← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 2134–2173 · переход к 2139.

стр. 2134

أَوْ مَنَعَهُ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى اخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ. وَيَأْتِي فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْبَابِ، نَعَمْ إِذَا اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَاسْتَقْبَلَ الْحِجْرَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَةِ مِنْهُ لَيْسَتْ مِنَ الْكَعْبَةِ، وَمِنَ الْمُشْكِلِ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ - إِنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةٌ - أَفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهَا، وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الصَّلَاةَ خَارِجَهَا مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ دَاخِلِهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُتَّفَقِ. ٥٢ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ ١٥٩٩ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ الْوَجْهِ حِينَ يَدْخُلُ وَيَجْعَلُ الْبَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ فَيُصَلِّي، يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ. قَوْلُهُ: (قِبَلَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ مُقَابِلَ. قَوْلُهُ: (يَتَوَخَّى) بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ يَقْصِدُ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ. . . إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي. ٥٣ - بَاب مَنْ لَمْ يَدْخُلْ الْكَعْبَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَحُجُّ كَثِيرًا وَلَا يَدْخُلُ ١٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا. [الحديث ١٦٠٠ - أطرافه في: ١٧٩١، ٤١٨٨، ٤٢٥٥] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ دُخُولَهَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلُ بِبَابٍ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُخُولَ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ كَانَ دُخُولُهَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَنَاسِكِ لَمَا أَخَلَّ بِهِ مَعَ كَثْرَةِ اتِّبَاعِهِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ فِي جَامِعِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعَدَنَيِّ عَنْهُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحُجُّ كَثِيرًا، وَلَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ. وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَوْلُهُ: (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الطَّحَّانُ الْبَصْرِيُّ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ نِصْفُهُ بَصْرِيٌّ وَنِصْفُهُ كُوفِيٌّ. قَوْلُهُ: (اعْتَمَرَ) أَيْ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، عَامَ الْقَضِيَّةِ. قَوْلُهُ: (أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ؟) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، أَيْ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا) قَالَ النَّوَوِيُّ:

стр. 2135

قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ تَرْكِ دُخُولِهِ؛ مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَهُ لِيُغَيِّرَهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْفَتْحِ أمر بِإِزَالَةِ الصُّوَرِ ثُمَّ دَخَلَهَا، يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَعْدَهُ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرْطِ، فَلَوْ أَرَادَ دُخُولَهُ لَمَنَعُوهُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثِ، فَلَمْ يَقْصِدْ دُخُولَهُ لِئَلَّا يَمْنَعُوهُ. وَفِي السِّيرَةِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ دَخَلَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَأَزَالَ شَيْئًا مِنَ الْأَصْنَامِ، وَفِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ كَانَ لِإِزَالَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ لَا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ، وَالْإِزَالَةُ فِي الْهُدْنَةِ كَانَتْ غَيْرَ مُمْكِنَةٍ بِخِلَافِ يَوْمِ الْفَتْحِ. (تَنْبِيهٌ): اسْتَدَلَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي حَجَّتِهِ، وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ دَخَلَهَا فِي عُمْرَتِهِ أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥٤ - بَاب مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ ١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ف ي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ يَرَى تَقْدِيمَ حَدِيثِ بِلَالٍ فِي إِثْبَاتِهِ الصَّلَاةَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَثْبَتَ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِلَالٌ، وَبِلَالٌ أَثْبَتَ الصَّلَاةَ وَنَفَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ بِزِيَادَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ يُقَدَّمُ إِثْبَاتُ بِلَالٍ عَلَى نَفْي غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ نَفْيَهُ تَارَةً لِأُسَامَةَ وَتَارَةً لِأَخِيهِ الْفَضْلِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ مَعَهُمْ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ أُسَامَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى عَنْهُ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ وَقَعَ إِثْبَاتُ صَلَاتِهِ فِيهَا عَنْ أُسَامَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أُسَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَتَعَارَضَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، فَتَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ بِلَالٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُثْبِتٌ وَغَيْرُهُ نَافٍ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَاخْتُلِفَ عَلَى مَنْ نَفَى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: يُجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ بِلَالٍ وَنَفْيِ أُسَامَةَ بِأَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ، فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو، فَاشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَةٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ، وَلِأَنَّ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ تَكُونُ الظُّلْمَةُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَحْجُبَهُ عَنْهُ بَعْضُ الْأَعْمِدَةِ، فَنَفَاهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ غَابَ عَنْهُ بَعْدَ دُخُولِهِ لِحَاجَةٍ فَلَمْ يَشْهَدْ صَلَاتَهُ. انْتَهَى. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ فَرَأَى صُوَرًا، فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَضَرَبَ بِهِ الصُّوَرَ. فَهَذَا الْإِسْنَادُ جَيِّدٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَعَلَّهُ اسْتَصْحَبَ النَّفْيَ لِسُرْعَةِ

стр. 2136

عَوْدِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عَامَ الْفَتْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ - وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَأَبُوهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَزْنُ عَظِيمَةٍ - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَعْبَةَ، وَدَخَلَ مَعَهُ بِلَالٌ، وَجَلَسَ أُسَامَةُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَجَدَ أُسَامَةَ قَدِ احْتَبَى، فَأَخَذَ بِحَبْوَتِهِ فَحَلَّهَا، الْحَدِيثَ. فَلَعَلَّهُ احْتَبَى فَاسْتَرَاحَ فَنَعَسَ، فَلَمْ يُشَاهِدْ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا نَفَاهَا مُسْتَصْحِبًا لِلنَّفْيِ لِقِصَرِ زَمَنِ احْتِبَائِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَفَى رُؤْيَتَهُ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: حَمْلُ الصَّلَاةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمَنْفِيَّةِ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَيَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ. ثَانِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُمْكِنُ حَمْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى التَّطَوُّعِ، وَالنَّفْيِ عَلَى الْفَرْضِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهَا. ثَالِثُهَا: قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ، صَلَّى فِي إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُخْرَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرَانِ فِي وَقْتَيْنِ، فَيُقَالُ: لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي الْفَتْحِ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ، وَيُجْعَلُ نَفْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَفَاهَا وَأَسْنَدَهُ إِلَى أُسَامَةَ، وَابْنَ عُمَرَ أَثْبَتَهَا وَأَسْنَدَ إِثْبَاتَهُ إِلَى بِلَالٍ وَإِلَى أُسَامَةَ أَيْضًا، فَإِذَا حُمِلَ الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَطَلَ التَّعَارُضُ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ لَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَحْدَةُ السَّفَرِ لَا الدُّخُولُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْجَمْعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: كَمَا تُصَلِّي فِي الْجِنَازَةِ، تُسَبِّحُ وَتُكَبِّرُ، وَلَا تَرْكَعُ وَلَا تَسْجُدُ، ثُمَّ عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ سَبِّحْ وَكَبِّرْ وَتَضَرَّعْ وَاسْتَغْفِرْ، وَلَا تَرْكَعْ وَلَا تَسْجُدْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (وَفِيهِ الْآلِهَةُ) أَيِ الْأَصْنَامُ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآلِهَةُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ، وَفِي جَوَازِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ وَقْفَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَكَانَتْ تَمَاثِيلُ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى، فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَهِيَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ فِرَاقَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ مَا فِيهِ صُورَةٌ. قَوْلُهُ: (الْأَزْلَامُ) سَيَأْتِي شَرْحُهَا مُبَيَّنًا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ. قَوْلُهُ: (أَمْ وَاللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: أَمَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ. قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمُوا) قِيلَ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ اسْمَ أَوَّلِ مَنْ أَحْدَثَ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَكَانَتْ نِسْبَتُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ الِاسْتِقْسَامَ بِهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِمَا لِتَقَدُّمِهِمَا عَلَى عَمْرٍو. ٥٥ - كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ؟ ١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ

стр. 2137

يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. [الحديث ١٦٠٢ - طرفه في: ٤٢٥٦] قَوْلُهُ: (بَابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ) أَيِ ابْتِدَاءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ؛ هُوَ الْإِسْرَاعُ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ شَبِيهٌ بِالْهَرْوَلَةِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْمَاشِي مَنْكِبَيْهِ فِي مَشْيِهِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الرَّمَلِ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الرَّمَلِ بَعْدَ بَابٍ. وقَوْلُهُ: (أَنْ يَرْمُلُوا) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولِ يَأْمُرُهُمْ، تَقُولُ: أَمَرْتُهُ كَذَا، وَأَمَرْتُهُ بِكَذَا. وَ (الْأَشْوَاطَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: جَمْعُ شَوْطٍ؛ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَهُوَ الْجَرْيُ مَرَّةً إِلَى الْغَايَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الطَّوْفَةُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَ (الْإِبْقَاءُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ: الرِّفْقُ وَالشَّفَقَةُ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ لَمْ يَمْنَعْهُ وَيَجُوزُ النَّصْبُ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الطَّوْفَةِ شَوْطًا، وَنُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالشَّافِعِيِّ كَرَاهَتُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ بِالْعِدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلْكُفَّارِ إِرْهَابًا لَهُمْ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ الْمَذْمُومِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْمَعَارِيضِ بِالْفِعْلِ كَمَا يَجُوزُ بِالْقَوْلِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أَوْلَى. ٥٦ - بَاب اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا ١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ. [الحديث ١٦٠٣ - أطرافه في: ١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤] قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حِينَ يَقْدُمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ. وقَوْلُهُ: (يَخُبُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، وَالْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أُخْرَى: الْعَدْوُ السَّرِيعُ، يُقَالُ: خَبَتِ الدَّابَّةُ إِذَا أَسْرَعَتْ وَرَاوَحَتْ بَيْنَ قَدَمَيْهَا، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَرَادُفِ الرَّمَلِ وَالْخَبَبِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ. وَقَوْلُهُ: (أَوَّلَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ السَّبْعِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيِ السَّبْعِ طَوْفَاتٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّمَلَ يَسْتَوْعِبُ الطَّوْفَةَ، فَهُوَ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الِاسْتِيعَابِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٥٧ - بَاب الرَّمَلِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ١٦٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 2138

١٦٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ؟ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. ١٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا. قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لِاسْتِلَامِهِ. [الحديث ١٦٠٦ - طرفه في: ١٦١١] قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّمَلِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) أَيْ فِي بَعْضِ الطَّوَافِ، وَالْقَصْدُ إِثْبَاتُ بَقَاءِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ هُوَ بِسُنَّةٍ، مَنْ شَاءَ رَمَلَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَرْمُلْ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ سِوَى ابْنِ السَّكَنِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ شُرَيْحٍ (١) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ هُوَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ لِكَوْنِهِ رَوَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْهُ عَنْ شُرَيْحٍ (١) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ يَحْيَى الذُّهَلِيَّ وَهُوَ قَوْلُ الْحَاكِمِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ ابْنُ سَلَامٍ كَمَا نَسَبَهُ أَبُو ذَرٍّ وَجَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ، عَلَى أَنَّ شُرَيْحًا شَيْخَ مُحَمَّدٍ فِيهِ قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي الْجُمُعَةِ (٢) وَغَيْرِهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ هُوَ الْبُخَارِيُّ نَفْسُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (سَعَى) أَيْ أَسْرَعَ الْمَشْيَ فِي الطَّوْفَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَقَوْلُهُ: (فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) أَيْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَعُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ لِأَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ لَمْ يُمَكَّنْ فِيهَا مِنَ الطَّوَافِ، وَالْجِعْرَانَةَ لَمْ يَكُنِ ابْنُ عُمَرَ مَعَهُ فِيهَا وَلِهَذَا أَنْكَرَهَا، وَالَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ انْدَرَجَتْ أَفْعَالُهَا فِي الْحَجِّ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ. نَعَمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ وَعُمَرِهِ كُلِّهَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَالْخُلَفَاءُ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي كَثِيرٌ إِلَخْ) وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَخُبُّ فِي طَوَافِهِ حِينَ يَقْدَمُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثَلَاثًا وَيَمْشِي أَرْبَعًا، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ) أَيْ لِلْأَسْوَدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُسْمِعَ الْحَاضِرِينَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ) أَيْ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ. قَوْلُهُ: (مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ) فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ وَالرَّمَلَ بِغَيْرِ لَامٍ، وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِيمَ الرَّمَلُ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ الْحَدِيثَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِاضْطِبَاعُ،

стр. 2139

وَهِيَ هَيْئَةٌ تُعِينُ إِسْرَاعِ الْمَشْيِ بِأَنْ يُدْخِلَ رِدَاءَهُ تَحْتَ إِبِطِهِ الْأَيْمَنِ وَيَرُدَّ طَرَفَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ فَيُبْدِي مَنْكِبَهُ الْأَيْمَنَ وَيَسْتُرُ الْأَيْسَرَ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سِوَى مَالِكٍ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا) بِوَزْنِ فَاعَلْنَا مِنَ الرُّؤْيَةِ، أَيْ أَرَيْنَاهُمْ بِذَلِكَ أَنَّا أَقْوِيَاءَ. قَالَهُ عِيَاضٌ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مِنَ الرِّيَاءِ أَيْ أَظْهَرْنَا لَهُمُ الْقُوَّةَ وَنَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَلِهَذَا رُوِيَ رَايَيْنَا بِيَاءَيْنِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الرِّيَاءِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الرِّئَاءَ بِهَمْزَتَيْنِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ هَمَّ بِتَرْكِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ لِأَنَّهُ عَرَفَ سَبَبَهُ وَقَدِ انْقَضَى فَهَمَّ أَنْ يَتْرُكَهُ لِفَقْدِ سَبَبِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ لَهُ حِكْمَةٌ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا فَرَأَى أَنَّ الِاتِّبَاعَ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَأَيْضًا إِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ تَذَكَّرَ السَّبَبَ الْبَاعِثَ عَلَى ذَلِكَ فَيَتَذَكَّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى إِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ) زَادَ يَعْق وبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فِي آخِرِهِ ثُمَّ رَمَلَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمُ اقْتَصَرُوا عِنْدَ مُرَاءَاةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِسْرَاعِ إِذَا مَرُّوا مِنْ جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا بِإِزَاءِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَإِذَا مَرُّوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ مَشَوْا عَلَى هَيْئَتِهِمْ كَمَا هُوَ بَيِّنٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمَّا رَمَلُوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَسْرَعُوا فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوْفَةٍ فَكَانَتْ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ سَأَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نَافِعًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ عَنْ مَشْيِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنِ، أَيْ كَانَ يَرْفُقُ بِنَفْسِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ عِنْدَ الِازْدِحَامِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ نَافِعٌ إِنْ كَانَ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى فَهْمِهِ فَلَا يَدْفَعُ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلصِّفَةِ الْأُولَى مِنَ الرَّمَلِ لِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الِاتِّبَاعِ. (تَكْمِيلٌ): لَا يُشْرَعُ تَدَارُكُ الرَّمَلِ، فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعِ، لِأَنَّ هَيْئَتَهَا السَّكِينَةُ فَلَا تُغَيَّرُ، وَيَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فَلَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ، وَيَخْتَصُّ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِهِ بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ، وَلَا دَمَ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِعَ رَمَلَ وَلَا مُشْرِكَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ يَعْنِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا أَنَّ تَارِكَهُ لَيْسَ تَارِكًا لِعَمَلٍ بَلْ لِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَكَانَ كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، فَمَنْ لَبَّى خَافِضًا صَوْتَهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلتَّلْبِيَةِ بَلْ لِصِفَتِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ): قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ خَرَّجَ الْحَدِيثَ الثَّالِثَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ وَزَادَ فِيهِ قَالَ نَافِعٌ وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - يُزَاحِمُ عَلَى الْحَجَرِ حَتَّى يُدْمَى قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ يَعْنِي بَابَ الرَّمَلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُتَعَلِّقَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ ثَابِتٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ أَيْ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَكَانَ يَرْمُلُ، وَمِنْ ثَمَّ سَأَلَ الرَّاوِي نَافِعًا عَنِ السَّبَبِ فِي كَوْنِهِ كَانَ يَمْشِي فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ آخَرُ): اسْتُشْكِلَ قَوْلُ عُمَرَ رَاءَيْنَا مَعَ أَنَّ الرِّيَاءَ بِالْعَمَلِ مَذْمُومٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّ صُورَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةَ الرِّيَاءِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مَذْمُومَةً، لِأَنَّ الْمَذْمُومَ أَنْ يُظْهِرُ الْعَمَلَ لِيُقَالَ إِنَّهُ عَامِلٌ وَلَا يَعْمَلُهُ بِغَيْبَةٍ إِذَا لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَأَمَّا الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُخَادَعَةِ فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّهُمْ أَوْهَمُوا الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ أَقْوِيَاءَ لِئَلَّا يَطْمَعُوا فِيهِمْ، وَثَبَتَ أَنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ. ٥٨ - بَاب اسْتِلَامِ الرُّكْنِ بِالْمِحْجَنِ ١٦٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ

стр. 2140

يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ. [الحديث ١٦١٤ - أطرافه في: ١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢، ٥١٩٣] قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ بِالْمِحْجَنِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ، هُوَ عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ، وَالْحَجَنُ الِاعْوِجَاجُ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَ الْحَجُونُ، وَالِاسْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ بِالْفَتْحِ أَيِ التَّحِيَّةِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقِيلَ مِنَ السِّلَامِ بِالْكَسْرِ أَيِ الْحِجَارَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُومِئُ بِعَصَاهُ إِلَى الرُّكْنِ حتى يُصِيبُهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) كَذَا قَالَ يُونُسُ وَخَالَفَهُ اللَّيْثُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ فَرَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ اسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَا عَلَى بَعِيرٍ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّوَافِ رَاكِبًا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ بَابًا. قَوْلُهُ: (يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ وَرَفَعَ ذَلِكَ، وَلِسَعِيدِ بْنِ الْمَنْصُورِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَجَابِرًا إِذَا اسْتَلَمُوا الْحَجَرَ قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ. قِيلَ: وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: وَابْنُ عَبَّاسٍ، أَحْسَبُهُ قَالَ كَثِيرًا وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ وَيُقَبِّلَ يَدَهُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمَهُ بِيَدِهِ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَقَبَّلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَاكْتَفَى بِذَلِكَ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ لَا يُقَبِّلُ يَدَهُ، وَكَذَا قَالَ الْقَاسِمُ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. ٥٩ - بَاب مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ ١٦٠٨ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنْ الْبَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ. ١٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ) أَيْ دُونَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ، وَالْيَمَانِيُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الْأَلِفَ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ النَّسَبِ فَلَوْ شُدِّدَتْ لَكَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، وَجَوَّزَ سِيبَوَيْهِ التَّشْدِيدَ وَقَالَ إِنَّ الْأَلِفَ زَائِدَةٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) لَمْ أَرَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بِهِ، وَمَنْ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ يَتَّقِي اسْتِفْهَامِيَّةٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ فَكَانَ مُعَاوِيَةُ لَا يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلَّا اسْتَلَمَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الْحَجَرَ وَالْيَمَانِيَّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا: وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ فَقَطْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: حَجَّ مُعَاوِيَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَلِمُ

стр. 2141

الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّمَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِهِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْعِلَلِ سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ فَقَالَ: قَلَبَهُ شُعْبَةُ، وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: النَّاسُ يُخَالِفُونَنِي فِي هَذَا، وَلَكِنَّنِي سَمِعْتُهُ مِنْ قَتَادَةَ هَكَذَا. انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَلَى الصَّوَابِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَمْسَحُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَمْسَحُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَيَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ الْمَذْكُورَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَأَنَّ اجْتِهَادَ كُلٍّ مِنْهُمَا تَغَيَّرَ إِلَى مَا أَنْكَرَهُ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَقَدْ جَزَمَ أَحْمَدُ بِأَنَّ شُعْبَةَ قَلَبَهُ فَسَقَطَ التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ. قَوْلُهُ: (إِنَّهُ) الْهَاءُ لِلشَّأْنِ. قَوْلُهُ: (لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي لَا نَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِفَتْحِ النُّونِ وَنَصْبِ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ مَهْجُورًا وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ نَحْوَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ إِذَا بَدَأَ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَإِذَا خَتَمَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَ ابْنُ التِّينِ تَبَعًا لِابْنِ الْقَصَّارِ اسْتِلَامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا عَمَّرَ الْكَعْبَةَ أَتَمَّ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. انْتَهَى. وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَاسْتَلَمَ الْكُلَّ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِمُعَاوِيَةَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ فِي: كِتَابِ مَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَرَدَّ الرُّكْنَيْنِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيمِ وَاعْتَمَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ، فَلَمْ يَزَلِ الْبَيْتُ عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِذَا طَافَ الطَّائِفُ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ جَمِيعَهَا حَتَّى قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ آدَمَ لَمَّا حَجَّ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لَمَّا فَرَغَا مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ طَافَا بِهِ سَبْعًا يَسْتَلِمَانِ الْأَرْكَانَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: ظَنَّ مُعَاوِيَةُ أَنَّهُمَا رُكْنَا الْبَيْتِ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ اسْتِلَامَ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَدْ يُشْعِرُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا فَذَكَرَ مِنْهَا وَرَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ الْحَدِيثَ بِأَنَّ الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا لَا يَقْتَصِرُونَ فِي الِاسْتِلَامِ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: اخْتِصَاصُ الرُّكْنَيْنِ مُبَيَّنٌ بِالسُّنَّةِ وَمُسْتَنَدُ التَّعْمِيمِ الْقِيَاسُ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا بِأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اسْتِلَامَهُمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ،

стр. 2142

وَكَيْفَ يَهْجُرُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَتَّبِعُ السُّنَّةَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرًا لَكَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِ مَا بَيْنَ الْأَرْكَانِ هَجْرًا لَهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حِفْظُ الْمَرَاتِبِ وَإِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَتَنْزِيلُ كُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلَتَهُ. (فَائِدَةٌ): فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، الْأَوَّلُ لَهُ فَضِيلَتَانِ: كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. وَلِلثَّانِي الثَّانِيَةُ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْآخَرَيْنِ شَيْءٌ مِنْهُمَا، فَلِذَلِكَ يُقَبَّلُ الْأَوَّلُ وَيُسْتَلَمُ الثَّانِي فَقَطْ وَلَا يُقَبَّلُ الْآخَرَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ، هَذَا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَقْبِيلَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَيْضًا. (فَائِدَةٌ أُخْرَى): اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ تَقْبِيلِ الْأَرْكَانِ جَوَازَ تَقْبِيلِ كُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، فَأَمَّا تَقْبِيلُ يَدِ الْآدَمِيِّ فَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَقْبِيلِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْبِيلِ قَبْرِهِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ صِحَّةَ ذَلِكَ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَانِيِّ أَحَدِ عُلَمَاءِ مَكَّةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازَ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَأَجْزَاءِ الْحَدِيثِ وَقُبُورِ الصَّالِحِينَ (١) وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ٦٠ - بَاب تَقْبِيلِ الْحَجَرِ ١٦١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. ١٦١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ - فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ أَيِ الْأَسْوَدِ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَقَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالتَّقْبِيلِ بِخِلَافِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَيَسْتَلِمُهُ فَقَطْ وَالِاسْتِلَامُ الْمَسْحُ بِالْيَدِ وَالتَّقْبِيلُ بِالْفَمِ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ طَوِيلًا. الْحَدِيثَ وَاخْتَصَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْفَضِيلَتَيْنِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ ابْنُ زَيْدٍ. قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ. قَوْلُهُ: (سَأَلَ رَجُلٌ) هُوَ الزُّبَيْرُ الرَّاوِي، كَذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي مَا أَصْنَعُ إِذَا زُحِمْتُ، وَزُحِمْتُ بِضَمِّ الزَّايِ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَفِي بَعْضِ

стр. 2143

الرِّوَايَاتِ بِزِيَادَةِ وَاوٍ. قَوْلُهُ: (اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّجُلَ يَمَانِيٌّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمَذْكُورَةِ اجْعَلْ أَرَأَيْتَ عِنْدَ ذَلِكَ الْكَوْكَبِ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ مُعَارَضَةَ الْحَدِيثِ بِالرَّأْيِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ وَيَتَّقِيَ الرَّأْيَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَرَ الزِّحَامَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الِاسْتِلَامِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنِ حَتَّى يُدْمَى وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَوَتِ الْأَفْئِدَةُ إِلَيْهِ فَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فُؤَادِي مَعَهُمْ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرَاهَةَ الْمُزَاحَمَةِ وَقَالَ: لَا يُؤْذِي وَلَا يُؤْذَى. (فَائِدَةٌ): الْمُسْتَحَبُّ فِي التَّقْبِيلِ أَنْ لَا يَرْفَعَ بِهِ صَوْتَهُ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِذَا قَبَّلْتَ الرُّكْنَ فَلَا تَرْفَعْ بِهَا صَوْتَكَ كَقُبْلَةِ النِّسَاءِ. (تَنْبِيهٌ): قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ وَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ، وَهُوَ وَهْمٌ وَصَوَابُهُ عَرَبِيٍّ بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ، كَذَلِكَ رَوَاهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَشْعَرَ هَذَا التَّصْحِيفَ فَأَشَارَ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْهُ فَحَكَى الْفَرَبْرِيُّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ الْبُخَارِيِّ - قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: الزُّبَيْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ هَذَا بَصْرِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ كُوفِيٌّ. انْتَهَى. هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ، وَعَقَّبَ هَذَا الْحَدِيثَ: الزُّبَيْرُ هَذَا هُوَ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَأَمَّا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَهُوَ كُوفِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَرَبِيِّ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٦١ - بَاب مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ ١٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ) أَيِ الْأَسْوَدِ. قَوْلُهُ: (إِذَا أَتَى عَلَيْهِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ بِبَابَيْنِ بِزِيَادَةِ شَرْحٍ فِيهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُهُ بِالْمِحْجَنِ، فَيَدُلُّ عَلَى قُرْبِهِ مِنَ الْبَيْتِ، لَكِنَّ مَنْ طَافَ رَاكِبًا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَبْعُدَ إِنْ خَافَ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا، فَيُحْمَلُ فِعْلُهُ ﷺ عَلَى الْأَمْنِ مِنْ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ اسْتِلَامِهِ قَرِيبًا حَيْثُ أَمِنَ ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي حَالِ إِشَارَتِهِ بَعِيدًا حَيْثُ خَافَ ذَلِكَ. ٦٢ - بَاب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ ١٦١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَوْلُهُ: (بَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ وَزَادَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ وَالْمُرَادُ بِالشَّيْءِ الْمِحْجَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ بَابَيْنِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فِي كُلِّ

стр. 2144

طَوْفَةٍ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ) يَعْنِي فِي التَّكْبِيرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ الْخَالِيَةَ عَنِ التَّكْبِيرِ لَا تَقْدَحُ فِي زِيَادَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِمُتَابَعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَصَلَ طَرِيقَ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي طَوَافِ الْمَرِيضِ رَاكِبًا فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٦٣ - بَاب مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَ ١٦١٤، ١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ. ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ. وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. [الحديث ١٦١٤ - طرفه في: ١٦٤١] [الحديث ١٦١٥ - طرفاه في: ١٦٤٢، ١٧٩٦] ١٦١٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ١٦١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا طَافَ حَلَّ قَبْلَ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ قَوْلَ عُرْوَةَ فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَمَّا اسْتَلَمُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَطَافُوا وَسَعَوْا حَلُّوا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَرْدَفَهُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عُرْوَةَ مَسَحُوا الرُّكْنَ أَيْ رُكْنَ الْمَرْوَةِ أَيْ عِنْدَ خَتْمِ السَّعْيِ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: اعْتَمَرْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ، وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مَسَحُوا الرُّكْنَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَمَسْحُهُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَلَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَتَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ وَأَتَمُّوا طَوَافَهُمْ وَسَعْيَهُمْ وَحَلَقُوا حَلُّوا. وَحُذِفَتْ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتُ لِلْعِلْمِ بِهَا

стр. 2145

لِظُهُورِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ تَمَامِ الطَّوَافِ. ثُمَّ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ بَعْدَهُ ثُمَّ الْحَلْقِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَسْحِ الرُّكْنِ الْكِنَايَةُ عَنْ تَمَامِ الطَّوَافِ لَا سِيَّمَا وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ يَكُونُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، فَالْمَعْنَى فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ حَلُّوا، وَأَمَّا السَّعْيُ وَالْحَلْقُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِمَا كَمَا قَالَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ وَمَا يَتْبَعُهُ حَلُّوا. قُلْتُ: وَأَرَادَ بِمَسْحِ الرُّكْنِ هُنَا اسْتِلَامَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى إِلَّا تَقْدِيرُ وَسَعَوْا لِأَنَّ السَّعْيَ شَرْطٌ عِنْدَ عُرْوَةَ بِخِلَافِ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ حَلَقُوا فَيُنْظَرُ فِي رَأْيِ عُرْوَةَ فَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ عِنْدَهُ نُسُكًا فَيُقَدَّرُ فِي كَلَامِهِ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَابًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ النَّوْفَلِيُّ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ. قَوْلُهُ: (ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ قَالَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) حَذَفَ الْبُخَارِيُّ صُورَةَ السُّؤَالِ وَجَوَابَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلٍ يُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ لَا يَحِلُّ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ فَسَأَلْتُهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ، قَالَ فَتَصَدَّى لِيَ الرَّجُلُ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجِئْتُهُ أَيْ عُرْوَةَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، أَيْ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ يَسْأَلُنِي؟ أَظُنُّهُ عِرَاقِيًّا. يَعْنِي وَهُمْ يَتَعَنَّتُونَ فِي الْمَسَائِلِ. قَالَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ رَجُلًا كَانَ يُخْبِرُ عَنَى بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ إِذَا طَافَ يَحِلُّ مِنْ حَجِّهِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى حَجِّهِ لَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ فِي: بَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ. فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُعَرِّفِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا حَلَّ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَذَكَرَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانٍ الْأَعْرَجَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذِهِ الْفُتْيَا أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ وَإِنْ رَغِمْتُمْ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَأْخُذَ أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ أَيْ أَمَرَ بِهِ، وَعُرِفَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ خَالَفَهُ فِيهِ الْجُمْهُورُ وَوَافَقَهُ فِيهِ نَاسٌ قَلِيلٌ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعُرِفَ أَنَّ مَأْخَذَهُ فِيهِ مَا ذُكِرَ، وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَةً، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِمْ، وَذَهَبَت طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا

стр. 2146

لَا يَضُرُّهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ عُرْوَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأَ بِالطَّوَافِ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ وَلَا صَارَ عُمْرَةً وَكَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً أَيْ لَمْ تَكُنِ الْفَعْلَةُ عُمْرَةً، هَذَا إِنْ كَانَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامَّةً وَالْمَعْنَى ثُمَّ لَمْ تَحْصُلْ عُمْرَةٌ وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بَدَلَ عُمْرَةٍ غَيْرُهُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ هَاءٌ، قَالَ عِيَاضٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَهَا وَجْهٌ أَيْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْحَجِّ، وَكَذَا وَجَّهَهُ الْقُرْطُبِيُّ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالزُّبَيْرُ بِالْكَسْرِ بَدَلٌ مِنْ أَبِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَعْنِي أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَسَيَأْتِي فِي الطَّرِيقِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَابًا مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَكَأَنَّ سَبَبَ هَذَا التَّصْحِيفِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ مِنَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ذَكَرَ عُثْمَانَ ثُمَّ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ فَذَكَرَهُ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ قَتْلَ الزُّبَيْرِ كَانَ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَحُجَّا قَبْلَ قَتْلِ الزُّبَيْرِ فَرَآهُمَا عُرْوَةُ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ ثُمَّ التَّرْتِيبَ فَإِنَّ فِيهَا أَيْضًا ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فَأَعَادَ ذِكْرَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فَرَجَّحَ رِوَايَةَ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُوَجِّهًا لَهَا بِمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ جَوَابَهُ بِحَمْدِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) هِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَأُخْتُهَا هِيَ عَائِشَةُ، وَاسْتُشْكِلَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ عَائِشَةَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ لَمْ تَطُفْ لِأَجْلِ حَيْضِهَا، وَأُجِيبَ بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ حَجَّةً أُخْرَى غَيْرَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ تَحُجُّ كَثِيرًا، وَسَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا) أَيْ صَارُوا حَلَالًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَجَوَابُهُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الِابْتِدَاءِ بِالطَّوَافِ لِلْقَادِمِ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُ الْمَرْأَةَ الْجَمِيلَةَ أَوِ الشَّرِيفَةَ الَّتِي لَا تَبْرُزُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا تَأْخِيرُ الطَّوَافِ إِلَى اللَّيْلِ إِنْ دَخَلَتْ نَهَارًا، وَكَذَا مَنْ خَافَ فَوْتَ مَكْتُوبَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ فَائِتَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الطَّوَافِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَيْهِ دَمٌ، وَهَلْ يَتَدَارَكُهُ مَنْ تَعَمَّدَ تَأْخِيرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ؟ وَجْهَانِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ الْوُضُوءُ لِلطَّوَافِ، وَسَيَأْتِي حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَابًا. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ: أَحَدُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَالْآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالرَّاوِي عَنْهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، وزَادَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّمَلِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَأَمَّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْمَسِيلِ الْوَادِي لِأَنَّهُ مَوْضِعُ السَّيْلِ. ٦٤ - بَاب طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ ١٦١٨ - وقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ - إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ - قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ

стр. 2147

عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ، وَأَبَتْ، يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ، قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا. ١٦١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ "شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ" فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. قَوْلُهُ: (بَابُ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ) أَيْ هَلْ يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ أَوْ يَطُفْنَ مَعَهُمْ عَلَى حِدَةٍ بِغَيْرِ اخْتِلَاطٍ أَوْ يَنْفَرِدْنَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَخْرَجَهَا، عَنْ شَيْخِهِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ بِوَاسِطَةٍ، وَقَدْ ضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَخْرَجُهُ فَأَخْرَجَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ أَخْرَجَهُ هَكَذَا وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ، وَأَمَّا أَبُو نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قُرَّةَ مُوسَى بْنِ طَارِقٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ مِثْلَهُ غَيْرَ قِصَّةِ عَطَاءٍ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: هَذَا حَدِيثٌ عَزِيزٌ ضَيِّقُ الْمَخْرَجِ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِتَمَامِهِ، وَكَذَا وَجَدْتُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي: كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ الْحَكَمِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُعْشُمٍ وَهُوَ بِجِيمٍ وَمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ فَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ - أَوْ أَخُوهُ مُحَمَّدُ - ابْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيُّ وَكَانَا خَالَيْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَوَلَّى مُحَمَّدًا إِمْرَةَ مَكَّةَ وَوَلَّى أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ وَفَوَّضَ هِشَامٌ، لِإِبْرَاهِيمَ إِمْرَةَ الْحَجِّ بِالنَّاسِ فِي خِلَافَتِهِ فَلِهَذَا قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، ثُمَّ عَذَّبَهُمَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ حَتَّى مَاتَا فِي مِحْنَتِهِ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَمْرِهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، قَالَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ ابْنَ هِشَامٍ أَوَّلُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، لَكِنْ رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: نَهَى عُمَرُ أَنْ يَطُوفَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ، قَالَ فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُنَّ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ لَمْ يُعَارِضِ الْأَوَّلَ لِأَنَّ ابْنَ هِشَامٍ مَنَعَهُنَّ أَنْ يَطُفْنَ حِينَ يَطُوفُ الرِّجَالُ مُطْلَقًا، فَلِهَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ عَطَاءٌ وَاحْتَجَّ بِصَنِيعِ عَائِشَةَ وَصَنِيعِهَا شَبِيهٌ بِهَذَا الْمَنْقُولِ عَنْ عُمَرَ، قَالَ الْفَاكِهِيُّ: وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الطَّوَافِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ انْتَهَى، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ وَقْتًا ثُمَّ تَرَكَهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَمِيرَ مَكَّةَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَذَلِكَ قَبْلَ ابْنِ هِشَامٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. قَوْلُهُ: (وكَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ) مَعْنَاهُ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ بِزَمَانِ الْمَنْعِ قَائِلًا فِيهِ كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ) أَيْ غَيْرَ مُخْتَلِطَاتٍ بِهِنَّ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْحِجَابِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَبَعْدَ بِإِثْبَاتِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَكَذَا هُوَ لِلْفَاكِهِيِّ. قَوْلُهُ: (إِي لَعَمْرِي) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى نَعَمْ. قَوْلُهُ: (لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ) ذَكَرَ عَطَاءٌ هَذَا لِرَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ

стр. 2148

رَأَى ذَلِكَ مِنْهُنَّ، وَالْمُرَادُ بِالْحِجَابِ نُزُولُ آيَةِ الْحِجَابِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ عَطَاءٌ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (يُخَالِطْنَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي يُخَالِطُهُنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالرِّجَالُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. قَوْلُهُ: (حَجْرَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ أَيْ نَاحِيَةُ، قَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَزَلَ فُلَانٌ حَجْرَةً مِنَ النَّاسِ، أَيْ مُعْتَزَلًا. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَجْزَةٌ بِالزَّايِ وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي آخِرِهِ فَقَالَ: يَعْنِي مَحْجُوزًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ بِثَوْبٍ، وَأَنْكَرَ ابْنُ قُرْقُولٍ حُجْرَةً بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالرَّاءِ، وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ فَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ عُدَيْسٍ، وَابْنُ سِيدَهْ فَقَالَا: يُقَالُ قَعَدَ حَجْرَةً بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ أَيْ نَاحِيَةً. قَوْلُهُ: (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ) زَادَ الْفَاكِهِيُّ مَعَهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ دِقْرَةُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ امْرَأَةً رَوَى عَنْهَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ بِاللَّيْلِ فَذَكَرَ قِصَّةً أَخْرَجَهَا الْفَاكِهِيُّ. قَوْلُهُ: (انْطَلِقِي عَنْكِ) أَيْ عَنْ جِهَةِ نَفْسِكِ. قَوْلُهُ: (يَخْرُجْنَ) زَادَ الْفَاكِهِيُّ وَكُنَّ يَخْرُجْنَ إِلَخْ. قَوْلُهُ: (مُتَنَكِّرَاتٍ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُسْتَتِرَاتٍ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الدَّاوُدِيُّ جَوَازَ النِّقَابِ لِلنِّسَاءِ فِي الْإِحْرَامِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ. قَوْلُهُ: (إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ) فِي رِوَايَةِ الْفَاكِهِيِّ سُتِرْنَ. قَوْلُهُ: (حِينَ يَدْخُلْنَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَكَذَا هُوَ لِلْفَاكِهِيِّ، وَالْمَعْنَى إِذَا أَرَدْنَ دُخُولَ الْبَيْتِ وَقَفْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ حَالَ كَوْنِ الرِّجَالِ مُخْرَجِينَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) أَيِ اللَّيْثِيُّ، وَالْقَائِلُ ذَلِكَ عَطَاءٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. قَوْلُهُ: (وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ) أَيْ مُقِيمَةٌ فِيهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ بَطَّالٍ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ ثَبِيرًا خَارِجٌ عَنْ مَكَّةَ وَهُوَ فِي طَرِيقِ مِنًى. انْتَهَى. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِثَبِيرٍ الْجَبَلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لَهُ: أَشْرِقْ ثَبِيرٌ كَيْمَا نُغِيرُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ جَبَلُ الْمُزْدَلِفَةِ، لَكِنَّ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ جِبَالٍ أُخْرَى يُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهَا ثَبِيرٌ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ، وَيَاقُوتُ وَغَيْرُهُمَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِأَحَدِهَا، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ إِقَامَةِ عَائِشَةَ هُنَاكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ الِاعْتِكَافَ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَعَلَّهَا اتَّخَذَتْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي جَاوَرَتْ فِيهِ مَسْجِدًا اعْتَكَفَتْ فِيهِ وَكَأَنَّهَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهَا مَكَانٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَعْتَكِفُ فِيهِ فَاتَّخَذَتْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَمَا حِجَابُهَا؟) زَادَ الْفَاكِهِيُّ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: (تُرْكِيَّةٌ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: هِيَ قُبَّةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ لُبُودٍ تُضْرَبُ فِي الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: (دِرْعًا مُوَرَّدًا) أَيْ قَمِيصًا لَوْنُهُ لَوْنُ الْوَرْدِ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ دِرْعًا مُعَصْفَرًا وَأَنَا صَبِيٌّ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ سَبَبَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى مَا عَلَيْهَا اتِّفَاقًا، وَزَادَ الْفَاكِهِيُّ فِي آخِرِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تَطُوفَ رَاكِبَةً فِي خِدْرِهَا مِنْ وَرَاءِ الْمُصَلِّينَ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ: وَأَفْرَدَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا فَاغْتَنَى عَنْهُ بِطَرِيقِ مَالِكٍ الْمَوْصُولَةِ فَأَخْرَجَهَا عَقِبَهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ يَهيمُ عُرْوَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هِيَ وَالِدَةُ زَيْنَبَ الرَّاوِيَةُ عَنْهَا. قَوْلُهُ: (أَنِّي أَشْتَكِي) أَيْ أنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ سَبَبَ طَوَافِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَّهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ. قَوْلُهُ: (وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَلَى بَعِيرِكِ. قَوْلُهُ: (وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ جَوَازُ الطَّوَافِ لِلرَّاكِبِ إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ، وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَطُوفَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا وَلَا تَقْطَعُ صُفُوفَهُمْ أَيْضًا وَلَا يَتَأَذَّوْنَ بِدَابَّتِهَا، فَأَمَّا طَوَافُ الرَّاكِبِ مِنْ

стр. 2149

غَيْرِ عُذْرٍ فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَيَلْتَحِقُ بِالرَّاكِبِ الْمَحْمُولُ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَهَلْ يُجْزِئُ هَذَا الطَّوَافُ عَنِ الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ؟ فِيهِ بَحْثٌ. وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ فِي: بَابِ إِدْخَالِ الْبَعِيرِ الْمَسْجِدَ لِلْعِلَّةِ. ٦٥ - بَاب الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ ١٦٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ - أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ - فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: قُدْهُ بِيَدِهِ. [الحديث ١٦٢٠ - أطرافه في: ١٦٢١، ٦٧٠٢، ٦٧٠٣] قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ) أَيْ إِبَاحَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي كَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لَا بِمُطْلَقِ الْكَلَامِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ. أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ فَيَكُونُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَفْضَلَ، قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ: الْحَجُّ عَرَفَةُ. فَلَا يَتَعَيَّنُ، التَّقْدِيرُ مُعْظَمُ الْحَجِّ عَرَفَةُ بَلْ يَجُوزُ إِدْرَاكُ الْحَجِّ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَا لَا يَتَقَوَّمُ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَنْجَبِرُ، وَالْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ فَلَا تَفْضِيلَ. قَوْلُهُ: (بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ) زَادَ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَى إِنْسَانٍ آخَرَ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِنْسَانٍ قَدْ رَبَطَ يَدَهُ بِإِنْسَانٍ. قَوْلُهُ: (بِسَيْرٍ) بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مَا يُقَدُّ مِنَ الْجِلْدِ وَهُوَ الشِّرَاكُ. قَوْلُهُ: (أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ) كَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَضْبِطْ مَا كَانَ مَرْبُوطًا بِهِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدْرَكَ رَجُلَيْنِ وَهُمَا مُقْتَرِنَانِ فَقَالَ: مَا بَالُ الْقِرَانِ؟ قَالَا: إِنَّا نَذَرْنَا لَنَقْتَرِنَنَّ حَتَّى نَأْتِيَ الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: أَطْلِقَا أَنْفُسَكُمَا، لَيْسَ هَذَا نَذْرًا إِنَّمَا النَّذْرُ مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ. وَإِسْنَادُهُ إِلَى عَمْرٍو حَسَنٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي خَلِيفَةُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، ثُمَّ لَقِيَهُ هُوَ وَابْنَهُ طَلْقَ بْنَ بِشْرٍ مُقْتَرِنَيْنِ بِحَبْلٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: حَلَفْتُ لَئِنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ مَالِي ووَلَدِي لَأَحُجَّنَّ بَيْتَ اللَّهِ مَقْرُونًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَبْلَ فَقَطَعَهُ وَقَالَ لَهُمَا: حُجَّا، إِنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ وَابْنُهُ طَلْقٌ صَاحِبَيْ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قِيلَ اسْمُ الرَّجُلِ الْمَقُودِ هُوَ ثَوَابٌ ضِدَّ الْعِقَابِ. انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ. قَوْلُهُ: (قُدْ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ فِعْلُ أَمْرٍ، وفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ قُدْهُ بِإِثْبَاتِ هَاءِ الضَّمِيرِ وَهُوَ لِلرَّجُلِ الْمَقُودِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَطْعُهُ ﵊ السَّيْرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إِزَالَةُ هَذَا الْمُنْكَرِ إِلَّا بِقَطْعِهِ، أَوْ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى صَاحِبِهِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ. قُلْتُ: وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثَيْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَخَلِيفَةَ بْنِ بِشْرٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّائِفِ فِعْلُ مَا خَفَّ مِنَ الْأَفْعَالِ وَتَغْيِيرُ مَا يَرَاهُ الطَّائِفُ مِنَ الْمُنْكَرِ. وَفِيهِ الْكَلَامُ فِي الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ

стр. 2150

وَالْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمُبَاحَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَوْلَى مَا يشَغَلَ الْمَرْءُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الطَّوَافِ ذِكْرُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ إِلَّا أَنَّ الذِّكْرَ أَسْلَمُ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ خِلَافًا فِي كَرَاهَةِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ. وَعَنْ مَالِكٍ تَقْيِيدَ الْكَرَاهَةِ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَعَلَهُ مُجَاهِدٌ، وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَيَّدَهُ الْكُوفِيُّونَ بِالسِّرِّ، وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ، وَالْحَسَنِ كَرَاهَتُهُ، وَعَنْ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ أَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُكْثِرْ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مَنْ أَبَاحَ الْقِرَاءَةَ فِي الْبَوَادِي وَالطُّرُقِ وَمَنَعَهُ فِي الطَّوَافِ لَا حُجَّةَ لَهُ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ نَذَرَ مَا لَا طَاعَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ قُدْهُ بِيَدِهِ. انْتَهَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهِ لَهُ بِأَنْ يَقُودَهُ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرًا، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَنْكَرَهُ مِنَ النَّذْرِ فَمُتَعَقَّبٌ بِمَا فِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ نَذْرٌ، وَلِهَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَبْوَابِ النَّذْرِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَشْرُوحًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٦٦ - بَاب إِذَا رَأَى سَيْرًا أَوْ شَيْئًا يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ قَطَعَهُ ١٦٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَأَى سَيْرًا أَوْ شَيْئًا يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ قَطَعَهُ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادِهِ وَلَفْظُهُ: رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ. وَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِنَّمَا قَطَعَهُ لِأَنَّ الْقَوَدَ بِالْأَزِمَّةِ إِنَّمَا يُفْعَلُ بِالْبَهَائِمِ وَهُوَ مُثْلَةٌ ٦٧ - بَاب لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ ١٦٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِاشْتِرَاطِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الطَّوَافِ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الطَّوَافِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَمَنْ طَافَ عُرْيَانًا عَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ أخَرَجَ لَزِمَهُ دَمٌ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قُرَيْشًا ابْتَدَعَتْ قَبْلَ الْفِيلِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ إِلَّا فِي ثِيَابِ أَحَدِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَافَ عُرْيَانًا، فَإِنْ خَالَفَ وَطَافَ بِثِيَابِهِ أَلْقَاهَا إِذَا فَرَغَ ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَهَدَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَحُجَّ) بِالنَّصْبِ، وَفِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْمُؤَلَّفِ فِي التَّفْسِيرِ أَنْ لَا يَحُجَّنَّ وَهُوَ يُعَيِّنُ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَطُوفُ يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ، وَالتَّقْدِيرُ وَأَنْ لَا يَطُوفَ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّ أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْفَاءِ عَطْفًا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي

стр. 2151

الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٦٨ - بَاب إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ، أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ: إِذَا سَلَّمَ يَرْجِعُ إِلَى حَيْثُ قُطِعَ عَلَيْهِ. وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵃ قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ) أَيْ هَلْ يَنْقَطِعُ طَوَافُهُ أَوْ لَا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ فَقَطَعَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَهُ وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: يَبْنِي، وَقَيَّدَهُ مَالِكٌ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَفِي غَيْرِهَا إِتْمَامُ الطَّوَافِ أَوْلَى فَإِنْ خَرَجَ بَنَى، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَشْهَبُ يَقْطَعُهُ وَيَبْنِي، وَاخْتَارَ الْجُمْهُورُ قَطْعَهُ لِلْحَاجَةِ، وَقَالَ نَافِعٌ: طُولُ الْقِيَامِ فِي الطَّوَافِ بِدْعَةٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ إِلَخْ) وَصَلَ نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ الطَّوَافُ الَّذِي يَقْطَعُهُ عَلَيَّ الصَّلَاةُ وَأَعْتَدُّ بِهِ أَيُجْزِئُ؟ قَالَ نَعَمْ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِهِ. قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْكَعَ قَبْلَ أَنْ أُتِمَّ سَبْعِي، قَالَ: لَا، أَوْفِ سَبْعَكَ إِلَّا أَنْ تُمْنَعَ مِنَ الطَّوَافِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَطُوفُ بَعْضَ طَوَافِهِ ثُمَّ تَحْضُرُ الْجِنَازَةُ: يَخْرُجُ فَيُصَلِّي عَلَيْهَا ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ طَوَافِهِ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) وَصَلَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ طَافَ بِالْبَيْتِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَامَ فَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ طَوَافِهِ. قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ طَافَ فِي إِمَارَةِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَلَى مَكَّةَ - يَعْنِي فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ - فَخَرَجَ عَمْرٌو إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: انْظُرْنِي حَتَّى أَنْصَرِفَ عَلَى وِتْرٍ، فَانْصَرَفَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطَوَافٍ - يَعْنِي ثُمَّ صَلَّى - ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَخَرَجَ إِلَيْهَا فَلْيَخْرُجْ عَلَى وِتْرٍ مِنْ طَوَافِهِ وَيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ إِنْ كَانَ الطَّوَافُ تَطَوُّعًا وَخَرَجَ فِي وِتْرٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَقَدْ طَافَ خَمْسَةَ أَطَوَافٍ فَلَمْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ. (تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ شَرْحِهِ تَرْجَمَةَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَصَارَتْ أَحَادِيثُهُ لِتَرْجَمَةِ إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ ثُمَّ اسْتُشْكِلَ إِيرَادُ كَوْنِهِ ﵊ طَافَ أُسْبُوعًا وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَقِفْ وَلَا جَلَسَ فِي طَوَافِهِ فَكَانَتِ السُّنَّةُ فِيهِ الْمُوَالَاةَ. ٦٩ - بَاب صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ تُجْزِئُهُ الْمَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ سُبُوعًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ١٦٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ

стр. 2152

صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١٦٢٤ - قَالَ: وَسَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فَقَالَ: لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ) السُّبُوعُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الْأُسْبُوعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ جَمْعُ سُبْعٍ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ كَبُرْدٍ وَبُرُودٍ، وَوَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الصِّحَاحِ مَضْبُوطًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ قَرْنَ الطَّوَافِ وَيَقُولُ: عَلَى كُلِّ سُبْعٍ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُقْرِنُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُخْتَصَرًا قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ مَعَ كُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ. وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِتَمَامِهِ، وَأَرَادَ الزُّهْرِيُّ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَكْتُوبَةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَطُفْ أُسْبُوعًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا، لِأَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْحَيْثِيَّةَ مَرْعِيَّةٌ، وَالزُّهْرِيُّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرُ فَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ. الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) فِيهِ تَجَوُّزٌ، لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَعْيًا لَا طَوَافًا إِذْ حَقِيقَةُ الطَّوَافِ الشَّرْعِيَّةُ فِيهِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ أَوْ هِيَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ وَسَأَلْتُ) الْقَائِلُ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ مِنْهُ لِمَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ وَهُوَ أَنَّ الْقِرَانَ بَيْنَ الْأَسَابِيعِ خِلَافُ الْأَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَقَدْ قَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ يُكْرَهُ، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرِنُ بَيْنَ الْأَسَابِيعِ إِذَا طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ صَلَّى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَاجِبَتَانِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ طَوَافٍ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا فَلَيْسَتَا بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ اطَّوَافِ، لَكِنْ فِي تَعْلِيلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهُمَا، وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا هَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُمَا عَنْ قُعُودٍ مَعَ الْقُدْرَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا لَا وَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ فَرِيضَةٍ كَالظُّهْرِ إِذَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. ٧٠ - بَاب مَنْ لَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ ١٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ.

стр. 2153

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَقْرُبِ الْكَعْبَةَ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ) أَيْ لَمْ يَطُفْ تَطَوُّعًا، وَيَقْرُبُ بِضَمٍّ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاجَّ مُنِعَ مِنَ الطَّوَافِ قَبْلَ الْوُقُوفِ، فَلَعَلَّهُ ﷺ تَرَكَ الطَّوَافَ تَطَوُّعًا خَشْيَةَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَاجْتَزَأَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَضْلِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَتَنَفَّلُ بِطَوَافٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ، وَعَنْهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. (تَنْبِيهٌ): نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي طَافَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ وَلَا يَكُونُ إِلَّا وَبَعْدَهُ السَّعْيُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَمَتِّعِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَوْلُهُ: مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا وَالْمُفْرِدُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ لِقُدُومِهِ، وَلَيْسَ طَوَافُ الْقُدُومِ لِلْحَجِّ وَلَا هُوَ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. ٧١ - بَاب مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ وَصَلَّى عُمَرُ ﵁ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ١٦٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ - وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ - فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ إِجْزَاءِ صَلَاةِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ الطَّائِفُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَلْفَ الْمَقَامَ أَفْضَلَ، وَهُوَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْكَعْبَةِ أَوِ الْحِجْرِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهَا بِتَرْجَمَةِ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَاف خَلْفَ الْمَقَامِ. قَوْلُهُ: (وَصَلَّى عُمَرُ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي الْبَابَ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ إِلَخْ) هَكَذَا عَطَفَ هَذِهِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّفْظَيْنِ مُخْتَلِفَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي: بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيُّ) هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اشْتُهِرَ بِاسْمِهِ وَاشْتُهِرَ أَبُوهُ بِكُنْيَتِهِ، وَالْغَسَّانِيُّ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَشَدَّدَةٍ نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي غَسَّانَ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: وَقَعَ لِأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ تَصْحِيفٌ فِي نَسَبِ يَحْيَى فَضَبَطَهُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ هُوَ الْعَشَانِيُّ بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ نِسْبَةً إِلَى بَنِي عَشَانَةَ، وَقِيلَ هُوَ بِالْهَاءِ يَعْنِي بِلَا نُونٍ نِسْبَةً إِلَى بَنِي عَشَاهٍ. قُلْتُ: وَكُلُّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: رَوَاهُ الْقَابِسِيُّ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ وَهْمٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ زَيْنَبَ زِيَادَةٌ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ زَيْنَبُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي: كِتَابِ التَّتَبُّعِ فِي

стр. 2154

طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا هَذِهِ: هَذَا مُنْقَطِعٌ، فَقَدْ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدِيثًا آخَرَ فَإِنَّ حَدِيثَهَا هَذَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ كَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَذَكَرَهَا الْأَثْرَمُ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا خَطَأٌ، فَقَدْ قَالَ وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ. قَالَ: وَهَذَا أَيْضًا عَجِيبٌ، مَا يَفْعَلُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ؟ وَقَدْ سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ - يَعْنِي الْقَطَّانَ - عَنْ هَذَا فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَ لَيْسَ فِيهِ هَاءٌ. قَالَ أَحْمَدُ: وَبَيْنَ هَذَيْنِ فَرْقٌ، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ التَّغَايُرُ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ، فَإِنَّ إِحْدَاهُمَا صَلَاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالْأُخْرَى صَلَاةُ صُبْحِ يَوْمِ الرَّحِيلِ مِنْ مَكَّةَ وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ حَسَّانِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ وَمَحَاضِرِ بْنِ الْمُوَرِّعِ وَعَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ كُلِّهِمْ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَسَمَاعُ عُرْوَةَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ مُمْكِنٌ فَإِنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ حَيَاتِهَا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَهُوَ مَعَهَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي: بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ أَيْ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَازِمًا لَمَا أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ حَسَّانٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِذَا قَامَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ وَلَمْ أُصَلِّ حَتَّى خَرَجْتُ أَيْ فَصَلَّيْتُ، وَبِهَذَا يَنْطَبِقُ الْحَدِيثُ مَعَ التَّرْجَمَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَكْمَلَتْ طَوَافَهَا قَبْلَ فَرَاغِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ أَدْرَكَتْهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ مَعَهُمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَرَأَتْ أَنَّهَا تُجْزِئُهَا عَنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ لِكَوْنِ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَتْ شَاكِيَةً ولكن عُمَرَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَكَانَ لَا يَرَى التَّنَفُّلَ بَعْدَهُ مُطْلَقًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا بَعْدَ بَابٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ قَضَاهُمَا حَيْثُ ذَكَرَهُمَا مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ: يَرْكَعُهُمَا حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَرَمِ، وَعَنْ مَالِكٍ: إِنْ لَمْ يَرْكَعْهُمَا حَتَّى تَبَاعَدَ وَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا غَيْرُ قَضَائِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا. ٧٢ - بَاب مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ ١٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي قَبْلَ بَابَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ طَافَ ثُمَّ تَلَا ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَصَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: احْتَمَلَتْ قِرَاءَتُهُ أَنْ تَكُونَ

стр. 2155

صَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَرْضًا، لَكِنْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَ تُجْزِئُهُ رَكْعَتَا الطَّوَافِ حَيْثُ شَاءَ، إِلَّا شَيْئًا ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ فِي أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ فِي الْحِجْرِ يُعِيدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي: بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. ٧٣ - بَاب الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ وَطَافَ عُمَرُ بَعْدَ الصُّبْحِ فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى ١٦٢٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى الْمُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتْ السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ. ١٦٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عِنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. ١٦٣٠ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ "رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَطُوفُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ" ١٦٣١ - قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إِلاَّ صَلاَّهُمَا" قَوْلُهُ: (بَابُ الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ) أَيْ مَا حُكْمُ صَلَاةِ الطَّوَافِ حِينَئِذٍ؟ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ آثَارًا مُخْتَلِفَةً، وَيَظْهَرُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَخْتَارُ فِيهِ التَّوْسِعَةَ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلَا يَمْنَعَنَ أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةَ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. وَإِنَّمَا لَمْ يُخْرِجْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الطَّوَافِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ، أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الطَّوَافَ مُسْتَلْزِمٌ لِلصَّلَاةِ الَّتِي تُشْرَعُ بَعْدَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَرِهَ الثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ الطَّوَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ، قَالُوا: فَإِنْ فَعَلَ فَلْيُؤَخِّرِ الصَّلَاةَ، وَلَعَلَّ هَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَخَّصَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الطَّوَافِ فِي كُلِّ وَقْتٍ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَخْذًا بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَالثَّوْرِيِّ وَطَائِفَةٍ وَذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ:

стр. 2156

رَأَيْتُ الْبَيْتَ يَخْلُو بَعْدَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مَا يَطُوفُ بِهِ أَحَدٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَطُوفُ فَنَمْسَحُ الرُّكْنَ الْفَاتِحَةَ وَالْخَاتِمَةَ، وَلَمْ نَكُنْ نَطُوفُ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أنَّهُمْ صَلَّوُا الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ الصُّبْحِ سَبْعًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أُفُقِ السَّمَاءِ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ غَلَسًا، قَالَ: فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى أَنْظُرَ أَيَّ شَيْءٍ يَصْنَعُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَالَ: وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ الْعَطَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ طَافَ سَبْعًا بَعْدَ الْفَجْرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَرَاءَ الْمَقَامِ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ فِي اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِحَالِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحَالِ غُرُوبِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْهُ صَرِيحًا فِي أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيُصَلِّي مَا كَانَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ حَيَّةً نَقِيَّةً، فَإِذَا اصْفَرَّتْ وَتَغَيَّرَتْ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الصُّبْحِ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَطُوفُ بَعْدَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي: الْمَنَاسِكِ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَطُوفُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَلَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ أَيْضًا، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ لَا يُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَإِذَا طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ لَا يُصَلِّي حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَغْلَبِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَالَّذِي يُعْتَمَدُ مِنْ رَأْيِهِ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ. قَوْلُهُ: (وَطَافَ عُمَرُ بَعْدَ الصُّبْحِ فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى) وَصَلَهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بِهِ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَنْ عُرْوَةَ بَدَلَ حُمَيْدٍ، قَالَ أَحْمَدُ: أَخْطَأَ فِيهِ سُفْيَانُ، قَالَ الْأَثْرَمُ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ نُوحُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ أَصْلِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ. انْتَهَى. وَقَدْ رُوِّينَاهُ بِعُلُوٍّ فِي: أَمَالِي ابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ: أَنَّ عُمَرَ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ سَبْعًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي طُوًى وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (عَنْ حَبِيبٍ) هُوَ الْمُعَلِّمُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ فِي: الْأَطْرَافِ وَقَدْ ضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مَخْرَجُهُ فَتَرَكَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ شَيْخُهُ جَزَمَ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ يَتَّجِرُ إِلَى بَلْخٍ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْبَلْخِيُّ، وَسَيَأْتِي لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى الْمُذَكِّرِ) بِالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيِ الْوَاعِظِ، وَضَبَطَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي: النِّهَايَةِ بِالتَّخْفِيفِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ قَالَ: وَأَرَادَتْ مَوْضِعَ الذِّكْرِ، إِمَّا الْحِجْرُ، وَإِمَّا الْحَجَرُ. قَوْلُهُ: (السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) أَيِ الَّتِي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَكَأَنَّ الْمَذْكُورِينَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَأَخَّرُوا الصَّلَاةَ إِلَيْهِ قَصْدًا فَلِذَلِكَ أَنْكَرَتْ عَلَيْهِمْ عَائِشَةُ هَذَا إِنْ كَانَتْ تَرَى أَنَّ الطَّوَافَ سَبَبٌ لَا تُكْرَهُ مَعَ وُجُودِهِ الصَّلَاةُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ النَّهْيَ عَلَى عُمُومِهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِذَا أَرَدْتَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوِ الْعَصْرِ فَطُفْ، وَأَخِّرِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ فَصَلِّ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَكَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ اسْتَنْبَطَ جَوَازَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ

стр. 2157

الْعَصْرِ فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ قُبَيْلَ الْأَذَانِ، وَبَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتْرُكْهُمَا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَعْنِي الْمُوَاظَبَةَ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنَ النَّوَافِلِ لَا صَلَاةِ الرَّاتِبَةِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ تَلْتَحِقُ بِالرَّوَاتِبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٧٤ - بَاب الْمَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا ١٦٣٢ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ. ١٦٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ. فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَالثَّانِي ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِقَوْلِهَا فِيهِ إِنِّي أَشْتَكِي وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي: بَابِ إِدْخَالِ الْبَعِيرِ الْمَسْجِدَ لِلْعِلَّةِ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ سَبَبَ طَوَافِهِ ﷺ رَاكِبًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَنْ شَكْوَى، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ رَاكِبًا لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيَسْأَلُوهُ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِلْأَمْرَيْنِ، وَحِينَئِذٍ لَا دِلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ الطَّوَافِ رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ إِلَّا أَنَّ الْمَشْيَ أَوْلَى، وَالرُّكُوبَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ الْمَنْعُ لِأَنَّ طَوَافَهُ ﷺ وَكَذَا أُمُّ سَلَمَةَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُحَوَّطَ الْمَسْجِدُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ الطَّوَافِ فِي الْمَطَافِ، وَإِذَا حُوِّطَ الْمَسْجِدُ امْتَنَعَ دَاخِلُهُ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ التَّلْوِيثُ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ التَّحْوِيطِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَحْرُمُ التَّلْوِيثُ كَمَا فِي السَّعْيِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ فِي الرُّكُوبِ - إِذَا سَاغَ - بَيْنَ الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ، وَأَمَّا طَوَافُ النَّبِيِّ ﷺ رَاكِبًا فَلِلْحَاجَةِ إِلَى أَخْذِ الْمَنَاسِكِ عَنْهُ وَلِذَلِكَ عَدَّهُ بَعْضُ مَنْ جَمَعَ خَصَائِصَهُ فِيهَا، وَاحْتَمَلَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ رَاحِلَتُهُ عُصِمَتْ مِنَ التَّلْوِيثِ حِينَئِذٍ كَرَامَةً لَهُ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَأَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْبَعِيرِ وَبَعْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلتَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا. (تَنْبِيهٌ): خَالِدٌ هُوَ الطَّحَّانُ، وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ. ٧٥ - بَاب سِقَايَةِ الْحَاجِّ ١٦٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ

стр. 2158

أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. [الحديث ١٦٣٤ - أطرافه في: ١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥] ١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: اسْقِنِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: اسْقِنِي، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ. يَعْنِي عَاتِقَهُ. وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ سِقَايَةِ الْحَاجِّ): قَالَ الْفَاكِهِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سِقَايَةُ الْحَاجِّ زَمْزَمُ. وَقَالَ الْأَزْرَقِيُّ: كَانَ عَبْدُ مَنَافٍ يَحْمِلُ الْمَاءَ فِي الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ إِلَى مَكَّةَ وَيَسْكُبُهُ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لِلْحُجَّاجِ، ثُمَّ فَعَلَهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ بَعْدَهُ، ثُمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ; فَلَمَّا حُفِرَ زَمْزَمُ كَانَ يَشْتَرِي الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُهُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ وَيَسْقِي النَّاسَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا وَلِيَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ أَمْرَ الْكَعْبَةِ كَانَ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَاللِّوَاءُ وَالرِّفَادَةُ وَدَارُ النَّدْوَةِ، ثُمَّ تَصَالَحَ بَنُوهُ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ وَالْبَقِيَّةَ لِلْأَخَوَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ: ثُمَّ وَلِيَ السِّقَايَةَ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَدُهُ الْعَبَّاسُ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إِخْوَتِهِ سِنًّا - فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ، فَهِيَ الْيَوْمَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ فِي السِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ قَالَ: حَتَّى تُفْتَحَ مَكَّةُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْعَبَّاسَ لَمَّا مَاتَ أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَأْخُذَ السِّقَايَةَ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: أَشْهَدُ لَرَأَيْتُ أَبَاهُ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ أَبَاكَ أَبَا طَالِبٍ لَنَازِلٌ فِي إِبِلِهِ بِالْأَرَاكِ بِعَرَفَةَ. قَالَ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنِ السِّقَايَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،. لَوْ جَمَعْتَ لَنَا الْحِجَابَةَ وَالسِّقَايَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ مَا تُرْزَءُونَ وَلَمْ أُعْطِكُمْ مَا تَرْزءون. الْأَوَّلُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالثَّانِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الزَّايِ، أَيْ أَعْطَيْتُكُمْ مَا يَنْقُصُكُمْ لَا مَا تَنْقُصُونَ بِهِ النَّاسَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَالْفَاكِهِيُّ حَدِيثَ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اشْرَبُوا مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْإِذْنِ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ. ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شُرْبِهِ ﷺ مِنْ شَرَابِ السِّقَايَةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (فَاسْتَسْقَى) أَيْ طَلَبَ الشُّرْبَ. وَالْفَضْلُ هُوَ ابْنُ الْعَبَّاسِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَهِيَ وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا قَدْ مُرِثَ، أَفَلَا أَسْقِيكَ مِنْ بُيُوتِنَا؟ قَالَ لَا، وَلَكِنِ اسْقِنِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ. قَوْلُهُ: (قَالَ اسْقِنِي) زَادَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ: فَنَاوَلَهُ الْعَبَّاسُ الدَّلْوَ. قَوْلُهُ: (فَشَرِبَ مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ الْمَذْكُورَةِ فَأُتِيَ بِهِ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ. قَالَ: وَتَقْطِيبُهُ إِنَّمَا كَانَ لِحُمُوضَتِهِ، وَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ لِيَهُونَ عَلَيْهِ شُرْبُهُ وَعُرِفَ بِهَذَا جِنْسُ الْمَطْلُوبِ شُرْبُهُ إِذْ

стр. 2159

ذَاكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ فَاسْتَسْقَى، فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ (١) وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ وَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا. قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَيْ إِنَّكُمْ لَا تَتْرُكُونِي أَسْتَقِي، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَفْعَلَ بِكُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَتُغْلَبُوا، كَذَا قَالَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنْ تَقَعَ لَكُمُ الْغَلَبَةُ بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ فِعْلِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ الْوُلَاةُ عَلَيْهَا حِرْصًا عَلَى حِيَازَةِ هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنْ تَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ إِذَا رَأَوْنِي قَدْ عَمِلْتُهُ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ بِي فَيَغْلِبُوكُمْ بِالْمُكَاثَرَةِ لَفَعَلْتُ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ تَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ سِقَايَةَ الْحَاجِّ خَاصَّةٌ بِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فِي الْمَبِيتِ فَفِيهَا أقوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ هِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَصَحُّهَا لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَلَا بِسِقَايَتِهِمْ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ لِلْوُجُوبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا قَصْرَ السِّقَايَةِ عَلَيْهِمْ وَأَنْ لَا يُشَارِكُوا فِيهَا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أُرْصِدَ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لَا يَحْرُمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَلَى آلِهِ تَنَاوُلُهُ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ أَرْصَدَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِذَلِكَ، وَقَدْ شَرِبَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُحْمَلُ الْأَمْرُ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى أَنَّهَا مُرْصَدَةٌ لِلنَّفْعِ الْعَامِ فَتَكُونُ لِلْغَنِيِّ فِي مَعْنَ الْهَدِيَّةِ، وَلِلْفَقِيرِ صَدَقَةً. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ طَلَبُ السَّقْيِ مِنَ الْغَيْرِ، وَلَا رَدُّ مَا يَعْرِضُ عَلَى الْمَرْءِ مِنَ الْإِكْرَامِ إِذَا عَارَضَتْهُ مَصْلَحَةٌ أَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّ رَدَّهُ لَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ مِمَّا يُؤْتَى بِهِ مِنْ نَبِيذٍ لِمَصْلَحَةِ التَّوَاضُعِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ شُرْبِهِ مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ خُصُوصًا مَاءَ زَمْزَمَ. وَفِيهِ تَوَاضُعُ النَّبِيِّ ﷺ وَحِرْصُ أَصْحَابِهِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَكَرَاهَةُ التَّقَذُّرِ وَالتَّكَرُّهِ لِلْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ لِتَنَاوُلِهِ ﷺ مِنَ الشَّرَابِ الَّذِي غُمِسَتْ فِيهِ الْأَيْدِي. ٧٦ - بَاب مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ ١٦٣٦ - وقال عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ ١٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ قَالَ "سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ قَالَ عَاصِمٌ فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ عَلَى بَعِيرٍ" [الحديث ١٦٣٧ - طرفه في: ٥٦١٧]

стр. 2160

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ) كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِي فَضْلِهَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِهِ صَرِيحًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ زَادَ الطَّيَالِسِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ وَشِفَاءُ سُقْمٍ وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ وَإِرْسَالُهُ أَصَحُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُؤَمَّلِ الْمَكِّيَّ فَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ، لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَوَقَعَ فِي: فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمَوَالِي، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَزَعَمَ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّهُ عَلَى رَسْمِ الصَّحِيحِ وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ حَيْثُ الرِّجَالِ إِلَّا أَنَّ سُوَيْدًا وَإِنْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ خَلَطَ وَطَعَنُوا فِيهِ وَقَدْ شَذَّ بِإِسْنَادِهِ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسُمِّيَتْ زَمْزَمَ لِكَثْرَتِهَا، يُقَالُ مَاءٌ زَمْزَمٌ أَيْ كَثِيرٌ، وَقِيلَ لِاجْتِمَاعِهَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الزَّمْزَمَةُ مِنَ النَّاسِ خَمْسُونَ وَنَحْوُهُمْ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ زَمْزَمَ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْهَزْمَةِ وَالْهَزْمَةُ الْغَمْزُ بِالْعَقِبِ فِي الْأَرْضِ، أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَقِيلَ لِحَرَكَتِهَا قَالَهُ الْحَرْبِيُّ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا زُمَّتْ بِالْمِيزَانِ لِئَلَّا تَأْخُذَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَسَتَأْتِي قِصَّتُهَا فِي شَأْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَقِصَّةِ حَفْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهَا فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدَانُ) سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ وَقَالَ لِي عَبْدَانُ وَأَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ بِتَمَامِهِ عَنِ الدَّغُولِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدَانَ بِطُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، وَالْفَزَارِيُّ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ. وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَايَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَعَنْ عَطَاءٍ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْرَبُهُ فَتَلْزَقُ شَفَتَاهُ مِنْ حَلَاوَتِهِ وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ مِنَ النَّبِيذِ فِي الْحَجِّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شرب مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِلْآثَارِ أَوْ خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ طَاوُسٍ. قَوْلُهُ: (فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ) عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ عَاصِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعِكْرِمَةَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا فَعَلَ - أَيْ مَا شَرِبَ قَائِمًا - لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَعَلَّ شُرْبَهُ مِنْ زَمْزَمَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ عِكْرِمَةَ إِنَّمَا أَنْكَرَ شُرْبَهُ قَائِمًا لِنَهْيِهِ عَنْهُ، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا. فَيُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ. ٧٧ - بَاب طَوَافِ الْقَارِنِ ١٦٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ،

стр. 2161

فَقَالَ ﷺ : هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. ١٦٣٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ فَقَالَ إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُونَ الْعَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ فَيَصُدُّوكَ عَنْ الْبَيْتِ فَلَوْ أَقَمْتَ فَقَالَ قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسوة حَسَنَةٌ﴾ ثُمَّ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا قَالَ ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا" [الحديث ١٦٣٩ - أطرافه في: ١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩،، ١٨٠٧، ١٨٠٦، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣، ٤١٨٤، ٤١٨٥] ١٦٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الْحَجَّ عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ وَلَمْ يَحْلِقْ، وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (بَابُ طَوَافِ الْقَارِنِ) أَيْ هَلْ يَكْتَفِي بِطَوَافٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافَيْنِ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَفِيهِ وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي حَجَّةِ عَامِ نَزَلَ الْحَجَّاجُ، بِابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ: جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى، وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَفْعُ احْتِمَالٍ قَدْ يُؤْخَذُ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ طَوَافًا وَاحِدًا أَيْ طَافَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَوَافًا يُشْبِهُ الطَّوَافَ الَّذِي لِلْآخَرِ، وَالْحَدِيثَانِ ظَاهِرَانِ فِي أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا طَوَافٌ وَاحِدٌ كَالْمُفْرِدِ وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَصْرَحَ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثَيِ الْبَابِ فِي الرَّفْعِ وَلَفْظُهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَفَاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ. وَأَعَلَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ أَخْطَأَ فِيهِ وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَتَمَسَّكَ فِي تَخْطِئَتِهِ بِمَا رَوَاهُ أَيُّوبُ، وَاللَّيْثُ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَ سِيَاقِ مَا فِي الْبَابِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِابْنِ عُمَرَ وَأَنَّهُ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ رَوَى

стр. 2162

هَذَا اللَّفْظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ مَرْدُودٌ فَالدَّرَاوَرْدِيُّ صَدُوقٌ، وَلَيْسَ مَا رَوَاهُ مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ نَافِعٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ: جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ. وَطُرُقُهُ عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِمَا ضَعِيفَةٌ، وَكَذَا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَالْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ الِاكْتِفَاءُ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَأَمَّا السَّعْيُ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَثْبُتْ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَصْلًا. قُلْتُ: لَكِنْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا (١) عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ، وَلَمْ أَرَ فِي الْبَابِ أَصَحَّ مِنْ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ أَجَابَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي كَيْفِيَّةِ إِحْرَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِحَجَّةٍ ثُمَّ فَسَخَهَا فَصَيَّرَهَا عُمْرَةً ثُمَّ تَمَتَّعَ بِهَا إِلَى الْحَجِّ، كَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ مَعَ جَزْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا. وَهَبْ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ فَلِمَ لَا يَكُونُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ أَمَرَ مَنْ كَانَ قَارِنًا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ نَاطِقٌ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا فَإِنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ فِيهِ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ فِعْلَ الْقِرَانِ حَيْثُ قَالَ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ: وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْقِرَانَ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ سَمَّاهُ تَمَتُّعًا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَيْفَ كَانَ يُسَمَّى تَمَتُّعًا. ثُمَّ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا يَعْنِي الَّذِينَ تَمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لِأَنَّ حَجَّتَهُمْ كَانَتْ مَكِّيَّةً، وَالْحَجَّةُ الْمَكِّيَّةُ لَا يُطَافُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ عَرَفَةَ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهَا جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمْعُ مُتْعَةٍ لَا جَمْعُ قِرَانٍ. انْتَهَى. وَإِنِّي لَكَثِيرُ التَّعَجُّبِ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَيْفَ سَاغَ لَهُ هَذَا التَّأْوِيلُ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مُفَصِّلٌ لِلْحَالَتَيْنِ فَإِنَّهَا صَرَّحَتْ بِفِعْلِ مَنْ تَمَتَّعَ ثُمَّ مَنْ قَرَنَ حَيْثُ قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ التَّمَتُّعِ ثُمَّ قَالَتْ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا إِلَخْ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْقِرَانِ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى إِيضَاحٍ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْإِجْزَاءِ وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ اخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَتْ عَائِشَةُ مُحْرِمَةً بِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ، الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ حَلَفَ طَاوُسٌ مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى آلُ بَيْتِ عَلِيٍّ عَنْهُ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ، قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ عَنْ عَلِيٍّ لِلْقَارِنِ طَوَافٌ وَاحِدٌ خِلَافَ مَا يَقُولُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَمِمَّا يُضَعِّفُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَمْثَلَ طُرُقِهِ عَنْهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى مَنِ ابْتَدَأَ الْإِهْلَالَ بِالْحَجِّ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، وَأَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ وَالَّذِينَ احْتَجُّوا بِحَدِيثِهِ

стр. 2163

لَا يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً عِنْدَهُمْ لَزِمَهُمُ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: احْتَجَّ أَبُو أَيُّوبَ (١) مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بِأَنَّا أَجَزْنَا جَمِيعًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَفَرًا وَاحِدًا وَإِحْرَامًا وَاحِدًا وَتَلْبِيَةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ يُجْزِي عَنْهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا خَالَفَا فِي ذَلِكَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ. وَفِي هَذَا الْقِيَاسِ مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ لَا نُطِيلُ بِهَا. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَلَفَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ فِيهِ إِلَى عَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ عَمَلِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَهِيَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَبْوَابِ الْمُحْصِرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنُنَبِّهُ هُنَاكَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (لَا آمَنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ أَيْ أَخَافُ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا أَيْمَنُ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ فَقِيلَ: إِنَّهَا إِمَالَةٌ، وَقِيلَ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ وَهِيَ عِنْدَهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ حِيلَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَإِنْ يُحَلْ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ أَيِ الَّذِي طَافَهُ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ طَوَافَ الْقُدُومِ فَحَمَلَهُ عَلَى السَّعْيِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إِذَا وَصَلَ بِالسَّعْيِ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ تَرَكَهُ جَاهِلًا أَوْ نَسِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ أَصْحَابِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنْ حُمِلَ قَوْلُهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ أَجْزَأَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَا بِقَيْدِ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لَا إِذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ عَلَى السَّعْيِ، وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا عَقِبَ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ تَعْلِيَةُ السَّنَدِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَفْظُهُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هَذَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَمْلِي فَقَدْ سَقَطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتَيْبَةَ، وَابْنِ رُمْحٍ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَعْقِلٍ النَّسَفِيَّ الرَّاوِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٧٨ - بَاب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ ١٦٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ،

стр. 2164

ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ. ١٦٤٢ - وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. قَوْلُهُ: (بَابُ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ إِلَّا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَبِاشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ، وَمِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. وَسَيَأْتِي بَيَانُ الدِّلَالَةِ مِنْهُ بَعْدَ بَابَيْنِ. قَوْلُهُ: (مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظِ أَوَّلَ بَعْدَ لَفْظِ أَقْدَامَهُمْ وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ آخَرَ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ الطَّوَافِ. انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ حَذْفُ لَفْظِ أَوَّلَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَذْفُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِأَنَّ الثَّانِيَ يَحْتَاجُ إِلَى جَعْلِ مِنْ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ أَوَّلَ قَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَثَبَتَ أَيْضًا فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى يَضَعُوا بَدَلَ حِينَ يَضَعُونَ وَتَوْجِيهُهُ وَاضِحٌ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّهُمَا لَا تَحِلَّانِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ إِحْرَامُهُمَا بِالْحَجِّ وَحْدَهُ أَوْ بِالْقِرَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ حَجَّ مُفْرِدًا فَطَافَ حَلَّ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَوْلُهُ: أُمِّي يَعْنِي أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَالَتُهُ هِيَ عَائِشَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي: بَابِ مَنْ طَافَ إِذَا قَدِمَ. (تَنْبِيهٌ): قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَا ذُكِرَ مِنْ حَجِّ عُثْمَانَ هُوَ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: مُنْتَهَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً وَمِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ. انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ هَذَا مُنْقَطِعًا لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، نَعَمْ أَدْرَكَ عُثْمَانَ، وَعَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ يَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَّصِلًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ. ٧٩ - بَاب وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ١٦٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ

стр. 2165

كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا: ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا؛ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ. [الحديث ١٦٤٣ - أطرافه في: ١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١] قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أَيْ وُجُوبُ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا مُسْتَفَادٌ مِنْ كَوْنِهِمَا جُعِلَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ، وَتَمَامُ هَذَا نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ الشَّعَائِرِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الشَّعَائِرُ الْمُقَالَةُ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّعَائِرُ أَعْمَالُ الْحَجِّ وَكُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمًا لِطَاعَةِ اللَّهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُسْتَفَادًا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِهَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِلْوُجُوبِ بِحَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاه - بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ ثُمَّ أَلِفٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ - وَهِيَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - قَالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ فَرَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ. أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْوُجُوبِ. قُلْتُ: لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مُخْتَصَرَةٌ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالْأُولَى وَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَى الْأُولَى قَوِيَتْ، وَاخْتُلِفَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ فِي اسْمِ الصَّحَابِيَّةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهَا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَخَذَتْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْهَا أَخْبَرَتْنِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَلَا يَضُرُّهُ الِاخْتِلَافُ، وَالْعُمْدَةُ فِي الْوُجُوبِ قَوْلُهُ ﷺ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي إِهْلَالِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ وَفِيهِ طُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا: فَالْجُمْهُورُ قَالُوا هُوَ رُكْنٌ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاجِبٌ

стр. 2166

يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ فِي النَّاسِي لَا فِي الْعَامِدِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَعَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ، وَبِهِ قَالَ أَنَسٌ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ كَهَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِيمَا إِذَا تَرَكَ بَعْضَ السَّعْيِ كَمَا هُوَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْحَجِّ. وَأَغْرَبَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَشْيَاءَ فِي الْحَجِّ لَمْ يُرِدْ بِذِكْرِهَا إِيجَابَهَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَكُلٌّ أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَجَّ وَلَمْ يَطُفْ بِهِمَا أَنَّ حَجَّهُ قَدْ تَمَّ وَعَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ. قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَخْ) الْجَوَابُ مُحَصَّلُهُ أَنَّ عُرْوَةَ احْتَجَّ لِلْإِبَاحَةِ بِاقْتِصَارِ الْآيَةِ عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا اكْتَفَى بِذَلِكَ لِأَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ عَلَامَةُ الْمُبَاحِ، وَيَزْدَادُ الْمُسْتَحَبُّ بِإِثْبَاتِ الْأَجْرِ، وَيَزْدَادُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمَا بِعِقَابِ التَّارِكِ، وَمَحَلُّ جَوَابِ عَائِشَةَ أَنَّ الْآيَةَ سَاكِتَةٌ عَنِ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ مُصَرِّحَةٌ بِرَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَيَحْتَاجُ إِلَى رَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ التَّارِكِ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مُطَابَقَةُ جَوَابِ السَّائِلِينَ لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ فِي الْإِسْلَامِ فَخَرَجَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ وَاجِبًا وَيَعْتَقِدُ إِنْسَانٌ امْتِنَاعَ إِيقَاعِهِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَيُقَالُ لَهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نَفْيَ الْوُجُوبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ نَفْيُ الْإِثْمِ عَنِ التَّارِكِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْإِبَاحَةِ لَنُفِيَ الْإِثْمُ عَنِ التَّارِكِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الشَّوَاذِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْإِبَاحَةِ لَكَانَتْ كَذَلِكَ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي: الْمَصَاحِفِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا زَائِدَةٌ، وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا حُجَّةَ فِي الشَّوَاذِّ إِذَا خَالَفَتِ الْمَشْهُورَ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا: لَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَ إِنَّ السَّعْيَ مُسْتَحَبٌّ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا إِلَى خُصُوصِ السَّعْيِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (يُهِلُّونَ) أَيْ يَحُجُّونَ. قَوْلُهُ: (لِمَنَاةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ صَنَمٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ صَخْرَةً نَصَبَهَا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ لِهُذَيْلٍ وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا، وَالطَّاغِيَةُ صِفَةٌ لَهَا إِسْلَامِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (بِالْمُشَلَّلِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ مُثَقَّلَةٌ هِيَ الثَّنِيَّةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى قُدَيْدٍ، زَادَ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ النَّجْمِ، وَلَهُ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ - كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ أَيْ مُقَابِلَهُ، وَقُدَيْدٌ بِقَافٍ مُصَغَّرٍ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى الطَّوَافِ بِمَنَاةَ فَسَأَلُوا عَنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ رِوَايَةُ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةُ بِلَفْظِ إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ

стр. 2167

أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَطُرُقُ الزُّهْرِيِّ مُتَّفِقَةٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ بِنَحْوِ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُهُ يُوَافِقُ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا رَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ عَنْهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ نَصَبَ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدًا، فَكَانَتِ الْأَزْدُ وَغَسَّانُ يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا، إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاةَ فَأَهَلُّوا لَهَا، فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - قَالَ - وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَالْأَزْدِ مِنْ غَسَّانَ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ فَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَخَالَفَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ وَلَفْظُهُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُمَا أسَافٌ وَنَائِلَةُ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلُّونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ تَحَرُّجَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَفْعَلُوا فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَ أَفْعَالَ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ، فَخَشُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي أَبْطَلَهُ الشَّارِعُ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ بِخِلَافِ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ التَّحَرُّجَ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا لَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِمْ فِعْلَ شَيْءٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَتَحَرَّجُوا مِنْ فِعْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَوْلَا الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي طَرِيقِ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ وَكَانَتْ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ إِلَخْ لَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنًا بِأَنْ نَقُولَ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِمَنَاةَ ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِئَلَّا يُضَاهِيَ فِعْلَ الْجَاهِلِيَّةِ. وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَظَنُّوا أَنَّهُ أَبْطَلَ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةُ حَيْثُ قَالَ فِيهَا فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا وَهُمْ غَيْرُ هَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ فَقَالَ: قَوْلُهُ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُمَا مَا كَانَا قَطُّ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ وَإِنَّمَا كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنَّمَا كَانَتْ مَنَاةُ مِمَّا يَلِي جِهَةَ الْبَحْرِ. انْتَهَى. وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ أَيْضًا إِهْلَالُهُمْ أَوَّلًا لِمَنَاةَ، فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ فَيَبْدَءُونَ بِهَا ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ أسَافٍ وَنَائِلَةَ، فَمِنْ ثَمَّ تَحَرَّجُوا مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا أسَافٌ وَنَائِلَةُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا الْحَدِيثَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي: الْأَحْكَامِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ صَنَمٌ بِالصَّفَا يُدْعَى أسَافٌ وَوَثَنٌ بِالْمَرْوَةِ يُدْعَى نَائِلَةُ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ رُمِيَ بِهِمَا وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ أَوْثَانِهِمْ، فَأَمْسَكُوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي: أَسْبَابِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ فِيهِ:

стр. 2168

يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَوُضِعَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا. وَالْبَاقِي نَحْوَهُ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ. وَفِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ. وَمِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: كَانَ النَّاسُ أَوَّلَ مَا أَسْلَمُوا كَرِهُوا الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَنَمٌ فَنَزَلَتْ، فَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ قُوَّةَ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَتَقَدُّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَنْصَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يَقْرَبُهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ وَاشْتَرَكَ الْفَرِيقَانِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى التَّوَقُّفِ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِ كَانَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِهَذَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْجَمْعِ الْبَيْهَقِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُ عَائِشَةَ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَللمَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. أَيْ فَرَضَهُ بِالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهَا نَفْيَ فَرْضِيَّتِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهَا لَمْ يُتِمَّ اللَّهُ حَجَّ أَحَدِكُمْ وَلَا عُمْرَتَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (أنَّ هَذَا الْعِلْمَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، أَيْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعِلْمُ الْمَتِينُ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ الْمُؤَكِّدَةُ وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ. قَوْلُهُ: (أنَّ النَّاسَ إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ) إِنَّمَا سَاغَ لَهُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مَعَ أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ أَخْبَرُوهُ أَطْلَقُوا ذَلِكَ لِبَيَانِ الْخَبَرِ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ لَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا، وَمُحَصَّلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُمْ مِنَ التَّطَوُّفِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ظَنُّوا رَفْعَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَسَأَلُوا هَلْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَرَجٍ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى مَا ظَنُّوهُ مِنْ أَنَّ التَّطَوُّفَ بَيْنَهُمَا مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا شَرَحْنَاهُ أَوَّلًا. قَوْلُهُ: (فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَضَبَطَهُ الدِّمْيَاطِيُّ فِي نُسْخَتِهِ بِالْوَصْلِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ فَأُرَاهَا نَزَلَتْ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كَانَ لِلرَّدِّ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِ عِنْدَهُمْ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالَّذِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِمَا لَمْ يُذْكَرَا. قَوْلُهُ: (حَتَّى ذُكِرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) يَعْنِي تَأَخَّرَ نُزُولُ آيَةِ الْبَقَرَةِ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ آيَةِ الْحَجِّ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَغَيْرِهِ حَتَّى ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَفِي تَوْجِيهِهِ عُسْرٌ، وَكَأَنَّ قَوْلَهُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا ذَكَرَ بِتَقْدِيرِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا امْتَنَعُوا مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ دَلَّ عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا ذِكْرَ لِلصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِيهِ حَتَّى نَزَلَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ نُزُولِ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ وأَمَّا الثَّانِي فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٨٠ - بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ

стр. 2169

١٦٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. ١٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ "سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵁ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ فَقَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ١٦٤٦ - "وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فَقَالَ لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ" ١٦٤٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ تَلَا [٢١ الاحزاب]: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسوة حَسَنَةٌ﴾ " ١٦٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ "قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ نَعَمْ: لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ [١٥٨ البقرة]: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ " [الحديث ١٦٤٨ - طرفه في: ٤٤٩٦] ١٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ" زَادَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعْتُ عَطَاءً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .. مِثْلَهُ [الحديث ١٦٤٩ - طرفه في: ٤٢٥٧] قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَيْ فِي كَيْفِيَّتِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: نَزَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا حَاذَى بَابَ بَنِي عَبَّادٍ سَعَى، حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يَسْلُكُ بَيْنَ دَارَ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ وَدَارِ بِنْتِ قَرَظَةَ وَمِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْعَى مِنْ مَجْلِسِ أَبِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ سُفْيَانُ هُوَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَلَمَيْنِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ قَالَ رَأَيْتُهُمَا يَسْعَيَانِ مِنْ خَوْخَةِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ فَقُلْتُ لِمُجَاهِدٍ، فَقَالَ: هَذَا بَطْنُ الْمَسِيلِ الْأَوَّلِ اهـ. وَالْعَلَمَانِ اللَّذَانِ أَشَارَ إِلَيْهِمَا مَعْرُوفَانِ إِلَى الْآنَ. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ،

стр. 2170

وَالْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّعْيِ فَقَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ لِيُرِيَهُ الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُجِيزَ الْوَادِيَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً. وَسَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ هَاجَرَ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ هَذَا مَا أَوْرَثَتْكُمُوهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي سَبَبِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلِغَيْرِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ، وَلَعَلَّ حَاتِمًا اسْمُ جَدٍّ لَهُ إِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ فِيهِ مَضْبُوطَةً. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ رَآهُ بِخَطِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ فِي نُسْخَتِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَاتِمٍ. قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ) أَيْ طَوَافَ الْقُدُومِ. قَوْلُهُ: (خَبَّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ مَنْ طَافَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ) أَيِ الْمَكَانَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ السَّيْلُ، وَقَوْلُهُ بَطْنُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفٍ، وَهَذَا مَرْفُوعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَدَأَ بِالْمَوْقُوفِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ لِكَوْنِهِ مُفَسِّرًا لِحَدِّ السَّعْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ شِدَّةُ الْمَشْيِ وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ يُسَمَّى سَعْيًا. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِنَافِعٍ) الْقَائِلُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِلَامِ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ. الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا فِي طَوَافِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ هُنَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ وَخَتَمَ بِالصَّفَا أَعَادَ شَوْطًا فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا أَصْلَ لِمَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَكِنَّ تَرْكَهُ مَكْرُوهٌ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، فَيُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ الشَّوْطِ. قُلْتُ: الْكِرْمَانِيُّ الْمَذْكُورُ عَالِمٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَيْسَ هُوَ شَمْسَ الدِّينِ شَارِحَ الْبُخَارِيِّ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ شَيْخَنَا وَقَفَ عَلَى شَرْحِهِ وَنَقَلَ مِنْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا هُوَ فِي شَرْحِ شَمْسِ الدِّينِ، وَشَمْسُ الدِّينِ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ، يَرَى التَّرْتِيبَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ السَّعْيِ. الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. زَادَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعْتُ عَطَاءً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. الرَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هُنَا شِدَّةُ الْمَشْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي: بَابِ بَدْءِ الرَّمَلِ. قَوْلُهُ: (زَادَ الْحُمَيْدِيُّ إِلَخْ) أَيْ زَادَ التَّصْرِيحَ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ عَمْرٍو، لِسُفْيَانَ وَمِنْ عَطَاءٍ، لِعَمْرٍو، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي: مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ مُوسَى عَنْهُ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ جَابِرٍ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ طَوَافِهِ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَالَ: أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْبُدَاءَةِ بِالصَّفَا، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فَقَالَ: ابْدَؤوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ. (تَكْمِيلٌ): قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَرْوَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّفَا لِأَنَّهَا تُقْصَدُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِخِلَافِ الصَّفَا فَإِنَّمَا يُقْصَدُ ثَلَاثًا، قَالَ: وَأَمَّا الْبُدَاءَةُ بِالصَّفَا فَلَيْسَ بِوَارِدٍ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الصَّفَا تُقْصَدُ أَرْبَعًا أَيْضًا أَوَّلُهَا عِنْدَ الْبُدَاءَةِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِذَلِكَ وَيَمْتَازُ بِالِابْتِدَاءِ، وَعِنْدَ التَّنَزُّلِ يَتَعَادَلَانِ، ثُمَّ مَا ثَمَرَةُ هَذَا التَّفْضِيلِ مَعَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِمَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِمَا مَعًا؟ ٨١ - بَاب تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

стр. 2171

١٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي. ١٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ ح وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ "أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَاحْلَلْتُ" وَحَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ" ١٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ "كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ" فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ سَأَلْنَهَا أَوْ قَالَتْ سَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبَدًا إِلاَّ قَالَتْ بِأَبِي فَقُلْنَا أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كَذَا وَكَذَا قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي فَقَالَ لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى فَقُلْتُ أَلْحَائِضُ فَقَالَتْ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا" قَوْلُهُ: (بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) جَزَمَ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ لِتَصْرِيحِ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ مَوْرِدَ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاحْتِمَالِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِزِيَادَةٍ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا يَحْيَى التَّمِيمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ يَحْيَى حَفِظَهُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ لِلسَّعْيِ لِأَنَّ

стр. 2172

السَّعْيَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ طَوَافٍ قَبْلَهُ فَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ مُمْتَنِعًا امْتَنَعَ لِذَلِكَ لَا لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ تَقْرَأُ الْحَائِضُ؟ قَالَ: لَا، وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ لِلسَّعْيِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَدْ حَكَى الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَةً عِنْدَهُمْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِذَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلْتَسْعَ وَعَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنِ الْحَسَنِ فَلَعَلَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ لِعَائِشَةَ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ. أَنَّ لَهَا أَنْ تَسْعَى وَلِهَذَا قَالَ: وَإِذَا سَعَى عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ اهـ. وَهُوَ تَوْجِيهٌ جَيِّدٌ لَا يُخَالِفُ التَّوْجِيهَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطَاءٍ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَدَأَ بِالسَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَبِالْإِجْزَاءِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ قَالَ: طُفْ وَلَا حَرَجَ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَوَّلُوا حَدِيثَ أُسَامَةَ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَفِيهِ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطَّهَّرِي وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْضًا أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَطَهَّرِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى تَغْتَسِلِي وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي نَهْيِ الْحَائِضِ عَنِ الطَّوَافِ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا وَتَغْتَسِلَ لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الطَّوَافِ لَوْ فَعَلَتْهُ وَفِي مَعْنَى الْحَائِضِ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ إِلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَأَلْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا، وَمَنْصُورًا، وَسُلَيْمَانَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ: إِذَا طَافَتِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ حَاضَتْ أَجْزَأَ عَنْهَا. وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي: شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: انْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الطَّوَافِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِهَا وَجُبْرَانِهِ بِالدَّمِ إِنْ فَعَلَهُ اهـ. وَلَمْ يَنْفَرِدُوا بِذَلِكَ كَمَا تَرَى فَلَعَلَّهُ أَرَادَ انْفِرَادَهُمْ عَنِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لِلطَّوَافِ وَاجِبَةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ يُوَافِقُ هَذَا. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَفِيهِ قِصَّةُ قُدُومِ عَلِيٍّ وَمَعَهُ الْهَدْيُ وَقِصَّةُ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَالِاحْتِيَاجِ مِنْهُ لِقوله غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. (تَنْبِيهٌ): سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا ﵀ بِلَفْظِ خَلِيفَةَ وَسَيَأْتِي لَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي: بَابِ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ حَفْصَةَ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ - وَفِيهِ - وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ وَفِي الْعِيدَيْنِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَيْضِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا قَوْلُهَا فِي آخِرِهِ أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا فَهُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِ جَابِرٍ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَكَذَا قَوْلُهَا: وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. فَإِنَّهُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ أنَّ الْحَائِضَ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ لِأَنَّهَا إِذَا أُمِرَتْ بِاعْتِزَالِ الْمُصَلَّى كَانَ اعْتِزَالُهَا لِلْمَسْجِدِ بَلْ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَلْ لِلْكَعْبَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى.

стр. 2173

٨٢ - بَاب الْإِهْلَالِ مِنْ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَلِلْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمُجَاوِرِ يُلَبِّي بِالْحَجِّ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَهْلَلْنَا مِنْ الْبَطْحَاءِ وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِهْلَالِ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا لِلْمَكِّيِّ وَالْحَاجِّ إِذَا خَرَجَ مِنْ مِنًى) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ وَفِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَقْتِ إِلَى مِنًى وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى الْخِلَافِ فِي مِيقَاتِ الْمَكِّيِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مِيقَاتُ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ نَفْسُ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ مَكَّةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ اهـ. وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَنْزِلِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحُجَّةُ الصَّحِيحِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يُهِلُّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ وَلَا يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ إِلَّا مُحْرِمًا وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُهِلُّ فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَرَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَا لَكُمْ يَقْدَمُ النَّاسُ عَلَيْكُمْ شُعْثًا وَأَنْتُمْ تَنْضِحُونَ طِيبًا مُدْهِنِينَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ لِابْنِ عُمَرَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُهِلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَّا الْمُتَمَتِّعَ الَّذِي لَا يَجِدُ الْهَدْيَ وَيُرِيدُ الصَّوْمَ فَيُعَجِّلُ الْإِهْلَالَ لِيَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ لِلْمَكِّيِّ أَيْ إِذَا أَرَادَ الْحَجَّ وَقَوْلُهُ: الْحَاجِّ أَيِ الْآفَاقِيِّ إِذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا. قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ عَطَاءٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رُئِيَ الْهِلَالُ - فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا - فَأَمْسَكَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَتَى الْبَطْحَاءَ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ وَرَوَى مَالِكٌ فِي: الْمُوَطَّأِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّوْسِعَةَ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا فَأَحْلَلْنَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكُ بْنُ جُرَيْجٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ بِظَهْرٍ أَيْ وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَقَوْلُهُ: أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ أَيْ جَعَلْنَا مَكَّةَ مِنْ وَرَائِنَا فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ حَالَ كَوْنِنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ حِينَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ كَانُوا مُحْرِمِينَ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَهْلَلْنَا مِنَ الْبَطْحَاءِ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ:
следующие страницы →