَتَحَرَّى وَإِنْ اسْتَوَيَا عَمِلَ بِأَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَمِنْهَا شَكَّ فِي الْخَارِجِ أَمَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ وَكَانَ فِي النَّوْمِ فَإِنْ تَذَكَّرَ احْتِلَامًا وَجَبَ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عَمَلًا بِالْأَقَلِّ، وَهُوَ الْمَذْيُ وَوَجَبَ عِنْدَهُمَا احْتِيَاطًا؛ كَقَوْلِهِمَا بِالنَّقْضِ بِالْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ وَكَقَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ إذَا وُجِدَتْ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ هُنَا فُرُوعٌ لَمْ أَرَهَا الْآنَ: الْأَوَّلُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ يَنْبَغِي لُزُومُ إخْرَاجِ الْقَدْرِ الْمُتَيَقَّنِ.، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْقَضَاءِ إذَا شَكَّ فِيمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ وَلَا يَحْلِفُ احْتِرَازًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَإِنْ أَبَى خَصْمُهُ إلَّا حَلِفَهُ إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ لَا يَحْلِفُ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ سَاغَ لَهُ الْحَلِفُ (انْتَهَى) الثَّانِي: لَهُ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ سَائِمَةٌ وَشَكَّ فِي أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ كُلِّهَا، أَوْ بَعْضِهَا يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ زَكَاةُ الْكُلِّ الثَّالِثُ شَكَّ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الصِّيَامِ الرَّابِعُ شَكَّتْ فِيمَا عَلَيْهَا مِنْ الْعِدَّةِ هَلْ هِيَ عِدَّةُ طَلَاقٍ، أَوْ وَفَاةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ الْأَكْثَرُ عَلَيْهَا وَعَلَى الصَّائِمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ تَرَكَ صَلَاةً وَشَكَّ أَنَّهَا أَيَّةُ صَلَاةٍ تَلْزَمُهُ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ.

стр. 41

الْخَامِسُ شَكَّ فِي الْمَنْذُورِ هَلْ هُوَ صَلَاةٌ أَمْ صِيَامٌ، أَوْ عِتْقٌ، أَوْ صَدَقَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْمَنْذُورِ كَعَدَمِ تَسْمِيَتِهِ السَّادِسُ: شَكَّ هَلْ حَلَفَ بِاَللَّهِ، أَوْ بِالطَّلَاقِ، أَوْ بِالْعَتَاقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَلِفُهُ بَاطِلًا ، ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي شَكِّ الْأَيْمَانِ: حَلَفَ وَنَسِيَ أَنَّهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِالطَّلَاقِ، أَوْ بِالْعَتَاقِ فَحَلِفُهُ بَاطِلٌ (انْتَهَى) وَفِي الْيَتِيمَةِ إذَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ حَلَفَ مُعَلِّقًا بِالشَّرْطِ وَيَعْرِفُ الشَّرْطَ، وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ وَنَحْوُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَدْرِي إنْ كَانَ بِاَللَّهِ أَمْ كَانَ بِالطَّلَاقِ فَلَوْ وَجَدَ الشَّرْطَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ الْحَالِفُ مُسْلِمًا، قِيلَ لَهُ: كَمْ يَمِينًا عَلَيْك؟ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ عَلَيَّ أَيْمَانًا كَثِيرَةً غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْرِفُ عَدَدَهَا، مَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالَ: يَحْمِلُ عَلَى الْأَقَلِّ حُكْمًا، وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ فَلَا نِهَايَةَ لَهُ (انْتَهَى) . قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ الْعَدَمُ فِيهَا فُرُوعٌ مِنْهَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ. لَكِنْ قَالُوا فِي الْعِنِّينِ لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ وَأَنْكَرَتْ وَقُلْنَ: بِكْرٌ خُيِّرَتْ وَإِنْ قُلْنَ: ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ لَهُ لِكَوْنِهِ مُنْكِرًا اسْتِحْقَاقَ الْفُرْقَةِ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُنَّةِ ، وَفِي الْقُنْيَةِ افْتَرَقَا وَقَالَتْ: افْتَرَقْنَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَالَ الزَّوْجُ قَبْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ سُقُوطَ نِصْفِ الْمَهْرِ (انْتَهَى) . وَمِنْهَا الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ أَنَّهُ لَمْ يَرْبَحْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَمْ أَرْبَحْ إلَّا كَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ، وَفِي الْمَجْمَعِ مِنْ الْإِقْرَارِ: وَجَعَلْنَا الْقَوْلَ لِلْمُضَارِبِ إذَا أَتَى بِأَلْفَيْنِ وَقَالَ: هُمَا أَصْلٌ وَرِبْحٌ لَا لِرَبِّ الْمَالِ (انْتَهَى) لِأَنَّ الْأَصْلَ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الرِّبْحِ لَكِنْ عَارَضَهُ أَصْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي مِقْدَارِ مَا قَبَضَهُ. ، وَلَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ فَرْضِهَا فَادَّعَى الْوُصُولَ إلَيْهَا وَأَنْكَرَتْ، فَالْقَوْلُ لَهَا كَالدَّائِنِ إذَا أَنْكَرَ وُصُولَ الدَّيْنِ، وَلَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَةَ أَوْلَادِهَا الصِّغَارِ بَعْدَ فَرْضِهَا وَادَّعَى الْأَبُ الْإِنْفَاقَ، فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالثَّانِيَةُ خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَكَذَا فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا فِي أَنَّهُ مَا نَهَاهُ عَنْ شِرَاءِ كَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ. وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا قَرْضٌ وَالْآخِذُ أَنَّهَا مُضَارَبَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْآخِذِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ لَهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الضَّمَانِ. أَقُولُ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَالَ: أَعْطَيْتُك الْمَالَ قَرْضًا وَقَالَ: بَلْ مُضَارَبَةً أَمَّا إذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَخَذْت الْمَالَ قَرْضًا فَقَالَ: بَلْ أَخَذْته مُضَارَبَةً لَا، وَكَذَا بَعْدَ هَلَاكِهِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ لِلْمَالِكِ أَنَّهُ قَرْضٌ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْكَنْزِ: وَإِنْ قَالَ: أَخَذْت

стр. 42

مِنْك أَلْفًا وَدِيعَةً وَهَلَكَتْ، وَقَالَ: أَخَذْتهَا غَصْبًا فَهُوَ ضَامِنٌ. وَلَوْ قَالَ: أَعْطَيْتنِيهَا وَدِيعَةً، وَقَالَ: غَصَبْتهَا لَا (انْتَهَى) وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ دَفَعَ لِآخَرَ عَيْنًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ فَقَالَ الدَّافِعُ: قَرْضٌ وَقَالَ الْآخَرُ: هَدِيَّةٌ، فَالْقَوْلُ لِلدَّافِعِ (انْتَهَى) ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَ الْهِبَةِ يَدَّعِي الْإِبْرَاءَ عَنْ الْقِيمَةِ مَعَ كَوْنِ الْعَيْنِ مُتَقَوِّمَةً بِنَفْسِهَا، وَمِنْهَا لَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ حَلَمَةَ ثَدْيِهَا فِي فَمِ الرَّضِيعِ وَلَا يُدْرَى أَدَخَلَ اللَّبَنُ فِي حَلْقِهِ أَمْ لَا، يَحْرُمُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ فِي الْمَانِعِ شَكًّا، كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي قَاعِدَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُوَمِنْهَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِهِ كَمَا فِي إجَارَةِ التَّهْذِيبِ، وَمِنْهَا لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ فَادَّعَى الْأَدَاءَ، أَوْ الْإِبْرَاءَ فَالْقَوْلُ لِلدَّائِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ وَمِنْهَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ فَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ فَالْقَوْلُ لَهُ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِهِ فَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ الْعَقْدِوَمِنْهَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فَقِيلَ: الْقَوْلُ لِمَنْ نَفَاهُ عَمَلًا بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَقِيلَ: لِمَنْ ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ لُزُومَ الْعَقْدِ، وَقَدْ حَكَيْنَا الْقَوْلَيْنِ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ: غَصَبْت مِنْك أَلْفًا وَرَبِحْت فِيهَا عَشْرَةَ آلَافٍ فَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: بَلْ كُنْتُ أَمَرْتُك بِالتِّجَارَةِ بِهَا فَالْقَوْلُ لِلْمَالِكِ كَمَا فِي إقْرَارِ الْبَزَّازِيَّةِ يَعْنِي لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْغَصْبِ، وَمِنْهَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا؛ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي تَغْيِيرِ الْمَبِيعِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ تَنْبِيهٌ: لَيْسَ الْأَصْلُ الْعَدَمَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فَالْأَصْلُ الْوُجُودُ وَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ، أَوْ كَاتِبٌ وَأَنْكَرَ وُجُودَ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَالْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ. وَلَوْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ وَأَنْكَرَ قِيَامَ الْبَكَارَةِ وَادَّعَاهُ الْبَائِعُ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ

стр. 43

وُجُودُهَا لِكَوْنِهَا صِفَةً أَصْلِيَّةً، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ وَعَلَى هَذَا تَفَرَّعَ لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي خَبَّازٌ فَهُوَ حُرٌّ فَادَّعَاهُ عَبْدٌ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى فَالْقَوْلُ لِلْمَوْلَى، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ بِكْرٍ لِي فَهِيَ حُرَّةٌ، فَادَّعَتْ جَارِيَةٌ أَنَّهَا بِكْرٌ، وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى فَالْقَوْلُ لَهَا وَتَمَامُ تَفْرِيعِهِ فِي شَرْحِنَا عَلَى الْكَنْزِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ. قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَقَدْ صَلَّى فِيهِ وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ يُعِيدُهَا مِنْ آخِرِ حَدَثٍ أَحْدَثَهُ، وَالْمَنِيُّ مِنْ آخِرِ رَقْدَةٍ وَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ فِي الثَّانِيَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا. وَفِي الْبَدَائِعِ يُعِيدُ مِنْ آخِرِ مَا احْتَلَمَ. وَقِيلَ فِي الْبَوْلِ يَعْتَبِرُ مِنْ آخِرِ مَا بَالَ، وَفِي الدَّمِ مِنْ آخِرِ مَا رَعَفَ. وَلَوْ فَتَقَ جُبَّةً فَوَجَدَ فِيهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى دَخَلَتْ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثُقْبٌ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مُذْ يَوْمِ وَضَعَ الْقُطْنَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثُقْبٌ يُعِيدُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَدْ عَمِلَ الشَّيْخَانِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، فَحَكَمَا بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ إذَا وُجِدَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ مِنْ وَقْتِ الْعِلْمِ بِهَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا حَادِثٌ فَيُضَافُ إلَى أَقْرَبِ، أَوْقَاتِهِ وَخَالَفَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ﵀ فَاسْتَحْسَنَ إعَادَةَ صَلَاةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ كَانَتْ مُنْتَفِخَةً أَوْ مُنْفَسِخَةً، وَإِلَّا فَمُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلًا بِالسَّبَبِ الظَّاهِرَ دُونَ الْمَوْهُومِ، احْتِيَاطًا كَالْمَجْرُوحِ إذَا لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُحَالُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ (وَمِنْهَا) لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ فَقَالَ رَجُلٌ: فَقَأْت عَيْنَهُ، وَهُوَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: فَقَأْتهَا، وَهُوَ فِي مِلْكِي فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي، فَيَأْخُذُ أَرْشَهُ، (وَمِنْهَا) : ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَبَانَهَا فِي الْمَرَضِ وَصَارَ فَارًّا فَتَرِثُ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَبَانَهَا فِي صِحَّتِهِ فَلَا تَرِثُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا فَتَرِثُ (وَخَرَجَ) عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةُ الْكَنْزِ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ الْقَضَاءِ، وَإِنْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَبِهِ قَالَ زُفَرُ ﵀ وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِيهَا لِأَجْلِ تَحْكِيمِ الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ الْحِرْمَانِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ فَيَثْبُتُ فِيمَا مَضَى (وَمِمَّا) فَرَّعْته عَلَى الْأَصْلِ مَا فِي الْيَتِيمَةِ وَغَيْرِهَا وَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ، ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: أَقَرَّ فِي الصِّحَّةِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ فِي مَرَضِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ. وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَتَهُ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ. وَمِمَّا فَرَّعْته عَلَى هَذَا

стр. 44

الْأَصْلِ قَوْلُهُمْ: لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَتَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْقَوْلُ لَهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي مَسَائِلَ شَتَّى. وَمِمَّا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ لَوْ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ لِرَجُلٍ: أَخَذْت مِنْك أَلْفًا وَدَفَعْتهَا إلَى زَيْدٍ قَضَيْت بِهَا عَلَيْك، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَخَذْتهَا ظُلْمًا بَعْدَ الْعَزْلِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْقَاضِي مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ حَادِثٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى أَقْرَبِ، أَوْقَاتِهِ، وَهُوَ وَقْتُ الْعَزْلِ، وَبِهِ قَالَ الْبَعْضُ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ. وَكَذَلِكَ إذَا زَعَمَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ. وَخَرَجَ أَيْضًا عَنْهُ مَا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ: قَطَعْت يَدَك وَأَنَا عَبْدٌ وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ قَطَعْتُهَا وَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ الْقَوْلُ لِلْعَبْدِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ وَقَدْ أَعْتَقَهُ: أَخَذْتُ مِنْك غَلَّةَ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَقَالَ الْمُعْتَقُ أَخَذْتهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوْلَى. وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا قَالَ: بِعْت وَسَلَّمْت قَبْلَ الْعَزْلِ وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَعْدَ الْعَزْلِ كَانَ الْقَوْلُ لِلْوَكِيلِ إنْ كَانَ الْبَيْعُ مُسْتَهْلَكًا، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ. وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَلَّةِ لَا يُصَدَّقُ فِي الْغَلَّةِ الْقَائِمَةِ.، وَمِمَّا وَافَقَ الْأَصْلَ مَا فِي النِّهَايَةِ لَوْ أَعْتَقَ أَمَةً، ثُمَّ قَالَ لَهَا: قَطَعْت يَدَك وَأَنْتِ أَمَتِي فَقَالَتْ هِيَ: قَطَعْتهَا وَأَنَا حُرَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ ﵀ ذَكَرَهُ قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ، وَتَحْتَاجُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهَا وَفِي الْمَجْمَعِ مِنْ الْإِقْرَارِ: وَلَوْ أَقَرَّ حَرْبِيٌّ أَسْلَمَ، بِأَخْذِ الْمَالِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِإِتْلَافِ خَمْرٍ بَعْدَهُ، أَوْ مُسْلِمٌ بِمَالِ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ بِقَطْعِ يَدِ مُعْتِقِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَكَذَّبُوهُ فِي الْإِسْنَادِ، أُفْتِيَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي الْكُلِّ (انْتَهَى) . وَقَالَا: يَضْمَنُ وَمِمَّا فُرِّعَ عَلَيْهِ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَتَزَايَدُ فَيَحْصُلُ الْمَوْتُ بِالزَّائِدِ فَلَا يُضَافُ إلَى السَّابِقِ لَكِنْ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. وَلَيْسَ مِنْ فُرُوعِهَا مَا لَوْ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ الشِّرَاءِ، أَوْ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَنَا فِي كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَادِثٌ أُضِيفَ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ مَلَكَهَا فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ عِنْدَهَا قَاعِدَةٌ: هَلْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْإِبَاحَةِ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَوْ التَّحْرِيمُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ؟ وَنَسَبَهُ

стр. 45

الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفِي الْبَدِيعِ الْمُخْتَارِ أَنْ لَا حُكْمَ لِلْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَالْحُكْمُ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ أَزَلِيًّا فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ فَانْتَفَى التَّعَلُّقُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ (انْتَهَى) . وَفِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلْمُصَنِّفِ: الْأَشْيَاءُ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: الْأَصْلُ فِيهَا الْحَظْرُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْأَصْلُ فِيهَا التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حُكْمٍ لَكِنَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ (انْتَهَى) . وَفِي الْهِدَايَةِ مِنْ فَصْلِ الْحِدَادِ: إنَّ الْإِبَاحَةَ أَصْلٌ (انْتَهَى) وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا أَشْكَلَ حَالُهُ فَمِنْهَا الْحَيَوَانُ الْمُشْكِلُ أَمْرُهُ وَالنَّبَاتُ الْمَجْهُولُ اسْمُهُ (وَمِنْهَا) إذَا لَمْ يَعْرِفْ حَالَ النَّهْرِ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ، أَوْ مَمْلُوكٌ (وَمِنْهَا) لَوْ دَخَلَ بُرْجَهُ حَمَامٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ، أَوْ مَمْلُوكٌ (وَمِنْهَا) مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْقَائِلِ بِالْإِبَاحَةِ " الْحِلُّ فِي الْكُلِّ "، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ حِلُّ أَكْلِهَا وَقَالَ السُّيُوطِيّ: وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ فِي الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَقَوَاعِدُهُمْ تَقْتَضِي حِلَّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ وَلِذَا قَالَ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ وَأُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ (انْتَهَى) . فَإِذَا تَقَابَلَ فِي الْمَرْأَةِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ غَلَبَتْ الْحُرْمَةُ (وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْفُرُوجِ) . وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مِنْ بَابِ التَّحَرِّي: لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ أَرْبَعُ جَوَارٍ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا فَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ أَعْتَقَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَحَرَّى لِلْوَطْءِ وَلَا لِلْبَيْعِ وَلَا يَسَعُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ حَتَّى تَبِينَ الْمُعْتَقَةُ مِنْ غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ بِعَيْنِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ نَسِيَهَا وَكَذَلِكَ إنْ مَيَّزَ كُلَّهُنَّ إلَّا وَاحِدَةً لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا غَيْرُ الْمُطَلَّقَةِ وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُ الْقَاضِي عَنْهَا حَتَّى يُخْبِرَ أَنَّهَا غَيْرُ الْمُطَلَّقَةِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحْلَفَهُ أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ مَا طَلَّقَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ حَلَفَ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِهَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا فَإِنْ بَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ثَلَاثًا مِنْ الْجَوَارِي فَحَكَمَ الْحَاكِمُ فَإِنْ أَجَازَ بَيْعَهُنَّ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَجَعَلَ الْبَاقِيَةَ هِيَ الْمُعْتَقَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْضُ مَا بَاعَ بِشِرَاءِ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا؛

стр. 46

لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطَأَ شَيْئًا مِنْهُنَّ بِالْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، أَوْ أَمَتُهُ (وَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي الْفُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ) . وَالْفُرُوجُ لَا تَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَ جَارِيَةً مِنْ رَقِيقِهِ، ثُمَّ نَسِيَهَا وَمَاتَ لَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي التَّحَرِّي وَلَا بِقَوْلِهِ لِلْوَرَثَةِ: أَعْتِقُوا أَيَّتُهُنَّ شِئْتُمْ، أَوْ أَعْتِقُوا الَّتِي أَكْبَرُ ظَنِّكُمْ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَلَكِنَّهُ يَسْأَلُهُمْ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا أَعْتَقَهَا وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ فِي الْبَاقِيَاتِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَعْتَقَهُنَّ كُلَّهُنَّ وَأَسْقَطَ عَنْهُنَّ قِيمَةَ إحْدَاهُنَّ وَسَعَيْنَ فِيمَا بَقِيَ وَخَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: صَبِيَّةٌ أَرْضَعَهَا قَوْمٌ كثير من أهل القرية؛ أقلهم أوأكثرهم لا يدري من أرضعها وأراد واحد من أهل تلك القرية أن يتزوجها قال: أبو القاسم الصفار: إذا لم تظهر له علامة ولا يشهد أحد له بذلك يجوز نكاحها. وهذا من باب الرخصة كيلا ينسد باب النكاح. فلو اختلطت الرضيعة بنساء يحصون؟ لم أره. الآن، ثم رأيت في الكافي للحاكم الشهيد ما يفيد الحل، ولفظه: ولو أن قوما كان لكل منهم جارية فأعتق أحدهم جاريته وَلَمْ يَعْرِفُوا الْمُعْتَقَةَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا الْمُعْتَقَةُ بِعَيْنِهَا وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَرُبَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا وَلَوْ اشْتَرَاهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ الْمُعْتَقَةَ وَلَوْ اشْتَرَاهُنَّ إلَّا وَاحِدَةً حَلَّ لَهُ وَطْؤُهُنَّ فَإِنْ فَعَلَ، ثُمَّ اشْتَرَى الْبَاقِيَةَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ شَيْءٍ مِنْهُنَّ وَلَا بَيْعُهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُعْتَقَةَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ إنَّمَا هِيَ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْمَرْأَةِ سَبَبٌ مُحَقَّقٌ لِلْحُرْمَةِ فَلَوْ كَانَ فِي الْحُرْمَةِ شَكٌّ لَمْ يُعْتَبَرْ؛ وَلِذَا قَالُوا: لَوْ كَانَ فِي الْحُرْمَةِ شَكٌّ لَمْ يُعْتَبَرْ وَلِذَا قَالُوا: لَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ حَلَمَةَ ثَدْيِهَا فِي فَمِ رَضِيعَةٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي وُصُولِ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهَا لَمْ تَحْرُمْ؛ لِأَنَّ فِي الْمَانِعِ شَكًّاكَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَفِي الْقُنْيَةِ: امْرَأَةٌ كَانَتْ تُعْطِي ثَدْيَهَا صَبِيَّةً وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ تَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِي ثَدْيِ لَبَنٌ حِينَ أَلْقَمْتهَا ثَدْيِي وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا جَازَ لِابْنِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذِهِ الصَّبِيَّةِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: صَغِيرٌ وَصَغِيرَةٌ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ الرَّضَاعِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ حَقِيقَةً قَالُوا: لَا بَأْسَ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا هَذَا إذَا لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ

стр. 47

أَحَدٌ ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِهِ عَدْلٌ ثِقَةٌ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَهُمَا كَبِيرَانِ، فَالْأَحْوَط أَنْ يُفَارِقَهَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبُضْعَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرَ يُقْبَلُ فِي حِلِّهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ. قَالُوا لَوْ اشْتَرَى أَمَةَ زَيْدٍ وَقَالَ بَكْرٌ: وَكَّلَنِي زَيْدٌ بِبَيْعِهَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا، وَكَذَا لَوْ جَاءَتْ أَمَةٌ قَالَتْ لِرَجُلٍ: إنَّ مَوْلَايَ بَعَثَنِي إلَيْك هَدِيَّةً وَظَنَّ صِدْقَهَا حَلَّ وَطْؤُهَا.، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِالصِّفَةِ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ، فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ حُرْمَتُهَا عَلَى الْمُوَكِّلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ظَاهِرًا فِي الْحِلِّ وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْفِقْهِ. وَلَمَّا كَانَ الْأَوْلَى الِاحْتِيَاطُ فِي الْفُرُوجِ قَالَ فِي الْمُضْمَرَاتِ: إذَا عَقَدَ عَلَى أَمَتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ وَطْئِهَا حَرَامًا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ أَوْ مَحْلُوفًا عَلَيْهَا بِعِتْقِهَا وَقَدْ حَنِثَ الْحَالِفُ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَا سِيَّمَا إذَا تَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي، فَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ وَطْءَ السَّرَارِي اللَّاتِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ، وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ حَرَامٌ، إلَّا أَنْ يَنْتَصِبَ فِي الْمَغَانِمِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ مَنْ يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا فَيَقْسِمُهَا مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا ظُلْمٍ، أَوْ تَحْصُلَ قِسْمَةٌ مِنْ مُحْكِمٍ، أَوْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِإِذْنِ الْقَاضِي، أَوْ الْمُعْتِقِ، وَالِاحْتِيَاطُ اجْتِنَابُهُنَّ مَمْلُوكَاتِ وَحَرَائِرَ (انتهى) . فُرُوعٌ لَهَا حُكْمٌ لَازِمٌ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الْمَجْهُولَةَ الْحَالِ الْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى صَاحِبِ الْيَدِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَإِلَى إقْرَارِهَا إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، وَإِنْ عُلِمَ حَالُهَا فَلَا إشْكَالَ تَنْبِيهٌ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ إنَّ أَصْحَابَنَا ﵏ احْتَاطُوا فِي أَمْرِ الْفُرُوجِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ: لَوْ كَانَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ شَرِيكِهِ وَطَلَبَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا حِشْمَةً لِلْمِلِكِ (انْتَهَى) . قَاعِدَةٌ: الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَعَلَى ذَلِكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا النِّكَاحُ لِلْوَطْءِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ فَحُرِّمَتْ مَزْنِيَّةُ الْأَبِ كَحَلِيلَتِهِ، وَكَذَا لَوْ قَضَى شَافِعِيٌّ بِحِلِّهَا لَمْ

стр. 48

يَنْفُذْ لِمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ بِحِلِّ مَمْسُوسَتِهِ، وَالْفَرْقُ مَذْكُورٌ فِي ظِهَارِ شَرْحِنَا، وَحُرْمَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِلَا وَطْءٍ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ، أَوْ مَنْكُوحَتِهِ: إنْ نَكَحْتُك فَعَلَيَّ وَطْءٌ فَلَوْ عَقَدَ عَلَى الْأَمَةِ بَعْدَ إعْتَاقِهَا، أَوْ عَلَى الزَّوْجَةِ بَعْدَ إبَانَتِهَا لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ زَيْدٍ لَا يَدْخُلُ وَلَدُ وَلَدِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ اسْتَحَقَّهُ وَلَدُ الِابْنِ وَاخْتُلِفَ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ. فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ وَصُحِّحَ فَإِذَا وُلِدَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ رَجَعَ مِنْ وَلَدِ الِابْنِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ ، وَهَذَا فِي الْمُفْرَدِ. وَأَمَّا إذَا وَقَفَ، أَوْلَادَهُ، دَخَلَ النَّسْلُ كُلُّهُ كَذِكْرِ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ لَفْظَ الْوَلَدِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَأَنَّهُ لِلْعُرْفِ فِيهِ وَإِلَّا فَالْوَلَدُ مُفْرَدًا، أَوْ جَمْعًا حَقِيقَةٌ فِي الصُّلْبِ. وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي، أَوْ لَا يُؤَجِّرُ، أَوْ لَا يَسْتَأْجِرُ، أَوْ لَا يُصَالِحُ عَنْ مَالٍ، أَوْ لَا يُقَاسِمُ، أَوْ لَا يُخَاصِمُ أَوْ لَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالتَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهَا الْحَقِيقَةُ، وَهُوَ مَجَازٌ. إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَالْقَاضِي وَالْأَمِيرِ فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ يُبَاشِرُهُ مَرَّةً وَيُوَكِّلُ فِيهِ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ قَالَ فِي الْكَنْزِ بَعْدَهُ: مَا يَحْنَثُ بِهِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ، وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ، وَالْكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ عَمْدٍ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْقَرْضُ وَالِاسْتِقْرَاضُ وَضَرْبُ الْعَبْدِ وَالذَّبْحُ، وَالْبِنَاءُ، وَالْخِيَاطَةُ، وَالْإِيدَاعُ وَالِاسْتِيدَاعُ، وَالْإِعَارَةُ وَالِاسْتِعَارَةُ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْحَمْلُ، وَالْأَفْعَالُ، وَالْعُقُودُ فِي الْأَيْمَانِ هَلْ تَخْتَصُّ بِالصَّحِيحِ، أَوْ تَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ فَقَالُوا: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَالتَّوْكِيلُ بِالنِّكَاحِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَالْيَمِينُ عَلَى النِّكَاحِ إنْ كَانَتْ عَلَى الْمَاضِي تَتَنَاوَلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا وَالْيَمِينُ عَلَى الصَّلَاةِ كَالْيَمِينِ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَا عَلَى الْحَجِّ وَالصَّوْمِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَكَذَا عَلَى الْبَيْعِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْيَوْمَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالصَّحِيحِ قِيَاسًا وَيَتَقَيَّدُ بِهِ اسْتِحْسَانًا وَمِثْلُهُ لَا يَتَزَوَّجُ الْيَوْمَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْيَوْمَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالصَّحِيحِ قِيَاسًا وَيَتَقَيَّدُ بِهِ اسْتِحْسَانًا وَمِثْلُهُ لَا يَتَزَوَّجُ الْيَوْمَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ كَانَ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لَهُ حَتَّى لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا مَسْكَنُهُ لَمْ تُقْبَلْ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَوْلُهُ: فُلَانٌ سَاكِنٌ هَذِهِ الدَّارَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِكَوْنِهَا لَهُ بِخِلَافِ زَرْعِ فُلَانٍ، أَوْ غَرْسٍ، أَوْ بِنَاءٍ وَادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَجْرِ فَهِيَ لِلْمُقِرِّ

стр. 49

وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ حَنِثَ بِلَحْمِهَا؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ دُونَ لَبَنِهَا وَنِتَاجَهَا. بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ حَنِثَ بِثَمَرِهَا وَطَلْعِهَا لَا بِمَا اتَّصَلَ بِهِ صَنْعَةٌ حَادِثَةٌ كَالدِّبْسِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَرٌ حَنِثَ بِمَا أَكَلَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ بِثَمَنِهَا. وَمِنْهَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِهَا لِلْإِمْكَانِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِهَا. وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ حَنِثَ بِالْكَرْعِ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ وَلَا يَحْنَثُ بِالشُّرْبِ بِيَدِهِ، أَوْ بِإِنَاءٍ بِخِلَافِ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ. وَمِنْهَا: أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ عُتَقَاءُ وَلَهُمْ عُتَقَاءُ اخْتَصَّتْ بِالْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّهُمْ مَوَالِيهِ حَقِيقَةً، وَالْآخَرُونَ مَجَازًا بِالتَّسَبُّبِ. وَمِنْهَا: أَوْصَى لِأَبْنَاءِ زَيْدٍ وَلَهُ صُلْبِيُّونَ وَحَفَدَةٌ فَالْوَصِيَّةُ لِلصُّلْبِيَّيْنِ. وَنُقِضَ عَلَيْنَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ بِالْمُسْتَأْمِنِ عَلَى أَبْنَائِهِ لِدُخُولِ الْحَفَدَةِ، وَبِمَنْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ زَيْدٍ حَنِثَ بِالدُّخُولِ مُطْلَقًا، وَبِمَنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى يَوْمِ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ لَيْلًا عَتَقَ، وَبِمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ زَيْدٍ عَمَّتْ النِّسْبَةُ لِلْمِلْكِ وَغَيْرِهِ وَبِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَجَبٍ نَاوِيًا لِلْيَمِينِ أَنَّهُ نَذَرَ يَمِينٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ الْمُحْتَاطِ فِيهِ فَانْتَهَضَ الْإِطْلَاقُ شُبْهَةً تَقُومُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ فِيهِ، وَوَضْعُ الْقَدَمِ مَجَازٌ عَنْ الدُّخُولِ بِهِ فَعَمَّ، وَالْيَوْمُ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ كَانَ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ وَالنَّهَارُ إذَا امْتَدَّ لِكَوْنِهِ مِعْيَارًا وَالْقُدُومُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ فَاعْتُبِرَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، وَإِضَافَةُ الدَّارِ نِسْبَةٌ لِلسُّكْنَى، وَهِيَ عَامَّةٌ وَالنَّذْرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الصِّيغَةِ. وَالْيَمِينُ مِنْ الْمُوجِبِ فَإِنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يَمِينٌ كَتَحْرِيمِهِ بِالنَّصِّ وَمَعَ الِاخْتِلَافِ لَا جَمْعَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ: لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِرَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا الْحَقِيقَةُ بِخِلَافِ لَا يُصَلِّي؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُقَيِّدَهَا بِسَجْدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ. وَهَلْ يَحْنَثُ بِوَضْعِ الْجِهَةِ، أَوْ بِالرَّفْعِ؟ قَوْلَانِ هُنَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي كَمَا رَجَّحُوهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْأَرْبَعِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّيه جَمَاعَةً لَمْ يَحْنَثْ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا أَتَى بِالْأَكْثَرِ.

стр. 50

خَاتِمَةٌ تَشْمَلُ عَلىَ فَوَائدَ فِي تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَعْنِي: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. الْفَائِدَةُ الْأُولَى: تُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ الثَّانِيَةُ: إذَا وَجَدَ بَلَلًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مَنِيٌّ، أَوْ مَذْيٌ قَدَّمْنَا إيجَابَ الْغُسْلِ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ. الثَّالِثَةُ: وَجَدَ فَأْرَةً مَيِّتَةً وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ وَكَانَ قَدْ تَوَضَّأَ مِنْهَا، قَدَّمْنَا وُجُوبَ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا مَعَ الشَّكِّ. الرَّابِعَةُ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَلْ كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ، أَوْ لَا، أَوْ أَحْدَثَ أَوْ لَا، أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ، أَوْ لَا وَكَانَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ. الْخَامِسَةُ: أَصَابَتْ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي أَيَّ مَوْضِعٍ أَصَابَتْهُ، غَسَلَ الْكُلَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ. السَّادِسَةُ: رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ، ثُمَّ تَغَيَّبَ عَنْ بَصَرِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَا يَدْرِي سَبَبَ مَوْتِهِ يَحْرُمُ مَعَ وُجُودِ الشَّكِّ لَكِنْ شَرَطَ فِي الْكَنْزِ لِحُرْمَتِهِ أَنْ يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ، وَشَرَطَ قَاضِي خَانْ أَنْ يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِهِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. السَّابِعَةُ: لَوْ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ فَأْرَةً قَالُوا: إنْ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهَا الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ كَشَارِبِ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَ الْمَاءَ عَلَى فَوْرِهِ وَلَوْ مَكَثَتْ سَاعَةً، ثُمَّ شَرِبَتْ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِاحْتِمَالِ غَسْلِهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَتَنَجَّسُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَزُولُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ كَالْحُكْمِيَّةِ: وَهُنَا مَسَائِلُ تَحْتَاجُ إلَى الْمُرَاجَعَةِ وَلَمْ أَرَهَا الْآنَ: مِنْهَا: شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ، أَوْ لَا؟ ، وَمِنْهَا: شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ، أَوْ لَا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ التَّرَخُّصُ بِالشَّكِّ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ أَمُقِيمٌ، أَوْ مُسَافِرٌ صَلَّى أَرْبَعًا وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّانِيَةِ احْتِيَاطًا فَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي نِيَّةِ الْإِقَامَةِ. وَمِنْهَا: صَاحِبُ الْعُذْرِ إذَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِهِ فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ.

стр. 51

وَمِنْهَا: جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَشَكَّ أَمُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَمِنْهَا: شَكَّ هَلْ سَبَقَ الْإِمَامَ بِالتَّكْبِيرِ، أَوْ لَا ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ هَلْ سَبَقَ إمَامَهُ بِالتَّكْبِيرِ، أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَبَّرَ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ كَبَّرَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ. وَإِنْ اشْتَرَكَ الظَّنَّانِ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّدَادِ حَتَّى يَظْهَرَ الْخَطَأُ (انْتَهَى) . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ الشَّكُّ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ وَشَكَّ فِي قَضَائِهَا فَهِيَ سِتٌّ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: رَجُلٌ لَا يَدْرِي هَلْ فِي ذِمَّتِهِ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ أَمْ لَا؟ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْفَوَائِتَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَدْرِ الرَّجُلُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْفَوَائِتِ، أَوْ لَا؟. الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِي الْأَرْبَعِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ انْتَهَى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ وَالظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ وَهُوَ تَرْجِيحُ جِهَةِ الصَّوَابِ وَالْوَهْمُ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ وَأَمَّا أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَغَالِبُ الظَّنِّ فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّامِشِيُّ فِي أُصُولِه وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الظَّنَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ التَّرَدُّدَ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ اسْتَوَيَا، أَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، وَكَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْف دِرْهَمٍ فِي ظَنِّي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لِلشَّكِّ (انْتَهَى) . وَغَالِبُ الظَّنِّ عِنْدَهُمْ مُلْحَقٌ بِالْيَقِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ تَصَفَّحَ كَلَامَهُمْ فِي الْأَبْوَابِ، صَرَّحُوا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْغَالِبَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَصَرَّحُوا فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ إذَا ظَنَّ الْوُقُوعَ لَمْ يَقَعْ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَقَعَ الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الِاسْتِصْحَابِ وَهُوَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ وَاخْتُلِفَ فِي حُجِّيَّتِهِ فَقِيلَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا وَنَفَاهُ كَثِيرٌ مُطْلَقًا وَاخْتَارَ الْفُحُولُ الثَّلَاثَةُ أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهِ بِلَا دَلِيلٍ، كَذَا فِي التَّحْرِيرِ. وَمِمَّا فُرِّعَ عَلَيْهِ الشِّقْصُ إذَا بِيعَ مِنْ الدَّارِ وَطَلَبَ الشَّرِيكُ الشُّفْعَةَ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي مِلْكَ الطَّالِبِ فِيمَا فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

стр. 52

وَمِنْهَا: الْمَفْقُودُ لَا يَرِثُ عِنْدَنَا وَلَا يُورَثُ. وَقَدَّمْنَا فُرُوعًا مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ فِي قَاعِدَةِ أَنَّ الْحَادِثَ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ. وَفِي إقْرَارِ الْبَزَّازِيَّةِ: صَبَّ دُهْنًا لِإِنْسَانٍ عِنْدَ الشُّهُودِ فَادَّعَى مَالِكُهُ الضَّمَانَ فَقَالَ كَانَتْ نَجِسَةً لِوُقُوعِ فَأْرَةٍ فِيهَا فَالْقَوْلُ لِلصَّابِّ لِإِنْكَارِهِ الضَّمَانَ؛ وَالشُّهُودُ يَشْهَدُونَ عَلَى الصَّبِّ لَا عَدَمِ النَّجَاسَةِ. وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمَ طَوَّافٍ فَطُولِبَ بِالضَّمَانِ فَقَالَ: كَانَتْ مَيْتَةً فَأَتْلَفْتهَا لَا يُصَدَّقُ وَلِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ لَحْمٌ ذَكِيٌّ بِحُكْمِ الْحَالِ. قَالَ الْقَاضِي لَا يَضْمَنُ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ، وَهِيَ: أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا فَلَمَّا طُلِبَ مِنْهُ الْقِصَاصَ قَالَ: كَانَ ارْتَدَّ، أَوْ قَتَلَ أَبِي فَقَتَلْته قِصَاصًا، أَوْ لِلرِّدَّةِ لَا يُسْمَعُ، فَأَجَابَ وَقَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ لَأَدَّى إلَى فَتْحِ بَابِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ وَيَقُولُ: كَانَ الْقَتْلُ كَذَلِكَ وَأَمْرُ الدَّمِ عَظِيمٌ فَلَا يُهْمَلُ بِخِلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّمِ أَهْوَنُ حَتَّى حُكِمَ فِي الْمَالِ بِالنُّكُولِ وَفِي الدَّمِ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ، أَوْ يَحْلِفَ وَاكْتُفِيَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَالِ وَبِخَمْسِينَ يَمِينًا فِي الدَّمِ (انْتَهَى) ، الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (وَفِي حَدِيثِ ﴿أَحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ﴾ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا سَبْعَةٌ: الْأَوَّلُ السَّفَرُ، وَهُوَ نَوْعَانِ: مِنْهُ مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، وَهُوَ الْقَصْرُ، وَالْفِطْرُ، وَالْمَسْحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَسُقُوطُ الْأُضْحِيَّةُ عَلَى مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. وَالثَّانِي مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ، مُطْلَقُ الْخُرُوجِ عَنْ الْمِصْرِ، وَهُوَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالنَّفَلُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ، وَاسْتِحْبَابُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَالْقَصْرُ لِلْمُسَافِرِ عِنْدَنَا رُخْصَةُ إسْقَاطٍ بِمَعْنَى الْعَزِيمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْإِتْمَامَ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا حَتَّى أَثِمَ بِهِ وَفَسَدَتْ لَوْ أَتَمَّ وَلَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَنْوِ إقَامَتَهُ قُبَيْلَ سُجُودِ الثَّالِثَةِ. الثَّانِي: الْمَرَضُ؛ وَرُخَصُهُ كَثِيرَةٌ: التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِهِ، أَوْ مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ، أَوْ بُطْئِهِ ، وَالْقُعُودُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالِاضْطِجَاعُ فِيهَا، وَالْإِيمَاءُ،

стр. 53

وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ مَعَ حُصُولِ الْفَضِيلَةِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ لِلشَّيْخِ الْفَانِي مَعَ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَإِبَاحَةُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْفِدْيَةِ، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ وَبِالْخَمْرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ قَاضِي خَانْ عَدَمَهُ وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ إذَا غَصَّ بِهَا اتِّفَاقًا، وَإِبَاحَةُ النَّظَرِ لِلطَّبِيبِ حَتَّى الْعَوْرَةِ وَالسَّوْأَتَيْنِ، الثَّالِثُ: الْإِكْرَاهُ. الرَّابِعُ: النِّسْيَانُ. الْخَامِسُ: الْجَهْلُ وَسَيَأْتِي لَهَا مَبَاحِثُ السَّادِسُ: الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى؛ كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا كَمَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ مُخَفَّفَةٍ وَقَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ، وَنَجَاسَةُ الْمَعْذُورِ الَّتِي تُصِيبُ ثِيَابَهُ وَكَانَ كُلَّمَا غَسَلَهُ خَرَجَتْ وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ، وَالْبَقِّ فِي الثَّوْبِ، وَإِنْ كَثُرَ، وَبَوْلٌ تَرَشَّشَ عَلَى الثَّوْبِ قَدْرَ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَطِينُ الشَّوَارِعِ وَأَثَرُ نَجَاسَةٍ عَسُرَ زَوَالُهُ وَبَوْلُ سِنَّوْرٍ فِي غَيْرِ أَوَانِي الْمَاءِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ فِي الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْءِ حَمَامٍ وَعُصْفُورٍ، وَإِنْ كَثُرَ، وَخُرْءِ الطُّيُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَرِيقُ النَّائِمِ مُطْلَقًا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَأَفْوَاهُ الصِّبْيَانِ وَغُبَارُ السِّرْقِينِ وَقَلِيلُ الدُّخَانِ النَّجِسِ، وَمَنْفَذُ الْحَيَوَانِ، وَالْعَفْوُ عَنْ الرِّيحِ، وَالْفُسَاءِ، إذَا أَصَابَ السَّرَاوِيلَ الْمُبْتَلَّةَ، وَالْمَقْعَدَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَكَانَ الْحَلْوَانِيُّ لَا يُصَلِّي فِي سَرَاوِيلِهِ، وَلَا تَأْوِيلَ لِفِعْلِهِ إلَّا التَّحَرُّزُ مِنْ الْخِلَافِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُنَا بِأَنَّ النَّارَ مُطَهِّرَةٌ لِلرَّوْثِ، وَالْعَذِرَةِ، فَقُلْنَا بِطَهَارَةِ رَمَادِهِمَا تَيْسِيرًا، وَإِلَّا لَزِمَتْ نَجَاسَةُ الْخُبْزِ فِي غَالِبِ الْأَمْصَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ طَهَارَةُ بَوْلِ الْخُفَّاشِ وَخُرْئِهِ ، وَالْبَعْرُ إذَا وَقَعَ فِي الْمِحْلَبِ وَرُمِيَ قَبْلَ التَّفَتُّتِ، وَتَخْفِيفُ نَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ عِنْدَهُمَا، وَمَا يُصِيبَ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا يُصِيبُهُ مِمَّا سَالَ مِنْ الْكَنِيفِ، مَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ النَّجَاسَةَ وَمَاءُ الطَّابَقِ اسْتِحْسَانًا، وَصُورَتُهُ: أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ فِي بَيْتٍ فَأَصَابَ مَاءُ الطَّابَقِ ثَوْبَ إنْسَانٍ، وَكَذَا الْإِصْطَبْلُ إذَا كَانَ حَارًّا، أَوْ عَلَى كُوَّتِهِ طَابَقٌ، أَوْ بَيْتُ بَالُوعَةٍ إذَا كَانَ عَلَيْهِ طَابَقٌ وَتَقَاطَرَ مِنْهُ، وَكَذَا الْحَمَّامُ إذَا أُهْرِيقَ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَعَرِقَ حِيطَانُهَا وَكُوَّتُهَا وَتَقَاطَرَ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْإِصْطَبْلِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَرَشَّحَ فِي أَسْفَلِ الْكُوزِ. وَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الْمِسْكِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ دَمًا، وَالزَّبَادِ،

стр. 54

وَإِنْ كَانَ عَرَقَ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، وَالتُّرَابِ الطَّاهِرِ إذَا جُعِلَ طِينًا بِالْمَاءِ النَّجِسِ، أَوْ عَكْسُهُ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلطَّاهِرِ أَيُّهُمَا كَانَ وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَا رُشَّ بِهِ السُّوقُ إذَا ابْتَلَّ بِهِ قَدَمَاهُ، وَمَوَاطِئِ الْكِلَابِ وَالطِّينِ الْمُسَرْقَنِ وَرَدْغَةِ الطَّرِيقِ، وَمَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُزِيلٍ، حَتَّى لَوْ نَزَلَ الْمُسْتَنْجِي بِهِ فِي مَاءٍ نَجِسَةٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ مَائِعٍ قَالِعٍ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِلصِّبْيَانِ لِلتَّعَلُّمِ، وَمَسْحِ الْخُفِّ فِي الْحَضَرِ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ نَزْعُهُ لِلْغَسْلِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ وَلَا بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا لَاقَى الْمُتَنَجِّسَ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّغَيُّرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ وَالطُّحْلُبِ وَكُلِّ مَا يَعْسُرُ صَوْنُهُ عَنْهُ وَإِبَاحَةُ الْمَشْيِ وَالِاسْتِدْبَارِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ وَإِبَاحَتُهُمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَإِبَاحَةُ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ بِالْإِيمَاءِ. وَفِيهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَإِبَاحَةُ الْقُعُودِ فِيهَا بِلَا عُذْرٍ وَوَسَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَلَمْ يَقُلْ: إنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ وَالذَّكَرِ نَاقِضٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ وَلَا الدَّلْكَ، وَوَسَّعَ فِي الْمِيَاهِ فَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ مُقَارَنَةَ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا حَتَّى الْفَاتِحَةَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ وَالتَّعْيِينُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ عُسْرٌ، وَأَسْقَطَ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ، بَلْ مَنَعَهُ مِنْهَا شَفَقَةً عَلَى الْإِمَامِ دَفْعًا لِلتَّخْلِيطِ عَنْهُ كَمَا يُشَاهَدُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ بِلَفْظٍ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهَا بِكُلِّ مَا يُفِيدُ التَّعْظِيمَ وَأَسْقَطَ نَظْمَ الْقُرْآنِ عَنْ الْمُصَلِّي؛ فَجَوَّزَهُ بِالْفَارِسِيِّ تَيْسِيرًا عَلَى الْخَاشِعِينَ.

стр. 55

وَرُوِيَ رُجُوعُهُ عَنْهُ وَأَسْقَطَ فَرْضَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ تَيْسِيرًا، وَأَسْقَطَ لُزُومَ التَّفْرِيقِ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَجَوَّزَ تَأْخِيرَ النِّيَّةِ فِي الصَّوْم وَعَدَمَ التَّعْيِينِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْحَجِّ إلَّا رُكْنَيْنِ؛ الْوُقُوفَ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الطَّهَارَةَ لَهُ وَلَا السِّتْرَ وَلَمْ يَجْعَلْ السَّبْعَةَ كُلَّهَا أَرْكَانًا بَلْ الْأَكْثَرَ، وَلَمْ يُوجِبْ الْعُمْرَةَ فِي الْعُمْرِ، كُلُّ ذَلِكَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ فِي الْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا عَلَى مَا قِيلَ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ إنَّهَا كَالظُّهْرِ فِي الزَّمَانَيْنِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْمَطَرِ وَالْجُمُعَةِ بِالْأَعْذَارِ الْمَعْرُوفَةِ، وَكَذَا أَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ الْأَعْمَى الْجُمُعَةَ، وَالْحَجَّ، وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهُ وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِنُدُورِ ذَلِكَ وَسُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَعَنْ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ، كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَجَوَازُ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِخَوْفِ دَوَرَانِ الرَّأْسِ. وَكَانَ الصَّوْمُ فِي السَّنَةِ شَهْرًا، وَالْحَجُّ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَالزَّكَاةُ رُبْعَ الْعَشْرِ، تَيْسِيرًا وَلِذَا قُلْنَا إنَّهَا وَجَبَتْ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ حَتَّى سَقَطَتْ بِهَلَاكِ الْمَالِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَأَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ ضَمَانِ الْبَدَلِ، إذَا اُضْطُرَّ، وَأَكْلُ الْوَلِيِّ، وَالْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِوَجَوَازُ تَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَفْصِلْ أَجْنَبِيٌّ، وَتَقَدُّمِ النِّيَّةِ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ اللَّيْلِ، وَتَأَخُّرُهَا عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْ جِنْسِ الصَّائِمِينَ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ تَطْهُرُ بَعْدَهُ، وَالْكَافِرَ يُسْلِمُ وَالصَّغِيرَ يَبْلُغُ

стр. 56

كَذَلِكَ وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ، وَالْفَوَاتِ وَإِبَاحَةُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ لِلْحَاجِّ فِي الْمَوْسِمِ تَيْسِيرًا وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ، وَالْقِتَالِ وَبَيْعُ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ، جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ وَالِاكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ وَالْأُنْمُوذَجِ وَمَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي دَفْعًا لِلنَّدَمِوَخِيَارُ نَقْدِ الثَّمَنِ دَفْعًا لِلْمُمَاطَلَةِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَيْعُ الْأَمَانَةِ الْمُسَمَّى بِبَيْعِ الْوَفَاءِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِ بُخَارَى تَوْسِعَةً، وَبَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالرَّدِّ لِخِيَارِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، إمَّا مُطْلَقًا أَوْ إذَا كَانَ فِيهِ غُرُورُ رَحْمَةٍ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَمِنْهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالتَّحَالُفِ، وَالْإِقَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ، وَالْإِبْرَاءُ وَالْقَرْضِ وَالشَّرِكَةِ وَالصُّلْحِ، وَالْحَجْرِ، وَالْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارِعَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، عَلَى قَوْلِهِمَا الْمُفْتَى بِهِ لِلْحَاجَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ، لِلْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا هُوَ مِلْكُهُ وَلَا يَسْتَوْفِي إلَّا مَنْ عَلَيْهِ حَقُّهُ، وَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَلَا يَتَعَاطَى أُمُورَهُ إلَّا بِنَفْسِهِ فَسَهُلَ الْأَمْرُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِعَارَةِ وَالْقَرْضِ، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ وَكَالَةً وَإِيدَاعًا وَشَرِكَةً وَمُضَارَبَةً وَمُسَاقَاةً، وَبِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ الْمَدْيُونِ حَوَالَةً، وَبِالتَّوْثِيقِ عَلَى الدَّيْنِ بِرِهَانٍ وَكَفِيلٍ، وَلَوْ بِالنَّفْسِ وَبِإِسْقَاطِ بَعْضِ الدَّيْنِ صُلْحًا، أَوْ كُلَّهُ إبْرَاءٌ، وَلِحَاجَةِ افْتِدَاءِ يَمِينِهِ؛ جَوَّزْنَا الصُّلْحَ عَنْ إنْكَارِ وَلِفَقْدِ مَا شُرِعَتْ الْإِجَارَةُ لَهُ لَوْ جُعِلَتْ الْمَنَافِعُ أُجْرَةً عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، قُلْنَا: لَا يَجُوزُ وَقُلْنَا: الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ مِنْ الْعَيْنِ لَا تَجُوزُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِالْعَارِيَّةِ كَمَا عُلِمَ فِي إجَارَةِ الْبَزَّازِيَّةِ، وَمِنْ التَّخْفِيفِ جَوَازُ الْعُقُودِ الْحَائِزَةِ؛ لِأَنَّ لُزُومَهَا شَاقٌّ فَتَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَعَاطِيهَا وَلُزُومُ اللَّازِمَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ بَيْعٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَوَقَفْنَا عَزْلَ الْوَكِيلِ عَلَى عِلْمِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُ، وَكَذَا عَزْلُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ وَظِيفَتِهِ. وَمِنْهُ إبَاحَةُ النَّظَرِ لِلطَّبِيبِ وَالشَّاهِدِ، وَعِنْدَ الْخِطْبَةِ وَلِلسَّيِّدِ. وَمِنْهُ جَوَازُ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِمَا فِي اشْتِرَاطِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا يَتَحَمَّلُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ، مِنْ نَظَرِ كُلِّ خَاطِبٍ؛ فَنَاسَبَ التَّيَسُّرُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَلَهُ الْخِيَارُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا: إنَّ الْأَمْرَ إيجَابٌ فِي النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَمِنْ هُنَا وَسَّعَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَجَوَّزَهُ بِلَا وَلِيٍّ وَمِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ، وَلَمْ يُفْسِدْهُ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، بَلْ قَالَ: يَنْعَقِدُ بِمَا يُفِيدُ مِلْكَ الْعَيْنِ لِلْحَالِ، وَصَحَّحَهُ بِحُضُورِ ابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ

стр. 57

وَنَاعِسِينَ وَسُكَارَى يَذْكُرُونَهُ بَعْدَ الصَّحْوِ، وَبِعِبَارَةِ النِّسَاءِ وَجَوَّزَ شَهَادَتَهُنَّ فِيهِ، فَانْعَقَدَ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّنَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا قِيلَ عَجِبْتُ لِحَنَفِيٍّ يَزْنِي. وَمِنْهُ إبَاحَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَةٍ تَيْسِيرًا عَلَى الرَّجُلِ وَعَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا لِكَثْرَتِهِنَّ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الطَّلَاقِ لِمَا فِي الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ التَّنَافُرِ، وَكَذَا مَشْرُوعِيَّةُ الْخُلْعِ وَالِافْتِدَاءِ وَالرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ الثَّلَاثِ، وَلَمْ يُشْرَعْ دَائِمًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ. وَمِنْهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْمَوْلَى بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَكَذَا التَّخْيِيرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا، وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِيرِ فِي نَذْرٍ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ لَا يُرَادُ كَوْنُهُ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْوَفَاءِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكِتَابَةِ لِيَتَخَلَّصَ الْعَبْدُ مِنْ دَوَامِ الرِّقِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ تَوْسِعَةً. وَمِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ لِيَتَدَارَكَ الْإِنْسَانُ مَا فَرَطَ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَصَحَّ لَهُ فِي الثُّلُثِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْوَرَثَةِ حَتَّى أَجَزْنَاهَا بِالْجَمِيعِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، وَأَوْقَفْنَاهَا عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَتْ لِوَارِثٍ وَأَبْقَيْنَا التَّرِكَةَ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ حُكْمًا حَتَّى تُقْضَى حَوَائِجُهُ مِنْهَا رَحْمَةً عَلَيْهِ، وَوَسَّعْنَا الْأَمْرَ فِي الْوَصِيَّةِ فَجَوَّزْنَاهَا بِالْمَعْدُومِ وَلَمْ نُبْطِلْهَا بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ. ، وَمِنْهُ إسْقَاطُ الْإِثْمِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْخَطَأِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ وَلَوْ كُلِّفُوا الْأَخْذَ بِالْيَقِينِ لَشَقَّ وَعَسُرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ وَوَسَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ تَيْسِيرًا، فَصَحَّحَ تَوْلِيَةَ الْفَاسِقِ، وَقَالَ: إنَّ فِسْقَهُ لَا يَعْزِلُهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ، لَمْ يُوجِبْ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ وَلَمْ يُقْبَلْ الْجَرْحُ الْمُجَرَّدُ فِي الشَّاهِدِ. وَوَسَّعَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي الْقَضَاءِ، وَالْوَقْفِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَجَوَّزَ لِلْقَاضِي تَلْقِينُ الشَّاهِدِ وَجَوَّزَ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَهُ الْإِمَامُ وَصَحَّحَ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ وَوَقْفَ الْمَشَاعَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُتَوَلِّي وَلَا حُكْمَ

стр. 58

الْقَاضِي، وَجَوَّزَ اسْتِبْدَالَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِلَا شَرْطٍ، وَجَوَّزَهُ مَعَ الشَّرْطِ تَرْغِيبًا فِي الْوَقْفِ وَتَيْسِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يَرْجِعُ إلَيْهَا غَالِبُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ السَّبَبُ السَّابِعُ: النَّقْصُ؛ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَشَقَّةِ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفَ؛ فَمِنْ ذَلِكَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَفَوَّضَ أَمْرَ أَمْوَالِهِمَا إلَى الْوَلِيِّ، وَتَرْبِيَتَهُ وَحَضَانَتَهُ إلَى النِّسَاءِ رَحْمَةً عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْبِرْهُنَّ عَلَى الْحَضَانَةِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِنَّ، وَعَدَمُ تَكْلِيفِ النِّسَاء بِكَثِيرٍ مِمَّا وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ؛ كَالْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ وَالْجِزْيَةِ وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ عَلَى قَوْلٍ. وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، وَإِبَاحَةُ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَحُلِيِّ الذَّهَبِ، وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْأَرِقَّاءِ بِكَثِيرٍ مِمَّا وَجَبَ عَلَى الْأَحْرَارِ؛ لِكَوْنِهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي الْحُدُودِ وَالْعِدَّةِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْعَبِيدِ. وَهَذِهِ فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ نَخْتِمُ بِهَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ . الْفَائِدَةُ الْأُولَى: الْمَشَاقُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشَقَّةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَةُ غَالِبًا، كَمَشَقَّةِ الْبَرْدِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُولِ النَّهَارِ، وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ الَّتِي لَا انْفِكَاكَ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنْهَا، وَمَشَقَّةِ أَلَمِ الْحَدِّ وَرَجْمِ الزُّنَاةِ، وَقَتْلِ الْجُنَاةِ وَقِتَالِ الْبُغَاةِ، فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي إسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ. وَأَمَّا جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِلْخَوْفِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ لِلْجَنَابَةِ؛ فَالْمُرَادُ مِنْ الْخَوْفِ: الْخَوْفُ مِنْ الِاغْتِسَالِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مِنْ حُصُولِ مَرَضٍ. وَلِذَا اشْتَرَطَ فِي الْبَدَائِعِ لِجَوَازِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ أَنْ لَا يَجِدَ مَكَانًا يَأْوِيهِ، وَلَا ثَوْبًا يَتَدَفَّأُ بِهِ، وَلَا مَاءً مُسَخَّنًا وَلَا حَمَّامًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَاتُ غَالِبًا فَعَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى: مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فَادِحَةٌ كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَمَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَجِّ طَرِيقٌ إلَّا مِنْ الْبَحْرِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ السَّلَامَةِ لَمْ يَجِبْ. الثَّانِيَةُ: مَشَقَّةٌ خَفِيفَةٌ؛ كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي أُصْبُعٍ أَوْ أَدْنَى صُدَاعٍ فِي الرَّأْسِ أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ خَفِيفٍ فَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ وَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ مَصَالِحِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا. وَمِنْ هُنَا رُدَّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ مَشَايِخِنَا: إنَّ الْمَرِيضَ إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى إنْ كَانَ مَرَضًا لَا يَضُرُّ

стр. 59

مَعَهُ الصَّوْمُ، وَإِلَّا فَيَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ بِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ لَيْسَ بِمُرَخِّصٍ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَكَلَامُنَا فِي مَرِيضٍ رُخِّصَ لَهُ الْفِطْرُ. تَنْبِيهٌ: مُطْلَقُ الْمَرَضِ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ؛ إنْ كَانَ بِالزَّوْجِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ خَلْوَتِهِ بِهَا بِخِلَافِ مَرَضِهَا الثَّالِثَةُ: مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ؛ كَمَرِيضٍ فِي رَمَضَانَ يَخَافُ مِنْ الصَّوْمِ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ الْبُرْءِ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهَكَذَا فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ، وَاعْتُبِرَ فِي الْحَجِّ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ الْمُنَاسِبَيْنِ لِلشَّخْصِ، حَتَّى قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ مَا يَصِحُّ مَعَهُ بَدَنُهُ. وَقَالُوا: لَا يَكْتَفِي بِالْعُقْبَةِ فِي الرَّاحِلَةِ، بَلْ لَا بُدَّ فِي الْحَجِّ مِنْ شِقِّ مَحْمِلٍ أَوْ رَأْسِ زَامِلَةٍ وَمِنْ الْمُشْكِلِ التَّيَمُّمُ؛ فَإِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لَهُ أَنْ يَخَافَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ ذَهَابًا أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ، وَلَمْ يُبِيحُوهُ بِمُطْلَقِ الْمَرَضِ مَعَ أَنَّ مَشَقَّةَ السَّفَرِ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَلَمْ يُوجِبُوا شِرَاءَ الْمَاءِ بِزِيَادَةٍ فَاحِشَةٍ عَلَى قِيمَتِهِ لَا الْيَسِيرَةِ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَخْفِيفَاتُ الشَّرْعِ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: تَخْفِيفُ إسْقَاطٍ كَإِسْقَاطِ الْعَادَاتِ عِنْدَ وُجُودِ أَعْذَارِهَا الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ: كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِتْمَامَ أَصْلٌ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْقَصْرُ أَصْلٌ، وَالْإِتْمَامُ فُرِضَ بَعْدَهُ، فَلَا إلَّا فِي صُورَةٍ. وَالثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إبْدَالٍ كَإِبْدَالِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِالْإِيمَاءِ، وَالصِّيَامِ بِالْإِطْعَامِ الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ؛ كَالْجَمْعِ بِعَرَفَاتٍ وَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَقَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ بَعْدَ تَمَلُّكِ النِّصَابِ فِي الْأَوَّلِ، وَوُجُودِ الرَّأْسِ بِصِفَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي الثَّانِي. الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ كَالْجَمْعِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَتَأْخِيرِ رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا فِي حَقِّ مُشْتَغِلٍ بِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ السَّادِسُ: تَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، كَصَلَاةِ الْمُسْتَجْمِرِ مَعَ بَقِيَّةِ النَّجْوِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْغُصَّةِ.

стр. 60

السَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَغْيِيرٍ؛ كَتَغْيِيرِ نَظْمِ الصَّلَاةِ لِلْخَوْفِ الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ، إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَأَمَّا مَعَ النَّصِّ بِخِلَافِهِ فَلَا، وَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِحُرْمَةِ رَعْيِ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَقَطْعِهِ، إلَّا الْإِذْخِرَ. وَجَوَّزَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ رَعْيَهُ لِلْحَرَجِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي جِنَايَاتِ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ فِي الْأَنْجَاسِ: إنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ بِتَغْلِيظِ نَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ إنَّهَا رِكْسٌ أَيْ: نَجَسٌ. وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، كَمَا فِي بَوْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ (انْتَهَى) . وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ زَادَ فِي تَفْسِيرِ الْغَلِيظَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَا حَرَجَ فِي اجْتِنَابِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَفِي الْغَلِيظَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَا بَلْوَى فِي إصَابَتِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ أَيْضًا. وَفِي الْمُحِيطِ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ يَشْهَدُ لَهَا بَعْضُ فُرُوعِ الْبَابِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَا حَرَجَ فِي اجْتِنَابِهِ، وَلَا بَلْوَى فِي إصَابَتِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْعِبَارَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِدْقِ الْقَضِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ: أَنَّ مَا عَمَّتْ بَلِيَّتُهُ خَفَّتْ قَضِيَّتُهُ (انْتَهَى) الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْأَمْرَ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ، وَإِذَا اتَّسَعَ ضَاقَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ عَنْ حَدِّهِ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ . وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فِي التَّعَاكُسِ قَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ . وَقَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ فُرُوعِهِمَا. الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الضَّرَرُ يُزَالُ أَصْلُهَا قَوْلُهُ ﵊ ﴿لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ﴾ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵃.

стр. 61

وَفَسَّرَهُ فِي الْمُغْرِبِ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الرَّجُلُ أَخَاهُ ابْتِدَاءً وَلَا جَزَاءً (انْتَهَى) . وَذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ﵏ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ وَالشُّفْعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُبْتَنَى عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَثِيرٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. فَمِنْ ذَلِكَ؛ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْخِيَارَاتِ، وَالْحَجْرُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَالشُّفْعَةُ فَإِنَّهَا لِلشَّرِيكِ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ، وَلِلْجَارِ لِدَفْعِ ضَرَرِ جَارِ السَّوْءِ (بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ) . وَالْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ، وَالْكَفَّارَاتُ وَضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ وَالْجَبْرُ عَلَى الْقِسْمَةِ بِشَرْطِهِ؛ وَنَصْبُ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَدَفْعُ الصَّائِلِ وَقِتَالُ الْمُشْرِكِينَ وَالْبُغَاةِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ: بَاعَ أَغْصَانَ فِرْصَادٍ، وَالْمُشْتَرِي إذَا ارْتَقَى لِقَطْعِهَا يَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْجِيرَانِ؛ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُخْبِرَهُمْ وَقْتَ الِارْتِقَاءِ؛ لِيَسْتَتِرُوا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِيَمْنَعَهُ مِنْ الِارْتِقَاءِ (انْتَهَى) وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مُتَّحِدَةٌ أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ، وَتَتَعَلَّق بِهَا قَوَاعِدُ: الْأُولَى: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ، وَالتَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ وَكَذَا إتْلَافُ الْمَالِ، وَأَخْذُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ الْأَدَاءِ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَدَفْعُ الصَّائِلِ، وَلَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِشَرْطِ عَدَمِ نُقْصَانِهَا؛ قَالُوا: لِيَخْرُجَ مَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ نَبِيًّا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ مُهْجَةِ الْمُضْطَرِّ (انْتَهَى) . وَلَكِنْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا ﵏ مَا يُفِيدُهُ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ بِقَتْلٍ لَا يُرَخَّصُ لَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ أَثِمَ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ قَتْلِ نَفْسِهِ أَخَفُّ مِنْ مَفْسَدَةِ قَتْلِ غَيْرِهِ. وَقَالُوا: لَوْ دُفِنَ بِلَا تَكْفِينٍ لَا يُنْبَشُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ هَتْكِ حُرْمَتِهِ أَشَدُّ مِنْ عَدَمِ تَكْفِينِهِ الَّذِي قَامَ السَّتْرُ بِالتُّرَابِ مَقَامَهُ. وَكَذَا قَالُوا: لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ؛ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ وَلَا يُخْرَجُ الثَّانِيَةُ: مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلِذَا قَالَ فِي أَيْمَانِ الظَّهِيرِيَّةِ: إنَّ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ لَا تُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا يُبَاحُ التَّعْرِيضُ، (انْتَهَى) . يَعْنِي؛ لِانْدِفَاعِهَا بِالتَّعْرِيضِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ: الْمُضْطَرُّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ وَالطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ

стр. 62

عَلَى سَبِيلِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ. قَالَ فِي الْكَنْزِ: وَيَنْتَفِعُ فِيهَا بِعَلَفٍ وَطَعَامٍ وَحَطَبٍ وَسِلَاحٍ وَدُهْنٍ بِلَا قِسْمَةٍ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا لَا، وَمَا فَضَلَ رُدَّ إلَى الْغَنِيمَةِ. وَأَفْتَوْا بِالْعَفْوِ عَنْ بَوْلِ السِّنَّوْرِ فِي الثِّيَابِ دُونَ الْأَوَانِي؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْأَوَانِي؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِتَخْمِيرِهَا. وَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ فِي الْبَعْرِ بَيْنَ آبَارِ الْفَلَوَاتِ؛ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْإِبِلُ تَبْعَرُ حَوْلَهَا، وَبَيْنَ آبَارِ الْأَمْصَارِ؛ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ. وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ آبَارِ الْفَلَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ، وَبَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ، وَبَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ. وَيُعْفَى عَنْ ثِيَابِ الْمُتَوَضِّئِ إذَا أَصَابَهَا مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، عَلَى رِوَايَةِ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ ثَوْبَ غَيْرِهِ؛ لِعَدَمِهَا، وَدَمُ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، نَجِسٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَالْجَبِيرَةُ يَجِبُ أَنْ لَا تَسْتُرَ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِقَدْرِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالطَّبِيبُ إنَّمَا يَنْظُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. وَفَرَّعَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْهَا؛ أَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِهَا (انْتَهَى) وَلَمْ أَرَهُ لِمَشَايِخِنَا ﵏. تَذْنِيبٌ: [مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ] يَقْرُبُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ فَبَطَلَ التَّيَمُّمُ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؛ فَإِنْ كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ بَطَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ بَطَلَ بِبُرْئِهِ، وَإِنْ كَانَ لِبَرْدٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ تُخَرَّجَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَرِيضًا فَصَحَّ بَعْدَ الْإِشْهَادِ، أَوْ مُسَافِرًا فَقَدِمَ أَنْ يَبْطُلَ الْإِشْهَادُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا لِمَوْتِ الْأَصِيلِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ الثَّالِثَةُ: الضَّرَرُ لَا يَزَالُ بِالضَّرَرِ وَهِيَ مُقَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِمْ: الضَّرَرُ يُزَالُ ، أَيْ لَا بِضَرَرٍ. وَمِنْ فُرُوعِهَا عَدَمُ وُجُوبِ الْعِمَارَةِ عَلَى الشَّرِيكِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمُرِيدِهَا أَنْفِقْ وَاحْبِسْ الْعَيْنَ إلَى اسْتِيفَاءِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ مَا أَنْفَقْتَهُ، فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي، وَالثَّانِي إنْ كَانَ بِإِذْنِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَتَبْنَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: أَنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ، وَلَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى تَزْوِيجِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ تَضَرُّرًا، وَلَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ طَعَامَ مُضْطَرٍّ آخَرَ وَلَا شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ. تَنْبِيهٌ: يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ؛ لِأَجْلِ دَفْعِ ضَرَرِ الْعَامِّ . وَهَذَا مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِمْ: الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ وَعَلَيْهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ:

стр. 63

مِنْهَا: جَوَازُ الرَّمْيِ إلَى كُفَّارٍ تَتَرَّسُوا بِصِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا: وُجُوبُ نَقْضِ حَائِطٍ مَمْلُوكٍ مَالَ إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ عَلَى مَالِكِهَا؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ، وَمِنْهَا: جَوَازُ الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْحُرِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي ثَلَاثٍ: الْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ وَمِنْهَا: جَوَازُهُ عَلَى السَّفِيهِ عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ. وَمِنْهَا: بَيْعُ مَالِ الْمَدْيُونِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَهُمَا لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمِنْهَا: التَّسْعِيرُ عِنْدَ تَعَدِّي أَرْبَابِ الطَّعَامِ فِي بَيْعِهِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ. وَمِنْهَا: بَيْعُ طَعَامِ الْمُحْتَكَرِ جَبْرًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْبَيْعِ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ الْعَامِّ وَمِنْهَا: مَنْعُ اتِّخَاذِ حَانُوتٍ لِلطَّبْخِ بَيْنَ الْبَزَّازِينَ، وَكَذَا كُلُّ ضَرَرٍ عَامٍّ، كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ مِنْ الدَّعْوَى. تَنْبِيهٌ آخَرُ: [الضَّرَرُالْأَشَدُّ يُزَالُ بِالْأَخَفِّ] تَقْيِيدُ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا بِمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ الْآخَرِ؛ فَإِنَّ الْأَشَدَّ يُزَالُ بِالْأَخَفِّ، فَمِنْ ذَلِكَ الْإِجْبَارُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَاتِ. وَمِنْهَا: حَبْسُ الْأَبِ لَوْ امْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ؛ بِخِلَافِ الدَّيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ غَصَبَ سَاجَةً، أَيْ خَشَبَةً، وَأَدْخَلَهَا فِي بِنَائِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ يَمْلِكُهَا صَاحِبُهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّ الْمَالِكِ عَنْهَا. وَمِنْهَا: لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ قَلَعَهَا وَرُدَّتْ، وَإِلَّا ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهَا وَمِنْهَا: لَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةٌ لُؤْلُؤَةً؛ يُنْظَرُ إلَى أَكْثَرِهِمَا قِيمَةً فَيَضْمَنُ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ قِيمَةَ الْأَقَلِّ. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَدْخَلَ فَصِيلَ غَيْرِهِ فِي دَارِهِ فَكَبِرَ فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِهَدْمِ الْجِدَارِ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ الْبَقَرُ رَأْسَهُ فِي قِدْرٍ مِنْ النُّحَاسِ فَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا ﵏ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.

стр. 64

وَفَصَّلَ الشَّافِعِيَّةُ؛ فَقَالُوا: إنْ كَانَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ مَعَهَا فَهُوَ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الْحِفْظِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ كُسِرَتْ الْقِدْرُ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ. أَوْ مَأْكُولَةً فَفِي ذَبْحِهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَإِنْ فَرَّطَ صَاحِبُ الْقِدْرِ كُسِرْت، وَلَا أَرْشَ، وَإِلَّا فَلَهُ الْأَرْشُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِمَسْأَلَةِ الْبَقَرَةِ مَا لَوْ سَقَطَ دِينَارُهُ فِي مِحْبَرَةِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهَا وَمِنْهَا: جَوَازُ دُخُولِ بَيْتِ غَيْرِهِ إذَا سَقَطَ مَتَاعُهُ فِيهِ وَخَافَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ أَخْفَاهُ وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ الظَّفَرِ بِجِنْسِ دَيْنِهِ، وَمِنْهَا: جَوَازُ شَقِّ بَطْنِ الْمَيِّتَةِ؛ لِإِخْرَاجِ الْوَلَدِ إذَا كَانَتْ تُرْجَى حَيَاتُهُ. وَقَدْ أَمَرَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَعَاشَ الْوَلَدُ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ. قَالُوا: بِخِلَافِ مَا إذَا ابْتَلَعَ لُؤْلُؤَةً فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَالِ. وَسَوَّى الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَهُمَا فِي جَوَازِ الشَّقِّ. وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقِيمَةُ الدُّرَّةِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا لَا يَجِبُ شَيْءٌ (انْتَهَى) . وَمِنْهَا طَلَبُ صَاحِبِ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ، وَشَرِيكُهُ يَتَضَرَّرُ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْكَثِيرِ يُجَابُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ فِي عَدَمِ الْقِسْمَةِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ شَرِيكِهِ بِهَا الرَّابِعَةُ: [إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا] نَشَأَتْ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَاعِدَةٌ رَابِعَةٌ، وَهِيَ مَا: إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا". قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ يَأْخُذُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَرَامِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ. مِثَالُهُ: رَجُلٌ عَلَيْهِ جُرْحٌ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسِلْ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ جَائِزٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ. وَكَذَا شَيْخٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَائِمًا وَيَقْدِرُ عَلَيْهَا قَاعِدًا، يُصَلِّي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ بِحَالٍ، وَلَوْ صَلَّى فِي الْفَصْلَيْنِ قَائِمًا مَعَ الْحَدَثِ، وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجَاسَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 65

أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، يَتَخَيَّرُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدُهُمَا قَدْرَ رُبُعِ الثَّوْبِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ وَلَوْ كَانَ دَمُ أَحَدِهِمَا قَدْرَ الرُّبُعِ، وَدَمُ الْآخَرِ أَقَلَّ يُصَلِّي فِي أَقَلِّهِمَا دَمًا، وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبُعِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ الرُّبُعِ أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَفِي الْآخَرِ قَدْرُ الرُّبُعِ، صَلَّى فِي أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَقَلِّهِمَا نَجَاسَةً. وَلَوْ كَانَ رُبُعُ أَحَدِهِمَا طَاهِرًا، وَالْآخَرِ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ يُصَلِّي فِي الَّذِي رُبُعُهُ طَاهِرٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْعَكْسِ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَوْ صَلَّتْ قَائِمَةً يَنْكَشِفُ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ صَلَّتْ قَاعِدَةً لَا يَنْكَشِفُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ فَإِنَّهَا تُصَلِّي قَاعِدَةً؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ أَهْوَنُ. وَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ يُغَطِّي جَسَدَهَا، وَرُبُعَ رَأْسِهَا وَتَرَكَتْ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ يُغَطِّي أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ لَا يَضُرُّهَا تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبُعِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَمَا دُونَهُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ تَقْلِيلًا لِلِانْكِشَافِ (انْتَهَى) وَمَنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ؛ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إذَا خَرَجَ لِلْجَمَاعَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَائِمًا، يَخْرُجُ إلَيْهَا وَيُصَلِّي قَاعِدًا وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَنَقَلَ عَنْ شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي تَصْحِيحًا آخَرَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَائِمًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ لَوْ اُضْطُرَّ، وَعِنْدَهُ مَيْتَةٌ، وَمَالُ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ. وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ﵏: مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ الْغَصْبُ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ. وَبِهِ أَخَذَ الطَّحْطَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَخَيَّرَهُ الْكَرْخِيُّ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ، وَعِنْدَهُ مَيْتَةٌ وَصَيْدٌ أَكَلَهَا دُونَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: لَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى وِفَاقًا. وَلَوْ اُضْطُرَّ، وَعِنْدَهُ صَيْدٌ وَمَالُ الْغَيْرِ فَالصَّيْدُ أَوْلَى، وَكَذَا الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْإِنْسَانِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ؛ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ (انْتَهَى) . وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ: لَوْ قَالَ لَهُ لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ؛ وَكَانَ الْإِلْقَاءُ بِحَيْثُ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ خِفَّةٍ فَلَهُ الْخِيَارُ؟ إنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِي زَعْمِهِ. وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ سَعْيٌ فِي إهْلَاكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْحَرِيقَ إذَا وَقَعَ فِي سَفِينَةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَبَرَ فِيهَا يَحْتَرِقُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ يَغْرَقُ؛ فَعِنْدَهُ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَعِنْدَهُمَا يَصْبِرُ، ثُمَّ إذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَك مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فَمَاتَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَجِبُ الدِّيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ (انْتَهَى) .

стр. 66

الْخَامِسَةُ: وَنَظِيرُ الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ قَاعِدَةٌ خَامِسَةٌ؛ وَهِيَ: "دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ. فَإِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَةٌ وَمَصْلَحَةٌ قُدِّمَ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ أَشَدُّ مِنْ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ، وَلِذَا قَالَ ﵇ ﴿إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ، وَرَوَى فِي الْكَشْفِ حَدِيثًا ﴿لَتَرْكُ ذَرَّةٍ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ﴾ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَلَمْ يُسَامَحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ. خُصُوصًا الْكَبَائِرَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ، وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ، وَلَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ (انْتَهَى) وَالْمَرْأَةُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَلَمْ تَجِدْ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ تُؤَخِّرُهُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا يُؤَخِّرُهُ وَيَغْتَسِلُ. وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً يَتْرُكُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ أَقْوَى، وَالْمَرْأَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَالرَّجُلِ بَيْنَ الرِّجَالِ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَسْنُونَةٌ، وَتُكْرَهُ لِلصَّائِمِ وَتَخْلِيلُ الشَّعْرِ سُنَّةٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ تُرَاعَى الْمَصْلَحَةُ لِغَلَبَتِهَا عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ مَعَ اخْتِلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ أَوْ السَّتْرِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ؛ فَإِنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَفْسَدَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِخِلَالِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ لَا يُنَاجَى إلَّا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَمَتَى تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ. وَمِنْهُ الْكَذِبُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَهُوَ مَتَى تَضَمَّنَ جَلْبَ مَصْلَحَةٍ تُرَدُّ، وَعَلَيْهِ جَازَ كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى الزَّوْجَةِ لِإِصْلَاحِهَا، وَهَذَا النَّوْعُ رَاجِعٌ إلَى ارْتِكَابِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ. السَّادِسَةُ: الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً ، وَلِهَذَا: جُوِّزَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ وَكَذَا قُلْنَا لَا تَجُوزُ إجَارَةُ بَيْتٍ بِمَنَافِعِ بَيْتٍ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ فَلَا حَاجَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ، وَمِنْهَا: ضَمَانُ الدَّرَكِ جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَمِنْ ذَلِكَ: جَوَازُ السَّلَمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِكَوْنِهِ بَيْعَ الْمَعْدُومِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ، وَمِنْهَا جَوَازُ

стр. 67

الِاسْتِصْنَاعِ لِلْحَاجَةِ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ مَعَ جَهَالَةِ مُكْثِهِ فِيهَا وَمَا يَسْتَعْمِلُهُ مِنْ مَائِهَا، وَشَرْبَةُ السَّقَّاءِ، وَمِنْهَا الْإِفْتَاءُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْوَفَاءِ حِينَ كَثُرَ الدَّيْنُ عَلَى أَهْلِ بُخَارَى وَهَكَذَا بِمِصْرَ وَقَدْ سَمَّوْهُ بَيْعَ الْأَمَانَةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ يُسَمُّونَهُ الرَّهْنَ الْمُعَادَ، وَهَكَذَا سَمَّاهُ بِهِ فِي الْمُلْتَقَطِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ بَابِ خِيَارِ الشَّرْطِ. وَفِي الْقُنْيَةِ وَالْبُغْيَةِ: يَجُوزُ لِلْمُحْتَاجِ الِاسْتِقْرَاضُ بِالرِّبْحِ (انْتَهَى) الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ ﵊ ﴿مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ﴾ قَالَ الْعَلَائِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلًا، وَلَا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ، وَكَثْرَةِ الْكَشْفِ وَالسُّؤَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْفِقْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ حَتَّى جَعَلُوا ذَلِكَ أَصْلًا، فَقَالُوا فِي الْأُصُولِ فِي بَابِ مَا تُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ: تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْعَادَةِ. كَذَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ. فَاخْتُلِفَ فِي عَطْفِ الْعَادَةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فَقِيلَ: هُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ شَرْعًا، وَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَمِنْ الْعَادَةِ نَقْلُهُ إلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ عُرْفًا، وَتَمَامُهُ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ. وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي: الْعَادَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَسْتَقِرُّ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَكَرِّرَةِ الْمَقْبُولَةِ عِنْدَ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: الْعُرْفِيَّةُ الْعَامَّةُ، كَوَضْعِ الْقَدَمِ، وَالْعُرْفِيَّةُ الْخَاصَّةُ: كَاصْطِلَاحِ كُلِّ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، كَالرَّفْعِ لِلنُّحَاةِ، وَالْفَرْقِ وَالْجَمْعِ وَالنَّقْضِ لِلنُّظَّارِ. وَالْعُرْفِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، تُرِكَتْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةُ بِمَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ (انْتَهَى) . فَمَا فُرِّعَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: حَدُّ الْمَاءِ الْجَارِي ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا، وَمِنْهَا وُقُوعُ الْبَعْرِ الْكَثِيرِ فِي الْبِئْرِ؛ الْأَصَحُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ. وَمِنْهَا حَدُّ الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُلْحَقِ بِالْجَارِي، الْأَصَحُّ تَفْوِيضُهُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ لَا التَّقْدِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُشْرِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، قَالُوا: لَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ يُرَدُّ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ الْمُفْسِدُ لِلصَّلَاةِ مُفَوَّضٌ إلَى

стр. 68

الْعُرْفِ لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ يَظُنُّ أَنَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: تَنَاوُلُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ وَفِي إجَارَةٍ الظِّئْرِ وَفِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ فِي كَوْنِهِ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا. وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَلَى كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعُرْفِ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ وَقَوَّاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلرِّبَا، وَإِنَّمَا الْعُرْفُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الصَّلَاةِ: وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ السُّرَّةُ إلَى مَوْضِعِ نَبَاتِ الشَّعْرِ مِنْ الْعَانَةِ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ؛ لِتَعَامُلِ الْعُمَّالِ فِي الْإِبْدَاءِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ الِاتِّزَارِ، وَفِي النَّزْعِ عِنْدَ الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ نَوْعُ حَرَجٍ. وَهَذَا ضَعِيفٌ وَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّعَامُلَ بِخِلَافِ النَّصِّ لَا يُعْتَبَرُ (انْتَهَى بِلَفْظِهِ) وَفِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ، وَكَذَا صَوْمُ يَوْمَيْنِ قَبْلَهُ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ كَرَاهِيَةِ صَوْمِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ مُطْلَقًا. وَمِنْهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ لَهُ قَبْلَ تَوْلِيَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا رَدَّ الزَّائِدَ، وَالْأَكْلُ مِنْ الطَّعَامِ الْمُقَدَّمِ لَهُ ضِيَافَةً بِلَا صَرِيحِ الْإِذْنِ. وَمِنْهَا أَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ تَبْتَنِي عَلَى عُرْفِهِمْ كَمَا فِي وَقْفِ فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَكَذَا لَفْظُ النَّاذِرِ وَالْمُوصِي وَالْحَالِفِ، وَكَذَا الْأَقَارِيرُ تَبْتَنِي عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ وَسَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ. وَتَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَبَاحِثُ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ ؟ وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: الْعَادَةُ فِي بَابِ الْحَيْضِ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَرَّتَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، قَالُوا: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهَلْ الْخِلَافُ فِي الْأَصْلِيَّةِ أَوْ فِي الْجَعْلِيَّةِ أَوْ فِيهِمَا؟ مُسْتَوْفًى فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا الثَّانِي: تَعْلِيمُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ يَتْرُكُ أَكْلَهُ لِلصَّيْدِ بِأَنْ يَصِيرَ التَّرْكُ عَادَةً، وَذَلِكَ بِتَرْكِ الْأَكْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

стр. 69

الثَّالِثُ: لَمْ أَرَ بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالْإِهْدَاءِ لِلْقَاضِي الْمُقْتَضِيَةُ لِلْقَبُولِ؟ الْمَبْحَثُ الثَّانِي: إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ أَوْ غَلَبَتْ وَلِذَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ: لَوْ بَاعَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَكَانَا فِي بَلَدٍ اخْتَلَفَ فِيهِ النُّقُودُ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ انْصَرَفَ الْبَيْعُ إلَى الْأَغْلَبِ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ فَيَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ إلَيْهِ وَمِنْهَا لَوْ بَاعَ التَّاجِرُ فِي السُّوقِ شَيْئًا بِثَمَنٍ، وَلَمْ يُصَرِّحَا بِحُلُولٍ وَلَا تَأْجِيلٍ، وَكَانَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُ كُلَّ جُمُعَةٍ قَدْرًا مَعْلُومًا انْصَرَفَ إلَيْهِ بِلَا بَيَانٍ. قَالُوا: لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ. وَلَكِنْ إذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِيَ تَوْلِيَةً وَلَمْ يُبَيِّنْ التَّقْسِيطَ لِلْمُشْتَرِي هَلْ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً بِلَا بَيَانٍ لِكَوْنِهِ حَالًّا بِالْعَقْدِ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّوْلِيَةِ. وَمِنْهَا فِي اسْتِئْجَارِ الْكَاتِبِ، قَالُوا الْحِبْرُ عَلَيْهِ وَالْأَقْلَامُ، وَالْخَيَّاطُ قَالُوا: الْخَيْطُ وَالْإِبْرَةُ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكُحْلُ عَلَى الْكَحَّالِ لِلْعُرْفِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ طَعَامُ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِخِلَافِ عَلْفِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ حَتَّى لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَسَدَتْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّة بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لِلْعُرْفِ، وَتَفَرَّعَ عَلَى أَنَّ عَلْفَ الدَّابَّةِ عَلَى مَالِكِهَا دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ لَوْ تَرَكَهَا بِلَا عَلْفٍ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمِنْهَا مَا فِي وَقْفِ الْقُنْيَةِ: بَعَثَ شَمْعًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى مَسْجِدٍ فَاحْتَرَقَ، وَبَقِيَ مِنْهُ ثُلُثُهُ أَوْ دُونَهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ وَلَا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الدَّافِعِ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ (انْتَهَى) وَمِنْهَا الْبَطَالَةُ فِي الْمَدَارِسِ، كَأَيَّامِ الْأَعْيَادِ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَشَهْرِ رَمَضَانَ فِي دَرْسِ الْفِقْهِ لَمْ أَرَهَا صَرِيحَةً فِي كَلَامِهِمْ. وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً لَمْ يَسْقُطْ مِنْ الْمَعْلُومِ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِبَطَالَةِ الْقَاضِي، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَخْذِ الْقَاضِي مَا رُتِّبَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي يَوْمِ بَطَالَتِهِ، فَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: إنَّهُ يَأْخُذُ فِي يَوْمِ الْبَطَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ لِلْيَوْمِ الثَّانِي. وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُ (انْتَهَى) . وَفِي الْمُنْيَةِ: الْقَاضِي يَسْتَحِقُّ الْكِفَايَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي يَوْمِ الْبَطَالَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْمَدَارِسِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ

стр. 70

الْبَطَالَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ لِلْمُطَالَعَةِ وَالتَّحْرِيرِ عِنْدَ ذِي الْهِمَّةِ، وَلَكِنْ تَعَارَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَمَانِنَا بَطَالَةً طَوِيلَةً أَدَّتْ إلَى أَنْ صَارَ الْغَالِبُ الْبَطَالَةَ، وَأَيَّامُ التَّدْرِيسِ قَلِيلَةً، وَبَعْضُ الْمُدَرِّسِينَ يَتَقَدَّمُ فِي أَخْذِ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْمُدَرِّسَ مِنْ الشَّعَائِرِ مُسْتَدِلًّا بِمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مَعَ أَنَّ مَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُدَرِّسِ لِلْمَدْرَسَةِ لَا فِي كُلِّ مُدَرِّسٍ، فَخَرَجَ مُدَرِّسُ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ فِي مِصْرَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَدْرَسَةَ تَتَعَطَّلُ إذَا غَابَ الْمُدَرِّسُ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَطَّلُ؛ لِغَيْبَةِ الْمُدَرِّسِ. فَائِدَةٌ: نَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ الْإِمَامَ لِلْمَسْجِدِ يُسَامَحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أُسْبُوعًا لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لِزِيَارَةِ أَهْلِهِ. وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ: يَتْرُكُ الْإِمَامَةَ لِزِيَارَةِ أَقْرِبَائِهِ فِي الرَّسَاتِيقِ أُسْبُوعًا، أَوْ نَحْوَهُ أَوْ لِمُصِيبَتِهِ أَوْ لِاسْتِرَاحَتِهِ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَمِثْلُهُ عَفْوٌ فِي الْعَادَةِ وَالشَّرْعِ (انْتَهَى) . وَمِنْهَا الْمَدَارِسُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى دَرْسِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُعْلَمُ مُرَادُ الْوَاقِفِ فِيهَا هَلْ يُدَرَّسُ فِيهَا عِلْمُ الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْمُصْطَلَحِ كَمُخْتَصَرِ ابْنِ الصَّلَاحِ؟ أَوْ يُقْرَأُ مَتْنُ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَنَحْوِهِمَا، وَيُتَكَلَّمُ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ فِقْهٍ أَوْ عَرَبِيَّةٍ أَوْ لُغَةٍ أَوْ مُشْكِلٍ أَوْ اخْتِلَافٍ كَمَا هُوَ عُرْفُ النَّاسِ الْآنَ؟ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ: وَهُوَ شَرْطُ الْمَدْرَسَةِ الشَّيْخُونِيَّةِ كَمَا رَأَيْته فِي شَرْطِ وَاقِفِهَا. قَالَ: وَقَدْ سَأَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ شَيْخَهُ الْحَافِظَ أَبَا الْفَضْلِ الْعِرَاقِيَّ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ اتِّبَاعُ شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوطٍ، وَكَذَلِكَ اصْطِلَاحُ كُلِّ بَلَدٍ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يُلْقُونَ دُرُوسَ الْحَدِيثِ بِالسَّمَاعِ، وَيَتَكَلَّمُ الْمُدَرِّسُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، بِخِلَافِ الْمِصْرِيِّينَ، فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِحَسَبِ مَا يُقْرَأُ فِيهَا مِنْ الْحَدِيشثِ. فَصْلٌ فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ الشَّرْعِ: فَإِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ خُصُوصًا فِي الْأَيْمَانِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْبِسَاطِ أَوْ لَا يَسْتَضِيءُ بِالسِّرَاجِ لَمْ يَحْنَثْ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا بِالِاسْتِضَاءَةِ. بِالشَّمْسِ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِرَاشًا وَبِسَاطًا وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا.

стр. 71

وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ لَحْمِ السَّمَكِ، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمًا فِي الْقُرْآنِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى دَابَّةً، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ تَحْتَ سَقْفٍ فَجَلَسَ تَحْتَ السَّمَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى سَقْفًا إلَّا فِي مَسَائِلَ فَيُقَدَّمُ الشَّرْعُ عَلَى الْعُرْفِ: الْأُولَى: لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ الثَّانِيَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِصَوْمِ سَاعَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنِيَّتِهِ مِنْ أَهْلِهِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فُلَانَةَ حَنِثَ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ النِّكَاحُ الشَّائِعُ شَرْعًا لَا بِالْوَطْءِ كَمَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ، بِخِلَافِ لَا يَنْكِحُ زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ لِلْوَطْءِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ قَالَ: لَهَا إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَعَلِمَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ لِكَوْنِ الشَّارِعِ اسْتَعْمَلَ الرُّؤْيَةَ فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ ﵊ ﴿صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ﴾ فَلَوْ كَانَ الشَّرْعُ يَقْتَضِي الْخُصُوصَ، وَاللَّفْظُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ اعْتَبَرْنَا خُصُوصَ الشَّرْعِ. قَالُوا لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ لَا يَدْخُلُ الْوَارِثُ اعْتِبَارًا لِخُصُوصِ الشَّرْعِ وَلَا يَدْخُلُ الْوِلْدَانُ، وَالْوَالِدُ لِلْعُرْفِ. وَهُنَا فَرْعَانِ مُخَرَّجَانِ لَمْ أَرَهُمَا الْآنَ صَرِيحًا: أَحَدُهُمَا: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ. الثَّانِي: حَلَفَ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً تَغَيَّرَ بِغَيْرِهِ فَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الرَّضَاعِ فَصْلٌ فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ اللُّغَةِ: صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ لَا عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَعَلَيْهَا فُرُوعٌ: مِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِمَا يَعْتَادُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ: فَفِي الْقَاهِرَةِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِخُبْزِ الْبُرِّ، وَفِي طَبَرِسْتَانَ يَنْصَرِفُ إلَى خُبْزِ الْأُرْزِ، وَفِي زَبِيدَ إلَى خُبْزِ الذُّرَةِ وَالدُّخْنِ، وَلَوْ أَكَلَ الْحَالِفُ خِلَافَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْخُبْزِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْقَطَائِفِ إلَّا بِالنِّيَّةِ.

стр. 72

وَمِنْهَا: الشِّوَاءُ وَالطَّبِيخُ عَلَى اللَّحْمِ، فَلَا يَحْنَثُ بِالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ الْمَشْوِيِّ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُزَوَّرَةِ فِي الطَّبِيخِ وَلَا بِالْأُرْزِ الْمَطْبُوخِ بِالسَّمْنِ بِخِلَافِ الْمَطْبُوخِ بِالدُّهْنِ وَلَا بِقَلِيَّةٍ يَابِسَةٍ. وَمِنْهَا: الرَّأْسُ مَا يُبَاعُ فِي مِصْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِرَأْسِ الْغَنَمِ وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ ضَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ الْكَعْبَةَ لَمْ يَحْنَثْ. تَنْبِيهٌ: خَرَجَتْ عَنْ بِنَاءِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ عَلَى مَا فِي الْكَنْزِ وَلَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ. وَجَوَابُ الزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ عُرْفٌ عَمَلِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا بِخِلَافِ الْعُرْفِ اللَّفْظِيِّ فَقَدْ رَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِمْ فِي الْأُصُولِ: الْحَقِيقِيَّةُ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ إلَّا عُرْفًا عَمَلِيًّا (انْتَهَى) الثَّانِيَةُ: حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَيَوَانًا يَحْنَثُ بِالرُّكُوبِ عَلَى الْإِنْسَانِ؛ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُرْكَبُ عَادَةً لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. بِخِلَافِ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا مَهَّدَهُ، وَقَدْ عَلِمْت رَدَّهُ لَكِنْ لَمْ يُجِبْ ابْنُ الْهُمَامِ عَنْ هَذَا الْفَرْعِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَهْدِمُ بَيْتًا حَنِثَ بِهَدْمِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، بِخِلَافِ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا وَفَرَّقَ الزَّيْلَعِيُّ بَيْنَهُمَا بِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ فِي الْهَدْمِ، بِخِلَافِ الدُّخُولِ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْمِلْكُ لَمْ يَصِحَّ بِنَاءُ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ. الرَّابِعَةُ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ الْكَبِدِ، وَالْكِرْشِ عَلَى مَا فِي الْكَنْزِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عُرْفًا، وَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ لَحْمًا (انْتَهَى) . وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا، وَمِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ عُلِمَ أَنَّ الْعَجَمِيَّ يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ قَطْعًا، وَمِنْ هُنَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْكَنْزِ: وَالْوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ دَاخِلٌ: أَنَّ الْمُخْتَارَ لَا يَحْنَثُ فِي الْعَجَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا عِنْدَهُمْ (انْتَهَى) الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ هَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ ؟ قَالَ فِي إجَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ: الْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا (انْتَهَى) . وَقَالُوا: فِي الْإِجَارَاتِ لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ؛ لِيَخِيطَهُ لَهُ أَوْ

стр. 73

إلَى صَبَّاغٍ؛ لِيَصْبُغَهُ لَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أُجْرَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْأَجْرِ وَعَدَمِهِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ؛ فَهَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الْأُجْرَةِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ: لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إنْ كَانَ الصَّابِغُ حَرِيفًا لَهُ أَيْ مُعَامِلًا لَهُ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَإِلَّا لَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إنْ كَانَ الصَّابِغُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالْأَجْرِ، وَقِيَامِ حَالِهِ بِهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ لِلظَّاهِرِ الْمُعْتَادِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ؛ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ (انْتَهَى) . وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِصَابِغٍ بَلْ كُلُّ صَانِعٍ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ بِأُجْرَةٍ فَإِنَّ السُّكُوتَ كَالِاشْتِرَاطِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ نُزُولُ الْخَانِ وَدُخُولُ الْحَمَّامِ وَالدَّلَّالِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمُعَدُّ لِلِاسْتِغْلَالِ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَلِذَا قَالُوا: الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ، فَعَلَى الْمُفْتَى بِهِ صَارَتْ عَادَتُهُ كَالْمَشْرُوطِ صَرِيحًا. وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ لَمْ أَرَهُمَا الْآنَ، يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمَشْرُوطُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا مِنْهَا: لَوْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُقْتَرِضِ بِرَدِّ أَزَيْدَ مِمَّا اقْتَرَضَ هَلْ يَحْرُمُ إقْرَاضُهُ تَنْزِيلًا لِعَادَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ؟ وَمِنْهَا لَوْ بَارَزَ كَافِرًا مُسْلِمٌ، وَاطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِالْأَمَانِ لِلْكَافِرِ، هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لَهُ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ؟ وَحِينَ تَأْلِيفِ هَذَا الْمَحَلِّ وَرَدَ عَلَيَّ سُؤَالٌ فِيمَنْ آجَرَ مَطْبَخًا لِطَبْخِ السُّكَّرِ وَفِيهِ فَخَّارٍ، أَذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي اسْتِعْمَالِهَا فَتَلِفَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ فِي الْمَطَابِخِ بِضَمَانِهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. فَأَجَبْتُ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ فَصَارَ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِضَمَانِهَا عَلَيْهِ. وَالْعَارِيَّةُ إذَا اُشْتُرِطَ فِيهَا الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ تَصِيرُ مَضْمُونَةً عِنْدَنَا فِي رِوَايَةٍ، ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْعَارِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْجَوْهَرَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي رِوَايَةٍ، لَكِنْ نَقَلَ بَعْدَهُ فُرُوعَ الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الْيَنَابِيعِ. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ فَلَا يُضْمَنَانِ بِحَالٍ (انْتَهَى) وَلَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ أَعِرْنِي هَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَاعَ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ فَأَعَارَهُ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْ (انْتَهَى) . وَمِمَّا تَفَرَّعَ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ لَوْ جَهَّزَ الْأَبُ بِنْتَه جِهَازًا، وَدَفَعَهُ لَهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ، وَلَا بَيِّنَةَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ؛ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعُرْفُ مُسْتَمِرًّا أَنَّ الْأَبَ يَدْفَعُ ذَلِكَ الْجِهَازَ مِلْكًا لَا عَارِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَالْقَوْلُ لِلْأَبِ كَذَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ. وَقَالَ قَاضِي خَانْ: وَعِنْدِي أَنَّ الْأَبَ إنْ كَانَ مِنْ كِرَامِ النَّاسِ، وَأَشْرَافِهِمْ لَمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ كَانَ الْقَوْلُ

стр. 74

قَوْلَهُ (انْتَهَى) . وَفِي الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لِلزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَعَلَى الْأَبِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلزَّوْجِ كَمَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ؛ لِيُقَصِّرَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَجْرَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِجَارَةِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ (انْتَهَى) . وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ الْعُرْفُ؛ فَالْقَوْلُ الْمُفْتَى بِهِ نَظَرَ إلَى عُرْفِ بَلَدِهِمَا، وَقَاضِي خَانْ نَظَرَ إلَى حَالِ الْأَبِ فِي الْعُرْفِ، وَمَا فِي الْكُبْرَى نَظَرَ إلَى مُطْلَقِ الْعُرْفِ مِنْ أَنَّ الْأَبَ إنَّمَا يُجَهِّزُ مِلْكًا؛ وَفِي الْمُلْتَقَطِ مِنْ الْبُيُوعِ، وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ: الْأَشْيَاءُ عَلَى ظَاهِرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَلَالَ فِي الْأَسْوَاقِ لَا يَجِبُ السُّؤَالُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامَ فِي وَقْتٍ أَوْ كَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا يَتَأَمَّلُ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَالسُّؤَالُ عَنْهُ حَسَنٌ (انْتَهَى) . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ دُخُولَ الْبَرْذعَةِ وَالْإِكَافِ فِي بَيْعِ الْحِمَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ حَمْلَ الْأَجِيرِ الْأَحْمَالَ إلَى دَاخِلِ الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعَارُفِ، ذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَاتِ. وَفِي إجَارَاتِ مُنْيَةِ الْمُفْتِي: رَجُلٌ دَفَعَ غُلَامَهُ إلَى حَائِكٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً؛ لِيَتَعَلَّمَ النَّسْجَ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْأَجْرُ عَلَى أَحَدٍ فَلَمَّا عَلِمَ الْعَمَلَ طَلَبَ الْأُسْتَاذُ الْأَجْرَ مِنْ الْمَوْلَى وَالْمَوْلَى مِنْ الْأُسْتَاذِ؛ يُنْظَرُ إلَى عُرْفِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ لِلْأُسْتَاذِ؛ يُحْكَمُ بِأَجْرِ مِثْلِ تَعْلِيمِ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَلَى الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ لِلْمَوْلَى فَأَجْرُ مِثْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ عَلَى الْأُسْتَاذِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ ابْنَهُ (انْتَهَى) . وَمِمَّا بَنُوهُ عَلَى الْعُرْفِ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ السُّوقِ إذَا اسْتَأْجَرُوا حُرَّاسًا، وَكَرِهَ الْبَاقُونَ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْكُلِّ، وَكَذَا فِي مَنَافِعِ الْقُرْبَةِ. وَتَمَامُهُ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي. وَفِيهَا لَوْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى حَائِكٍ؛ لِيَنْسِجَهُ بِالنِّصْفِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بُخَارَى وَأَبُو اللَّيْثِ وَغَيْرُهُ لِلْعُرْفِ (انْتَهَى) . الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الْعُرْفُ الَّذِي تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ السَّابِقُ دُونَ الْمُتَأَخِّرِ؛ وَلِذَا قَالُوا لَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ الطَّارِئِ فَلِذَا اُعْتُبِرَ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي التَّعْلِيقِ فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ وَلَا يُخَصِّصُهُ الْعُرْفُ. وَفِي آخِرِ الْمَبْسُوطِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَغِيبَ فَحَلَّفَتْهُ امْرَأَتُهُ فَقَالَ: كُلُّ جَارِيَةٍ اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَهُوَ يَعْنِي كُلَّ سَفِينَةٍ جَارِيَةٍ، عَمِلَ بِنِيَّتِهِ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ وَالْمُرَادُ السُّفُنُ، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهَا ظَالِمَةٌ فِي هَذَا

стр. 75

الِاسْتِحْلَافِ وَنِيَّةُ الْمَظْلُومِ فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِنْ حَلَّفَتْهُ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَلْيَقُلْ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ، وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا عَلَى رَقَبَتِك فَيَعْمَلُ بِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (انْتَهَى) . وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبٍ سَابِقٍ، وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ فَسَّرَهَا أَنَّهَا زُيُوفٌ، أَوْ نَبَهْرَجَةٌ يُصَدَّقُ إنْ وَصَلَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ أَوْ قَرْضٍ لَمْ يُصَدَّقْ. عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا قَالَ هِيَ زُيُوفٌ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ، وَصَدَّقَاهُ إنْ وَصَلَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ غَصْبًا أَوْ وَدِيعَةً قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ صُدِّقَ مُطْلَقًا. وَكَذَا الدَّعْوَى لَا تَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ بِمَا تَقَدَّمَ فَلَا يُقَيِّدُهُ الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ بِخِلَافِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ بَاشَرَهُ لِلْحَالِ فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الدَّعْوَى مَعْزِيًّا إلَى اللَّامِشِيِّ: إذَا كَانَتْ النُّقُودُ فِي الْبَلَدِ مُخْتَلِفَةً أَحَدُهَا أَرَوْجُ لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى مَالَمْ يُبَيِّنْ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ حُمْرٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ حُمْرٌ لَا يَصْلُحُ بِلَا بَيَانٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَرْوَجِ (انْتَهَى) . وَقَدْ أَوْسَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ أَوَّلِ الْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَخْرُجَ عَلَيْهَا مَسْأَلَتَانِ: أَحَدُهُمَا: مَسْأَلَةُ الْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَإِذَا اسْتَمَرَّ عُرْفٌ بِهَا فِي أَشْهُرٍ مَخْصُوصَةٍ حُمِلَ عَلَيْهَا مَا وُقِفَ بَعْدَهَا لَا مَا وُقِفَ قَبْلَهَا. الثَّانِيَةُ: إ ذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا ثُمَّ صَارَ الْآنَ حَنَفِيًّا لَا قَاضِيَ غَيْرَهُ إلَّا نِيَابَةً هَلْ يَكُونُ النَّظَرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْحَاكِمُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فَلَا يُحْمَلُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ؟ فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ. وَلَكِنْ قَالُوا فِي الْأَيْمَانِ لَوْ حَلَّفَهُ وَالِي بَلْدَةٍ لِيُعْلِمَهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلْدَةَ بَطَلَتْ الْيَمِينُ بِعَزْلِ الْوَالِي فَلَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ يُعْلِمْ الْوَالِيَ الثَّانِيَ، وَلَمْ أَرَ الْآنَ حُكْمَ مَا إذَا حَلَفَ مَتَى رَأَى مُنْكَرًا رَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي؛ هَلْ يُعَيَّنُ الْقَاضِي حَالَةَ الْيَمِينِ؟ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ لَوْ وَقَفَ بَلَدًا عَلَى الْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَشَرَطَ النَّظَرَ لِلْقَاضِي هَلْ يَنْصَرِفُ إلَى قَاضِي الْحَرَمِ أَوْ قَاضِي الْبَلْدَةِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ قَاضِي بَلَدِ الْوَاقِفِ؟ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَخْرَجَ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْيَتِيمُ فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَهَلْ النَّظَرُ عَلَيْهِ لِقَاضِي بَلَدِ الْيَتِيمِ أَوْ لِقَاضِي بَلَدِ مَالِهِ؟ صَرَّحُوا بِالْأَوَّلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِقَاضِي
следующие страницы →