Полный текст (7 508 стр.). Показаны 1714–1753 · переход к 1719.
стр. 1714
قَوْلُهُ: (هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ: بِأُمِّ الْقُرْآنِ زَادَ مَالِكٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: أَمْ لَا؟
(تَنْبِيهٌ): سَاقَ الْبُخَارِيُّ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمَّا لَفْظُ شُعْبَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، أَوْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، أَقُولُ: لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ: أَوْ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، فَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَصْلًا، وَتُعُقِّبَ بِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا شَكَّتْ فِي قِرَاءَتِهِ ﷺ الْفَاتِحَةَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُطِيلُ فِي النَّوَافِلِ، فَلَمَّا خَفَّفَ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ. قُلْتُ: وَفِي تَخْصِيصِهَا أُمَّ الْقُرْآنِ بِالذِّكْرِ إِشَارَةٌ إِلَى مُوَاظَبَتِهِ لِقِرَاءَتِهَا فِي غَيْرِهَا مِنْ صَلَاتِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَكَانَ يَقُولُ: نِعْمَ السُّورَتَانِ يُقْرَأُ بِهِمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِهِمَا.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِيهِمَا بِهِمَا. وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ شَهْرًا، فَكَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِهِمَا. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَكَذَا لِلْبَزَّارِ، عَنْ أَنَسٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي قِرَاءَتِهِمَا فِيهِمَا، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِيهِمَا عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِمَا مَعَ الْفَاتِحَةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِ عَائِشَةَ: هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ. أَيْ: مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا، أَوْ ضَمَّ إِلَيْهَا غَيْرَهَا، وَذَلِكَ لِإِسْرَاعِهِ بِقِرَاءَتِهَا، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُرَتِّلَ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى إِطَالَةِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَنُقِلَ عَنِ النَّخَعِيِّ، وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فَيَسْتَدْرِكُهَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُرِفَ بِقِرَاءَتِهِ بَعْضَ السُّورَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ أَبَي قَتَادَةَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ: يُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ الْمَذْكُورَةِ: يُسِرُّ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ. وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاسْتُدِلَّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا مَعَ سُورَتَيِ الْإِخْلَاصِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ، وَفِي الْأُخْرَى الَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ (١) وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الْفَاتِحَةِ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِيهَا. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ: لَا أَدْرِي أَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ أَمْ لَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْأَبْوَابُ السِّتَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ الْفَصَلُ بَيَّنَهَا بِالْبَابِ الْآتِي بَعْدُ، وَهُوَ: بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى.
وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ مِنْ تَأْخِيرِهِ عَنْهَا، وَإِيرَادِهَا يَتْلُو بَعْضُهَا стр. 1715
بَعْضًا، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ عِنْدَ ضَمِّ بعضِ الْأَبْوَابِ إِلَى بَعْضٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَتْبَعَ هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ: بَابُ الْحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ؛ كَالْمُبَيِّنِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أُدْخِلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، إِذِ الْمُرَادُ بِهِمَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَبِهَذَا تَتَبَيَّنُ فَائِدَةُ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ. انْتَهَى. وَإِنَّمَا ضَمَّ الْمُصَنِّفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِلَى التَّهَجُّدِ لِقُرْبِهِمَا مِنْهُ، كَمَا وَرَدَ أَنَّ الْمَغْرِبَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا الْمَغْرِبُ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، كَمَا أَنَّ الْفَجْرَ فِي الشَّرْعِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٨ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى
وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ ﵃، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: مَا أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا إِلَّا يُسَلِّمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْ النَّهَارِ
١١٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي به، قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ.
[الحديث ١١٦٢ طرفاه في ٧٣٩٠، ٦٣٨٢]
١١٦٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْأنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ"
١١٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ".
١١٦٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ"
стр. 1716
١١٦٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ - أَوْ قَدْ خَرَجَ - فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
١١٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ المكي: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا، فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى) أَيْ: فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مَقْصُودُهُ أَنْ يُبَيِّنَ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الَّتِي أَوْرَدَهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: مَثْنَى مَثْنَى أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُحَمَّدٌ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالزُّهْرِيِّ). أَمَّا عَمَّارٌ: فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ: فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَتَى سَارِيَةً، وَصَلَّى عِنْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا أَنَسٌ: فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِهِ الْمَشْهُورِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ فِي بَيْتِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصُّفُوفِ، وَذَكَرَهُ فِي الْبَابِ مُخْتَصَرًا. وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْبَصْرِيُّ: فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ: فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي خَلْدَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عِكْرِمَةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ: فَلَمْ أَقِفْ ذَلِكَ عَنْهُ مَوْصُولًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَخْ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَوْصُولًا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فُقَهَاءَ أَرْضِنَا) أَيِ: الْمَدِينَةُ، وَقَدْ أَدْرَكَ كِبَارَ التَّابِعِينَ بِهَا، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَلَحِقَ قَلِيلًا مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ كَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَمَانِيَةَ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةً؛ سِتَّةٌ مِنْهَا مَوْصُولَةٌ، وَاثْنَانِ مُعَلَّقَانِ، أَوَّلُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ، وسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الدَّعَوَاتِ.
ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
ثَالِثُهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصُّفُوفِ.
رَابِعُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
خَامِسُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَلَاةِ التَّحِيَّةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ بِرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَقَالَ عِتْبَانُ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَمَا امْتَدَّ النَّهَارُ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ.
سَادِسُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ، سَابِعُهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى. هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصِّيَامِ بِتَمَامِهِ، ثَامِنُهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ. هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، مِنْهَا فِي بَابِ الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَابِ صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً. وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّطَوُّعَ فِي النَّهَارِ يَكُونُ أَرْبَعًا مَوْصُولَةً، وَاخْتَارَ الْجُمْهُورُ التَّسْلِيمَ مَنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ
стр. 1717
وَالنَّهَارِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: يُخَيَّرُ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ، وَكَرِهُوا الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ حِكَايَةُ اسْتِدْلَالِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: إِنَّمَا خَصَّ اللَّيْلَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْوِتْرَ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْوِتْرِ غَيْرُهُ، فَيَتَنَفَّلُ الْمُصَلِّي بِاللَّيْلِ أَوْتَارًا، فَبَيَّنَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يُعَادُ، وَأَنَّ بَقِيَّةَ صَلَاةِ اللَّيْلِ مَثْنَى، وَإِذَا ظَهَرَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ اللَّيْلِ صَارَ حَاصِلُ الْكَلَامِ صَلَاةَ النَّافِلَةِ سِوَى الْوِتْرِ مَثْنَى، فَيَعُمُّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ التَّهَجُّدِ وَمَا انْضَمَّ إِلَيْهَا عَلَى سِتَّةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ سَبْعٍ وَتِسْعٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَ يُفْطِرُ حَتَّى تظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ، وَحَدِيثِ سَمُرَةَ فِي الرُّؤْيَا، وَحَدِيثِ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَحَدِيثِ عُبَادَةَ: مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاسْتِخَارَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٩ - بَاب التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ
١١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ. (أَبْوَابُ التَّطَوُّعِ) لَمْ يُفْرِدِ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأُصُولِ.
١١٧٣ - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ) تَرْجَمَ أَوَّلًا بِمَا بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ، ثُمَّ تَرْجَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ) أَيْ: رَكْعَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مَعَ التَّبَعِيَّةُ؛ أَيْ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَلَاةً إِلَّا التَّجْمِيعَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ: يَجْمَعُ فِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ. فَذَكَرَهَا.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الظُّهْرِ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّوَافِلِ اللَّيْلِيَّةِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ رَوَاتِبِ النَّهَارِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِذَلِكَ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ عَمْدٍ، وَإِنَّمَا كَانَ ﷺ يَتَشَاغَلُ بِالنَّاسِ فِي النَّهَارِ غَالِبًا، وَبِاللَّيْلِ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ غَالِبًا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ. وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقَائِلَةِ،
стр. 1718
بِخِلَافِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُبْرِدُ بِهَا، وَكَانَ يَقِيلُ قَبْلَهَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ: لَا تُجْزِئُ سُنَّةُ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ، حَكَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْهُ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لِحَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، رَفَعَهُ: إِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مِنْ صَلَاةِ الْبُيُوتِ. وَقَالَ: إِنَّهُ حَكَى ذَلِكَ لِأَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَاسْتَحْسَنَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ) أَيْ: بِنْتُ عُمَرَ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (سَجْدَتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: رَكْعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ سَاعَةً) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ بِلَفْظِ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا، وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ عَنْ حَفْصَةَ وَقْتَ إِيقَاعِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ لَا أَصْلَ مَشْرُوعِيَّتِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ)؛ أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ فِي بَيْتِهِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ) أَمَّا رِوَايَةُ كَثِيرٍ فَلَمْ تَقَعْ لِي مَوْصُولَةً، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَيُّوبَ فَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا قَرِيبًا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ لِلْفَرَائِضِ رَوَاتِبَ تُسْتَحَبُّ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ حِمَايَةً لِلْفَرَائِضِ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَطَوُّعٍ بِمَا شَاءَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ، وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ.
٣٠ - بَاب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ
١١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاقِيتِ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْجَمْعَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّخَلُّلِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِصَلَاةٍ رَاتِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَيَدُلُّ عَلَى تَرْكِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْأُولَى، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَكَذَا التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْأُولَى مُحْتَمَلٌ.
٣١ - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ
١١٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ.
١١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
стр. 1719
قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ) ذُكِرَ فِيهِ حَدِيثُ مُوَرِّقٍ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ. وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي صَلَاةِ الضُّحَى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَقَدْ أَشْكَلَ دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى، وَأَظُنُّهُ مِنْ غَلَطِ النَّاسِخِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَار يَّ لَمَّا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَحَادِيثُ نَفْيًا كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَإِثْبَاتًا كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي الضُّحَى، نَزَلَ حَدِيثُ النَّفْيِ عَلَى السَّفَرِ، وَحَدِيثُ الْإِثْبَاتِ عَلَى الْحَضَرِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرْجَمَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَاةُ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ، وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ فِي السَّفَرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا تُصَلَّي فِي السَّفَرِ بِحَسَبَ السُّهُولَةِ لِفِعْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّصْرِيحُ بِالْحَضَرِ، لَكِنْ اسْتَنَدَ ابْنُ الْمُنِيرِ إِلَى قَوْلِهِ فِيهِ: وَنَمْ عَلَى وِتْرٍ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ كَوْنُ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ، لِأَنَّ الْمُسَافِرَ غَالِبُ حَالِهِ الِاسْتِيفَازُ وَسَهَرُ اللَّيْلِ، فَلَا يَفْتَقِرُ لِإِيصَاءٍ أَنْ لَا يَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، وَكَذَا التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ظَاهِرُهُ نَفْيُ ذَلِكَ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَأَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ نَفْيُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا نَفَى صَلَاتَهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ - وَأَقَلُّ مَا يَتَحَقَّقُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ السَّفَرُ، وَيَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ - فَحُمِلَ عَلَى السَّفَرِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلتَّخْفِيفِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ نَهَارًا. قَالَ: وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ حَالُ طُمَأْنِينَةٍ تُشْبِهُ حَالَةَ الْحَضَرِ كَالْحُلُولِ بِالْبَلَدِ شُرِعَتِ الضُّحَى، وَإِلَّا فَلَا. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ لِي أَيْضًا أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي السَّفَرِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. فَأَرَادَ أَنَّ تَرَدُّدَ ابْنِ عُمَرَ فِي كَوْنِهِ صَلَّاهَا أَوْ لَا، لَا يَقْتَضِي رَدَّ مَا جَزَمَ بِهِ أَنَسٌ، بَلْ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي ذَلِكَ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ تَوْبَةَ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَا لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُوَرِّقٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: سَمِعْتُ مُوَرِّقًا الْعِجْلِيَّ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، وَكَذَا مَنْ دُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ لِمُوَرِّقٍ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (لَا إِخَالُهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَتُفْتَحُ أَيْضًا، وَالْخَاءُ مُعْجَمَةٌ أَيْ: لَا أَظُنُّهُ. وَكَأَنَّ سَبَبَ تَوَقُّفِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا، وَلَمْ يَثِقْ بِذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ الْجَزْمُ بِكَوْنِهَا مُحْدَثَةً، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مُحْدَثَةٌ، وَإِنَّهَا لَمِنْ أَحْسِنِ مَا أَحْدَثُوا. وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ، عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَنِعْمَتِ الْبِدْعَةُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَمَا أَحَدٌ يُسَبِّحُهَا، وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
стр. 1720
مَا صَلَّيْتُ الضُّحَى مُنْذُ أَسْلَمْتُ، إِلَّا أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ. أَيْ: فَأُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا عَلَى نِيَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى، بَلْ عَلَى نِيَّةِ الطَّوَافِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْوِيهِمَا مَعًا.
وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا يَوْمَ يَقْدُمُ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدُمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَقْدُمَ مِنْ غَيْبَةٍ، فَأَمَّا مَسْجِدُ قُبَاءٍ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ قُبَاءً. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِهِ صَلَاةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ الضُّحَى لَا صَلَاةَ الضُّحَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَنْوِيهِمَا مَعًا كَمَا قُلْنَاهُ فِي الطَّوَافِ. وَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ مَا يَدْفَعُ مَشْرُوعِيَّةَ صَلَاةِ الضُّحَى؛ لِأَنَّ نَفْيَهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِ، لَا عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوِ الَّذِي نَفَاهُ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ كَمَا سَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ. قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ مُلَازَمَتَهَا وَإِظْهَارَهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَصَلَاتَهَا جَمَاعَةً، لَا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ وَلَابُدَّ فَفِي بُيُوتِكُمْ.
قَوْلُهُ: (مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ، فَلَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى، إِلَّا أُمُّ هَانِئٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يُخْبِرُنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْنِي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ هَذَا هُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَبَيَّنَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ وَقْتَ سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: سَأَلْتُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ) بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: (أُمِّ هَانِئٍ) هِيَ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أُخْتُ عَلِيٍّ شَقِيقَتُهُ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا، وَحَدِيثٍ آخَرَ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى) ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَقَعَ فِي بَيْتِهَا، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُرَّةَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، وَفِيهِ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَتَرَهُ لَمَّا اغْتَسَلَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَّةَ عَنْهَا أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَهُ هِيَ الَّتِي سَتَرَتْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي بَيْتِهَا بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَتْ هِيَ فِي بَيْتٍ آخَرَ بِمَكَّةَ فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ، فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ، وَأَمَّا السَّتْرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا سَتَرَهُ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ، وَالْآخَرُ فِي أَثْنَائِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) زَادَ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: فَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ فِي صَلَاتِهَا مَوْصُولَةً سَوَاءٌ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ أَوْ أَقَلَّ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ رَكْعَتَيْنِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَتْ أُمُّ هَانِئٍ بَقِيَّةَ الثَّمَانِ، وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُ صَلَّاهَا مَفْصُولَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا) يَعْنِي: مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ التَّقْصِيرِ بِلَفْظِ: فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ: لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ أَمْ رُكُوعُهُ أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ التَّفَرُّغَ لِمُهِمَّاتِ الْفَتْحِ لِكَثْرَةِ شُغْلِهِ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ أَنَّهُ
стр. 1721
صَلَّى الضُّحَى، فَطَوَّلَ فِيهَا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِثْبَاتِ سُنَّةِ الضُّحَى، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةُ الْفَتْحِ، وَقَدْ صَلَّاهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي بَعْضِ فُتُوحِهِ كَذَلِكَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ أَيْضًا: لَيْسَ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ بِظَاهِرٍ فِي أَنَّهُ قَصَدَ ﷺ بِهَا سُنَّةَ الضُّحَى، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ وَقْتِ صَلَاتِهِ فَقَطْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَضَاءً عَمَّا شُغِلَ عَنْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ حِزْبِهِ فِيهِ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الصَّوَابَ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى، وَلِمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُرَّةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ فِي قِصَّةِ اغْتِسَالِهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ صَلَاةُ الضُّحَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ صَلَاةِ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. وَاسْتَبْعَدَهُ السُّبْكِيُّ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ التَّوَقُّفُ، وَهَذَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ فِعْلِهِ دُونَ ذَلِكَ، كَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ قَرِيبًا مِثْلُهُ.
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا. حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ، أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ. وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الضَّعْفُ.
وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: مَنْ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنَ التَّائِبِينَ (١)، وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنَ الْعَابِدِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: أَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ، لَكِنْ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ قَوِيَ وَصَلُحَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ أَصَحَّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَفْضَلِ. وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَنْ صَلَّى الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَكْثَرَ سُنَّةِ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَأَمَّا مَنْ فَصَّلَ فَإِنَّهُ يَكُونُ صَلَّى الضُّحَى، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِ يَكُونُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا، فَتَكُونُ صَلَاتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَانٍ، لِكَوْنِهِ أَتَى بِالْأَفْضَلِ وَزَادَ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ، مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَبِهِ جَزَمَ الْحَلِيمِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا.
وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ: كَمْ أُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: كَمْ شِئْتَ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَهَذَا الْإِطْلَاقُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى التَّنفيذ، فَيُؤَكِّدُ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، فَحَكَى الْحَاكِمُ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ أَنْ تُصَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ كَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي ذَرٍّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ. وَحَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ стр. 1722
بْنِ عَمْرٍو، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ كُلِّهِمْ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأَبِي مُرَّةَ الطَّائِفِيِّ كِلَاهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ بِنَحْوِهِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى، رَفَعَهُ: مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: أَتَدْرُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قَالَ: وَفى عَمَلِ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتِ الضُّحَى.
أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَجَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ الْأَقْوَالَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى، فَبَلَغَتْ سِتَّةً: الْأَوَّلُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِهَا، فَقِيلَ: أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةً، وَقِيلَ: أَكْثَرُهَا ثَمَانٍ، وَقِيلَ: كَالْأَوَّلِ لَكِنْ لَا تُشْرَعُ سِتًّا وَلَا عَشَرَةً، وَقِيلَ: كَالثَّانِي، لَكِنْ لَا تُشْرَعُ سِتًّا، وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ فَقَطْ، وَقِيلَ: أَرْبَعًا فَقَطْ، وَقِيلَ: لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا. الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُشْرَعُ إِلَّا لِسَبَبٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهَا إِلَّا بِسَبَبٍ، وَاتَّفَقَ وُقُوعُهَا وَقْتَ الضُّحَى، وَتَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ: فَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي صَلَاتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ كَانَ بِسَبَبِ الْفَتْحِ، وَأَنَّ سُنَّةَ الْفَتْحِ أَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَنَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ فِعْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَمَّا فَتَحَ الْحِيرَةَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الضُّحَى حِينَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ، وَهَذِهِ صَلَاةُ شُكْرٍ كَصَلَاتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَصَلَاتِهِ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ إِجَابَةً لِسُؤَالِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مَكَانًا يَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَاءَهُ وَقْتَ الضُّحَى، فَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي، فَقَالَ: صَلَّى فِي بَيْتِهِ الضُّحَى.
وَكَذَلِكَ حَدِيثٌ بِنَحْوِ قِصَّةِ عِتْبَانَ مُخْتَصَرًا، قَالَ أَنَسٌ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى الضُّحَى إِلَّا يَوْمَئِذٍ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِة؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الطُّرُوقِ لَيْلًا، فَيَقْدُمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَيَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّي وَقْتَ الضُّحَى.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: لَا تُسْتَحَبُّ أَصْلًا، وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا، وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا تَارَةً وَتَرْكُهَا تَارَةً، بِحَيْثُ لَا يُوَاظَبُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى، حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّيهَا عَشْرًا، وَيَدَعُهَا عَشْرًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا كَالْمَكْتُوبَةِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إِنِّي لَأَدَعُهَا وَأَنَا أُحِبُّهَا مَخَافَةَ أَنْ أَرَاهَا حَتْمًا عَلَيَّ.
الْخَامِسُ: تُسْتَحَبُّ صَلَاتُهَا وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا فِي الْبُيُوتِ، أَيْ لِلْأَمْنِ مِنَ الْخَشْيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
السَّادِسُ: أَنَّهَا بِدْعَةٌ، صَحَّ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسُئِلَ أَنَسٌ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ: الصَّلَوَاتُ خَمْسٌ. وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ: مَا صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ جَمَعَ الْحَاكِمُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَذَكَرَ لِغَالِبِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُسْتَنَدًا، وَبَلغَ عَدَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فِي إِثْبَاتِهَا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ.
(لَطِيفَةٌ): رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ الضُّحَى بِسُورٍ؛ مِنْهَا: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالضُّحَى. انْتَهَى. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا.
٣٢ - بَاب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا
١١٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ) أَيِ التَّرْكَ (وَاسِعًا) أَيْ مُبَاحًا.
قَوْلُهُ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: السُّبْحَةَ - النَّافِلَةُ، وَأَصْلُهَا مِنَ التَّسْبِيحِ، وَخُصَّتِ النَّافِلَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي
стр. 1723
فِي الْفَرِيضَةِ نَافِلَةٌ فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ، لِأَنَّهَا كَالتَّسْبِيحِ فِي الْفَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنِّي لِأُسَبِّحُهَا) كَذَا هُنَا مِنَ السُّبْحَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ: وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا مِنَ الِاسْتِحْبَابِ، وَهي مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ، وَالثَّانِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ أَوْرَدَهَا مُسْلِمٌ: فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَفِي الْأَوَّلِ نَفْيُ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِي تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِغَيْرِ الْمَجِيءِ مِنْ مَغِيبِهِ، وَفِي الثَّالِثِ الْإِثْبَاتُ مُطْلَقًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ مَا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ روي عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَثْبَاتِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: مَا رَأَيْتُهُ سَبَّحَهَا؛ أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهَا وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا؛ أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَكَذَا قَوْلُهَا: وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا: تَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ - أَيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ - إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
انْتَهَى.
وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهَا: مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ.، وَقَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبَيْتِ. قَالَ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا الثَّالِثُ - يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ - وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَأُخِذَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: مَا صَلَّاهَا؛ مَعْنَاهَ: مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّيهَا، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي الْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي الْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ مِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ: يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ.
(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَعَدَّهَا لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ. وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي: إِنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفَتْحِ إِلَى أَنْ مَاتَ، يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ نَفْيَ أُمِّ هَانِئٍ لِذَلِكَ يَلْزَمُ (١) مِنْهُ الْعَدَمُ، لِأَنَّا نَقُولُ: يَحْتَاجُ مَنْ أَثْبَتَهُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَوْ وُجِدَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لِأَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، فَلَا تَسْتَل زِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى هَذَا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ.
٣٣ - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ.
[الحديث ١١٧٨ - طرفه في: ١٩٨١] стр. 1724
١١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ وَكَانَ ضَخْمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ "إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ بْنِ جَارُودٍ لِأَنَسٍ ﵁ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى فَقَالَ مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ، قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهِ سُبْحَةَ الضُّحَى، فَقَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ. أَخْرَجَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ مُطَوَّلًا، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ السُّبْحَةِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا فِي مَوَاضِعَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَالْجُرَيْرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (أَوْصَانِي خَلِيلِي) الْخَلِيلُ: الصَّدِيقُ الْخَالِصُ الَّذِي تَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ الْقَلْبَ، فَصَارَتْ فِي خِلَالِهِ؛ أَيْ فِي بَاطِنِهِ، وَاخْتُلِفَ: هَلِ الْخُلَّةُ أَرْفَعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ، أَوِ الْعَكْسُ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا لَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ.؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ أَنْ يَتَّخِذَ هُوَ ﷺ غَيْرَهُ خَلِيلًا لَا الْعَكْسُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُخَالَلَةَ لَا تَتِمُّ حَتَّى تَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا نَظَرَ الصَّحَابِيُّ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ، أَوْ لَعَلَّهُ أَرَادَ مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: لَا أَدَعُهُنَّ إِلَخْ مِنْ جُمْلَةِ الْوَصِيَّةِ، أَيْ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَدْعَهُنَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْبَارِ الصَّحَابِيِّ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) بِالْخَفْضِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: بِثَلَاثٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ شَهْرِ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْبِيْضُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَاةِ الضُّحَى) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ: كُلَّ يَوْمٍ. وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ: وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَعَلَّهُ ذَكَرَ الْأَقَلَّ الَّذِي يُوجَدُ التَّأْكِيدُ بِفِعْلِهِ، فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ، وَعَدَمُ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى فِعْلِهَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَهَا، لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِدَلَالَةِ الْقَوْلِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ أَنْ تَتَضَافَرَ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، لَكِنْ مَا وَاظَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فِعْلِهِ مُرَجَّحٌ مَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي التَّيَّاحِ: وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الْوِتْرِ عَلَى النَّوْمِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ، وَيَتَنَاوَلُ مَنْ يُصَلِّي بَيْنَ النَّوْمَيْنِ. وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَ مَثَلُهَا لِأَبِي الدَّرْدَاءِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَالْحِكْمَةُ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِيَدْخُلَ فِي الْوَاجِبِ مِنْهُمَا بِانْشِرَاحٍ، وَلِيَنْجَبِرَ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنْ نَقْصٍ.
وَمِنْ فَوَائِدِ رَكْعَتَيِ الضُّحَى أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي تُصْبِحُ عَلَى مَفَاصِلِ الْإِنْسَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مِفْصَلًا كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ فِيهِ: وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى. وَحَكَى شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثُمَّ قَطَعَهَا يَعْمَى، فَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتْرُكُونَهَا أَصْلًا لِذَلِكَ، وَلَيْسَ لِمَا قَالُوهُ أَصْلٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ لِيَحْرِمَهُمُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.
(تَنْبِيهَانِ): (الْأَوَّلُ): اقْتَصَرَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ أَشْرَفُ الْعِبَادَاتِ
стр. 1725
الْبَدَنِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمذكرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ. وَخُصَّتِ الصَّلَاةُ بِشَيْئَيْنِ، لِأَنَّهَا تَقَعُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِخِلَافِ الصِّيَامِ. (الثَّانِي): لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْيِيدٌ بِسَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ. وَالتَّرْجَمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَضَرِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ الْحَضَرَ، لِأَنَّ إِرَادَةَ الْحَضَرِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ مُمْكِنٌ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ فَبَعِيدٌ، لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) قِيلَ: هُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، لِأَنَّ فِي قِصَّتِهِ شَبَهًا بِقِصَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ فِي بَابِ هَلْ يُصَلِّي الْإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ، مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (يُصَلِّي الضُّحَى) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَالْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ، وَإِلَّا فَصَلَاتُهُ ﷺ فِي بَيْتِ الْأَنْصَارِيِّ - وَإِنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الضُّحَى - لَا يَلْزَمُ نِسْبَتُهَا لِصَلَاةِ الضُّحَى. قُلْتُ: إِلَّا أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْقِصَّةَ لِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّ عِتْبَانَ سَمَّاهَا صَلَاةَ الضُّحَى، فَاسْتَقَامَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَتَقْيِيدُهُ ذَلِكَ بِالْحَضَرِ ظَاهِرٌ لِكَوْنِهِ صَلَّى فِي بَيْتِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى) فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ: يُصَلِّي الضُّحَى.
قَوْلُهُ: (إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ) يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ مِنَ الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٤ - بَاب الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ
١١٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا.
١١٨١ - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
١١٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ، تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ) تَرْجَمَ أَوَّلًا بِالرَّوَاتِبِ الَّتِي بَعْدَ الْمَكْتُوبَاتِ، ثُمَّ أَوْرَدَ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَالْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ. لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بَيَانُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَتَا حَتْمًا بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَرْبَعًا. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصَفَ مَا رَأَى، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ ابْنُ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعِ. قُلْتُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَيْنِ: فَكَانَ تَارَةً يُصَلِّي ثِنْتَيْنِ، وَتَارَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَفِي بَيْتِهِ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَرَأَى ابْنُ عُمَرَ مَا فِي الْمَسْجِدِ دُونَ مَا فِي بَيْتِهِ، وَاطَّلَعَتْ عَائِشَةُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ.
стр. 1726
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: الْأَرْبَعُ كَانَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، وَالرَّكْعَتَانِ فِي قَلِيلِهَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ فَأَدْخَلَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَعَائِشَةَ، مَسْرُوقًا، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ حَدِيثَ وَكِيعٍ وَهَمٌ، وَرَدَّ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ قَدْ وَافَقَ وَكِيعًا عَلَى التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ مُحَمَّدٍ مِنْ عَائِشَةَ، ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ إِلَى شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الْقَطَّانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ - لِيَحْمِلَهُ مُدَلِّسًا، قَالَ: وَالْوَهْمُ عِنْدِي فِيهِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ. انْتَهَى. وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَأَوْضَحَ أَنَّ رِوَايَةَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَسْرُوقًا. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ يَكُونَ الْوَهْمُ فِي زِيَادَتِهِ مِمَّنْ دُونَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِسَنَدِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَسْرُوقٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَمْرٌو، عَنْ شُعْبَةَ) يَعْنِي عَمْرَو بْنَ مَرْزُوقٍ، وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي الْمُصَافَحَةِ.
٣٥ - بَاب الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ
١١٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ الْحُسَيْنِ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
[الحديث ١١٨٣ - طرفه في: ٧٣٦٨]
١١٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِئُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيَّ قَالَ "أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَالَ عُقْبَةُ إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ قَالَ الشُّغْلُ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ) لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا حَدِيثٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ (١) مَرْفُوعٍ، لَفْظُهُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَوَرَدَ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا. وَلَيْسَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْحُسَيْنِ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ) هُوَ ابْنُ مُغَفَّلٍ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. وَأَعَادَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ стр. 1727
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ: قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لِمَنْ شَاءَ.
قَوْلُهُ: (كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً) قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ اسْتِحْبَابِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: سُنَّةً؛ أَيْ شَرِيعَةً وَطَرِيقَةً لَازِمَةً، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ انْحِطَاطُ مَرْتَبَتِهَا عَنْ رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، وَلِهَذَا لَمْ يَعُدَّهَا أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الرَّوَاتِبِ، وَاسْتَدْرَكَهَا بَعْضُهُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ كَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْأَذَانِ.
قَوْلُهُ: (الْيَزَنِيَّ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ، بَعْدَهَا نُونٌ، وَهُوَ مِصْرِيٌّ، وَكَذَا بَقِيَّةُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَهَا.
قَوْلُه: (أَلَا أُعَجِّبُكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ التَّعَجُّبِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَبِي تَمِيمٍ)؛ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ الْجَيْشَانِيُّ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مُخَضْرَمٌ، أَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ثُمَّ قَدِمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ لِهَذَا الْإِدْرَاكِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ (١).
قَوْلُهُ: (يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: حِينَ يَسْمَعُ أَذَانَ الْمَغْرِبِ. وَفِيهِ: فَقُلْتُ لِعُقْبَةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْمِصَهُ، وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ؛ أَيْ أَعِيبُهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُقْبَةُ إِلَخْ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا تُسْتَحَبُّ الرَّكْعَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ لِمَنْ كَانَ مُتَأَهِّبًا بِالطُّهْرِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِئَلَّا يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ إِيقَاعَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْلَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِهِمَا مَا لَمْ تُقَمِ الصَّلَاةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَفْعَلْهُمَا أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ أَبَا تَمِيمٍ تَابِعِيٌّ، وَقَدْ فَعَلَهُمَا. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَا فَعَلْتُهُمَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ أَحَادِيثُ جِيَادٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لِمَنْ شَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَلَّى.
٣٦ - بَاب صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً
ذَكَرَهُ أَنَسٌ، وَعَائِشَةُ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١١٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ.
١١٨٦ - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ﵁، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتْ الْأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتْ الْأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا стр. 1728
أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَفْعَلُ فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَريز يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَ مَالِكٌ لَا أَرَاهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُلْ ذَاكَ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ ما
نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلَّا إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ مَحْمُودُ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً) قِيلَ: مُرَادُهُ النَّفْلُ الْمُطْلَقُ، وَيَحْتَمِلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ أَنَسٌ، وَعَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَفِيهِ: فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ. الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصُّفُوفِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ، فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهَا فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِاللَّيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قِيلَ: هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَكِنْ فِي لَفْظِهِ مُخَالَفَةٌ يَسِيرَةٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِسْحَاقُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ) التَّعْبِيرُ بِالْإِخْبَارِ قَرِينَةٌ فِي كَوْنِ إِسْحَاقَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِمَا بِلَفْظِ التَّحْدِيثِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَعَقَلَ مَجَّةً) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ فِي دَارِهِمْ)؛ أَيِ الدَّلْوُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَانَتْ أَيِ الْبِئْرُ.
قَوْلُهُ: (فَزَعَمَ مَحْمُودٌ)؛ أَيْ أَخْبَرَ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (فَيَشُقُّ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَشَقَّ بِصِيغَةِ الْمَاضِي.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ نُصَلِّيَ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟) هُوَ ابْنُ الدَّخْشَنِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَرَاهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي (فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا)؛ أَيْ رِجَالًا (فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ)؛ هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ
стр. 1729
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا) ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ تَحْتَ أَقْدَامِ الْخَيْلِ، وَيُغَيَّبَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ، فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ جِدَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِمْ) أَيْ كَانَ أَمِيرًا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَوَصَلُوا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ حَتَّى حَاصَرُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ) قَدْ بَيَّنَ أَبُو أَيُّوبَ وَجْهَ الْإِنْكَارِ، وَهُوَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ نَفْيِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَأمَا الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ النَّارَ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ النَّارَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَحَادِيثَ شَهِيرَةٍ مِنْهَا أَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ، لَكِنَّ الْجَمْعَ يُمْكِنُ بِأَنْ يُحْمَلَ التَّحْرِيمُ عَلَى الْخُلُودِ، وَقَدْ وَافَقَ مَحْمُودًا عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عِتْبَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهُوَ مُتَابِعٌ قَوِيٌّ جِدًّا، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لِمَحْمُودٍ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى عِتْبَانَ لِيَسْمَعَ الْحَدِيثَ مِنْهُ ثَانِي مَرَّةٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ اتَّهَمَ نَفْسَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَا ضَبَطَ الْقَدْرَ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَنِعَ بِسَمَاعِهِ عَنْ عِتْبَانَ ثَانِي مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَقْفِلَ) بِقَافٍ وَفَاءٍ؛ أَيْ أَرْجِعَ، وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ الْمَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ، وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ هُنَا، وَهُوَ صَلَاةُ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَؤُمَّ النَّفَرَ فِي النَّافِلَةِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَهِرًا، وَيُجْمَعَ لَهُ النَّاسُ فَلَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ لِمَا يَخْشَى مِنْ أَنْ يَظُنَّ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ فَرِيضَةٌ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قِيَامَ رَمَضَانَ لِاشْتِهَارِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ﵃، وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا تَقَدَّمَ بَعْضُهُ مَبْسُوطًا، وَمُلَاطَفَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَطْفَالِ، وَذِكْرُ الْمَرْءِ مَا فِيهِ مِنَ الْعِلَّةِ مُعْتَذِرًا، وَطَلَبُ عَيْنِ الْقِبْلَةِ، وَأَنَّ الْمَكَانَ الْمُتَّخَذَ مَسْجِدًا مِنَ الْبَيْتِ لَا يَخْرُجُ عَنْ مالكِ صَاحِبِهِ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِيطَانِ الرَّجُلِ مَكَانًا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْعَامِّ، وَفِيهِ عَيْبُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْكَبِيرِ، وَأَنَّ مَنْ عِيبَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ لَا يُعَدُّ غِيبَةً، وَأَنَّ ذِكْرَ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ عَلَى جِهَةِ التَّعْرِيفِ جَائِزٌ، وَأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَافٍ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ اسْتِثْبَاتُ طَالِبِ الْحَدِيثِ شَيْخَهُ عَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ إِذَا خَشِيَ مِنْ نِسْيَانِهِ، وَإِعَادَةُ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ، وَالرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٣٧ - بَاب التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ
١١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا. تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ) يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ بِلَفْظِ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.
стр. 1730
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
١ - بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ
١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَرْبَعًا قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى"
١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الْبَسْمَلَةُ قَبْلَ الْبَابِ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمْ يَقُلْ فِي التَّرْجَمَةِ: وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعًا إِلَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ أَفْرَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَرْجَمَةٍ، قَالَ: وَتَرْجَمَ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّحْلَةِ إِلَى الْمَسَاجِدِ قَصْدُ الصَّلَاةِ فِيهَا، لِأَنَّ لَفْظَ الْمَسَاجِدِ مُشْعِرٌ بِالصَّلَاةِ. . انْتَهَى.
وَظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ فِي التَّرْجَمَةِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ النَّافِلَةُ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيل.
قَوْلُهُ: (عَنْ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَذَا الزَّايِ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ سُكُونَهَا بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَيُقَالُ: ابْنُ الْأَسْوَدِ، وَسَيَأْتِي بعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، وَهُوَ هَذَا، وَزِيَادٌ مَوْلَاهُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ أَرْبَعًا) أَيْ يَذْكُرُ أَرْبَعًا، أَوْ سَمِعْتُ مِنْهُ أَرْبَعًا أَيْ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ غَزَا) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ قَزَعَةُ، وَالْمَقُولُ عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كَذَا اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْمَتْنِ شَيْئًا، وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ، فَظَنَّ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَاقَ الْإِسْنَادَيْنِ لِهَذَا الْمَتْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقْتَصِرٌ عَلَى شَدِّ الرِّحَالِ فَقَطْ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْبُخَارِيِّ فِي إِجَازَةِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمَّا كَانَ أَحَدُ الْأَرْبَعِ هُوَ قَوْلَهُ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ ذَكَرَ صَدْرَ الْحَدِيثِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي
стр. 1731
يَتَلَاقَى فِيهِ افْتِتَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَاقْتَطَفَ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْإِغْمَاضَ لِيُنَبِّهَ غَيْرَ الْحَافِظِ عَلَى فَائِدَةِ الْحِفْظِ، عَلَى أَنَّهُ مَا أَخْلَاهُ عَنِ الْإِيضَاحِ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنَّهُ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ خَامِسَ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَجْهٌ آخَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ بِلَفْظِ: تُشَدُّ الرِّحَالُ.
قَوْلُهُ: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ الْبِقَاعُ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ، وَالرِّحَالُ بِالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ رَحْلٍ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ، وَكَنَّى بِشَدِّ الرِّحَالِ عَنِ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ لَازِمُهُ، وَخَرَجَ ذِكْرُهَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي رُكُوبِ الْمُسَافِرِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوبِ الرَّوَاحِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّمَا يُسَافِرُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا) الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلَازَمَهُ مَنْعُ السَّفَرِ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُفَرَّغِ مُقَدَّرٌ بِأَعَمِّ الْعَامِّ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ هُنَا الْمَوْضِعُ الْمَخْصُوصُ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)؛ أَيِ الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمَ: الْكِتَابُ، بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، وَالْمَسْجِدُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ دُونَ الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَرَمِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ: مَسْجِدِي هَذَا. لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهِ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ. حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَأَيَّدُ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: إِلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ، حَتَّى وَلَوْ سَقَطَتْ لَفْظَةُ مَسْجِدٍ لَكَانَتْ مُرَادَةً، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذَا الْفَضْلُ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ أَوْ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: بَلْ فِي الْحَرَمِ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدُ الرَّسُولِ) أَيْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ مَسْجِدِي إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْظِيمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي قَرِيبًا: وَمَسْجِدِي.
قَوْلُهُ: (وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أَيْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَقَدْ جَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَاسْتَشْهَدُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ وَالْبَصْرِيُّونَ يُؤَوِّلُونَهُ بِإِضْمَارِ الْمَكَانِ، أَيِ الَّذِي بِجَانِبِ الْمَكَانِ الْغَرْبِيِّ، وَمَسْجِدِ الْمَكَانِ الْأَقْصَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمَسَافَةِ، وَقِيلَ: فِي الزَّمَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سُمِّيَ الْأَقْصَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ، وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْخَبَثِ، وَقِيلَ: هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَبْعَدُ مِنْهُ. وَلِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِدَّةُ أَسْمَاءَ تَقْرُبُ مِنَ الْعِشْرِينَ مِنْهَا: إِيلِيَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَبِحَذْفِ الْيَاءِ الْأُولَى، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِدْخَالُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى هَذَا الثَّالِثِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ بِسُكُونِ الْقَافِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ التَّشْدِيدِ، وَالْقُدْسُ بِغَيْرِ مِيمٍ مَعَ ضَمِّ الْقَافِ، وَسُكُونِ الدَّالِ، وَبِضَمِّهَا أَيْضًا، وَشَلَّمُ بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَبِالْمُهْمَلَةِ، وَشَلَامُ بِمُعْجَمَةٍ، وَسَلِمُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ، وَأُورِي سَلِمَ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَبكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ الْأَعْشَى:
стр. 1732
وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِمَ
وَمِنْ أَسْمَائِهِ: كُورَةُ، وَبَيْتُ إيلٍ، وَصِهْيُونُ، وَمِصْرُوثُ آخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ وَكُورْشِيلَا وَبَابُوسُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَمُعْجَمَةُ، وَقَدْ تَتَبَّعَ أَكْثَرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَالَوَيْهِ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِ لَيْسَ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ قِبْلَةُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ، وَالثَّانِي كَانَ قِبْلَةَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالثَّالِثَ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا، كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَشَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَبِهِ قَالَ عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إِنْكَارِ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إِلَى الطُّورِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتُ. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ؛ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ التَّامَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ - سَيَأْتِي ذِكْرُهَا - بِلَفْظِ: لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تَعْمَلَ.
وَهُوَ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ التَّحْرِيمِ (١) وَمِنْهَا أَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اللَّفْظُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْإِيجَابُ فِيمَا يَنْذِرُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الَّتِي يُتَبَرَّكُ بِهَا، أَيْ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا قَصْدُ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ، أَوْ قَرِيبٍ، أَوْ صَاحِبٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ نُزْهَةٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الصَّلَاةُ فِي الطُّورِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَشُدَّ رِحَالَهُ إِلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي. وَشَهْرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الضَّعْفِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُهَا بِالِاعْتِكَافِ فِيمَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبُوَيْطِيُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: يَجِبُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجِبُ إِلَى الْحَرَمَيْنِ، وَأَمَّا الْأَقْصَى فَلَا، وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُجَّةُ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ إعْمَالَ الْمَطِيِّ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالصَّلَاةِ فِيهِمَا قُرْبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. انْتَهَى.
وَفِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفُرُوعِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ غَيْرِ هَذِهِ стр. 1733
الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا، لِأَنَّهَا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَتَكْفِي صَلَاتُهُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ: يَجِبُ الْوَفَاءُ بهِ، وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةً: إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ كَرِبَاطٍ لَزِمَ، وَإِلَّا فَلَا، وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ كَمَا سَيَأْتِي، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَصْرِنَا فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ مُنَاظَرَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَصُنِّفَ فِيهَا رَسَائِلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، قُلْتُ: يُشِيرُ إِلَى مَا رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَمَا انْتَصَرَ بِهِ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي وَغَيْرُهُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي بِلَادِنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمُ أَلْزَمُوا ابْنَ تَيْمِيَةَ بِتَحْرِيمِ شَدِّ الرَّحْلِ (١) إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْكَرْنَا صُورَةَ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ ذَلِكَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طُولٌ، وَهِيَ مِنْ أَبْشَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى دَفْعِ مَا ادَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ كَرِهَ اللَّفْظَ أَدَبًا لَا أَصْلَ الزِّيَارَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلَالِ، وَأنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ بِلَا نِزَاعٍ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عَامًّا فَيَصِيرَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَكَانٍ فِي أَيِّ أَمْرٍ كَانَ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ. لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى سَدِّ بَابِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهَا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً، وَهُوَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ مَنَعَ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ بُقْعَةٌ لَهَا فَضْلٌ لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ الرِّحَالُ إِلَيْهَا غَيْرَ الْبِلَادِ الثَّلَاثَةِ، وَمُرَادِي بِالْفَضْلِ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ فَلَا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا، بَلْ لِزِيَارَةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ أَوِ الْمُبَاحَاتِ، قَالَ: وَقَدِ الْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَى الزِّيَارَةِ لِمَنْ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ دَاخِلٌ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ، أَوْ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَّا إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَشَدُّ الرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ لَيْسَ إِلَى الْمَكَانِ بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَالْأَغَرُّ هُوَ سَلْمَانُ شَيْخُ الزُّهْرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ ﷺ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ، لِأَنَّ التَّضْعِيفَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَدْ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ هَذَا، بِخِلَافِ مَسْجِدِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَكَّةَ، стр. 1734
بَلْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: يَجُوزُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، فَإِنَّهُ مُسَاوٍ لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أوْ فَاضِلًا، أَوْ مَفْضُولًا. وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، بِخِلَافِ الْمُسَاوَاةِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: وَصَلَاةٌ فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ، وَمَثَلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ.
وَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَطَاءً إِمَامٌ وَاسِعُ الرِّوَايَةِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَفَعَهُ: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ. قَالَ الْبَزَّارُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَوَضَّحَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَفْضِيلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى تَأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ أَلْفِ صَلَاةٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَفْظُ دُونِ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِتِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَتِسْعِينَ صَلَاةً، وَحَسْبُكَ بِقَوْلٍ يُئَوَّلُ إِلَى هَذَا ضَعْفًا.
قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِمِائَةِ صَلَاةٍ، وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا مَسْجِدَ الرَّسُولِ، فَإِنَّمَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ، وَعَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيهِ. وَيُشِيرُ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ.
وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا، وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمِائَةِ صَلَاةٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْأَمْكِنَةَ تُشَرَّفُ بِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ الْعِبَادَةُ فِيهِ مَرْجُوحَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ مَعَ قَوْلِهِ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْخَبَرِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَلَا يُقَاوِمُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي فَضْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ. وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ
стр. 1735
التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنِ اسْتَثْنَى عِيَاضٌ الْبُقْعَةَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ الْبِقَاعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ لِلْعَابِدِ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ سَبَبَ التَّفْضِيلِ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهَا كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهَا، أَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَفْضَلَ بَعْدَ مَكَّةَ مِنْهَا، فَقَدْ أَنْزَلَهَا مَنْزِلَتَهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَبَبُ تَفْضِيلِ الْبُقْعَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْمَرْءَ يُدْفَنُ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا تُرَابُهُ عِنْدَمَا يُخْلَقُ. رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَوَاخِرِ تَمْهِيدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مَوْقُوفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَدَ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ التُّرَابَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تُرَابِ الْكَعْبَةِ، فَعَلَى هَذَا، فَالْبُقْعَةُ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ مِنْ تُرَابِ الْكَعْبَةِ، فَيَرْجِعُ الْفَضْلُ الْمَذْكُورُ إِلَى مَكَّةَ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنِ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ ﷺ : أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مَانِعَ مِنْ إِبْقَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، فَتَكُونُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي الْمَسْجِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ مُطْلَقًا. ثُمَّ إِنَّ التَّضْعِيفَ الْمَذْكُورَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّوَابِ، وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْمُقْرِي أَبِي بَكْرٍ النَّقَّاشِ فِي تَفْسِيرِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: حَسَبْتُ الصَّلَاةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَبَلَغَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عُمُرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. انْتَهَى. وَهَذَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّضْعِيفِ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا تَزِيدُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ هَلْ يَجْتَمِعُ التَّضْعِيفَانِ أَوْ لَا؟ مَحَلُّ بَحْثٍ.
٢ - بَاب مَسْجِدِ قُبَاءٍ
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنْ الضُّحَى إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
[الحديث ١١٩١ - أطرافه في: ٧٣٢٦، ١١٩٤، ١١٩٣]
١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ) أَيْ فَضْلُهُ، وَقُبَاءٌ بِضَمِّ الْقَافِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنْكَرَ السُّكَّرِيُّ قَصْرَهُ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُهُ فَيَصْرِفُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُهُ فَلَا
стр. 1736
يَصْرِفُهُ. وَفِي الْمَطَالِعِ: هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ يَاقُوتُ: عَلَى مِيلَيْنِ عَلَى يَسَارِ قَاصِدِ مَكَّةَ، وَهُوَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ. وَسُمِّيَ بِاسْمِ بِئْرٍ هُنَاكَ. وَالْمَسْجِدُ الْمَذْكُورُ هُوَ مَسْجِدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ أَسَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فِي بَابِ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: هُوَ الدَّوْرَقِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (يَزُورُهُ) أَيْ يَزُورُ مَسْجِدَ قُبَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَقُولُ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ قُبَاءٍ، وَفَضْلِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِهَا، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ تَضْعِيفٌ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ.
٣ - بَاب مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ
١١٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ يَفْعَلُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ) أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَيَانَ تَقْيِيدِ مَا أُطْلِقَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِيهَا فِي الْمَوْقُوفِ بِخِلَافِ الْمَرْفُوعِ فَأَطْلَقَ، وَمِنْ فَضَائِلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي قُبَاءٍ لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْإِبِلِ.
قَوْلُهُ: (مَاشِيًا وَرَاكِبًا) أَيْ بِحَسْبِ مَا تَيَسَّرَ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ.
٤ - بَاب إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا
١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا) أَفْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لِاشْتِمَالِ الْحَدِيثِ عَلَى حُكْمٍ آخَرَ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) زَادَ الْأَصِيلِيُّ: ابْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ الْقَطَّانُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ. وَطَرِيقُ ابْنِ نُمَيْرٍ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو يَعْلَى قَالَا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي بِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. فَذَكَرَهُ بِالزِّيَادَةِ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ، وَأَنَّ أَحَدَ الرُّوَاةِ قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِبَعْضِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ (١) لِكَوْنِ стр. 1737
النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مَجِيئَهُ ﷺ إِلَى قُبَاءٍ إِنَّمَا كَانَ لِمُوَاصَلَةِ الْأَنْصَارِ وَتَفَقُّدِ حَالِهِمْ، وَحَالِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ مَعَهُ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالسَّبْتِ.
٥ - بَاب فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ
١١٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
١١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي.
[الحديث ١١٩٦ - أطرافه في: ٧٣٣٥، ٦٥٨٨، ١٨٨٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ) لَمَّا ذَكَرَ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَتَرْجَمَ بِذِكْرِ الْقَبْرِ، وَأَوْرَدَ الْحَدِيثَيْنِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ، لِأَنَّ الْقَبْرَ صَارَ فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الْقَبْرِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: بَيْتِي، وَيُرْوَى قَبْرِي، وَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّهُ دُفِنَ فِي بَيْتِ سُكْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) سَقَطَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ كَامِلًا فِي أَوَاخِرِ فَضْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى.
٦ - بَاب مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
١١٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي قَالَ: لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّا ومَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أَيْ فَضْلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَآنَقْنَنِي) بِالْمَدِّ، ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ قَافٍ سَاكِنَةٍ، بَعْدَهَا نُونَانِ، يُقَالُ: آنَقَهُ كَذَا إِذَا أَعْجَبَهُ، وَشَيْءٌ مُونِقٌ؛ أَيْ مُعْجِبٌ، وَقَوْلُهُ: وَأَعْجَبْنَنِي؛ مِنَ التَّأْكِيدِ بِغَيْرِ اللَّفْظِيِّ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ رُوِيَ أَيْنَقْنَنِي بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْأَلِفِ، قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ: أَتَقْنَنِي بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ مِنَ التَّوْقِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: مِنْهُ تَوِّقْنِي؛ كَشَوِّقْنِي.
قَوْلُهُ: (لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا صَوْمَ) سَيَأْتِي فِي الصَّوْمِ، وَقَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
стр. 1738
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ التَّطَوُّعِ وَمَا مَعَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا عَشَرَةُ أَحَادِيثَ، وَسَائِرُهَا مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا - فِيهَا وَفِيمَا مَضَى - اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ اثْنَا عَشَرَ. وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِيهِ، وَفِيهَا مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ أَثَرًا، وَهِيَ السِّتَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَنَفْسِهِ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَثَرُ أَبِي تَمِيمٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَأَثَرُ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَكُلُّهَا مَوْصُولَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢١ - كتاب العمل في الصلاة
١ - بَاب اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ
وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَهَا. وَوَضَعَ عَلِيٌّ ﵁ كَفَّهُ عَلَى رُسْغِهِ الْأَيْسَرِ إِلَّا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا
١١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ وَهِيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ (أَبْوَابُ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ) ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا بَسْمَلَةٌ.
(بَابُ) فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أَبْوَابُ.
قَوْلُهُ: (اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ. وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِي السَّبِيعِيَّ - قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَهَا. وَوَضَعَ عَلِيٌّ كَفَّهُ عَلَى رُصْغِهِ الْأَيْسَرِ، إِلَّا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا، أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا) هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ بَقِيَّةِ أَثَرِ عَلِيٍّ عَلَى مَا سَأُوَضِّحُهُ، وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: قَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا؛ أوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ. فَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ جَوَازَ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ مِنْ حَالِ الْمَرْءِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ
стр. 1739
دَفْعِ التَّشْوِيشِ عَنِ النَّفْسِ، قَالَ: وَكَانَ الْأَوْلَى فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا قَبْلَ قَوْلِهِ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. انْتَهَى.
وَسَبَقَهُ إِلَى دَعْوَاهُ - أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ التَّرْجَمَةِ - الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَحُكَّ جَلْدًا؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ صِلَةِ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ، وَصَرَّحَ بِكَوْنِهِ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ لَا مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ الْعَلَامَةِ عَلَاءِ الدِّينِ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ مَنْ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَقِيَّةُ أَثَرِ عَلِيٍّ، كَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَحَدُ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ غَزْوَانَ بْنِ جَرِيرٍ الضَّبِّيِّ عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ شَدِيدَ اللُّزُومِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبَّرَ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى رُصْغِهِ الْأَيْسَرِ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَرْكَعَ، إِلَّا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا. هَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي السُّفَيْنةِ الْجَرَائِدِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ السِّلَفِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ ثَوْبَهُ أَوْ يَحُكَّ جَسَدَهُ. وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَلَوْ كَانَ أَثَرُ عَلِيٍّ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: الْأَيْسَرِ لَمَا كَانَ فِيهِ تَعَلُّقٌ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَّا بِبُعْدٍ، وَهَذَا مِنْ فَوَائِدِ تَخْرِيجِ التَّعْلِيقَاتِ.
وَالرُّصْغُ بِسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: هُوَ لُغَةٌ فِي الرُّسْغِ، وَهُوَ مَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الرُّصْغُ مُجْتَمِعُ السَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآثَارِ يُخَالِفُ التَّرْجَمَةَ، لِأَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا كَانَ الْعَمَلُ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ وَهِيَ مُطْلَقَةٌ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ إِطْلَاقَهَا مُقَيَّدٌ بِمَا ذُكِرَ لِيَخْرُجَ الْعَبَثُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَهَا تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ، لِأَنَّ دَفْعَ مَا يُؤْذِي الْمُصَلِّي يُعِينُ عَلَى دَوَامِ خُشُوعِهِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَدْخُلُ فِي الِاسْتِعَانَةِ التَّعَلُّقُ بِالْحَبْلِ عِنْدَ التَّعَبِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْعَصَا وَنَحْوُهُمَا، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَقَدْ مَرَّ الْأَمْرُ بِحَلِّ الْحَبْلِ فِي أَبْوَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الِاخْتِصَاص بَعْدَ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا) هُوَ شَاهِدُ التَّرْجَمَةِ، لِأَنَّهُ أَخَذَ بِأُذُنِهِ أَوَّلًا لِإِدَارَتِهِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ أَخَذَ بِهَا أَيْضًا لِتَأْنِيسِهِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ لَيْلًا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الصُّفُوفِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: اسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَعِينَ بِيَدِهِ فِي صَلَاتِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِغَيْرِهِ، كَانَتِ اسْتِعَانَتُهُ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَيَنْشَطَ لَهَا إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ.
٢ - بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ
١١٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا.
[الحديث ١١٩٩ - طرفاه في: ٣٨٧٥، ١٢١٦]
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
١٢٠٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ،
стр. 1740
قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
[الحديث ١٢٠٠ - طرفه في: ٤٥٣٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا يُنْهَى عَنْهُ، وَفِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ لَا يُنْهَى عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَلَمْ يُدْرِكِ الْبُخَارِيُّ، عَبْدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ: كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِحَاجَتِنَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ: خَرَجْتُ فِي حَاجَةٍ وَنَحْنُ يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ. وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ بَعْدَ بَابٍ نَحْوُهُ فِي حَدِيثِ التَّشَهُّدِ.
قَوْلُهُ: (النَّجَاشِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَسَيَأْتِي تَسْمِيَتُهُ وَالْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَائِدَةٌ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ السَّلَامَ بِالْإِشَارَةِ، وَقَدْ بَوَّبَ الْمُصَنِّفُ لِمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ بِتَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَسَتَأْتِي فِي أَوَاخِرِ سُجُودِ السَّهْوِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ الَّتِي فِي الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ: لَشُغْلًا بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ، أَيْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ؛ أَيْ شُغْلًا وَأَيُّ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ مَعَ اللَّهِ تَسْتَدْعِي الِاسْتِغْرَاقَ بِخِدْمَتِهِ، فَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ وَظِيفَةَ الْمُصَلِّي الِاشْتِغَالُ بِصَلَاتِهِ، وَتَدَبُّرُ مَا يَقُولُهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَرَّجَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كُلْثُومٍ الْخُزَاعِيِّ: إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ فَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
قَوْلُهُ: (هُرَيْمُ) بِهَاءٍ وَرَاءٍ مُصَغَّرًا، وَالسَّلُولِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ مَضْمُومَةٌ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادَيْنِ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِمَّا عُدَّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوَهُ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ هُرَيْمٍ غَيْرُ مُتَّحِدٍ مَعَ لَفْظِ رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ وَأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ هُرَيْمٍ أَيْضًا: نَحْوَهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى سِيَاقِ لَفْظِ هُرَيْمٍ إِلَّا عِنْدَ الْجَوْزَقِيِّ، فَإِنَّهُ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةً، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدِمْنَا بَدَلَ رَجَعْنَا، وَزَادَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَسَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا، وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى، مِنْهَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ كُلْثُومٍ الْخُز اعِيِّ عَنْهُ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَبُوهُ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ، وَآخِرُهُ لَامٌ مُصَغَّرًا، وَلَيْسَ لِأَبِي عُمَرَ، وَسَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ الشَّيْبَانِيِّ شَيْخِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وَهَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أُمِرْنَا لِقَوْلِهِ فِيهِ: عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذِكْرُ نُزُولِ الْآيَةِ كَافِيًا فِي كَوْنِهِ مَرْفُوعًا.
стр. 1741
قَوْلُهُ: (يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: نَتَكَلَّمُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِكُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى نَزَلَتْ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَقَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ، فَيُشْكِلُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، وَكَانَ رُجُوعُهُمْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمُوا، فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ، فَوَجَدُوا الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَاشْتَدَّ الْأَذَى عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهَا أَيْضًا، فَكَانُوا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَضْعَافَ الْأُولَى، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعَ الْفَرِيقَيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَمَّا رَجَعْنَا، هَلْ أَرَادَ الرُّجُوعَ الْأَوَّلَ أَوِ الثَّانِي، فَجَنَحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى الْأَوَّلِ، وَقَالُوا: كَانَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ زَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ وَقَوْمَهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّسْخُ، وَقَالُوا: لَا مَانِعَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْحُكْمُ، ثُمَّ تَنْزِلَ الْآيَةُ بِوَفْقِهِ. وَجَنَحَ آخَرُونَ إِلَى التَّرْجِيحِ، فَقَالُوا: يَتَرَجَّحُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ حَكَى لَفْظَ النَّبِيِّ ﷺ ، بِخِلَافِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمْ يَحْكِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ رُجُوعَهُ الثَّانِي، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَتَجَهَّزُ إِلَى بَدْرٍ، وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ ثَمَانِينَ رَجُلًا.
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ: فَتَعَجَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَشَهِدَ بَدْرًا.
وَفِي السِّيَرِ لِابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ وَحُبِسَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، فَشَهِدُوا بَدْرًا. فَعَلَى هَذَا كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَظَهَرَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَإِلَى هَذَا الْجَمْعِ نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَلَمْ يَقِفْ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامَهُ عَلَى مُسْتَنَدِهِ، وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْعَ رِوَايَةُ كُلْثُومٍ الْمُتَقَدِّمَةُ، فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ حَكَى أَنَّ النَّاسِخَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ: كَانَ نَسْخُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ؛ أَيْ كَانَ قَوْمِي يَتَكَلَّمُونَ، لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نُسِخَ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَتَرَكُوهُ، فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَبِأَنَّ إِسْلَامَ الْأَنْصَارِ وَتَوَجُّهَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
كَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ.
وَأَجَابَ ابْنُ حِبَّانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا بِمَكَّةَ يَجْتَمِعُونَ إِلَّا نَادِرًا، وَبِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ سَأَلَ الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ، فَيُخْبِرُهُ بِمَا فَاتَهُ، فَيَقْتضِي، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ، حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ يَوْمًا، فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَطْعًا، لِأَنَّ أَبَا أُمَامَةَ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِنَّمَا أَسْلَمَا بِهَا.
قَوْلُهُ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ. . . الْآيَةَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا، وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: (الْوُسْطَى) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِالْوُسْطَى وَبِالْقُنُوتِ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ السُّكُوتُ.
قَوْلُهُ: (فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ)؛ أَيْ عَنِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ لَا مُطْلَقًا، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَ فِيهَا حَالُ سُكُوتٍ حَقِيقِةً. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيَتَرَجَّحُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ حَتَّى الَّتِي لِلْغَايَةِ وَالْفَاءُ الَّتِي تُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ مَا سَبَقَ عَلَيْهَا، لِمَا يَأْتِي بَعْدَهَا.
стр. 1742
(تَنْبِيهٌ): زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْبُخَارِيِّ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ أَحَدٌ مِنْ شُرَّاحِهَا عَلَيْهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْلِهِ: وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى ضِدِّهِ دَلَالَةُ الْتِزَامٍ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الْخِلَافُ، فَلَعَلَّهُ ذُكِرَ لِكَوْنِهِ أَصْرَحَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا اللَّفْظُ أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى النَّسْخِ، وَهُوَ تَقَدُّمُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَلَيْسَ كَقَوْلِ الرَّاوِي: هَذَا مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ يَطْرُقُهُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَقِيلَ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ نَسْخٌ، لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْحُكْمُ الْمُزِيلُ لَهَا لَيْسَ نَسْخًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مَما يُمْنَعُ أَوْ يُبَاحُ إِذَا قَرَّرَهُ الشَّارِعُ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَإِذَا وَرَدَ مَا يُخَالِفُهُ كَانَ نَاسِخًا، وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَوْلُهُ: وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَمَّى كَلَامًا، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ الرَّاجِح إِلَى قَوْلِهِ: يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، وَقَوْلِهِ: فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ؛ أَيْ عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ.
(تَكْمِيلٌ): أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ - مِنْ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ عَامِدٍ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا، أَوْ إِنْقَاذِ مُسْلِمٍ - مُبْطِلٌ لَهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّاهِي وَالْجَاهِلِ، فَلَا يُبْطِلُهَا الْقَلِيلُ مِنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَبْطَلَهَا الْحَنَفِيَّةُ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي السَّهْوِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ أَيْضًا، كَمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَوْ تَعَمَّدَ إِصْلَاحَ الصَّلَاةِ لِسَهْوٍ دَخَلَ عَلَى إِمَامِهِ، أَوْ لِإِنْقَاذِ مُسْلِمٍ لِئَلَّا يَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ، أَوْ فَتْحٍ عَلَى إِمَامِهِ، أَوْ سَبَّحَ لِمَنْ مَرَّ بِهِ، أَوْ رَدَّ السَّلَامَ، أَوْ أَجَابَ دَعْوَةَ أَحَدِ وَالِدَيْهِ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ، أَوْ تَقَرَّبَ بِقُرْبَةٍ كَأَعْتَقْتُ عَبْدِي لِلَّهِ، فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ خِلَافٌ مَحَلُّ بَسْطِهِ كُتُبُ الْفِقْهِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهِ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: الْفَرْقُ بَيْنَ قَلِيلِ الْفِعْلِ لِلْعَامِدِ فَلَا يُبْطِلُ، وَبَيْنَ قَلِيلِ الْكَلَامِ أَنَّ الْفِعْلَ لَا تَخْلُو مِنْهُ الصَّلَاةُ غَالِبًا لِمَصْلَحَتِهَا، وَتَخْلُو مِنَ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ غَالِبًا مُطَّرِدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ لِلرِّجَالِ
١٢٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ ﵁، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ، أَبَا بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ: حُبِسَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَؤُمُّ النَّاسَ، قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ، فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ، قَالَ سَهْلٌ: هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّفِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: أَرَادَ إِلْحَاقَ التَّسْبِيحِ بِالْحَمْدِ بِجَامِعِ الذِّكْرِ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ ذِكْرُ التَّحْمِيدِ دُونَ التَّسْبِيحِ. قُلْتُ: بَلِ الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِمَا، لَكِنَّهُ سَاقَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ وَفِيهِ: فَرَفَعَ
стр. 1743
أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى. وَفِي آخِرِهِ: مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاته، فَلْيُسَبِّحْ. وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ السَّهْوِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَفِيهِ هَذَا.
قَوْلُهُ: (لِلرِّجَالِ): قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: قَيَّدَهُ بِالرِّجَالِ، لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا يُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ. وَقَدْ أَشْعَرَ بِذَلِكَ تَبْوِيبُهُ بَعْدُ، حَيْثُ قَالَ: بَابُ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ لَفْظِيَّةٌ وَضْعِيَّةٌ، وَدَلَالَةَ الْمَفْهُومِ مِنْ لَوَازِمِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَسْبِيحَ إِلَّا لِلرِّجَالِ، وَلَا تَصْفِيقَ إِلَّا لِلنِّسَاءِ، وَكَأَنَّهُ قَدَّمَ الْمَفْهُومَ عَلَى الْعُمُومِ لِلْعَمَلِ بِالدَّلِيلَيْنِ، لِأَنَّ فِي إعْمَالِ الْعُمُومِ إِبْطَالًا لِلْمَفْهُومِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: لِلرِّجَالِ مِنْ بَابِ اللَّقَبِ، لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الصِّفَةِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ. انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ. وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَعْضُهَا مَبْسُوطًا: جَوَازُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إِلَيْهَا أَوْلَى مِنَ انْتِظَارِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّقَدُّمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ إِلَّا بِرِضًا مِنْهُمْ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ إِنْ شِئْتُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْحَاضِرِينَ. وَأَنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا. وَأَنَّ مَنْ سَبَّحَ أَوْ حَمِدَ لِأَمْرٍ يَنُوبُهُ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، وَلَوْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَقَالَ سَهْلٌ أَيِ ابْنُ سَعْدٍ رَاوِي الْحَدِيثِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ. وَهَذِهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْخَطَّابِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي، وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ أَنَّهُ بِالْحَاءِ: الضَّرْبُ بِظَاهِرِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَبِالْقَافِ: بِبَاطِنِهَا عَلَى بَاطِنِ الْأُخْرَى، وَقِيلَ: بِالْحَاءِ: الضَّرْبُ بِأُصْبُعَيْنِ لِلْإِنْذَارِ وَالتَّنْبِيهِ، وَبِالْقَافِ: بِجَمِيعِهَا لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ، فَزَعَمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، قَالَ عِيَاضٌ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، فَفِيهِ: فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ.
٤ - بَاب مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
١٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ التَّحِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَنُسَمِّي وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بَعْدُ عَلَى غَيْرِهِ: مُوَاجَهَةً، وَحَكَى ابْنُ رَشِيدٍ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ إِسْقَاطَ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِضَافَةَ: مُوَاجَهَةً، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِتَنْوِينِ: غَيْرِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ مِنْ: مُوَاجَهَةً، وَبِالنَّصْبِ، فَيُوَافِقُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إِذَا سَلَّمَ عَلَى غَيْرِ مُوَاجَهَةٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُوَاجَهه تَبْطُلُ، قَالَ: وَكَأَنَّ مَقْصُودَ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَإِنَّمَا عَلَّمَهُمْ مَا يَسْتَقْبِلُونَ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوِي حَالُ الْجَاهِلِ قَبْلَ وُجُودِ الْحُكْمِ مَعَ حَالِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ
стр. 1744
الَّذِينَ صَدَرَ مِنْهُمُ الْفِعْلُ كَانَ عنْ غَيْرِ عِلْمٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ شَرْعًا مُقَرَّرًا، فَوَرَدَ النَّسْخُ عَلَيْهِ، فَيَقَعُ الْفَرْقُ. انْتَهَى.
وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ تَصْرِيحٌ بِجَوَازٍ وَلَا بُطْلَانٍ. وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ: وَسَمَّى نَاسًا بِأَعْيَانِهِمْ، يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ فِي السِّيَاقِ الْمُتَقَدِّمِ: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ إِلَخْ. وَقَوْلُهُ: يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
٥ - بَاب التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ
١٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.
١٢٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : التَّسْبِيحُ للرِّجَالِ وَالتَّصْفِيق لِلنِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ بَابٍ. وَسُفْيَانُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَفِي الثَّانِي هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَيَحْيَى شَيْخُ الْبُخَارِيِّ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، وَكَأَنَّ مَنْعَ النِّسَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ، لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ صَوْتِهَا فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لِمَا يُخْشَى مِنَ الِافْتِتَانِ. وَمُنِعَ الرِّجَالُ مِنَ التَّصْفِيقِ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ، وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ: التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ؛ أَيْ هُوَ مِنْ شَأْنِهِنَّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ عَلَى جِهَةِ الذَّمِّ لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ فِي الصَّلَاةِ لِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَتُعُقِّبَ بِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ فِي الْأَحْكَامِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ: فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ. فَهَذَا نَصٌّ يَدْفَعُ مَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْقَوْلُ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ هُوَ الصَّحِيحُ خَبَرًا وَنَظَرًا.
٦ - بَاب مَنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِي صَلَاتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ
رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١٢٠٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بِهِمْ فَفَجأهُمْ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِي الصَّلَاةِ، أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ، رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِهِ الْمَاضِي قَرِيبًا فَفِيهِ: فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ تَقَدَّمَ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَدِيثِ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى إِرَادَةِ الِائْتِمَامِ بِهِ، فَامْتَنَعَ
стр. 1745
أَبُو بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ مَوْقِفِ الْإِمَامِ إِلَى مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحَدِيثِ سَهْلٍ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ صَلَاتِهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَنُزُولِهِ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ حَتَّى عَادَ إِلَى مَقَامِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّوَالِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْمَرْوَزِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يزَيْدَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ يُونُسُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ)؛ أَيْ قَالَ: قَالَ يُونُسُ، وَهِيَ تُحْذَفُ خَطًّا فِي الِاصْطِلَاحِ لَا نُطْقًا.
قَوْلُهُ: (فَفَجَأَهُمْ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ بِالْأَلِفِ، وَحَقُّهُ أَنْ يُكْتَبَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ عَيْنَهُ مَكْسُورَةٌ كَوَطِئَهُمْ. انْتَهَى. وَبَقِيَّةُ فَوَائِدِ الْمَتْنِ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧ - بَاب إِذَا دَعَتْ الْأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ
١٢٠٦ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَته قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وجهِ الْمَيَامِيسِ، وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، قَالَ جُرَيْجٌ: أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟ قَالَ: يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: رَاعِي الْغَنَمِ.
[الحديث ١٢٠٦ - أطرافه في: ٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا دَعَتِ الْأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ)؛ أَيْ هَلْ يَجِبُ إِجَابَتُهَا أَمْ لَا؟ وإِذَا وَجَبَتْ، هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَوْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خِلَافٌ، وَلِذَلِكَ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ أَحَدِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ اللَّيْثِ مُطَوَّلًا، وَجَعْفَرٌ هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ الْمِصْرِيُّ، وَجُرَيْجٌ بِجِيمَيْنِ مُصَغَّر.
وَقَوْلُهُ: (فِي وَجْهِ الْمَيَامِيسِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وُجُوهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَالْمَيَامِيسُ جُمَعُ مُومِسَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهِيَ الزَّانِيَةُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِثْبَاتُ الْيَاءِ فِيهِ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا، وَخَرَجَ عَلَى إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ، وَحَكَى غَيْرُهُ جَوَازَهُ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: سَبَبُ دُعَاءِ أُمِّ جُرَيْجٍ عَلَى وَلَدِهَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ مُبَاحًا، فَلَمَّا آثَرَ اسْتِمْرَارَهُ فِي صَلَاتِهِ، وَمُنَاجَاتَهِ عَلَى إِجَابَتِهَا دَعَتْ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ حَقَّهَا. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَرْدِيدِهِ فِي قَوْلِهِ: أُمِّي وَصَلَاتِي أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهَا، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ عَالِمًا، لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَتَهُ أُمَّهُ أَوْلَى مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ. وَيَزِيدُ هَذَا مَجْهُولٌ، وحَوْشَبٌ بِمُهْمَلَةٍ، ثُمَّ مُعْجَمَةٍ؛ وَزْنُ جَعْفَرٍ، وَوَهَمَ الدِّمْيَاطِيُّ، فَزَعَمَ أَنَّهُ ذُو ظُلَيْمٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ ذَا ظُلَيْمٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ.
وَقَوْلُهُ فِيهِ: يَا بَابُوسُ بِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ، وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، قَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ الصَّغِيرُ، وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: الرَّضِيعُ، وَهُوَ بِوَزْنِ جَاسُوسٍ. وَاخْتُلِفَ: هَلْ هُوَ عَرَبِيٌّ أَوْ مُعَرَّبٌ؟ وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ، فَقَالَ: هُوَ اسْمُ ذَلِكَ الْوَلَدِ بِعَيْنِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 1746
حَنَّتْ قَلُوصِي إِلَى بَابُوسِهَا جَزَعًا.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِتَنْوِينِ السِّينِ تَكُونُ كُنْيَةً لَهُ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: يَا أَبَا الشِّدَّةِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
٨ - بَاب مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلَاةِ
١٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: تَرْجَمَ بِالْحَصَى وَالْمَتْنِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي التُّرَابِ، لِيُنَبِّهَ عَلَى إِلْحَاقِ الْحَصَى بِالتُّرَابِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّسْوِيَةِ مَرَّةً، وَأَشَارَ بِذَلِكَ أَيْضًا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الْحَصَى كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِلَفْظِ: الْمَسْحُ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْحَصَى. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمَّا كَانَ فِي الْحَدِيثِ: يَعْنِي، وَلَا يُدْرَى أَهِيَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ عَدَلَ عَنْهَا الْبُخَارِيُّ إِلَى ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا التُّرَابُ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: تَرْجَمَ بِالْحَصَى، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي التُّرَابِ، فَيَلْزَمُ مِنْ تَسْوِيَتِهِ مَسْحُ الْحَصَى. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةَ الْحَصَى. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ. فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَوْ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى عَنْ مَسْحِ الْحَصَى، فَقَالَ: وَاحِدَةً أَوْ دَعْ. وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى.
وَقَوْلُهُ: إِذَا قَامَ؛ الْمُرَادُ بِهِ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ، لِيُوَافِقَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنِ الْمَسْحِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ بَالُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ): التَّقْيِيدُ بِالْحَصَى وَبِالتُّرَابِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْمَوْجُودَ فِي فَرْشِ الْمَسَاجِدِ إِذْ ذَاكَ، فَلَا يَدُلُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى نَفْيِهِ عَن غَيْرِهِ مِمَّا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الرَّمْلِ وَالْقَذَى وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَمُعَيْقِيبٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ مُصَغَّرًا هُوَ ابْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، كَانَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.
قَوْلُهُ: (فِي الرَّجُلِ) أَيْ حُكْمُ الرَّجُلِ، وَذُكِرَ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ جَارٍ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ. وَحَكَى النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ مَسْحِ الْحَصَى وَغَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَكَانَ يَفْعَلُهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ، وَأَفْرَطَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ حَرَامٌ إِذَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ لِظَاهِرِ النَّهْيِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا إِذَا تَوَالَى أَوْ لَا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الْخُشُوعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عِلَّةَ كَرَاهِيَتِهِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْخُشُوعِ، أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الْمُتَقَدِّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُوَاجِهُهُ حَائِلًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ قَالَ: إِذَا سَجَدْتَ فَلَا تَمْسَحِ الْحَصَى، فَإِنَّ كُلَّ حَصَاةٍ تُحِبُّ أَنْ يُسْجَدَ عَلَيْهَا. فَهَذَا تَعْلِيلٌ آخَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ يَسْجُدُ) أَيْ مَكَانَ السُّجُودِ، وَهَلْ يَتَنَاوَلُ الْعُضْوَ السَّاجِدَ؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ، وَأَنِّي مَسَحْتُ مَكَانَ جَبِينِي مِنَ الْحَصَى. وَقَالَ
стр. 1747
عِيَاضٌ: كَرِهَ السَّلَفُ مَسْحَ الْجَبْهَةِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الِانْصِرَافِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ حِكَايَةُ اسْتِدْلَالِ الْحُمَيْدِيِّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي رُؤْيَتِهِ الْمَاءَ وَالطِّينَ فِي جَبْهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
قَوْلُهُ: (فَوَاحِدَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ؛ أَيْ فَامْسَحْ وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ الْخَبَرِ، أَيْ فَوَاحِدَةٌ تَكْفِي، أَوْ إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ؛ أَيْ فَالْمَشْرُوعُ وَاحِدَةٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمَرَّةً وَاحِدَةً.
٩ - بَاب بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ
١٢٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا غَالِبٌ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ إِلْقَاءَ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ وَتَفْرِقَةِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ أَوْ غَيْرُ لَابِسِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا بِشْرٌ) هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ، وَغَالِبٌ هُوَ الْقَطَّانُ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
١٠ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ
١٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي نَوْمِهَا فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَمْزِهِ لَهَا إِذَا سَجَدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.
١٢١٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئا، ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ، أَيْ خَنَقْتُهُ. وَفَدَعَّتُّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أَيْ يُدْفَعُونَ. وَالصَّوَابُ فَدَعَتُّهُ، إِلَّا أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ، وَشَبَابَةُ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَبْطِ الْغَرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ إِبْلِيسَ كَبِيرِ الشَّيَاطِينِ.
قَوْلُهُ: (فَشَدَّ عَلَيَّ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ حَمَلَ.
قَوْلُهُ: (لِيَقْطَعَ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (فَذَعَتُّهُ) يَأْتِي ضَبْطُهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (فَتَنْظُرُوا) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ،
стр. 1748
وَالْمُسْتَمْلِي: أَوْ تَنْظُرُوا إِلَيْهِ بِالشَّكِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّتِهِ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ) يَعْنِي الْمُعْجَمَةَ، وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ خَنَقْتُهُ، وَأَمَّا فَدَعَّتُّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ، فَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ أَيْ يُدْفَعُونَ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، إِلَّا أَنَّهُ - يَعْنِي شُعْبَةَ - كَذَا قَالَهُ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ. انْتَهَى. وَهَذَا الْكَلَامُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ فِي كِتَابِ: غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلنَّضْرِ، وَهُوَ فِي مَرْوِيَّاتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيِّ، عَنِ النَّضْرِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ.
١١ - بَاب إِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ وَيَدَعُ الصَّلَاةَ
١٢١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِالْأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتْ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا، قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَمَانِيا، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ.
[الحديث ١٢١١ - طرفه في: ٦١٢٧]
١٢١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُني أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ مَاذَا يَصْنَعُ؟
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ: فَيَرَى صَبِيًّا عَلَى بِئْرٍ فَيَتَخَوَّفُ أَنْ يَسْقُطَ فِيهَا، قَالَ: يَنْصَرِفُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا بِالْأَهْوَازِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ؛ هِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَفَارِسَ، فُتِحَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: هِيَ بَلَدٌ يَجْمَعُهَا سَبْعُ كُوَرٍ فَذَكَرَهَا. قَالَ ابْنُ خُرْدَاذْبُهْ: هِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَبَلِ وَأَصْبَهَانَ.
قَوْلُهُ: (الْحَرُورِيَّةَ) بِمُهْمَلَاتٍ؛ أَيِ الْخَوَارِجَ، وَكَانَ الَّذِي يُقَاتِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِهِ: أَخْبَارُ الْخَوَارِجِ،
стр. 1749
أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ الْخَوَارِجُ قَدْ حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَصْرَةِ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلَ مِنْ أُمَرَاءِ الْبَصْرَةِ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنْ وَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَوَلَّى الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ نَحْوَهُ. وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاةَ أَبِي بَرْزَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ أَوْ قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى جُرُفِ نَهْرٍ) هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَقَدْ تَسْكُنُ الرَّاءُ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي أَكَلَهُ السَّيْلُ. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ؛ أَيْ جَانِبِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْأَزْرَقِ فِي الْأَدَبِ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ؛ أَيْ زَالَ، وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ الْأَزْرَقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ: كُنْتُ فِي ظِلِّ قَصْرِ مِهْرَانَ بِالْأَهْوَازِ عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ. وَعُرِفَ بِهَذَا تَسْمِيَةُ النَّهْرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بِالْجِيمِ مُصَغَّر.
قَوْلُهُ: (إِذَا رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ: إِذْ جَاءَ رَجُلٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ) أَيِ الرَّجُلُ الْمُصَلِّي، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَزْرَقَ لَمْ يُسَمِّهِ لِشُعْبَةَ، وَلَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَإِذَا هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ:. فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فِي الْأَدَبِ: فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّاهَا، فَانْطَلَقَتْ فَاتَّبَعَهَا. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ مَشَى إِلَى دَابَّتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، الْحَدِيثَ. وَبَيَّنَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَمَضَتِ الدَّابَّةُ فِي قِبْلَتِهِ، فَانْطَلَقَ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ) فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ: فَإِذَا بِشَيْخٍ يُصَلِّي قَدْ عَمَدَ إِلَى عِنَانِ دَابَّتِهِ، فَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ، فَنَكَصَتِ الدَّابَّةُ، فَنَكَصَ مَعَهَا، وَمَعَنَا رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ فَجَعَلَ يَسُبُّهُ. وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الْحِمَارِ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ثَمَانِيًا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: أَوْ ثَمَانِيَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا تَنْوِينٍ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ: الْأَصْلُ أَوْ ثَمَانِيَ غَزَوَاتٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَبْقَى الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى حَالِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ بِلَفْظِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ بِغَيْرِ شَكٍّ.
قَوْلُهُ: (وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَفِي جَمِيعِ الطُّرُقِ: مِنَ التَّيْسِيرِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ: وَشَهِدْتُ تُسْتَرَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَقَالَ: مَعْنَى شَهِدْتُ تُسْتَرَ؛ أَيْ فَتْحَهَا، وَكَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ. انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ، وَمُقْتَضَاهُ، أَنْ لَا يَبْقَى فِي الْقِصَّةِ شَائِبَةُ رَفْعٍ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْمَحْفُوظَةِ، فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ تَجْوِيزُ مِثْلِهِ، وَزَادَ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ فِي آخِرِهِ: قَالَ: فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا مُخْزِيكَ، شَتَمْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي رِوَايَةِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ: فَقُلْتُ: اسْكُتْ، فَعَلَ اللَّهُ بِكَ، هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا؟ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّرْقِ عَلَى تَسْمِيَةِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ حِكَايَةِ الرَّجُلِ مَنَاقِبَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي سِيَاقِ الْفَخْرِ، وَأَشَارَ أَبُو بَرْزَةَ بِقَوْلِهِ: وَرَأَيْتُ تَيْسِيرَهُ. إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ شَدَّدَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَتْرُكَ دَابَّتَهُ تَذْهَبُ، وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخْشَى إِتْلَافُهُ مِنْ مَتَاعٍ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ قَطْعُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: مَأْلَفِهَا يَعْنِي الْمَوْضِعَ الَّذِي أَلِفَتْهُ وَاعْتَادَتْهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى غَالِبِ أَمْرِهَا، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا تَرْجِعَ إِلَى مَأْلَفِهَا، بَلْ تَتَوَجَّهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَدْرِي بِمَكَانِهَا، فَيَكُونُ فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
(تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ سِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ أَبَا
стр. 1750
بَرْزَةَ لَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ: فَأَخَذَهَا، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَطَعَهَا مَا بَالَى أَنْ يَرْجِعَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، وَفِي رُجُوعِهِ الْقَهْقَرَى مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَشْيَهُ إِلَى قَصْدِهَا مَا كَانَ كَثِيرًا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ أَنَّهُ ﷺ تَأَخَّرَ فِي صَلَاتِهِ وَتَقَدَّمَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا، فَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ، وَمَشْيٌ قَلِيلٌ، فَلَيْسَ فِيهِ اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَضُرُّ. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى، فَأَشْفَقَ أَنْ تَذْهَبَ دَابَّتُهُ، قَالَ: يَنْصَرِفُ. قِيلَ لَهُ أَفَيُتِمُّ؟ قَالَ: إِذَا وَلَّى ظَهْرَهُ الْقِبْلَةَ اسْتَأْنَفَ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ الْكَثِيرَ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ يُبْطِلُهَا، فَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ عَلَى الْقَلِيلِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتِ الْعَصْرَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أَرْجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا). قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إِنِّي وَمَا بَعْدَهَا: اسْمُ مُبْتَدَأٍ، وَأَنْ أَرْجِعَ: اسْمُ مُبْدَلٍ مِنَ الِاسْمِ الْأَوَّلِ، وَأَحَبُّ: خَبَرٌ عَنِ الثَّانِي، وَخَبَرُ كَانَ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنِّي إِنْ كُنْتُ رَاجِعًا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَنْ كُنْتُ؛ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَحُذِفَتِ اللَّامُ، وَهِيَ مَعَ كُنْتُ بِتَقْدِيرِ كَوْنِي، وَفِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: إِنِّي، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا مَصْدَرِيَّةٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ - أَيْ مُتَبَاعِدٌ - فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ - أَيِ الْفَرَسَ - لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ؛ أَيْ لِبُعْدِ الْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكُسُوفِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ عُقِيلٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُسْتَوْفًى. وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى؛ أَيْ فَرَغَ، وَلَمْ يُرِدِ الْقَضَاءَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْأَدَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ). فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وُعِدْتُمْ. وَلَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولِجُونَهُ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ رَأَيْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَلِمُسْلِمٍ: حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَهُوَ أَوْجَهُ.
قَوْلُهُ: (أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطَفًا) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: حَتَّى تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطَفًا فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ. وَالْقِطَفُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ كَثِيرًا يَرْوُونَهُ بِالْفَتْحِ، وَالْكَسْرُ هُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (قِطَفًا مِنَ الْجَنَّةِ) يَعْنِي: عُنْقُودَ عِنَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكُسُوفِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ فِي جَهَنَّمَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، لِأَنَّ التَّقَدُّمَ كَادَ أَنْ يَقَعَ بِخِلَافِ التَّأَخُّرِ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ، كَذَا قَالَ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ جَمِيعًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا. وَفِيهِ: ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْكُسُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ) بِاللَّامِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّر، وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَالِهِ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ) جَمْعُ سَائِبَةٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَشْيَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَكَذَا الْعَمَلُ الْيَسِيرُ، وَأَنَّ النَّارَ وَالْجَنَّةَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مُسْتَقْصَاةً فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ.
وَوَجْهُ تَعَلُّقِ الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ الْيَسِيرِ، لِأَنَّ الَّذِي تَنْفَلِتُ دَابَّتُهُ يَحْتَاجُ فِي حَالِ إِمْسَاكِهَا إِلَى التَّقَدُّمِ أَوِ التَّأَخُّرِ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي بَرْزَةَ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ، فَقَالَ: وَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهَا أَنَّ فِيهِ مَذَمَّةَ تَسْيِيبِ الدَّوَابِّ مُطْلَقًا سَوَاءً كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا.
١٢ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: نَفَخَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ
стр. 1751
١٢١٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ - أَوْ قَالَ: لَا يَتَنَخَّمَنَّ - ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ.
١٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﵁. عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ) وَجْهُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا حَرْفَانِ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَتَأَلَّفُ مِنْهُ الْكَلَامُ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ يَجُوزُ وَبَعْضُهُ لَا يَجُوزُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَرَى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَلَامٌ مَفْهُومٌ أَمْ لَا، أَوِ الْفَرْقُ مَا إِذَا كَانَ حُصُولُ ذَلِكَ مُحَقَّقًا فَفِعْلُهُ يَضُرُّ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيِ ابْنِ الْعَاصِ (نَفَخَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ. . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَفِيهِ؛ وَجَعَلَ يَنْفُخُ فِي الْأَرْضِ وَيَبْكِي وَهُوَ سَاجِدٌ. وَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، لِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَقَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، وَأَبُوهُ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْبُزَاقِ فِي الْقِبْلَةِ، فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ. بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ مُوَاجِهُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ. فَفِيهِ جَوَازُ مُعَاتَبَةِ الْمَجْمُوعِ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي يُنْكَرُ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ صَدَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ لِأَجْلِ التَّحْذِيرِ مِنْ مُعَاوَدَةِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَبْزُقَنَّ، أَوْ قَالَ: لَا يَتَنَخَّمَنَّ). فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ). فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَنْ يَسَارِهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: لَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ لِيَبْزُقْ خَلْفَهُ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. فَسَاقَهُ كُلَّهُ مَعْطُوفًا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْبَاقِي مَوْقُوفٌ. وَقَدِ اقْتَصَرَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ، وَفِيمَا بَعْدَهُ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَقْطَعُهَا كَمَا يَقْطَعُهَا الْكَلَامُ، وهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَشْهَبَ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: النَّفْخُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ.
стр. 1752
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ: إِنْ كَانَ يُسْمَعُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَلَيْسَ فِي النَّفْخِ مِنَ النُّطْقِ بِالْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْبُصَاقِ مِنَ النُّطْقِ بِالتَّاءِ وَالْفَاءِ. قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْبُصَاقِ فِي الصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّفْخِ فِيهَا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَهُ فِي التَّرْجَمَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَالْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ مِنَ النَّفْخِ، أَوِ التَّنَخُّمِ، أَوِ الْبُكَاءِ، أَوِ الْأَنِينِ، أَوِ التَّأَوُّهِ، أَوِ التَّنَفُّسِ، أَوِ الضَّحِكِ، أَوِ التَّنَحْنُحِ حَرْفَانِ بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَرْفَيْنِ يَتَأَلَّفُ مِنْهُمَا الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَرْفَيْنِ كَلَامًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْإِبْطَالُ بِهِ لَا يَكُونُ بِالنَّصِّ، بَلْ بِالْقِيَاسِ، فَلْيُرَاعَ شَرْطُهُ فِي مُسَاوَاةِ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُنْظُرَ إِلَى مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، حَيْثُ لَا يُسَمَّى الْمَلْفُوظُ بِهِ كَلَامًا، فَمَا أُجْمِعَ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِالْكَلَامِ أُلْحِقَ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا.
قَالَ: وَمِنْ ضَعِيفِ التَّعْلِيلِ قَوْلُهُمْ: إِبْطَالُ الصَّلَاةِ بِالنَّفْخِ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَلَامَ، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ ﷺ نَفَخَ فِي الْكُسُوفِ. انْتَهَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفْخَهُ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْحُرُوفِ، وَرُدَّ بِمَا ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّ فِيهِ: ثُمَّ نَفَخَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ، فَقَالَ: أُفْ أُفْ. فَصَرَّحَ بِظُهُورِ الْحَرْفَيْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَجَعَلْتُ أَنْفُخُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْشَاكُمْ حَرُّهَا. وَالنَّفْخُ لِهَذَا الْغَرَضِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، فَانْتَفَى قَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْغَلَبَةِ، وَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فِي قَوْلِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بأَنَّ أُفْ لَا تَكُونُ كَلَامًا حَتَّى يُشَدَّدَ الْفَاءُ، قَالَ: وَالنَّافِخُ فِي نَفْخِةٍ لَا يُخْرِجُ الْفَاءَ صَادِقَةً مِنْ مَخْرَجِهَا، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَرْفَيْنِ كَلَامٌ مُبْطِلٌ، أَفْهَمَا أَوْ لَمْ يُفْهِمَا، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.
(تَنْبِيهَانِ): (الْأَوَّلُ): نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَرْفٍ وَلَا حَرْفَيْنِ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ أَنَّ الضَّحِكَ يَهْتِكُ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْبُكَاءِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ: إِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا. (الثَّانِي) وَرَدَ فِي كَرَاهَةِ النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا لَنَا - يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ - إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: يَا أَفْلَحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ. قُلْتُ: وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى إِبْطَالِ الصَّلَاةِ بِالنَّفْخِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: تَرِّبْ وَجْهَكَ؛ اسْتِحْبَابُ السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ، فَهُوَ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ أَنَسٍ، وَبُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، وَثَبَتَ كَرَاهَةُ النَّفْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
١٣ - بَاب مَنْ صَفَّقَ جَاهِلًا مِنْ الرِّجَالِ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ
فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَفَّقَ جَاهِلًا مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِهِ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ، لَكِنَّهُ بِلَفْظِ: مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ. وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابٍ
стр. 1753
مِنْ أَبْوَابِ السَّهْوِ، بِلَفْظِ: التَّصْفِيقِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
١٤ - بَاب إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي تَقَدَّمْ أَوْ انْتَظِرْ فَانْتَظَرَ فَلَا بَأْسَ
١٢١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ. فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ فَانْتَظَرَ فَلَا بَأْسَ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَأَنَّهُ ظَنَّ الْمُخَاطَبَةَ لِلنِّسَاءِ وَقَعَتْ بِذَلِكَ وَهُنَّ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ قِيلَ لَهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلْنَ فِي الصَّلَاةِ. انْتَهَى. وَالْجَوَابُ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُنَّ وَهُنَّ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، بَلْ مَقْصُودُهُ يَحْصُلُ بِقَوْلِ ذَلِكَ لَهُنَّ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، أَوْ خَارِجَهَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَّاهُنَّ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ بِالِانْتِظَارِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلْنَ فِي الصَّلَاةِ لِيَدْخُلْنَ فِيهَا عَلَى عِلْمٍ، وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ حَيْثُ انْتِظَارِهِنَّ الَّذِي أُمِرْنَ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ انْتِظَارَهُنَّ لِلرِّجَالِ، وَمِنْ لَازِمِهِ تَقَدُّمُ الرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ، وَمُحَصِّلُ مُرَادِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الِانْتِظَارَ إِنْ كَانَ شَرْعِيًّا جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ تَقَدَّمْ؛ أَيْ قَبْلَ رَفِيقِكَ، وَقَوْلُهُ: انْتَظِرْ؛ أَيْ تَأَخَّرْ عَنْهُ. واسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا. فَيَقْتَضِي امْتِثَالُ ذَلِكَ تَقَدُّمُ الرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ وَتَأَخُّرُهُنَّ عَنْهُمْ.
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ وُقُوعِ فِعْلِ الْمَأْمُومِ بَعْدَ الْإِمَامِ، وَجَوَازُ سَبْقِ الْمَأْمُومِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْأَفْعَالِ، وَجَوَازُ التَّرَبُّصِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَلِغَيْرِ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ انْتِظَارِ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ لِمَنْ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ، وَفِي التَّشَهُّدِ لِمَنْ يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ. وَفَرَّعَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: فِيهِ جَوَازُ إِصْغَاءِ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ الْمُخَاطَبَةَ الْخَفِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) هُوَ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ لِلْكُوفِيِّ وَلَا لِلشَّامِيِّ وَلَا لِلصَّغَانِيِّ شَيْئًا. وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
١٥ - بَاب لَا يَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ
١٢١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا.
١٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ
следующие страницы →