← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4094–4133 · переход к 4099.

стр. 4094

قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ. قَوْلُهُ: (فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ) كُلُّ مَا فِي جِهَةِ نَجْدٍ يُسَمَّى الْعَالِيَةَ، وَمَا فِي جِهَةِ تِهَامَةَ يُسَمَّى السَّافِلَةَ، وَقُبَاءُ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ مِنْ نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ التَّفَاؤُلَ لَهُ وَلِدِينِهِ بِالْعُلْوِ. قَوْلُهُ: (يُقَالُ لهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) أَيِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ الأوس بْنِ حَارِثَةَ. قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ عَشَرَ. قَوْلُهُ: (وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ) أَيْ جَمَاعَتَهُمْ. قَوْلُهُ: (حَتَّى أَلْقَى) أَيْ نَزَلَ أَوِ الْمُرَادُ أَلْقَى رَحْلَهُ. قَوْلُهُ: (بِفِنَاءِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْمَدِّ مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِ الدَّارِ. قَوْلُهُ: (أَبِي أَيُّوبَ) هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (ثَامِنُونِي) أَيْ قَرِّرُوا مَعِي ثَمَنَهُ، أَوْ سَاوِمُونِي بِثَمَنِهِ، تَقُولُ: ثَامَنْتُ الرَّجُلَ فِي كَذَا؛ إِذَا سَاوَمْتَهُ. قَوْلُهُ: (بِحَائِطِكُمْ) أَيْ بُسْتَانِكُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ كَانَ مِرْبَدًا، فَلَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلًا حَائِطًا ثُمَّ خَرِبَ فَصَارَ مِرْبَدًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَخَرِبَ وَقِيلَ: كَانَ بَعْضُهُ بُسْتَانًا وَبَعْضُهُ مِرْبَدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ تَسْمِيَةُ صَاحِبَيِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَزَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَفَعَهَا لَهُمَا عَنْهُ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ فِيهِ) فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (خِرَبَ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهٌ آخَرُ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ بِالْفَتْحِ ثُمَّ الْكَسْرِ، وَحَدَّثَنَاهُ الْخَيَّامُ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَكَى احْتِمَالَاتٍ: مِنْهَا الْخُرْبُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، قَالَ: هِيَ الْخُرُوقُ الْمُسْتَدِيرَةُ فِي الْأَرْضِ، وَالْجِرَفُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ: مَا تَجْرُفُهُ السُّيُولُ وَتَأْكُلُهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْحَدَبُ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ: وَهَذَا لَائِقٌ بِقَوْلِهِ: فَسُوِّيَتْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسَوَّى الْمَكَانُ الْمَحْدُوبُ، وَكَذَا الَّذِي جَرَفَتْهُ السُّيُولُ، وَأَمَّا الْخَرَابُ فَيُبْنَى وَيُعْمَرُ دُونَ أَنْ يُصْلَحَ وَيُسَوَّى. قُلْتُ: وَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَسْوِيَةِ الْخَرَابِ بِأَنْ يُزَالَ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَيُسَوَّى أَرْضُهُ، وَلَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ مَعَ تَوْجِيهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ أَجِدْ فِي نَبْشِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا نَصًّا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، نَعَمُ اخْتَلَفُوا، هَلْ تُنْبَشُ بِطَلَبِ الْمَالِ؟ فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ وَمَنَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسَاجِدِ الْبَحْثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. قَوْلُهُ: (وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُثْمِرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُثْمِرَ لَكِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: فَصَفُّوا النَّخْلَ أَيْ مَوْضِعَ النَّخْلِ، وَقَوْلُهُ: عِضَادَتَيْهِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ تَثْنِيَةُ عِضَادَةٍ، وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي عَلَى كَتِفِ الْبَابِ، وَلِكُلِّ بَابٍ عِضَادَتَانِ، وَأَعْضَادُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَشُدُّ جَوَانِبَهُ. قَوْلُهُ: (يَرْتَجِزُونَ) أَيْ يَقُولُونَ رَجَزًا، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الشِّعْرِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: (فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ) كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَسَبَقَ مَا فِيهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ غَيْرِ الْمَالِكِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ وَقَعَتْ مع غَيْرِ الْغُلَامَيْنِ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَسَاوَمَهُمَا وَأَشْرَكَ مَعَهُمَا فِي الْمُسَاوَمَةِ عَمَّهُمَا الَّذِي كَانَا فِي حِجْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ. ٤٧ - بَاب إِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ٣٩٣٣ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ ابْنَ أُخْتِ الْنَّمِرِ: مَا سَمِعْتَ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَالَ

стр. 4095

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أَيْ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ) أَيِ ابْنَ يَزِيدَ. قَوْلُهُ: (ابْنَ أُخْتِ النَّمِرِ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا فِي الْمَنَاقِبِ النَّبَوِيَّةِ. قَوْلُهُ: (الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمَادٍ، وَكَانَ حَلِيفَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ الْعَلَاءُ صَحَابِيًّا جَلِيلًا، وَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى، وَفِقْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْهَا قَبْلَ الْفَتْحِ، لَكِنْ أُبِيحَ لِمَنْ قَصَدَهَا مِنْهُمْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَلهَذَا رَثَى النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِقَامَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تُخْرِجُ صَاحِبَهَا عَنْ حُكْمِ الْمُسَافِرِ، وَفِي كَلَامِ الدَّاوُدِيِّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِالْأَوَّلِينَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ اسْتِيطَانُ مَكَّةَ. وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، قَالَ: وَأَجَازَهُ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، يَعْنِي بَعْدَ الْفَتْحِ، فَحَمَلُوا هَذَا الْقَوْلَ عَلَى الزَّمَنِ الَّذِي كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَاجِبَةً فِيهِ، قَالَ: وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَ الْفَتْحِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ سُكْنَى الْمَدِينَةِ كَانَ وَاجِبًا لِنُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُوَاسَاتِهِ بِالنَّفْسِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُهَاجِرِينَ فَيَجُوزُ لَهُ سُكْنَى أَيِّ بَلَدٍ أَرَادَ، سَوَاءٌ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا بِالِاتِّفَاقِ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا إِقَامَةَ بَعْدَهُ، وَمَتَى أَقَامَ بَعْدَهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَقَدْ سَمَّاهُ قَبْلَهُ قَاضِيًا لِمَنَاسِكِهِ، فَخَرَجَ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِنَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَعْنِي بِهِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ لِمَا تَحَرَّجُوا مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ إِذْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ إِقَامَةَ الثَّلَاثَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ، قَالَ: وَالْخِلَافُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ كَانَ فِيمَنْ مَضَى، وَهَلْ يَنْبَنِي عَلَيْهِ خِلَافٌ فِيمَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ مَوْضِعٍ يَخَافُ أَنْ يُفْتَنَ فِيهِ فِي دِينِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ؟ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ تَرَكَهَا لِلَّهِ كَمَا فَعَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهَا فِرَارًا بِدِينِهِ لِيَسْلَمَ لَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى تَرْكِهَا لِذَاتِهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ إِلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ تَرَكَ رِبَاعًا أَوْ دُورًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَخْصِيصِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤٨ - بَاب التَّارِيخِ. مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ؟ ٣٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ. ٣٩٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ

стр. 4096

عَلَى الأُولَى" تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَوْلُهُ: (بَابُ التَّارِيخِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّارِيخُ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ، وَالتَّوْرِيخُ مِثْلُهُ، تَقُولُ: أَرَّخْتُ وَوَرَّخْتُ. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْأَرْخِ وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الْوَلَدُ، وَقِيلَ: هُوَ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَا أُحْدِثَ التَّارِيخُ مِنَ الطُّوفَانِ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيجٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ فَكُتِبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُعْضَلٌ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. وَأَفَادَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَخَذُوا التَّارِيخَ بِالْهِجْرَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلَ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى شَيْءٍ مُضْمَرٍ، وَهُوَ أَوَّلُ الزَّمَنِ الَّذِي عَزَّ فِيهِ الْإِسْلَامُ، وَعَبَدَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ آمِنًا، وَابْتَدَأَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَوَافَقَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفَهِمْنَا مِنْ فِعْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِن أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أَنَّهُ أَوَّلُ أَيَّامِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، كَذَا قَالَ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أَيْ: دَخَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) أَيِ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مِصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ، لَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثِهِ وَلَا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاتِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ وَهَمٌ، ثُمَّ سَاقَهُ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ أَيْ: أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ مَا عَمِلُوا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَهُ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ مِنَ الْمَبْعَثِ أَوِ الْوَفَاةِ أَوْلَى، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (مَقْدَمِهِ) أَيْ زَمَنِ قُدُومِهِ، وَلَمْ يُرِدْ شَهْرَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ. وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْبُدَاءَةِ بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: كَانَتِ الْقَضَايَا الَّتِي اتُّفِقَتْ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَرَّخَ بِهَا أَرْبَعَةً: مَوْلِدُهُ، وَمَبْعَثُهُ، وَهِجْرَتُهُ، وَوَفَاتُهُ، فَرَجَحَ عِنْدَهُمْ جَعْلُهَا مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلِدَ وَالْمَبْعَثَ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ النِّزَاعِ فِي تَعْيِينِ السَّنَةِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوَفَاةِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ لِمَا تُوُقِّعَ بِذِكْرِهِ مِنَ الْأَسَفِ عَلَيْهِ، فَانْحَصَرَ فِي الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا أَخَّرُوهُ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ؛ إِذِ الْبَيْعَةُ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ مُقَدِّمَةُ الْهِجْرَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ هِلَالٍ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْبَيْعَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْهِجْرَةِ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأً، وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الِابْتِدَاءِ بِالْمُحَرَّمِ. وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ عَمَلِ عُمَرَ التَّارِيخَ أَشْيَاءَ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ بِالْمَبْعَثِ، وَبَعْضُهُمْ أَرِّخْ بِالْهِجْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَرِّخُوا بِهَا، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. فَلَمَّا اتَّفَقُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْدَءُوا بِرَمَضَانَ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ بِالْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ حَيْثُ كَانَ بِالْيَمَنِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَيَعْلَى، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو عَرُوبَةَ فِي الْأَوَائِلِ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: رُفِعَ لِعُمَرَ صَكٌّ مَحَلُّهُ شَعْبَانُ فَقَالَ: أَيُّ شَعْبَانَ ; الْمَاضِي أَوِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، أَوِ الْآتِي؟ ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْأَوَّلِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَكْتُبُ التَّارِيخَ،

стр. 4097

فَقَالَ عَلِيٌّ: مِنْ يَوْمِ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ أَرْضَ الشِّرْكِ، فَفَعَلَهُ عُمَرُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: رَأَيْتُ بِالْيَمَنِ شَيْئًا يُسَمُّونَهُ التَّارِيخَ يَكْتُبُونَهُ مِنْ عَامِ كَذَا وَشَهْرِ كَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا حَسَنٌ فَأَرِّخُوا، فَلَمَّا جَمَعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: أَرِّخُوا لِلْمَوْلِدِ. وَقَالَ قَائِلٌ: لِلْمَبْعَثِ، وَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ حِينِ خَرَجَ مُهَاجِرًا، وَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ حِينِ تُوُفِّيَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَرِّخُوا مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. ثُمَّ قَالَ: بِأَيِّ شَهْرٍ نَبْدَأُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: مِنْ رَجَبٍ. وَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ رَمَضَانَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَرِّخُوا الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ وَهُوَ أَوَّلُ السَّنَةِ وَمُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ - وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ - فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِالْمُحَرَّمِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ. قَوْلُهُ: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ بِمَكَّةَ. وَقَوْلُهُ: تُرِكَتْ أَيْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الزَّائِدِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْحَضَرِ فَإِنَّهَا زِيدَتْ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا رَكْعَتَانِ، فَالْمَعْنَى: أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى جَوَازِ الْإِتْمَامِ وَإِنْ كَانَ الْأَحَبُّ الْقَصْرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ فَيَّاضِ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ كَانَتْ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، قَالَ: وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي ذَلِكَ. ٤٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَمَرْثِيَتِهِ لِمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ٣٩٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ يَا سَعْدُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورثتك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ - قال أحمد بن يونس عن إبراهيم: أن تذر ذريتك - وَلَسْتَ بِنَافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهة اللَّهِ إِلَّا آجَرَكَ اللَّهُ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَمَرْثِيَتُهُ لِمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلٍ. وَالْمَرْثِيَةُ تَعْدِيدُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ، وَالْمُرَادُ هُنَا التَّوَجُّعُ لَهُ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِي الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ. قَوْلُهُ: (وَرَثَتَكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ ذُرِّيَّتَكَ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا لِغَيْرِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ شَيْخِهِ هُنَا. قَوْلُهُ: (وَلَسْتَ بِنَافِقٍ) كَذَا هُنَا،

стр. 4098

وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُنْفِقٍ وَهُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ: (أَنْ مَاتَ (١) بِمَكَّةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلتَّعْلِيلِ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَتَرَدَّدَ فِيهِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ بِالْفَتْحِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدَرِ مِنْ حَجَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ بِالْكَسْرِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يُرِيدُ التَّخَلُّفَ بَعْدَ الصَّدَرِ فَخَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْرِكَهُ أَجَلُهُ بِمَكَّةَ. قُلْتُ: وَالْمَضْبُوطُ الْمَحْفُوظُ بِالْفَتْحِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ بَعْدَ حَجِّهِ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ (أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ) أَمَّا رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ فَأَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي آخِرِ الْمَغَازِي، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُوسَى وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ فَأَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الدَّعَوَاتِ. ٥٠ - بَاب كَيْفَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. ٣٩٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ. فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَمَا سُقْتَ فِيهَا؟ فَقَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ بَابُ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَتِ الْمُؤَاخَاةُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً وَذَلِكَ بِمَكَّةَ، وَمَرَّةً بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَهِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَسَانِيدِ الْوَاقِدِيِّ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ قَالُوا: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ، وَكَانُوا تِسْعِينَ نَفْسًا بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَبَعْضُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقِيلَ: كَانُوا مِائَةً، فَلَمَّا نَزَلَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ﴾ بَطَلَتِ الْمَوَارِيثُ بَيْنَهُمْ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ كَانَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُم، فَنَزَلَتْ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ لِيُذْهِبَ عَنْهُمْ وَحْشَةَ الْغُرْبَةِ وَيَتَأَنَّسُوا مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ وَيَشُدُّ بَعْضُهُمْ أَزْرَ بَعْضٍ، فَلَمَّا عَزَّ الْإِسْلَامُ وَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ وَذَهَبَتِ الْوَحْشَةُ أَبْطَلَ الْمَوَارِيثَ وَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَةً وَأُنْزِلَ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يَعْنِي فِي التَّوَادُدِ وَشُمُولِ الدَّعْوَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ابْتِدَائِهَا: فَقِيلَ: بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بِتِسْعَةٍ، وَقِيلَ: وَهُوَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ. وَقِيلَ: قَبْلَ بِنَائِهِ. وَقِيلَ: بِسَنَةٍ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ قَبْلَ

стр. 4099

بَدْرٍ. وَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى: كَانَ الْإِخَاءُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُؤَاخَاةَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ: تَآخَوْا أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَكَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ أَخَوَيْنِ، وَحَمْزَةُ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَخَوَيْنِ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَخَوَيْنِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ هِشَامٍ: بِأَنَّ جَعْفَرًا كَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْحَبَشَةِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَوَجَّهَهَا الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ بِأَنَّهُ أَرْصَدَهُ لِأُخُوَّتِهِ حَتَّى يَقْدَمَ، وَفِي تَفْسِيرِ سُنَيْدٍ: آخَى بَيْنَ مُعَاذٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخَوَيْنِ، وَعُمَرُ، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ أَخَوَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ قَوْلُ عُمَرَ: كَانَ لِي أَخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَفُسِّرَ بِعِتْبَانَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أُخُوَّتُهُ لَهُ تَرَاخَتْ كَمَا فِي أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ. وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَبُو أَيُّوبُ أَخَوَيْنِ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ أَخَوَيْنِ، وَيُقَالُ: بَلْ عَمَّارٌ، وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ؛ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ زَمَانَ أُحُدٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو أَخَوَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ، وَالْجَوَابُ كَمَا فِي جَعْفَرٍ، وَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ أَخَوَيْنِ، وَسَلْمَانُ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ، وَكَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي جَعْفَرٍ. وَكَانَ ابْتِدَاءُ الْمُؤَاخَاةِ أَوَائِلَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَاسْتَمَرَّ يُجَدِّدُهَا بِحَسَبِ مَنْ يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ يَحْضُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْإِخَاءُ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْبَابِ وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَآخَى بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الصَّحِيحِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْبَابِ، وَسَمَّى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَمَاعَةً آخَرِينَ. وَأَنْكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْمُطَهَّرِ الرَّافِضِيِّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَخُصُوصًا مُؤَاخَاةَ النَّبِيِّ ﷺ لِعَلِيٍّ قَالَ: لِأَنَّ الْمُؤَاخَاةَ شُرِعَتْ لِإِرْفَاقِ بَعْضِهِمْ وَلِتَأْلِيفِ قُلُوبِ بَعْضِهِمْ على بعض، فَلَا مَعْنَى لِمُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا لِمُؤَاخَاةِ مُهَاجِرِيٍّ لِمُهَاجِرِيٍّ، وَهَذَا رَدٌّ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَإِغْفَالٌ عَنْ حِكْمَةِ الْمُؤَاخَاةِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ بِالْمَالِ وَالْعَشِيرَةِ وَالْقُوَى، فَآخَى بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى لِيَرْتَفِقَ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى وَيَسْتَعِينُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُؤَاخَاتُهُ ﷺ لِعَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَقُومُ بِهِ مِنْ عَهْدِ الصِّبَا مِنْ قَبْلِ الْبَعْثَةِ وَاسْتَمَرَّ، وَكَذَا مُؤَاخَاةُ حَمْزَةَ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ؛ لِأَنَّ زَيْدًا مَوْلَاهُمْ فَقَدْ ثَبَتَ أُخُوَّتُهُمَا وَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَسَيَأْتِي فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: إِنَّ بِنْتَ حَمْزَةَ بِنْتُ أَخِي، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنَ الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ يُصَرِّحُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْمُخْتَارَةِ أَصَحُّ وَأَقْوَى مِنْ أَحَادِيثِ الْمُسْتَدْرَكِ، وَقِصَّةُ الْمُؤَاخَاةِ الْأُولَى أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَبَيْنَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُثْمَانَ - وَذَكَرَ جَمَاعَةً قَالَ - فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ فَمَنْ أَخِي؟ قَالَ: أَنَا أَخُوكَ. وَإِذَا انْضَمَّ هَذَا إِلَى مَا تَقَدَّمَ تَقَوَّى بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْكَفَالَةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْوَكَالَةِ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ، وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُ السُّهَيْلِيِّ فِي حِكْمَةِ ذَلِكَ الْمِيرَاثِ، وَسَيَأْتِي فِي الْفَرَائِد حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ: إِنِّي أَكْثَرُ

стр. 4100

الْأَنْصَارِ مَالًا فَأُقَاسِمُكَ مَالِي .. الْحَدِيثَ، وَظَنَّ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَالَ: قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا تُعْرَفُ مُسْنَدَةً عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَهَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنَّ أَنَسًا حَمَلَهَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ انْتَهَى. وَالَّذِي ادَّعَاهُ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ وَقَعَ الْإِخَاءُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَذَكَرَ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنْ إِخَاءِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ حَدِيثُ عُمَرَ كَانَ لِي أَخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَحَارِثَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخَوَيْنِ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ إِخَاءِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. ٥١ - باب ٣٩٣٨ - حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ: بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا، قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَجَاءَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هَذَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ٣٩٣٩، ٣٩٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُطْعِمٍ، قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي دَرَاهِمَ فِي السُّوقِ نَسِيئَةً، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَيَصْلُحُ هَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَدْ بِعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَهُ أَحَدٌ. فَسَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ هَذَا الْبَيْعَ فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ، وَالْقَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَنَا تِجَارَةً. فَسَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَقَالَ مِثْلَهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَقَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ، وَقَالَ:

стр. 4101

نَسِيئَةً إِلَى الْمَوْسِمِ أَوْ الْحَجِّ. قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) صَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَخْرَجَهَا عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ بَلَغَهُ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. قَوْلُهُ: (ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) سَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. قَوْلُهُ: (أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ تَحْشُرُ النَّاسَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ) الزِّيَادَةُ هِيَ الْقِطْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الْمُعَلَّقَةُ فِي الْكَبِدِ، وَهِيَ فِي الْمَطْعَمِ فِي غَايَةِ اللَّذَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا أَهْنَأُ طَعَامٍ وَأَمْرَؤُهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ أَنَّ تُحْفَتَهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ، وَالنُّونُ هُوَ الْحُوتُ، وَيُقَالُ: هُوَ الْحُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى نَفَادِ الدُّنْيَا، فِي حَدِيثِ ثَوْبَانِ زِيَادَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ يُنْحَرُ لَهُمْ عَقِبَ ذَلِكَ نُونُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَشَرَابُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ تُسَمَّى سَلْسَبِيلَا، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَنْطَحُ الثَّوْرُ الْحُوتَ بِقَرْنِهِ فَتَأْكُلُ مِنْهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَحْيَا فَيَنْحَرُ الثَّوْرَ بِذَنَبِهِ فَيَأْكُلُونَهُ ثُمَّ يَحْيَا فَيَسْتَمِرَّانِ كَذَلِكَ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوَلَدُ) فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ فِي تَرْجَمَةِ آدَمَ وَأَمَّا شَبَهُ الْوَلَدِ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ) وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ. قَوْلُهُ: (نَزَعَ الْوَلَدَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ جَذَبَهُ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ إِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ أَخْوَالَهُ. وَنَحْوَهُ لِلْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا أَعْلَى كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَالْمُرَادُ بِالْعُلْوِ هُنَا السَّبْقُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَقَ فَقَدْ عَلَا شَأْنُهُ فَهُوَ عُلْوٌ مَعْنَوِيٌّ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَفَعَهُ مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ أَنَّثَا بِإِذْنِ اللَّهِ - فَهُوَ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ اقْتِرَانُ الشَّبَهِ لِلْأَعْمَامِ إِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ وَيَكُونُ ذَكَرًا لَا أُنْثَى وَعَكْسُهُ، وَالْمُشَاهَدُ خِلَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَكَرًا وَيُشْبِهُ أَخْوَالَهُ لَا أَعْمَامَهُ وَعَكْسُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ حَدِيثِ ثَوْبَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلْوِ السَّبْقُ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ مَا قَدَّمْتُهُ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْعُلْوِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَيَبْقَى الْعُلْوُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ السَّبْقُ عَلَامَةَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثُ، وَالْعُلْوُ عَلَامَةَ الشَّبَهِ، فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلْوِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبَ الشَّبَهِ بِحَسَبِ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْآخَرُ مَغْمُورًا فِيهِ، فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الشَّبَهُ. وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ سِتَّةَ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْبِقَ مَاءُ الرَّجُلِ وَيَكُونَ أَكْثَرَ فَيَحْصُلُ لَهُ الذُّكُورَةُ وَالشَّبَهُ، وَالثَّانِي: عَكْسُهُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْبِقَ مَاءُ الرَّجُلِ وَيَكُونَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَكْثَرَ فَتَحْصُلُ الذُّكُورَةُ وَالشَّبَهُ لِلْمَرْأَةِ، وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ، وَالْخَامِسُ: أَنْ يَسْبِقَ مَاءُ الرَّجُلِ وَيَسْتَوِيَانِ فَيُذْكِرَ وَلَا يَخْتَصُّ بِشَبَهٍ، وَالسَّادِسُ: عَكْسُهُ. قَوْلُهُ: (قَوْمٌ بُهُتٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَاءِ وَيَجُوزِ إِسْكَانُهَا، جَمْعُ بَهِيتٍ كَقَضِيبٍ وَقُضُبٍ وَقَلِيبٍ وَقُلُبٍ، وَهُوَ الَّذِي يَبْهَتُ السَّامِعَ بِمَا يَفْتَرِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ، وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ مُفْرَدَهُ بَهُوتٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (فَاسْأَلْهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي عِنْدَكَ. قَوْلُهُ: (فَجَاءَتِ الْيَهُودُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ دَاخِلَ الْبَيْتِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 4102

بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِ فَجَاءُوا .. الْحَدِيثَ، ظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ تَخْصِيصَ مَنْ كَانَ لَهُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ تَعَلُّقٌ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ عَشِيرَتُهُ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيهِمْ فَقَالَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي: فِي ذِكْرِ مَنْ كَانَ مِنَ الْيَهُودِ بالمدينة وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ زَيْدُ بْنُ اللَّصِيبِ، وَسَعْدُ بْنُ حُيَيَّةَ، وَمَحْمُودُ بْنُ سَبِيحَانَ، وَعَزِيزُ بْنُ أَبِي عَزِيزٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّيْفِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَرت، وَرِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَفِنْحَاصُ، وَأَشْيَعُ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَصْبَا، وَيَحْرِي بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعْمَانُ بْنُ عمَرو، وَسُكَيْنُ بْنُ أَبِي سُكَيْنٍ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَمَحْمُودُ بْنُ دِحْيَةَ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وَكَعْبُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَازِبُ بْنُ رَافِعِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، وَخَالِدٌ، وَأَزَارُ ابْنَيْ أَبِي أَزَارَ، وَرَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَرَافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ وَكَانَ حَبْرَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدَ اللَّهِ، فَهَؤُلَاءِ بَنُو قَيْنُقَاعَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (بَاعَ شَرِيكٌ لِي دَرَاهِمَ فِي السُّوقِ نَسِيئَةً) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: قَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ أَقَرَّهُمْ عَلَى مَا وَجَدَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ فَبَيَّنَهُ لَهُمْ. ٥٢ - بَاب إِتْيَانِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ﴿هَادُوا﴾ صَارُوا يَهُودًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿هُدْنَا﴾ تُبْنَا. هَائِدٌ: تَائِبٌ ٣٩٤١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لآمَنَ بِي الْيَهُودُ. ٣٩٤٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغُدَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَإِذَا أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ فَقال النبي ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ" ٣٩٤٣ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ فَقال رسول الله ﷺ : "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ" ٣٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ

стр. 4103

ثُمَّ فَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ" ٣٩٤٥ - حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ" [الحديث ٣٩٤٥ - طرفاه في: ٤٧٠٦، ٤٧٠٥] قَوْلُهُ: (بَابُ إِتْيَانِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ) وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ أَخُو حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَسَمِعَ مِنْهُ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَطِيعُونِي فَإِنَّ هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ. فَعَصَاهُ أَخُوهُ وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَأَطَاعُوهُ عَلَى مَا قَالَ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَاءَ مَيْمُونُ بْنُ يَامِينَ وَكَانَ رَأْسَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إِلَيْهِمْ فَاجْعَلْنِي حَكَمًا فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَأَدْخَلَهُ دَاخِلًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَأَتَوْهُ فَخَاطَبُوهُ فَقَالَ: اخْتَارُوا رَجُلًا يَكُونُ حَكَمًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. قَالُوا: قَدْ رَضِينَا مَيْمُونٍ بْنَ يَامِينَ. فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَبَوْا أَنْ يُصَدِّقُوهُ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَادَعَ الْيَهُودَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَامْتَنَعُوا مِنِ اتِّبَاعِهِ، فَكَتَبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا، وَكَانُوا ثَلَاثَ قَبَائِلَ: قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرَ وَقُرَيْظَةَ، فَنَقَضَ الثَّلَاثَةُ الْعَهْدَ طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ، فَمَنَّ عَلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ وَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ وَاسْتَأْصَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلُّهُ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودٍ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: غَدًا انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاسْأَلُوهُ عَنْ حَدِّ الزَّانِي فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (هَادُوا: صَارُوا يَهُودًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: هُدْنَا: تُبْنَا، هَائِدٌ: تَائِبٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: هُوَ هُنَا مِنَ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا فَصَارُوا يَهُودًا. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: أَيْ تُبْنَا إِلَيْكَ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ) هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِيَ الْيَهُودُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: هُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ عَشَرَةٌ مُخْتَصَّةٌ وَإِلَّا فَقَدْ آمَنَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَوْ آمَنَ بِي فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي كَالزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَوْ حَالَ قُدُومِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمُ الَّذِينَ كَانُوا حِينَئِذٍ رُؤَسَاءَ فِي الْيَهُودِ وَمَنْ عَدَاهُمْ كَانَ تَبَعًا لَهُمْ، فَلَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَانَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالرِّيَاسَةِ فِي الْيَهُودِ عِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ، وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنِيفٍ، وَفِنْحَاصُ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَمِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَيَا، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَشَمْوِيلُ بْنُ زَيْدٍ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَثْبُتْ إِسْلَامُ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ رَئِيسًا فِي الْيَهُودِ وَلَوْ أَسْلَمَ لَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا الْمُرَادَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ لَوْ آمَنَ بِي الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَيَا وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ يَهُودٍ لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ. وَأَغْرَبَ السُّهَيْلِيُّ فَقَالَ: لَمْ يُسْلِمْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ إِلَّا اثْنَانِ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَّا، كَذَا قَالَ، وَلَمْ أَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا إِسْلَامًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِتَفْسِيرِ

стр. 4104

النَّقَّاشِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ قِصَّةُ إِسْلَامِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَحْبَارِ كَزَيْدِ بْنِ سَعَنةَ مُطَوَّلًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ يَهُودِيًّا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ فَجَاءَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونُوا أَحْبَارًا، وَحَدِيثُ مَيْمُونِ بْنِ يَامِينَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ. وَأَخْرَجَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: قَالَ كَعْبٌ: إِنَّمَا الْحَدِيثَ اثْنَا عَشَرَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ فَسَكَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَنَا أَوْلَى مِنْ كَعْبٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: وَكَعْبٌ أَيْضًا صَدُوقٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَشَرَةٌ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ وَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ وَمُخَيْرِيقُ، كَذَا قَالَهُ وَهُوَ مَعْنَوِيٌّ. الْحَدِيثُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُكَبَّرٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، وَاسْمُ جَدِّهِ سُهَيْلٌ وَهُوَ الْغُدَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ، شَكَّ الْبُخَارِيُّ فِي اسْمِهِ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي التَّارِيخِ فِيمَنِ اسْمُهُ أَحْمَدُ بِغَيْرِ شَكٍّ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُوسَى) وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَهُوَ غَلَطٌ. قَوْلُهُ: (دَخَلَ النَّبِيُّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَدِمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الصِّيَامِ. قَوْلُهُ: (لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ) اسْتُشْكِلَ هَذَا لِأَنَّ قُدُومَهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ تَأَخَّرَ إِلَى أَنْ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِيَامُهُمْ كَانَ عَلَى حِسَابِ الْأَشْهُرِ الشَّمْسِيَّةِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ عَاشُورَاءُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ بِالْكُلِّيَّةِ، هَكَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ قَالَ: وَصِيَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ بِحِسَابِ سَيْرِ الشَّمْسِ. قُلْتُ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ رَفْعِ الْإِشْكَالِ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصُومُوا عَاشُورَاءَ بِالْحِسَابِ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ أَنَّهُ فِي الْمُحَرَّمِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، نَعَمْ وَجَدْتُ فِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: لَيْسَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بِالْيَوْمِ الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ، إِنَّمَا كَانَ يَوْمٌ تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ وَتُقَلَّسُ فِيهِ الْحَبَشَةُ، وَكَانَ يَدُورُ فِي السَّنَةِ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ فُلَانًا الْيَهُودِيَّ يَسْأَلُونَهُ، فَلَمَّا مَاتَ أَتَوْا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَسَأَلُوهُ فَعَلَى هَذَا فَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنْ تَقُولَ: كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ رَدَّهُ إِلَى حُكْمِ شَرْعِهِ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ بِالْأَهِلَّةِ فَأَخَذَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ، لَكِنْ فِي الَّذِي ادَّعَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَبْنُونَ صَوْمَهُمْ عَلَى حِسَابِ الشَّمْسِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَا يَعْتَبِرُونَ فِي صَوْمِهِمْ إِلَّا بِالْأَهِلَّةِ، هَذَا الَّذِي شَاهَدْنَاهُ مِنْهُمْ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَعْتَبِرُ الشُّهُورَ بِحِسَابِ الشَّمْسِ لَكِنْ لَا وُجُودَ لَهُ الْآنَ، كَمَا انْقَرَضَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ آخَرُ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ) أَيْ يُرْخِيهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ مَنْ فَوْقَهُ، وَأَغْرَبَ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَخْطَأَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ وَالْمَحْفُوظُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَفْرُقُونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ الْخَفِيفَةِ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُوَافِقُ أَهْلَ الْكِتَابِ إِذَا خَالَفُوا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ أَخْذًا بِأَخَفِّ الْأَمْرَيْنِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ

стр. 4105

وَدَخَلَ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ فِي الْإِسْلَامِ رَجَعَ إِلَى مُخَالَفَةِ بَاقِي الْكُفَّارِ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ: يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. ٥٣ - بَاب إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ ٣٩٤٦ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ. ٣٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ ﵁ يَقُولُ: أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ. ٣٩٤٨ - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: فَتْرَةٌ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ سِتُّ مِائَةِ سَنَةٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ) تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْبُيُوعِ. وقَوْلُهُ: (قَالَ أَبِي) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ وَأَبُو عُثْمَانُ هُوَ النَّهْدِيُّ. قَوْلُهُ: (تَدَاوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ) أَيْ مِنْ سَيِّدٍ إِلَى سَيِّدٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ إِطْلَاقِ رَبٍّ عَلَى السَّيِّدِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْبِضْعِ وَأَنَّهُ مِنَ الثَّلَاثَ إِلَى الْعَشْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَلْمَانَ فِي قِصَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ مَلِكٍ، وَأَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ الدِّينِ هَارِبًا، وَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ عَابِدٍ إِلَى عَابِدٍ إِلَى أَنْ قَدِمَ يَثْرِبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشِّرَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ كَيْفِيَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ وَمُكَاتَبَةُ الَّذِي كَانَ فِي رِقِّهِ عَلَى غَرْسِ الْوَدْيِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ وَلَاءَ سَلْمَانَ كَانَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَ مَالِكٍ، قَالَ: وَالَّذِي كَاتَبَ سَلْمَانَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِوَلَائِهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: وَفَاتَهُ مِنْ وُجُوهِ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ فَلَا يُورَثُ عَنْهُ الْوَلَاءُ أَيْضًا إِنْ قُلْنَا بِوَلَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ. قَوْلُهُ: (أَنَا مِنْ رَامَ هُرْمُزَ) فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَوْفٍ بِلَفْظِ أَنَا مِنْ أَهْلِ رَامَ هُرْمُزَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ، مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأَرْضِ فَارِسَ بِقُرْبِ عِرَاقِ الْعَرَبِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ سَلْمَانَ كَانَ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاعْتِبَارَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَتْرَةً بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ) وَالْمُرَادُ بِالْفَتْرَةِ الْمُدَّةُ الَّتِي لَا يُبْعَثُ فِيهَا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُنَبَّأَ فِيهَا مَنْ يَدْعُو إِلَى شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْأَخِير، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ هَذَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَنْقُولٌ، فَعَنْ قَتَادَةَ خَمْسُمِائَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَعَنِ الْكَلْبِيِّ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ. وَوَجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِإِسْلَامِ سَلْمَانَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي سِيَاقِ قِصَّتِهِ مَا هِيَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُ بَعْضِهَا صَالِحًا، وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْبَابِ فَمُحَصَّلُهَا أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ تَدَاوَلَهُ جَمَاعَةٌ بِالرِّقِّ،

стр. 4106

وَبَعْدَ أَنْ هَاجَرَ مِنْ وَطَنِهِ وَغَابَ عَنْهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ حَتَّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ طَوْعًا. (خَاتِمَةٌ) اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْمَبْعَثِ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْهِجْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ وَالْبَقِيَّةُ مُعَلَّقَاتٌ وَمُتَابَعَاتٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ خَبَّابٍ لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُمْشَطُ وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي أَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ آذَنَتْ بِالْجِنِّ شَجَرَةٌ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي إِسْلَامِ عُمَرَ، وَحَدِيثِ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ، وَحَدِيثِ عُمَرَ يَا جَلِيحْ، وَحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فِي إِسْلَامِهِ، وَحَدِيثِ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فِي الْخَمِيصَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾ وَحَدِيثِ جَابِرٍ شَهِدَ بِي خَالَايَ الْعَقَبَةَ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَكْبٍ كَانُوا تُجَّارًا الْحَدِيثَ فِي الْهِجْرَةِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ وَفِيهِ قِصَّةُ سُرَاقَةَ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَحَدِيثِ عُمَرَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي ذِكْرِ الْهِجْرَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَيْعَةِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ كَلْبٍ وَفِيهِ الشِّعْرُ، وَحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي أَوَّلِ مِنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَحَدِيثِ سَهْلٍ مَا عَدُّوا مِنَ بعثِ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ وَأَحَادِيثِ سَلْمَانَ الثَّلَاثَةِ فِي إِسْلَامِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَرْبَعَةُ آثَارٍ أَوْ خَمْسَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4107

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٤ - كِتَاب الْمَغَازِي ١ - بَاب غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ أَوْ الْعُسَيْرَةِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَبْوَاءَ، ثُمَّ بُوَاطَ، ثُمَّ الْعُشَيْرَةَ. ٣٩٤٩ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. قِيلَ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ؟ قَالَ: العشير أَوْ العسيرة. فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: الْعُشَيْرة. [الحديث ٣٩٤٩ - طرفاه في: ٤٤٧١، ٤٤٠٤] قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابُ الْمَغَازِي. بَابُ غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ): بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ تَأْخِيرُ الْبَسْمَلَةِ عَنْ قَوْلِهِ: كِتَابُ الْمَغَازِي وَزَادُوا بَابُ غَزْوَةِ الْعَشِيرَةِ أَوِ الْعَسِيرَةِ بِالشَّكِّ هَلْ هِيَ بِالْإِهْمَالِ أَوْ بِالْإِعْجَامِ، مَكَانُهَا عِنْدَ مَنْزِلِ الْحَجِّ بِيَنْبُعَ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ إِلَّا الطَّرِيقُ. وَخَرَجَ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: مِائَتَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ فِيهَا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَالْمَغَازِي جَمْعُ مَغْزًى، يُقَالُ: غَزَا يَغْزُو غَزْوًا وَمَغْزًى، وَالْأَصْلُ غَزْوًا، وَالْوَاحِدَةُ غَزْوَةٌ وغزاة وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَعَنْ ثَعْلَبٍ الْغَزْوَةُ الْمَرَّةُ وَالْغَزَاةُ عَمَلُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَأَصْلُ الْغَزْوِ الْقَصْدُ، وَمَغْزَى الْكَلَامِ مَقْصِدُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَغَازِي هُنَا مَا وَقَعَ مِنْ قَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْكُفَّارَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِجَيْشٍ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَصْدُهُمْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَوْ إِلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي حَلُّوهَا حَتَّى دَخَلَ مِثْلُ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَبْوَاءُ ثُمَّ بَوَاطُ ثُمَّ الْعَشِيرَةُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ آخَرَ الْبَابِ، وَالْأَبْوَاءُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ قَرْيَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُحْفَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْوَبَاءِ وَهِيَ عَلَى الْقَلْبِ وَإِلَّا لَقِيلَ: الْأَوْبَاءُ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ مَا صُورَتُهُ: غَزْوَةُ وَدَّانَ بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ: وَهِيَ أَوَّلُ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ يُرِيدُ قُرَيْشًا، فَوَادَعَ بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ كِنَانَةَ، وَادَعَهُ رَئِيسُهُمْ مَجْدِي بْنُ عَمْرٍو الضُّمَرِيُّ وَرَجَعَ بِغَيْرِ قِتَالٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اهـ. وَلَيْسَ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي السِّيرَةِ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّ الْأَبْوَاءَ وَوَدَّانَ مَكَانَانِ مُتَقَارِبَانِ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَوَقَعَ فِي مَغَازِي الْأُمَوِيِّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَازِيًا بِنَفْسِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى وَدَّانَ وَهِيَ الْأَبْوَاءُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا النَّبِيُّ ﷺ يَعْنِي بِنَفْسِهِ - الْأَبْوَاءُ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَوَّلُ غَزَاةٍ غَزَوْنَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْأَبْوَاءُ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ

стр. 4108

عَبْدِ اللَّهِ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ، وَكَثِيرٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ مَشَاهُ وَتَبِعَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي مَغَازِيهِ عَنْ عُرْوَةَ وَوَصَلَهُ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَبْوَاءِ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ فِي سِتِّينَ رَجُلًا فَلَقُوا جَمْعًا مِنْ قُرَيْشٍ فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، فَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَوِيِّ: يُقَالُ: إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلُ مَنْ عَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِسْلَامِ رَايَةً، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَالْوَاقِدِيُّ فِي آخَرِينَ قَالُوا: وَكَانَ حَامِلَ رَايَتِهِ أَبُو مَرْثَدَ حَلِيفُ حَمْزَةَ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْأُولَى، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ رَجُلًا لِيَعْتَرِضُوا عِيرَ قُرَيْشٍ، فَلَقُوا أَبَا جَهْلٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِي. وَأَمَّا بَوَاطُ فَبِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُضَمُّ، وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ جُهَيْنَةَ بِقُرْبِ يَنْبُعَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ غَزَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يُرِيدُ قُرَيْشًا أَيْضًا حَتَّى بَلَغَ بَوَاطَ مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى وَرَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا، وَرَضْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورٌ: جَبَلٌ مَشْهُورٌ عَظِيمٌ بِيَنْبُعَ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَفِي نُسْخَةٍ السَّائِبَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَعَلَيْهِ جَرَى السُّهَيْلِيُّ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَأَمَّا الْعُشَيْرَةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهَا بِالْمُعْجَمَةِ وَالتَّصْغِيرِ وَآخِرُهَا هَاءٌ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ بِبَطْنِ يَنْبُعَ، وَخَرَجَ إِلَيْهَا في جُمَادَى الْأُولَى يُرِيدُ قُرَيْشًا أَيْضًا، فَوَادَعَ فِيهَا بَنِي مُدْلِجٍ مِنْ كِنَانَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْتَعْمَلَ فِيهَا عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ هَذِهِ السَّفْرَاتِ الثَّلَاثَ كَانَ يَخْرُجُ فِيهَا لِيَلْتَقِيَ تُجَّارَ قُرَيْشٍ حِينَ يَمُرُّونَ إِلَى الشَّامِ ذِهَابًا وَإِيَابًا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ السَّرَايَا الَّتِي بَعَثَهَا قَبْلَ بَدْرٍ كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يُقِمْ إِلَّا لَيَالِيَ حَتَّى أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِ حَتَّى بَلَغَ سَفَرَانَ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ - مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، فَقَاتَلَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، وَهَذِهِ هِيَ بَدْرٌ الْأُولَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ الْبَيَانُ عَنْ سَرِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأَنَّهُ وَمَنْ مَعَهُ لَقُوا نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ رَاجِعِينَ بِتِجَارَةٍ مِنَ الشَّامِ فَقَاتَلُوهُمْ، وَاتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَأَسَرُوا وَأَخَذُوا الَّذِي كَانَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ قَتْلٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوَّلَ مَالٍ غُنِمَ، وَمِمَّنْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيٍّ الَّذِي حَرَّضَ بِهِ أَبُو جَهْلٍ قُرَيْشًا عَلَى الْقِتَالِ بِبَدْرٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ كَمَا أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَ هُوَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، لَيُهْلَكُنَّ. فَنَزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي الْقِتَالِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُمْ أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا﴾ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) هُوَ ابْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السُّبَيْعِيُّ. قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ) الْقَائِلُ هُوَ الرَّاوِي أَبُو إِسْحَاقَ بَيَّنَهُ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْمَغَازِي بِلَفْظِ سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ آخِرًا فَأَيُّهُمْ. قَوْلُهُ: (تِسْعَ عَشْرَةَ) كَذَا قَالَ وَمُرَادُهُ الْغَزَوَاتُ الَّتِي خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لَكِنْ رَوَى أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عَدَدَ الْغَزَوَاتِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، فَعَلَى هَذَا فَفَاتَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ذِكْرُ ثِنْتَيْنِ مِنْهَا وَلَعَلَّهُمَا الْأَبْوَاءُ وَبَوَاطُ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ خَفِيَ عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ قُلْتُ: مَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ:

стр. 4109

ذَاتُ الْعُشَيْرِ أَوِ الْعُشَيْرَةُ اهـ. وَالْعُشَيْرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ هِيَ الثَّالِثَةُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ التِّينِ: يُحْمَلُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَلَى أَنَّ الْعُشَيْرَةَ أَوَّلُ مَا غَزَا هُوَ، أَيْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، والتقدير: فَقُلْتُ: مَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا أَيْ وَأَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: الْعُشَيْرُ، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا، وَيَكُونُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ ثِنْتَانِ مِمَّا بَعْدَ ذَلِكَ. أَوْ عَدَّ الْغَزْوَتَيْنِ وَاحِدَةً، فَقَدْ قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ فِي ثَمَانٍ: بَدْرٍ ثُمَّ أُحُدٍ ثُمَّ الْأَحْزَابِ ثُمَّ الْمُصْطَلِقِ ثُمَّ خَيْبَرَ ثُمَّ مَكَّةَ ثُمَّ حُنَيْنٍ ثُمَّ الطَّائِفِ اهـ. وَأَهْمَلَ غَزْوَةَ قُرَيْظَةَ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّهَا إِلَى الْأَحْزَابِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ فِي أثرِهَا، وَأَفْرَدَهَا غَيْرُهُ لِوُقُوعِهَا مُنْفَرِدَةً بَعْدَ هَزِيمَةِ الْأَحْزَابِ، وَكَذَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ عَدُّ الطَّائِفِ وَحُنَيْنٍ وَاحِدَةً لِتَقَارُبِهِمَا، فَيَجْتَمِعُ عَلَى هَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَقَوْلُ جَابِرٍ، وَقَدْ تَوَسَّعَ ابْنُ سَعْدٍ فَبَلَغَ عِدَّةُ الْمَغَازِي الَّتِي خَرَجَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الْوَاقِدِيَّ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا عَدَّهُ ابْنُ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُفْرِدْ وَادِي الْقُرَى مِنْ خَيْبَرَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ، وَكَأَنَّ السِّتَّةَ الزَّائِدَةَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ وَأَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شُبَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فزاد فِيهِ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ أَوَّلًا ثَمَانِيَ عَشْرَةً، ثُمَّ قَالَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَا أَدْرِي أَوَهمَ أَوْ كَانَ شَيْئًا سَمِعَهُ بَعْدُ. قُلْتُ: وَحَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ يَدْفَعُ الْوَهَمَ وَيَجْمَعُ الْأَقْوَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْبُعُوثُ وَالسَّرَايَا فَعَدَّ ابْنُ إِسْحَاقَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَعَدَّ الْوَاقِدِيُّ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ سِتًّا وَخَمْسِينَ، وَعَدَّ الْمَسْعُودِيُّ سِتِّينَ، وَبَلَغَهَا شَيْخُنَا فِي نَظْمِ السِّيرَةِ زِيَادَةً عَلَى السَّبْعِينِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ ضَمَّ الْمَغَازِي إِلَيْهَا. قَوْلُهُ: (قُلْتُ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَوَّلُ)؟ كَذَا لِلْجَمِيعِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالصَّوَابُ فَأَيُّهَا أَوْ أَيُّهُنَّ وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُضَافَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ فَأَيُّ غَزْوَتِهِمْ؟ قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ قُلْتُ: فَأَيَّتُهُنَّ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيِّ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَلَى الصَّوَابِ وَمَرَّةً عَلَى غَيْرِهِ إِنْ لَمْ يَصِحَّ لَهُ تَوْجِيهٌ. قَوْلُهُ: (الْعُشَيْرُ أَوِ الْعُسيْرَةُ) كَذَا بِالتَّصْغِيرِ وَالْأَوَّلُ بِالْمُعْجَمَةِ بِلَا هَاءٍ وَالثَّانِيَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْهَاءِ، وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ الْعُشَيْرُ أَوِ الْعُسَيْرُ بِلَا هَاءٍ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ) الْقَائِلُ هُوَ شُعْبَةُ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ الْعُشَيْرَةُ هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِإِثْبَاتِ الْهَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا، وَقَوْلُ قَتَادَةَ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَمَّا غَزْوَةُ الْعَسِيرَةِ بِالْمُهْمَلَةِ فَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَهِيَ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ، وَأَمَّا هَذِهِ فَنُسِبَتْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَصَلُوا إِلَيْهِ وَاسْمُهُ الْعُشَيْرُ أَوِ الْعُشَيْرَةُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَهُوَ مَوْضِعٌ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ عِيرُ قُرَيْشٍ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ بِالتِّجَارَةِ فَفَاتَهُمْ، وَكَانُوا يَتَرَقَّبُونَ رُجُوعَهَا، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَلَقَّاهَا لِيَغْنَمَهَا، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَإِنَّ السَّبَبَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ بِالشَّامِ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنْهُمْ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَأَقْبَلُوا فِي قَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ فِيهَا أَمْوَالُ قُرَيْشٍ، فَنَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِهِمْ، فَأَرْسَلَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ إِلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْمَجِيءِ لِحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَيُحَذِّرُهُمُ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْفَرَهُمْ ضَمْضَمُ، فَخَرَجُوا فِي أَلْفِ رَاكِبٍ وَمَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ، وَاشْتَدَّ حَذَرُ أَبِي سُفْيَانَ فَأَخَذَ طَرِيقَ السَّاحِلِ وَجَدَّ فِي السَّيْرِ حَتَّى فَاتَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أَمِنَ أَرْسَلَ إِلَى مَنْ يَلْقَى قُرَيْشًا يَأْمُرُهُمْ

стр. 4110

بِالرُّجُوعِ، فَامْتَنَعَ أَبُو جَهْلٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ. ٢ - بَاب ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ ٣٩٥٠ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁، حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ. فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا سَعْدٌ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا، وَقَدْ أَوَيْتُمْ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ - وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ -: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ: طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي. فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ. قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ، أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ. فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ، قَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ، فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي. فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يترك مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ) أَيْ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِزَمَانٍ، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيُرِيَنَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ يَقُولُ: هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ. فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا تِلْكَ الْحُدُودَ الْحَدِيثَ، وَهَذَا وَقَعَ وَهُمْ بِبَدْرٍ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي الْتَقَوْا فِي صَبِيحَتِهَا، بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ. قَوْلُهُ: (شُرَيْحُ) هُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ هُوَ يُوسُفُ بْنُ أبي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ. قَوْلُهُ: (إنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ

стр. 4111

مُعَاذٍ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا) فِيهِ الْتِفَاتٌ عَلَى رَأْيٍ، وَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: قال: كُنْتُ صَدِيقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ زَائِدَةً، وَيَكُونَ قَوْلُهُ قَالَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمُرَادُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ. قَوْلُهُ: (عَلَى أُمَيَّةَ) بْنِ خَلَفٍ وَوَقَعَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ صَفْوَانَ، كَذَا لِلْمَرْوَزِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْبَاقِينَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ أَبِي صَفْوَانَ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَبِي صَفْوَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَهِيَ كُنْيَةُ أُمَيَّةَ كُنِّيَ بِابْنِهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ أَصْحَابُ أَبِي إِسْحَاقَ ثُمَّ أَصْحَابُ إِسْرَائِيلَ عَلَى أَنَّ الْمَنْزُولَ عَلَيْهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ فَقَالَ: نَزَلَ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ كُلَّهَا، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ. وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قُتِلَ بِبَدْرٍ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَارِهًا فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَدْرٍ، وَإِنَّمَا حَرَّضَ النَّاسَ عَلَى الرُّجُوعِ بَعْدَ أَنْ سَلِمَتْ تِجَارَتُهُمْ فَخَالَفَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَفِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّهَا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ لِقَوْلِهِ فِيهَا: فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ وَلَمْ يَكُنْ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ صَفْوَانَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ (لِأُمَيَّةَ) بْنِ خَلَفٍ (انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: أَلَا تَنْظُرُ حَتَّى يَكُونَ نِصْفُ النَّهَارِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَعْدًا سَأَلَهُ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أُمَيَّةُ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَهُ نِصْفَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْخَلْوَةِ. قَوْلُهُ: (أَلَا أَرَاكَ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُرَادَةٌ. قَوْلُهُ: (أوَيْتُمْ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَالصُّبَاةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ صَابِي بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ وَقَدْ أوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَوْلُهُ: (طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ) أَيْ مَا يُقَارِبُهَا أَوْ يُحَاذِيهَا، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: طَرِيقَكَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ. قُلْتُ: النَّصْبُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عَامِلَهُ لَأَمْنَعَنَّكَ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ. وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ مَتْجَرَكَ إِلَى الشَّامِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَطْعِ طَرِيقِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (عَلَى أَبِي الْحَكَمِ) هِيَ كُنْيَةُ أَبِي جَهْلٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وهُوَ الَّذِي لَقَّبَهُ بِأَبِي جَهْلٍ. قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُمْ قَاتَلُوكَ) كَذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ الْمُسْلِمُونَ، أَوِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَذَكَرَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ تَعْظِيمًا، وَفِي بَقِيَّةِ سِيَاقِ الْقِصَّةِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ قَاتِلِيكَ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْوَاوِ وَقَالُوا: هِيَ لَحْنٌ، وَوُجِّهَتْ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَاتِلِيكَ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ إنَّهُ قَاتِلُكَ بِالْإِفْرَادِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بَيَانُ وَهَمِ الْكَرْمَانِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِأَبِي جَهْلٍ فَاسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ أنَّ أَبَا جَهْلٍ لَمْ يَقْتُلْ أُمَيَّةَ، ثُمَّ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا فِي خُرُوجِهِ حَتَّى قُتِلَ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْبَابِ كَافِيَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ أُمَيَّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَاتِلِي وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ لِأَبِي جَهْلٍ ذِكْرٌ. قَوْلُهُ: (فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا) بَيَّنَ سَبَبَ فَزَعِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ فَفِيهَا قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ، فَكَادَ أَنْ يُحْدِثَ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْحَدَثِ وَهُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَالضَّمِيرُ لِأُمَيَّةَ أَيْ أَنَّهُ كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْحَدَثُ مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِ، وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ إِلَّا تَصْحِيفًا. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ) أَيِ امْرَأَتِهِ (فَقَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ) هِيَ كُنْيَتُهَا، وَاسْمُهَا صَفِيَّةُ وَيُقَالُ: كَرِيمَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وَهِيَ مِنْ رَهْطِ أُمَيَّةَ فَأُمَيَّةُ ابْنُ عَمِّ أَبِيهَا، وَقِيلَ: اسْمُهَا فَاخِتَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ. قَوْلُهُ: (مَا قَالَ لِي سَعْدٌ) وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ ذَكَرَ الْأُخُوَّةَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُؤَاخَاةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنَسَبَهُ إِلَى يَثْرِبَ وَهُوَ

стр. 4112

اسْمُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْمُحْتَمَلِ حَيْثُ يَتَحَقَّقُ الْهَلَاكُ فِي غَيْرِهِ أَوْ يَقْوَى الظَّنُّ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ) زَادَ إِسْرَائِيلُ: وَجَاءَ الصَّرِيخُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ، وَعَرَفَ أَنَّ اسْمَ الصَّرِيخِ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ جَدَعَ بَعِيرَهُ وَحَوَّلَ رَحْلَهُ وَشَقَّ قَمِيصَهُ وَصَرَخَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ، الْغَوْثَ الْغَوْثَ. قَوْلُهُ: (أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ الْقَافِلَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ. قَوْلُهُ: (إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ: مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ بِزِيَادَةِ مَا وَهِيَ الزَّائِدَةُ الْكَافَّةُ عَنِ الْعَمَلِ، وَبِحَذْفِهَا كَانَ حَقُّ الْأَلِفِ مِنْ يَرَاكَ أَنْ تُحْذَفَ؛ لِأَنَّ مَتَى لِلشَّرْطِ وَهِيَ تَجْزِمُ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: يُخَرَّجُ ثُبُوتُ الْأَلِفِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: يَرَاكَ مُضَارِعُ رَاءَ بِتَقْدِيمِ الْأَلِفِ عَلَى الْهَمْزَةِ وَهِيَ لُغَةٌ فِي رَأَى قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا رَاءَنِي أَبْدَى بَشَاشَةَ وأصِلٍ وَمُضَارِعُهُ يَرَاءُ بِمَدٍّ ثُمَّ هَمْزٍ، فَلَمَّا جُزِمَتْ حُذِفَتِ الْأَلِفُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا فَصَارَ يَرَا، وَعَلَى أَنَّ مَتَى شُبِّهَتْ بِإِذَا فَلَمْ يُجْزَمْ بِهَا، وَهُوَ كَقَوْلِ عَائِشَةَ الْمَاضِي فِي الصَّلَاةِ فِي أَبِي بَكْرٍ: مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ أَوْ عَلَى إِجْرَاءِ الْمُعْتَلِّ مَجْرَى الصَّحِيحِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَا تَرْضَاهَا وَلَا تَمَلَّقْ أَوْ عَلَى الْإِشْبَاعِ كَمَا قُرِئَ (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي). قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ مَتَى يَراكَ النَّاسُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَهُوَ الْوَجْهُ. قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي) أَيْ وَادِي مَكَّةَ، قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أُمَيَّةَ وَصَفَ بِهَا أَبَا جَهْلٍ لَمَّا خَاطَبَ سَعْدًا بِقَوْلِهِ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ، هُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي فَتَقَارَضَا الثَّنَاءَ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ الصِّفَةَ الَّتِي كَادَ بِهَا أَبُو جَهْلٍ أُمَيَّةَ حَتَّى خَالَفَ رَأْيَ نَفْسِهِ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ، وَكَانَ شَيْخًا جَسِيمًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَجْمَرَةٍ حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ. وَكَأَنَّ أَبَا جَهْلٍ سَلَّطَ عُقْبَةَ عَلَيْهِ حَتَّى صَنَعَ بِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ عُقْبَةُ سَفِيهًا. قَوْلُهُ: (لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ) يَعْنِي فَأَسْتَعِدُّ عَلَيْهِ لِلْهَرَبِ إِذَا خِفْتُ شَيْئًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَاشْتَرَى الْبَعِيرَ الَّذِي ذَكَرَ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ. قَوْلُهُ: (لَا يَتْرُكُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْزِلُ بِنُونٍ وَزَايٍ وَلَامٍ مِنَ النُّزُولِ، وَهِيَ أَوْجَهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ يَتْرُكُ بِمُثَنَّاةٍ وَرَاءٍ وَكَافٍ. قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي صِفَةِ قَتْلِهِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِي وَلِيَ قَتْلَهُ خُبَيْبٌ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، ابْنُ إِسَافٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: اشْتَرَكَ فِيهِ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَخُبَيْبٌ الْمَذْكُورُ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ طَعَنَهُ بِالسَّيْفِ، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ بِلَالٌ. وَأَمَّا ابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَتَلَهُ عَمَّارٌ. وَفِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرَةٌ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ قُوَّةِ النَّفْسِ وَالْيَقِينِ. وَفِيهِ أَنَّ شَأْنَ الْعُمْرَةِ كَانَ قَدِيمًا، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ فِي الِاعْتِمَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْتَمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣ - بَاب قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ

стр. 4113

أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ وَقَالَ وَحْشِيٌّ: قَتَلَ حَمْزَة، طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ الآية. ٣٩٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. قَوْلُهُ: (قِصَّةُ غَزْوَةِ بَدْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَثَبَتَ بَابُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ - إِلَى - ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ نَحْوَهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ وَسَاقَ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ. قَوْلُهُ: (بِبَدْرٍ) هِيَ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ نُسِبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كَانَ نَزَلَهَا، وَيُقَالُ: بَدْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ: بَدْرٌ اسْمُ الْبِئْرِ الَّتِي بِهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا أَوْ لِصَفَاءِ مَائِهَا، فَكَانَ الْبَدْرُ يُرَى فِيهَا، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ إِنْكَارَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ بَنِي غِفَارٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَأْوَانَا وَمَنَازِلُنَا وَمَا مَلَكَهَا أَحَدٌ قَطُّ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَمٌ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ. قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أَيْ قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشَاةً إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَارِينَ مِنَ السِّلَاحِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى تَلَقِّي أَبِي سُفْيَانَ لِأَخْذِ مَا مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ قَلِيل فَلَمْ يَظُنَّ أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ يَقَعُ قِتَالٌ فَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَةَ الِاسْتِعْدَادِ كَمَا يَنْبَغِي، بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا مُسْتَعِدِّينَ ذَابِّينَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فَاخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: نَصَرَكُمْ فَعَلَى هَذَا فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ فَذَهِلَ. وَقِيلَ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فَعَلَى هَذَا فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَطَائِفَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ يَمُدُّ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَلَمْ يَمُدَّ كُرْزٌ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَمُدَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: أَمَدَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَلْفٍ، ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ زَادَهُمْ فَصَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ آيتي آلِ عِمْرَانَ وَالْأَنْفَالِ، وَقَدْ لَمَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالِاخْتِلَافِ فِي

стр. 4114

النُّزُولِ فَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وَذَكَرَ مَا عَدَا ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (فَوْرِهِمْ: غَضَبِهِمْ) ثَبَتَ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِمْ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَحْشِيٌّ) أَيِ ابْنُ حَرْبٍ (قَتَلَ حَمْزَةُ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ ابْنُ الْخِيَارِ وَهُوَ وَهَمٌ وَصَوَابُهُ ابْنُ نَوْفَلٍ وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قِصَّةِ مَقْتَلِ حَمْزَةَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ جَمِيعُ سُورَةِ الْأَنْفَالِ أَوْ مُعْظَمُهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ وَالْمُرَادُ بِالطَّائِفَتَيْنِ: الْعِيرُ وَالنَّفِيرُ، فَكَانَ فِي الْعِيرِ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ كَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ فِي النَّفِيرِ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مُسْتَعِدِّينَ بِالسِّلَاحِ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ، وَكَانَ مَيْلُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى حُصُولِ الْعِيرِ لَهُمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ بِذَاتِ الشَّوْكَةِ الطَّائِفَةُ الَّتِي فِيهَا السِّلَاحُ. قَوْلُهُ: (الشَّوْكَةُ الْحَدُّ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ: وَيُقَالُ: مَا أَشَدَّ شَوْكَةِ بَنِي فُلَانٍ أَيْ حَدُّهُمْ، وَكَأَنَّهَا اسْتِعَارَةٌ مِنْ وَاحِدَةِ الشَّوْكِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الشَّامِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُهَا، فَبَلَغَ أَهْلَ مَكَّةَ فَأَسْرَعُوا إِلَيْهَا وَسَبَقَتِ الْعِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ اللَّهُ وَعَدَهُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَانُوا أَنْ يَلْقَوُا الْعِيرَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ وَأَيْسَرَ شَوْكَةً وَأَخَصَّ مَغْنَمًا مِنْ أَنْ يَلْقَوُا النَّفِيرَ، فَلَمَّا فَاتَهُمُ الْعِيرُ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُسْلِمِينَ بَدْرًا فَوَقَعَ الْقِتَالُ. ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي بطوله فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَمْ يُعَاتِبِ اللَّهُ أَحَدًا وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ أَيْ وَلَمْ يُرِدِ الْقِتَالَ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ أَيْ وَلَا إِرَادَةَ قِتَالٍ. وَالْعِيرُ الْمَذْكُورَةُ يُقَالُ: كَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَ الْمَالُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: سِتُّونَ، وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أَتَخَلَّفْ إِلَّا فِي تَبُوكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنِّي حَضَرْتُ فِي جَمِيعِ الْغَزَوَاتِ مَا خَلَا غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَالسَّبَبُ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَسْتَثْنِهِمَا مَعًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَوْنُهُ تَخَلَّفَ فِي تَبُوكَ مُخْتَارًا لِذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمِ الطَّلَبِ وَوُقُوعِ الْعِتَابِ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ، بِخِلَافِ بَدْرٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّخَلُّفَيْنِ. ٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ

стр. 4115

آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣٩٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ، يَعْنِي قَوْلَهُ. [الحديث ٣٩٥٢ - طرفه في: ٤٦٠٩] ٣٩٥٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قال النبي ﷺ : "يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ حَسْبُكَ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ " قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْجَمْعُ أَيْضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: فَقِصَّةُ الْمِقْدَادِ فِيهَا بَيَانُ مَا وَقَعَ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ بَيَانُ الِاسْتِغَاثَةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُخَارِقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْبَجَلِيُّ الْأَحْمَسِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَيُقَالُ: اسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: خَلِيفَةٌ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ، وَلَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ غَيْرِ طَارِقِ وَهُوَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَهُ رُؤْيَةٌ. قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ) تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ عَمْرٌو، وَأَنَّ الْأَسْوَدَ كَانَ تَبَنَّاهُ فَصَارَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِمَّا عُدِلَ بِهِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ وُزِنَ أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنَ الدُّنْيَوِيَّاتِ، وَقِيلَ: مِنَ الثَّوَابِ، أَوِ الْمُرَادُ الْأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي عَظَمَةِ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ لَكَانَ حُصُولُهُ لَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ هُوَ بِالنَّصْبِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: النَّصْبُ أَجْوَدُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ) زَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ جَاءَ الْمِقْدَادُ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَالَهُ الْمِقْدَادُ لَمَّا وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفْرَاءَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ قُرَيْشًا قَصَدَتْ بَدْرًا وَأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ نَجَا بِمَنْ مَعَهُ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْمِقْدَادُ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سَلَكْتَ بِنَا بَرْكَ الْغِمَادِ لَجَاهَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ. قَالَ: فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ. قَالَ: فَعَرَفُوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَكَانَ يَتَخَوَّفُ أَنْ لَا يُوَافِقُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبَايِعُوهُ إِلَّا عَلَى نُصْرَتِهِ مِمَّنْ يَقْصِدُهُ لَا أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: امْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ فَنَحْنُ مَعَكَ. قَالَ: فَسَّرَهُ قَوْلُهُ وَنَشَّطَهُ وَكَذَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مَبْسُوطًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعِنْدَ

стр. 4116

ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ فِي نَحْوِ قِصَّةِ الْمِقْدَادِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: لَئِنْ سِرْتَ حَتَّى تَأْتِيَ بَرْكَ الْغِمَادِ مِنْ ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَلَا نَكُونُ كَالَّذِينَ قَالُوا لِمُوسَى - فَذَكَرَهُ وَفِيهِ - وَلَعَلَّكَ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ فَأَحْدَثَ اللَّهُ غَيْرَهُ، فَامْضِ لِمَا شِئْتَ، وَصِلْ حِبَالَ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ حِبَالَ مَنْ شِئْتَ، وَسَالِمْ مَنْ شِئْتَ، وَعَادِ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ قَالَ: وَإِنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ غَنِيمَةَ مَا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فَأَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ الْقِتَالَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ: إِنِّي أُخْبِرْتُ عَنْ عِيرِ أَبِي سُفْيَانَ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمُنَاهَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَخَرَجْنَا، فَلَمَّا سِرْنَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ: قَدْ أُخْبِرُوا خَبَرَنَا فَاسْتَعِدُّوا لِلْقِتَالِ. فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ مَا لَنَا طَاقَةٌ بِقِتَالِ الْقَوْمِ. فَأَعَادَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ: لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى وَلَكِنْ نَقُولُ: إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ. قَالَ: فَتَمَنَّيْنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَوْ أَنَّا قُلْنَا كَمَا قَالَ الْمِقْدَادُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ سعد مُعَاذَ هُوَ الَّذِي قَالَ مَا قَالَ الْمِقْدَادُ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ لِلْمِقْدَادِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ إِنَّمَا قَالَ: لَوْ سِرْتَ بِنَا حَتَّى تَبْلُغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَكَ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: لَوْ سِرْتَ بِنَا حَتَّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غِمْدِ ذِي يَمَنٍ وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ فِيهِمْ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْغَزْوَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَهُمْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أَوَّلَ مَا بَلَغَهُ خَبَرُ الْعِيرِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ وَالثَّانِيَةُ كَانَتْ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ شَرْحُ بَرْكِ الْغِمَادِ، وَدَلَّتْ رِوَايَةُ ابْنِ عَائِذٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ، وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهَا أَرْضُ الْحَبَشَةِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّهُ لَقِيَهُ ذَاهِبًا إِلَى الْحَبَشَةِ بِبَرْكِ الْغِمَادِ فَأَجَارَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ تُقَابِلُ الْحَبَشَةَ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ الْبَحْرِ. قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةِ: وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَّبِعُونَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَلَكِنِ انْطَلِقْ أَنْتَ وَرَبُّكَ إِنَّا مَعَكُمْ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ عُمَرَ أَوْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُمَيْلٍ بِالزَّايِ مُصَغَّرٌ وَاسْمُهُ سِمَاكُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ الْحَدِيثَ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَتَكَاثُرَهُمْ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَقَلَّهُمْ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ لَا تُودِّعْ مِنِّي، اللَّهُمَّ لَا تَخْذُلْنِي، اللَّهُمَّ لَا تَتِرْنِي، اللَّهُمَّ

стр. 4117

أَنْشُدُكَ مَا وَعَدَّتْنِي، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَتَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُجَادِلُ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدَّتْنِي. قَوْلُهُ: (يَوْمُ بَدْرٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ الْآتِيَةِ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعَرِيشُ الَّذِي اتَّخَذَهُ الصَّحَابَةُ لِجُلُوسِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الدَّالِ، أَيْ أَطْلُبُ مِنْكَ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا سَمِعْنَا مُنَاشِدًا يَنْشُدُ ضَالَّةً أَشَدَّ مُنَاشَدَةً مِنْ مُحَمَّدٍ لِرَبِّهِ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ مَا وَعَدْتَّنِي قَالَ السُّهَيْلِيُّ: سَبَبُ شِدَّةِ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَصَبِهِ فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَنْصَبُ فِي الْقِتَالِ، وَالْأَنْصَارُ يَخُوضُونَ غِمَارَ الْمَوْتِ، وَالْجِهَادُ تَارَةً يَكُونُ بِالسِّلَاحِ وَتَارَةً بِالدُّعَاءِ، وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَرَاءَ الْجَيْشِ لِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيحَ نَفْسَهُ، فَتَشَاغَلَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الدُّعَاءُ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ) فِي حَدِيثِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ. أَمَّا تَهْلِكُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَالْعِصَابَةُ بِالرَّفْعِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَلَوْ هَلَكَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُبْعَثْ أَحَدٌ مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى الْإِيمَانِ، وَلَاسْتَمَرَّ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى لَا يُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ أَيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: قَاتَلْتُ يَوْمَ بَدْرٍ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، ثُمَّ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَرَجَعْتُ فَقَاتَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ فَوَجَدْتُهُ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ خَالِدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ قَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ اهـ. وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: كَذَاكَ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ بِمَعْنَى كَفَاكَ، قَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ: كَذَاكَ يُرَادُ بِهَا الْإِغْرَاءُ وَالْأَمْرُ بِالْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: كَذَاكَ الْقَوْلُ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْبًا أَيْ حَسْبُكَ مِنَ الْقَوْلِ فَاتْرُكْهُ اهـ وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَأَنَّ الْأَصْلَ كَفَاكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَوْثَقَ بِرَبِّهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالِ ; بَلِ الْحَامِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ شَفَقَتُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ، فَبَالَغَ فِي التَّوَجُّهِ وَالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ لِتَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَسِيلَتَهُ مُسْتَجَابَةٌ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُ اسْتُجِيبَ لَهُ لِمَا وَجَدَ أَبُو بَكْرٍ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذَا عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ، وَهُوَ أَكْمَلُ حَالَاتِ الصَّلَاةِ، وَجَازَ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَقَعَ النَّصْرُ يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالنَّصْرِ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لِتَلِكَ الْوَاقِعَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُجْمَلًا. هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ، وَزَلَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الصُّوفِيَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زَلَلًا شَدِيدًا فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قَالَ عُمَرُ: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَثِبُ فِي الدُّرُوعِ وَيَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ جَمْعٍ

стр. 4118

يُهْزَمُ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْتُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَائِشَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَأَنَا جَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ الْآيَةَ. ٥ - بَاب ٣٩٥٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ. [الحديث ٣٩٥٤ - طرفه في: ٤٥٩٥] قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ النُّسَخِ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بِعَيْنِهَا سَتَأْتِي فِيمَا بَعْدُ، فَلَا مَعْنَى لِتَكَرُّرِهَا. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ) هُوَ الْجَزَرِيُّ، بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ انْتَهَى. وَفِي طَبَقَتِهِ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ مِقْسَمٍ وَيَرْوِي عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا مُسْنَدًا، وَمِقْسَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِشِدَّةِ لُزُومِهِ لَهُ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٦ - بَاب عِدَّةِ أَصْحَابِ بَدْرٍ [الحديث ٣٩٥٥ - طرفه في: ٣٩٥٦] ٣٩٥٦ - وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا وَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ "اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ وَالأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ" ٣٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ "سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَ مِائَةٍ قَالَ الْبَرَاءُ لَا وَاللَّهِ مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ" [الحديث ٣٩٥٧ - طرفاه في: ٣٩٥٩، ٣٩٥٨] ٣٩٥٨ - حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَمِائَةٍ.

стр. 4119

٣٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أخبرنا سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ. قَوْلُهُ: (بَابُ عِدَّةِ أَصْحَابِ بَدْرٍ) أَيِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ. قَوْلُهُ: (اسْتُصْغِرْتُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَمُرَادُ الْبَرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ فَعُرِضَ مَنْ يُقَاتِلُ فَرُدَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَكَانَتْ تِلْكَ عَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَوَاطِنِ. قَوْلُهُ: (أَنَا وَابْنُ عُمَرَ) قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ اسْتُصْغِرْتُ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَذَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ التِّينِ وَزَادَ بِأَنَّ إِخْبَارَ ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ إِخْبَارِ الْبَرَاءِ عَنْهُ انْتَهَى. وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مَرْدُودٌ؛ إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْإِخْبَارَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتُصْغِرَ بِبَدْرٍ ثُمَّ اسْتُصْغِرَ بِأُحُدٍ، بَلْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ عُرِضَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَاسْتُصْغِرَ وَعُرِضَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَاسْتُصْغِرَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ آخِرَهُ وَشَهِدْنَا أُحُدًا فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ إِنْ حُمِلَتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَشَهِدْنَا أُحُدًا نَفْسَهُ وَحْدَهُ دُونَ ابْنِ عُمَرَ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ) هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ، وَوَهْبٌ هُوَ ابْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ أَوْ زِيَادَةً، وَيَأْتِي وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ مِنْ مُرْسَلِ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَسْرِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ وَهُوَ خَطَأٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِإِطْبَاقِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ. قَوْلُهُ: (وَالْأَنْصَارُ نَيِّفٌ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ) النَّيِّفُ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُخَفَّفُ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعِقْدَيْنِ: وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ نَيِّفًا بِنَصْبِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَقَالَ فِي الثَّانِي نَيِّفٌ بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَهُوَ وَاضِحٌ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ تَفْصِيلِ عَدَدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُوَافِقُ جُمْلَتُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ وَإِسْرَائِيلَ وَسُفْيَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، لَكِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعَشْرِ مُبْهَمَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ بِضْعَةَ عَشَرَ وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ وَلِأَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ أَهْلُ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ عُمَرَ، وَالسَّلْمَانِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ عَلِيٍّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي، وَيُقَالُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الْيَمَانِ عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَعَادُّوا. فَوَجَدَهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: تَعَادُّوا. فَتَعَادَّوْا مَرَّتَيْنِ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَى بَكْرٍ لَهُ ضَعِيفٍ وَهُمْ يَتَعَادُّونَ فَتَمَّتِ الْعِدَّةُ

стр. 4120

ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُنَافِي الَّتِي قَبْلَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى لَمْ يعدَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا الرَّجُلَ الَّذِي أَتَى آخِرًا، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا وَتِسْعَةَ عَشَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ضَمَّ إِلَيْهِمْ مَنِ اسْتُصْغِرَ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْقِتَالِ يَوْمَئِذٍ كَالْبَرَاءِ، وَابْنِ عُمَرَ وَكَذَلِكَ أَنَسٌ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ شَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ فِي خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ ابْتِدَاءَ خِدْمَتِهِ لَهُ حِينَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ، أَوْ خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ زَوْجِ أُمِّهِ أَبِي طَلْحَةَ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ نَفْسًا مِنَ الْجِنِّ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ، وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ وَمِائَةُ فَرَسٍ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْنَحُ الْمَاءَ لِأَصْحَابِي يَوْمَ بَدْرٍ وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا الْجَمْعُ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَشْهَدُوا الْقِتَالَ وَإِنَّمَا شَهِدَهُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ عَمَّتِهِ حَارِثَةَ بْنَ سُرَاقَةَ خَرَجَ نَظَّارًا وَهُوَ غُلَامٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقُتِلَ، وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتَّةَ رِجَالٍ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ فِيهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبَيَّنَ وَجْهَ الْجَمْعِ بِأَنَّ ثَمَانِيَةَ أَنْفُسٍ عُدُّوا فِي أَهْلِ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدُوهَا، وَإِنَّمَا ضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ بِسِهَامِهِمْ لِكَوْنِهِمْ تَخَلَّفُوا لِضَرُورَاتٍ لَهُمْ، وَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ تَخَلَّفَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِذْنِهِ، وَكَانَتْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. وَطَلْحَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ بَعَثَهُمَا يَتَجَسَّسَانِ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَهَؤُلَاءِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَبُو لُبَابَةَ رَدَّهُ مِنَ الرَّوْحَاءِ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَقَعَ فَكُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمِ ابْنُ سَعْدٍ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ السَّاعِدِيَّ وَالِدَ سَهْلٍ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَمِمَّنِ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ شَهِدَهَا أَوْ رُدَّ لِحَاجَةٍ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَصُبَيْحٌ مَوْلَى أُحَيْحَةَ رَجَعَ لِمَرَضِهِ فِيمَا قِيلَ، وَقِيلَ: إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مِمَّنْ ضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ نَقَلَهُ الْحَاكِمُ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ. قَوْلُهُ: (عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ) هُوَ طَالُوتُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ شَقِيقِ يُوسُفَ ﵇ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ سَقَّاءً وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ دَبَّاغًا. قَوْلُهُ: (أَجَازُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ جَازُوا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الَّتِي بَعْدَهَا جَاوَزُوا. قَوْلُهُ: (لَا وَاللَّهِ) هُوَ جَوَابُ كَلَامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إِمَّا دَعْوَى وَإِمَّا اسْتِفْهَامٌ: هَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَا زَائِدَةً وَإِنَّمَا حَلَفَ تَأْكِيدًا لِخَبَرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْرِ نَهْرُ الْأُرْدُنِّ، وَأَنَّ جَالُوتَ كَانَ رَأْسَ الْجَبَّارِينَ، وَأَنَّ طَالُوتَ وَعَدَ مَنْ قَتَلَ جَالُوتَ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَيُقَاسِمَهُ الْمُلْكَ، فَقَتَلَهُ دَاوُدُ، فَوَفَى لَهُ طَالُوتُ وَعَظُمَ قَدْرُ دَاوُدَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى اسْتَقَلَّ بِالْمَمْلَكَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نِيَّةُ طَالُوتَ تَغَيَّرَتْ لِدَاوُدَ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَتَابَ وَانْخَلَعَ مِنَ الْمُلْكِ وَخَرَجَ مُجَاهِدًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ حَتَّى مَاتُوا كُلُّهُمْ شُهَدَاءَ. وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ قِصَّتَهُ مُطَوَّلَةً. ٧ - بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ: شَيْبَةَ، وَعُتْبَةَ، وَالْوَلِيدِ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهَلَاكِهِمْ

стр. 4121

٣٩٦٠ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَعْبَةَ فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: عَلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى قَدْ غَيَّرَتْهُمْ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا. قَوْلُهُ: (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ). قَوْلُهُ: (شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) مَجْرُورٌ بِالْفَتْحِ عَلَى الْبَدَلِ وَكَذَا عُتْبَةَ. قَوْلُهُ: (وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهَلَاكُهُمْ) الْمُرَادُ دُعَاؤُهُ ﷺ السَّابِقُ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَتَمَّ مِنْهُ سِيَاقًا، وَأَوْرَدَهُ فِي الطَّهَارَةِ لِقِصَّةِ سَلَى الْجَزُورِ وَوَضْعِهِ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي فَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ، وَفِي الصَّلَاةِ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّ مُلَاصَقَةَ الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ لَا تُفْسِدُهَا، وَفِي الْجِهَادِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَفِي الْجِزْيَةِ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّ جِيَفَ الْمُشْرِكِينَ لَا يُفَادَى بِهَا، وَفِي الْمَبْعَثِ فِي بَابِ مَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَيْ أُقْسِمُ، وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيدِ خَبَرِهِ (قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ) أَيْ غَيَّرَتْ أَلْوَانَهُمْ إِلَى السَّوَادِ، أَوْ غَيَّرَتْ أَجْسَادَهُمْ بِالِانْتِفَاخِ، وَقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا. ٨ - بَاب قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ ٣٩٦١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا قَيْسٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ. ٣٩٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ قال النبي ﷺ : "ح و حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ قَالَ أَأَنْتَ أَبُو جَهْلٍ قَالَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ"؟ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ "أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ " [الحديث ٣٩٦٢ طرفاه في: ٤٠٢٠ و ٣٩٦٣] ٣٩٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "يَوْمَ بَدْرٍ مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَوْ قَالَ قَتَلْتُمُوهُ" حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَحْوَهُ

стр. 4122

٣٩٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَتَبْتُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي بَدْرٍ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنَيْ عَفْرَاءَ. (تَنْبِيهٌ): ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَتْ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَثُبُوتُهَا أَوْجَهُ إِذْ لَا تَعَلُّقَ لِحَدِيثِهَا بِبَابِ عِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ عَقِبَ حَدِيثِهَا بَابُ قَتْلِ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرَ هَلَاكِ غَيْرِ أَبِي جَهْلٍ فَهُوَ لَائِقٌ بِالتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَقَدِ اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا: الثَّانِي وَالثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ; وَلَمْ يُدْرِكِ الْبُخَارِيُّ أَبَاهُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْلٍ) وَبِهِ رَمَقٌ، كَأَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَدْ ضُرِبَ فِي الْمَعْرَكَةِ بِالسُّيُوفِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ أَعْمَدُ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَكَلَّمَهُ أَيْ بِكَلَامٍ تَشَفَّى مِنْهُ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ صَرِيعًا، فَقُلْتُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ أَخْزَاكَ اللَّهُ. قَالَ: وَبِمَا أَخْزَانِي مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ الْحَدِيثَ وَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: هَلْ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ وَأَعْمَدُ بِالْمُهْمَلَةِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ عَمَدَ أَيْ هَلَكَ، يُقَالُ: عَمَدَ الْبَعِيرُ يَعْمِدُ عَمَدًا بِالتَّحْرِيكِ إِذَا وَرِمَ سَنَامُهُ مِنْ عَضِّ الْقَتَبِ فَهُوَ عَمِيدٌ، وَيُكَنَّى بِذَلِكَ عَنِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ سَنَامُهُ وَارِمًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ الثَّقِيلُ فَيَكْسِرُهُ فَيَمُوتُ فِيهِ شَحْمُهُ، وَقِيلَ مَعْنَى أَعْمَدُ أَعْجَبُ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى أَغْضَبَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَلْ زَادَ عَلَى سَيِّدٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحْكِي عَنِ الْعَرَبِ أَعَمَدَ مِنْ كُلِّ مُحِقٍّ أَيْ هَلْ زَادَ عَلَى مِكْيَالٍ نَقَصَ كَيْلُهُ، وَأَنْشَدَ في ذَلِكَ: وَأَعْمَدُ مِنْ قَوْمٍ كَفَاهُمْ أَخُوهُمْ … صِدَامُ الْأَعَادِي حِينَ قَلَّتْ بُيُوتُهَا أَيْ لَا زِيَادَةَ عَلَى فِعْلِنَا فَإِنَّنَا كَفَيْنَا إِخْوَانَنَا أَعَادِيَهُمْ. وَفِي مَغَازِي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قُلْتُ لِابْنِ إِسْحَاقَ: مَا أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ؟ قَالَ: يَقُولُ هَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ قَتَلْتُمُوهُ. وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ الْأَوَّلَ. وَيُؤَيِّدُ تَفْسِيرَ أَبِي عُبَيْدَةَ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بَعْدَهُ بِلَفْظِ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَغْدَرُ بَدَلَ أَعْمَدُ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَنَّ أَنَسًا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ أَبِي جَهْلٍ؟ قَالَ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ -: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا ابْنَا عَفْرَاءَ قَدِ اكْتَنَفَاهُ فَضَرَبَاهُ، فَأَخَذْتُ بِلِحْيَتِهِ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا، فَانْطَلَقَ. قَوْلُهُ: (ابْنَا عَفْرَاءَ) هُمَا مُعَاذٌ، وَمُعَوِّذٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (حَتَّى بَرَدَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ أَيْ مَاتَ، هَكَذَا فَسَّرُوهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ فِي مُسْلِمٍ حَتَّى بَرَكَ بِكَافٍ بَدَلَ الدَّالِ أَيْ سَقَطَ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ التَّيْمِيِّ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَلَوْ كَانَ مَاتَ كَيْفَ كَانَ يُكَلِّمُهُ؟ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: حَتَّى بَرَدَ أَيْ صَارَ فِي حَالَةِ مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ سِوَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَئُولُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلسُّيُوفِ: بَوَارِدُ؛ أَيْ: قَوَاتِلُ، وَقِيلَ لِمَنْ قُتِلَ

стр. 4123

بِالسَّيْفِ: بَرَدَ؛ أَيْ: أَصَابَهُ مَتْنُ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْحَدِيدِ الْبُرُودَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: بَرَدَ أَيْ فَتَرَ وَسَكَنَ، يُقَالُ: جَدَّ فِي الْأَمْرِ حَتَّى بَرَدَ أَيْ فَتَرَ، وَبَرَدَ النَّبِيذُ أَيْ سَكَنَ غَلَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، بَيَّنَهُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَأَنَّ الشَّكَّ مِنَ التَّيْمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْغَزْوَةِ. وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ سُلَيْمَانُ - أَيِ التَّيْمِيُّ - قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرَ أَكَّارٍ قَتَلَنِي هَذَا مُرْسَلٌ وَالْأَكَّارُ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الزَّرَّاعُ، وَعَنَى بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَشَارَ إِلَى تَنْقِيصِ مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَوْ غَيْرُكَ كَانَ قَتَلَنِي وَهُوَ تَصْحِيفٌ. قَوْلُهُ: (أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَحْدَة أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا، فَقَدْ صَرَّحَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِأَنَّهُ هَكَذَا نَطَقَ بِهَا أَنَسٌ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَفْظُهُ فَقَالَ: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: قَالَ سُلَيْمَانُ: هَكَذَا قَالَهَا أَنَسٌ، قَالَ: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ فِيهِ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ وَكَأَنَّهُ مِنْ إِصْلَاحِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَكَذَا نَطَقَ بِهَا يَحْيَى الّقَطَّانُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ التَّيْمِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: قَالَ: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ قَالَ الْمُقَدَّمِيُّ: هَكَذَا قَالَهَا يَحْيَى الّقَطَّانُ. وَقَدْ وُجِّهَتِ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ بِالْحَمْلِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُثْبِتُ الْأَلِفَ فِي الْأَسْمَاءِ السِّتَّةِ فِي كُلِّ حَالَةٍ كَقَوْلِهِ: إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ شَرْطَ هَذَا الْإِضْمَارِ أَنْ تَكْثُرَ النُّعُوتُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ تَعَمَّدَ اللَّحْنَ لِيَغِيظَ أَبَا جَهْلٍ كَالْمُصَغِّرِ لَهُ، وَمَا أَبْعَدَ مَا قَالَ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ أَبَا جَهْلٍ مُنَادَى مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنْتَ الْمَقْتُولُ يَا أَبَا جَهْلٍ، وَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ مُقَرِّعًا لَهُ وَمُتَشَفِّيًا مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ أَشَدَّ الْأَذَى. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالْحَاكِمِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ فَقُلْتُ: أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، قَالَ: وَبِمَا أَخْزَانِي؟ هَلْ أَعْمَدُ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ قَالَ: وَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَقَدِ ارْتَقَيْتَ يَا رُوَيْعَ الْغَنَمِ مُرْتَقًى صَعْبًا قَالَ: ثُمَّ احْتَزَزْتُ رَأْسَهُ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟ فَحَلَفَ لَهُ وَفِي زِيَادَةِ الْمَغَازِي رِوَايَةُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَحْوَ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ وَفِيهِ فَحَلَفَ لَهُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَامَ عِنْدَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ التَّيْمِيُّ الْمَذْكُورُ قَبْلُ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَحْوَهُ) قَدْ سَاقَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ لَفْظَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَالَ فِيهِ: قَالَ: فَأَخَذْتُ بِلِحْيَتِهِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ. وَقَوْلُهُ: قَالَ: فَأَخَذْتُ بِلِحْيَتِهِ يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمَاضِيَةَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، فَإِنَّ أَنَسًا أَخَذَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. قَوْلُهُ: (كَتَبْتُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَتَبَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْخُمُسِ مُطَوَّلًا عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يُوسُفَ. قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ فِي بَدْرٍ) أَيْ فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: (يَعْنِي حَدِيثَ ابْنَيْ عَفْرَاءَ) أَيِ الْحَدِيثَ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْخُمُسِ عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مُلَخَّصًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنَ ابْنَيْ عَفْرَاءَ سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَدَلَّهُمَا عَلَيْهِ فَشَدَّا عَلَيْهِ فَضَرَبَاهُ

стр. 4124

حَتَّى قَتَلَاهُ، وَفِي آخَرِ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ وَهُمَا مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ فِي سَيْفَيْهِمَا وَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، وَأَنَّهُ قَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ انْتَهَى. وَعَفْرَاءُ وَالِدَةُ مُعَاذٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ الْحَارِثُ، وَأَمَّا ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فَلَيْسَ اسْمُ أُمِّهِ عَفْرَاءَ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ مُعَوِّذٍ أَيْضًا تُسَمَّى عَفْرَاءَ أَوْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِمُعَوِّذٍ أَخٌ يُسَمَّى مُعَاذًا بِاسْمِ الَّذِي شَرَكَهُ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ ظَنَّهُ الرَّاوِي أَخَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ: سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْجُرْحَةِ: أَبُو جَهْلٍ الْحَكَمُ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي فَعَمَدْتُ نَحْوَهُ، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطْنَتْ قَدَمَهُ وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي فَطَرَحَ يَدِي قَالَ: ثُمَّ عَاشَ مُعَاذٌ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ. قَالَ: وَمَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَتَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، ثُمَّ قَاتَلَ مُعَوِّذٌ حَتَّى قُتِلَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ فَوَجَدَهُ بِآخِرِ رَمَقٍ فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ. فَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ رَأَى مُعَاذًا، وَمُعَوِّذًا شَدَّا عَلَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى طَرَحَاهُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ عَفْرَاءَ هُوَ مُعَوِّذٌ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ مُعَاذٌ وَهُمَا أَخَوَانِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ شَدَّ عَلَيْهِ مَعَ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو كَمَا فِي الصَّحِيحِ وَضَرَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُعَوِّذٌ حَتَّى أَثْبَتَهُ ثُمَّ حَزَّ رَأْسَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَتُجْمَعُ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا، وَإِطْلَاقُ كَوْنِهِمَا قَتَلَاهُ يُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَجَدَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا بَلَغَا بِهِ بِضَرْبِهِمَا إِيَّاهُ بِسَيْفَيْهِمَا مَنْزِلَةَ الْمَقْتُولِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِهِ إِلَّا مِثْلُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَقِيَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَكَذَا عِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَجَدَ أَبَا جَهْلٍ مَصْرُوعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرَكَةِ غَيْرُ كَثِيرٍ مُتَقَنِّعًا فِي الْحَدِيدِ وَاضِعًا سَيْفَهُ عَلَى فَخِذِهِ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ عُضْوٌ، وَظَنَّ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ ثَبَتَ جِرَاحًا فَأَتَاهُ مِنْ وَرَائِهِ فَتَنَاوَلَ قَائِمَ سَيْفِ أَبِي جَهْلٍ فَاسْتَلَّهُ وَرَفَعَ بَيْضَةَ أَبِي جَهْلٍ عَنْ قَفَاهُ فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ بَعْدَ أَنْ خَاطَبَهُ بِمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣٩٦٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمْ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْحَارِثِ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. [الحديث ٣٩٦٥ - طرفاه في: ٤٧٤٤، ٣٩٦٧] ٣٩٦٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ فِي سِتَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ [الحديث ٣٩٦٦ - أطرافه في: ٤٧٤٣، ٣٩٦٩، ٣٩٦٨]

стр. 4125

٣٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي سَدُوسَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: "قَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [١٩ الحج] ٣٩٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ "سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁ يُقْسِمُ لَنَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ فِي هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ. . . . . . . . . . . " نَحْوَهُ ٣٩٦٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ "سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ" ٣٩٧٠ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ أَشَهِدَ عَلِيٌّ بَدْرًا قَالَ بَارَزَ وَظَاهَرَ" الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ فِي الْمُبَارَزَةِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ. وَأَبُو مِجْلَزٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا زَايٌ هُوَ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، تَابِعِيٌّ وَكَذَا شَيْخُهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ. وَقَيْسُ بْنُ عُبَادٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ الْبَابِ مَعَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَلِيٍّ أَوْ أَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ السِّيَاقَيْنِ. قَوْلُهُ: (مَنْ يَجْثُو) بِالْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَقْعُدُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُخَاصِمًا، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَوَّلِيَّةِ تَقْيِيدُهُ بِالْمُجَاهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُبَارَزَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوَّلُ مُبَارَزَةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَيْسٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادٍ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بَعْدَهَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: فِينَا نَزَلَتْ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْحَجِّ أَنَّ مَنْصُورًا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فَوَقَفَهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فِي سِتَّةٍ مِنْ قُرَيْشٍ) يَعْنِي ثَلَاثَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ: اثْنَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَوَاحِدٍ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ. وَثَلَاثَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. قَوْلُهُ: (عَلِيٌّ، وَحَمْزَةُ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَوْلُهُ: (وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعُتْبَةُ هُوَ أَخُوهُ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَلَدُهُ. وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَفْصِيلُ الْمُبَارِزِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ كَانَا أَسَنَّ الْقَوْمِ، فَبَرَزَ عُبَيْدَةُ لِعُتْبَةَ، وَحَمْزَةُ لِشَيْبَةَ، وَعَلِيٌّ، لِلْوَلِيدِ. وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: بَرَزَ حَمْزَةُ لِعُتْبَةَ، وَعُبَيْدَةُ، لِشَيْبَةَ، وَعَلِيٌّ، لِلْوَلِيدِ. ثُمَّ اتَّفَقَا فَقَتَلَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ، وَقَتَلَ حَمْزَةُ الَّذِي بَارَزَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَمَنْ بَارَزَهُ بِضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَتِ الضَّرْبَةُ فِي رُكْبَةِ عُبَيْدَةَ فَمَاتَ مِنْهَا لَمَّا رَجَعُوا بِالصَّفْرَاءِ، وَمَالَ حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ إِلَى الَّذِي بَارَزَ عُبَيْدَةَ فَأَعَانَاهُ عَلَى قَتْلِهِ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَعِنْدَ أبي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ مِثْلُهُ. وَأَوْرَدَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ شَيْبَةَ، لِحَمْزَةَ،

стр. 4126

وَعُبَيْدَةَ، لِعُتْبَةَ، وَعَلِيًّا لِلْوَلِيدِ، ثُمَّ قَالَ اللَّيْثُ: إِنَّ عُتْبَةَ، لِحَمْزَةَ، وَشَيْبَةَ، لِعُبَيْدَةَ اهـ. قَالَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ: اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا، لِلْوَلِيدِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِي عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ أَيُّهُمَا لِعُبَيْدَةَ، وَحَمْزَةَ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ شَيْبَةَ، لِعُبَيْدَةَ. قُلْتُ: وَفِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: تَقَدَّمَ عُتْبَةُ وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ، إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ. فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ. قُلْتُ: وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّ الَّذِي بَارَزَهُ عَلِيٌّ هُوَ الْوَلِيدُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ اللَّائِقُ بِالْمَقَامِ، لِأَنَّ عُبَيْدَةَ، وَشَيْبَةَ كَانَا شَيْخَيْنِ كَعُتْبَةَ، وَحَمْزَةَ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ، وَالْوَلِيدِ فَكَانَا شَابَّيْنِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَعَنْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ، عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَلَمْ يَعِبِ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُبَارَزَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهَا كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَشَرَطَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لِلْجَوَازِ إِذْنَ الْأَمِيرِ عَلَى الْجَيْشِ، وَجَوَازُ إِعَانَةِ الْمُبَارِزِ رَفِيقَهُ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِحَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵃. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي سَدُوسٍ) قُلْتُ: وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ لَهُ: السَّدُوسِيُّ تَارَةً وَالضَّبَعِيُّ تَارَةً، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: السِّلْعِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَلَامٍ سَاكِنَةٍ وَقَدْ تُحَرَّكُ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: صَاحِبُ السِّلْعَةِ نُسِبَ إِلَى سِلْعَةٍ كَانَتْ بِقَفَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ ابْنِ صَاعِدٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَفِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِلَفْظِ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْفَرِيقَيْنِ وَسَمَّاهُمْ. قَوْلُهُ فِي طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ (فِي هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ نَحْوَهُ) الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى سِيَاقِ قَبِيصَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ وَكِيعٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْبَابَ هُنَا وَزَادَ تَسْمِيَةَ السِّتَّةِ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ الَّذِينَ اخْتَصَمُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ الدَّوْرَقِيُّ. الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. قَوْلُهُ: (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ) وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ. قَوْلُهُ: (سَأَلَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاوِي فَأَبْهَمَ اسْمَهُ. قَوْلُهُ: (أَشَهِدَ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ. قَوْلُهُ: (وَبَارَزَ وَظَاهَرَ) بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي فِيهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْمُبَارَزَةِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: ظَاهَرَ أَيْ لَبِسَ دِرْعًا عَلَى دِرْعٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ: قَالَ: بَارَزَ وَظَاهَرَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: قَالَ: نَعَمْ شَهِدَ، فَإِنَّهُ بَارَزَ فِيهَا وَظَاهَرَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَشَهِدَ عَلِيٌّ بَدْرًا؟ قَالَ: حَقًّا. (تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ الْبَرَاءِ هَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، فَكَأَنَّهُ تَلَقَّى ذَلِكَ عَمَّنْ شَهِدَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. ٣٩٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ - فَذَكَرَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ ابْنِهِ - فَقَالَ بِلَالٌ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ.

стр. 4127

٣٩٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. قَوْلُهُ الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: (عَنِ الْأَسْوَدِ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. ٣٩٧٣ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عن هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ. قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأُدْخِلُ أَصَابِعِي فِيهَا. قَالَ: ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَوَاحِدَةً يَوْمَ الْيَرْمُوكِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا عُرْوَةُ، هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ الزُّبَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فَلَّةٌ فُلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ: صَدَقْتَ، ٣٩٧٤ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، عن عَلِيٌّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ سَيْفُ عُرْوَةَ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ. ٣٩٧٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لِلزُّبَيْرِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ فَقَالَ إِنِّي إِنْ شَدَدْتُ كَذَبْتُمْ فَقَالُوا لَا نَفْعَلُ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى شَقَّ صُفُوفَهُمْ فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلًا فَأَخَذُوا بِلِجَامِهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ عُرْوَةُ كُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِي فِي تِلْكَ الضَّرَبَاتِ أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ قَالَ عُرْوَةُ وَكَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا" قوله: الحديث الثامن "عن الأسود" هو ابن يزيد. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَرَأَ وَالنَّجْمِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ وَفِي الْمَبْعَثِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَبِهِ يُعْرَفُ مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ. قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. قَوْلُهُ: (كَانَ فِي الزُّبَيْرِ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ بِالسَّيْفِ إِحْدَاهُنَّ فِي عَاتِقِهِ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ الزُّبَيْرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّ الضَّرَبَاتِ الثَّلَاثَ كُنَّ فِي عَاتِقِهِ، وَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (أَصَابِعِي فِيهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِيهِنَّ زَادَ فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ. قَوْلُهُ: (ضُرِبَ ثِنْتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ وَوَاحِدَةً يَوْمَ الْيَرْمُوكِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ ضُرِبَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ وَبَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافًا عَلَى هِشَامٍ فَرِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَثْبَتُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ مَقَالًا، وَإِلَّا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ فِي غَيْرِ عَاتِقِهِ ضَرْبَتَانِ أَيْضًا فَيُجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ. وَوَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ كَانَتْ أَوَّلَ خِلَافَةِ عُمَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ بِالشَّامِ سَنَةَ

стр. 4128

ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ: إِنَّ سِنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ عَشْرَ سِنِينَ، وَالْيَرْمُوكُ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَسُكُونِ الرَّاءِ - مَوْضِعٌ مِنْ نَوَاحِي فِلَسْطِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَهْرٌ، وَالتَّحْرِيرُ أَنَّهُ مَوْضِعٌ بَيْنَ أَذْرِعَاتَ وَدِمَشْقَ كَانَتْ بِهِ الْوَاقِعَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَقُتِلَ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ مِنَ الرُّومِ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا سَلْسَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِأَجْلِ الثَّبَاتِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِمُ الْهَزِيمَةُ قُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَكَانَ اسْمُ أَمِيرِ الرُّومِ مِنْ قِبَلِ هِرَقْلَ بَاهَانَ أَوَّلُهُ مُوَحَّدَةٌ وَيُقَالُ: مِيمٌ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْأَمِيرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ مِائَةُ نَفْسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَلَا تَشُدَّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ: كَذَبْتُمْ أَيِ اخْتَلَفْتُمْ، وَقَوْلُهُ: فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ أَيْ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ: أَلَا تَشُدَّ فَنَشُدَّ مَعَكَ. وَقَوْلُهُ: فَأَخَذُوا أَيْ الرُّومُ بِلِجَامِهِ أَيْ بِلِجَامِ فَرَسِهِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ) هُوَ بِحَسَبِ إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَإِلَّا سِنُّهُ حِينَئِذٍ كَانَ عَلَى الصَّحِيحِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. قَوْلُهُ: (وَوَكَّلَ بِهِ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَكَأَنَّ الزُّبَيْرَ آنَسَ مِنْ وَلَدِهِ عَبْدَ اللَّهِ شَجَاعَةً وَفُرُوسِيَّةً فَأَرْكَبَهُ الْفَرَسَ وَخَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَهْجِمَ بِتِلْكَ الْفَرَسِ عَلَى مَا لَا يُطِيقُهُ فَجَعَلَ مَعَهُ رَجُلًا لِيَأْمَنَ عَلَيْهِ مِنْ كَيْدِ الْعَدُوِّ إِذَا اشْتَغَلَ هُوَ عَنْهُ بِالْقِتَالِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الْجِهَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ حَمَلَ فَجَعَلَ يُجْهِزُ عَلَى جَرْحَاهُمْ، وَقَوْلُهُ: يُجْهِزُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِجِيمٍ وَزَاي أَيْ يُكْمِلُ قَتْلَ مَنْ وَجَدَهُ مَجْرُوحًا، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ قَلْبِهِ وَشَجَاعَتِهِ مِنْ صِغَرِهِ. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: (قَالَ عُرْوَةُ: وَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَخْ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَكَانَ عُرْوَةُ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا حَاصَرَهُ الْحَجَّاجُ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ أَخَذَ الْحَجَّاجُ مَا وَجَدَهُ لَهُ فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ الَّذِي سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ، عُرْوَةَ عَنْهُ، وَخَرَجَ عُرْوَةُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالشَّامِ. قَوْلُهُ: (فَلَّةٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (فُلَّهَا) بِضَمِّ الْفَاءِ، أَيْ كُسِرَتْ قِطْعَةً مِنْ حَدِّهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: صَدَقْتَ، بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ هَذَا شَطْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَشْهُورٍ مِنْ قَصِيدَةٍ مَشْهُورَةٍ لِلنَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ وَأَوَّلُهَا: كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ … وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَوَاكِبِ يَقُولُ فِيهَا: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وَهُوَ مِنَ الْمَدْحِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، لِأَنَّ الْفُلَّ فِي السَّيْفِ نَقْصٌ حِسِّيٌّ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ دَلِيلًا عَلَى قُوَّةِ سَاعِدِ صَاحِبِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ كَمَالِهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ وَهُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: فَأَقَمْنَاهُ أَيْ ذَكَرْنَا قِيمَتَهُ، تَقُولُ قَوَّمْتُ الشَّيْءَ وَأَقَمْتُهُ أَيْ ذَكَرْتَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الثَّمَنِ. قَوْلُهُ: (وَأَخَذَهُ بَعْضُنَا) أَيْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ أَخُو هِشَامٍ، وَقَوْلُهُ: وَلَوَدِدْتُ إِلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِ هِشَامٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي فَرْوَةُ) هُوَ ابْنُ مَغْرَاءَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودٌ، وَعَلِيٌّ هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ. وَقَوْلُهُ: مُحَلًّى بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ الْحِلْيَةِ. الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ. ٣٩٧٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ. وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا

стр. 4129

كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمْ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا. ٣٩٧٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قَالَ هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالَ عَمْرٌو هُمْ قُرَيْشٌ وَمُحَمَّدٌ ﷺ نِعْمَةُ اللَّهِ ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قَالَ النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ [الحديث ٣٩٧٧ - طرفه في: ٤٧٠٠] ٣٩٧٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَقَالَتْ وَهَلَ إِنَّمَا قال رسول الله ﷺ : "إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ" ٣٩٧٩ - قَالَتْ وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ ثُمَّ قَرَأَتْ [٨٠ النمل] ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنْ النَّارِ" ٣٩٨٠، ٣٩٨١ - حَدَّثَنا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمْ الْآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ. فَذ كِرَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ. ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتْ الْآيَةَ. الحديث الحادى عشر: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ. قَوْلُهُ: (سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ) أَيْ أَنَّهُ سَمِعَ، وَلَفْظَةُ أَنَّهُ تُحْذَفُ خَطًّا كَمَا حُذِفَتْ قَالَ مِنْ قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. قَوْلُهُ: (ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) فِيهِ تَصْرِيحٌ لِقَتَادَةَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ: أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا طَلْحَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ

стр. 4130

وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَوْلَى، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ أَبِي طَلْحَةَ. قَوْلُهُ: (بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ جَمْعُ صِنْدِيدٍ بِوَزْنِ عِفْرِيتٍ وَهُوَ السَّيِّدُ الشُّجَاعُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَهِيَ لَا تُنَافِي رِوَايَةَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْبِضْعَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَرْبَعِ أَيْضًا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَؤُلَاءِ جَمِيعِهِمْ، بَلْ سَيَأْتِي تَسْمِيَةُ بَعْضِهِمْ، وَيُمْكِنُ إِكْمَالُهُمْ مِمَّا سَرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ بِبَدْرٍ بِأَنْ يُضِيفَ عَلَى مَنْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُمْ بِالرِّيَاسَةِ وَلَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَبِيهِ، وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْكُفَّارِ كَانُوا سَبْعِينَ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ طُرِحُوا فِي الْقَلِيبِ كَانُوا الرُّؤَسَاءَ مِنْهُمْ ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَخُصُّوا بِالْمُخَاطَبَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُعَانَدَةِ، وَطُرِحَ بَاقِي الْقَتْلَى فِي أَمْكِنَةٍ أُخْرَى. وَأَفَادَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْقَلِيبَ الْمَذْكُورَ كَانَ حَفَرَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّارِ فَنَاسَبَ أَنْ يُلْقَى فِيهِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ. قَوْلُهُ: (عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ) أَيْ طَرَفِ الْبِئْرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى شَفِيرِ الرَّكِيِّ وَالرَّكِيُّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ: الْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُطْوَى. وَالْأَطْوَاءُ جَمْعُ طُوًى وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي طُوِيَتْ وَبُنِيَتْ بِالْحِجَارَةِ لِتَثْبُتَ وَلَا تَنْهَارَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مَطْوِيَّةً فَاسْتُهْدِمَتْ فَصَارَتْ كَالرَّكِيِّ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فَنَادَى يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَسَمَّى الْأَرْبَعَةَ، لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ. قَالَ فِي أَوَّلِهِ: تَرَكَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى جَيَّفُوا فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَسَمِعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُنَادِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، لَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلِيبِ لِأَنَّهُ كَانَ ضَخْمًا فَانْتَفَخَ، فَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا غَيَّبَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. لَكِنْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْقَلِيبِ فَنُودِيَ فِيمَنْ نُودِيَ، لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ رُؤَسَائِهِمْ، وَمِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ يَصِحُّ إِلْحَاقُهُ بِمَنْ سُمِّيَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عُبَيْدَةُ، وَالْعَاصِ وَالِدُ أَبِي أُحَيْحَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ. وَمَنْ سَائِرِ قُرَيْشٍ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَأَخُوهُ عَقِيلٌ، وَالْعَاصِي بْنُ هِشَامٍ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْوَلِيدِ أَخُو خَالِدٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ، وَعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ عَمُّ طَلْحَةَ أَحَدِ الْعَشَرَةِ، وَمَسْعُودُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ أَخُو أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ أَخُو أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبُو الْعَاصِ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَأُمَيْمَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ، فَهَؤُلَاءِ الْعِشْرُونَ تَنْضَمُّ إِلَى الْأَرْبَعَةِ فَتَكْمُلُ الْعِدَّةُ. وَمِنْ جُمْلَةِ مُخَاطَبَتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (قَالَ قَتَادَةُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (أَحْيَاهُمُ اللَّهُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَعْيَانِهِمْ. قَوْلُهُ: (تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَتَنَدُّمًا وَذِلَّةً وَصَغَارًا وَالصَّغَارُ الذِّلَّةُ وَالْهَوَانُ، وَأَرَادَ قَتَادَةُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَدَلَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي تَالِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. الْحَدِيثَ الثَّانِيَ عَشَرَ.

стр. 4131

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ) وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: هُمْ لَكُفَّارُ قُرَيْشٍ أَوْ أَهْلِ مَكَّةَ وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هُمْ وَاللَّهِ أَهْلُ مَكَّةَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي كُفَّارَهُمْ. وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، لِعَلِيٍّ ﵁: مَنْ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؟ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو مَخْزُومٍ قَدْ كَبَتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ لَكِنْ فِيهِ فَأَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمْ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ الْعَرَبِ فَلَحِقُوا بِالرُّومِ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَمُحَمَّدٌ ﷺ نِعْمَةُ اللَّهِ) هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَكَذَا ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ النَّارُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ﴾ قَالَ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَمُحَمَّدٌ النِّعْمَةُ، وَدَارُ الْبَوَارِ النَّارُ يَوْمَ بَدْرٍ انْتَهَى. يَوْمَ بَدْرٍ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: أَحَلُّوا أَيْ أَنَّهُمْ أَهْلَكُوا قَوْمَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأُدْخِلُوا النَّارَ، وَالْبَوَارُ الْهَلَاكُ وَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ دَارَ الْبَوَارِ لِإِهْلَاكِهَا مَنْ يَدْخُلُهَا، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿الْبَوَارِ﴾ الْهَلَاكُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَدْ فَسَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ. قَوْلُهُ: (ذُكِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ بَلَغَهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمُبَلِّغِ، وَلَكِنْ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عُرْوَةَ هُوَ الَّذِي بَلَّغَهَا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَهِلَ) قِيلَ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالْمَشْهُورُ الْكَسْرُ، أَيْ غَلَطَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ فَزِعَ وَنَسِيَ وَجَبُنَ وَقَلِقَ، وَقَالَ الْفَارَابِيُّ، وَالْأَزْهَرِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّاعِ، وَابْنُ فَارِسٍ، وَالْقَابِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ: وَهَلْتُ إِلَيْهِ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَهِلُ بِالْكَسْرِ وَهْلًا بِالسُّكُونِ إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ. زَادَ الْقَالِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ: وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَزَادَ ابْنُ الْقَطَّاعِ (١). قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ) الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْجَنَائِزِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ أَيِ ابْنُ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ وَمِثْلُ زَائِدَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا. قَوْلُهُ: (يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ) الْقَائِلُ: يَقُولُ هُوَ عُرْوَةُ، يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ مُرَادَ عَائِشَةَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ إِطْلَاقَ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ مُقَيَّدٌ بِاسْتِقْرَارِهِمْ فِي النَّارِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ إِنْكَارِ عَائِشَةَ وَإِثْبَاتِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي الْجَنَائِزِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُنْكِرُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِقَوْلِهَا: إِنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَهَمَ فِي قَوْلِهِ لَيَسْمَعُونَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْعِلْمُ لَا يَمْنَعُ مِنَ السَّمَاعِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُسْمِعُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ حَتَّى سَمِعُوا كَمَا قَالَ قَتَادَةُ. وَلَمْ يَنْفَرِدْ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ بِحِكَايَةِ ذَلِكَ بَلْ وَافَقَهُمَا أَبُو طَلْحَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانِ نَحْوَهُ وَفِيهِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ قَالَ: يَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَكِنَّهُمُ الْيَوْمَ لَا يُجِيبُونَ وَمِنَ الْغَرِيبِ

стр. 4132

أَنَّ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ وَفِيهِ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنِ الْإِنْكَارِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْهَدِ الْقِصَّةَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ مِنَ الْفَهْمِ وَالذَّكَاءِ وَكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْغَوْصِ عَلَى غَوَامِضِ الْعِلْمِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ رِوَايَةِ الثِّقَةِ إِلَّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ أَوْ تَخْصِيصِهِ أَوِ اسْتِحَالَتِهِ، فَكَيْفَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الَّذِي أَنْكَرَتْهُ وَأَثْبَتَهُ غَيْرُهَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ : إِنَّهُمُ الْآنَ يَسْمَعُونَ؛ لِأَنَّ الْإِسْمَاعَ هُوَ إِبْلَاغُ الصَّوْتِ مِنَ الْمُسْمِعِ فِي أُذُنِ السَّامِعِ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَسْمَعَهُمْ بِأَنْ أَبْلَغَهُمْ صَوْتَ نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ. وَأَمَّا جَوَابُهَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ فَإِنْ كَانَتْ سَمِعَتْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ يَسْمَعُونَ بَلْ يُؤَيِّدُهَا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: إِنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ لَهُ: أَتُخَاطِبُ أَقْوَامًا قَدْ جَيَّفُوا؟ فَأَجَابَهُمْ قَالَ: وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَالِمِينَ جَازَ أَنْ يَكُونُوا سَامِعِينَ، وَذَلِكَ إِمَّا بِآذَانِ رُءُوسِهِمْ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ بِآذَانِ قُلُوبِهِمْ، قَالَ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ السُّؤَالَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الرُّوحِ وَالْبَدَنِ، وَرَدَّهُ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ بِأَنَّ الْإِسْمَاعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأُذُنِ الرَّأْسِ وَلِأُذُنِ الْقَلْبِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَئِذٍ لَمْ يَحْسُنِ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ أَصْلًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِالْمَوْتَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِمَنْ فِي الْقُبُورِ، فَحَمَلَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَجَعَلَتْهُ أَصْلًا احْتَاجَتْ مَعَهُ إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: هُوَ مَجَازٌ وَالْمُرَادُ بِالْمَوْتَى وَبِمَنْ فِي الْقُبُورِ الْكُفَّارُ، شُبِّهُوا بِالْمَوْتَى وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْمَعْنَى مَنْ هُمْ فِي حَالِ الْمَوْتَى أَوْ فِي حَالِ مَنْ سَكَنَ الْقَبْرَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَا نَفَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٩ - بَاب فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا ٣٩٨٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: أُصِيبَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تَكُن الْأُخْرَى تَرَ مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ: وَيْحَكِ! أَوَ جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ؟ وَإِنَّهُ فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ. ٣٩٨٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قال رسول الله ﷺ : "فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ

стр. 4133

أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقال النبي ﷺ : "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ حَاطِبٌ وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَقال النبي ﷺ : "صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ" قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا) أَيْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُقَاتِلًا لِلْمُشْرِكِينَ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَفْضَلِيَّتِهِمْ لَا مُطْلَقَ فَضْلِهِمْ. قَوْلُهُ: (أُصِيبَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ) هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ ابْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَبُوهُ سُرَاقَةُ لَهُ صُحْبَةٌ وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. قَوْلُهُ: (فَجَاءَتْ أُمُّهُ) هِيَ الرُّبَيِّعُ بِالتَّشْدِيدِ بِنْتُ النَّضْرِ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَوَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ الرَّبِيعِ بِالتَّخْفِيفِ ابْنِ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ وَقَالَ: هُوَ وَهَمٌ وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ الرُّبَيِّعُ عَمَّةُ الْبَرَاءِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ مَبَاحِثُ ذَلِكَ مُسْتَوْفَاةً هُنَاكَ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: وَيْحَكَ هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا لِلتَّوْبِيخِ. وَقَوْلُهُ: هُبِلَتْ بِضَمِّ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ، أَيْ ثُكِلَتْ وَهُوَ بِوَزْنِهِ. وَقَدْ تُفْتَحُ الْهَاءُ يُقَالُ: هَبِلَتْهُ أُمُّهُ تُهَبِّلُهُ بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ أَيْ ثَكِلَتْهُ، وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالْإِعْجَابِ، قَالُوا: أَصْلُهُ إِذَا مَاتَ الْوَلَدُ فِي الْهُبَلِ هُوَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ مِنَ الرَّحِمِ فَكَأَنَّ أُمَّهُ وُجِعَ مِهْبَلُهَا بِمَوْتِ الْوَلَدِ فِيهِ. وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى أَجَهِلْتَ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ هُبِلَتْ بِمَعْنَى جَهِلَتْ. فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَقَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْقِصَّةِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ مُسْتَوْفًى. وَذَكَرَ الْبَرْقَانِيُّ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ مُسْتَوْفًى، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى فَضْلِ أَهْلِ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ ﷺ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ تَقَعْ لِغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ الْخَبَرُ بِأَلْفَاظٍ: مِنْهَا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَمِنْهَا فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ وَمِنْهَا لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ لَكِنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ التَّرَجِّي فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ الْمَوْقُوعُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْجَزْمِ وَلَفْظُهُ: إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَاضِي أَيْ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ لَكُمْ فَهُوَ مَغْفُورٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الْعَمَلِ لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَلَقَالَ فَسَأَغْفِرُهُ لَكُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَاضِي لَمَا حَسُنَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ خَاطَبَ بِهِ عُمَرَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي أَمْرِ حَاطِبٍ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتِّ سِنِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَيَأْتِي، وَأَوْرَدَهُ فِي لَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: اعْمَلُوا لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ وَالْمُرَادُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ مَحْوَ ذُنُوبِهِمُ
следующие страницы →