بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير
إن الحمد لله نحمده ونستعين، ونستغفره ونتوب إليه ونسأله العون والتوفيق والسداد، ونصلى ونسلم على خيرة خلقه سيدنا ونبينا محمد الذى فتح الله به قلوبنا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا. وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد، لقد سررت كثيرا لهذا الجهد وهذا العطاء السخى الذى يقوم به مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى. ولقد كان لى - والفضل لله وحده - شرف تبنّي فكرة إنشاء هذا المركز عام ١٣٩٥ هـ عندما كنت عميدا لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، وما أن عرضت الأمر على زملائى بالكلية حتى شجعونى على إبراز الفكرة إلى حيز الوجود. وبحمد الله تحقق الحلم وأنشئ المركز فى بضع غرف، وأنشئت له مكتبة نمت وأنبتت من كل زوج بهيج، وسار الأخوة زملائى الذين تولوا عمادة الكلية وإدارة المركز فيما بعد بهذا المركز خطوات موفقة إلى الأمام فلهم شكرى وتقديرى. وهاهو المركز يقدم لنا اليوم عطاء جديدا وتحفة ثمينة من تحفه الغالية «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» لمؤلفه العلامة النجم محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن فهد القرشى الهاشمى المكى المشهور بعمر. وقد ولد بمكة المكرمة عام ٨١٢ هـ وتوفى بها عام ٨٨٥ هـ. ﵀. بعد أن
стр. 2
ضرب فى الأرض طلبا للعلم ورغبة فى الاستزادة فيه، وقرأ على علماء عصره وأخذ عنهم وأصبح حجة فى ميدان تخصصه. وأصبح كتابه «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» من أهم المصادر بعده. يرجع إليه المؤرخون لهذا البلد الحرام؛ ولم يؤلف مثله فى عصره فى بابه.
وللمؤلف مشاركات جيدة فى علم الفقه الحنبلى والشافعى وعلم الحديث وغير ذلك - وجميل جدا أن تهتم جامعة أم القرى بتحقيق ونشر كتاب إتحاف الورى بأخبار أم القرى، وأن يشرف على تحقيقه باحث قدير عرف بدقته واهتمامه بالتراث الإسلامى، وأحد المحققين بالمركز؛ إنه الأستاذ فهيم محمد شلتوت جزاه الله خيرا. وهذا السفر الجليل يعد صورة مشرقة وواضحة لتاريخ أم القرى وأعمالها؛ حيث تناول عدة جوانب سياسيه واجتماعية وثقافية وعمرانية، واقتصادية على رقعة واسعة جدا من التاريخ - كما يقرر المحقق - حيث يغطى الفترة ما بين عام الفيل حتى سنة ٨٨٥ هـ.
وتهنئتى الصادقة لعمادة كلية الشريعة وإدارة المركز على هذا الاهتمام بإحياء تراثنا الإسلامى الأصيل، والله أسأل التوفيق والسداد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مكة المكرمة ٤/ ١٤٠٣/٤
مدير الجامعة د. راشد الراجح
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله على نعمائه، والشكر له على أفضاله وآلائه، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله وأكرم أنبيائه. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين، وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد: -
فحين أكرمنى الله تعالى بالعمل فى مكة المكرمة كنت أقوم بتحقيق الجزء الأخير من كتاب تاريخ المدينة لأبى زيد عمر بن شبة، وطالما جلست فى المسجد الحرام أمام بيت الله الكريم متفكرا فى بعض التعبيرات التى أغلق علىّ فهمها وحلها نتيجة لخرم فى الكلام، أو اضطراب فى السياق أو عدم تحرير للكلمات، وكنت بفضل الله تعالى وتوفيقه أهتدى إلى المخرج مما أهمنى فأفهم ما أغلق علىّ فهمه وأتبين الوجه فيما بين يدى من خرم أو اضطراب فى السياق.
وتطلعت نفسى لأن أحقق كتابا فى تاريخ مكة المكرمة يقرن به اسمى كما قرن بتاريخ المدينة، وعقدت العزم، ووجهت الهمة للقيام بذلك عند أول فرصة تسنح. وشاء الله أن يتحقق الأمل؛ فقد وضع مركز البحث العلمى وإحياء التراث الإسلامى فى برنامج خطته للتحقيق الاهتمام بتاريخ مكة المكرمة، وبدأ فى تصوير المخطوطات الموجودة بمكتبة الحرم، وكلفنى بتصوير ما يمكن تصويره من مكتبة دار الكتب المصرية. وأسند إلىّ المركز تحقيق كتاب «إتحاف الورى
стр. 4
بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد، ووجدتنى ألهج - فى خاطرى - بالشكر والتقدير للمركز والقائمين عليه؛ حيث أسند إلىّ تحقيق سفر جليل له قيمته العلمية بين الأسفار التى أرخت لمكة المكرمة؛ أم القرى ومهوى أفئدة المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، وهيأ لى أن يقرن اسمى به، وتلك أمنية تمنيتها فى رحاب بيت الله الحرام.
وقد يسر المركز كل وسائل إنجاح مهمة التحقيق - وهدا دأبه مع كل المنسوبين إليه الذين يعملون فى تحقيق التراث أو فى غيره من البحوث العلمية - وسوف أظل مدينا بالشكر لجامعة أم القرى وكلية الشريعة ومركز البحث العلمى وإحياء التراث ما حييت. وما سجّلت هذا هنا إلا ليكون الشكر مستمرا طوال ما هذا الكتاب بين يدى القراء يفيد منه الدارسون. بينما أكون فى عالم البقاء وأحوج ما أكون إلى ترحم المستفيدين من الدارسين.
***
مؤلف الكتاب
ومؤلف الكتاب هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن فهد القرشى الهاشمى المكى، وقد اشتهر بعمر، وترجمته كتب التراجم ضمن من اسمه عمر.
стр. 5
ولد بمكة المكرمة فى ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتى عشرة وثمانمائة من الهجرة النبوية، ونشأ بها كما ينشأ أبناء العلماء؛ فحفظ القرآن الكريم، وكتابا فى الحديث ألفه له والده، ثم اتجه إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل فأخذ يحفظ كتابا فيه، وقبل أن يتمه حفظا حوله أبوه إلى فقه الإمام الشافعى؛ فأقبل على دراسته، واشتغل بكتبه، وإلى جانب ذلك أقبل على حفظ أصول كتب النحو ومتونه؛ كل ذلك على جلة الشيوخ بمكة المكرمة المقيمين بها والوافدين إليها.
ومما لا شك فيه أنه سمع من الوافدين إلى مكة المكرمة عن مجالس العلم وشيوخه المبرزين فى فنونه المختلفة فى مصر والشام وغيرهما، فتطلعت نفسه إلى حضور تلك المجالس ولقاء هؤلاء الشيوخ ومدارستهم والأخذ عنهم. فلما أنس من نفسه إلحاح الرغبة على الاستزادة من العلم والمعرفة، والقدرة على الارتحال إلى حيث يقيم العلماء الذين طبقت سمعتهم آفاق العالم الإسلامى والعربى منه على وجه الخصوص بدأ أول رحلاته العلمية؛ فخرج إلى مصر فى أخريات سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، ودخل القاهرة فى الرابع والعشرين من المحرم من سنة ست وثلاثين، والتقى بشيوخها وعلمائها، فسمع منهم وحضر عليهم وأخذ عنهم، ولازم شيخ الإسلام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، فتدرب به فى التدريس والفتوى، وأخذ عنه ما شاء، ثم خرج إلى الشام فى رمضان من نفس السنة مارا بغزة والخليل والقدس الشريف والرملة وأخذ فيها عن جلة شيوخها
стр. 6
ونزل الشام وطوف ببلاده حتى وصل حلب، ثم قفل راجعا، ولم يترك فى البلاد التى زارها عالما يشار إليه بالبنان إلا والتقى به وأخذ عنه.
ثم عاد إلى القاهرة ولكنه لم يطل المقام بها ورجع إلى البلاد الشامية، وطوّف بها، وزار مدنها، والتقى بعلمائها. ثم أقام بحلب فترة طويلة أتاحت له أن يأخذ عن البرهان إبراهيم بن محمد بن خليل، الحافظ الحلبى شيئا كثيرا جدا.
ثم عاد إلى القاهرة مرة ثالثة وارتحل منها إلى الإسكندرية، وفى طريقة إليها زار مدنا كثيرة والتقى بشيوخها وسمع منهم، ولم يتيسر له دخول الإسكندرية لخلاف وقع بينه وبين رفيقه فى الرحلة برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعى.
ورجع إلى مكة المكرمة مع ركب الحاج المصرى فى موسم سنة ثمان وثلاثين. وقد استغرقت رحلته هذه قرابة ثلاث سنوات، تحمل فيها كثيرا من العلوم عن خلق كثيرين، وتزايدت فوائده، وصار كثير المسموع والمروى، والمجاز فيه.
وأصبح بيته فى مكة مقصد العلماء وطلاب المعرفة، وذاع صيته وراج علمه، وقوبل من الشيوخ ورواد العلوم بالتقدير؛ فاستمدوا من فوائده، وعوّلوا على اعتماده.
وكأن ابن فهد لم يقنع بما استفاده فى رحلته هذه لذلك نراه يشد الرحال فى جمادى الآخرة من سنة خمسين وثمانمائة إلى القاهرة
стр. 7
ويلتقى بشيخه الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر ويلازمه ويكتب عنه بخطه الكثير من المطولات وغيرها، ويعرف العالى والنازل، ويأخذ عن غيره أيضا من العلماء. فى تواضع لا يحول بينه وبين الاستفادة حتى ممن هو مثله أو ممن هو دونه.
ثناء العلماء عليه
ولقد أثنى عليه شيوخ العصر فى العلم، والمشار إليهم فيه، والمعول على رأيهم فى التزكية. ووصفوه بما يرفع شأنه ويعلى قدره.
قال عنه الحافظ محمد بن أبى بكر عبد الله القيسى. الشمس أبو عبد الله بن ناصر الدين: الشيخ العالم الفاضل البارع المحدث المفيد الرحالة؛ سليل العلماء الأماثل، فخر الفضلاء الأفاضل جمال العترة الهاشمية. تاج السلالة العلوية، نجم الدين ضياء المحدثين.
وقال البرهان الحلبى: إنه قرأ على شيئا كثيرا جدا، واستفاد وكتب الطباق والأجزاء، ودأب فى طلب الحديث. وقراءته سريعة وكذا كتابته - وكان لا يعرف النحو - رده الله إلى وطنه سالما.
وقال زين الدين رضوان بن محمد بن يوسف العقبى: إنه نشأ فى سماع الحديث بمكة على مشايخها والقادمين إليها من البلاد، ثم رحل إلى الديار المصرية فأكثر بها من العوالى وغيرها. وساق أخبار رحلته.
وكتب إليه الحافظ شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر: وقد كثر شوقنا إلى مجالستكم وتشوقنا إلى متجدداتكم،
стр. 8
ويسرنا ما يبلغنا من إقبالكم على هذا الفن الذى باد حمّاله. وحاد عن السنن المعتبر عماله.
وقد كنّا نعدّهم قليلا … فقد صاروا أقلّ من القليل
فلله الأمر … إلى أن قال: ويعرفنى الولد بأحوال اليمن ومكة، ووفيات من انتقل بالوفاة من نبهاء البلدين، وتقييد ذلك حسب الطاقة، ولا سيما منذ قطع الحافظ تقى الدين تقييداته، وإن تيسر للولد الحضور فى هذه السنة إلى القاهرة فليصحب معه جميع ما تجدد له من تخريج أو تجميع ليستفاد.
ووصفه مرة بقوله: من أهل البيت النبوى نسبا وعلما، وأنه جد واجتهد فى تحصيل الأنواع الحديثية النبوية.
ومرة أخرى: بأنه محدث كبير شريف من أهل البيت النبوى.
وأخرى: بأنه من أهل العلم بالحديث ورجاله.
وروى عنه التقى المقريزى فضل البيت فقال: وكتب إلىّ المحدث الفاضل أبو حفص عمر الهاشمى، وشافهنى به غيره مرة.
ووصفه فى ترجمة فتح الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صالح المدنى قاضى المدينة بصاحبنا. وقال فى ترجمة أبيه عنه: إنهما محدثا الحجاز، كثيرا الاستحضار، وأرجو أن يبلغ عمر فى هذا العلم مبلغا عظيما؛ لذكائه واعتنائه بالجمع والسماع والقراءة. بارك الله له فيما آتاه
стр. 9
وقال عنه السخاوى: صاحبنا بل ومفيدنا، شيخ الجماعة النجم والسراج أبو القاسم عمر، ويسمى محمدا لكنه بعمر أشهر.
وقال: وأخذ عمن هو مثله، بل وممن دونه ممن هو فى عداد من يأخذ عنه، ولم يتحاش عن ذلك كله حتى إنه سمع منى بمكة جملة تصانيفى، وحضر عندى ما أمليته بها، وسلك فى صنيعه هذا مسلك الحفاظ الأئمة.
ووصفه بصدق اللهجة ومزيد النصح، وعلو الهمة، وطرح التكلف، والعفة والشهامة، والإعراض عن بنى الدنيا، وعدم مزاحمة الرؤساء ونحوهم، وكونه فى التواصع والفتوة وبذل نفسه وفوائده وكتبه وإكرامه للغرباء والوافدين بالمحل الأعلى، ومحاسنه جمة.
هذا، ويكفى النجم ابن فهد ألا يجد فيه السخاوى ما ينقصه فيذكره؛ فمن شأنه أن يجرح وهو يمدح، وقل أن يسلم من جرحه عالم من العلماء.
مؤلفاته:
ألف ابن فهد فى الحديث وفنونه كما ألف فى التاريخ؛ فخرج لنفسه ولأبيه المعجم والفهرست، وخرج لأبى الفتح وأبى الفرج المراغيين ولوالدهما ولابن أختهما المحب المطرى، وللنور المحلى سبط الزبير، ولزبنب ابنة اليافعى، وعمل لها العشاريات، وللعز بن الفرات، ولسارة ابنة ابن جماعة، حتى إنه خرج لأصحابه فمن دونهم، وعمل لنفسه
стр. 10
المسلسلات، وانتقى وحرر الأسانيد، وعمل الألقاب، وترجم الشيوخ؛ ومهر فى هذا النوع. وعمل مشيخة لشيخه البرهان الحلبى فى مجلد ضخم. وإلى جانب ذلك ألف: -
إتحاف الورى بأخبار أم القرى.
التبيين فى تراجم الطبريين.
تذكرة الناسى بأولاد أبى عبد الله الفاسى.
الدر الكمين فى الذيل على العقد الثمين.
السر الظهيرى بأولاد أحمد النويرى.
غاية الأمانى فى تراجم أولاد القسطلانى.
المشارق المنيرة فى ذكر بنى ظهيرة.
نور العيون مما تفرق من الفنون.
وكتابا عن بنى فهد.
ورتب أسماء تراجم الحلية، والمدارك. وتاريخ الأطباء. وطبقات الحنابلة لابن رجب، وتذكرة الحفاظ للذهبى، والذيل عليه، كل ذلك على حروف المعجم بحيث يعيّن محل ذاك الاسم من الأجزاء والطبقة؛ ليسهل كشفه ومراجعته، وهو من أهم شئ عمله وأفيده.
وفاته:
يقول السخاوى فى ضوئه: ولم يزل على طريقته مع انحطاطه قليلا، وضعف بصره حتى مات فى وقت الزوال من يوم الجمعة سابع رمضان سنة خمس وثمانين [وثمانمائة] وصلى عليه بعد العصر، ثم دفن عند
стр. 11
قبورهم، وتأسف جميع أحبابه على فقده، ولم يخلف بعده - فى مجموعه - مثله.
وقال ابنه العز عبد العزيز فى كتابه بلوغ القرى: مات مؤلف الأصل [أى إتحاف الورى] الوالد نجم الدين عمر بن محمد بن فهد الهاشمى المكى - تغمده الله برحمته - بعد أن تعلل مدة بالبطن والإسهال، ثم عرض له ثقل، وانقطع عن البروز نحو عشرين يوما.
كان حاضر الذهن، ويكثر من الشهادة حتى كانت آخر كلامه عند خروج روحه، فجهز فى يومه وصلى عليه صديقه قاضى القضاة الشافعى برهان الدين بن ظهيرة القرشى، عند باب الكعبة بعد صلاة عصر يومه، وحضر خلق كثير، ودفن بالمعلاة على والده، بجانب مصلب عبد الله بن الزبير ﵄.
أثره العلمى:
لا شك أن ما تركه ابن فهد من دراسات مكتوبة فى الحديث ورجاله كانت ذخيرة يستمد منها دارسوا الحديث وعلومه. وأن ما قام به من ترتيب أسماء تراجم الكتب التى أشرنا إليها سابقا قد سهل على طلاب المعرفة مؤنة البحث ووفر لهم الجهد والوقت، وأن كثيرا ممن أخذ عنه وسمع عليه كانوا حملة علم إلى من جاءوا بعدهم. وقد ترجم ابنه العز لكثير منهم.
стр. 12
أما ما أرخه ابن فهد فقد تأثر به من جاء بعده من المؤرخين، فالقطب النهروالى يضمن كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام نقولا كثيرة عن إتحاف الورى، ويقول عن مؤلفه: إنه ممن أدركناه ولنا عنه رواية. ويصفه بقوله شيخ شيوخنا حافظ عصره، وقد اعتمد عليه اعتمادا كليا فى التاريخ للأحداث التى وقعت فى مكة فى الحقبة من سنة ٨٣٠ - ٨٨٥ هـ حيث لم يكن أمامه من كتب المؤرخين عن هذه الحقبة غير كتب النجم ابن فهد، ثم من بعده كتب ولده العز، كذلك المؤرخ عبد القادر بن محمد الأنصارى الجزيرى المصرى نقل عنه كثيرا فى كتابه درر الفرائد المنتظمة، بل إنه لم تخل كتابته عن موسم من مواسم الحج من النقل الكامل عن ابن فهد.
هذا إلى ما طلبه منه الحافظ ابن حجر من تقييدات عن أحوال اليمن ومكة مما أشرنا إليه. ويقول السخاوى: إنه رأى شيخه ابن حجر استعار منه أسماء شيوخه، ورأيته ينتقى منها، بل ونقل عنه فى ترجمة «رتن» من كتاب الإصابة.
وكذلك اعتمد عليه السخاوى فى تراجم المكيين المتوفين بمكة أو غيرها ذاكرا: أنه كذا أرخه صاحبنا ابن فهد.
ونقل عنه جمال الدين محمد بن ظهيرة القرشى نقولا كثيرة فى كتابه الجامع اللطيف فى فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف.
стр. 13
كتاب إتحاف الورى بأخبار أم القرى
يقول النجم عمر بن فهد فى مقدمته لهذا الكتاب: وقد ألف شيخنا السيد الشريف الإمام العلامة الحافظ المؤرخ قاضى المسلمين تقى الدين أبو الطيب محمد بن شيخنا الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أبى العباس أحمد بن على بن أبى عبد الله الحسنى الفاسى المكى المالكى - أثابه الله الثواب الجزيل، وكان له بكل خير كفيل - لأخبار بلده مكة المشرفة عدّة مؤلفات؛ منها: شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام، ومختصراته الستة، وكتاب العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين ومختصراته الثلاثة، وذكر أثناء كتبه المذكورة حوادث وأخبارا اتفقت بمكة المشرفة وأعمالها، فى الجاهلية والإسلام؛ أحببت أن أفرد ذلك مرتبا على السنين، مبتدئا من مولد النبى ﷺ ، وألحق به كثيرا مما لم يذكره، وأذكر فى كل سنة من مات بها من الأعيان من أهلها وغيرهم، وكثيرا ممن مات من أهلها بغيرها.
وقد تبين لى من معايشتى للكتاب أنه اعتمد فى تاليفه على كل من سبقه من المؤرخين سواء فى كتب السيرة النبوية أو كتب التاريخ العام، وهى كثيرة يمكن تبينها من التعليقات التى أثبتناها فى الهوامش توثيقا لنقول ابن فهد، وحقا فقد كان صادق اللهجة أمينا فى النقل، ولا شك أنه بذل جهودا مضنية فى جمع معلوماته، وتتبع روياته، وإسنادها إلى أهلها، وترتيب إيرادها ضمن سياقه. وهو يؤرخ
стр. 14
للأحداث فى سنة وقوعها منتقلا من سنة إلى سنة، لا يخرج عن أحداث مكة إلا فيما له صلة بها. مع الاهتمام ببيت الله الحرام وكل ما يحدث بشأنه منذ واقعة الفيل حتى سنة ٨٨٥ هـ. وكل ما يتجدد فى المسجد الحرام، وما يطرأ على مكة من سلم أو حرب، وغلاء أو رخص، وما ينزل بها من أمطار وسيول، وما يعتورها من أوبئة وأمراض، ومن يموت بها من الأعيان، وما يقع فيها من الحوادث، ويتابع مواسم الحج. وأحوال ضيوف الرحمن، وما يلقونه فى الطريق من أمن وسلامة، أو نهب وإهانة. ويصف حجّ الخلفاء والسلاطين والملوك وعلية القوم من علماء وصلحاء وأثرياء، ويتابع ذكر أمراء مكة وقضاتها وأئمتها وما يجرى منهم وعليهم.
وبالجملة فهو يقدم صورة واضحة عن مكة المكرمة وأعمالها من النواحى السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعمرانية، والاقتصادية، على رقعة واسعة جدا من التاريخ. ولعل ابن فهد هو المؤرخ الوحيد الذى أرخ لمكة فى الحقبة التى تقع بين سنتى ٨٣٠، ٨٨٥ من الهجرة النبوية؛ فلم نعثر بعد على كتاب يتناول هذه الحقبة، اللهم إلا ما كتبه أبو البقاء محمد بن أحمد بن الضياء القرشى المكى المتوفى سنة ٨٥٤ هـ ضمن مخطوطته عن تاريخ مكة والمسجد الحرام والقبر الشريف؛ مغ ضيق فى المساحة الزمنية من الحقبة التى تناولها ابن فهد، وضيق فى المساحة العلمية التى أوردها إذا قورنت بما أورده ابن فهد.
стр. 15
ومن هنا تأتى قيمة كتاب إتحاف الورى بأخبار أم القرى، لعمدة المؤرخين لما بعد زمن التقى الفاسى (¬*).
***
ومن معالم منهجنا فى تحقيق هذا الكتاب: أننا تتبعنا ما ورد به فوثقناه جزئية جزئية مستهدين بالمراجع الواردة ضمن الفهارس، وما فاتنا من التوثيق فهو النذر اليسير.
وأننا اعتمدنا فى تحقيق الجزء الأول على مصورات لثلاث نسخ مخطوطة هى: -
١ - مصورة عن نسخة تيمور المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٢٠٤ تاريخ تيمور، وقد رمزنا إليها بالحرف «ت».
٢ - مصورة عن نسخة الحرم المكى الشريف بخط أحمد بن مصطفى كتبجى، وقد رمزنا إليها بالحرف «م»
٣ - مصورة عن نسخة هندية محفوظة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد رمزنا إليها بالحرف «هـ»
وأننا وقفنا بالتحقيق عند نهاية أخبار سنة ثلاثين وثمانمائة.
_________
(¬*) مراجع التقديم: الضوء اللامع للسخاوى ١٢٦:٦ - ١٣١، والبدر الطالع للشوكانى ٥١٢:١ - ٥١٣. وبلوغ القرى للعز بن فهد، وبنو فهد مؤرخو مكة المكرمة للدكتور ناصر بن سعد الرشيد.
стр. 16
أما بقية الكتاب فموضوع رسالة لنيل درجة الدكتوراه فى التاريخ الإسلامى، يعدها المحاضر عبد الكريم على الباز.
***
وأخيرا فإذا كان آل فهد: النجم عمر، والعز عبد العزيز، وجار الله محمد قد أرخوا لمكة المكرمة وعلمائها وأعيانها وأمرائها وأوديتها وبلدانها، فما أحرى بجامعة أم القرى أن تنهض بجمع تراث آل فهد، وأن تضعه بين يدى المحققين توطئه لنشر مكتبة تاريخية عن مكة المكرمة.
والله ولى التوفيق وهو نعم المولى ونعم النصير
فهيم محمد شلتوت
مكة المكرمة
فى ٣ من ربيع الثانى سنة ١٤٠٣ (١٧ من يناير سنة ١٩٨٣)
شكر وتقدير
وإننى إذ أنوه هنا بالجهد المخلص الذى بذله الأستاذ شفيق السيد على المحاضر بالمركز والذى كلفه المركز بمعاونتى لأشكره جزيل الشكر وأقدر له حسن معاونته وتفانيه فى أداء واجبه مما كان له الأثر الطيب فى إنجاز هذا العمل
والله يتولاه، عنى بحسن الجزاء.
стр. 17
نسخة تيمور المرموز لها بالحرف «ت»
стр. 18
نسخة مكتبة الحرم المكى المرموز لها بالحرف «م»
стр. 19
نسخة الهند المرموز لها بالحرف «هـ»
стр. 20
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ العلامة الحافظ المؤرخ نجم الدين أبو القاسم محمد - المدعو عمر - بن العلامة الحافظ الرّحلة تقىّ الدين أبى الفضل محمد بن محمد بن أبى الخير محمد بن فهد الهاشمىّ المكىّ الشافعى - رحمه الله تعالى (١):
الحمد لله الذى جعل الدنيا مضمارا لخلقه، ابتلى فيها أخبارهم، وأحصى آثارهم، وقدّر فيها آجالهم، وكتب بها أعمالهم، وجعل الموت غايتهم التى إليها يجأرون، وعنها من الأجداث إلى ربّهم ينسلون، وبيّن أنهم فى ديوان الانتقال إليه تعالى يشهدون (٢) بقوله تعالى لنبيّه ﵊ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣) أحمده على نعمه الباطنة والظاهرة، وأشكره على حسناته المتكاثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدّخرها عنده لألقاها، وأشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله خير البريّة وأتقاها، وأعلاها رتبة عند الله وأذكاها، فهو الذى أزال به عن الأمّة عناها، وألهمها رشدها وهداها، صلى الله عليه صلاة لا تتناهى، وعلى آله وأصحابه الكاشفين عن الأمّة عماها، الباذلين فى نصرة دينه الهمم التى لا تضاهى. وبعد. فإنّ
стр. 21
علم التاريخ لا شكّ فى جلالة قدره، وعظم موقعه؛ ينتفع به للاطلاع على حوادث الزّمان، وسير الناس وما أبقى الدهر من أخبارهم بعد أن أبادهم، مع أنه عبرة لمن اعتبر، وتنبيه لمن افتكر، واختبار حال من مضى وغبر، وإعلام أنّ ساكنى (١) الدنيا على سفر، وفى ضبطه بالسنين أمور مهمة وفوائد جمّة، لحظها الفاروق والصحابة (٢) رضى الله تعالى عنهم عند وضعه (٣) التاريخ. وقد رأيت بخطّ شيخنا الإمام العلامة المؤرخ الكبير تقىّ الدين أبى العباس أحمد بن على بن عبد القادر المقريزى (٤) المصرىّ - تغمّده الله برحمته - فى بعض تعاليقه ما نصه «من أرّخ فقد حاسب الأيّام عن عمره، ومن كتب حوادث دهره (٥) فقد كتب كتابا إلى من بعده بحديث دهره، ومن قيّد ما شهد فقد أشهد عصره من لم يكن من أهل عصره؛ فهو يهدى إلى الفضلاء أعمارا، ويبوّئ أسماعهم وأبصارهم ديارا ما كانت لهم ديارا.
стр. 22
عزّنى أن أرى الدّيار بعينى … ولعلّى أرى الديار بسمعى
فسبحان من هو كلّ يوم فى شأن. انتهى.»
وقد ألّف شيخنا السيّد الشريف الإمام العلامة الحافظ المؤرخ قاضى المسلمين تقىّ الدين أبو الطيّب محمد بن شيخنا الإمام العلامة/أقضى القضاة شهاب الدين أبى العباس أحمد بن على بن أبى عبد الله الحسنىّ الفاسىّ المكىّ المالكىّ (١) - أثابه الله الثواب الجزيل، وكان له بكلّ خير كفيل - لأخبار بلده مكّة المشرفة عدّة مؤلفات؛ منها شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام، ومختصراته الستة (٢)، وكتاب: العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين، ومختصراته الثلاثة (٣). وذكر فى أثناء كتبه المذكورة حوادث وأخبارا اتّفقت بمكة المشرفة وأعمالها فى الجاهلية والإسلام، أحببت أن أفرد ذلك مرتّبا على السنين، مبتدئا من حين مولد النبىّ صلى الله تعالى (٤) عليه
стр. 23
وسلّم: وألحق به كثيرا ممّا لم يذكره فى مؤلفاته من هذا المعنى، وأذيّل عليه إلى زمانى، وأذكر فى كلّ سنة من مات بها أيضا من الأعيان من أهلها وغيرهم، وكثيرا ممن مات من أهلها بغيرها، وسمّيت ذلك «إتحاف الورى بأخبار أمّ القرى (١)» والله المسئول الإعانة والإتمام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، والرضى عن آله وأصحابه الكرام.
***
ذكر (٢) تزويج والد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عبد الله بن عبد المطلب والدته آمنة بنت وهب.
كان جدّه صلّى الله تعالى عليه وسلم عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان القرشىّ الهاشمى خرج إلى اليمن فى رحلة فلقيه رجل من يهود، فقال: يا عبد المطلب هل لك أن تأذن لى أن أنظر إلى شيئين منك؟ قال: نعم، ما لم تكن عورتى. قال: لست أريد عورتك، إنما أريد أنفك ويديك.
فبسط يديه ونظر فيها فقال: أرى فى إحدى يديك وفى أنفك نبوّة، ولا يتمّ ذلك إلاّ ببنى زهرة، يا عبد المطلب، هل لك من شاعة؟ - والشاعة: الزوجة - قال: لا. قال: يا عبد المطلب
стр. 24
تزوّج فى بنى زهرة. فرجع فتزوّج هالة بنت وهب (١)، وزوّج ابنه عبد الله أبا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم آمنة بنت وهب، فرجح عبد الله على عبد المطلب.
وكان عبد المطلب قد نذر حين لقى من قريش ما لقى: لئن ولد له عشرة نفر ثم عاشوا حتى يمنعوه لينحرنّ أحدهم لله عند الكعبة. فلمّا تمّوا عشرة، وهم: الحارث، والزّبير، وحجل، وضرار، والمقوّم، والعبّاس، وأبو لهب، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله؛ وعلم أنّهم/سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذى نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى بذلك، فأطاعوا له، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كلّ رجل منكم قدحا فيكتب فيه اسمه ثم أتونى به. ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل - وكان أعظم أصنامهم - وقال لقيّم الصّنم: اضرب بقداح هؤلاء، وكان عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم - أصغر ولد أبيه، وكان أحبّ ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى لا يخرج القدح على عبد الله. ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشّفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة؛ الوثنين اللّذين تنحر قريش عندهما ذبائحهم. ليذبحه بها، فقام إليه قريش من أنديتها وقالوا: ما تريد أن تصنع يا عبد المطلب؟! قال: أذبحه -
стр. 25
ويقال إن العباس بن عبد المطلب اجترّه من تحت رجل أبيه حتى خدش وجه عبد الله خدشا لم يزل فى وجهه حتى مات - فقالت قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا ونحن أحياء حتى تعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل (١) منّا يأتى بابنه (١) حتى يذبحه، فما بقاء الناس على ذلك! وقال المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عبد الله بن عبد المطلب ابن أخت القوم -: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداء فديناه بأموالنا. فقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق إلى الحجاز فإن به عرّافة يقال لها سجاح، لها تابع فسلها، ثم أنت على رأس أمرك. فقال: نعم. فانطلقوا حتى جاءوها وهى - فيما يزعمون - بخيبر، فسألوها فقالت: ارجعوا عنّى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله. فخرج عبد المطلب يدعوا لله تعالى، ثم غدوا عليها فقالت: نعم قد جاءنى تابعى بالخبر؛ فكم الدّية فيكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل - وكانت كذلك - قالت:
فارجعوا إلى بلادكم فقدّموا صاحبكم وقدّموا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربّكم، فإذا خرجت القداح على الإبل فقد رضى ربّكم فانحروها ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكّة، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم
стр. 26
قرّبوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت على عبد الله، فلم يزالوا على هذا إلى أن جعلوها مائة، فخرج القدح على الإبل؛ فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضاء ربّك، وخلص لك ابنك/.
فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليه وعليها ثلاث مرّات.
فضربوا فخرج القدح على الإبل فى المرّات الثلاث، فنحرت ثم تركت لا يصّدّ عنها إنسان ولا سبع، ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمرّ به على امرأة من بنى أسد يقال لها أم قتّال بنت نوفل ابن أسد بن عبد العزّى (١)، وهى أخت ورقة بن نوفل - وهى عند الكعبة - فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ فقال: مع أبى. قالت: لك عندى مثل الإبل التى نحرت عنك وقع علىّ الآن. فقال لها: إنى مع أبى الآن لا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئا. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة - وهو يومئذ سيّد بنى زهرة نسبا وشرفا - فزوّجه ابنته آمنة، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا، فدخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بنبيّنا محمد ﷺ ، ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التى كانت عرضت عليه نفسها - وهى فى مجلسها - فجلس إليها فقال لها:
ما لك لا تعرضين علىّ اليوم ما كنت عرضته علىّ بالأمس - أو مثل ما عرضت على بالأمس -؟ فقالت له: فارقك النور الذى كان
стр. 27
معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل - وكان قد تنصّر واتّبع الكتب - إنه لكائن فى هذه الأمة نبىّ من بنى إسماعيل. فقالت فى ذلك شعرا:
الآن قد ضيّعت ما كنت قادرا … عليه وفارقك النور الذى كان حابكا
غدوت علىّ حافلا قد بذلته … هناك لغيرى فالحقنّ بشانكا
ولا (١) تحسبنىّ اليوم خلوا وليتنى … أصبت حبيبا منك يا عبد داركا
ولكنّ ذاكم صار فى آل زهرة … به يدعم الله البريّة ناسكا
وقالت أيضا:
عليك بآل زهرة حيث كانوا … وآمنة التى حملت غلاما
ترى المهدىّ حين نزا عليها (٢) … ونورا قد تقدّمه إماما (٣)
وذكرت أبياتا وقالت فيها:
فكلّ الخلق يرجوه جميعا … يسود الناس مهتديا إماما
براه الله من نور صفاه … فأذهب نوره عنّا الظلاما/
وذلك صنع ربّك إذ حباه … إذا ما سار يوما أو أقاما
فيهدى أهل مكة بعد كفر … ويفرض بعد ذلكم القياما (٤)
ويقال إن المرأة التى عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب هى فاطمة بنت مرّ الخثعميّة، وذلك أنّ عبد المطلب خرج
стр. 28
بابنه عبد الله ليزوجه، فمرّ به على كاهنة من أهل تبالة (١) متهوّدة قد قرأت أكثر الكتب، يقال لها فاطمة بنت مرّ الخثعميّة، وكانت من أجمل الناس وأعفّهم (٢)، وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدثون إليها، فرأت نور النّبوّة فى وجه عبد الله، فقالت له:
يافتى، من أنت؟ فأخبرها، قالت فهل لك أن تقع علىّ الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال: -
أما الحرام فالممات دونه … والحلّ لا حلّ فاستبينه
فكيف بالأمر الذى تبغينه (٣)
ثم مضى مع أبيه فزوّجه آمنة بنت وهب، فأقام عندها ثلاثا، ثم ذكر الخثعميّة وجمالها وما عرضت عليه، فأتاها فلم ير من الإقبال عليه ما رأى منها أولا، فقال: هل لك فيما قلت لى؟ فقالت: قد كان ذلك مرّة واليوم لا. فذهبت مثلا، قالت: أىّ شئ صنعت بعدى؟ قال زوّجنى أبى آمنة بنت وهب. فقالت: إنى والله لست بصاحبة ريبة ولكنى رأيت نور النبوة فى وجهك، فأردت أن يكون ذلك لى، وأبى الله إلاّ أن يجعله خيث أحبّ.
стр. 29
وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطلب وتأبّيه عليها فذكروا ذلك، فأنشأت تقول:
إنى رأيت مخيلة لمعت … فتلألأت بحناتم (١) القطر
فلمأتها (٢) نورا يضئ به … ما حوله كإضاءة الفجر
فرجوتها فخرا أبوء به … ما كلّ قادح زنده يورى
لله ما زهريّة سلبت … منك الذى استلبت وما تدرى (٣)
وقالت أيضا:
بنى هاشم قد غادرت من أخي … كم أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح عند خموده … فتائل قد ميهت (٤) له بدهان
وما كل ما يحوى الفتى من تلاده … لحزم ولا ما فاته لتوان/
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه … سيكفيكه جدّان يصطرعان
فلما قضت منه أمينة ما قضت … نبا بصرى عنه وكلّ لسانى (٥)
وقيل أن عبد الله بن عبد المطلب حين مرّ بالخثعميّة كان متزوّجا بأمنة بنت وهب؛ وذلك أن عبد الله كان فى بناء له، فأقبل
стр. 30
وعليه أثر الطّين والغبار، فمرّ بامرأة من خثعم (١)، فلما رأته ورأت ما بين عينيه دعته إلى نفسها وقالت له: إن وقعت بى الآن (٢) فلك مائة من الإبل. فقال لها: أغسل (٣) عنى هذا الطين الذى علىّ وأرجع إليك. فدخل على آمنة بنت وهب فواقعها، فحملت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الطّيّب المبارك، ثم رجع إلى الخثعميّة فقال لها: هل لك فيما قلت؟ فقالت: لا. قال: ولم؟ قالت: إنك مررت بى وبين عينيك نور ثم رجعت إلىّ وقد انتزعته (٤) آمنة بنت وهب منك (٥).
ويقال: إن المرأة الخثعميّة كانت تعرض نفسها فى موسم من المواسم، وكانت ذات جمال، وكانت معها أدم (٦) تطوف بها كأنها (٧) تبيعها، فأتت على عبد الله بن عبد المطلب، فلما رأته أعجبها فقالت: والله إنى ما أطوف لبيع الأدم ومالى إلى ثمنها من حاجة، ولكن أتوسّم الرّجال أنظر هل أجد كفئا، فإن كان لك حاجة فقم. فقال لها: مكانك حتى أرجع إليك.
стр. 31
فانطلق إلى أهله فبدا له فواقع أهله، فحملت بالنبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما رجع إليها قال: ألا أراك هاهنا! قالت: ومن أنت؟ قال أنا الذى وعدتك. قالت: لا ما أنت هو. ولئن كنت ذاك لقد رأيت فى وجهك وبين عينيك نورا ما أراه الآن.
وقيل: إن المرأة التى مر بها عبد الله بن عبد المطلب هى ليلى العدويّة؛ وذلك أن عبد الله خرج ذات يوم متخصرا (١) مترجلا حتى جلس فى البطحاء، فنظرت إليه ليلى العدويّة فدعته إلى نفسها، فقال عبد الله: أرجع إليك. ودخل على آمنة بنت وهب فواقعها وخرج، فلما رأته ليلى قالت: ما فعلت؟ فقال: قد رجعت إليك.
قالت: لقد دخلت بنور ما خرجت به، ولئن كنت لممت بآمنة بنت وهب لتلدنّ ملكا.
ويقال إنّ المرأة التى مرّ بها عبد الله بن عبد المطلب هى امرأة له أخرى كانت مع آمنة بنت وهب؛ فمرّ بامرأته تلك وقد أصابه أثر من طين عمل به، فدعاها إلى نفسه، فابطأت عليه لما رأت من أثر الطين، فدخل فغسل أثر الطين ثم دخل عامدا إلى آمنة/بنت وهب، ثم دعته صاحبته التى كان أرادها إلى نفسه فأبى للذى صنعت به أوّل مرّة، فدخل على آمنة فأصابها. ثم خرج فدعاها إلى نفسه فقالت: لا حاجة لى بك؛ مررت وبين عينيك غرّة فرجوت أنى أصبتها (٢) منك، فلما دخلت على آمنة ذهبت بها منك.
стр. 32
وكانت هذه المرأة تقول: مرّ بى وإنّ بين عينيه لنورا مثل الغرّة، ودعوته له رجاء أن يكون لى، فدخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله ﷺ .
وكان الحمل برسول الله ﷺ فى شعب أبى طالب - قيل عند الجمرة الكبرى، ويقال الوسطى - فى ليلة الجمعة من شهر رجب، وقيل فى أيّام التشريق. وكان من دلالة حمل آمنة بالنبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن كل دابّة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وربّ الكعبة، وهو إمام (١) الدنيا وسراج أهلها. ولم يبق كاهنة فى قريش، ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، وانتزع علم الكهانة منها. ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا والملك مخروسا (٢) لا ينطق يومه ذلك. ومرت وحش الشرق إلى وحش الغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشّر بعضهم بعضا [وله] (٣) فى كل شهر من شهوره نداء فى الأرض، ونداء فى السماء: أبشروا فقد آن لأبى القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا (٤).
قالت آمنة: ما شعرت أنى حملت بالنبىّ صلى الله تعالى عليه
стр. 33
وسلم، ولا وجدت له ثقلا كما تجد النساء، إلا أنى قد أنكرت رفع الحيض.
وبقى ﷺ فى بطن أمه تسعة أشهر كملا، ويقال ستة، وقيل سبعة، ويقال ثمانية، وقيل عشرة أشهر (١) لا تشكو وجعا ولا ريحا ولا مغصا ولا ما يعرض للنساء من الثقل والوخم وأدواء الحمل، إلا أنها أنكرت رفع حيضتها - وفى حديث شداد (٢) عكسه، وجمع (٣) بأن الثقل فى ابتداء العلوق والخفّة عند استمرار الحمل؛ ليكون خارجا عن المعتاد.
وهلك أبوه عبد الله وهو حمل، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا ومولانا بقى نبيّك هذا يتيما. فقال الله تعالى للملائكة: أنا لنبيى ولىّ وحافظ ونصير (٤). ويقال مات عبد الله قبل ميلاد النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم بشهرين، وقيل وهو فى المهد، ويقال ابن ثمانية
стр. 34
وعشرين يوما، وقيل وهو ابن شهرين، ويقال ابن سبعة أشهر، ويقال ابن سنة، وقيل ابن سنتين، وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا (١) / والأول أثبت - فى دار النابغة (٢) بالمدينة، وقيل بالأبواء بين مكة والمدينة.
ولما مرّ من حمله ﷺ ستة أشهر قالت آمنة: أتانى آت: وأنا بين النائم واليقظان فوكزنى برجله وقال لى: يا آمنة هل شعرت بأنك قد حملت؟ فكأنى أقول ما أدرى. فقال: إنك قد حملت بخير البرية وسيّد هذه الأمة ونبيّها، وخير العالمين طرّا، فإذا ولدتيه فسمّيه أحمد ومحمدا؛ فإن اسمه فى التوراة والإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء والأرض، واسمه فى الفرقان محمد، فسمّيه بذلك واكتمى شأنه؛ فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام وعلقى عليه هذه. فأنتبهت وعند رأسى صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه: أعيذه بالواحد. من شرّ كل حاسد. وكل خلق رائد. من قائم وقاعد. عن السبيل عاند. على الفساد جاهد. من نافث أو عاقد. وكل جنّ مارد. يأخذ بالمراصد. فى طرق الموارد. أنهاهم عنه بالله الأعلى. والكفّ الذى لا يدى (٣). يد الله فوق أيديهم، وحجاب
стр. 35
الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه فى مقعد ولا منام، ولا مسير ولا مقام، أول الليل وآخر الأيام (١).
ويقال قال لها: إذا وقع على الأرض فقولى أعيذه بالواحد. من شرّ كل حاسد. فى كل برّ عاهد. وكل عبد (٢) رائد. يرود غير رائد؛ فإنه عبد الحميد الماجد (٣)، حتى أراه قد أتى المشاهد. قالت آمنة:
فكان ذلك مما تيقّن عندى الحمل به صلى الله تعالى عليه وسلم (٤).
***
«السنة الأولى التى ولد فيها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم»
وهى السنة الثامنة والتسعون بعد الخمسمائة من رفع عيسى ﵇، والسنة الثامنة والثمانون بعد الثمانمائة من تاريخ ذى القرنين، والسنة التاسعة والتسعمائة من وفاة الإسكندر الرومى، والسنة الحادية عشرة بعد الألف والثلاثمائة من ابتداء ملك بختنصر، والسنة الأربعون بعد ستة آلاف من هبوط آدم صلى الله تعالى عليه وسلم.
فيها فى أوّل يوم من المحرم - وقيل النصف منه، ويقال لثلاث عشرة بقيت منه يوم الأحد، وكان أوّل المحرم فى هذه السنة يوم الجمعة - كان قدوم الفيل إلى مكّة المشرّفة، وسبب قدومه إلى مكة المشرفة أن أبا يكسوم أبرهة الأشرم الحبشىّ ملك اليمن بنى كنيسة
стр. 36
بصنعاء إلى جنب غمدان (١) /بحجارة قصر بلقيس الذى بمأرب، وكانت [من] (٢) رخام أبيض وأحمر وأصفر وأسود، وجدّ فى بنائها وأحكمها، ولم ير مثلها فى زمانها بشئ من الأرض، وجعلها مربّعة مستوية التربيع، وجعل طولها فى السماء ستين ذراعا، وكبسها من داخلها عشرة أذرع فى السماء، فكان يصعد إليها بدرج الرخام، وحلاّها بالذهب والفضة، وحفّها بالجواهر، وجعل فيها ياقوته حمراء عظيمة، وأوقد فيها المندل (٣)، ولطخ جوانبها بالمسك، وسمّاها القلّيس (٤)، وأمر أهل مملكته بالحجّ لها يضاهئ بذلك البيت الحرام، ثم كتب إلى النجاشى ملك الحبشة: إنى قد بنيت لك - أيها الملك - بصنعاء بيتا لم يبن العرب ولا العجم مثله لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليه حاجّ (٥) العرب، ويتركوا الحجّ إلى بيتهم. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة بذلك إلى النجاشى غضب رجل من النّسأة (٦) أحد بنى فقيم من بنى مالك
стр. 37
ابن كنانة. فخرج حتى أتى القلّيس فأحدث فيه: أى سلح، ثم خرج فلحق بأرضه. فدخل أبرهة فرأى أثره فيه، فقال: من اجترأ علىّ بهذا؟ فقال له أصحابة: أيها الملك، هذا رجل من العرب من أهل ذلك البيت الذى يحجّ العرب إليه بمكة لمّا سمع قولك إنى أريد أن أصرف إليه حاج (١) العرب غضب فجاء فأحدث فيه؛ أى أنها ليست لذلك بأهل - ويقال: إنهما كانا رجلين من النّسأة - فغضب عند ذلك أبرهة وقال: أفعلىّ اجترأ بهذا؟! ونصرانيّتى لأهدمنّ ذلك البيت ولأخرّبنّه حتى لا يحجه حاج أبدا.
فدعا بالفيل وأذّن فى قومه بالرّحيل والخروج ومن اتبعه من أهل اليمن - وكان أكثر من اتّبعه منهم عكّ والأشعرون وخثعم - فخرجوا يرتجزون: -
إن البلد لبلد مأكول … يأكله عكّ والأشعرون والفيل
ويقال: إن أبرهة لما رأى ذلك بالقلّيس كان عنده رجال من العرب؛ منهم محمد بن خزاعىّ الذّكوانىّ وأخوه قيس، فأمّر محمدا على مضر، وأمره أن يسير بالناس يدعوهم إلى حجّ القلّيس، فسار محمد حتى إذا نزل ببعض أرض بنى كنانة - وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له - بعثوا له رجلا من هذيل يقال له عروة بن عياض، فرماه بسهم فقتله، فهرب أخوه قيس فلحق بأبرهة، فزاد ذلك أبرهة غيظا وجرأة، وحلف ليغزونّ بنى كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم أمر الحبشة فتهيّأت وتجهّزت، ثم سار وخرج بالفيلة معه.
стр. 38
وقيل: إن سبب مسير أبرهة الأشرم بالفيل إلى مكة أنّ النجاشى وجّه أرياطا أبا أصحم/فى أربعة آلاف إلى اليمن فغلب عليها، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم فقتل أرياطا، وغلب على اليمن، فرأى الناس يجهدون (١) فى أيّام الموسم، فسأل أبرهة: أين يذهب الناس؟ فقيل له: يحجون بيت الله بمكّة. قال: ما هو؟ قالوا: حجارة. قال: وما كسوته؟ قالوا: يؤتى من هاهنا بالوصائل. فقال أبرهة: والمسيح لأبنينّ لكم خيرا منه. فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والفضّة، وحفّه بالجواهر، وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وجعل فيه ياقوتة حمراء عظيمة وجعل لها حجابا، وكان يوقد فيه بالمندل ويلطّخ جدره بالمسك، وأمر الناس [أن] (٢) يحجوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون، وكان نفيل الخثعمى يعرض (٣) له ما يكره، فأمهل. فلما كانت ليلة من الليالى لم ير أحدا يتحرّك فقام فجاء بعذرة فلطّخ بها قبلته، وجمع جيفا فألقاها فيه.
стр. 39
وأخبر أبرهة بذلك فغضب غضبا شديدا، وقال: إنما فعلت العرب هذا غضبا لبيتهم، لأنقضنّه حجرا حجرا. وكتب إلى النجاشى يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود - وكان فيلا لم ير قطّ مثله عظما وجسما وقوّة - فبعث به إليه، فسار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير (١).
وقيل: إن أبرهة لم يسر بنفسه إنما بعث رجلا من أصحابه يقال له شمر بن مقصود على عشرين ألفا من خولان ومعراء والأشعريين.
ويقال: إن سبب بعث أبرهة بالفيل إلى مكة أنّ ابن بنته أكسوم بن الصباح الحميرىّ خرج حاجا، فلما انصرف من مكة نزل بكنيسة نجران، فعدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحلى، وأخذوا متاع أكسوم؛ فانصرف إلى جدّه مغضبا، فلما ذكر له ما لقى بمكة من أهلها تألّى بيمين أن يهدم البيت؛ فبعث رجلا من أصحابه يقال له شمر بن مقصود على عشرين ألفا من خولان ومعراء والأشعريين.
ولما سمعت بذلك العرب أعظموه وفظعوا به، ورأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة ومجاهدته عن بيت الله سبحانه، وما يريد من هدمه وإخرابه؛ فأجابه من أجابه إلى ذلك. ثم
стр. 40
عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر، فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذونفر: أيها الملك لا تقتلنى فعسى أن يكون مقامى معك/خيرا لك من قتلى. فتركه من القتل وحبسه عنده فى وثاق.
ومضى أبرهة على وجهه يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان فى أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمى فى قبيل من خثعم:
شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وقتل من قتل، وأخذ نفيل له أسيرا فأتى به فأمرأن يضرب عنقه، فقال نفيل: أيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى [لك] (١) على قبيلتى (٢) خثعم: شهران وناهس؛ يمينى على شهران وشمالى على ناهس، بالسمع والطاعة. فأعفاه وخلّى سبيله، وسار به معه ومعه ذو نفر فهما دليلاه.
وقيل إنهم لما نزلوا بأرض خثعم تنحّت خثعم عن طريقهم، فكلّمهم نفيل الخثعمى - وكان يعرف كلام الحبشة - فقال:
(٣) هذان على سمر (٣)؛ إن قوسى على أكلب، وسهمى على قحافة، وأنا خادمك. فسار معه وأحبّه، فقال له نفيل: إنى أعلم الناس بأرض العرب، وأدرى (٤) بطريقهم. فطفق فى مسيرهم يجنبهم الأرض ذات المهد حتى تقطعت أعناقهم عطشا (٥).