Полный текст (7 508 стр.). Показаны 3639–3678 · переход к 3644.
стр. 3639
تَنْشَقُّ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ صَرَّحَ ﷺ بِأَنَّهُ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ يَلْقَى مُوسَى وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ، انْتَهَى. وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ صَرِيحًا كَمَا تَقَدَّمَ: إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ، إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَفَاقَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ أَفَاقَ مِنَ الْغَشْيِ وَبُعِثَ مِنَ الْمَوْتِ، وَكَذَا عَبَّرَ عَنْ صَعْقَةِ الطُّورِ بِالْإِفَاقَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْتًا بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ ظَهَرَ صِحَّةُ الْحَمْلِ عَلَى أَنَّهَا غَشْيَةٌ تَحْصُلُ لِلنَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَتَعَقُّبِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي إِطْلَاقِ الْأَوَّلِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَعُرِفَ أَنَّ إِطْلَاقَ الْأَوَّلِيَّةِ فِي غَيْرِهَا مَحْمُولٌ عَلَيْهَا، وَسَبَبُهُ التَّرَدُّدُ فِي مُوسَى ﵇ كَمَا سَيَأْتِي، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ سَائِرُ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ، كَحَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ) أَيْ آخِذٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَرْشِ بِقُوَّةٍ، وَالْبَطْشُ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْفَضْلِ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ صُعِقَ، أَيْ فَإِنْ كَانَ أَفَاقَ قَبْلِي فَهِيَ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ فَلَمْ يُصْعَقْ فَهِيَ فَضِيلَةٌ أَيْضًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَلَا أَدْرِي كَانَ فِيمَنْ صُعِقَ - أَيْ فَأَفَاقَ قَبْلِي - أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ الْأُولَى أَيِ الَّتِي صُعِقَهَا لَمَّا سَأَلَ الرُّؤْيَةَ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ الْفَضْلِ فِي رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْفَضْلِ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَيَانَ السَّبَبِ فِي اسْتِثْنَائِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ حُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ فَلَمْ يُكَلَّفْ بِصَعْقَةٍ أُخْرَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: اسْتَثْنَى اللَّهُ أَيْ جَعَلَهُ ثَانِيًا، كَذَا قَالَ، وَهُوَ غَلَطٌ شَنِيعٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ أَنْ لَا تُصِيبَهُ النَّفْخَةُ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي.
وَزَعَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْمَحْفُوظُ أَوْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ قَالَ: لِأَنَّ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ قَدْ مَاتُوا مِنْ صَعْقَةِ النَّفْخَةِ لَا مِنَ الصَّعْقَةِ الْأُخْرَى، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّ هَذِهِ صَعْقَةُ النَّفْخَةِ وَأَنَّ مُوسَى دَاخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ، قَالَ: وَهَذَا لَا يَلْتَئِمُ عَلَى سِيَاقِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْإِفَاقَةَ حِينَئِذٍ هِيَ إِفَاقَةُ الْبَعْثِ فَلَا يَحْسُنُ التَّرَدُّدُ فِيهَا، وَأَمَّا الصَّعْقَةُ الْعَامَّةُ فَإِنَّهَا تَقَعُ إِذَا جَمَعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ فَيُصْعَقُ الْخَلْقُ حِينَئِذٍ جَمِيعًا إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي مُوسَى ﵇. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ صُعِقَ، وَتَرَدَّدَ فِي مُوسَى هَلْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلَهُ أَمْ لَمْ يُصْعَقْ؟ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّعْقَةَ الْأُولَى لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَاتَ، وَتَرَدَّدَ فِي مُوسَى هَلْ مَاتَ أَمْ لَا؟ وَالْوَاقِعُ أَنَّ مُوسَى قَدْ كَانَ مَاتَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا صَعْقَةُ فَزَعٍ لَا صَعْقَةُ مَوْتٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِي، فَآتِي قَائِمَةَ الْعَرْشِ فَأَجِدُ مُوسَى قَائِمًا عِنْدَهَا فَلَا أَدْرِي، أَنَفَضَ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَفَضَ التُّرَابَ قَبْلِي تَجْوِيزَ الْمَعِيَّةِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْقَبْرِ، أَوْ هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْقَبْرِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِمُوسَى
стр. 3640
كَمَا تَقَدَّمَ.
(تَكْمِيلٌ):
زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ النَّفَخَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعٌ:
الْأُولَى: نَفْخَةُ إِمَاتَةٍ يَمُوتُ فِيهَا مَنْ بَقِيَ حَيًّا فِي الْأَرْضِ.
وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ إِحْيَاءٍ يَقُومُ بِهَا كُلُّ مَيِّتٍ وَيُنْشَرُونَ مِنَ الْقُبُورِ وَيُجْمَعُونَ لِلْحِسَابِ.
وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ فَزَعٍ وَصَعْقٍ يُفِيقُونَ مِنْهَا كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ لَا يَمُوتُ مِنْهَا أَحَدٌ.
وَالرَّابِعَةُ: نَفْخَةُ إِفَاقَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْغَشْيِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الثِّنْتَيْنِ أَرْبَعًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلْ هُمَا نَفْخَتَانِ فَقَطْ، وَوَقَعَ التَّغَايُرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يَسْتَمِعُهُمَا.
فَالْأُولَى: يَمُوتُ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيُغْشَى عَلَى مَنْ لَمْ يَمُتْ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَعِيشُ بِهَا مَنْ مَاتَ وَيُفِيقُ بِهَا مَنْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي نَهْيِهِ ﷺ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ بِرَأْيِهِ لَا مَنْ يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ، أَوْ مَنْ يَقُولُهُ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالتَّنَازُعِ، أَوِ الْمُرَادُ لَا تُفَضِّلُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلْمَفْضُولِ فَضِيلَةٌ، فَالْإِمَامُ مَثَلًا إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَذَانِ، وَقِيلَ: النَّهْيُ عَنِ التَّفْضِيلِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ نَفْسِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ الذَّوَاتِ عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّخْيِيرِ إِنَّمَا هِيَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ بِالْمُخَايَرَةِ، لِأَنَّ الْمُخَايَرَةَ إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَ أَهْلِ دِينَيْنِ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا إِلَى ازْدِرَاءٍ بِالْآخَرِ فَيُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّخْيِيرُ مُسْتَنِدًا إِلَى مُقَابَلَةِ الْفَضَائِلِ لِتَحْصِيلِ الرُّجْحَانِ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ شَهَادَةُ آدَمَ لِمُوسَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ.
(تَنْبِيهٌ):
: قَوْلُهُ: ثُمَّ تَلُومُنِي كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدَيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِ الْأُمَمِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّ أُمَّةَ مُوسَى أَكْثَرُ الْأُمَمِ بَعْدَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
٣٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
[الحديث ٣٤١١ - أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ذِكْرُ آسِيَةَ وَهِيَ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ إِنَّهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنَّهَا عَمَّةُ مُوسَى، وَقِيلَ إِنَّهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ، وَقِيلَ: ابْنَةُ عَمِّ فِرْعَوْنَ. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا مُفْرَدًا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ) مُرَّةُ وَالِدُ عَمْرٍو غَيْرُ مُرَّةَ شَيْخِهِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٍ الْجَمَلِيُّ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ - الْمُرَادِيُّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنْ صِغَارِ
стр. 3641
التَّابِعِينَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَطْعِمَةِ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ، وَأَمَّا شَيْخُهُ مُرَّةُ فَهُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ، مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ عَابِدٌ أَيْضًا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ الطَّيِّبُ وَمُرَّةُ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (كَمُلَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِفَتْحِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَصْرِ عَلَى أَنَّهُمَا نَبِيَّتَانِ لِأَنَّ أَكْمَلَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، فَلَوْ كَانَتَا غَيْرَ نَبِيَّتَيْنِ لَلَزِمَ أَلَّا يَكُونَ فِي النِّسَاءِ وَلِيَّةٌ وَلَا صِدِّيقَةٌ وَلَا شَهِيدَةٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُنَّ مَوْجُودَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يُنَبَّأْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا فُلَانَةٌ وَفُلَانَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَمْ تَثْبُتْ صِفَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ أَوِ الْوِلَايَةِ أَوِ الشَّهَادَةِ إِلَّا لِفُلَانَةٍ وَفُلَانَةٍ لَمْ يَصِحَّ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِنَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ كَمَالَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ تَقَدُّمِ زَمَانِهِ ﷺ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهِ إِلَّا لِعَائِشَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَفْضَلِيَّةِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ فَضْلَ الثَّرِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَيْسِيرِ الْمُؤْنَةِ وَسُهُولَةِ الْإِسَاغَةِ، وَكَانَ أَجَلَّ أَطْعِمَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الْخِصَالِ لَا تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ لَهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى.
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَحَدِ رُوَاتِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ عَلَى غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ خَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَجَاءَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى مَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَإِنْ ثَبَتَ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ آسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنٍ لَيْسَتْ نَبِيَّةً، وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ قَوْلُهُ ﷺ لَهَا إِنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَعَ مَزِيدِ بَسْطٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ زِيَادَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّرِيدِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، وَأَمَّا آسِيَةُ فَلَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهَا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْكَمَالِ ثُبُوتُ نُبُوَّتِهَا لِأَنَّهُ يُطْلَقُ لِتَمَامِ الشَّيْءِ وَتَنَاهِيهِ فِي بَابِهِ، فَالْمُرَادُ بُلُوغُهَا النِّهَايَةَ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ الَّتِي لِلنِّسَاءِ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ النِّسَاءِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مِنْ نُبِّئَ وَهُنَّ سِتٌّ: حَوَّاءُ وَسَارَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَهَاجَرُ وَآسِيَةُ وَمَرْيَمُ، وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمٍ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ بِإِعْلَامٍ مِمَّا سَيَأْتِي فَهُوَ نَبِيٌّ، وَقَدْ ثَبَتَ مَجِيءُ الْمَلَكِ لِهَؤُلَاءِ بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالْإِيحَاءِ لِبَعْضِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَحْدُثِ التَّنَازُعُ فِيهَا إِلَّا فِي عَصْرِهِ بِقُرْطُبَةَ، وَحَكَى عَنْهُمْ أَقْوَالًا ثَالِثُهَا الْوَقْفُ، قَالَ: وَحُجَّةُ الْمَانِعِينَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ قَالَ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ فِيهِنَّ الرِّسَالَةَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي النُّبُوَّةِ فَقَطْ. قَالَ: وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ مَرْيَمَ، وَفِي قِصَّةِ أُمِّ مُوسَى مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهَا مِنْ مُبَادَرَتِهَا
стр. 3642
بِإِلْقَاءِ وَلَدِهَا فِي الْبَحْرِ بِمُجَرَّدِ الْوَحْيِ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَرْيَمَ وَالْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ فَضَائِلِ آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهَا اخْتَارَتِ الْقَتْلَ عَلَى الْمُلْكِ وَالْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا عَلَى النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَكَانَتْ فِرَاسَتُهَا فِي مُوسَى ﵇ صَادِقَةً حِينَ قَالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾
٣٣ - بَاب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ
﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتُثْقِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ) هُوَ قَارُونُ بْنُ يصفد بْنِ يصهر ابْنِ عَمِّ مُوسَى، وَقِيلَ: كَانَ عَمَّ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى قَالَ: وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، النَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ بَغْيِ قَارُونَ فَقِيلَ: الْحَسَدُ، لِأَنَّهُ قَالَ: ذَهَبَ مُوسَى وَهَارُونُ بِالْأَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ. وَقِيلَ إنَّهُ وَاطَأَ امْرَأَةً مِنَ الْبَغَايَا أَنْ تَقْذِفَ مُوسَى بِنَفْسِهَا فَأَلْهَمَهَا اللَّهُ أَنِ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ الْكِبْرُ لِأَنَّهُ طَغَى بِكَثْرَةِ مَالِهِ. وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطَالَ ثِيَابَهُ حَتَّى زَادَتْ عَلَى قَامَتِهِ شِبْرًا.
قَوْلُهُ: ﴿لَتَنُوءُ﴾ لَتَثْقُلَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ يَقُولُ تَثْقُلُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُولِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) وَاخْتُلِفَ فِي الْعُصْبَةِ فَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أَيِ الْمَرِحِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَبْطَرُونَ فَلَا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، مِثْلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَيْكَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْبَبْ … وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرّ
وَذَهَبَ قُطْرُبٌ إِلَى أَنَّ وَيْ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ وَكَأَنَّ حَرْفُ تَشْبِيهٍ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ هِيَ كَلِمَةٌ مَوْصُولَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُوَسِّعُ وَيُكْثِرُ، وَفِي قَوْلِهِ: وَيَقْدِرُ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أَيْ ضَاقَ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ قَارُونَ إِلَّا هَذِهِ الْآثَارَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مُوسَى يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قَارُونَ فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ مُوسَى يَقُولُ: مَنْ زَنَى رُجِمَ، فَتَعَالَوْا نَجْعَلُ لِبَغِيٍّ شَيْئًا حَتَّى تَقُولَ إِنَّ مُوسَى فَعَلَ بِهَا فَيُرْجَمُ فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا خَطَبَهُمْ مُوسَى قَالُوا لَهُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا. فَقَالُوا: فَقَدْ زَنَيْتَ، فجزع، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَرْأَةِ فَلَمَّا جَاءَتْ عَظُمَ عَلَيْهَا مُوسَى، وَسَأَلَهَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا صَدَقَتْ، فَأَقَرَّتْ بِالْحَقِّ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا يَبْكِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَكَ
стр. 3643
فَأْمُرْهَا بِمَا شِئْتَ، فَأَمَرَهَا فَخَسَفَتْ بِقَارُونَ وَمَنْ مَعَهُ.
وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ قَارُونَ أَنَّهُ حَصَّلَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا حَتَّى قِيلَ: كَانَتْ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ كَانَتْ مِنْ جُلُودٍ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا وَكَانَ يَسْكُنُ تِنِّيسَ، فَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزَ الْحَرُورِيَّ ظَفِرَ بِبَعْضِ كُنُوزِ قَارُونَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى تِنِّيسَ، فَلَمَّا مَاتَ تَأَمَّرَ ابْنُهُ عَلِيٌّ مَكَانَهُ وَتَوَرَّعَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ إِنِّي اسْتَطَيبْتُ لَكَ مِنْ مَالِ أَبِيكَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فَخُذْهَا فَقَالَ: أَنَا تَرَكْتُ الْكَثِيرَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطِبْ لِي فَكَيْفَ آخُذُ هَذَا الْقَلِيلَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا.
٣٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلْ الْعِيرَ، يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَأَهْلَ الْعِيرِ. ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. يُقَالُ: إِذَا لَمْ تقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتَ حَاجَتِي، وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا. قَالَ: الظِّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ. مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ. يَغْنَوْا يَعِيشُوا. يأْيسَ: يحْزَنْ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْكَةُ: الْأَيْكَةُ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْغَمَامِ: الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ هُوَ شُعَيْبُ بْنُ ميكيل بْنِ يشجر بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا يَثْبُتُ. وَقِيلَ: يشجر بْنُ عنقا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ صفور بْنِ عنقا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ. وَكَانَ مَدْيَنُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُحْرِقَ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَنِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدٍ، فَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَنَزِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَسَبَ إِلَى عَنَزَةَ فَقَالَ: نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةُ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ رَهْطُ شُعَيْبٍ وَأَخْتَانُ مُوسَى. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ.
قَوْلُهُ: (إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ - وَاسْأَلِ الْعِيرَ) يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا قَالَ: الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أَيْ أَلْقَيْتُمُوهُ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ فَلَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَتَقُولُ لِلَّذِي لَا يَقْضِي حَاجَتَكَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَهَا ظِهْرِيَّةً، أَيْ خَلْفَ ظَهْرِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَدْنَا بَنِي الْبَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ
أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ بِهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) هَكَذَا وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مَكَانَتِكُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ ثُمَّ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس فِي قَوْلِهِ: مَكَانَتِهِمْ الْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، قَالَ: وَالْمَغْنَى الدَّارُ، الْجَمْعُ مَغَانِي، يَغنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: فَكَيْفَ آسَى أَيْ أَحْزَنُ وَأَنْدَمُ وَأَتَوَجَّعُ الْأَسَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَأْسَ﴾ يحْزَنْ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾
стр. 3644
وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِهَذَا، وَأَرَادَ الْحَسَنُ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ وَمُرَادُهُمْ عَكْسُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْكَةُ الْأَيْكَةُ، ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةِ) كَذَا قَرَأَهَا، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ابْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ قَالَ: إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ سِوَى هَذِهِ الْآثَارِ، وَهِيَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي فَقَطْ. قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّتَهُ فِي الْأَعْرَافِ وَهُودٍ وَالشُّعَرَاءِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَغَيْرِهَا، وَجَاءَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى أُمَّتَيْنِ: أَصْحَابِ مَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ، وَرَجَّحَ بِأَنَّهُ وُصِفَ فِي أَصْحَابِ مَدْيَنَ بِأَنَّهُ أَخُوهُمْ بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَقَالَ فِي أَصْحَابِ مَدْيَنَ (أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ - وَالصَّيْحَةُ) وَفِي أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ أَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ مَدْيَنَ هُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ، وَأَجَابُوا عَنْ تَرْكِ ذِكْرِ الْأُخُوَّةِ فِي أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَيْكَةَ وَوَقَعَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ نَاسَبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْأُخُوَّةَ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ فِي أَنْوَاعِ الْعَذَابِ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْمُعَذَّبِينَ فَلْيَكُنِ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرَّجْفَةِ غَيْرَ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالصَّيْحَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ أَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ فَخَرَجُوا مِنَ الْبُيُوتِ فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا فَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَيْكَةِ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُذْنِبٌ. الْمَشْحُونُ: الْمُوقَرُ. ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الْآيَةَ. ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ بِوَجْهِ الْأَرْضِ. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ مِنْ غَيْرِ ذَاتِ أَصْلٍ: الدُّبَّاءِ وَنَحْوِهِ. ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، ﴿كَظِيمٌ﴾ وَهُوَ مَغْمُومٌ.
٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ح.
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ. زَادَ مُسَدَّدٌ: يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
[الحديث ٣٤١٢ - طرفاه في: ٤٦٠٣، ٤٨٠٤]
٣٤١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ.
٣٤١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي؟ فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ
стр. 3645
أولياء اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي.
٣٤١٥ - وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
[الحديث ٣٤١٥ - أطرافه في: ٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١، ٤٨٠٥]
٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ مَقْصُورٌ، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ فَهَذَا أَصَحُّ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى اتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ مِنَ الْفُرْسِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ: مُذْنِبٌ) يَعْنِي تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ مِنْ أَلَامَ الرَّجُلُ إِذَا أَتَى بِمَا يُلَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمُلِيمُ هُوَ الْمُكْتَسِبُ اللَّوْمَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَشْحُونُ الْمُوقَرُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الْمَشْحُونُ الْمَمْلُوءُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْحُونُ الْمُوقَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ - الْآيَةَ - ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ بِوَجْهِ الْأَرْضِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ أَيْ بِوَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ نَبَذْتُهُ بِالْعَرَاءِ أَيْ بِالْأَرْضِ الْفَضَاءِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَنَبَذْتُ بِالْبَلَدِ الْعَرَاءِ ثِيَابِي وَالْعَرَاءُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ يُوَارِي مِنْ شَجَرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَاءُ الْمَكَانُ الْخَالِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ يَقْطِينٍ: مِنْ غَيْرِ ذَاتِ أَصْلٍ، الدُّبَّاءُ وَنَحْوُهُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَزَادَ: لَيْسَ لَهَا سَاقٌ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَجَرَةٍ لَا تَقُومُ عَلَى سَاقٍ فَهِيَ يَقْطِينٌ نَحْوُ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْظَلِ وَالْبِطِّيخِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْقَرْعُ، وَقِيلَ التِّينُ وَقِيلَ الْمَوْزُ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فِي الْقَرْعِ هِيَ شَجَرَةُ أَخِي يُونُسَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. كَظِيمٌ: مَغْمُومٌ) كَذَا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أَيْ مِنَ الْغَمِّ مِثْلُ كَظِيمٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ يَقُولُ: مَغْمُومٌ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ الْيَهُودِيَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي أَوَاخِرِ قِصَّةِ مُوسَى، وَقَالَ فِي آخِرِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَحَدِيثَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى مِثْلِ لَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقُولَ. . . إِلَخْ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ سَبَّحَ اللَّهَ فِي الظُّلُمَاتِ فَأَشَارَ إِلَى جِهَةِ الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ
стр. 3646
عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَتَّى اسْمُ أُمِّهِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي الْمُبْتَدَا، وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ.
وَقِيلَ: سَبَبُ قَوْلِهِ: وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ يُونُسُ ابْنُ فُلَانٍ فَنَسِيَ الرَّاوِي اسْمَ الْأَبِ وَكَنَّى عَنْهُ بِفُلَانٍ، وَقِيلَ: إِنْ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ الَّذِي نَسِيَ اسْمَ أَبِيهِ يُونُسُ بْنُ مَتَّى وَهُوَ أُمُّهُ ثُمَّ اعْتَذَرَ فَقَالَ وَنَسَبَهُ - أَيْ شَيْخُهُ - إِلَى أَبِيهِ أَيْ سَمَّاهُ فَنَسَبَهُ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا التَّأْوِيلِ وَتَكَلُّفُهُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا قَالَ ﷺ ذَلِكَ تَوَاضُعًا إِنْ كَانَ قَالَهُ بَعْدَ أَنْ أُعْلِمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَ قَالَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَلَا إِشْكَالَ، وَقِيلَ: خَصَّ يُونُسَ بِالذِّكْرِ لِمَا يَخْشَى عَلَى مَنْ سَمِعَ قِصَّتَهُ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ تَنْقِيصٌ لَهُ فَبَالَغَ فِي ذِكْرِ فَضْلِهِ لِسَدِّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ.
وَقَدْ رَوَى قِصَّتَهُ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ يُونُسَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ فَكَذَّبُوهُ، فَوَعَدَهُمْ بِنُزُولِ الْعَذَابِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَخَرَجَ عَنْهُمْ مُغَاضِبًا لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا آثَارَ ذَلِكَ خَضَعُوا وَتَضَرَّعُوا وَآمَنُوا، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَذَهَبَ يُونُسُ فَرَكِبَ سَفِينَةً فَلَجَّجَتْ بِهِ، فَاقْتَرَعُوا فِيمَنْ يَطْرَحُونَهُ مِنْهُمْ فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ نَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ: وَأَصْبَحَ يُونُسُ فَأَشْرَفَ عَلَى الْقَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ الْعَذَابَ وَقَعَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي شَرِيعَتِهِمْ مَنْ كَذَبَ قُتِلَ، فَانْطَلَقَ مُغَاضِبًا حَتَّى رَكِبَ سَفِينَةً - وَقَالَ فِيهِ - فَقَالَ لَهُمْ يُونُسُ إِنَّ مَعَهُمْ عَبْدًا آبِقًا مِنْ رَبِّهِ وَإِنَّهَا لَا تَسِيرُ حَتَّى تُلْقُوهُ، فَقَالُوا: لَا نُلْقِيكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَبَدًا، قَالَ فَاقْتَرَعُوا فَخَرَجَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَلْقَوْهُ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ فَبَلَغَ بِهِ قَرَارَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ﴾ الْآيَةَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ أَنْ لَا يَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا وَلَا يَخْدِشَ لَهُ لَحْمًا، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى قَعْرِ الْبَحْرِ سَبَّحَ اللَّهَ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ.
قَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسَ، فَشَفَعُوا لَهُ، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ فِي السَّاحِلِ - قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: لَبِثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ قَالَ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ثَلَاثًا، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْتَقَمَهُ ضُحًى، وَلَفَظَهُ عَشِيَّةً.
٣٦ - بَاب
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ: يُجَاوِزُونَ فِي السَّبْتِ
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ - شَوَارِعَ، إِلَى قَوْلِهِ - ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْقَرْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أَيْلَةُ وَهِيَ الَّتِي عَلَى طَرِيقِ الْحَاجِّ الذَّاهِبِ إِلَى مَكَّةَ مِنْ مِصْرَ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا طَبَرِيَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ، يَتَجَاوَزُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أَيْ يَتَعَدَّوْنَ فِيهِ عَمَّا أُمِرُوا بِهِ وَيَتَجَاوَزُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَخَذْنَاهُمْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ: أَيْ شَدِيدٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، قَالَ الشَّاعِرُ:
حَنِقًا عَلَيَّ وَمَا تَرَى … لِي فِيهِمْ أَمْرًا بَئِيسًا
стр. 3647
وهَذَا عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى بِوَزْنِ حَذِرٍ، وَقُرِئَ شَاذًّا بِوَزْنِ هَيِّنٍ وَهَيْنٍ مُذَكَّرَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ فِيهِ مُبْهَمٌ، وَحَكَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ مُعْضَلًا، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ أَصْحَابَ السَّبْتِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ وَأَنَّهُمْ لَمَّا تَحَيَّلُوا عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ بِأَنْ نَصَبُوا الشِّبَاكَ يَوْمَ السَّبْتِ ثُمَّ صَادُوهَا يَوْمَ الْأَحَدِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ وَنَهَوْهُمْ فَأَغْلَظُوا لَهُمْ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى دَعُوهُمْ وَاعْتَزِلُوا بِنَا عَنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الَّذِينَ اعْتَدَوْا فَتَحُوا أَبْوَابَهُمْ فَأَمَرُوا رَجُلًا أَنْ يَصْعَدَ عَلَى سُلَّمٍ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَرَآهُمْ قَدْ صَارُوا قِرَدَةً، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَجَعَلُوا يَلُوذُونَ بِهِمْ، فَيَقُولُ الَّذِينَ نَهَوْهُمْ: أَلَمْ نَقُلْ لَكُمْ، أَلَمْ نَنْهَكُمْ فَيُشِيرُونَ بِرُءُوسِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ لَمْ يَعِيشُوا إِلَّا قَلِيلًا وَهَلَكُوا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَارَ شَبَابُهُمْ قِرَدَةً وَشُيُوخُهُمْ خَنَازِيرَ.
٣٧ - بَاب قَوْلِه تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ الزُّبُرُ: الْكُتُبُ، وَاحِدُهَا زَبُورٌ، زَبَرْتُ كَتَبْتُ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَبِّحِي مَعَهُ. ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ الدُّرُوعَ. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ، وَلَا يُرقَّ الْمِسْمَارَ فَيَسَلْسَ، وَلَا يُعَظِّمْ فَيَنفْصِمَ. أفرغ: أنزل. بسطة: زيادة وفضلا. ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
٣٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ﵇ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
٣٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ وَاللَّهِ لَاصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَاقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهِ لَاصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَاقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ قُلْتُ قَدْ قُلْتُهُ قَالَ إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ قَالَ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا
стр. 3648
أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ".
٣٤١٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ الْعَيْنُ، وَنَفِهَتْ النَّفْسُ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ، أَوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ بِي، قَالَ مِسْعَرٌ: يَعْنِي قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ هُوَ دَاوُدَ بْنُ إِيشَا بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ابْنِ عَوْبَدٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ابْنِ بَاعِرَ بِمُوَحَّدَةِ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَارِبَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ابْنِ رَامَ بْنِ حَضْرُونَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ابْنِ فَارِصَ بِفَاءٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ابْنِ يَهُوذَا، بْنِ يَعْقُوبَ.
قَوْلُهُ: (الزُّبُرُ الْكُتُبُ وَاحِدُهَا زَبُورٌ، زَبَرْتُ: كَتَبْتُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ أَيْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ وَاحِدُهَا زَبُورٌ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: زَبُورٌ بِمَعْنَى مَزْبُورٍ، تَقُولُ زَبَرْتُهُ فَهُوَ مَزْبُورٌ مِثْلُ كَتَبْتُهُ فَهُوَ مَكْتُوبٌ، وَقُرِئَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ جَمْعُ زُبُرٍ. قُلْتُ: الضَّمُّ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَبِّحِي مَعَهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَعَنِ الضَّحَاكِ هُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَقَالَ قَتَادَةَ: مَعْنَى أَوِّبِي سِيرِي.
قَوْلُهُ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ الدُّرُوعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَةً طَوِيلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ الْمَسَامِيرَ وَالْحِلَقَ، وَلَا تُرِقَّ الْمِسْمَارَ فَيَسْلَسَ، وَلَا تُعَظِّمْ فَيَنْفَصِمَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ لَا تَدُقَّ بِالدَّالِ بَدَلَ الرَّاءِ، وَعِنْدَهُمْ فَيَتَسَلْسَلَ وَفِي آخِرِهِ فَيَفْصِمَ بِغَيْرِ نُونٍ، وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ فِي قَوْلِهِ: فَيَسْلَسَ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَمَعْنَاهُا فَيَخْرُجَ مِنَ الثَّقْبِ بِرِفْقٍ أَوْ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا فَيَلِينُ عِنْدَ الْخُرُوجِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فَيَتَسَلْسَلُ أَيْ يَصِيرُ كَالسِّلْسِلَةِ فِي اللِّينِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَالْفَصْمُ بِالْفَاءِ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ إِبَانَةٍ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أَيْ قَدِّرِ الْمَسَامِيرَ وَالْحِلَقَ، وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ لَا تُرِقَّ الْمَسَامِيرَ فَيَسْلَسَ، وَلَا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصِمَهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ دِرْعٌ مُسَرَّدَةٌ أَيْ مُسْتَدِيرَةُ الْحِلَقِ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا … دَاوُدُ أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ
وَهُوَ مِثْلُ مِسْمَارِ السَّفِينَةِ.
قَوْلُهُ: (أُفْرِغَ أُنْزِلَ) لَمْ أَعْرِفِ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ هُنَا، وَاسْتَقْرَيْتُ قِصَّةَ دَاوُدَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْهَا، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بَسْطَةً: زِيَادَةً وَفَضْلًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أَيْ زِيَادَةً وَفَضْلًا وَكَثْرَةً، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي قِصَّةِ طَالُوتَ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهَا لَمَّا كَانَ آخِرُهَا مُتَعَلِّقًا بِدَاوُدَ فَلَمَّحَ بِشَيْءٍ مِنْ قِصَّةِ طَالُوتَ، وَقَدْ قَصَّهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدَيثُ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ. وفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْقِرَاءَةُ
стр. 3649
قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَةُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْجَمْعُ وَكُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتَهُ فَقَدْ قَرَأْتَهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ الزَّبُورُ، وَقِيلَ التَّوْرَاةُ، وَقِرَاءَةُ كُلِّ نَبِيٍّ تُطْلَقُ عَلَى كِتَابِهِ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ قُرْآنًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُقُوعِ الْمُعْجِزَةِ بِهِ كَوُقُوعِ الْمُعْجِزَةِ بِالْقُرْآنِ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا بَيْنَ الزَّبُورِ وَالتَّوْرَاةِ لِأَنَّ الزَّبُورَ كُلَّهُ مَوَاعِظُ، وَكَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْأَحْكَامَ مِنَ التَّوْرَاةِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الزَّبُورَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سُورَةً كُلُّهَا مَوَاعِظُ وَثَنَاءٌ، لَيْسَ فِيهِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ وَلَا فَرَائِضُ وَلَا حُدُودٌ، بَلْ كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى التَّوْرَاةِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَرَكَةَ قَدْ تَقَعُ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَكْثَرُ مَا بَلَغَنَا مِنْ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ أَرْبَعَ خَتَمَاتٍ بِاللَّيْلِ وَأَرْبَعًا بِالنَّهَارِ، وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَادَّعَى شَيْئًا مُفْرِطًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بِدَوَابِّهِ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الْآتِيَةِ بِدَابَّتِهِ بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا هُوَ فِي التَّفْسِيرِ، وَيُحْمَلُ الْإِفْرَادُ عَلَى الْجِنْسِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا مَا يَخْتَصُّ بِرُكُوبِهِ، وَبِالْجَمْعِ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِمَّا يَرْكَبُهُ أَتْبَاعُهُ.
قَوْلُهُ: (فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى فَلَا تُسْرَجُ حَتَّى يَقْرَأَ الْقُرْآنَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَأَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِجَارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَمَلَ الْيَدِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْرِ أَوْ لِلنَّفْسِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ دَاوُدُ بِيَدِهِ هُوَ نَسْجُ الدُّرُوعِ، وَأَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ، فَكَانَ يَنْسِجُ الدُّرُوعَ وَيَبِيعُهَا وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُلُوكِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مَعَ سَعَتِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ كَانَ لَهُ دَوَابٌّ تُسْرَجُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ وَيَتَوَلَّى خِدْمَتَهَا غَيْرُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَتَوَرَّعُ وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِمَّا يَعْمَلُ بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
٣٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ؟ قُلْتُ: قَدْ قُلْتُهُ، قَالَ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ حَدَيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي مُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: صِيَامُ دَاوُدَ.
٣٨ - بَاب أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ
كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا
قَالَ عَلِيٌّ: وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ، مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا
٣٤٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ: هُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَذَكَرَ الطَّرِيقَ الثَّالِثَةَ مَضْمُومَةً إِلَى مَا قَبْلَهُ دُونَ الْبَابِ وَدُونَ قَوْلِ عَلِيٍّ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا، وَأَظُنُّهُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ،
стр. 3650
وَأَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَيَنَامُ سُدُسَهُ أَيِ السُّدُسَ الْأَخِيرَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يُوَافِقُ ذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَا أَلْفَاهُ بِالْفَاءِ أَيْ وَجَدَهُ وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالسَّحَرُ الْفَاعِلُ، أَيْ لَمْ يَجِئِ السَّحَرُ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدِي إِلَّا وَجَدَهُ نَائِمًا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.
٣٩ - بَاب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَهْمُ فِي الْقَضَاءِ. ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ لَا تُسْرِفْ. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ - يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا شَاةٌ - ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ - مِثْلُ وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ ضَمَّهَا - ﴿وَعَزَّنِي﴾ غَلَبَنِي، صَارَ أَعَزَّ مِنِّي، أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ يُقَالُ الْمُحَاوَرَةُ. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اخْتَبَرْنَاهُ. وَقَرَأَ عُمَرُ: فَتَّنَّاهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ. ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾
٣٤٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَوَّامَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَسْجُدُ فِي ص؟ فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ - حَتَّى أَتَى - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ.
[الحديث ٣٤٢١ - أطرافه في: ٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٠٧]
٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَيْسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الْأَيْدُ الْقُوَّةُ، وَكَانَ دَاوُدَ مَوْصُوفًا بِفَرْطِ الشَّجَاعَةِ، وَالْأَوَّابُ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَهْمُ فِي الْقَضَاءِ) أَيِ الْمُرَادُ بِفَصْلِ الْخِطَابِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْحِكْمَةُ الصَّوَابُ. وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: فَصْلُ الْخِطَابِ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فَصْلُ الْخِطَابِ الْعَدْلُ فِي الْحُكْمِ وَمَا قَالَ مِنْ شَيْءٍ أَنْفَذَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: فَصْلُ الْخِطَابِ قَوْلُهُ أَمَّا بَعْدُ، وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مِنْ طَرِيقِ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ أَمَّا بَعْدُ دَاوُدُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُرَيْحٍ قَالَ: فَصْلُ الْخِطَابِ الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ لَا تُسْرِفْ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ لَا تَجُرْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ أَيْ لَا تَمِلْ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ لَا تَخَفْ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا شَاةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أَيِ امْرَأَةٌ، قَالَ الْأَعْشَى:
فَرَمَيْتُ غَفْلَةَ عَيْنِهِ عَنْ شَاتِهِ … فَأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِهَا وَطِحَالَهَا
قَوْلُهُ: (فَقَالَ ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ مِثْلُ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ضَمَّهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾
стр. 3651
هُوَ كَقَوْلِهِ: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا أَيْ ضَمَّهَا إِلَيْهِ، وَتَقُولُ كَفَلْتُ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْمَالِ ضَمِنْتُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي﴾ غَلَبَنِي) صَارَ أَعَزَّ مِنِّي، أَعْزَزْتُهُ جَعَلْتُهُ عَزِيزًا، فِي الْخِطَابِ يُقَالُ الْمُحَاوَرَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أَيْ صَارَ أَعَزَّ مِنِّي فِيهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنْ دَعَا وَدَعَوْتُ كَانَ أَكْثَرَ مِنِّي، وَإِنْ بَطَشْتُ وَبَطَشَ كَانَ أَشَدَّ مِنِّي. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: مَعْنَاهُ قَهَرَنِي وَظَلَمَنِي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُقَالُ الْمُحَاوَرَةُ فَمُرَادُهُ تَفْسِيرُ الْخِطَابِ بِالْمُحَاوَرَةِ، وَهِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الْمُرَاجَعَةُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾
قَوْلُهُ: ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ الشُّرَكَاءُ) حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَتَنَّاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اخْتَبَرْنَاهُ، وَقَرَأَ عُمَرُ فَتَّنَّاهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ) أَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ عُمَرَ فَمَذْكُورَةٌ فِي الشَّوَاذِّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ، وَنُقِلَ التَّشْدِيدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدَيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السُّجُودِ فِي ص أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ شَيْخُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، وَالْعَوَّامُ هُوَ ابْنُ حَوْشَبٍ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَسْجَدُ) بِنُونٍ، وَلِلكُشمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي أَأَسْجَدُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ الرَّاجِعُ الْمُنِيبُ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ - أَذَبْنَا لَهُ عَيْنَ الْحَدِيدِ - ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ مَا دُونَ الْقُصُورِ. ﴿وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ كَالْحِيَاضِ لِلْإِبِلِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالْجَوْبَةِ مِنْ الْأَرْضِ. ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ - إلى قوله - ﴿الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ - الْأَرَضَةُ - ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عَصَاهُ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿الْمُهِينِ﴾، ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي * فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. الْأَصْفَادُ: الْوَثَاقُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ صَفَنَ الْفَرَسُ رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ. ﴿الْجِيَادُ﴾ السِّرَاعُ. ﴿جَسَدًا﴾ شَيْطَانًا. ﴿رُخَاءً﴾ طَيِّبَةً. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ حَيْثُ شَاءَ. ﴿فَامْنُنْ﴾ أَعْطِ. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بِغَيْرِ حَرَجٍ.
٣٤٢٣ - حَدَّثَنِا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي
стр. 3652
مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا. عِفْرِيتٌ: مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ، مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَةُ.
٣٤٢٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لَاطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلاَّ وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ. فَقال النبي ﷺ : "لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قَالَ شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ تِسْعِينَ وَهُوَ أَصَحُّ.
٣٤٢٥ - حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ ثُمَّ قَالَ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ".
٣٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ".
٣٤٢٧ - "وَقَالَ: كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتْ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَةُ".
[الحديث ٣٤٢٧ - طرفه في: ٦٧٦٩]
قَوْلُهُ: (قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ الرَّاجِعُ الْمُنِيبُ) هُوَ تَفْسِيرُ الْأَوَّابِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْأَوَّابُ الرَّجَّاعُ عَنِ الذُّنُوبِ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الْمُطِيعُ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُوَ الْمُسَبِّحُ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ مَا دُونَ الْقُصُورِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ كَذَلِكَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمَحَارِيبُ جَمْعُ مِحْرَابٍ وَهُوَ مُقَدَّمُ كُلِّ بَيْتٍ، وَهُوَ أَيْضًا الْمَسْجِدُ وَالْمُصَلَّى.
قَوْلُهُ: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ كَالْحِيَاضِ لِلْإِبِلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْجَوَابِي جَمْعُ جَابِيَةٍ، وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ.
قَوْلُهُ: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) الْأَرَضَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ عَصَاهُ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمِنْسَأَةُ الْعَصَا. ثُمَّ ذَكَرَ تَصْرِيفَهَا وَهِيَ مِفْعَلَةٌ مِنْ نَسَأْتُ إِذَا
стр. 3653
زَجَرْتُ الْإِبِلَ أَيْ ضَرَبْتُهَا بِالْمِنْسَأَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ حُبًّا لَهَا، وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: كَشَفَ عَرَاقِيبَهَا وَضَرَبَ أَعْنَاقَهَا، وَقَالَ: لَا تَشْغَلُنِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ مَسَحَ عِلَاوَتَهُ إِذَا ضَرَبَ عُنُقَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (الْأَصْفَادُ الْوَثَاقُ) رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ أَيْ يَجْمَعُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْعُنُقِ بِالْأَغْلَالِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْأَصْفَادُ الْأَغْلَالُ وَاحِدُهَا صَفَدٌ، وَيُقَالُ لِلْغِطَاءِ أَيْضًا صَفَدٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّافِنَاتُ، صَفَنَ الْفَرَسُ رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: صَفَنَ الْفَرَسُ إِلَخْ، لَكِنْ قَالَ يَدَيْهِ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ رِجْلَيْهِ وَصَوَّبَ عِيَاضٌ مَا عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصَّافِنُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَثْنِي مُقَدَّمَ حَافِرِ إِحْدَى رِجْلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الْجِيَادُ السِّرَاعُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَوَاتَ أَجْنِحَةٍ.
قَوْلُهُ: (جَسَدًا شَيْطَانًا) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ آصِفُ، قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ كَيْفَ تَفْتِنُ النَّاسَ؟ قَالَ أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ، فَأَعْطَاهُ، فَنَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاخَ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ، فَأَنْكَرَتْهُ أُمُّ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ وَيُعَرِّفُهُمْ بِنَفْسِهِ فَيُكَذِّبُونَهُ حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ حُوتًا فَطَيَّبَ بَطْنَهُ فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ مُلْكَهُ، وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ اسْمَهُ آصِرُ آخِرُهُ رَاءٌ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اسْمَ الْجِنِّيِّ صَخْرٌ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ كَذَلِكَ وَأَخْرَجَ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِهِ مُطَوَّلَةً، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ آصِفَ اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (رُخَاءً طَيِّبَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ طَيِّبًا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: رُخَاءً قَالَ طَيِّبَةً.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ أَصَابَ حَيْثُ شَاءَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَامْنُنْ أَعْطِ، بِغَيْرِ حِسَابٍ بِغَيْرِ حَرَجٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسَابٍ أَيْ بِغَيْرِ ثَوَابٍ وَلَا جَزَاءٍ، أَوْ بِغَيْرِ مِنَّةٍ وَلَا قِلَّةٍ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفَلُّتِ الْعِفْرِيتِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (تَفَلَّتَ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَعَرَّضَ لِي فَلْتَةً أَيْ بَغْتَةً.
قَوْلُهُ: (الْبَارِحَةَ) أَيِ اللَّيْلَةَ الْخَالِيَةَ الزَّائِلَةَ، وَالْبَارِحُ الزَّائِلُ، وَيُقَالُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ الْبَارِحَةُ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ) أَيْ قَوْلَهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ وَفِي هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ رِعَايَةً لِسُلَيْمَانَ ﵇، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ خُصُوصِيَّةُ سُلَيْمَانَ اسْتِخْدَامَ الْجِنِّ فِي جَمِيعِ مَا يُرِيدُهُ لَا فِي هَذَا الْقَدْرِ فَقَطْ، وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ كَانُوا يَرَوْنَ الْجِنَّ فِي أَشْكَالِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ حَالَ تَصَرُّفِهِمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ أَحْوَالِ بَنِي آدَمَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَفْيَ رُؤْيَةِ الْإِنْسِ لِلْجِنِّ عَلَى هَيْئَتِهِمْ لَيْسَ بِقَاطِعٍ مِنَ الْآيَةِ بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ مُمْكِنٌ، فَإِنَّ نَفْيَ رُؤْيَتِنَا إِيَّاهُمْ مُقَيَّدٌ بِحَالِ رُؤْيَتِهِمْ لَنَا وَلَا يَنْفِي إِمْكَانَ رُؤْيَتِنَا لَهُمْ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ. وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عِفْرِيتٌ مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهُ زَبَانِيَةٌ) الزَّبَانِيَةُ فِي الْأَصْلِ اسْمُ أَصْحَابِ الشُّرْطَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْكُفَّارَ فِي النَّارِ،
стр. 3654
وَوَاحِدُ الزَّبَانِيَةِ زِبْنِيَةٌ وَقِيلَ: زَبْنِيٌّ وَقِيلَ: زَابِنٌ وَقِيلَ: زَبَانِيٌّ وَقَالَ قَوْمٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَقِيلَ وَاحِدُهُ زِبْنِيتٌ وَزْنُ عِفْرِيتٍ، وَيُقَالُ عِفْرِيَةٌ لُغَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عِفْرِيتٍ، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ زِبْنِيَةٍ أَيْ أَنَّهُ قِيلَ فِي عِفْرِيتٍ عِفْرِيَةٌ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ رُوِيَتْ فِي الشَّوَاذِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، وَأَبِي السِّمَالِ بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ فِي أثْرِ عِفْرِيَةٍ … مُصَوِّبٌ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ مُنْتَصِبُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ بَيَانِ أَحْوَالِ الْجِنِّ فِي بَابِ صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عَلَى مَرَاتِبٌ، فَالْأَصْلُ جِنِّيٌّ، فَإِنْ خَالَطَ الْإِنْسَ قِيلَ: عَامِرٌ، وَمَنْ تَعَرَّضَ مِنْهُمْ لِلصِّبْيَانِ قِيلَ: أَرْوَاحٌ، وَمَنْ زَادَ فِي الْخُبْثِ قِيلَ شَيْطَانٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ: مَارِدٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ: عِفْرِيتٌ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْعِفْرِيتُ مِنَ الْجِنِّ هُوَ الْعَارِمُ الْخَبِيثُ، وَإِذَا بُولِغَ فِيهِ قِيلَ عِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْعِفْرِيتُ الْمُوثَقُ الْخَلْقِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعَفَرِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَرَجُلٌ عِفِرٌّ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَثْقِيلِ ثَالِثِهِ إِذَا بُولِغَ فِيهِ قيلَ عِفْرِيتٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَثْقِيلِ ثَالِثِهِ إِذ ابُولِغَ فِيهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْحِزَامِيُّ وَلَيْسَ بِالْمَخْزُومِيِّ، وَاسْمُ جَدِّ الْحِزَامِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ، وَاسْمُ جَدِّ الْمَخْزُومِيِّ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لَأَطَّوَّفَنَّ اللَّيْلَةَ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي لَأُطِيفَنَّ وَهُمَا لُغَتَانِ. طَافَ بِالشَّيْءِ وَأَطَافَ بِهِ إِذَا دَارَ حَوْلَهُ وَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَاللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ وَهُوَ مَحْذُوفٌ، أَيْ وَاللَّهِ لَأَطَّوَّفَنَّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْحِنْثَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ قَسَمٍ، وَالْقَسَمُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُقْسَمٍ بِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً) كَذَا هُنَا مِنْ رِوَايَةِ مُغِيرَةَ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ فَقَالَ تِسْعِينَ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ وَرَجَّحَ تِسْعِينَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ عَلَى سَبْعِينَ وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ أَبِي الزِّنَادِ رَوَاهُ كَذَلِكَ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ: سَبْعِينَ وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ مِنْ طَرِيقِهِ.
وَلَكِنْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ: سَبْعِينَ بِتَقْدِيمِ السِّينِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: مِائَةِ امْرَأَةٍ وَكَذَا قَالَ طَاوُسٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ تِسْعِينَ وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَقَالَ: سَبْعِينَ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةً وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ: مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَذَا قَالَ عِمْرَانُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ: مِائَةُ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ عَلَى الشَّكِّ، فَمُحَصَّلُ الرِّوَايَاتِ سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وَتِسْعُونَ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَمِائَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أَنَّ السِّتِّينَ كُنَّ حَرَائِرَ وَمَا زَادَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ سِرَارِيَ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَأَمَّا السَّبْعُونَ فَلِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا التِّسْعُونَ وَالْمِائَةُ فَكُنَّ دُونَ الْمِائَةِ وَفَوْقَ التِّسْعِينَ فَمَنْ قَالَ تِسْعُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ وَمَنْ قَالَ مِائَةً جَبَرَهُ وَمَنْ ثَمَّ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: لَيْسَ فِي ذِكْرِ الْقَلِيلِ نَفْيُ الْكَثِيرِ وَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ الْعَدَدِ
وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَيْسَ بِكَافٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فِي الْمُبْتَدَا أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ ثَلَاثُمِائَةٍ مَهِيرَةٌ وَسَبْعُمِائَةِ سَرِيَّةٌ،
стр. 3655
وَنَحْوُهُ مِمَّا أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفُ بَيْتٍ مِنْ قَوَارِيرَ عَلَى الْخَشَبِ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ صَرْبَحَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سَرِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمَنِّي لِلْخَيْرِ، وَإِنَّمَا جَزَمَ بِهِ لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ، لِكَوْنِهِ قَصَدَ بِهِ الْخَيْرَ وَأَمْرَ الْآخِرَةِ لَا لِغَرَضِ الدُّنْيَا. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: نَبَّهَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى آفَةِ التَّمَنِّي وَالْإِعْرَاضِ عَنِ التَّفْوِيضِ، قَالَ: وَلِذَلِكَ نَسِيَ الِاسْتِثْنَاءَ لِيَمْضِيَ فِيهِ الْقَدْرُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ طَاوُسٍ الْآتِيَةِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي الْمَلَكَ وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّ تَفْسِيرَ صَاحِبِهِ بِالْمَلَكِ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ، لَكِنْ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِالشَّكِّ، وَمِثْلُهَا لِمُسْلِمٍ، وَفِي الْجُمْلَةِ فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ فَسَّرَ صَاحِبَهُ بِأَنَّهُ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ آصِفُ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ابْنُ بَرْخِيَا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِهِ: فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَوِ الْمَلَكُ إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ فَيَعْنِي بِهِ وَزِيرَهُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَإِنْ كَانَ الْمَلَكُ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ بِالْوَحْيِ، وَقَالَ: وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِهِ خَاطِرُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ: الْمُرَادُ بِصَاحِبِهِ الْمَلَكُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِهِ، وَقِيلَ: الْقَرِينُ، وَقِيلَ: صَاحِبٌ لَهُ آدَمِيٌّ. قُلْتُ: لَيْسَ بَيْنَ قَوْلِهِ صَاحِبُهُ وَالْمَلَكُ مُنَافَاةٌ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَةَ صَاحِبُهُ أَعَمُّ، فَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ لَهُمْ الِاحْتِمَالُ، وَلَكِنَّ الشَّكَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْجَزْمِ، فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ الْمَلَكُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَجْزِمْ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَقُلْ) قَالَ عِيَاضٌ: بُيِّنَ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى بِقَوْلِهِ: فَنَسِيَ. قُلْتُ: هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ شَيْخِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ قَالَ: وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَلَمْ يَقُلْ أَيْ بِلِسَانِهِ لَا أَنَّهُ أَبَى أَنْ يُفَوِّضَ إِلَى اللَّهِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي قَلْبِهِ، لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِذَلِكَ أَوَّلًا وَنَسِيَ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا قِيلَ لَهُ لِشَيْءٍ عَرَضَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَطَافَ بِهِنَّ) (١) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَأَطَافَ بِهِنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْهُ نِصْفَ إِنْسَانٍ وَهِيَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، حَكَى النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الشِّقَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْجَسَدُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أنَّ الْمُرَادَ بِالْجَسَدِ الْمَذْكُورِ شَيْطَانٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالنَّقَّاشُ صَاحِبُ مَنَاكِيرَ.
قَوْلُهُ: (لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ لَوِ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ كَذَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ وَقَوْلُهُ: دَرَكًا بِفَتْحَتَيْنِ مِنَ الْإِدْرَاكِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أَيْ لَحَاقًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ مَا طَلَبَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِخْبَارِهِ ﷺ بِذَلِكَ فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنِ اسْتَثْنَى فِي أُمْنِيَّتِهِ، بَلْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ رُجُوُّ الْوُقُوعِ وَفِي تَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ خَشْيَةُ عَدَمِ الْوُقُوعِ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ مُوسَى لِلْخَضِرِ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ مَعَ قَوْلِ الْخَضِرِ لَهُ آخِرًا ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ فِعْلِ الْخَيْرِ وَتَعَاطِي أَسْبَابِهِ، وَأَنْ كَثِيرًا стр. 3656
مِنَ الْمُبَاحِ وَالْمَلَاذِّ يَصِيرُ مُسْتَحَبًّا بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِثْنَاءِ لِمَنْ قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا، وَأَنَّ إِتْبَاعَ الْمَشِيئَةِ الْيَمِينَ يَرْفَعُ حُكْمَهَا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الِاتِّصَالِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ بَسْطٍ فِيهِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ إِذَا عَقَبَ الْيَمِينَ، وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَقِبَ قَوْلِ الْمَلَكِ لَهُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَفَادَ مَعَ التَّخَلُّلِ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِمِقْدَارِ كَلَامِ الْمَلَكِ، وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يكُونَ الْمَلَكُ قَالَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ احْتِمَالٌ مُمْكِنٌ يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ. وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ. وَهُوَ اتِّفَاقٌ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِيهِ مَا خُصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ الدَّالِّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْبِنْيَةِ وَقُوَّةِ الْفُحُولِيَّةِ وَكَمَالِ الرُّجُولِيَّةِ مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ وَالْعُلُومِ. وَقَدْ وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ أَبْلَغُ الْمُعْجِزَةِ لِأَنَّهُ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَعُلُومِهِ وَمُعَالَجَةِ الْخَلْقِ كَانَ مُتَقَلِّلًا مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ الْمُقْتَضِيَةِ لِضَعْفِ الْبَدَنِ عَلَى كَثْرَةِ الْجِمَاعِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ، وَيُقَالُ إِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ فَشَهْوَتُهُ أَشَدُّ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَتَّقِي يَتَفَرَّجُ بِالنَّظَرِ وَنَحْوِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنِ الشَّيْءِ وَوُقُوعِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ جَزَمَ بِمَا قَالَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ وَحْيٍ وَإِلَّا لَوَقَعَ، كَذَا قِيلَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يُظَنُّ بِسُلَيْمَانَ ﵇ أَنَّهُ قَطَعَ بِذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ إِلَّا مَنْ جَهِلَ حَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَدَبَهُمْ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَإِنْ قِيلَ مِنْ أَيْنَ لِسُلَيْمَانَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَائِهِ هَذَا الْعَدَدُ فِي لَيْلَةٍ؟! لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ لِأَنَّهُ مَا وَقَعَ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لِلَّهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ التَّمَنِّي عَلَى اللَّهِ وَالسُّؤَالِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ وَالْقَسَمِ عَلَيْهِ كَقَوْلِ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ وَاللَّهِ لَا يُكْسَرُ سِنُّهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا أَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ هَذَا عِنْدَهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ فَجَزَمَ بِهِ. وَأَقْرَبُ الِاحْتِمَالَاتِ مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ فَنَسِيَ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَمِنْ ثَمَّ سَاغَ لَهُ أَوَّلًا أَنْ يَحْلِفَ. وَأَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ. وَفِيهِ جَوَازُ السَّهْوِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي عُلُوِّ مَنْصِبِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنِ الشَّيْءِ أَنَّهُ سَيَقَعُ وَمُسْتَنَدُ الْمُخْبِرِ الظَّنُّ مَعَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الْقَوِيَّةِ لِذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ إِضْمَارِ الْمُقْسَمِ بِهِ فِي الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ: لَأَطَّوَّفَنَّ مَعَ قَوْلِهِ ﵇: لَمْ يَحْنَثْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ اللَّهِ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا وَرَدَ تَقْرِيرُهُ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَإِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِهِ كَأَنْ يُقَالَ لَعَلَّ التَّلَفُّظَ بِاسْمِ اللَّهِ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْحِكَايَةِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَطَّوَّفَنَّ يَصْدُقُ أَنَّهُ قَالَ لَأَطَّوَّفَنَّ فَإِنَّ اللَّافِظَ بِالْمُرَكَّبِ لَافِظٌ بِالْمُفْرَدِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِمُقْسَمٍ بِهِ مُعَيَّنٍ، فَمَنْ قَالَ أَحْلِفُ أَوْ أَشْهَدُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ يَمِينٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ لَوْ وَلَوْلَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ عَقَدَهُ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ.
وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ لِقَوْلِهِ لَأَطَّوَّفَنَّ بَدَلَ قَوْلِهِ لَأُجَامِعَنَّ.
الْحَدِيثُ الثالث.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ شَرِيكٍ.
قَوْلُهُ: (أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ) تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَوْلُهُ: أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ أَيْ وَقْتَ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَيَتَضَمَّنُ
стр. 3657
ذَلِكَ النَّدْبَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَكَانَ الْأَفْضَلَ لِلْعِبَادَةِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَا يُتْرَكُ الْمَأْمُورُ بِهِ لِفَوَاتِهِ بَلْ يُفْعَلُ الْمَأْمُورُ فِي الْمَفْضُولِ لِأَنَّهُ ﷺ كَأَنَّهُ فَهِمَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مِنْ تَخْصِيصِهِ السُّؤَالَ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَنَّهُ يُرِيدُ تَخْصِيصَ صَلَاتِهِ فِيهِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ إِيقَاعَ الصَّلَاةِ إِذَا حَضَرَتْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ. وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ. وَفِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى السُّؤَالِ فِي الْجَوَابِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِلسَّائِلِ فِي ذَلِكَ مَزِيدُ فَائِدَةٍ.
قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْأَعْرَجُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ، وَقَالَ كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا) هَكَذَا أَوْرَدَهُ، وَمُرَادُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا قَبْلَهُ - وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ - لِكَوْنِهِ سَمِعَ نُسْخَةَ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْآخَرِ، وَسَمِعَ الْإِسْنَادَ فِي السَّابِقِ دُونَ الَّذِي يَلِيهِ فَاحْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ لِلْمُصَنِّفِ مِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ فَذَكَرَ مِنْ هَذِهِ النُّسْخَةِ بِعَيْنِهَا حَدِيثَ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَلَمَّا ذَكَرَ فِي الْجُمُعَةِ حَدِيثَ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ لَمْ يَضُمَّ مَعَهُ شَيْئًا، وَذَكَرَ فِي الْجِهَادِ حَدِيثَ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ الْحَدِيثَ فَقَالَ قَبْلَهُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ أَيْضًا، وَذَكَرَ فِي الدِّيَاتِ حَدِيثَ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْكَ رَجُلٌ وَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلَهُ أَيْضًا، لَكِنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْفَرَائِضِ وَلَمْ يَضُمَّ مَعَهُ فِي أَوَّلِهِ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ هَذِهِ النُّسْخَةِ فَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْمُصَنِّفِ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ، وَكَأَنَّهُ حَيْثُ ضَمَّ إِلَيْهِ شَيْئًا أَرَادَ الِاحْتِيَاطَ، وَحَيْثُ لَمْ يَضُمَّ نَبَّهَ عَلَى الْجَوَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ فِي نُسْخَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْإِسْنَادَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَسُوقُ الْإِسْنَادَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا. وَصَنِيعُهُ فِي ذَلِكَ حَسَنٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ أَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ تَامًّا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ هَذِهِ وَسَاقَ الْمَتْنَ بِتَمَامِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُغِيرَةَ، وَسُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ الْمِزِّيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنْ كَانَ عَنَى هَذَا الْمَوْضِعَ فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ بِتَمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنَى مَوْضِعًا آخَرَ فَلَمْ أَرَهُ فِيهِ. ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي بَابِ الِانْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِي مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (مَثَلِي) أَيْ فِي دُعَائِيَ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ الْمُنْقِذِ لَهُمْ مِنَ النَّارِ وَمَثَلُ مَا تُزَيِّنُ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ مِنَ التَّمَادِي عَلَى الْبَاطِلِ (كَمَثَلِ رَجُلٍ إِلَخْ) وَالْمُرَادُ تَمْثِيلُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ لَا تَمْثِيلَ فَرْدٍ بِفَرْدٍ.
قَوْلُهُ: (اسْتَوْقَدَ) أَيْ أَوْقَدَ، وَزِيَادَةُ السِّينِ وَالتَّاءِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ عَالَجَ إِيقَادَهَا وَسَعَى فِي تَحْصِيلِ آلَاتِهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا زَادَ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ الْفَرَاشُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعْرُوفٌ وَيُطْلَقُ الْفَرَاشُ أَيْضًا عَلَى غَوْغَاءِ الْجَرَادِ الَّذِي يَكْثُرُ وَيَتَرَاكَمُ. وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْفَرَاشُ دَوَابٌّ مِثْلُ الْبَعُوضِ وَاحِدَتُهَا فَرَاشَةٌ، وَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ فِي الْمَحْشَرِ بِالْفِرَاشِ الْمَبْثُوثِ أَيْ فِي الْكَثْرَةِ وَالِانْتِشَارِ وَالْإِسْرَاعِ إِلَى الدَّاعِي.
قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ) قُلْتُ: مِنْهَا الْبَرْغَشُ وَالْبَعُوضُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَجَعَلَ الْجَنَابِذُ وَالْفَرَاشُ وَالْجَنَابِذُ جَمْعُ جُنْبُذٍ وَهُوَ عَلَى الْقَلْبِ، وَالْمَعْرُوفُ الْجَنَادِبُ جَمْعُ جُنْدُبٍ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا وَالْجِيمُ مَضْمُومَةٌ
стр. 3658
وَقَدْ تُكْسَرُ، وَهُوَ عَلَى خِلْقَةِ الْجَرَادَةِ يَصِرُّ فِي اللَّيْلِ صَرَّا شَدِيدًا، وَقِيلَ: إِنَّ ذَكَرَ الْجَرَادِ يُسَمَّى أَيْضًا الْجُنْدُبَ.
قَوْلُهُ: (تَقَعُ فِي النَّارِ) كَذَا فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبٍ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعْنَ فِي النَّارِ تَقَعْنَ فِيهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ الْمُخَالِفِينَ لَهُ بِالْفَرَاشِ وَتَسَاقُطَهُمْ فِي نَارِ الْآخِرَةِ بِتَسَاقُطِ الْفِرَاشِ فِي نَارِ الدُّنْيَا مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ وَمَنْعِهِ إِيَّاهُمْ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا اتِّبَاعُ الْهَوَى وَضَعْفُ التَّمْيِيزِ وَحِرْصُ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا مَثَلٌ كَثِيرُ الْمَعَانِي، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَلْقَ لَا يَأْتُونَ مَا يَجُرُّهُمْ إِلَى النَّارِ عَلَى قَصْدِ الْهَلَكَةِ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَهُ عَلَى قَصْدِ الْمَنْفَعَةِ وَاتِّبَاعِ الشَّهْوَةِ، كَمَا أَنَّ الْفَرَاشَ يَقْتَحِمُ النَّارَ لَا لِيَهْلِكَ فِيهَا بَلْ لِمَا يُعْجِبُهُ مِنَ الضِّيَاءِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا لَا تُبْصِرُ بِحَالٍ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّهَا تَكُونُ فِي ظُلْمَةٍ فَإِذَا رَأَتِ الضِّيَاءَ اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا كُوَّةٌ يَظْهَرُ مِنْهَا النُّورُ فَتَقْصِدُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَتَحْتَرِقُ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ بَصَرِهَا فَتَظُنُّ أَنَّهَا فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَأَنَّ السِّرَاجَ مَثَلًا كُوَّةٌ فَتَرْمِي بِنَفْسِهَا إِلَيْهِ وَهِيَ مِنْ شِدَّةِ طَيَرَانِهَا تُجَاوِزُهُ فَتَقَعُ فِي الظُّلْمَةِ فَتَرْجِعُ إِلَى أَنْ تَحْتَرِقَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِشِدَّةِ النُّورِ فَتَقْصِدُ إِطْفَاءَهُ فَلِشِدَّةِ جَهْلِهَا تُوَرِّطُ نَفْسَهَا فِيمَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَيْهِ، ذَكَرَ مُغَلْطَايْ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ مَشَايِخِ الطِّبِّ يَقُولُهُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّمْثِيلُ وَقَعَ عَلَى صُورَةِ الْإِكْبَابِ عَلَى الشَّهَوَاتِ مِنَ الْإِنْسَانِ بِإِكْبَابِ الْفَرَاشِ عَلَى التَّهَافُتِ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ جَهْلَ الْآدَمِيِّ أَشَدُّ مِنْ جَهْلِ الْفَرَاشِ ; لِأَنَّهَا بِاغْتِرَارِهَا بِظَوَاهِرِ الضَّوْءِ إِذَا احْتَرَقَتِ انْتَهَى عَذَابُهَا فِي الْحَالِ، وَالْآدَمِيُّ يَبْقَى فِي النَّارِ مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ أَبْدًا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ كَانَتِ امْرَأَتَانِ) لَيْسَ فِي سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ، وَكَذَا هُوَ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ شُعَيْبٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ. قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ وَلَا عَلَى اسْمِ وَاحِدٍ مِنَ ابْنَيْهِمَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ.
قَوْلُهُ: (فَتَحَاكَمَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَحَاكَمَتَا وَفِي نُسْخَةِ شُعَيْبٍ فَاخْتَصَمَا.
قَوْلُهُ: (فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى إِلَخْ) قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفُتْيَا مِنْهُمَا لَا الْحُكْمِ، وَلِذَلِكَ سَاغَ لِسُلَيْمَانَ أَنْ يَنْقُضَهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَضَى بِأَنَّهُمَا تَحَاكَمَا، وَبِأَنَّ فُتْيَا النَّبِيِّ وَحُكْمَهُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ تَنْفِيذِ ذَلِكَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاوَرَةِ فَوَضَحَ لِدَاوُدَ صِحَّةُ رَأْيِ سُلَيْمَانَ فَأَمْضَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اسْتَوَيَا عِنْدَ دَاوُدَ فِي الْيَدِ، فَقَدَّمَ الْكُبْرَى لِلسِّنِّ. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَحَكَى أَنَّهُ قِيلَ: كَانَ مِنْ شَرْعِ دَاوُدَ أَنْ يَحْكُمَ لِلْكُبْرَى قَالَ: وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْكِبَرَ وَالصِّغَرَ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَلَا أَثَرَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّرْجِيحِ، قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَكَادُ يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ.
قَالَ: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ دَاوُدَ ﵇ قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى لِسَبَبٍ اقْتَضَى بِهِ عِنْدَهُ تَرْجِيحَ قَوْلِهَا، إِذْ لَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَكَوْنُهُ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَلَدَ الْبَاقِيَ كَانَ فِي يَدِ الْكُبْرَى وَعَجَزَتِ الْأُخْرَى عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ قَالَ: وَهَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَأْبَاهُ وَلَا يَمْنَعُهُ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ سَاغَ لِسُلَيْمَانَ نَقْضُ حُكْمِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَدْ إِلَى نَقْضِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا احْتَالَ بِحِيلَةٍ لَطِيفَةٍ أَظْهَرَتْ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمَّا أَخْبَرَتَا سُلَيْمَانَ بِالْقِصَّةِ فَدَعَا بِالسِّكِّينِ لِيَشُقَّهُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اسْتِكْشَافَ الْأَمْرِ، فَحَصَلَ مَقْصُودُهُ لِذَلِكَ لِجَزَعِ الصُّغْرَى الدَّالِّ عَلَى عَظِيمِ الشَّفَقَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى إِقْرَارِهَا بِقَوْلِهَا هُوَ ابْنُ الْكُبْرَى لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا
стр. 3659
آثَرَتْ حَيَاتَهُ، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينَةِ شَفَقَةِ الصُّغْرَى وَعَدَمِهَا فِي الْكُبْرَى - مَعَ مَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهَا - مَا هَجَمَ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ لِلصُّغْرَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ ﵇ مِمَّنْ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، أَوْ تَكُونَ الْكُبْرَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ اعْتَرَفَتْ بِالْحَقِّ لَمَّا رَأَتْ مِنْ سُلَيْمَانَ الْجِدَّ وَالْعَزْمَ فِي ذَلِكَ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ عَلَى مُدَّعٍ مُنْكِرٍ بِيَمِينٍ، فَلَمَّا مَضَى لِيُحَلِّفَهُ مَنِ اسْتَخْرَجَ مِنَ الْمُنْكِرِ مَا اقْتَضَى إِقْرَارَهُ بِمَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى جَحْدِهِ، فَإِنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْيَمِينِ أَوْ بَعْدَهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ مِنْ بَابِ تَبَدُّلِ الْأَحْكَامِ بِتَبَدُّلِ الْأَسْبَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اسْتَنْبَطَ سُلَيْمَانُ لَمَّا رَأَى الْأَمْرَ مُحْتَمَلًا فَأَجَادَ، وَكِلَاهُمَا حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَاوُدُ حَكَمَ بِالنَّصِّ لَمَا سَاغَ لِسُلَيْمَانَ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ. وَدَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ الْفِطْنَةَ وَالْفَهْمَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِكِبَرِ سِنٍّ وَلَا صِغَرِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسُوغُ لَهُمُ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنْ كَانَ وُجُودُ النَّصِّ مُمْكِنًا لَدَيْهِمْ بِالْوَحْيِ، لَكِنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي أُجُورِهِمْ، وَلِعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْخَطَإِ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يُقِرُّونَ لِعِصْمَتِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ سُلَيْمَانَ فَعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إِظْهَارِ الْحَقِّ، فَكَانَ كَمَا لَوِ اعْتَرَفَ الْمَحْكُومُ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْحِيَلِ فِي الْأَحْكَامِ لِاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا بِمَزِيدِ الْفِطْنَةِ وَمُمَارَسَةِ الْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ لَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَنْبَغِي عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقِفَ قَلِيلًا بَعْدَ لَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلسَّامِعِ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا وَصَلَهُ بِمَا بَعْدَهُ يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ لَهُ، وَيَزُولُ الْإِيهَامُ فِي مِثْلِ هَذَا بِزِيَادَةِ وَاوٍ كَأَنْ يَقُولَ: لَا وَيَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأُمَّ تُسْتَحْلَفُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ تَعْلِيقًا، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالْمُدْيَةُ مُثَلَّثَةٌ الْمِيمُ قِيلَ: لِلسِّكِّينِ، ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ مَدَى حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَالسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُسَكِّنُ حَرَكَةَ الْحَيَوَانِ.
٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَلا تُصَعِّرْ﴾ الْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.
٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
стр. 3660
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَظِيمٌ﴾ اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ فَقِيلَ كَانَ حَبَشِيًّا، وَقِيلَ كَانَ نُوبِيًّا. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ نَبِيًّا؟ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: كَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ، وَاسْمُ أَبِيهِ عنقا بْنُ شيرون. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ ابْنُ بَاعُورَ بْنِ نَاحِرَ بْنِ آزَرَ فَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ. وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أُخْتِ أَيُّوبَ، وَقِيلَ: ابْنُ خَالَتِهِ. وَرَوَى الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّبَعِيِّ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَمَالِي أَنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِقَوْمٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ كَانَ لُقْمَانُ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ ذُو مَشَافِرَ، أَعْطَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَمَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عِنْدَ دَاوُدَ وَهُوَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ، فَجَعَلَ لُقْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ فَائِدَتِهِ فَتَمْنَعُهُ حِكْمَتُهُ أَنْ يَسْأَلَ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ عَاصَرَ دَاوُدَ ﵇. وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ دَاوُدَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ زَمَنَ دَاوُدَ ﵇، وَقِيلَ إِنَّهُ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ، وَكَأَنَّهُ اخْتَلَطَ عَلَيْهِ بِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُفْتِي قَبْلَ بَعْثِ دَاوُدَ، وَأَغْرَبَ الْوَاقِدِيُّ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَنَبِيِّنَا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَشُبْهَتُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَكْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِبَنِي الْحِسْحَاسِ بْنِ الْأَزْدِ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا.
قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَانَ صَالِحًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ نَبِيًّا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وَجَابِرٌ هُوَ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ، وَيُقَالُ إِنَّ عِكْرِمَةَ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ كَانَ نَبِيًّا، وَقِيلَ كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْتَقَهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا يَتَّجِرُ فِيهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ لُقْمَانَ خُيِّرَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ. وَفِي سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ضَعْفٌ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قَالَ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْحِكْمَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَقِيلَ كَانَ خَيَّاطًا وَقِيلَ نَجَّارًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ ابْنِهِ بَارَانُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ فِيهِ بِالدَّالِ فِي أَوَّلِهِ، وَقِيلَ اسْمُهُ أَنْعَمُ، وَقِيلَ شَكُورٌ وَقِيلَ بَابِلِيٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ﴾ الْإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وَهُوَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ أَوْرَدَهُ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لَا تَتَكَبَّرْ عَلَيْهِمْ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَصْلُ الصَّعَرِ - يَعْنِي بِالْمُهْمَلَتَيْنِ - دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا حَتَّى تَلْفِتَ أَعْنَاقَهَا عَنْ رُءُوسِهَا، فَيُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الْمُتَكَبِّرُ الْمُعْرِضُ عَنِ النَّاسِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: تُصَعِّرْ هِيَ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْقِرَاءَاتِ لَهُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ تُصَاعِرْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ لِمَا فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ مِنَ اثْنَيْنِ، وَتَكُونُ الْأُولَى أَشْمَلُ فِي اجْتِنَابِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْعَامِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَإِسْحَاقُ شَيْخُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
стр. 3661
٤٢ - بَاب ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ الْآيَةَ. ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: شَدَّدْنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ مَصَائِبُكُمْ
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ الْآيَةَ: فَعَزَّزْنَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: شَدَّدْنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَائِرُكُمْ: مَصَائِبُكُمْ) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِهَذَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِهِ. وَالْقَرْيَةُ الْمُرَادُ بِهَا أَنْطَاكِيَّةُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَوَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأ وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مَدِينَةً بِالْقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الْمَوْجُودَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ أَهْلَهَا. وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَثَرٌ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا السُّبُقُ ثَلَاثَةٌ يُوشَعُ إِلَى مُوسَى، وَصَاحِبُ يس إِلَى عِيسَى، وَعَلِيٌّ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَفِي إِسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ حُسَيْنٍ الْأَشْقَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنْ ثَبَتَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي زَمَنِ عِيسَى أَوْ بَعْدَهُ، وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهَا قَبْلَ عِيسَى. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ عَنْ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ اسْمَ صَاحِبِ يس حَبِيبٌ النَّجَّارُ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: كَانَ اسْمُهُ حَبِيبَ بْنَ بَرِّيٍّ، وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، وَعَنِ السُّدِّيِّ كَانَ قَصَّارًا، وَقِيلَ كَانَ إِسْكَافًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَاسْمُ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ صَادِقٌ، وَصَدُوقٌ، وَشَلُومُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَئِيِّ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزِ بِلَا مَدٍّ: كَانَ اسْمُ الرَّسُولَيْنِ شَمْعُونَ، وَيُوحَنَّا، وَاسْمُ الثَّالِثِ بُولِصْ. وَعَنْ قَتَادَةَ: كَانُوا رُسُلًا مِنْ قِبَلِ الْمَسِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِثْلًا، يُقَالُ: رَضِيًّا مَرْضِيًّا، عُتِيًّا عَصِيًّا، عَتَا يَعْتُو. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وَيُقَالُ: صَحِيحًا. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فَأَوْحَى: فَأَشَارَ. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، ﴿حَفِيًّا﴾ لَطِيفًا. ﴿عَاقِرًا﴾ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ.
٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
стр. 3662
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ فِي زَكَرِيَّا أَرْبَعُ لُغَاتٍ: الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَحَذْفُ الْأَلْفِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَفِيهِ تَشْدِيدُهَا أَيْضًا وَحَذْفُهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: لَا يُصْرَفُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَثَلًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ يَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا أَوْ شَبَهًا، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قَالَ: لَمْ يُسَمَّ يَحْيَى قَبْلَهُ غَيْرَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ رَضِيًّا: مَرْضِيًّا) حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ: مَرْضِيًّا تَرْضَاهُ أَنْتَ وَعِبَادُكَ.
قَوْلُهُ: (عِتِيًّا عِصِيًّا، عَتَا يَعْتُو) كَذَا فِيهِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّوَابُ بِالسِّينِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عِتِيًّا أَوْ عِسِيًّا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: كُلُّ مُبَالِغٍ مِنْ كِبْرٍ أَوْ كُفْرٍ أَوْ فَسَادٍ فَقَدْ عَتَا يَعْتُو عِتِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وَيُقَالُ صَحِيحًا) هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وَأَنْتَ صَحِيحٌ، فَحُبِسَ لِسَانُهُ فَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَيُسَبِّحُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكَلِّمَ النَّاسَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: اعْتُقِلَ لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَوْحَى: فَأَشَارَ) هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (حَفِيًّا: لَطِيفًا) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ أَيْ مُحْتَفِيَا، يُقَالُ تَحَفَّيْتُ بِفُلَانٍ.
قَوْلُهُ: (عَاقِرًا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَاقِرُ الَّتِي لَا تَلِدُ، وَالْعَاقِرُ الَّذِي لَا يَلِدُ، قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
لَبِئْسَ الْفَتَى إِنْ كَانَ أَعْوَرَ عَاقِرًا … جَبَانًا فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ
وَقَالَ أَيْضًا: لَفْظُ الذَّكَرِ فِيهِ مِثْلُ لَفْظِ الْأُنْثَى. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وُلِدَ يَحْيَى وَعَمَّرَ زَكَرِيَّا مِائَةً وَعِشْرينَ سَنَةً وَقِيلَ تِسْعِينَ وَقِيلَ اثْنَتيْنِ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ مِائَةً إِلَّا سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ إِلَّا سَنَةً.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَقَالَ فِيهِ وَفِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِنَّهُمَا ابْنَا خَالَةٍ وَزَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أدن وَيُقَالُ ابْنُ شَبْوِي وَيُقَالُ ابْنُ بَارْخِيَا وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي ابْنِ بَارْخِيَا، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ نَاشِي، وَهُمَا مِنْ ذُرِّيَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، وَاسْمُ أُمِّ مَرْيَمَ حِنَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ بِنْتُ فَاقُودَ وَاسْمُ أُخْتِهَا وَالِدَةُ يَحْيَى إِيشَاعُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ كَانَتْ حِنَا عِنْدَ عِمْرَانَ وَأُخْتُهَا عِنْدَ زَكَرِيَّا وَكَانَتْ حِنَةُ أَمْسَكَ عَنْهَا الْوَلَدُ ثُمَّ حَمَلَتْ بِمَرْيَمَ فَمَاتَ عِمْرَانُ وَهِيَ حَامِلٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنِ أَنَسٍ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمٍ وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا كَانَ حَمْلُهُمَا جَمِيعًا، فَبَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ يَحْيَى قَالَتْ لِمَرْيَمَ: إِنِّي أَرَى مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ، قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ لِفَضْلِ عِيسَى عَلَى يَحْيَى. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وُلِدَ يَحْيَى قَبْلَ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ فَقِيلَ نُبِّئَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَقِيلَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْفَهْمُ فِي الدِّينِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ زَكَرِيَّا وَابْنُهُ آخِرَ مَنْ بُعِثَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ عِيسَى، وَقَالَ أَيْضًا: أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَتْلَ زَكَرِيَّا فَفَرَّ مِنْهُمْ، فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ فَانْفَلَقَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا فَالْتَأَمَتْ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ الشَّيْطَانُ بِهُدْبَةِ ثَوْبِهِ فَرَأَوْهَا فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ عَلَى الشَّجَرَةِ فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهُ مِنْ وَسَطِهِ فِي جَوْفِهَا. وَأَمَّا يَحْيَى فَقُتِلَ بِسَبَبِ امْرَأَةٍ أَرَادَ مَلِكُهُمْ
стр. 3663
أَنْ يَتَزَوَّجهَا، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ بِنْتَ امْرَأَتِهِ، فَتَوَسَّلَتْ إِلَى الْمَلِكِ حَتَّى قَتَلَ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ عِيسَى. وَرَوَى أَصْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ دَمَ يَحْيَى كَانَ يَفُورُ حَتَّى قَتَلَ عَلَيْهِ بُخْتَنَصَّرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ أَلْفًا فَسَكَنَ.
٤٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾، ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَآلُ عِمْرَانَ: الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَآلِ يَاسِينَ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ . يَقُولُ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُقَالُ: آلُ يَعْقُوبَ أَهْلُ يَعْقُوبَ، فَإِذَا صَغَّرُوا آلَ ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْأَصْلِ قَالُوا أُهَيْلٌ
٣٤٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِأَخْبَارِ مَرْيَمَ ﵍، وَقَدْ قَدَّمْتُ شَيْئًا مِنْ شَأْنِهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَمَرْيَمُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْخَادِمُ، وَسُمِّيتْ بِهِ وَالِدَةُ عِيسَى فَامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَيُقَالُ إِنَّ مَرْيَمَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ مَنْ تُكْثِرُ مِنْ زِيَارَةِ الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ كَالزِّيرِ وَهُوَ مَنْ يُكْثِرُ زِيَارَةَ النِّسَاءِ، وَاسْتَشْهَدَ مَنْ زَعَمَ هَذَا بِقَوْلِ رُؤْبَةَ
قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ.
حَكَاهُ أَبُو حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَآلُ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ وَآلِ يَاسِينَ وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاصْطِفَاءِ بَعْضُ آلِ عِمْرَانَ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ آلُ يَعْقُوبَ أَهْلُ يَعْقُوبَ، إِذَا صَغَّرُوا آلَ رَدُّوهُ إِلَى الْأَصْلِ قَالُوا أُهَيْلُ) اخْتُلِفَ فِي آلَ فَقِيلَ أَصْلُهُ أَهْلُ فَقُلِبَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً بِدَلِيلِ ظُهُورِ ذَلِكَ فِي التَّصْغِيرِ وَهُوَ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إِلَى أَصْلِهَا، وَهَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ أَوْلُ مِنْ آلَ يَئُولُ إِذَا رَجَعَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَتَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا، وَتَصْغِيرُهُ عَلَى أُوَيْلٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ) فِي
стр. 3664
رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِيَةِ فِي بَابِ صِفَةِ إِبْلِيسَ بَيَانُ الْمَسِّ الْمَذْكُورِ لَفْظُهُ: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِأصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ أَيْ فِي الْمَشِيمَةِ الَّتِي فِيهَا الْوَلَدُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا الطَّعْنُ مِنَ الشَّيْطَانِ هُوَ ابْتِدَاءُ التَّسْلِيطِ، فَحَفِظَ اللَّهُ مَرْيَمَ وَابْنَهَا مِنْهُ بِبَرَكَةِ دَعْوَةِ أُمِّهَا حَيْثُ قَالَتْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وَلَمْ يَكُنْ لِمَرْيَمَ ذُرِّيَّةٌ غَيْرُ عِيسَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ أَيْ سَبَبُ صُرَاخِ الصَّبِيِّ أَوَّلَ مَا يُولَدُ الْأَلَمُ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، وَالِاسْتِهْلَالُ الصِّيَاحُ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا) تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِبْلِيسَ بِذِكْرِ عِيسَى خَاصَّةً فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَسِّ وَذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّعْنِ فِي الْجَنْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ قَبْلَ الْإِعْلَامِ بِمَا زَادَ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ رَوَاهُ خِلَاسٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ كُلُّ بَنِي آدَمَ قَدْ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِيهِ حِينَ وُلِدَ غَيْرَ عِيسَى وَأُمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ دُونَ الطَّعْنَةِ حِجَابًا فَأَصَابَ الْحِجَابَ وَلَمْ يُصِبْهُمَا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ وَالْمَقْصُودُ الِابْنُ كَقَوْلِكَ أَعْجَبَنِي زَيْدٌ، وَكَرَمُهُ فَهُوَ تَعَسُّفٌ شَدِيدٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ إِلَخْ) فِيهِ بَيَانٌ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِدْرَاجًا وَأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.
٤٥ - بَاب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يُقَالُ: يَكْفُلُ يَضُمُّ. كَفَلَهَا: ضَمَّهَا مُخَفَّفَةً. لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا.
٣٤٣٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ.
[الحديث ٣٤٣٢ - طرفه في: ٣٨١٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ - الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ يُقَالُ يَكْفُلُ يَضُمُّ كَفَلَهَا ضَمَّهَا مُخَفَّفَةً، لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ وَشَبَهِهَا) أَشَارَ بِقَوْلِهِ: مُخَفَّفَةً إِلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَهَا الْكُوفِيُّونَ كَفَّلَهَا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَفَّلَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا، وَفِي قِرَاءَتِهِمْ زَكَرِيَّا بِالْقَصْرِ إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ قَرَأَهُ بِالْمَدِّ فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقْرَأَ زَكَرِيَّاءَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ يُقَالُ كَفَلَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ ضَمَّهَا، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أَيْ يَضُمُّ انْتَهَى. وَكَسْرُ الْفَاءِ هُوَ فِي قِرَاءَةِ بَعْضِ التَّابِعِينَ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّةً وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي ذَلِكَ، وَأُيِّدَ بِذِكْرِهَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي
стр. 3665
سُورَةِ مَرْيَمَ، وَلَا يَمْنَعُ وَصْفَهَا بِأَنَّهَا صِدِّيقَةٌ فَقَدْ وُصِفَ يُوسُفُ بِذَلِكَ. وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ فِي النِّسَاءِ عِدَّةَ نَبِيَّاتٍ، وَحَصَرَهُنَّ ابْنُ حَزْمٍ فِي سِتٍّ، حَوَّاءَ وَسَارَةَ وَهَاجَرَ وَأُمِّ مُوسَى وَآسِيَةَ وَمَرْيَمَ. وَأَسْقَطَ الْقُرْطُبِيُّ سَارَةَ وَهَاجَرَ، وَنَقَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ. وَقَالَ عِيَاضٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ أَنَّ الْإِمَامَ (١) نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ نَبِيَّةً. وَعَنِ الْحَسَنِ: لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ وَلَا فِي الْجِنِّ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ، وَنَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِرِ الرَّوْضِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَيِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْهُ هَكَذَا ; وَخَالَفَهُمْ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فَرَوَيَاهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ زَادَ فِي الْإِسْنَادِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَالصَّوَابُ إِسْقَاطُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ) أَيْ نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي زَمَانِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مَرْيَمَ خَيْرُ نِسَائِهَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ أَفْضَلُ إِخْوَانِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِمَنْعِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ فُلَانٌ أَفْضَلُ الدُّنْيَا. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى خَيْرُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ، وَفِي رِوَايَةٍ خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ وَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهَا، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الزَّجَّاجُ وَجَمَاعَةٌ وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ ; وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُرَادَ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ نِسَاءُ تِلْكَ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ فِيهِ مُضْمَرَةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ النِّسَاءِ الْفَاضِلَاتِ، وَيَدْفَعُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمُتَقَدِّمُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُهَا وَغَيْرُ آسِيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ) أَيْ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: خَدِيجَةُ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ مُطْلَقًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخَرِ قِصَّةِ مُوسَى حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي ذِكْرِ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَهُوَ يَقْتَضِي فَضْلَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ النِّسَاءِ، وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ آسِيَةَ وَأَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِنِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ، أَيْ مِنْ نِسَاءِ الْأُمَّم الْمَاضِيَةِ، إِلَّا أنْ حَمَلْنَا الْكَمَالَ عَلَى النُّبُوَّةِ فَيَكُونُ عَلَى إِطْلَاقِهِ. وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ وَمَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَذَكَرَهُنَّ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ مَلَكٌ فَبَشَّرَهُ أَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ خَدِيجَةَ مِنْ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ.
٤٦ - بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يُبَشِّرُكِ وَيَبْشُرُكِ وَاحِدٌ. وَجِيهًا شَرِيفًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: المَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ. وَالْأَكْمَهُ: مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ يُولَدُ أَعْمَى.
٣٤٣٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى стр. 3666
الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.
٣٤٣٤ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ". يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ". تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ٣٤٣٤ - طرفاه في: ٥٠٨٢، ٥٣٦٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِزِيَادَةِ وَاوٍ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْوَاوُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا هَذِهِ فَبِغَيْرِ وَاوٍ.
قَوْلُهُ: (يَبْشُرُكِ وَيُبَشِّرُكِ وَاحِدٌ) يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْأُولَى وَهِيَ بِالتَّخْفِيفِ قِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَحَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَالْبَشِيرُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ الْمَرْءَ بِمَا يَسُرُّهُ مِنْ خَيْرٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الشَّرِّ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: وَجِيهًا أَيْ (شَرِيفًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْوَجِيهُ الَّذِي يَشْرُفُ وَتُوَجِّهُهُ الْمُلُوكُ أَيْ تُشَرِّفُهُ، وَانْتَصَبَ قَوْلُهُ: وَجِيهًا عَلَى الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ) وَصَلَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ قَالَ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مُرَادُ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. قُلْتُ: وَهَذَا بِخِلَافِ تَسْمِيَةِ الدَّجَّالِ الْمَسِيحَ فَإِنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يُقَالُ إِنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَمْسَحُ الْأَرْضَ وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ فَهُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، قِيلَ فِي الْمَسِيحِ عِيسَى أَيْضًا إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَسْحِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ، وَيُقَالُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ الْبَرَكَةِ مَسَحَهُ زَكَرِيَّا وَقِيلَ: يَحْيَى، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الْأَخْمَصَيْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ جَمِيلًا. يُقَالُ: مَسَحَهُ اللَّهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بِهِ مَسْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْمُسُوحَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قَال: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ انْتَهَى، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: إِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا الْكَهْلُ عِنْدَهُمْ مَنْ نَاهَزَ الْأَرْبَعِينَ أَوْ قَارَبَهَا، وَقِيلَ: مَنْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ وَقِيلَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُجَاهِدًا فَسَّرَهُ بِلَازِمِهِ الْغَالِبِ، لِأَنَّ الْكَهْلَ غَالِبًا يَكُونُ فِيهِ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَكَهْلًا هَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَجِيهًا أَوْ هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُكَلِّمُ أَيْ يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا وَكَهْلًا؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَّجِهُ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (الْأَكْمَهُ مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ مَنْ يُولَدُ أَعْمَى) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ تَفَرَّدَ بِهِ مُجَاهِدٌ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَعْشَى. وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ فَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَخْرَجَهُ
стр. 3667
الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ مَضْمُومُ الْعَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: الْأَكْمَهُ الْأَعْمَى. وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَعَنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهِمْ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَشْبَهُ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ قَوْلُ قَتَادَةَ، لِأَنَّ عِلَاجَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ مُعْجِزَةِ عِيسَى ﵇، فَالْأَشْبَهُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ عَلَيْهَا وَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِثْبَاتِ الْمُعْجِزَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَيْثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدَيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي فَضْلِ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي آخَرِ قِصَّةِ مُوسَى ﵇.
تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ.
ثَانِيهمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ فِي النِّكَاحِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا تَفْضِيلٌ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى نِسَاءِ الْعَرَبِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْإِبِلِ غَالِبًا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَحْنَاهُ) أَشْفَقُهُ، حَنَى يَحْنُو وَيَحْنِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَأَحْنَى يُحْنِي مِنَ الرُّبَاعِيِّ: أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ، وَالْحَانِيَةُ الَّتِي تَقُومُ بِوَلَدِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، قَالَ: وَحَنَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى وَلَدِهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ. قَالَ الْحَسَنُ فِي الْحَانِيَةِ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ وَلَا تَتَزَوَّجُ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: أَحَنًّى بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: لَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَنَانِ بِفَتْحٍ وَتَخْفِيفٍ وَهُوَ الرَّحْمَةُ، وَحَنَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى وَلَدِهَا وَإِلَى زَوْجِهَا سَوَاءٌ كَانَ بِصَوْتٍ أَمْ لَا، وَمِنَ الَّذِي بِالصَّوْتِ حَنِينُ الْجِذْعِ وَأَصْلُهُ تَرْجِيعُ صَوْتِ النَّاقَةِ عَلَى أَثَرِ وَلَدِهَا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَحْنَاهُنَّ لَكِنْ جَرَى لِسَانُ الْعَرَبِ بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بَعِيرًا قَطُّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَدْخُلْ فِي هَذَا التَّفْضِيلِ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ، وَالْفَضْلُ الْوَارِدُ فِي خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَعَائِشَةَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ قِيلِ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقِّ امْرَأَةٍ أَنَّهَا نَبِيَّةٌ فَهِيَ خَارِجَةٌ بِالشَّرْعِ لِأَنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ لَا شَيْءَ بَعْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَيَحْتَاجُ مَنْ يُخْرِجُهُنَّ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ، فَأَشَارَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَدْخُلْ فِي هَذَا الْعُمُومِ، لِأَنَّهُ قَيَّدَ أَصْلَ الْفَضْلِ بِمَنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ وَمَرْيَمُ لَمْ تَرْكَبْ بَعِيرًا قَطُّ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: كَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ظَنَّ أَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ يُطْلَقُ الْبَعِيرُ عَلَى الْحِمَارِ.
وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: لَمْ تَكُنْ إِخْوَةُ يُوسُفَ رُكْبَانًا إِلَّا عَلَى أَحْمِرَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِبِلٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَغَيْرِهَا الْأَحْمِرَةُ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ هُنَا:: الْبَعِيرُ الْحِمَارُ، وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا الْكُوَاشِيُّ (١) وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّةً، وَيُؤَيِّدُ ذِكْرَهَا فِي سُورَةِ مَرْيَمَ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا يَمْنَعُ وَصْفَهَا بِأَنَّهَا صِدِّيقَةٌ فَإِنَّ يُوسُفَ وُصِفَ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّاتٍ. وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِسِتٍّ: حَوَّاءَ وَسَارَةَ وَهَاجَرَ وَأُمِّ مُوسَى وَآسِيَةَ وَمَرْيَمَ، وَلَم يَذْكُرِ الْقُرْطُبِيُّ سَارَةَ وَلَا هَاجَرَ، وَنَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِرِ الرَّوْضِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ نَبِيَّةً، وَنَسَبَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِجَمَاعَةٍ، وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ стр. 3668
وَلَا فِي الْجِنِّ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ) فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَرْكَبْ بَعِيرًا قَطُّ أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَدْخُلْ فِي النِّسَاءِ الْمَذْكُورَاتِ بِالْخَيْرِيَّةِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُنَّ بِرُكُوبِ الْإِبِلِ وَمَرْيَمُ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهَا أَفْضَلُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَمَّا مُتَابَعَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ فَوَصَلَهَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ إِسْحَاقَ الْكَلْبِيِّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ عَنْهُ.
٤٧ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَلِمَتُهُ: كُنْ فَكَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا. ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾
٣٤٣٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ.
قَالَ الْوَلِيدُ: وحَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنَادَةَ، وَزَادَ: مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيَّهَا شَاءَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ - إِلَى - ﴿وَكِيلا﴾ قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ قُلْ وَهُوَ الصَّوَابُ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ قُلْ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الْآيَةَ، وَلَكِنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ بِدَلِيلِ إِيرَادِهِ لِتَفْسِيرِ بَعْضِ مَا وَقَعَ فِيهَا فَالِاعْتِرَاضُ مُتَّجَهٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَلِمَتُهُ كُنْ فَكَانَ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَوَقَعَ نَظِيرُهُ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: وَرُوحٌ مِنْهُ أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ قَوْلُهُ كُنْ فَكَانَ، وَرُوحٌ مِنْهُ اللَّهُ ﵎ أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا. ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أَيْ لَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ هُوَ بَقِيَّةُ الْآيَةِ الَّتِي فَسَّرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَادَةَ) هُوَ ابْنُ الصَّامِتِ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ الْمَذْكُورَةِ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ جُنَادَةَ حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) زَادَ
стр. 3669
ابْنُ الْمَدِينِيِّ فِي رِوَايَتِهِ وَابْنُ أَمَتِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَقْصُودُ هَذَا الْحَدِيثِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلنَّصَارَى مِنَ الضَّلَالِ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يُلَقَّنُهُ النَّصْرَانِيُّ إِذَا أَسْلَمَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمُ الْمَوْقِعِ، وَهُوَ مِنْ أَجْمَعِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْعَقَائِدِ ; فَإِنَّهُ جُمِعَ فِيهِ مَا يَخْرُجُ عَنْهُ جَمِيعُ مِلَلِ الْكُفْرِ عَلَى اخْتِلَافِ عَقَائِدِهِمْ وَتَبَاعُدِهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي ذِكْرِ عِيسَى تَعْرِيضٌ بِالنَّصَارَى وَإِيذَانٌ بِأَنَّ إِيمَانَهُمْ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ شِرْكٌ مَحْضٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: عَبْدُهُ وَفِي ذِكْرِ رَسُولُهُ تَعْرِيضٌ بِالْيَهُودِ فِي إِنْكَارِهِمْ رِسَالَتَهُ وَقَذْفِهِ بِمَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ وَكَذَا أُمُّهُ، وَفِي قَوْلِهِ: وَابْنُ أَمَتِهِ تَشْرِيفٌ لَهُ، وَكَذَا تَسْمِيَتُهُ بِالرُّوحِ وَوَصْفُهُ بِأَنَّهُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْهُ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ سَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَائِنَةً مِنْهُ، أَيْ أَنَّهُ مُكَوِّنُ كُلِّ ذَلِكَ وَمُوجِدُهُ بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَكَلِمَتُهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَبْدَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأَنْطَقَهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَأَحْيَا الْمَوْتَى عَلَى يَدِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّهُ أَوْجَدَهُ بِقَوْلِهِ كُنْ، فَلَمَّا كَانَ بِكَلَامِهِ سُمِّيَ بِهِ كَمَا يُقَالُ سَيْفُ اللَّهِ وَأَسَدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: لِمَا قَالَ فِي صِغَرِهِ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ بِالرُّوحِ فَلِمَا كَانَ أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَقِيلَ لِكَوْنِهِ ذَا رُوحٍ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ جُزْءٍ مِنْ ذِي رُوحٍ. وَقَوْلُهُ: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ مِنْ أَيْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ (١) يَقْتَضِي دُخُولَهُ الْجَنَّةَ وَتَخْيِيرَهُ فِي الدُّخُولِ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَهُوَ بِخِلَافِ ظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلِّ دَاخِلٍ الْجَنَّةَ بَابًا مُعَيَّنًا يَدْخُلُ مِنْهُ، قَالَ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مُخَيَّرٌ، لَكِنَّهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ فَيَخْتَارُهُ فَيَدْخُلُهُ مُخْتَارًا لَا مَجْبُورًا وَلَا مَمْنُوعًا مِنَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِهِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ شَاءَ هُوَ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ يُدْخِلُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنَ الْبَابِ الْمُعَدِّ لِعَامِلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْوَلِيدُ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ وَحَدَّهُ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَوْزَاعِيَّ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جُنَادَةَ وَزَادَ) أَيْ عَنْ جُنَادَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالزِّيَادَةِ وَلَفْظُهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِدُخُولِ جَمِيعِ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّةَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ أَيْ مِنْ صَلَاحٍ أَوْ فَسَادٍ، لَكِنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ أَيْ يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ.
(تَنْبِيهٌ):
وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ وَحْدَهُ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بَدَلَ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جَابِرٍ: مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيِّهَا شَاءَ. وَبَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قِطْعَةً مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الرِّقَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ يَخْتَصِرُ الْحَدِيثَ، وَأَنَّ الْمُتَعَيَّنَ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ الْمُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِالْحَدِيثِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْعَاصِيَ стр. 3670
يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتُبْ يَجِبُ دُخُولُهُ فِي النَّارِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالْعَمَلُ حِينَئِذٍ غَيْرُ حَاصِلٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ إِلَّا إِذَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِنْ لَازِمِ أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُخَصُّ بِهِ هَذَا الْعُمُومُ، وَإِلَّا فَالْجَمِيعُ تَحْتَ الرَّجَاءِ، كَمَا أَنَّهُمْ تَحْتَ الْخَوْفِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّهُمْ فِي خَطَرِ الْمَشِيئَةِ.
٤٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ نَبَذْنَاهُ: أَلْقَيْنَاهُ. اعْتَزَلَتْ ﴿شَرْقِيًّا﴾ مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ. ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ أَفْعَلْتُ مِنْ جِئْتُ، وَيُقَالُ: أَلْجَأَهَا: اضْطَرَّهَا. ﴿تُسَاقِطْ﴾ تَسْقُطْ. ﴿قَصِيًّا﴾ قَاصِيًا. ﴿فَرِيًّا﴾ عَظِيمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَسْيًا﴾ لَمْ أَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: النِّسْيُ: الْحَقِيرُ. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حِينَ قَالَتْ: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قَالَ وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ: ﴿سَرِيًّا﴾ نَهَرٌ صَغِيرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ.
٣٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى. وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، فجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ، ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الْأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ وَلَمْ تَفْعَلْ.
٣٤٣٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لَقِيتُ مُوسَى قَالَ فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ قَالَ وَلَقِيتُ عِيسَى فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ يَعْنِي الْحَمَّامَ وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ
стр. 3671
وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ قَالَ وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لِي خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ لِي هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ".
٣٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قال النبي ﷺ : "رَأَيْتُ عِيسَى ومُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ".
٣٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَيْ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ".
٣٤٤٠ - وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطِطًا أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ".
تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ
[الحديث ٣٤٤٠ - أطرافه في: ٣٤٤١، ٥٩٠٢، ٦٩٩٩، ٧٠٢٦، ٧١٢٨]
٣٤٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَا وَاللَّهِ مَا قال النبي ﷺ : "لِعِيسَى أَحْمَرُ وَلَكِنْ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ابْنُ مَرْيَمَ فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا الدَّجَّالُ وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ".
٣٤٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَاتٍ
стр. 3672
لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ".
[الحديث ٣٤٤٢ - طرفه في: ٣٤٤٣]
٣٤٤٣ - حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح بن سليمان حدثنا هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد". وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ .
٣٤٤٤ - وحَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ أَسَرَقْتَ قَالَ كَلَا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَقَالَ عِيسَى آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي".
٣٤٤٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
٣٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ".
٣٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ".
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ هُمْ الْمُرْتَدُّونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁".
стр. 3673
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِأَخْبَارِ عِيسَى ﵇، وَالْأَبْوَابُ الَّتِي قَبْلَهُ لِأَخْبَارِ أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: أَصَابَ مَرْيَمَ حَيْضٌ فَخَرَجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَقَامَتْ شَرْقِيَّ الْمِحْرَابِ.
قَوْلُهُ: (فَنَبَذْنَاهُ: أَلْقَيْنَاهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ قَالَ: أَلْقَيْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ أَيِ اعْتَزَلَتْ وَتَنَحَّتْ.
قَوْلُهُ: (اعْتَزَلَتْ شَرْقِيًّا مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ خَيْرٌ مِنَ الْغَرْبِيِّ الَّذِي يَلِي الْغَرْبَ.
قَوْلُهُ: (فَأَجَاءَهَا: أَفَعَلْتُ مِنْ جِئْتُ وَيُقَالُ أَلْجَأَهَا اضْطَرَّهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ مَجَازُهُ أَفْعَلَهَا مِنْ جَاءَتْ، وَأَجَاءَهَا غَيْرُهَا إِلَيْهِ، يَعْنِي فَهُوَ مِنْ مَزِيدِ جَاءَ، قَالَ زُهَيْرٌ:
وَجَاءَ وَسَارَ مُعْتَمِدًا إِلَيْكُمْ … أَجَاءَتْهُ الْمَخَافَةُ وَالرَّجَاءُ
وَالْمَعْنَى أَلْجَأَتْهُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ أَجَاءَ مَنْقُولٌ مِنْ جَاءَ، إِلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ تَغَيَّرَ بَعْدَ النَّقْلِ إِلَى مَعْنَى الْإِلْجَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿تُسَاقِطْ﴾ تُسْقِطُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَضُبِطَ تُسْقِطُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَالْفَاعِلُ النَّخْلَةُ عِنْدَ مَنْ قَرَأَهَا بِالْمُثَنَّاةِ، أَوِ الْجِذْعُ عِنْدَ مَنْ قَرَأَهَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَصِيًّا﴾ قَاصِيًا) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أَيْ بَعِيدًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَرِيًّا﴾ عَظِيمًا) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أَيْ عَجَبًا فَائِقًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسْيًا لَمْ أَكُنْ شَيْئًا) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أَيْ لَمْ أُخْلَقْ وَلَمْ أَكُنْ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ النَّسْيُ الْحَقِيرُ) هُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ، وَقِيلَ هُوَ مَا سَقَطَ فِي مَنَازِلِ الْمُرْتَحِلِينَ مِنْ رُذَالَةِ أَمْتِعَتِهِمْ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أَيْ شَيْئًا لَا يُذْكَرُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حِينَ قَالَتْ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ قَالَ: قَرَأَ أَبُو وَائِلٍ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ، وَقَوْلُهُ نُهْيَةٍ: بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ أَيْ ذُو عَقْلٍ وَانْتِهَاءٍ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ تَقِيٌّ كَانَ مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ إِلَخْ) ذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَصَلَهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ، فَلَعَلَّهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، عَنِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (سَرِيًّا: نَهَرٌ صَغِيرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ) كَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ مُعَلَّقًا، وَأَوْرَدَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَإِنَّمَا قَالَ الْبَرَاءُ: السَّرِيُّ الْجَدْوَلُ وَهُوَ النَّهَرُ الصَّغِيرُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ السَّرِيَّ النَّهَرُ الصَّغِيرُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا وَأَنْشَدَ لِلَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
فَرَمَى بِهَا عُرْضَ السَّرِيِّ فَغَادَرَا … مَسْجُورَةً مُتَجَاوِزٌ أَقْلَامُهَا
وَالْعُرْضُ بِالضَّمِّ النَّاحِيَةُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: السَّرِيُّ الْجَدْوَلُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: السَّرِيُّ هُوَ عِيسَى، وَهَذَا شَاذٌّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
стр. 3674
مَرْفُوعًا السَّرِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَهَرٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لِمَرْيَمَ لِتَشْرَبَ مِنْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ: أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْمَهْدِ، وَأَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى لِأَنَّهُ أَوَّلُهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ مُقَيَّدًا بِالْمَهْدِ وَكَلَامُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَطْفَالِ بِغَيْرِ مَهْدٍ، لَكِنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي طَرَحَتْهُ أُمُّهُ فِي الْأُخْدُودِ كَانَ ابْنَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَصُرِّحَ بِالْمَهْدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى النَّوَوِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ صَاحِبَ الْأُخْدُودِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْدِ، وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِهِ هَذَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ فَلَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَ الَّذِي هُنَا وَذَكَرَ شَاهِدَ يُوسُفَ وَالصَّبِيَّ الرَّضِيعَ الَّذِي قَالَ لِأُمِّهِ وَهِيَ مَاشِطَةُ بِنْتِ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَرَادَ فِرْعَوْنُ إِلْقَاءَ أُمِّهِ فِي النَّارِ اصْبِرِي يَا أُمَّهْ فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَيَجْتَمِعُ مِنْ هَذَا خَمْسَةٌ. وَوَقَعَ ذِكْرُ شَاهِدِ يُوسُفَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ هِلَالِ بْنِ يَسَافَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ الْمَاشِطَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ أَنَّ امْرَأَةً جِيءَ بِهَا لَتُلْقَى فِي النَّارِ أَوْ لِتَكْفُرَ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ، فَتَقَاعَسَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ.
وَزَعَمَ الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ يَحْيَى تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ أَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَإِنْ ثَبَتَ صَارُوا سَبْعَةً. وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ. وَفِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ أَوَائِلَ مَا وُلِدَ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُبَارَكُ الْيَمَامَةِ وَقِصَّتُهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعْرِضٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي شَاهِدِ يُوسُفَ: فَقِيلَ كَانَ صَغِيرًا، وَهَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ ذَا لِحْيَةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ أَيْضًا كَانَ حَكِيمًا مِنْ أَهْلِهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ) بِجِيمَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كَمَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَالْأَعْرَجُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ، وَأَبُو رَافِعٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَبُو سَلَمَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنَ الْفَائِدَةِ. وَأَوَّلُ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ تَاجِرًا، وَكَانَ يَنْقُصُ مَرَّةً وَيَزِيدُ أُخْرَى. فَقَالَ: مَا فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ خَيْرٌ، لَأَلْتَمِسَنَّ تِجَارَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ، فَبَنَى صَوْمَعَةً وَتَرَهَّبَ فِيهَا، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِهِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا التَّرَهُّبَ وَحَبْسَ النَّفْسِ فِي الصَّوَامِعِ. وَالصَّوْمَعَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ هِيَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ الْمُحَدَّدُ أَعْلَاهُ، وَوَزْنُهَا فَوْعَلَةٌ مِنْ صَمَعْتُ إِذَا دَقَقْتُ لِأَنَّهَا دَقِيقَةُ الرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَتْه أُمُّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَلَى اسْمِهَا. وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَكَانَتْ أُمُّهُ تَأْتِيهِ فَتُنَادِيهِ فَيُشْرِفُ عَلَيْهَا فَيُكَلِّمُهَا، فَأَتَتْهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَأَتَتْهُ أُمُّهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَادَتْهُ قَالَتْ: أَيْ جُرَيْجُ أَشْرِفْ عَلَيَّ أُكَلِّمْكَ، أَنَا أُمُّكَ.
قَوْلُهُ: (فَدَعَتْهُ فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَظَالِمِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُمِّي وَصَلَاتِي أَيِ اجْتَمَعَ عَلَيَّ إِجَابَةُ أُمِّي وَإِتْمَامُ صَلَاتِي فَوَفِّقْنِي لِأَفْضَلِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ فَصَادَفَتْهُ
стр. 3675
يُصَلِّي، فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى حَاجِبِهَا فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَرَجَعَتْ. ثُمَّ أَتَتْهُ فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي، فَقَالَ مِثْلَهُ فَذَكَرَهُ. وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهَا جَاءَتْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تُنَادِيهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ أُمِّي وَصَلَاتِي لِرَبِّي، أُوثِرُ صَلَاتِي عَلَى أُمِّي، ذَكَرَهُ ثَلَاثًا وَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَطَقَ بِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ ذِكْرَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ عَالِمًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَةَ أُمِّهِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وُجُوهِ الْمَيَامِيسِ وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَةَ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: فَغَضِبَتْ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتَنَّ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ وَالْمُومِسَاتُ جَمْعُ مُومِسَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهِيَ الزَّانِيَةُ وَتُجْمَعُ عَلَى مَوَامِيسَ بِالْوَاوِ، وَجُمِعَ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الْخَشَّابِ أَيْضًا وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ وَجَوَّزَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فِيهِ الْهَمْزَةَ بَدَلَ الْيَاءِ بَلْ أَثْبَتَهَا رِوَايَةً، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فَقَالَتْ أَبَيْتَ أَنْ تُطْلِعَ إِلَيَّ وَجْهَكَ، لَا أَمَاتَكَ اللَّهُ حَتَّى تَنْظُرَ فِي وَجْهِكَ زَوَانِي الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا) فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَذَكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِبَادَةَ جُرَيْجٍ، فَقَالَتْ بَغِيٌّ مِنْهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ، قَالُوا: قَدْ شِئْنَا. فَأَتَتْهُ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَاعٍ كَانَ يُؤوِي غَنَمَهُ إِلَى أَصْلِ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ مَلِكِ الْقَرْيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ عِنْدَ صَوْمَعَتِهِ رَاعِي ضَأْنٍ وَرَاعِيَةُ مِعْزَى. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ دَارِ أَبِيهَا بِغَيْرِ عِلْمِ أَهْلِهَا مُتَنَكِّرَةً، وَكَانَتْ تَعْمَلُ الْفَسَادَ إِلَى أَنِ ادَّعَتْ أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْتِنَ جُرَيْجًا، فَاحْتَالَتْ بِأَنْ خَرَجَتْ فِي صُورَةِ رَاعِيَةٍ لِيُمْكِنَهَا أَنْ تَأوِيَ إِلَى ظِلِّ صَوْمَعَتِهِ لِتَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى فِتْنَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَحَمَلَتْ حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُهَا فَوَلَدَتْ، وَكَذَا قَوْلُهُ: فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَسُئِلَتْ مِمَّنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ فَقِيلَ لَهَا مِمَّنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْرِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَأُخِذَتْ، وَكَانَ مَنْ زَنَى مِنْهُمْ قُتِلَ فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا؟ قَالَتْ: هُوَ مِنْ صَاحِبِ الصَّوْمَعَةِ. زَادَ الْأَعْرَجُ نَزَلَ إِلَيَّ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فَقِيلَ لَهَا مَنْ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: جُرَيْجٌ الرَّاهِبُ، نَزَلَ إِلَيَّ فَأَصَابَنِي زَادَ أَبُو سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَذَهَبُوا إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرُوهُ، قَالَ: أَدْرِكُوهُ فَأْتُونِي بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ)، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: فَأَقْبَلُوا بِفُئُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ إِلَى الدَّيْرِ فَنَادَوْهُ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَأَقْبَلُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ. وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: فَمَا شَعَرَ حَتَّى سَمِعَ بِالْفُئُوسِ فِي أَصْلِ صَوْمَعَتِهِ فَجَعَلَ يَسْأَلُهُمْ: وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخَذَ الْحَبْلَ فَتَدَلَّى.
قَوْلُهُ: (وَسَبُّوهُ) زَادَ أَحْمَدُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ: وَضَرَبُوهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّكَ زَنَيْتَ بِهَذِهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ عِنْدَهُ فَقَالُوا: أَيْ جُرَيْجُ انْزِلْ، فَأَبَى يُقْبِلُ عَلَى صَلَاتِهِ، فَأَخَذُوا فِي هَدْمِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ فَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ وَعُنُقِهَا حَبْلًا وَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا فِي النَّاسِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَيْحَكَ يَا جُرَيْجُ، كُنَّا نَرَاكَ
стр. 3676
خَيْرَ النَّاسِ فَأَحْبَلْتَ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهِ فَاصْلُبُوهُ. وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَقُولُونَ: مُرَاءٍ تُخَادِعُ النَّاسَ بِعَمَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: فَلَمَّا مَرُّوا بِهِ نَحْوَ بَيْتِ الزَّوَانِي خَرَجْنَ يَنْظُرْنَ فَتَبَسَّمَ، فَقَالُوا: لِمَ يَضْحَكُ؟ حَتَّى مَرَّ بِالزَّوَانِي.
قَوْلُهُ: (فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى) وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَقَامَ وَصَلَّى وَدَعَا وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ قَالَ فَتَوَلَّوْا عَنِّي، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: الرَّاعِي) زَادَ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَطَعَنَهُ بِأُصْبَعِهِ فَقَالَ: بِاللَّهِ يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الرَّاعِي. وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ أَنْ يُنْظِرُوهُ فَأَنْظَرُوهُ، فَرَأَى فِي الْمَنَامِ مَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَطْعَنَ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا السَّخْلَةُ مَنْ أَبُوكَ؟ فَفَعَلَ، فَقَالَ: رَاعِي الْغَنَمِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ رَاعِي الضَّأْنِ. وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَوَضَعَ أُصْبَعَهُ عَلَى بَطْنِهَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَأُتِيَ بِالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَفَمُهُ فِي ثَدْيِهَا، فَقَالَ لَهُ جُرَيْجٌ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ فَنَزَعَ الْغُلَامُ فَاهُ مِنَ الثَّدْيِ وَقَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: فَلَمَّا أُدْخِلَ عَلَى مَلِكِهِمْ قَالَ جُرَيْجٌ: أَيْنَ الصَّبِيُّ الَّذِي وَلَدَتْهُ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، سَمَّى أَبَاهُ.
قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّاعِي، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ صُهَيْبٌ، وَأَمَّا الِابْنُ فَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ بِلَفْظٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَوْسٍ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَوَاخِرَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ اسْمُهُ كَمَا زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الصَّغِيرُ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: ثُمَّ انْتَهَى إِلَى شَجَرَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْنًا ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ وَهُوَ فِي مَهْدِهِ فَضَرَبَهُ بِذَلِكَ الْغُصْنِ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ وَوَقَعَ فِي التَّنْبِيهِ لِأَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَيْنَ أَصَبْتُكِ؟ قَالَتْ: تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَأَتَى تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَقَالَ: يَا شَجَرَةُ أَسْأَلُكِ بِالَّذِي خَلَقَكِ مَنْ زَنَى بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ كُلُّ غُصْنِ مِنْهَا: رَاعِي الْغَنَمِ وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِوُقُوعِ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بِأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ، وَوَضَعَ إِصْبَعَهُ عَلَى بَطْنِ أُمِّهِ، وَطَعَنَهُ بِأصْبَعِهِ، وَضَرَبَهُ بِطَرَفِ الْعَصَا الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ. وَأَبْعَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهَا بِتَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَأَنَّهُ اسْتَنْطَقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا مَرَّةً قَبْلَ أَنْ تَلِدَ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُ بَعْدَ أَنْ وُلِدَ، زَادَ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَوَثَبُوا إِلَى جُرَيْجٍ فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَهُ وَزَادَ الْأَعْرَجُ فِي رِوَايَتِهِ فَأَبْرَأَ اللَّهُ جُرَيْجًا وَأَعْظَمَ النَّاسُ أَمْرَ جُرَيْجٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَسَبَّحَ النَّاسُ وَعَجِبُوا.
قَوْلُهُ: (قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ طِينٍ) وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ: ابْنُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: فَقَالُوا نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ كَمَا كَانَ، فَفَعَلُوا وَفِي نَقْلِ أَبِي اللَّيْثِ: فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ نَبْنِيهَا مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا. قَالَ مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ طِينٍ زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: فَرَدُّوهَا فَرَجَعَ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالُوا لَهُ: بِاللَّهِ مِمَّ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ: مَا ضَحِكْتُ إِلَّا مِنْ دَعْوَةٍ دَعَتْهَا عَلَيَّ أُمِّي وَفِي الْحَدِيثِ إِيثَارُ إِجَابَةِ الْأُمِّ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ فِيهَا نَافِلَةٌ وَإِجَابَةُ الْأُمِّ وَبِرُّهَا وَاجِبٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا دَعَتْ عَلَيْهِ فَأُجِيبَتْ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَفِّفَ وَيُجِيبَهَا، لَكِنْ لَعَلَّهُ خَشِيَ أَنْ تَدْعُوَهُ إِلَى مُفَارَقَةِ صَوْمَعَتِهِ وَالْعَوْدِ إِلَى الدُّنْيَا وَتَعَلُّقَاتِهَا، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِيهِ فَيُكَلِّمُهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ فَتَزُورُهُ وَتَقْتَنِعُ بِرُؤْيَتِهِ وَتَكْلِيمِهِ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُخَفِّفْ ثُمَّ يُجِيبُهَا لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَنْقَطِعَ خُشُوعُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَةَ أُمِّهِ أَوْلَى مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ. أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، وَهَذَا إِذَا حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ اسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَازُ قَطْعِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا لِإِجَابَةِ نِدَاءِ الْأُمِّ نَفْلًا كَانَتْ أَوْ فَرْضًا، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى
стр. 3677
أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرْعِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَدَّمْتُهُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنْ كَانَتْ نَفْلًا وَعُلِمَ تَأَذِّي الْوَالِدِ بِالتَّرْكِ وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا وَضَاقَ الْوَقْتُ لَمْ تَجِبِ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ وَجَبَ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ إِجَابَةَ الْوَالَدِ فِي النَّافِلَةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّمَادِي فِيهَا، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْأُمِّ دُونَ الْأَبِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مَا يَشْهَدُ لَهُ وَقَالَ بِهِ مَكْحُولٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنَ السَّلَفِ غَيْرُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا عِظَمُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَإِجَابَةُ دُعَائِهِمَا وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ مَعْذُورًا ; لَكِنْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ. وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالتَّابِعِ إِذَا جَرَى مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيبَ لِأَنَّ أُمَّ جُرَيْجٍ مَعَ غَضَبِهَا مِنْهُ لَمْ تَدْعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا دَعَتْ بِهِ خَاصَّةً، وَلَوْلَا طَلَبُهَا الرِّفْقَ بِهِ لَدَعَتْ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الْفَاحِشَةِ أَوِ الْقَتْلِ. وَفِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ لَا تَضُرُّهُ الْفِتَنُ. وَفِيهِ قُوَّةُ يَقِينِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورِ وَصِحَّةُ رَجَائِهِ، لِأَنَّهُ اسْتَنْطَقَ الْمَوْلُودَ مَعَ كَوْنِ الْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ ; وَلَوْلَا صِحَّةُ رَجَائِهِ بِنُطْقِهِ مَا اسْتَنْطَقَهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ إِذَا تَعَارَضَا بُدِئَ بِأَهَمِّهِمَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِأَوْلِيَائِهِ عِنْدَ ابْتِلَائِهِمْ مَخَارِجَ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ تَهْذِيبًا وَزِيَادَةً لَهُمْ فِي الثَّوَابِ. وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَوُقُوعُ الْكَرَامَةِ لَهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جُرَيْجٌ كَانَ نَبِيًّا فَتَكُونُ مُعْجِزَةٌ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ لَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَلَّمَهَا وَلَدُهَا الْمُرْضَعُ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالْأَشَدِّ فِي الْعِبَادَةِ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ مِنْ شَرْعِهِمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْدُقُ فِيمَا تَدَّعِيهِ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الْوَطْءِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ جَحْدُ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ قَوْلَهَا. وَفِيهِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْفَاحِشَةَ لَا تَبْقَى لَهُ حُرْمَةٌ، وَأَنَّ الْمَفْزَعَ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ إِلَى اللَّهِ يَكُونُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِ جُرَيْجٍ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ بِأَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَوَلَدَتْ بِنْتًا لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجَ بِتِلْكَ الْبِنْتِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ جُرَيْجًا نَسَبَ ابْنَ الزِّنَا لِلزَّانِي وَصَدَّقَ اللَّهُ نِسْبَتَهُ بِمَا خَرَقَ لَهُ مِنَ الْعَادَةِ فِي نُطْقِ الْمَوْلُودِ بِشَهَادَتِهِ لَهُ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: أَبِي فُلَانٌ الرَّاعِي، فَكَانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ صَحِيحَةٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا أَحْكَامُ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ، خَرَجَ التَّوَارُثُ وَالْوَلَاءُ بِدَلِيلٍ فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حُكْمِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ فِي خَبَرِ سَارَةَ مَعَ الْجَبَّارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتِ امْرَأَةٌ) بِالرَّفْعِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا عَلَى اسْمِ ابْنِهَا وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ) وَفِي رِوَايَةِ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَارِسٌ مُتَكَبِّرٌ.
قَوْلُهُ: (ذُو شَارَةٍ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَاحِبُ حُسْنٍ وَقِيلَ: صَاحِبُ هَيْئَةٍ وَمَنْظَرٍ وَمَلْبَسٍ حَسَنٍ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَيُشَارُ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ خِلَاسٍ: ذُو شَارَةٍ حَسَنَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ الْمُبَالَغَةُ فِي إِيضَاحِ الْخَبَرِ بِتَمْثِيلِهِ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مُرَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (بِأَمَةٍ) زَادَ أَحْمَدُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ تُضْرَبُ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُجَرَّرُ وَيُلْعَبُ بِهَا وَهِيَ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا رَاءٌ ثَقِيلَةٌ ثُمَّ رَاءٌ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ سَأَلَتِ الْأُمُّ ابْنَهَا عَنْ سَبَبِ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّاكِبُ جَبَّارٌ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: فَقَالَ يَا أُمَّتَاهْ، أَمَّا الرَّاكِبُ ذُو الشَّارَةِ فَجَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا عَلَى الْمُخَاطَبَةِ وَبِسُكُونِهَا عَلَى الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ
стр. 3678
أَحْمَدَ: يَقُولُونَ سَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ، زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَهِيَ تَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ: يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي وَتَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ لَهَا تَسْرِقُ وَتَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خِلَاسٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا كَانَتْ حَبَشِيَّةً أَوْ زِنْجِيَّةً، وَأَنَّهَا مَاتَتْ فَجَرُّوهَا حَتَّى أَلْقَوْهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ تُجَرَّرُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ نُفُوسَ أَهْلِ الدُّنْيَا تَقِفُ مَعَ الْخَيَالِ الظَّاهِرِ فَتَخَافُ سُوءَ الْحَالِ، بِخِلَافِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ فَوُقُوفُهُمْ مَعَ الْحَقِيقَةِ الْبَاطِنَةِ فَلَا يُبَالُونَ بِذَلِكَ مَعَ حُسْنِ السَّرِيرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ قَارُونَ حَيْثُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ وَفِيهِ أَنَّ الْبَشَرَ طُبِعُوا عَلَى إِيثَارِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَنْفُسِ بِالْخَيْرِ لِطَلَبِ الْمَرْأَةِ الْخَيْرَ لِابْنِهَا وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ وَلَمْ تَذْكُرْ نَفْسَهَا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ مُوسَى وَعِيسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ زَادَ هُنَا إِسْنَادًا آخَرَ فَقَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ وَهُوَ ابْنُ غَيْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِهِ، وَكَانَ سَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ الْقَائِلُ حَسِبْتُهُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْمُضْطَرِبُ الطَّوِيلُ غَيْرُ الشَّدِيدِ، وَقِيلَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بِلَفْظِ ضَرْبٌ وَفُسِّرَ بِالنَّحِيفِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا الْوَصْفُ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا أنَّهُ جَسِيمٌ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، وَقَالَ: وَالَّذِي وَقَعَ نَعْتُهُ بِأَنَّهُ جَسِيمٌ إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّالُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ مَنْ قَالَ ضَرْبٌ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ قَالَ مُضْطَرِبٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الشَّكِّ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى جَسِيمٌ وَهُوَ ضِدُّ الضَّرْبِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْجَسِيمِ الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ، وَقَالَ التَّيْمِيُّ: لَعَلَّ بَعْضَ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ دَخَلَ فِي بَعْضٍ، لِأَنَّ الْجَسِيمَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ لَا فِي صِفَةِ مُوسَى انْتَهَى.
وَالَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ مَا جَوَّزَهُ عِيَاضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَسِيمِ فِي صِفَةِ مُوسَى الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ وَهُمْ طِوَالٌ غَيْرُ غِلَاظٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ رَأَيْتُ مُوسَى جَعْدًا طُوَالًا وَاسْتَنْكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَنَّ الطَّوِيلَ لَا يُوصَفُ بِالْجَعْدِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُعُودَةُ فِي صِفَةِ مُوسَى جُعُودَةُ الْجِسْمِ وَهُوَ اكْتِنَازُهُ وَاجْتِمَاعُهُ لَا جُعُودَةُ الشَّعْرِ لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّهُ كَانَ رَجِلَ الشَّعْرِ.
قَوْلُهُ فِي صِفَةِ عِيسَى: (رَبْعَةٌ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَهُوَ الْمَرْبُوعُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَوِيلٍ جِدًّا وَلَا قَصِيرٍ جِدًّا بَلْ وَسَطٌ، وَقَوْلُهُ: مِنْ دِيمَاسٍ هُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (يَعْنِي الْحَمَّامَ) هُوَ تَفْسِيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَالدِّيمَاسُ فِي اللُّغَةِ السِّرْبُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْكِنِّ، وَالْحَمَّامُ مِنْ جُمْلَةِ الْكِنِّ. والْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِصَفَاءِ اللَّوْنِ وَنَضَارَةِ الْجِسْمِ وَكَثْرَةِ مَاءِ الْوَجْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعِ كِنٍّ فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ عَرْقَانُ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَ هَذَا: يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يُرَادَ الْحَقِيقَةُ، وَأَنَّهُ عَرِقَ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ مِنْ رَأْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ مَزِيدِ نَضَارَةِ وَجْهِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ: يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ.
قَوْلُهُ: (وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ عَلَى الْإِسْرَاءِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) هُوَ الثَّقَفِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي زُرْعَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الْمَسْمُوعَةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: وَلَا
следующие страницы →