← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 2764–2803 · переход к 2769.

стр. 2764

إِيرَادِ حَدِيثَيْ أَنَسٍ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ حَالَفَ بَيْنَهُمْ أَيْ: آخَى بَيْنَهُمْ، يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَى الْحِلْفِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ، لَكِنَّهُ فِي الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ وَحُدُودِهِ، وَحِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ جَرَى عَلَى مَا كَانُوا يَتَوَاضَعُونَهُ بَيْنَهُمْ بِآرَائِهِمْ، فَبَطَلَ مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ. وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحِلْفِ الْوَاقِعِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيةِ الْمَذْكُورَةِ جَاهِلِيٌّ وَمَا بَعْدَهَا إِسْلَامِيٌّ. وَعَنْ عَلِيٍّ مَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ جَاهِلِيٌّ. وَعَنْ عُثْمَانَ: كُلُّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ جَاهِلِيٌّ، وَمَا بَعْدَهَا إِسْلَامِيٌّ. وَعَنْ عُمَرَ: كُلُّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ فَهُوَ مَشْدُودٌ، وَكُلُّ حِلْفٍ بَعْدَهَا مَنْقُوضٌ، أَخْرَجَ كُلَّ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ، وَأَظُنُّ قَوْلَ عُمَرَ أَقْوَاهَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَاتِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ ذَلِكَ. ٣ - بَاب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فصَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. [الحديث ٢٣٦٩ - أطرافه في: ٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٤٣٨٣] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ). يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، أَيْ: عَنِ الْكَفَالَةِ بَلْ هِيَ لَازِمَةٌ لَهُ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْحَقُّ فِي ذِمَّتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَكَفَّلَ بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمَقْصُودِهِ. ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ بَابَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَوَجْهُ الْأَخْذِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَبِي قَتَادَةَ أَنْ يَرْجِعَ لَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِدْيَانِ حَتَّى يُوفِيَ أَبُو قَتَادَةَ الدَّيْنَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَكُونَ قَدْ صَلَّى عَلَى مِدْيَانٍ دَيْنُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ. (تَنْبِيهٌ): اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ عَلَى ذِكْرِ اثْنَيْنِ مِنَ الْأَمْوَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ تَامًّا، وَقَدْ سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَا تَامًّا وَسَاقَ فِي قِصَّتِهِ الْمَحْذُوفَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: ثَلَاثُ كَيَّاتٍ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يَدَّخِرَ شَيْئًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ ضَمَانِ مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا

стр. 2765

لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ) أَيْ: ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَدْ سَمِعَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مِنْ جَابِرٍ الْكَثِيرَ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةً، وَلِسُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ. قَوْلُهُ: (لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ) هُوَ مَالُ الْجِزْيَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي، وَكَانَ عَامِلُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِنْجَازِ الْوَعْدِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا. قَوْلُهُ: (قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا) فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي الشَّهَادَاتِ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ: فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. وَعُرِفَ بِقَوْلِهِ فِيهِ: فَحَثَى لِي حَثْيَةً تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: خُذْ هَكَذَا، كَأَنَّهُ أَشَارَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَامَ مَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ تَكَفَّلَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ لَزِمَهُ أَنْ يُوفِيَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عِدَّةٍ، وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ فَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ. وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي سِيَاقِهِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ وَلَا عَلَى الْوُجُوبِ. وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَوْ جَرَّ ذَلِكَ نَفْعًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَلْتَمِسْ مِنْ جَابِرٍ شَاهِدًا عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَضَى لَهُ بِعِلْمِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ. ٤ - بَاب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَقْدِهِ ٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ، وأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ. فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ

стр. 2766

رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ؛ فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، لِأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ. ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَبَرَزَ فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ؛ فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ الِاسْتِعْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ، أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي؛ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ. فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ، تُكْسَرُ الْجِيمِ وَتُضَمُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الذِّمَامُ وَالْأَمَانُ. قَوْلُهُ: (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَقْدِهِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ مُطَوَّلًا. قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ)، فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ بِكَذَا، وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بِكَذَا، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا رِضَا أَبِي بَكْرٍ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَتَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّهُ لَائِقٌ بِكَفَالَةِ الْأَبَدَانِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَجَارَهُ كَأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِنَفْسِ الْمُجَارِ أَنْ لَا يُضَامَ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ. (تَنْبِيهٌ): سَاقَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ هُنَا (١) عَلَى لَفْظِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَسَاقَهُ فِي الْهِجْرَةِ عَلَى لَفْظِ عُقَيْلٍ، وَسَأُبَيِّنُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ هُنَاكَ، وَذَكَرَ فِيهِ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَضَبْطِهِ وَضَبْطِ بَرْكِ الْغِمَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ:، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ). هَذَا التَّعْلِيقُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنْ عُقَيْلٍ وَحْدَهُ. وَأَبُو صَالِحٍ هَذَا اتَّفَقَ أَبُو نُعَيْمٍ، وَالْأَصِيلِيُّ، وَالْجَيَّانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ بْنُ صَالِحٍ

стр. 2767

الْمَرْوَزِيُّ وَلَقَبُهُ سَلْمَوَيْهِ وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْأَصِيلِيُّ. وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى هَذَا هُوَ ابْنُ وَهْبٍ. وَزَعَمَ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْفَرَّاءُ الْأَنْطَاكِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنِدًا، وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى عَدِّ مَحْبُوبِ بْنِ مُوسَى فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ سَلْمَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ٥ - بَاب الدَّيْن ٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ. [الحديث ٢٣٩٨ - أطرافه في: ٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٤٣٨٣] قَوْلُهُ: (بَابُ الدَّيْنِ). كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَسَقَطَ الْبَابُ وَتَرْجَمَتُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَسَقَطَ الْحَدِيثُ أيضًا مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَوَقَعَ لِلنَّسْفِيِّ، وابْنِ شَبَّوَيْهِ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَمَّا ابْنُ بَطَّالٍ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي آخِرِ بَابِ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ بَدَيْنٍ وَصَنِيعُهُ أَلْيَقُ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَرْجَمَةِ جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا، أَوْ ثَبَتَتْ بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ فَيَكُونُ كَالْفَصْلِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَنْ تَرْجَمَ لَهُ: بَابُ الدَّيْنِ، فَبَعِيدٌ إِذِ اللَّائِقُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). هَكَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ كَمًّا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَخَالَفَهُمْ مَعْمَرٌ فَرَوَاهُ عَنِ الزَّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. قَوْلُهُ: (هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا)، أَيْ: قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: قَضَاءً بَدَلَ فَضْلًا، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ، وَهُوَ أَوْلَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِنْ حَدَّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً. قَوْلُهُ: (فَتَرَكَ دَيْنًا). فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَتَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهِ هُنَاكَ، إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالضَّيَاعُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ. قَالَ الْخَطَابِيُّ: هُوَ وَصْفٌ لِمَا خَلَّفَهُ الْمَيِّتُ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ، أَيْ: تَرَكَ ذَوِي ضَيَاعٍ، أَيِّ لَا شَيْءَ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ: كَلًّا (١) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَصْلُهُ الثِّقْلُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْعِيَالُ. قَوْلُهُ: (فَلِوَرَثَتِهِ). فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ: فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ،

стр. 2768

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَأنَ الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِيُحَرِّضَ النَّاسَ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ فِي حَيَاتِهِمْ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، لِئَلَّا تَفُوتَهُمْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهَلْ كَانَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ أَوْ جَائِزَةً؟ وَجْهَانِ: قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مَنِ اسْتَدَانَ دَيْنًا غَيْرَ جَائِزٍ، وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَانَ لِأَمْرٍ هُوَ جَائِزٌ، فَمَا كَانَ يَمْتَنِعُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ حَيْثُ قَالَ: مَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَوْ كَانَ الْحَالُ مُخْتَلِفًا لَبَيَّنَهُ. نَعَمْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّمَا الظَّالِمُ فِي الدُّيُونِ الَّتِي حُمِلَتْ فِي الْبَغْيِ وَالْإِسْرَافِ، فَأَمَّا الْمُتَعَفِّفُ ذُو الْعِيَالِ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ أُؤَدِّي عَنْهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ تَرَكَ ضَيَاعًا الْحَدِيثَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ الْحَازِمِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ كَانَ مُسْتَمِرًّا، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ، وَفِي صَلَاتِهِ ﷺ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْضِيهِ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَقْضِيهِ مِنْ خَالِصِ نَفْسِهِ، وَهَلْ كَانَ الْقَضَاءُ واجبًا عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ: مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ، نَاسِخٌ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَوْلُهُ: فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ أَيْ: مِمَّا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالصَّدَقَاتِ، قَالَ: وَهَكَذَا يَلْزَمُ الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ حَقُّ الْمَيِّتِ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَفِي بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَإِلَّا فَبِقِسْطِهِ. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْحَوَالَةِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْكَفَالَةِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا طَرِيقَانِ، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سِتَّةُ أَحَادِيثَ، وَالسِّتَّةُ الْأُخْرَى خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمِيرَاثِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَمَانِيَةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 2769

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٠ - كِتَاب الْوَكَالَةِ ١ - بَاب وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا ٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. ٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ. [الحديث ٢٣٠٠ - أطرافه في: ٢٥٠٠، ٥٥٤٢، ٥٥٥٥] قَوْلُه: (كِتَابُ الْوَكَالَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا). كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدَّمَ غَيْرُهُ الْبَسْمَلَةَ، وَزَادَ وَاوًا، وَلِلنَّسَفِيِّ: كِتَابُ الْوَكَالَةِ. وَوَكَالَةِ الشَّرِيكِ، وَلِغَيْرِهِ: بَابٌ بَدَلَ الْوَاوِ. وَالْوَكَالَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَدْ تُكْسَرُ التَّفْوِيضُ وَالْحِفْظُ، تَقُولُ: وَكَّلْتُ فُلَانًا إِذَا اسْتَحْفَظْتَهُ، وَوَكَلْتَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ بِالتَّخْفِيفِ إِذَا فَوَّضْتَهُ إِلَيْهِ. وَهِيَ فِي الشَّرْعِ إِقَامَةُ الشَّخْصِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا. قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا) هَذَا الْكَلَامُ مُلَفَّقٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الشَّرِكَةِ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ مَضَى فِي الْحَجِّ. ثَانِيهِمَا حَدِيثُ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا طَرَفًا مِنَ الْحَدِيثِ مَوْصُولًا فِي الْأَمْرِ بِالتَّصَدُّقِ بِجِلَالِ الْبُدْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَمَقْصُودُهُ مِنْهُ هُنَا ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ فِي الْقِسْمَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَغَيْرِهَا، أَيْ: وَفِي غَيْرِ الْقِسْمَةِ، فَيُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ. وَالْجِلَالُ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَقَبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ فَإِنَّهُ عُلِمَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ لَهُ حَظٌّ فِي تِلْكَ الْقِسْمَةِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ شَرِيكًا لَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ. وَأَبْدَى ابْنُ الْمُنِيرِ احْتِمَالًا أَنْ يَكُونَ ﷺ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَقْسُومِ فِيهِمْ مَا صَارَ إِلَيْهِ فَلَا تُتَّجَهُ الشَّرِكَةُ. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَفْظِ: أَنَّهُ قَسَمَ بَيْنَهُمْ ضَحَايَا قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَيَّنَ تِلْكَ الْغَنَمَ لِلضَّحَايَا، فَوَهَبَ لَهُمْ جُمْلَتَهَا، ثُمَّ أَمَرَ عُقْبَةَ بِقِسْمَتِهَا، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لَمَّا تَرْجَمَ لَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَكَالَةُ الشَّرِيكِ جَائِزَةٌ كَمَا تَجُوزُ شَرِكَةُ الْوَكِيلِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَاسْتَدَلَّ الدَّاوُدِيُّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَى جَوَازِ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى رَأْيِ الشَّرِيكِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَيَّنَ لَهُ مَنْ يُعْطِيهِ كَمَا عَيَّنَ لَهُ مَا يُعْطِيهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَفْوِيضٌ. قَوْلُهُ: (عَتُودٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ: الصَّغِيرُ مِنَ الْمَعْزِ إِذَا قَوِيَ، وَقِيلَ: إِذَا أَتَى عَلَيْهِ

стр. 2770

حَوْلٌ، وَقِيلَ: إِذَا قَدَرَ عَلَى السِّفَادِ. ٢ - باب إِذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ. ٢٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ. فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمْ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا - وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا - فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فَتَجلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ. [الحديث ٢٣٠١ - طرفه في: ٢٩٧١] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَكَّلَ الْمُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ). أَيْ: إِذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) يَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ آخِرَ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) أَيْ: كَتَبْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ كِتَابًا، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَاهَدْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَكَاتَبْتُهُ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي) الصَّاغِيَةُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ خَاصَّةُ الرَّجُلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ صَغَى إِلَيْهِ إِذَا مَالَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: صَاغِيَةُ الرَّجُلِ كُلُّ مَنْ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: رَوَاهُ الدَّاوُدِيُّ ظَاعِنَتِي بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْفُرُ إِلَيْهِ. قَالَ: وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ) أَيْ: لَا أَعْتَرِفُ بِتَوْحِيدِهِ، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ يُسَمِّيهِ عَبْدَ الْإِلَهِ. قَوْلُهُ: (حِينَ نَامَ النَّاسُ) أَيْ: رَقَدُوا، وَأَرَادَ بِذَلِكَ اغْتِنَامَ غَفْلَتِهِمْ لِيَصُونَ دَمَهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيْ: عَلَيْكُمْ أُمَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: هَذَا أُمَيَّةُ. قَوْلُهُ: (خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ) هُوَ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ، سَمَّاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي شَرْحِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَنَذْكُرُ تَسْمِيَةَ مَنْ بَاشَرَ قَتْلَ أُمَيَّةَ، وَمَنْ بَاشَرَ قَتْلَ ابْنِهِ عَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمَنْ أَصَابَ رِجْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالسَّيْفِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَوَّضَ إِلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُوَ كَافِرٌ فِي دَارَ الْحَرْبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِهِ، وَالظَّاهِرُ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا، وَتَوْكِيلُ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ مُسْلِمًا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا) أَيْ: ضَخْمَ الْجُثَّةِ. قَوْلُهُ: (فَتَجَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ) بِالْجِيمِ، أَيْ: غَشَوْهُ. كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: أَدْخَلُوا أَسْيَافَهُمْ

стр. 2771

خِلَالَهُ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ وَطَعَنُوهُ بِهَا مِنْ تَحْتِي، مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَّلْتُهُ بِالرُّمْحِ وَاخْتَلَلْتُهُ إِذَا طَعَنْتُهُ بِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْخَبَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَتَخَلَّوْهُ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ ثَقِيلَةٍ. قَوْلُهُ: (سَمِعَ يُوسُفُ، صَالِحًا، وَإِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ)، كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَبِيهِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ. ٣ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ وَالْمِيزَانِ. وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ ٢٣٠٢، ٢٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا. وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ وَالْمِيزَانِ). قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي الصَّرْفِ جَائِزَةٌ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا يَصْرِفُ لَهُ دَرَاهِمَ، وَوَكَّلَ آخَرَ يَصْرِفُ لَهُ دَنَانِيرَ فَتَلَاقَيَا وَتَصَارَفَا صَرْفًا مُعْتَبَرًا بِشَرْطِهِ جَازَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ) أَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ أَعْطَاهُ آنِيَةً مُمَوَّهَةً بِالذَّهَبِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَبِعْهَا، فباعها مِنْ يَهُودِيٍّ بِضِعْفِ وَزْنِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ارْدُدْهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: أَزِيدُكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا إِلَّا بِوَزْنِهِ. وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَتْ لِي عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ دَرَاهِمُ، فَأَصَبْتُ عِنْدَهُ دَنَانِيرَ، فَأَرْسَلَ مَعِي رَسُولًا إِلَى السُّوقِ، فَقَالَ: إِذَا قَامَتْ عَلَى سِعْرٍ فَاعْرِضْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَخَذَهَا وَإِلَّا فَاشْتَرِ لَهُ حَقَّهُ، ثُمَّ اقْضِهِ إِيَّاهُ. وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ). كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الْجِيمِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ قَبْلَ الْمِيمِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، فَلَعَلَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ. قَالَ: وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ خَطَأٌ. قَوْلُهُ: (اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ) تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ أَنَّهُ أَنْصَارِيٌّ، وَأَنَّ اسْمَهُ سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْ: وَالْمَوْزُونُ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يُبَاعُ رِطْلٌ بِرِطْلَيْنِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَيْ: لَا يَجُوزُ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ التَّمْرَ لَا يُوزَنُ وَهُوَ عَجِيبٌ فَلَعَلَّهُ الثَّمَرُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ لِتَفْوِيضِهِ ﷺ أَمْرَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْوَكِيلِ عَنْهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الصَّرْفُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: بَيْعُ الطَّعَامِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلُ الصَّرْفِ سَوَاءٌ، أَيْ: فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. قَالَ: وَوَجْهُ أَخْذِ الْوَكَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لِعَامِلِ خَيْبَرَ: بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَاعَ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، فَنَهَاهُ عَنْ بَيْعِ الرِّبَا، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ. ٤ - بَاب إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوْ الْوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ ذَبَحَ أو أَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ

стр. 2772

٢٣٠٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رسول الله ﷺ أَوْ: أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يَسْأَلُهُ - وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ - أَوْ: أَرْسَلَ - فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. [الحديث ٢٣٠٤ - أطرافه في: ٥٥٠١، ٥٥٠٣، ٥٥٠٤] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوِ الْوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ ذَبَحَ أَوْ أَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ). كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ: فَأَصْلَحَ بَدَلَ أَوْ أَصْلَحَ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: جَازَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ بِحَذْفِ أَوْ فَصَارَ الْجَوَابُ أَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ، وَأَمَّا الْأَصِيلِيُّ فَعِنْدَهُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ ذَبَحَ وَأَصْلَحَ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ. الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَيْسَ غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بِحَدِيثِ الْبَابِ الْكَلَامَ فِي تَحْلِيلِ الذَّبِيحَةِ أَوْ تَحْرِيمِهَا، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ إِسْقَاطُ الضَّمَانِ عَنِ الرَّاعِي وَكَذَا الْوَكِيلُ، وَقَدِ اعْتَرَضَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الَّتِي ذُبِحَتْ كَانَتْ مِلْكًا لِصَاحِبِ الشَّاةِ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أَرَادَ تَضْمِينَهَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْحَرَجِ عَمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّضْمِينِ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ)، جَزَمَ الْمِزِيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ طَرَفًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبَدَةُ) أَيِ: ابْنُ سُلَيْمَانَ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ الْعُمَرِيُّ الْمَذْكُورُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَنَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى نَافِعٍ وَعَلَى غَيْرِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُؤْتَمَنِ عَلَى مَا اؤتمن عَلَيْهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُ الْخِيَانَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا أَنْزَى عَلَى إِنَاثِ الْمَاشِيَةِ فَحْلًا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فَهَلَكَتْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. ٥ - باب وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى قَهْرَمَانِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ٢٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ جمل سِنٌّ مِنْ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً. [الحديث ٢٣٠٥ - أطرافه في: ٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٣، ٢٤٠١، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩]

стр. 2773

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (وَكَالَةُ الشَّاهِدِ) أَيِ: الْحَاضِرُ (وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا بِعُذْرٍ: مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ بِرِضَا الْخَصْمِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ عَدَاوَةٌ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْجَوَازِ حَدِيثَ الْبَابِ، قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، قَالَ: وَوَكَالَةُ الْغَائِبِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى قَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى قَبُولٍ فَحُكْمُ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ (إِلَى قَهْرَمَانِهِ) أَيْ: خَازِنُهُ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، وَاللَّفْظَةُ فَارِسِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ: زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْقَهْرَمَانِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ جَمَلُ سِنٍّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ. الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ لِوَكَالَةِ الْحَاضِرِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ إِذَا جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَوَازُهُ لِلْغَائِبِ عَنْهُ أَوْلَى لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَعْطُوهُ يَتَنَاوَلُ وُكَلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُضُورًا وَغَيْبًا. ٦ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ ٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً. قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَمْثَلَ. . . إِلَخْ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ امْتَنَعَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تَأْخِيرٌ مِنَ الْمُوَكِّلِ إِلَى الْوَكِيلِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مَطْلًا. ٧ - بَاب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَصِيبِي لَكُمْ ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، فقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَظَرَهُمْ

стр. 2774

بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. [الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦] [الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٠٤٠، ٢٥٨٣، ٣١٢٣، ٤٣١٩، ٧١٧٧] قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ)، يَجُوزُ فِي وَكِيلٍ التَّنْوِينُ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لِوَكِيلِ قَوْمٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ. قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَصِيبِي لَكُمْ). وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي قِصَّةِ وَفْدِ هَوَازِنَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ. الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْوَفْدُ رُسُلًا مِنْ هَوَازِنَ، وَكَانُوا وُكَلَاءَ وَشُفَعَاءَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ، فَشَفَّعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ، فَإِذَا طَلَبَ الْوَكِيلُ أَوِ الشَّفِيعُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِيمَا أُقِيمُوا لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ بِالْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ لَيْسُوا وُكَلَاءَ، وَإِنَّمَا هُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ قَوْلِ الْحَاكِمِ فِي حقِّ مَنْ هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِقَوْلِهِ: حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ ﷺ لِلْوَفْدِ وَهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا شُفَعَاءَ فِي قَوْمِهِمْ: نَصِيبِي لَكُمْ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْمَوْهِبَةَ وَقَعَتْ لِلْوَسَائِطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُمْ وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمُوا بِسَبَبِهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمُورَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَقَاصِدِ لَا عَلَى الصُّوَرِ، وَأَنَّ مَنْ شَفَعَ لِغَيْرِهِ فِي هِبَةٍ، فَقَالَ: الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ لِلشَّفِيعِ قَدْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَخُصَّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، بَلِ الْهِبَةُ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَوَى نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ. انْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.

стр. 2775

٨ - بَاب إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي، فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ ٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَغَيْرِهِ - يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّه، وَرَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ: أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَعْطِنِيهِ، فَأَعْطَيْتُهُ فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ. قَالَ: بِعْنِيهِ، فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بَلْ بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: فَذَلِكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: يَا بِلَالُ، اقْضِهِ وَزِدْهُ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَزَادَهُ قِيرَاطًا. قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُنْ الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ) أَيْ: فَهُوَ جَائِزٌ، فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ بَيْعِهِ الْجَمَلَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: يَا بِلَالُ، اقْضِهِ وَزِدْهُ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَزَادَهُ قِيرَاطًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَا يُعْطِيهِ عِنْدَ أَمْرِهِ بِإِعْطَاءِ الزِّيَادَةِ، فَاعْتَمَدَ بِلَالٌ عَلَى الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ فَزَادَهُ قِيرَاطًا. قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ). كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، أَيْ: لَيْسَ جَمِيعُ الْحَدِيثِ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ: لَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُمْ، رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَعَلَيْهِ شَرَحَ ابْنُ التِّينِ، وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ بَيْنَ بَعْضِهِمْ وَبَيْنَ جَابِرٍ فِيهِ وَاسِطَةً. وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: لَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ عَنْ جَابِرٍ وَمِثْلُهُ لِلْحُمَيْدِيِّ فِي جَمْعِهِ، وَبِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ فِي نُسْخَتِهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: لَمْ يُبِلِّغْهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَوْلُهُ: يَزِيدُ بَعْضُهُمْ الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الْغَيْرِ، وَفِي: لَمْ يُبَلِّغْهُ إِلَى الْحَدِيثِ أَوِ الرَّسُولِ، ورَجُلٌ بَدَلٌ مِنْ كُلٍّ. قُلْتُ: الضَّمِيرُ لِلْحِدِّيثِ جَزْمًا لَا لِلرَّسُولِ؛ لِأَنَّ السَّنَدَ مُتَّصِلٌ. ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لَفْظَةُ: وَغَيْرِهِ بِالْجَرِّ، وَأَمَّا رَفْعُهُ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ ويَزِيدُ خَبَرُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ فَاعِلَ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ لِيُبَلِّغَهُ، وَعَلَى التَّقَادِيرِ لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مِنَ التَّعَجْرُفِ. قُلْتُ: إِنَّمَا جَاءَ التَّعَجْرُفُ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ الْمُرَادِ، وَإِلَّا فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْ غَيْرِ عَطَاءٍ كُلُّهُمْ عَنْ جَابِرٍ، لَكِنَّهُ عِنْدَهُ عَنْهُمْ بِالتَّوْزِيعِ: رَوَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مِنَ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُ رَجُلٌ أَيْ: لَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ، فَهُوَ بَيَانٌ مِنْهُ لِصُورَةِ تَحَمُّلِهِ، وَهُوَ كَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ: وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا لَكِنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ: نَفَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ، فَأَيُّ تَعَجْرُفٍ فِي هَذَا؟ وَالْعَجَبُ مِنْ شَارِحٍ تَرَكَ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي لَا قَلَقَ فِي تَرْكِيبِهَا وَتَشَاغَلَ بِتَجْوِيزِ شَيْءٍ لَمْ يَثْبُتْ فِي

стр. 2776

الرِّوَايَةِ، ثُمَّ يُطْلِقُ عَلَى الْجَمِيعِ التَّعَجْرُفَ، أَفَهَذَا شَارِحٌ أَوْ جَارِحٌ؟ وَوَقَفْتُ مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ عَلَى أَبِي الزُّبَيْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ هُوَ الْبَعِيرُ الْبَطِيءُ السَّيْرِ، يُقَالُ: ثَفَالٌ وَثَفِيلٌ، وَأَمَّا الثِّفَالُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فَهُوَ مَا يُوضَعُ تَحْتَ الرَّحَى لِيَنْزِلَ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَنْ ضَبَطَ الثَّفَالَ الَّذِي هُوَ الْبَعِيرُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ. وَقَوْلُهُ: أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَذَكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ بِلَفْظِ: أَرْبَعُ الدَّنَانِيرِ وَقَالَ: سَقَطَتِ الْهَاءُ لَمَّا دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يَكُنِ الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ قِرَابَ جَابِرٍ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ بِقَافٍ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ: يَعْنِي: خَرِيطَتَهُ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قِرَابُ سَيْفِهِ، وَأَنَّ الْخَرِيطَةَ لَا يُقَالُ لَهَا قِرَابٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ جِرَابٌ، فَهُوَ الَّذِي حَمَلَ الدَّاوُدِيَّ عَلَى تَأْوِيلِهِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرَ الزِّيَادَةِ فِي قَوْلِهِ: وَزِدْهُ، فَاعْتَمَدَ بِلَالٌ عَلَى الْعُرْفِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى قِيرَاطٍ، فَلَوْ زَادَ مَثَلًا دِينَارًا لَتَنَاوَلَهُ مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ لَكِنَّ الْعُرْفَ يَأْبَاهُ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ يُنَازَعُ فِي ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَدْرُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَذِنَ فِي زِيَادَتِهِ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ الَّذِي زِيدَ عَلَيْهِ كَأَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَ مَنْ يَأْمُرُ لَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى كُلِّ دِينَارٍ رُبْعَ قِيرَاطٍ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ فِي ذَلِكَ بِالنَّصِّ لَا بِالْعُرْفِ. ٩ - بَاب وَكَالَةِ الْمَرْأَةِ الْإِمَامَ فِي النِّكَاحِ ٢٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ. [الحديث ٢٣١٠ - أطرافه في: ٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١، ٧٤١٧] قَوْلُهُ: (بَابُ وَكَالَةِ الْمَرْأَةِ الْإِمَامَ فِي النِّكَاحِ) أَيْ: تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ. وَالْإِمَامُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ اسْتَأْذَنَهَا وَلَا أَنَّهَا وَكَّلَتْهُ، وَإِنَّمَا زَوَّجَهَا الرَّجُلَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا: قَدْ وَهَبْتُ لَكَ نَفْسِي فَفَوَّضَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ الَّذِي خَطَبَهَا: زَوِّجْنِيهَا فَلَمْ تُنْكِرْ هِيَ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَمَرَّتْ عَلَى الرِّضَا، فَكَأَنَّهَا فَوَّضَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ لِيَتَزَوَّجَهَا أَوْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ رَأَى، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِنِّي وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي وَخَلَتْ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ لَفْظِ مِنْ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: قوْلُ الْفُقَهَاءِ وَهَبْتُ مِنْ فُلَانٍ كَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ مَرْدُودٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى زِيَادَتَهَا فِي الْإِثْبَاتِ مِنَ النُّحَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً، وَهُنَاكَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: طَيِّبَةً مَثَلًا. ١٠ - بَاب إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ

стр. 2777

٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَعل يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُن؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ. تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ. [الحديث ٢٣١١ - طرفه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حِفْظِهِ زَكَاةُ رَمَضَانَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَفْهُومُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إِذَا لَمْ يُجِزْ مَا فَعَلَهُ الْوَكِيلُ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ أَيْ: إِنْ أَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ أَيْضًا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُؤْتَمَنَ إِذَا أَقْرَضَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ. قَالَ: وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِطَرِيقِ أَنَّ الطَّعَامَ كَانَ مَجْمُوعًا لِلصَّدَقَةِ، وَكَانُوا يَجْمَعُونَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ، وَإِخْرَاجُهُ كَانَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا شَكَا السَّارِقُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ الْحَاجَةَ تَرَكَهُ، فَكَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ لَهُ إِلَى أَجَلٍ وَهُوَ وَقْتُ الْإِخْرَاجِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَمْهَلَهُ إِلَى أَنْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . كَذَا قَالَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ)، هَكَذَا أَوْرَدَ

стр. 2778

الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَأَعَادَهُ كَذَلِكَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ إِلَى عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ، وَذَكَرْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُنِيبٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَّامٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيِّ، وَهِلَالِ بْنِ بِشْرٍ الصَّوَّافِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: تِمْتَامٌ، وَأَقْرَبُهُمْ لِأَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَهُ عَنْهُ - إِنْ كَانَ مَا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ الْهَيْثَمِ - هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ، فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخِهِ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي جَزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَخْرَجَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرُّويَانِيُّ. قَوْلُهُ: (وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو) بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، يُقَالُ: حَثَا يَحْثُو وَحَثَى يَحْثِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ عَلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَوَجَدَ أَثَرَ كَفٍّ كَأَنَّهُ قَدْ أُخِذُ مِنْهُ. وَلِابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِذَا التَّمْرُ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ مِلْءُ كَفٍّ. قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُهُ). زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلًا، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ، فَقُلْ: سُبْحَانَ مَنْ سَخَّرَكَ لِمُحَمَّدٍ، قَالَ: فَقُلْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِهِ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ فَأَخَذْتُهُ. قَوْلُهُ: (لَأَرْفَعَنَّكَ) أَيْ: لَأَذْهَبَنَّ بِكَ أَشْكُوكَ، يُقَالُ: رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا أَحْضَرَهُ لِلشَّكْوَى. قَوْلُهُ: (إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أَيْ: نَفَقَةُ عِيَالٍ أَوْ عَلَيَّ بِمَعْنَى لِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ فُقَرَاءَ مِنَ الْجِنِّ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَلَا أَعُودُ. قَوْلُهُ: (وَلِي حَاجَةٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَبِي حَاجَةٌ. قَوْلُهُ: (فَرَصَدْتُهُ) أَيْ: رَقَبْتُهُ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: فَجَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: خَلِّ عَنِّي. قَوْلُهُ: (يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: إِذَا قُلْتَهُنَّ لَمْ يَقْرُبْكَ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى مِنَ الْجِنِّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا يَقْرُبُكَ مِنَ الْجِنِّ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ: مَا هُنَّ؟) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا هُوَ؟ أَيِ: الْكَلَامُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: قُلْتُ: وَمَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ. قَوْلُهُ: (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ. قَوْلُهُ: (آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَخَاتِمَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِهَا. وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: ضَمَّ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَمْرَ الصَّدَقَةِ، فَكُنْتُ أَجِدُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ نُقْصَانًا، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: هُوَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ فَارْصُدْهُ، فَرَصَدْتُهُ فَأَقْبَلَ فِي صُورَةِ فِيلٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ دَخَلَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَدَنَا مِنَ التَّمْرِ فَجَعَلَ يَلْتَقِمُهُ، فَشَدَدْتُ عَلَي ثِيَابِي فَتَوَسَّطْتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ الرُّويَانِيِّ: فَأَخَذْتُهُ فَالْتَفَّتْ يَدِي عَلَى وَسَطِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَثَبْتَ إِلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَخَذْتَهُ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ، لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَفْضَحُكَ. وَفِي رِوَايَةِ الرُّويَانِيِّ: مَا أَدْخَلَكَ بَيْتِي تَأْكُلُ التَّمْرَ؟ قَالَ: أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ، وَمَا أَتَيْتُكَ إِلَّا مِنْ نَصِيبِينَ، وَلَوْ أَصَبْتَ شَيْئًا دُونَهُ مَا أَتَيْتُكَ، وَلَقَدْ كُنَّا فِي مَدِينَتِكُمْ هَذِهِ حَتَّى بُعِثَ صَاحِبُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَتَانِ تَفَرَّقْنَا مِنْهَا، فَإِنْ خَلَّيْتَ سَبِيلِي عَلَّمْتُكَهُمَا. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآخِرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِهَا. قَوْلُهُ: (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمْ يَزَلْ، وَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَهُوَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ. قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ) أَيْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ

стр. 2779

اللَّهِ أَوْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْرَبُكَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ. قَوْلُهُ: (وَكَانُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ (أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، إِذِ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: وَكُنَّا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مَسُوقٌ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ حِرْصًا عَلَى تَعْلِيمِ مَا يَنْفَعُ. قَوْلُهُ: (صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ) فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: صَدَقَ الْخَبِيثُ وَهُوَ كَذُوبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مُذْ ثَلَاثٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مُنْذُ ثَلَاثٍ. قَوْلُهُ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، أَيْ: شَيْطَانٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَوَقَعَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذَّهَبِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا قِصَصٌ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُشْبِهُ قِصَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا قِصَّةَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جُرْنٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَعَاهَدُهُ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ، فَإِذَا هُوَ بِدَابَّةٍ شِبْهَ الْغُلَامِ الْمُحْتَلِمِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَجِنِّيٌّ أَمْ إِنْسِيٌّ؟ قَالَ: بَلْ جِنِّيٌّ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّكَ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ وَأَحْبَبْنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ: فَمَا الَّذِي يَجْبُرُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الآيةُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَ الْخَبِيثُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ - أَيْ: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ الصُّفَّةُ - فِيهَا تَمْرٌ، وَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَلَا غَيْرُهُ. الْحَدِيثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ تَمْرَ حَائِطِهِ جَعَلَهَا فِي غُرْفَةٍ، وَكَانَتِ الْغُولُ تُخَالِفُهُ فَتَسْرِقُ تَمْرَهُ وَتُفْسِدُهُ عَلَيْهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ سَوَاءٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَأَدُلُّكَ عَلَى آيَةٍ تَقْرَؤُهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يُخَالَفُ إِلَى أَهْلِكَ، وَتَقْرَؤُهَا عَلَى إِنَائِكَ فَلَا يُكْشَفُ غِطَاؤُهُ وَهِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ حَلَّتِ اسْتَهَا فَضَرَطَتْ، الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى حَائِطِهِ فَسَمِعَ جَلَبَةً فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنْ ثِمَارِكُمْ. قَالَ لَهُ: فَمَا الَّذِي يُعِيذُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذُوبٌ) مِنَ التَّتْمِيمِ الْبَلِيغِ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الصِّدْقَ، فَأَوْهَمَ لَهُ صِفَةَ الْمَدْحِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِصِفَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ كَذُوبٌ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَعْلَمُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ يَتَلَقَّاهَا الْفَاجِرُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَتُؤْخَذُ عَنْهُ فَيَنْتَفِعُ بِهَا، وَأَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَعْلَمُ الشَّيْءَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَصْدُقُ بِبَعْضِ مَا يَصْدُقُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا، وَبِأَنَّ الْكَذَّابَ قَدْ يَصْدُقُ، وَبِأَنَّ الشَّيْطَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكْذِبَ، وَأَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَتُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ أُقِيمَ فِي حِفْظِ شَيْءٍ سُمِّيَ وَكِيلًا، وَأَنَّ الْجِنَّ يَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِ الْإِنْسِ، وَأَنَّهُمْ يَظْهَرُونَ لِلْإِنْسِ لَكِنْ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ الْإِنْسِ، وَأَنَّهُمْ يَسْرِقُونَ وَيَخْدَعُونَ، وَفِيهِ فَضْلُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَفَضْلُ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَنَّ الْجِنَّ يُصِيبُونَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ السَّارِقَ لَا يُقْطَعُ فِي الْمَجَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمَسْرُوقُ لَمْ يَبْلُغِ النِّصَابَ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ لِلصَّحَابِيِّ الْعَفْوُ عَنْهُ قَبْلَ تَبْلِيغِهِ إِلَى الشَّارِعِ. وَفِيهِ قَبُولُ الْعُذْرِ وَالسَّتْرِ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الصِّدْقُ. وَفِيهِ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ جَمْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ

стр. 2780

وَتَوْكِيلِ الْبَعْضِ لِحِفْظِهَا وَتَفْرِقَتِهَا. ١١ - بَاب إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ ٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ -، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بهِ. قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ بَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَرُدَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لَمْ يَقَعْ فِيهِ الْأَمْرُ بِالرَّدِّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا، وَمَرَّةً وَقَعَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالرَّدِّ وَذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالْعِلْمِ بِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ، سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ عَامِلُ خَيْبَرَ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَالٌ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: كَانَ عِنْدِي تَمْرٌ دُونٌ، فَابْتَعْتُ مِنْهُ تَمْرًا أَجْوَدَ مِنْهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ، انْطَلِقْ فَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَخُذْ تَمْرَكَ وَبِعْهُ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ مِنْ هَذَا التَّمْرِ ثُمَّ جِئْنِي بِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَجَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ. وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ ابْنَ رَاهْوَيْهِ تَغَايُرُ السِّيَاقَيْنِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، فَهُنَا قَالَ إِسْحَاقُ:، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَمِنْ عَادَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْ مَشَايِخِهِ بِالْإِخْبَارِ لَا التَّحْدِيثِ. وَوَقَعَ هُنَا: عَنْ يَحْيَى، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَكَذَلِكَ وَقَعَتِ الْمُغَايَرَةُ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ بِالْمَعْنَى. قَوْلُهُ: (جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرِ بَرْنِيٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ مَعْرُوفٌ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ تَمْرَةٍ تُشْبِهُ الْبَرْنِيَّةَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ تَمَرَاتِكُمُ الْبَرْنِيُّ، يُذْهِبُ الدَّاءَ وَلَا دَاءَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (كَانَ عِنْدِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عِنْدَنَا. قَوْلُهُ: (رَدِيءٌ) بِالْهَمْزَةِ وَزْنَ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: (لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ بِالنُّونِ الْمَضْمُومَةِ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْعَيْنُ مَفْتُوحَةٌ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمِيمِ. قَوْلُهُ: (أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا)، كَذَا فِيهِ بِالتَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمُرَادُهُ بِعَيْنِ الرِّبَا نَفْسُهُ، وَقَوْلُهُ: أَوَّهْ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّوَجُّعِ وَهِيَ مُشَدَّدَةُ الْوَاوِ مَفْتُوحَةٌ، وَقَدْ تُكْسَرُ وَالْهَاءُ سَاكِنَةٌ، وَرُبَّمَا حَذَفُوهَا، وَيُقَالُ: بِسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ مَدَّ الْهَمْزَةِ بَدَلَ التَّشْدِيدِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا تَأَوَّهَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ، وَقَالَهُ إِمَّا لِلتَّأَلُّمِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ

стр. 2781

وَإِمَّا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ. قَوْلُهُ: (فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ). فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ، وَبَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الْمُرَادُ بِهِ التَّمْرُ الرَّدِيءُ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ يَعُودُ إِلَى التَّمْرِ، أَيْ: بِالتَّمْرِ الرَّدِيءِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: اشْتَرِ بِهِ تَمْرًا جَيِّدًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فَالْمُرَادُ بِالتَّمْرِ الْجَيِّدُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ اشْتَرِهِ لِلْجَيِّدِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْبَحْثُ عَمَّا يَسْتَرِيبُ بِهِ الشَّخْصُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ. وَفِيهِ النَّصُّ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ. وَاهْتِمَامُ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ وَتَعْلِيمُهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَإِرْشَادُهُ إِلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الْمُبَاحَاتِ وَغَيْرِهَا، وَاهْتِمَامُ التَّابِعِ بِأَمْرِ مَتْبُوعِهِ، وَانْتِقَاءُ الْجَيِّدِ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِهَا. وَفِيهِ أَنَّ صَفْقَةَ الرِّبَا لَا تَصِحُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ. ١٢ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ ٢٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ ﵁: لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ، يُهْدِي لِنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ) ذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ عُمَرَ فِي وَقْفِهِ مُخْتَصَرَةً غَيْرَ مَوْصُولَةٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ الْمَكِّيُّ. قَوْلُهُ: (فِي صَدَقَةِ عُمَرَ) أَيْ: فِي رِوَايَتِهِ لَهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ الْمِزِيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَيُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ أَيْ: غَيْرَ جَامِعٍ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُهْدِي مِنْهُ أَخَذًا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَنْ يُطْعِمَ صَدِيقَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا يُطْعِمُهُمْ مِنْ نَصِيبِهِ الَّذِي جَعَلَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَكَانَ يُوَفِّرُهُ لِيُهْدِيَ لِأَصْحَابِهِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: فِي صَدَقَةٍ عُمَرُ صَدَقَةٍ بِالتَّنْوِينِ وَعُمَرُ فَاعِلٌ، قَالَ: وَهُوَ بِصُورَةِ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّهُ يَعْنِي: - عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ - لَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ، قَالَ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالْإِضَافَةِ أَيْ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي وَقْفِ عُمَرَ ذَلِكَ، قَالَ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَمْرٍو بِالْوَاوِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْأَخِيرَةِ غَلَطٌ، وَقَوْلُهُ: صَدَقَةٍ بِالتَّنْوِينِ غَلَطٌ مَحْضٌ، وَصَدَقَةُ عُمَرَ بِالْإِضَافَةِ هِيَ الَّتِي عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ حَكَى عَنْ صَدَقَةِ عُمَرَ مَا ذَكَرَهُ وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى صَنِيعِ ابْنِ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ حَمَلَ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا فَهِمَهُ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ الْخَيْرُ مَوْصُولًا بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْمِزِيُّ فِي مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ: عَمْرُو بْنَ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا السَّنَدِ. قَوْلُهُ: (لِنَاسٍ) بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُمْ آلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَخَذَ عُمَرُ شَرْطَ وَقْفِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَالْمَعْرُوفُ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ. ١٣ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ ٢٣١٤، ٢٣١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ

стр. 2782

بْنِ خَالِدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. [الحديث ٢٣١٤ - أطرافه في: ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢١٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٣٨٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩] [الحديث ٢٣١٥ - أطرافه في: ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٥٢٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨] قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ). أَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ مُقْتَصِرًا مِنْهَا عَلَى قَوْلِهِ: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَّامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ - أَوْ ابْنِ النُّعَيْمَانِ - شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوه، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ. [الحديث ٢٣١٦ - طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥] قَوْلُهُ: (جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ) بِالتَّصْغِيرِ. قَوْلُهُ: (أَوِ ابْنِ النُّعْمَانِ)، هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةٍ: جِيءَ بِنُعْمَانَ أَوْ نُعَيْمَانَ فَشَكَّ هَلْ هُوَ بِالتَّكْبِيرِ أَوِ التَّصْغِيرِ، وَيَأْتِي مِثْلُهَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. وَفِي رِوَايَةِ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: جِئْتُ بِالنُّعَيْمَانِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الَّذِي أَحْضَرَ النُّعَيْمَانَ، وَأَنَّهُ النُّعَيْمَانُ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي النَّسَبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: النُّعَيْمَانُ يُصِيبُ الشَّرَابَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ، وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ قَيْسٍ السُّلَمِيِّ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ سَكْرَانَ يُقَالُ لَهُ: نُعَيْمَانُ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ النُّعَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيُّ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ مَزَّاحًا. قَوْلُهُ: (شَارِبًا) سَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ سَكْرَانُ. وَزَادَ فِيهِ: فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَمَّا لَمْ يَتَوَلَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِنَفْسِهِ، وَوَلَّاهُ غَيْرَهُ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَوْكِيلِهِ لَهُمْ فِي إِقَامَتِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ لَا يُسْتَأْنَى بِهِ الْإِفَاقَةُ كَحَدِّ الْحَامِلِ لِتَضَعَ الْحَمْلَ. ١٤ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا ٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي فَتْلِهَا الْقَلَائِدَ وَتَقْلِيدِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا بِيَدَيْهِ

стр. 2783

وَبَعَثِهِ إِيَّاهَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ، وَأَمَّا تَعَاهُدُهَا فَلَعَلَّهُ يُشِيرُ بِهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنْ مُبَاشَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهَا بِنَفْسِهِ حَتَّى قَلَّدَهَا بِيَدَيْهِ، فَمِنْ شَأْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَعْتَنِيَ بِمَا اعْتَنَى بِهِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ. ١٥ - بَاب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ ٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ رَوْحٌ عَنْ مَالِكٍ: رَابِحٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ) أَيْ: فَوَضَعَهُ حَيْثُ أَرَادَ جَازَ. فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ صَدَقَةِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهَا صَدَقَةُ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَا وَضَعَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ تَقْرِيرُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: ضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. قَوْلُهُ: (أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) مَضْبُوطٌ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ فِيهِ صِيغَةَ الْأَمْرِ، أَيِ: افْعَلْ ذَلِكَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، وَأَنَّ السِّيَاقَ يَأْبَاهُ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ) يَأْتِي مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَوْحٌ، عَنْ مَالِكٍ: رَابِحٌ) يَعْنِي: أَنَّ رُوحَ بْنَ عُبَادَةَ وَافَقَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وَرِوَايَتُهُ الْمَذْكُورَةُ أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ عَلَى الْأَقَارِبِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ ضَبْطُ بَيْرُحَاءَ، وَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٦ - بَاب وَكَالَةِ الْأَمِينِ فِي الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا ٢٣١٩ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ - وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا

стр. 2784

مُوَفَّرًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ. قَوْلُهُ: (بَابُ وَكَالَةِ الْأَمِينِ فِي الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي الْخَازِنِ الْأَمِينِ، وَقَدْ سَبَقَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى فِي أَوَّلِ الْإِجَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوَكَالَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قَتْلِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ، وَحَدِيثِ وَفْدِ هَوَازِنَ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي قِصَّةِ النُّعَيْمَانِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ سِتَّةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2785

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤١ - كِتَاب الحرث والْمُزَارَعَةِ ١ - بَاب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ ٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا من مُسْلِمٍ يغرس غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢] قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ - بَابُ فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، إِلَّا أَنَّهُمَا أَخَّرَا الْبَسْمَلَةَ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَرْثِ وَالْمُزَارَعَةِ وَفَضْلِ الزَّرْعِ إِلَخْ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَمِثْلُهُ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ إِلَّا أَنَّهُمَا حَذَفَا لَفْظَ: كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَلِلْمُسْتَمْلِي: كِتَابُ الْحَرْثِ وَقَدَّمَ الْحَمَوِيُّ الْبَسْمَلَةَ وَقَالَ: فِي الْحَرْثِ بَدَلَ كِتَابِ الْحَرْثِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ مِنْ جِهَةِ الِامْتِنَانِ بِهِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى إِبَاحَةِ الزَّرْعِ، وَأَنَّ مَنْ نَهَى عَنْهُ كَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ فَمَحَلُّهُ مَا إِذَا شَغَلَ الْحَرْثُ عَنِ الْحَرْبِ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَالْمُزَارَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّرْعِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهَا بَعْدَ أَبْوَابٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ إِلَخْ) أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ حَدَّثَهُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَلَمْ أَرَ فِي سِيَاقِهِمَا اخْتِلَافًا، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْهُمَا. قَوْلُهُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ) أَخْرَجَ الْكَافِرَ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنَ مَا أُكِلَ مِنْهُ يَكُونُ لَهُ صَدَقَةً، وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ، نَعَمْ مَا أُكِلَ مِنْ زَرْعِ الْكَافِرِ يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ بِذَلِكَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُرْزَقْ فِي الدُّنْيَا وَفَقَدَ الْعَافِيَةَ. قَوْلُهُ: (أَوْ يَزْرَعُ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّ الزَّرْعَ غَيْرُ الْغَرْسِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُسْلِمٌ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبَانُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وَالْبُخَارِيُّ لَا يُخَرِّجُ لَهُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا، وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا، وَنَظِيرُهُ عِنْدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّجُ لَهُ إِلَّا اسْتِشْهَادًا. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي الرِّقَاقِ. قَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ:، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ وَهِيَ: قَالَ لَنَا يَسْتَعْمِلُهَا الْبُخَارِيُّ - عَلَى مَا اسْتُقْرِئَ مِنْ كِتَابِهِ - فِي الِاسْتِشْهَادَاتِ غَالِبًا، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِي الْمَوْقُوفَاتِ. ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا إِسْنَادَ أَبَانَ وَلَمْ يَسُقْ مَتْنَهُ، لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ:

стр. 2786

إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَأَى نَخْلًا لِأُمِّ مُبَشِّرٍ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالُوا: مُسْلِمٌ، قَالَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ كَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَبَاقِيهِ: فَقَالَ: لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا بِلَفْظِ: سَبُعٌ بَدَلَ بَهِيمَةٍ، وَفِيهَا: إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً فِيهَا أَجْرٌ وَمِنْهَا أُمِّ مُبَشِّرٍ أَوْ أُمِّ مَعْبَدٍ عَلَى الشَّكِّ، وَفِي أُخْرَى أُمِّ مَعْبَدٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِي أُخْرَى امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهِيَ وَاحِدَةٌ لَهَا كُنْيَتَانِ وَقِيلَ: اسْمُهَا خُلَيْدَةُ، وَفِي أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ وَالْحَضُّ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ اتِّخَاذُ الضَّيْعَةِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا. وَفِيهِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَزَهِّدَةِ. وَحُمِلَ مَا وَرَدَ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا شَغَلَ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا الْحَدِيثَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَحَمْلَ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اتِّخَاذِهَا لِلْكَفَافِ أَوْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَتَحْصِيلِ ثَوَابِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ مَا دَامَ الْغَرْسُ أَوِ الزَّرْعُ مَأْكُولًا مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ زَارِعُهُ أَوْ غَارِسُهُ وَلَوِ انْتَقَلَ مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِمُتَعَاطِي الزَّرْعِ أَوِ الْغَرْسِ وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ ثُمَّ سَأَلَهَا عَمَّنْ غَرْسَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَكَّرَ مُسْلِمًا وَأَوْقَعَهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَزَادَ مِنْ الِاسْتِغْرَاقِيَّةَ وَعَمَّ الْحَيَوَانَ لِيَدُلَّ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَلَى أَنَّ أَيَّ مُسْلِمٍ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا يَعْمَلُ أَيَّ عَمَلٍ مِنَ الْمُبَاحِ يَنْتَفِعُ بِمَا عَمِلَهُ أَيُّ حَيَوَانٍ كَانَ؛ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَازُ نِسْبَةِ الزَّرْعِ إِلَى الْآدَمِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ حَدِيثٌ غَيْرُ قَوِيٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: حَرَثْتُ، أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَرْمِيَّ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ بِمِثْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرِ مَرْفُوعٍ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ أَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ كَانَ الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا، وَفِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بُعْدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٢ - بَاب مَا يُحَذَّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ - وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ - سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ. قَالَ محمد: وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) هَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ أَوْ تَجَاوَزَ وَلِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ جَاوَزَ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِّ مَا شُرِعَ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ) هُوَ الْحِمْصِيُّ يُكْنَى أَبَا يُوسُفَ وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي هَذَا الصَّحِيحِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ،

стр. 2787

وَالْأَلْهَانِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ شَامِيُّونَ وَكُلُّهُمْ حِمْصِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ. قَوْلُهُ: (سِكَّةً) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تُحْرَثُ بِهَا الْأَرْضُ. قَوْلُهُ: (إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ: إِلَّا أَدْخَلُوا عَلَى أَنْفُسَهُمْ ذُلًّا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ الَّتِي تُطَالِبُهُمْ بِهَا الْوُلَاةُ، وَكَانَ الْعَمَلُ فِي الْأَرَاضِي أَوَّلَ مَا افْتُتِحَتْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَانَ الصَّحَابَةُ يَكْرَهُونَ تَعَاطِيَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا مِنْ إِخْبَارِهِ ﷺ بِالْمُغَيَّبَاتِ، لِأَنَّ الْمُشَاهَدَ الْآنَ أَنَّ أَكْثَرَ الظُّلْمِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْثِ. وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَالْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ مِنَ الذَّمِّ عَلَى عَاقِبَةِ ذَلِكَ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ فَضَيَّعَ بِسَبَبِهِ مَا أُمِرَ بِحِفْظِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُضَيِّعْ إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ فِيهِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَ أَبِي أُمَامَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا مَنْ لَهُ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَ لَهُ وَأَدْخَلَ دَارَهُ الْآلَةَ الْمَذْكُورَةَ لِتُحْفَظَ لَهُمْ فَلَيْسَ مُرَادًا، وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الذُّلَّ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَسْتَلْزِمُ مُطَالَبَةَ آخَرَ لَهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُطَالِبُ مِنَ الْوُلَاةِ. وَعَنِ الدَّاوُدِيِّ هَذَا لِمَنْ يَقْرُبُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْحَرْثِ لَا يَشْتَغِلُ بِالْفُرُوسِيَّةِ فَيَتَأَسَّدُ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، فَحَقُّهُمْ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِالْفُرُوسِيَّةِ وَعَلَى غَيْرِهِمْ إِمْدَادُهُمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ إِلَخْ) كَذَا وَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْدَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ لِأَبِي أُمَامَةَ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثٍ آخَرَ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الْجِهَادِ مِنْ قَوْلِهِ يَدْخُلُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣ - بَاب اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ ٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : من أمسك كَلْبًا فإنه يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ. [الحديث ٢٣٢٢ - طرفه في: ٣٣٢٤] ٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ - رَجُلً مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ" [الحديث ٢٣٢٣ - طرفه في: ٣٣٢٥] قَوْلُهُ: (بَابُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ) الِاقْتِنَاءُ بِالْقَافِ افْتِعَالٌ مِنَ الْقِنْيَةِ بِالْكَسْرِ وَهِيَ الِاتِّخَاذُ؛ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ

стр. 2788

الْبُخَارِيُّ إِبَاحَةَ الْحَرْثِ بِدَلِيلِ إِبَاحَةِ اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ الْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهَا لِأَجْلِ الْحَرْثِ، فَإِذَا رُخِّصَ مِنْ أَجْلِ الْحَرْثِ فِي الْمَمْنُوعِ مِنِ اتِّخَاذِهِ كَانَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ثَانِيَ حَدِيثَيِ الْبَابِ مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ، وَمُفَسِّرٌ لِلْإِمْسَاكِ الَّذِي هُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ كَلْبَ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَلَا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ، فَأَمَّا زِيَادَةُ الزَّرْعِ فَقَدْ أَنْكَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ. فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى تَثْبِيتِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَّ سَبَبَ حِفْظِهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دُونَهُ أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ دُونَهُ، وَمَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ احْتَاجَ إِلَى تَعَرُّفِ أَحْكَامِهِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا الْحَدِيثَ، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ، وَأَصْلُهُ لِلْبُخَارِيِّ فِي الصَّيْدِ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الزَّرْعِ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ كَمَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ أَوَّلُهُ: أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ. قَوْلُهُ: (أَوْ مَاشِيَةٍ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ)، أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ فَوَصَلَهَا أَبُو الشَّيْخِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطًا، لَمْ يَقُلْ سُهَيْلٌ: أَوْ حَرْثٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ) وَصَلَهَا أَبُو الشَّيْخِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ رَبَطُوا كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ اتِّخَاذُهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ قِيَاسًا، فَتَمَحَضَّ كَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ وَامْتِنَاعِ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلْبَيْتِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. وَفِي قَوْلِهِ: نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ - أَيْ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ - مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا امْتَنَعَ اتِّخَاذُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ نَقَصَ الْأَجْرُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ. قَالَ: وَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَبَّدَ بِهَا فِي الْكِلَابِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا لَا يَكَادُ يَقُومُ بِهَا الْمُكَلَّفُ وَلَا يَتَحَفَّظُ مِنْهَا فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتِّخَاذِهَا مَا يَنْقُصُ أَجْرَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورَ سَأَلَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ الْمَنْصُورُ: لِأَنَّهُ يَنْبَحُ الضَّيْفَ، وَيُرَوِّعُ السَّائِلَ اهـ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّخَاذُ حَرَامًا، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْمَ

стр. 2789

الْحَاصِلَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِي قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرٍ فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخِذِ قَدْرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ بِاتِّخَاذِهِ وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ، وَقِيلَ سَبَبُ النُّقْصَانِ امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ أَوْ مَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ لِأَنَّ بَعْضَهَا شَيَاطِينُ، أَوْ عُقُوبَةٌ لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ، أَوْ لِوُلُوغِهَا فِي الْأَوَانِي عِنْدَ غَفْلَةِ صَاحِبِهَا فَرُبَّمَا يَتَنَجَّسُ الطَّاهِرُ مِنْهَا، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الطَّاهِرِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ لَكَانَ عَمَلُهُ كَامِلًا، فَإِذَا اقْتَنَاهُ نَقَص مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عَمَلٍ مَضَى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَلُهُ فِي الْكَمَالِ عَمَلَ مَنْ لَمْ يَتَّخِذْهُ اهـ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ مُنَازَعٌ فِيهِ، فَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ اخْتِلَافًا فِي الْأَجْرِ هَلْ يَنْقُصُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَاضِي أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَفِي مُحَصَّلِ نُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ فَقِيلَ: مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ قِيرَاطٌ وَمِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ آخَرُ، وَقِيلَ: مِنَ الْفَرْضِ قِيرَاطٌ وَمِنَ النَّفْلِ آخَرُ، وَفِي سَبَبِ النُّقْصَانِ يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقِيرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاطِ فَقِيلَ: الْحُكْمُ الزَّائِدُ لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرُ أَوْ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِنَقْصِ قِيرَاطٍ وَاحِدٍ فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّلُ ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ زيادة فِي التَّأْكِيدِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الثَّانِي. وَقِيلَ: يَنْزِلُ عَلَى حَالَيْنِ: فَنُقْصَانُ الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَضْرَارِ بِاتِّخَاذِهَا، وَنَقْصُ الْقِيرَاطِ بِاعْتِبَارِ قِلَّتِهِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ نَقْصُ الْقِيرَاطَيْنِ بِمَنِ اتَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خَاصَّةً وَالْقِيرَاطِ بِمَا عَدَاهَا، وَقِيلَ: يَلْتَحِقُ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَيَخْتَصُّ الْقِيرَاطُ بِأَهْلِ الْبَوَادِي، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّأَذِّي وَقِلَّتِهِ. وَكَذَا مَنْ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَابِ: فَفِيمَا لَابَسَهُ آدَمِيٌّ قِيرَاطَانِ وَفِيمَا دُونَهُ قِيرَاطٌ. وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَكُونَ الْقِيرَاطُ الَّذِي يَنْقُصُ أَجْرَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَوَاتِ الْأَكْبَادِ الرَّطْبَةِ أَوِ الْحَرَّى، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا؟ فَقِيلَ: بِالتَّسْوِيَةِ، وَقِيلَ: اللَّذَانِ فِي الْجِنَازَةِ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ، وَاللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ وَبَابُ الْفَضْلِ أَوْسَعُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْأَصَحُّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِحِفْظِ الدَّرْبِ إِلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ فِي اتِّخَاذِهِ مَا لَمْ يَحْصُلِ الِاتِّفَاقُ عَلَى قَتْلِهِ وَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَقُورِ فَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مُطْلَقًا أَمْ لَا؟ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَرْبِيَةِ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَيْهَا إِذَا كَبِرَ، وَيَكُونُ الْقَصْدُ لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْحَالِ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْمَآلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ الْجَائِزِ اتِّخَاذُهُ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَتِهِ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَالْإِذْنُ فِي اتِّخَاذِهِ إِذْنٌ فِي مُكَمِّلَاتِ مَقْصُودِهِ، كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لَوَازِمِهِ مُنَاسِبٌ لِلْمَنْعِ مِنْهُ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ لَا يُعَارِضُهُ إِلَّا عُمُومُ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ مِنْ غَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيلُ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا يَنْقُصُهَا، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَسْبَابِ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا لِتُجْتَنَبَ أَوْ تُرْتَكَبَ، وَبَيَانُ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي إِبَاحَةِ مَا لَهُمْ بِهِ نَفْعٌ، وَتَبْلِيغُ نَبِيِّهِمْ ﷺ لَهُمْ أُمُورَ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَفِيهِ تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ لِوُقُوعِ اسْتِثْنَاءِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِمَّا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ) بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْفَاءِ مُصَغَّرٌ، وَ (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ مَشْهُورٌ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ بِالْأَصَالَةِ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً، وَفِيهِ رِوَايَةُ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ نُسِبُوا إِلَى شَنُوءَةَ وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ

стр. 2790

الْأَزْدِ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا) فِيهِ التَّثَبُّتُ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ: (إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ) الْقَسَمُ لِلتَّوْكِيدِ وَإِنْ كَانَ السَّامِعُ مُصَدِّقًا. ٤ - بَاب اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ ٢٣٢٤ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ. قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ. وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ. [الحديث ٢٣٢٤ - أطرافه في: ٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠] قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِ الْبَقَرَةِ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَنَاقِبِ فَإِنَّ سِيَاقَهُ هُنَاكَ أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِهِ هُنَا، وَفِيهِ سَبَبُ قَوْلِهِ ﷺ : آمَنْتُ بِذَلِكَ، وَهُوَ حَيْثُ تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَأْتِي هُنَاكَ أَيْضًا الْكَلَامُ عن اخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ السَّبُعِ وَهَلْ هِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَوْ إِسْكَانِهَا وَمَا مَعْنَاهَا؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ أَكْلَ الْخَيْلِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِتَرْكَبُوهَا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى مَنْعِ أَكْلِهَا لَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى مَنْعِ أَكْلِ الْبَقَرِ، لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ أَكْلِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جِهَةِ الِامْتِنَانِ فِي قَوْلِهِ: لِتَرْكَبُوهَا، وَالْمُسْتَفَادِ مِنْ صِيغَةِ إِنَّمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ: عُمُومٌ مَخْصُوصٌ. ٥ - بَاب إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مؤونة النَّخْلِ وَغَيْرِهِ وَتُشْرِكُنِي فِي الثَّمَرِ ٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا الْمؤنَةَ وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. [الحديث ٢٣٢٥ - طرفاه في: ٢٧١٩، ٣٧٨٢] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَؤونة النَّخْلِ وَغَيْرِهِ) أَيْ كَالْعِنَبِ (وَتُشْرِكُنِي فِي الثَّمَرِ) أَيْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَنَا، وَيَجُوزُ فِي تُشْرِكُنِي فَتْحُ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَنَشْرَكَكُمْ فَإِنَّهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ حَسْبُ. قَوْلُهُ: (قَالَتِ الْأَنْصَارُ) أَيْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ قَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ وَيَكْفُوهُمُ المؤنة وَالْعَمَلَ. الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (النَّخِيلَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ النَّخْلَ وَالنَّخِيلَ جَمْعُ نَخْلٍ كَالْعَبِيدِ جَمْعُ عَبْدٍ وَهُوَ جَمْعٌ نَادِرٌ. قَوْلُهُ: (المؤنة) أَيِ الْعَمَلَ فِي الْبَسَاتِينِ مِنْ سَقْيِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا، قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لَا لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْفُتُوحَ سَتُفْتَحُ عَلَيْهِمْ فَكَرِهَ

стр. 2791

أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْ عَقَارِ الْأَنْصَارِ عَنْهُمْ، فَلَمَّا فَهِمَ الْأَنْصَارُ ذَلِكَ جَمَعُوا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَعْجِيلِ مُوَاسَاةِ إِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُسَاعِدُوهُمْ فِي الْعَمَلِ وَيُشْرِكُوهُمْ فِي الثَّمَرِ. قَالَ: وَهَذِهِ هِيَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا مَلَكُوا مِنَ الْأَنْصَارِ نَصِيبًا مِنَ الْأَرْضِ وَالْمَالِ بِاشْتِرَاطِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِ مُوَاسَاةَ الْمُهَاجِرِينَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، قَالَ: فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُسَاقَاةِ فِي شَيْءٍ، وَمَا ادَّعَاهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ دَلِيلًا ; وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اشْتِرَاطِ الْمُوَاسَاةِ ثُبُوتُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِسُؤَالِهِمْ لِذَلِكَ وَرَدِّهِ عَلَيْهِمْ مَعْنًى، وَهَذَا وَاضِحٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. ٦ - بَاب قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ. لهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ [الحديث ٢٣٢٦ - أطرافه في: ٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤] قَوْلُهُ: (بَابُ قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ) أَيْ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ إِذَا تَعَيَّنَتْ طَرِيقًا فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ قَطْعُ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ أَصْلًا، وَحَمَلُوا مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِمَّا عَلَى غَيْرِ الْمُثْمِرِ وَإِمَّا عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ الَّذِي قُطِعَ فِي قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْقِتَالُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ شَاهِدٌ لِلْجَوَازِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَحْرِيقِ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُوَ شَاهِدٌ لِلْجَوَازِ لِأَجْلِ نِكَايَةِ الْعَدُوِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَفِي كِتَابِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ. وَ (الْبُوَيْرَةُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ، وَ (سَرَاةِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَ (مُسْتَطِيرُ) أَيْ مُنْتَشِرٌ. وَأَوْرَدَ الْقَابِسِيُّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ مَخْرُومًا بِحَذْفِ الْوَاوِ مِنْ أَوَّلِهِ. ٧ - باب ٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ، وَقَدِ اسْتَنْكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ دُخُولَهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ: وَسَأَلْتُ الْمُهَلَّبَ عَنْهُ فَقَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَنِ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَ فِيهَا وَيَغْرِسَ فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ: اقْلَعْ شَجَرَكَ عَنْ أَرْضِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ فِي

стр. 2792

إِبَاحَةِ قَطْعِ الشَّجَرِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ غَرَضَهُ الْإِشَارَةُ بِهِ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ الْجَائِزَ هُوَ الْمُسَيَّبُ لِلْمَصْلَحَةِ كَنِكَايَةِ الْكُفَّارِ أَوْ الِانْتِفَاعِ بِالْخَشَبِ أَوْ نَحْوِهِ، وَالْمُنْكَرَ هُوَ الَّذِي عَنِ الْعَبَثِ وَالْإِفْسَادِ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنِ الْمُخَاطَرَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ إِبْقَاءً عَلَى مَنْفَعَتِهَا مِنَ الضَّيَاعِ مَجَّانًا فِي عَوَاقِبِ الْمُخَاطَرَةِ، فَإِذَا كَانَ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيعِ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ وَلَا مُشَخَّصَةٍ فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ تَضْيِيعِ عَيْنِهَا بِقَطْعِ أَشْجَارِهَا عَبَثًا أَجْدَرُ وَأَوْلَى. قَوْلُهُ: (نُكْرِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَقَوْلُهُ: (لِسَيِّدِ الْأَرْضِ) أَيْ مَالِكُهَا. وَقَوْلُهُ: (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) ذَكَرَهُ عَلَى إِرَادَةِ الْبَعْضِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الزَّرْعِ. وَقَوْلُهُ: (فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمِ الْأَرْضُ وَمِمَّا يُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَمَهْمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَمَعْنَاهُ فَكَثِيرًا مَا يُصَابُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ. وَزَادَ الْكَرْمَانِيُّ هُنَا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا بِمَعْنَى رُبَّمَا لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ وَلَا سِيَّمَا مِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ تُنَاسِبُ رُبَّ التَّقْلِيلِيَّةَ، وَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ لَفْظَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ. قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْفِضَّةُ بَدَلَ الْوَرِقِ. وَقَوْلُهُ: (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) أَيْ يُكْرَى بِهِما، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ وُجُودِهِمَا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٨ - بَاب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكرى الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. ٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ. ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ. وقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنْ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ؟ فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ.

стр. 2793

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ) رَاعَى الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الشَّطْرِ لِوُرُودِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَأَلْحَقَ غَيْرَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْلَا مُرَاعَاةُ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَكَانَ قَوْلُهُ: الْمُزَارَعَةُ بِالْجُزْءِ أَخْصَرَ وَأَبْيَنَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَاقِرُ. قَوْلُهُ: (مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى الْفِعْلِ لَا عَلَى الْمَجْرُورِ، أَيْ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَيَزْرَعُونَ عَلَى الرُّبُعِ، أَوِ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ بِهِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الْقَابِسِيَّ أَنْكَرَ هَذَا وَقَالَ: كَيْفَ يَرْوِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَيْسٌ كُوفِيٌّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مَدَنِيٌّ وَلَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحَدٌ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ؟ وَهُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَكَمْ مِنْ ثِقَةٍ تَفَرَّدَ بِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ ثِقَةٌ آخَرُ، وَإِذَا كَانَ الثِّقَةُ حَافِظًا لَمْ يَضُرُّهُ الِانْفِرَادُ. وَالْوَاقِعُ أَنَّ قَيْسًا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ فِي بَعْضِ مَعْنَاهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. ثُمَّ حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الْقَابِسِيِّ أَغْرَبَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْآثَارَ فِي هَذَا الْبَابِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْجُزْءِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ آخِرِ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُعْتَمَدُ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ بِسِيَاقِ هَذِهِ الْآثَارِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ خِلَافٌ فِي الْجَوَازِ خُصُوصًا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَيَلْزَمُ مَنْ يُقَدِّمُ عَمَلَهُمْ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمَرْفُوعَةِ أَنْ يَقُولُوا بِالْجَوَازِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ. قَوْلُهُ: (وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ)، أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو ابْنِ صُلَيْعٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعْدِ ومَالِكٍ - وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - فَوَصَلَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: كَانَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يُزَارَعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْطَعَ خَمْسَةً مِنَ الصَّحَابَةِ الزُّبَيْرَ، وَسَعْدًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَخَبَّابًا، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ جَارَيَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَسَعْدًا يُعْطِيَانِ أَرْضَيْهِمَا بِالثُّلُثِ. وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ أَنْ يُزَارِعَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَرُوِّينَا فِي الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ: انْظُرْ مَا قِبَلَكُمْ مِنْ أَرْضٍ فَأَعْطُوهَا بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ وَإِلَّا فَعَلَى الثُّلُثِ حَتَّى تَبْلُغَ الْعُشْرَ. فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا أَحَدٌ فَامْنَحْهَا، وَإِلَّا فَأَنْفِقْ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُبِيرَنَّ قِبَلَكَ أَرْضًا. وَأَمَّا أَثَرُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامًا يُحَدِّثُ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لِيَسْأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: اعْمَلْ فِي حَائِطِي هَذَا وَلَكَ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ، قَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مَا يُصْنَعُ فِي الْأَرْضِ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - يَقُولُ: الْأَرْضُ عِنْدِي مِثْلُ الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَمَا صَلَحَ فِي الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ صَلَحَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَمْ يَصْلُحْ فِي الْمَالِ الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَصْلُحْ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ إِلَى الْأَكَّارِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَأَعْوَانِهِ وَبَقَرِهِ وَلَا يُنْفِقَ شَيْئًا وَتَكُونَ النَّفَقَةُ كُلُّهَا مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ. وَأَمَّا أَثَرُ عُرْوَةَ وَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ: إِنِّي إِنْ نَظَرْتُ فِي آلِ أَبِي بَكْرٍ وَآلِ عُمَرَ وَآلِ عَلِيٍّ وَجَدْتُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ سِيرِينَ فَتَقَدَّمَ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ

стр. 2794

مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ طَائِفَةً مِنْ زَرْعِهِ أَوْ حَرْثِهِ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَتَهَا وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزَادَ فِيهِ: وَأَحْمِلُهُ إِلَى عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، فَلَوْ رَأَيَا بِهِ بَأْسًا لَنَهَيَانِي عَنْهُ وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ عَمَّايَ يُزَارِعَانِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَنَا شَرِيكُهُمَا، وَعَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ يَعْلَمَانِ فَلَا يُغَيِّرَانِ. قَوْلُهُ: (وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَاشْتَرَى بَيَاضَ أَرْضِهِمْ وَكُرُومَهُمْ، فَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ إِنْ هُمْ جَاءُوا بِالْبَقَرِ وَالْحَدِيدِ مِنْ عِنْدِهِمْ فَلَهُمُ الثُّلُثَانِ وَلِعُمَرَ الثُّلُثُ، وَإِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَعَامَلَهُمْ فِي النَّخْلِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْخُمُسَ وَلَهُ الْبَاقِيَ، وَعَامَلَهُمْ فِي الْكَرْمِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الثُّلُثَ وَلَهُ الثُّلُثَانِ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ وَأَهْلَ فَدَكَ وَتَيْمَاءَ وَأَهْلَ خَيْبَرَ، وَاشْتَرَى عَقَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ فَأَعْطَى الْبَيَاضَ - يَعْنِي بَيَاضَ الْأَرْضِ - عَلَى إِنْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ وَالْحَدِيدُ مِنْ عُمَرَ فَلَهُمُ الثُّلُثُ وَلِعُمَرَ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَلَهُمُ الشَّطْرُ وَلَهُ الشَّطْرُ، وَأَعْطَى النَّخْلَ وَالْعِنَبَ عَلَى أَنَّ لِعُمَرَ الثُّلُثَيْنِ وَلَهُمُ الثُّلُثُ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا فَيَتَقَوَّى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمُ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ أَبْهَمَ الْمِقْدَارَ بِقَوْلِهِ: فَلَهُمْ كَذَا لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ أَنَّ عُمَرَ أَجَازَ الْمُعَامَلَةَ بِالْجُزْءِ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الصَّنِيعُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ التَّنْوِيعُ وَالتَّخْيِيرُ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ جَعَالَةً فَلَا يَضُرُّهُ. نَعَمْ فِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْأَثَرَ وَغَيْرَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُخَابَرَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْمَعْنَى: فَالْمُزَارَعَةُ الْعَمَلُ فِي الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ، وَالْمُخَابَرَةُ مِثْلُهَا لَكِنِ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَقَدْ أَجَازَهُمَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ، وَعَكْسُهُ الْجُورِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا يَجُوزُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَحَمَلُوا الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيَنْتَفِعَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ). أَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِنَحْوِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْحَسَنِ فِي الْقُطْنِ يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ، وَأَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: مَا جَنَيْتُ فَلَكَ نِصْفُهُ، وَمَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ. أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ أَرَادَ أَنَّهُ جَعَالَةً. قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَكَمُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أَيْ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى لِلنَّسَّاجِ الْغَزْلُ بِنَسْجِهِ وَيَكُونَ ثُلُثُ الْمَنْسُوجِ لَهُ وَالْبَاقِي لِمَالِكِ الْغَزْلِ، وَأَطْلَقَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَوَّاكِ يُعْطَى الثَّوْبَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ سَأَلَتُ مُحَمَّدًا هُوَ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى النَّسَّاجِ الثَّوْبَ

стр. 2795

بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ أَوْ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا. وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَكَمِ فَوَصَلَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ بِالثُّلُثِ. وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْفَعَ الثَّوْبَ إِلَى النَّسَّاجِ بِالثُّلُثِ: قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِهَذَا. قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ. قَوْلُهُ: (بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُخَابَرَةَ لِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَجَمِيعِ الشَّجَرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الثَّمَرَةِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ، وَأُلْحِقَ الْمُقِلُّ بِالنَّخْلِ لِشَبَهِهِ بِهِ. وَخَصَّهُ دَاوُدُ بِالنَّخْلِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ بِحَالٍ لِأَنَّهَا إِجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ مَعْدُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ، وَأَجَابَ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ فَهُوَ كَالْمُضَارَبَةِ، لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَعْمَلُ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ وَهُوَ مَعْدُومٌ وَمَجْهُولٌ، وَقَدْ صَحَّ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ فَكَذَلِكَ هُنَا. وَأَيْضًا فَالْقِيَاسُ فِي إِبْطَالِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ مَرْدُودٌ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ قِصَّةِ خَيْبَرَ بِأَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُمْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطُوا نِصْفَ الثَّمَرَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ بِحَقِّ الْجِزْيَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعْظَمَ خَيْبَرَ فُتِحَ عَنْوَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي، وَبِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قُسِّمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَبِأَنَّ عُمَرَ أَجْلَاهُمْ مِنْهَا. فَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ مِلْكَهُمْ مَا أَجْلَاهُمْ عَنْهَا. وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَهُ فِي جَمِيعِ الثَّمَرِ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ نَخْلٍ وَشَجَرٍ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الشَّطْرُ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَنَخْلٍ وَشَجَرٍ وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِجَوَازِ الْمُسَاقَاةِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَا مَجْهُولٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الْبَذْرِ مِنَ الْعَامِلِ أَوِ الْمَالِكِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ فِي الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْعَامِلَ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ بَاعَ الْبَذْرَ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِمَجْهُولٍ مِنَ الطَّعَامِ نَسِيئَةً وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا. قَوْلُهُ: (فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ: ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ وَعِشْرُونَ وَسْقِ شَعِيرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْعِ، وَالتَّقْدِيرُ مِنْهَا ثَمَانُونَ وَمِنْهَا عِشْرُونَ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ثَمَانِينَ وَعِشْرِينَ عَلَى الْبَدَلِ، وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي فَهُوَ صَدَقَةٌ وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَسَمَ عُمَرُ) أَيْ خَيْبَرَ، صَرَّحَ بِذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٩ - بَاب إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ ٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ.

стр. 2796

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يَشْرِطِ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ. قَوْلُهُ: إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ لَيْسَ بِوَاضِحٍ مِنَ الحبر الَّذِي سَاقَهُ. كَذَا قَالَ، وَوَجْهُ مَا تَرْجَمَ بِهِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مُقَيَّدًا بِسِنِينَ مَعْلُومَةٍ. وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ إِذَا قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : نُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا، هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ النَّخْلِ مُسَاقَاةً وَالْأَرْضِ مُزَارَعَةً مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سِنِينَ مَعْلُومَةٍ فَيَكُونُ لِلْمَالِكِ أَنْ يُخْرِجَ الْعَامِلَ مَتَى شَاءَ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ مَنْ أَجَازَ الْمُخَابَرَةَ وَالْمُزَارَعَةَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا أُطْلِقَا حُمِلَ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ: إِذَا قَالَ سَاقَيْتُكَ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا جَازَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَمَدًا وَحَمَلَ قِصَّةَ خيير عَلَى ذَلِكَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَرْيَ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ. ١٠ - باب ٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قَالَ: أَيْ عَمْرُو، إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأعينهمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا. [الحديث ٢٣٣٠ - طرفاه في: ٢٣٤٢، ٢٦٣٤] قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَوَازِ أَخْذِ أُجْرَةِ الْأَرْضِ. وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مَعْلُومًا فَجَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (لَوْ تَرَكْتُ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ). أَمَّا الْمُخَابَرَةُ فَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا قَبْلُ بِبَابٍ، وَإِدْخَالُ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُخَابَرَةَ بِمَعْنًى، قَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِلَفْظِ لَوْ تَرَكْتُ الْمُزَارَعَةَ وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ اللُّغَوِيِّ: إِنَّ أَصْلَ الْمُخَابَرَةِ مُعَامَلَةُ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَاسْتُعْمِلَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ إِذَا قِيلَ خَابَرَهُمْ عُرِفَ أَنَّهُ عَامَلَهُمْ نَظِيرَ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ. وَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، لِطَاوُسٍ: يَزْعُمُونَ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ يَكْرَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَأْسًا، فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَاسْمَعْ حَدِيثَهُ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ لَمْ أَفْعَلْهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَخَذْتُ بِيَدِ طَاوُسٍ فَأَدْخَلْتُهُ إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَحَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَأَبَى طَاوُسٌ وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَأَمَّا قَوْلُهُ لَوْ تَرَكْتُ الْمُخَابَرَةَ فَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي. قَوْلُهُ: (وَأُعِينُهُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ مِنَ الْإِعَانَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَأُغْنِيهِمْ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ مِنَ الْغِنَى، وَالْأَوَّلُ

стр. 2797

هُوَ الصَّوَابُ (١) وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَنْهَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ إِعْطَاءِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ نَفْيَ الرِّوَايَةِ الْمُثْبِتَةِ لِلنَّهْيِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، لَكِنْ قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَرِّمِ الْمُزَارَعَةَ وَهِيَ تُقَوِّي مَا أَوَّلْتُهُ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَمْنَحَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ عَلَى أَنَّهَا تَعْلِيلِيَّةٌ، وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةُ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَقَوْلُهُ: خَرْجًا أَيْ أُجْرَةً، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ طَاوُسٍ: وَأَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَقَرَّ النَّاسَ عَلَيْهَا عِنْدَنَا يَعْنِي بِالْيَمَنِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ الِانْقِطَاعِ بَيْنَ طَاوُسٍ، وَمُعَاذٍ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١١ - بَاب الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْيَهُودِ ٢٣٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يخرج مِنْهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْيَهُودِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ قَبْلُ بِبَابٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَأَرَادَ بِهَذَا الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ. ١٢ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْمُزَارَعَةِ ٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى، سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ . قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الْمُزَارَعَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى حَمْلِ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا إِذَا تَضَمَّنَ الْعَقْدُ شَرْطًا فِيهِ جَهَالَةٌ أَوْ يُؤَدِّي إِلَى غَرَرٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: حَقْلًا هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ، وَأَصْلُ الْحَقْلِ الْقَرَاحُ الطَّيِّبُ، وَقِيلَ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ وَرَقُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْلُظَ سُوقُهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الزَّرْعِ، وَاشْتُقَّ مِنْهُ الْمُحَاقَلَةُ فَأُطْلِقَتْ عَلَى الْمُزَارَعَةِ. وَقَوْلُهُ: ذِهْ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الْقِطْعَةِ.

стр. 2798

١٣ - بَاب إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ ٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ. وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ ولم آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ فَرَأَوْا السَّمَاءَ. وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ عَلَيَّ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً، فَفَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا ورعاتها، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ. فَأَخَذَهُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللَّهُ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ: فَسَعَيْتُ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ) أَيْ لِمَنْ يَكُونُ الزَّرْعُ؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْغَارُ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي شَرْحِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى الْأَجِيرِ - حَقَّهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعْهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرُعَاتِهَا فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ عَيَّنَ لَهُ أُجْرَتَهُ فَلَمَّا تَرَكَهَا بَعْدَ أَنْ تَعَيَّنَتْ لَهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِعَيْنِهَا صَارَتْ مِنْ ضَمَانِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ قَدْ عَيَّنَ لَهُ حَقَّهُ وَمَكَّنَهُ مِنْهُ فَبَرِئَتْ ذِمَّتَهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا تَرَكَهُ وَضَعَ الْمُسْتَأْجِرُ يَدَهُ عَلَيْهِ وَضْعًا مُسْتَأْنَفًا ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ بِطَرِيقِ الْإِصْلَاحِ لَا بِطَرِيقِ التَّضْيِيعِ فَاغْتُفِرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَدَّ تَعَدِّيًا، وَلِذَلِكَ تَوَسَّلَ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِهِ، وَأُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ وَوَقَعَتْ لَهُ الْإِجَابَةُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ هَلَكَ الْفَرْقُ لَكَانَ ضَامِنًا لَهُ إِذْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَمَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ إِنَّمَا هُوَ خَلَاصُ الزَّارِعِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِهَذَا الْقَصْدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رَفْعُ الضَّمَانِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تَوَسُّلَهُ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ أَعْطَى الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ مُضَاعَفًا لَا بِتَصَرُّفِهِ، كَمَا أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ رِجْلَيِ الْمَرْأَةِ

стр. 2799

مَعْصِيَةٌ، لَكِنَّ التَّوَسُّلَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِتَرْكِ الزِّنَا وَالْمُسَامَحَةِ بِالْمَالِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ عَنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ فِي تَرْجَمَةِ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَرَقِ أَرُزٍّ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ بِلَفْظِ: فَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْفَرَقَ كَانَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ وَأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا حَبَّيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ أُطْلِقَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَقَوْلُهُ: فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي رِوَايَةٍ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَبَتْ عَلَيَّ. قَوْلُهُ: (فَبَغَيْتُ) بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طَلَبْتُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ. وَقَوْلُهُ: (فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَائِمَيْنِ. وَقَوْلُهُ: وَرُعَاتِهَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَرَاعِيهَا عَلَى الْإِفْرَادِ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي كَلَامِ الْأَوَّلِ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ وَالثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهَا وَالثَّالِثُ إِنِّي وَهُوَ مِنَ التَّفَنُّنِ، وَالْهَاءُ فِي الْأَوَّلِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَفِي الثَّانِي لِلْقِصَّةِ، وَنَاسَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَّةَ فِي امْرَأَةٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ فَسَعَيْتُ) يَعْنِي أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ كَمَا رَوَاهُ عَمُّهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَبَغَيْتُ فَقَالَهَا: فَسَعَيْتُ بِالسِّينِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ هَذَا وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابِ إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ وَفِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَالَ الْجَيَّانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ عُقْبَةَ وَهُوَ وَهَمٌ وَالصَّوَابُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُقْبَةَ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ابْنِ أَخِي مُوسَى. ١٤ - بَاب أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. فَتَصَدَّقَ بِهِ. ٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ. [الحديث ٢٣٣٤ - أطرافه في: ٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦] قَوْلُهُ: (بَابُ أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ) ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي وَقْفِ أَرْضِ خَيْبَرَ، وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا. وَأَخْذُ الْمُصَنِّفِ صَدْرَ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ، وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ النَّظَرَ لِآخِرِ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي أَنْ لَا أَقْسِمَهَا بَلْ أَجْعَلَهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ عُمَرُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَرْضِ الْخَرَاجِ إِلَخْ فَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ الثَّانِي، فَإِنَّ عُمَرَ لَمَّا وَقَفَ السَّوَادَ ضَرَبَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَرَاجَ فَزَارَعَهُمْ وَعَامَلَهُمْ، فَبِهَذَا يَظْهَرُ مُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَدُخُولِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُزَارَعَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُزَارِعُونَ أَوْقَافَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَامَلَ عَلَيْهِ يَهُودَ خَيْبَرَ. وَقَوْلُهُ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ إِلَخْ قَالَ ابْنُ التِّينِ: ذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمَرِهِ وَيُوقِفَ أَصْلَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي رَدَّهُ هُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ وَصَلَ الْبُخَارِيُّ اللَّفْظَ الَّذِي عَلَّقَهُ هُنَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مِنْ طَرِيقِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَصَدَّقَ عُمَرُ بِمَالٍ لَهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ. قَوْلُهُ: (عَنْ مَالِكٍ) وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ،

стр. 2800

عَنْ مَالِكٍ عند الْإِسْمَاعِيلِيِّ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ. قَوْلُهُ: (مَا فُتِحَتْ) بِضَمِّ الْفَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَ (قَرْيَةٌ) بِالرَّفْعِ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَنَصْبِ قَرْيَةٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا قَسَمْتُهَا) زَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي رِوَايَتِهِ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْكُفَّارِ إِلَّا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا. قَوْلُهُ: (كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ) زَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي رِوَايَتِهِ: لَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ جِزْيَةً تَجْرِي عَلَيْهِمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ سَبَبَ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا وَلَفْظُهُ لَمَّا فَتَحَ عُمَرُ الشَّامَ قَامَ إِلَيْهِ بِلَالٌ فَقَالَ: لَتَقْسِمَنَّهَا أَوْ لَنُضَارِبَنَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ فَذَكَرَهُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: تَأَوَّلَ عُمَرُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَرَأَى أَنَّ لِلْآخِرِينَ أُسْوَةً بِالْأَوَّلِينَ فَخَشِيَ لَوْ قَسَمَ مَا يُفْتَحُ أَنْ تَكْمُلَ الْفُتُوحُ فَلَا يَبْقَى لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ حَظٌّ فِي الْخَرَاجِ، فَرَأَى أَنْ تُوقَفَ الْأَرْضُ الْمَفْتُوحَةُ عَنْوَةً، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا يَدُومُ نَفْعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً عَلَى قَوْلَيْنِ شَهِيرَيْنِ، كَذَا قَالَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أَشْهَرُهَا ثَلَاثَةٌ: فَعَنْ مَالِكٍ: تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْفَتْحِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَام بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَوَقْفِيَّتِهَا، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: يَلْزَمُهُ قِسْمَتُهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِوَقْفِيَّتِهَا مَنْ غَنِمَهَا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٥ - بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا. وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ: وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ الْقَزَّازُ: الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعْمَرْ، شُبِّهَتِ الْعِمَارَةُ بِالْحَيَاةِ، وَتَعْطِيلُهَا بِفَقْدِ الْحَيَاةِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ أَنْ يَعْمِدَ الشَّخْصُ لِأَرْضٍ لَا يَعْلَمُ تَقَدُّمَ ملك عَلَيْهَا لِأَحَدٍ فَيُحْيِيهَا بِالسَّقْيِ أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ فَتَصِيرُ بِذَلِكَ مِلْكَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيمَا قَرُبَ مِنَ الْعُمْرَانِ أَمْ بَعُدَ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا، وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا قَرُبَ، وَضَابِطُ الْقُرْبِ مَا بِأَهْلِ الْعُمْرَانِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيثِ الْبَابِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَاءِ الْبَحْرِ وَالنَّهَرِ وَمَا يُصَادُ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوَانٍ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَهُ أَوْ صَادَهُ يَمْلِكُهُ سَوَاءٌ قَرُبَ أَمْ بَعُدَ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ. قَوْلُهُ: (وَرَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: فِي أَرْضِ الْكُوفَةِ مَوَاتًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ) وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ، وَرُوِّينَا فِي الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ سَبَبُ ذَلِكَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَجَّرُونَ - يَعْنِي الْأَرْضَ - عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فقَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ.

стр. 2801

قَالَ يَحْيَى: كَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّحْجِيرِ حَتَّى يُحْيِيَهَا. قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِيهِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حَقُّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيِّ، وَكَثِيرٌ هَذَا ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ لِجَدِّهِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ الْآتِي حَدِيثُهُ فِي الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا عِنْدَهُ غَيْرُهُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ عَوْفٍ (١) عَلَى أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ وَعُمَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ; وَشَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذِكْرُ عُمَرَ مُكَرَّرًا، وَأَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ فَوَائِدَ؛ كَوْنَهُ تَعْلِيقًا بِالْجَزْمِ وَالْآخَرِ بِالتَّمْرِيضِ، وَكَوْنَهُ بِزِيَادَةٍ وَالْآخَرِ بِدُونِهَا، وَكَوْنَهُ مَرْفُوعًا وَالْأَوَّلِ مَوْقُوفٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ. قُلْتُ: فَضَاعَ مَا تَكَلَّفَهُ مِنَ التَّوْجِيهِ. وَلِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُعَلَّقِ شَاهِدٌ قَوِيٌّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ مُرْسَلًا وَزَادَ: قَالَ عُرْوَةُ: فَلَقَدْ خَبَّرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَنْ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ عُبَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ. وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ، لَكِنْ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. قَوْلُهُ: (لِعِرْقٍ ظَالِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِتَنْوِينِ عِرْقٍ، وَظَالِمٍ نَعْتٌ لَهُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى صَاحِبِ الْعِرْقِ أَيْ لَيْسَ لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ، أَوْ إِلَى الْعِرْقِ أَيْ لَيْسَ لِعِرْقٍ ذِي ظُلْمٍ، وَيُرْوَى بِالْإِضَافَةِ وَيَكُونُ الظَّالِمُ صَاحِبَ الْعِرْقِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَرْضُ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَزْهَرِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ، وَبَالَغَ الْخَطَّابِيُّ فَغَلَّطَ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، قَالَ رَبِيعَةُ: الْعِرْقُ الظَّالِمُ يَكُونُ ظَاهِرًا وَيَكُونُ بَاطِنًا فَالْبَاطِنُ مَا احْتَفَرَهُ الرَّجُلُ مِنَ الْآبَارِ أَوِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَعَادِنِ، وَالظَّاهِرُ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الظَّالِمُ مَنْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا شُبْهَةٍ. قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى فِيهِ) أَيْ فِي الْبَابِ أَوِ الْحُكْمِ (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَهُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَهُ وَلَفْظُهُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَصَحَّحَهُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَبَّادٌ هَكَذَا، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَأَبُو ضَمْرَةَ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُرْوَةَ فَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ هِشَامٍ مَوْصُولًا، وَخَالَفَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ جَزْمِ الْبُخَارِيِّ بِهِ. (تَنْبِيهٌ): اسْتَنْبَطَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَمْلِكُ الْمَوَاتَ بِالْإِحْيَاءِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا أَجْرَ لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا

стр. 2802

تَصَدَّقَ يُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، فَيُحْمَلُ الْأَجْرُ فِي حَقِّهِ عَلَى ثَوَابِ الدُّنْيَا وَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنَّ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ الْأَجْرِ إِلَّا الْأُخْرَوِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) هُوَ الْمِصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخُهُ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ يَتِيمُ عُرْوَةَ، وَنِصْفُ الْإِسْنَادِ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ مِصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (مَنْ أَعْمَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ قَالَ عِيَاضٌ كَذَا وَقَعَ وَالصَّوَابُ عَمَرَ ثُلَاثِيًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا عَمَارًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَنِ اعْتَمَرَ أَرْضًا أَيِ اتَّخَذَهَا، وَسَقَطَتِ التَّاءُ مِنَ الْأَصْلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَدْ سُمِعَ فِيهِ الرُّبَاعِيُّ، يُقَالُ: أَعْمَرَ اللَّهُ بِكَ مَنْزِلَكَ فَالْمُرَادُ مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَحَذَفَ مُتَعَلَّقَ أَحَقُّ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مَنْ أُعْمِرَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَعْمَرَهُ غَيْرُهُ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ الْإِمَامُ. وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ بِلَفْظِ مَنْ عَمَرَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَحَقُّ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَيْ مِنْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى عُرْوَةَ، وَلَكِنْ عُرْوَةُ، عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا، لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ قَالَهُ خَلِيفَةُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً لِأَنَّ الْجَمَلَ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقَتْلَ عُمَرَ كَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رُدِدْتُ يَوْمَ الْجَمَلِ، اسْتُصْغِرْتُ. قَوْلُهُ: (قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مَوْصُولًا إِلَى عُمَرَ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لِيَحْيَى بْنِ آدَمَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَرَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ عَطَّلَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَعْمُرْهَا فَجَاءَ غَيْرُهُ فَعَمَرَهَا فَهِيَ لَهُ. وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّعْطِيلِ أَنْ يَتَحَجَّرَهَا وَلَا يَحُوطَهَا بِبِنَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ الطَّرِيقَ الْأُولَى أَتَمَّ مِنْهُ بِالسَّنَدِ إِلَى الثَّقَفِيِّ الْمَذْكُورِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ أَرْضًا لَا تَضُرُّ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَتْ بِأَرْضِ خَرَاجٍ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقْطِعَنِيهَا أَتَّخِذْهَا قَضْبًا وَزَيْتُونًا، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى: إِنْ كَانَت كَذَلِكَ فَأَقْطِعْهَا إِيَّاهُ. ١٦ - باب ٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ بذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. ٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهُوَ بِالْعَقِيقِ أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ. قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِيهِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ

стр. 2803

النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: أنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ، وَحَدِيثَ عُمَرَ مَرْفُوعًا: أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي الْحَجِّ مُسْتَوْفًى، وَلَكِنْ أَشْكَلَ تَعَلُّقُهُمَا بِالتَّرْجَمَةِ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ جَعْلَ مَوْضِعِ مُعَرَّسِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْقُوفًا أَوْ مُتَمَلَّكًا لَهُ لِصَلَاتِهِ فِيهِ وَنُزُولِهِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَيُصَلِّي فِيهِ فَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مِلْكَهُ كَمَا صَلَّى فِي دَارِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنَّ الْمُعَرَّسَ نُسِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِنُزُولِهِ فِيهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مِلْكَهُ، وَنَفَى ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ مَا ادَّعَاهُ الْمُهَلَّبُ: وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ الْبَطْحَاءَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّعْرِيسُ وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْمَوَاتِ الَّذِي يُحْيَا وَيُمْلَكُ إِذْ لَمْ يَقَعْ فِيهَا تَحْوِيطٌ وَنَحْوُهُ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْيَاءِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا تَلْحَقُ بِحُكْمِ الْإِحْيَاءِ لِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنْ خُصُوصِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِذَلِكَ فَصَارَتْ كَأَنَّهَا أُرْصِدَتْ لِلْمُسْلِمِينَ كَمِنًى مَثَلًا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَيَتَحَجَّرَهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِهَا عُمُومًا. قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوَادِيَ الْمَذْكُورَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَوَاتِ لَكِنْ مَكَانُ التَّعْرِيسِ مِنْهُ مُسْتَثْنًى لِكَوْنِهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ فَلَا يَصِحُّ احْتِجَارُهُ لِأَحَدٍ وَلَوْ عَمِلَ فِيهِ بِشُرُوطِ الْإِحْيَاءِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْبُقْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ بَلْ كُلُّ مَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ. (تَنْبِيهٌ): الْمُعَرَّسُ بِمُهْمَلَاتٍ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَوْضِعُ التَّعْرِيسِ، وَهُوَ نُزُولُ آخِرِ اللَّيْلِ لِلرَّاحَةِ. ١٧ - بَاب إِذَا قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللَّهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا - فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا ٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . ح. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتْ الْأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مُعَامَلَةِ يَهُودِ خَيْبَرَ، أَوْرَدَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ الْفُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَمُعَلَّقًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ، وَقَدْ وَصَلَ مُسْلِمٌ طَرِيقَ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِتَمَامِهَا، وَسَيَأْتِي لَفْظُ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) سَيَأْتِي سَبَبُ ذَلِكَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: جَلَى الْقَوْمَ عَنْ مَوَاطِنِهِمْ وَأَجْلَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالِاسْمُ الْجَلَاءُ وَالْإِجْلَاءُ، وَأَرْضُ الْحِجَازِ هِيَ مَا يَفْصِلُ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَا بَيْنَ وَجْرَةَ وَغَمْسِ الطَّائِفِ نَجْدٌ، وَمَا كَانَ مِنْ وَرَاءِ وَجْرَةَ إِلَى الْبَحْرِ تِهَامَةُ. وَوَقَعَ هُنَا لِلْكَرْمَانِيِّ تَفْسِيرُ الْحِجَازِ بِمَا فَسَرُّوا بِهِ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الْآتِي فِي بَابِ هَلْ يُسْتَشْفَعُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَهُوَ خَطَأٌ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ) هُوَ
следующие страницы →