← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4339–4378 · переход к 4344.

стр. 4339

وَفُسِّرَتْ بِالْجُنُونِ فَهِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَرْضِ الشَّامِ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْبَلْقَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَيُقَالُ: إِنَّ السَّبَبَ فِيهَا أَنَّ شُرَحْبِيلَ بْنَ عَمْرٍو الْغَسَّانِيَّ - وَهُوَ مِنْ أُمَرَاءِ قَيْصَرَ عَلَى الشَّامِ - قَتَلَ رَسُولًا أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَاحِبِ بُصْرَى، وَاسْمُ الرَّسُولِ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ عَسْكَرًا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. وَفِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَيْشَ إِلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا ذَكَرَ خَلِيفَةُ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ. ثَمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ سِتَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) هُوَ ابْنُ صَالِحٍ، بَيَّنَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَبُّويَه، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَابْنُ أَبِي هِلَالٍ هُوَ سَعِيدٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِغَزْوَةِ مُوتَةَ إِشَارَةٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشُّرَّاحِ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ بِمَعْرِفَةِ الْمُرَادِ فَوَجَدْتُ فِي أَوَّلِ بَابِ جَامِعِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنَ السُّنَنِ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ - فَذَكَرَ شِعْرًا لَهُ - قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَوْا أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ فَحَادَ حَيْدَةً فَقَالَ: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ كَارِهَةً أَوْ لَتُطَاوِعِنَّهْ مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّةْ ثُمَّ نَزَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَخَذَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّايَةَ وَرَجَعَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى حَمِيَّةٍ، وَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى رَدَّهُمُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ - فَذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ دَفَنُوا يَوْمَئِذٍ زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ فِي حُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ. قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِنْهَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَيْسَ فِيهَا. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) هُوَ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمَخْزُومِيُّ بَيَّنَهُ أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، وَفِي طَبَقَتِهِ مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُزَامِيُّ وَهُوَ أَوْثَقُ مِنَ الْمَخْزُومِيِّ، وَلَيْسَ لَلْمَخْزُومِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمُتَابَعَةِ عِنْدَهُ. وَكَانَ الْمَخْزُومِيُّ فَقِيهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ) فِي رِوَايَةِ مُصْعَبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَهُوَ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ. قَوْلُهُ: (إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ، فَجَعْفَرٌ) زَادَ مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُهُمْ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَجَعْفَرٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَوَثَبَ جَعْفَرٌ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَرْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَيَّ زَيْدًا، قَالَ: امْضِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ خَيْرٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) أَيْ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ، كَذَا اخْتَصَرَهُ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورِ فَلَقَوُا الْعَدُوَّ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ وَنَحْوَهُ فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَ لَهَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ

стр. 4340

فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَالْتَوَى بِهَا بَعْضَ الِالْتِوَاءِ ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ نَزَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: أَنْتَ لَهَا. قَالَ: لَا، فَاصْطَلَحُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَنَا دَفَعْتُ الرَّايَةَ إِلَى ثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ لَمَّا أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَدَفَعَهَا إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْقِتَالِ مِنِّي. قَوْلُهُ فِي الرُّوَايَةِ الُأولَى: (فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ) رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ: تِسْعِينَ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بِضْعَةً وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ بِضْعٌ وَتِسْعُونَ وَظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْعَدَدَ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ، أَوْ بِأَنَّ الزيَادَةَ بِاعْتِبَارِ مَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ رَمْيِ السِّهَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَوِ الْخَمْسِينَ مُقَيَّدَةً بِكَوْنِهَا لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فِي دُبُرِهِ أَيْ فِي ظَهْرِهِ. فَقَدْ يَكُونُ الْبَاقِي فِي بَقِيَّةِ جَسَدِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى دُبُرَهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ قَفَاهُ أَوْ جَانِبَيْهِ، وَلَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ فَوَجَدْنَا ذَلِكَ فِيمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْعَدَدُ بِضْع وَتِسْعونَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ أَوْ بِضْعًا وَسَبْعِينَ، وأشار إلى أن بضعا وتسعين أثبت، وأخرجه الإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عَنِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ أَوْ بِضْعًا وَسَبْعِينَ بِالشَّكِّ، لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي قَوْلِهِ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي دُبُرِهِ بَيَانُ فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ. ٤٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ - حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ٤٢٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ "لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵃ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ قَالَ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ قَالَ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ قَالَ فَأَمَرَ أَيْضًا فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَنَاءِ" قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ. قَوْلُهُ: (نَعَى

стр. 4341

زَيْدًا) أَيْ أَخْبَرَهُمْ بِقَتْلِهِ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ بِخَبَرِ أَهْلِ مُؤْتَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ شِئْتَ فَأَخْبِرْنِي وَإِنْ شِئْتَ أُخْبِرْكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي. فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا تَرَكْتَ مِنْ حَدِيثِهِمْ حَرْفًا لَمْ تَذْكُرْهُ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمُصَابِهِمْ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ) كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ الرَّايَةُ. وَوَقَعَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عِنْدَ أَبي ذَرٍّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ ثُمَّ أَخَذَهَا. قَوْلُهُ: (وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ تَدْفَعَانِ الدُّمُوعَ. قَوْلُهُ: (حَتَّى أَخَذَهَا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَهُوَ أَمِيرُ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ فَأَنْتَ تَنْصُرُهُ فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ سَيْفُ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثُمَّ أَخَذَهَا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ فَأَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ وَالْمُرَادُ نَفْيُ كَوْنِهِ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَزَادَ فِيهِ وَمَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا أَيْ لِمَا رَأَوْا مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثُمَّ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي بِبَنِي أَخِي. فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّنَا أَفْرَاخٌ، فَدَعَا الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رُؤوسَنَا ثُمَّ قَالَ: أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي. ثُمَّ دَعَا لَهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِعْلَامِ بِمَوْتِ الْمَيِّتِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ النَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي الْجَنَائِزِ. تَعْلِيقُ الْإِمَارَةِ بِشَرْطٍ، وَتَوْلِيَةُ عِدَّةِ أُمَرَاءَ بِالتَّرْتِيبِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَالِ أَوْ لَا؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا فِي الْحَالِ تَنْعَقِدُ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ التَّرْتِيبِ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ لِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ، وَتَتَعَيَّنُ لِمَنْ عَيَّنَهَا الْإِمَامُ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ. وَاخْتِيَارُ الْإِمَامِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّأَمُّرِ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هَذَا أَصْلٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا إِذَا غَابَ الْإِمَامُ يَقُومُ مَقَامَهُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَلِمَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ النَّقْلِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَلْ كَانَ هُنَاكَ قِتَالٌ فِيهِ هَزِيمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ انْحِيَازُهُ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَجَعُوا سَالِمِينَ؟ فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ فَحَاشَ خَالِدٌ النَّاسَ وَدَافَعَ وَانْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِالنَّاسِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَلَاغِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ انْهَزَمُوا لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ حَتَّى لَمْ أَرَ اثْنَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عَلَى خَالِدٍ وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَصْبَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ جَعَلَ مُقَدِّمَتَهُ سَاقَةً، وَمَيْمَنَتَهُ مَيْسَرَةً، فَأَنْكَرَ الْعَدُوُّ حَالَهُمْ وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَرَعَبُوا وَانْكَشَفُوا مُنْهَزِمِينَ. وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: أُصِيبَ بِمُوتَةَ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَ أَمْتِعَةِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فَحَمَلَ خَالِدٌ عَلَى الرُّومِ فَهَزَمُوهُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي. أَوْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونُوا هَزَمُوا جَانِبًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَخَشِيَ خَالِدٌ أَنْ يَتَكَاثَرَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ، فَانْحَازَ بِهِمْ حَتَّى رَجَعَ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَهَذَا السَّنَدُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا مِنْ جِهَةِ الِانْقِطَاعِ، وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، وَكَذَلِكَ الْوَاقِدِيِّ، فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ - وَهِيَ

стр. 4342

أَصَحُّ الْمَغَازِي كَمَا تَقَدَّمَ - مَا نَصُّهُ ثُمَّ أَخَذَهُ - يَعْنِي اللِّوَاءَ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقُتِلَ، ثُمَّ اصْطَلَحَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ خَالِدًا لَمَّا حَازَ الْمُسْلِمِينَ وَبَاتَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ غَيَّرَ هَيْئَةَ الْعَسْكَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَوَهَّمَ الْعَدُوُّ أَنَّهُمْ قَدْ جَاءَ لَهُمْ مَدَدٌ، حَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ حِينَئِذٍ فَوَلَّوْا فَلَمْ يَتْبَعْهُمْ، وَرَأَى الرُّجُوعَ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ الْغَنِيمَةُ الْكُبْرَى. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مَغَازِي ابْنِ عَائِذٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّ خَالِدًا لَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ قَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى انْحَازَ الْفَرِيقَانِ عَنْ غَيْرِ هَزِيمَةٍ، وَقَفَلَ الْمُسْلِمُونَ فَمَرُّوا عَلَى طَرِيقِهِمْ بَقَرْيَةٍ بِهَا حِصْنٌ كَانُوا فِي ذَهَابِهِمْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا، فَحَاصَرُوهُمْ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، وَقَتَلَ خَالِدُ ابْنُ الْوَلِيدِ مُقَاتِلَهُمْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ نَقِيعُ الدَّمِ إِلَى الْيَوْمِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ. ٤٢٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵃ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ. تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ قَالَ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ قَالَ: فَأَمَرَ أَيْضًا فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَنَاءِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. قَوْلُهُ: (لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَجِيءَ الْخَبَرِ عَلَى لِسَانِ الْقَاصِدِ الَّذِي حَضَرَ مِنْ عِنْدِ الْجَيْشِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَجِيءَ الْخَبَرِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُقَدِّمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ: (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) أَيْ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ظُهُورَ الْحُزْنِ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ صَابِرًا رَاضِيًا إِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ مَنْ كَانَ تنْزَعِجُ بِالْمُصِيبَةِ وَيُعَالِجُ نَفْسَهُ عَلَى الرِّضَا وَالصَّبْرِ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْمُصِيبَةِ أَصْلًا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ. قَوْلُهُ: (وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ، تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ بِشَقِّ الْبَابِ وَلِلنَّسَفِيِّ شَقٌّ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ هُنَا، وَشِقٌّ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا، يُقَالُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنْظَرُ مِنْهُ كَالْكَوَّةِ، وَبِالْكَسْرِ النَّاحِيَةِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ شِقِّ الْبَابِ إِدْرَاجًا، وَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ صَائِرِ تَغْيِيرٌ وَالصَّوَابُ صِيرٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ، قَالَ الْجَهورِيُّ: الصِّيرُ شِقُّ الْبَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْ نَظَرَ مِنْ صِيرِ بَابٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ هَدَرٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَرْفَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ زَوْجَاتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ لِجَعْفَرٍ زَوْجَةً غَيْرَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ. قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَذَكَرَ بِوَاوٍ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ) كَذَا رَأَيْتُ فِي أَصْلِ أَبِي ذَرٍّ، فَإِنْ كَانَ مَضْبُوطًا فَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَنَهَاهُنَّ، وَأَظُنُّهُ مُحَرَّفًا فَإِنَّ الَّذِي فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ فَأَمَرَهُ أَنَّ يَنْهَاهُنَّ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْجَنَائِزِ: قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ وَهُوَ أَوْجَهُ. قَوْلُهُ: (لَقَدْ غَلَبْنَنَا) أَيْ فِي عَدَمِ الِامْتِثَالِ لِقَوْلِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُنَّ بِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْ ذَلِكَ فَحَمَلْنَ أَمْرَهُ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِنَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ حَمَلْنَ الْأَمْرَ عَلَى التَّنْزِيهِ فَتَمَادَيْنَ عَلَى مَا هُنَّ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُنَّ لِشِدَّةِ الْمُصِيبَةِ لَمْ يَقْدِرْنَ عَلَى تَرْكِ الْبُكَاءِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَحْضِ الْبُكَاءِ كَالنَّوْحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ الرَّجُلَ بِتَكْرَارِ النَّهْيِ. وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ لَا يَتَمَادَيْنَ بَعْدَ تَكْرَارِ النَّهْيِ عَلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ، وَلَعَلَّهُنَّ تَرَكْنَ النَّوْحَ وَلَمْ يَتْرُكْنَ الْبُكَاءَ، وَكَانَ غَرَضُ الرَّجُلِ حَسْمَ الْمَادَّةِ وَلَمْ يُطِعْنَهُ، لَكِنْ قَوْلُهُ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ تَمَادَيْنَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَمْنُوعِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ

стр. 4343

قَوْلِهِ: فَاحْثُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ لِأَنَّهُ يُقَالُ حَثَى يَحْثُو وَيحْثِي. قَوْلُهُ: (مِنَ الْعَنَاءِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ هُوَ التَّعَبُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَذَرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنَ الْغَيِّ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِثْلُهُ لَكِنْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَمُرَادُ عَائِشَةَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ فَقَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ وَمَنْ يُخَاطِبُهُ فِي شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ وَلَعَلَّ الرَّجُلَ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الْأَمْرِ الْمُحَتَّمِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ لِلرَّجُلِ بِذَلِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَكِنَّ تَقْدِيرَهُ إِنْ أَمْكَنَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْكِنُهُنَّ إِنْ فَعَلْتَهُ وَأَمْكَنَكَ، وَإِلَّا فَالْمُلَاطَفَةُ أَوْلَى. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَاقَبَةِ مَنْ نُهِيَ عَنْ مُنْكَرٍ فَتَمَادَى عَلَيْهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى كَلَامِ عَائِشَةَ أنَّكَ قَاصِرٌ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ بِقُصُورِكَ عَنْ ذَلِكَ لِيُرْسِلَ غَيْرَكَ وَتَسْتَرِيحَ أَنْتَ مِنَ الْعَنَاءِ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي آخِرِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَحْثِيَ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. قَالَتْ: وَرُبَّمَا ضَرَّ التَّكَلُّفُ أَهْلَهُ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ بَيَانُ مَا هُوَ الْأَوْلَى بِالْمُصَابِ مِنَ الْهَيْئَاتِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الِانْتِصَابِ لِلْعَزَاءِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَمُلَازَمَةُ الْوَقَارِ وَالتَّثَبُّتِ. وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ مَنْ شَأْنُهُ الِاحْتِجَابُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَمَمْنُوعٌ. وَفِيهِ إِطْلَاقُ الدُّعَاءِ بِلَفْظٍ لَا يَقْصِدُ الدَّاعِي إِيقَاعَهُ بِالْمَدْعُوِّ بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ أَيْ أَلْصَقَهُ بِالتُّرَابِ. وَلَمْ تُرِدْ حَقِيقَةَ هَذَا، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَادَةَ الْعَرَبِ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي مَوْضِعِ الشَّمَاتَةِ بِمِنْ يُقَالُ لَهُ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي قَوْلِهِ: احْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ دُونَ أَعْيُنِهِنَّ مَعَ أَنَّ الْأَعْيُنَ مَحَلُّ الْبُكَاءِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَقَعْ عَنْ مُجَرَّدِ الْبُكَاءِ، بَلْ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنْ صِيَاحٍ أَوْ نِيَاحَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤٢٦٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَيَّا ابْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ. ٤٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَقُولُ لَقَدْ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلاَّ صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ [الحديث ٤٢٦٥ - طرفه في: ٤٢٦٦] ٤٢٦٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ "سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَقُولُ لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ" قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) هُوَ الْمُقَدِّمِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ عَمُّهُ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ. قَوْلُهُ: (يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ جَعْفَرٍ، وَأَنَّهُ عُوِّضَ بِذَلِكَ عَنْ قَطْعِ يَدَيْهِ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ حَيْثُ أَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَمِينِهِ فَقُطِعَتْ، ثُمَّ أَخَذَهُ بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ، ثُمَّ احْتَضَنَهُ فَقُتِلَ. وَإِنَّ النَّسَفِيَّ رَوَى عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يُقَالُ لِكُلِّ ذِي نَاحِيَتَيْنِ جَنَاحَانِ، وَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْجَنَاحَيْنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لَيْسَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: قَوْلُهُ: جَنَاحَانِ لَيْسَا كَمَا يَسْبِقُ إِلَى الْوَهَمِ كَجَنَاحَيِ الطَّيْرِ وَرِيشِهِ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْآدَمِيَّةَ أَشْرَفُ الصُّوَرِ وَأَكْمَلُهَا، فَالْمُرَادُ بِالْجَنَاحين صِفَةٌ مَلَكِيَّةٌ وَقُوَّةٌ رَوْحَانِيَّةٌ أُعْطِيهَا جَعْفَرٌ. وَقَدْ عَبَّرَ الْقُرْآنُ عَنِ الْعَضُدِ بِالْجَنَاحِ تَوَسُّعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ وَقَالَ الْعُلَمَاءُ فِي أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ: إِنَّهَا صِفَاتٌ مَلَكِيَّةٌ لَا تُفْهَمُ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِجِبْرِيلَ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَلَا يُعْهَدُ لِلطَّيْرِ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ فَضْلًا عَنْ أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ خَبَرٌ فِي بَيَانِ

стр. 4344

كَيْفِيَّتِهَا فَنُؤْمِنُ بِهَا مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ حَقِيقَتِهَا، انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ وَالَّذِي نَقَلَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الدَّلَالَةِ لِمَا ادَّعَاهُ، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَعْهُودِ، وَهُوَ مِنْ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَوْنُ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ أَشْرَفُ الصُّوَرِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ بَاقِيَةٌ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ مُرْسَلِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ جَنَاحَيْ جَعْفَرٍ مِنْ يَاقُوتٍ. وَجَاءَ فِي جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ أَنَّهُمَا لُؤْلُؤٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَةِ وَرَقَةَ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ. قَوْلُهُ: (دُقَّ فِي يَدَيَّ) بِضَمِّ الدَّالِ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: انْقَطَعَتْ. قَوْلُهُ: (يَمَانِيَةٌ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَحُكِيَ تَشْدِيدُهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَثِيرًا، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ رَافَقَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَقَتَلَ رُومِيًّا وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَاسْتَكْثَرَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَشَكَاهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَامَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ يُرَجِّحُ أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى حَوْزِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّجَاةِ بِهِمْ بَلْ بَاشَرَ الْقِتَالَ، فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا تَقَدَّمَ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ. ٤٢٦٧ - حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلَاهْ وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟ ٤٢٦٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ. . . بِهَذَا فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ حُصَيْنٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: (أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ) أَيِ ابْنِ ثَعْلَبِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ أَحَدِ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَحَدِ النُّقَبَاءِ بِالْعَقَبَةِ وَأَحَدِ الْبَدْرِيِّينَ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ) هِيَ وَالِدَةُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهَا أُمُّهُ، وَهُوَ خَطَأٌ، فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُ تُسَمَّى عَمْرَةَ لَجَوَّزْتُ وُقُوعَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَلَكِنَّ اسْمَ أُمِّهِ كَبْشَةُ بِنْتُ وَاقَدٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ خَلَفٌ فِي مُسْنَدِ النُّعْمَانِ، وَذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، لِأَنَّ الْمَتْنَ مَنْقُولٌ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ أَيْضًا فِي مُسْنَدِ عَمْرَةَ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ أَيْ عَمْرَةُ فَهُوَ نَقْلٌ مِنَ النُّعْمَانِ مَا صَنَعَتْ أُمُّهُ، وَلَمَّا قَالَ خَالُهُ، لَكِنْ يَصْغُرُ النُّعْمَانُ عَنْ إِدْرَاكِ ذَلِكَ مِنْ خَالِهِ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَقَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ أُمِّهِ فَيَكُونَ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ النُّعْمَانِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أَخِيهَا، فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ. قَوْلُهُ: (وَاجَبَلَاهْ وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَاعَضُدَاهْ وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَاجَبَلَاهْ، وَاعِزَّاهْ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عِنْدَهُ وَاظَهْرَاهْ وَزَادَ فِيهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَادَهُ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلُهُ قَدْ حَضَرَ فَيَسِّرْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَاشْفِهِ. قَالَ: فَوَجَدَ خِفَّةً، فَقَالَ:

стр. 4345

كَانَ مَلَكٌ قَدْ رَفَعَ مِرْزَبَّةً مِنْ حَدِيدٍ يَقُولُ: آنْتَ كَذَا؟ فَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَقَمَعَنِي بِهَا. قَوْلُهُ: (قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟) هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ آنَتْ جَبَلُهَا، آنْتَ عِزُّهَا؟ وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ فِي آخِرِهَا فَنَهَاهَا عَنِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ وَبِهَا تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ أَيْ أَصْلًا امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيَظْهَرُ أَوْ يُتَّجَهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا مُنَاسَبَةَ لِدُخُولِهِ فِيهِ لِأَنَّ مَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤٥ - بَاب بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ٤٢٦٩ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو ظَبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [الحديث ٤٢٧٠ - أطرافه في: ٤٢٧٣، ٤٢٧٢، ٤٢٧١] ٤٢٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَقُولُ "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنْ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ" ٤٢٧١ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنْ الْبَعْثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ عَلَيْنَا مَرَّةً أَبُو بَكْرٍ وَمَرَّةً أُسَامَةُ" ٤٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا" ٤٢٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ فَذَكَرَ خَيْبَرَ وَالْحُدَيْبِيَةَ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وَيَوْمَ الْقَرَدِ -قَالَ يَزِيدُ وَنَسِيتُ بَقِيَّتَهُمْ" قَوْلُهُ: (بَابُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ نِسْبَةً إِلَى الْحُرَقَةِ، وَاسْمُهُ جُهَيْشُ بْنُ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُودِعَةَ بْنَ جُهَيْنَةَ، تَسَمَّى الْحُرَقَةُ لِأَنَّهُ حَرَّقَ قَوْمًا بِالْقَتْلِ فَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، ذَكَرَهُ

стр. 4346

ابْنُ الْكَلْبِيِّ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو ظَبْيَانَ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ اسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَهْلُ اللُّغَةِ يَفْتَحُونَ الظَّاءَ يَعْنِي الْمُشَالَةَ مِنَ ظَّبْيَانِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَكْسِرُونَهَا. قَوْلُهُ: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ) لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي سَرِيَّةَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ إِلَى الْمَيْفَعَةِ بِتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهِيَ وَرَاءَ بَطْنِ نَخْلٍ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقَالُوا: إِنَّ أُسَامَةَ قَتَلَ الرَّجُلَ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ أُسَامَةَ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ فَالَّذِي صَنَعَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ مَا أُمِّرَ إِلَّا بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ بِغَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَهَا رَجَحَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي، وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: (غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزْوَاتٍ. وَخَرَجْتُ فِيمَا يُبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ بِتِسْعِ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) أَمَّا غَزَوَاتُ سَلَمَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ خَيْبَرَ وَالْحُدَيْبِيَةَ وَيَوْمَ الْحُنَيْنِ وَيَوْمَ الْقَرَدِ وَفِي آخِرِهِ قَالَ يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الرَّاوِي عَنْهُ - وَنَسِيتُ بَقِيَّتَهُمْ كَذَا فِيهِ بِالْمِيمِ فِي ضَمِيرِ جَمْعِ الْغَزَوَاتِ وَالْمَعْرُوفُ فِيهِ التَّأْنِيثُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بِالْمِيمِ وَضَبَّبَ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكَرْمَانِيُّ وَلَمْ أَقِفْ عليها بعينها، وهي أوجه، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْغَزَوَاتِ الَّتِي نَسِيَهُنَّ يَزِيدُ فَهُنَّ غَزْوَةَ الْفَتْحِ وَغَزْوَةَ الطَّائِفِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا فِي سَنَةِ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَهُمَا غَيْرُهُمَا وَغَزْوَةَ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ الْغَزَوَاتِ النَّبَوِيَّةِ، فَهَذِهِ سَبْعُ غَزْوَاتٍ كَمَا ثَبَتَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَةُ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ التِّسْعِ مَحْفُوظَةً فَلَعَلَّهُ عَدَّ غَزْوَةَ وَادِي الْقُرَى الَّتِي وَقَعَتْ عَقِبَ خَيْبَرَ، وَعَدَّ أَيْضًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ غَزْوَةً كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ فَكَمَّلَ بِهَا التِّسْعَةَ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ أُحُدٌ وَخَيْبَرُ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا سَلَمَةَ فِيمَنْ شَهِدَ أُحُدًا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أُحُدًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْبُعُوثُ فَسَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ كَمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَرِيَّتُهُ إِلَى بَنِي كِلَابٍ ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ، وَبَعْثَهُ إِلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ. وَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَوَّلُ مَا أُرْسِلَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي الْبَابِ ثُمَّ فِي سَرِيَّةِ إِلَى أُبْنَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ نُونٍ مَقْصُورٌ وَهِيَ مِنْ نَوَاحِي الْبَلْقَاءِ وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ، فَوَقَفْنَا مِمَّا ذَكَرَهَ عَلَى خَمْسِ سَرَايَا وَبَقِيَتْ أَرْبَعٌ. فَلْيَسْتَدْرِكْهَا عَلَى أَهْلِ الْمَغَازِي فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الْبَالِغِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَرَّةً عَلَيْنَا غَيْرُهُمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِلْبُعُوثِ عَدَدًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ) أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَغَزَوْتُ مَعَ ابْنِ حَارِثَةَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْنَا) كَذَا أَبْهَمَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَاصِمٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ فِي بَابِ غَزْوَةِ زَيْدٍ بْنِ حَارِثَةَ وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَبْهَمَهُ عَمْدًا لِمُخَالَفَةِ بَقِيَّةِ رِوَايَاتِ الْبَابِ فِي تَعْيِينِ أُسَامَةَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) يُقَالُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ نَسَبَ أَبَاهُ يَحْيَى إِلَى جَدِّهِ فَارِسٍ وَلَا يَذْكُرُ خَالِدًا، وَيُقَالُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَ هُوَ الْمَخْزُومِيُّ، وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَالْبَرْقَانِيُّ بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 4347

٤٦ - باب غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَمَا بَعَثَ به حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِغَزْوِ النَّبِيِّ ﷺ ٤٢٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوا مِنْهَا قَالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ - إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ - يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - يَقُولُ كُنْتُ حَلِيفًا - وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ بها قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذا فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ الْفَتْحِ) أَيْ فَتْحِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابِ مِنْ نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي وَقَعَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَغَزَاهُمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي الشَّرْطِ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ فَلْيَدْخُلْ، فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ - أَيِ ابْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ - فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ حُرُوبٌ وَقَتْلَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَشَاغَلُوا عَنْ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ خَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فِي بَنِي الدِّيلِ حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْوَتِيرُ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مُنَبِّهٌ، وَاسْتَيْقَظَتْ لَهُمْ خُزَاعَةُ فَاقْتَتَلُوا إِلَى أَنْ دَخَلُوا الْحَرَمَ وَلَمْ يَتْرُكُوا الْقِتَالَ، وَأَمَدَّتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلَاحِ وَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ مَعَهُمْ لَيْلًا فِي خُفْيَةٍ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَبُّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَيَّدَا … وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدًا

стр. 4348

إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا هُمْ بَيَّتُونَا بَالْوَتِيرِ هُجَّدًا … وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدًا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدًا … وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدًا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ فَكَانَ ذَلِكَ مَا هَاجَ فَتْحَ مَكَّةَ. وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْضَ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ مَوْصُولٌ. وَلَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا مُطَوَّلًا قَالَ فِيهِ: لَمَّا وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ فِي صُلْحِهِ وَبَنُو بَكْرٍ فِي صُلْحِ قُرَيْشٍ، بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، فَأَمَدَّتْهُمْ قُرَيْشٌ بِسِلَاحٍ وَطَعَامٍ، فَظَهَرُوا عَلَى خُزَاعَةَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ. قَالَ: وَجَاءَ وَفْدُ خُزَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَاهُ إِلَى النَّصْرِ، وَذَكَرَ الشِّعْرَ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا وَلَيْسَ فِيهِ الشِّعْرُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ مُطَوَّلًا وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَيْلًا وَهُوَ فِي مُتَوَضَّئِهِ: نُصِرْتَ نُصِرْتَ، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: هَذَا رَاجِزُ بَنِي كَعْبٍ يَسْتَصْرِخُنِي، وَزَعَمَ أَنَّ قُرَيْشًا أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ بَنِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ سَمِعْتُ الرَّاجِزَ يَنْشُدُهُ وَعِنْدَ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: وَيَذْكُرُونَ أَنَّ مِمَّنْ أَعَانَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَوْلُهُ: (وَمَا بَعَثَ بِهِ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِغَزْوِ النَّبِيِّ ﷺ سَقَطَ لَفْظُ بِهِ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ لِعَزْمِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى غَزْوِهِمْ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ: جَهِّزِينِي وَلَا تُعْلِمِي بِذَلِكَ أَحَدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَنْكَرَ بَعْضَ شَأْنِهَا فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ لَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا انْقَضَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَنَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ غَدَرَ. ثُمَّ أَمَرَ بِالطُّرُقِ فَحُبِسَتْ فَعَمِيَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ لَا يَأْتِيهِمْ خَبَرٌ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، عَنْ سُفْيَانَ سَمِعْتُ عَمْرَو ابْنَ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا بَعَثَنِي وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثَةُ كَانُوا مَعَهُ، فَذَكَرَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ عَنْهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَاقَ مَعَ عَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ أَحَدًا، وَسَاقَ الْخَبَرَ بِالتَّثْنِيَةِ. قَالَ: فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا فَاسْتَنْزَلَاهَا إِلَخْ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا آخَرُ تَبَعًا لَهُ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ) فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ: وَتَجِدُونَ بِهَا امْرَأَةً أَعْطَاهَا حَاطِبٌ كِتَابًا وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ اسْمَهَا سَارَةُ، وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهَا كُنُودُ، وَفِي رِوَايَةٍ سَارَةُ، وَفِي أُخْرَى أُمُّ سَارَةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ حَاطِبًا جَعَلَ لَهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرٍ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: دِينَارًا وَاحِدًا، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ مَوْلَاةَ الْعَبَّاسِ. قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي عِقَاصِهَا أَوْ فِي حُجْزَتِهَا. قَوْلُهُ: (يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ تُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَمْرِ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِمْ، وَجَعَلَ لَهَا جُعَلًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا. قَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ) أَيْ حَلِيفًا،

стр. 4349

وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْتُ حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ مِنْ أَصْلٍ وَلَا عَشِيرَةٍ وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَكُنْتُ غَرِيبًا قَالَ السُّهَيْلِيُّ: كَانَ حَاطِبٌ حَلِيفًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَاسْمُ أَبِي بَلْتَعَةَ عَمْرٌو، وَقِيلَ: كَانَ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ. قَوْلُهُ: (يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي تَكْمِلَةُ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغَازِي وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ أَنَّ لَفْظَ الْكِتَابِ أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَإِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَكُمْ بِجَيْشٍ كَاللَّيْلِ، يَسِيرُ كَالسَّيْلِ، فَوَاللَّهِ لَوْ جَاءَكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللَّهُ وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْدَهُ. فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَالسَّلَامُ كَذَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٍ أَنَّ حَاطِبًا كَتَبَ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْغَزْوِ، وَلَا أَرَاهُ يُرِيدُ غَيْرَكُمْ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَكُمْ يَدٌ

стр. 4350

٤٧ - بَاب غَزْوَةِ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ٤٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكَدِيدَ الْمَاءَ الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ أَفْطَرَ فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ. ٤٢٧٦ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا" قَالَ الزُّهْرِيُّ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآخِرُ فَالآخِرُ ٤٢٧٧ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ أَفْطِرُوا" ٤٢٧٨ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ" وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٤٢٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ" قَالَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ"

стр. 4351

قَوْلُهُ: (بَابُ غَزْوَةِ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ) أَيْ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَّارِيَّ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الصِّيَامِ. وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ اللَّيْثِ مَا حَذَفَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ سَاقَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَزَادَ لَا أَدْرِي أَخَرَجَ فِي شَعْبَانَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَمَضَانُ، أَوْ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَمَا دَخَلَ، غَيْرَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي فَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، فَحَذَفَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ التَّرَدُّدَ الْمَذْكُورَ. ثُمَّ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ لِثْلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَأَنَّ ابْنَ أَبِي حَفْصَةَ أَدْرَجَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ قَزَعَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهَذَا يَدْفَعُ التَّرَدُّدَ الْمَاضِي وَيُعَيِّنُ يَوْمَ الْخُرُوجِ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ يُعَيِّنُ يَوْمَ الدُّخُولِ وَيُعْطِي أَنَّهُ أَقَامَ فِي الطَّرِيقِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا. وَأَمَّا مَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ إِنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ لِمُخَالَفَتِهِ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ. وَفِي تَعْيِينِ هَذَا التَّارِيخِ أَقْوَالٌ أُخْرَى: مِنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ لِسِتَّ عَشْرَةَ وَلِأَحْمَدَ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَفِي أُخْرَى لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ بِحَمْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَا مَضَى وَالْأُخْرَى عَلَى مَا بَقِيَ، وَالَّذِي فِي الْمَغَازِي: دَخَلَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. وَوَقَعَ فِي أُخْرَى بِالشَّكِّ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِهِ أَنَّ الْفَتْحَ كَانَ فِي عَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ. قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيةِ: (وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ) أَيْ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ. وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ عَائِذٍ ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَسْلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَسَلِيمٍ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْإِكْلِيلِ وَشَرَفِ الْمُصْطَفَى وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعَشَرَةَ آلَافٍ خَرَجَ بِهَا مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ تَلَاحَقَ بِهَا الْأَلْفَانِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدِمِهِ الْمَدِينَةَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ عَلَى رَأْسِ سَبْعِ سِنِينَ وَنِصْفٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْوَهْمُ مِنْ كَوْنِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَانَتْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَمِنْ أَثْنَاءِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى أَثْنَاءِ رَمَضَانَ نِصْفُ سَنَةٍ سَوَاءٌ، فَالتَّحْرِيرُ أَنَّهَا سَبْعُ سِنِينَ وَنِصْفٌ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ بِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى التَّارِيخِ بِأَوَّلِ السَّنَةِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا دَخَلَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أُطْلِقَ عَلَيْهَا سَنَةٌ مَجَازًا مِنْ تَسْمِيَةِ الْبَعْضِ بِاسْمِ الْكُلِّ، وَيَقَعُ ذَلِكَ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى رَمَضَانَ نِصْفُ سَنَةٍ. أَوْ يُقَالُ: كَانَ آخِرُ شَعْبَانَ تِلْكَ السَّنَةِ آخِرَ سَبْعِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ أَوَّلِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانَ دَخَلَ سَنَةٌ أُخْرَى. وَأَوَّلُ السَّنَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَأْسُهَا فَيَصِحُّ أَنَّهُ رَأْسُ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ، أَوْ أَنَّ رَأْسَ الثَّمَانِ كَانَ أَوَّلَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَمَا بَعْدُهُ نِصْفُ سَنَةٍ. قَوْلُهُ: (يَصُومُ وَيَصُومُونَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. قَوْلُهُ: في رواية (خَالِدٌ) هُوَ الْحَذَّاءُ

стр. 4352

(عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ) اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ حُنَيْنًا كَانَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَذَا حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ كَانَتْ خَيْبَرُ فَتَصَحَّفَتْ. قُلْتُ: وَحَمْلُهُ عَلَى خَيْبَرَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ فِي رَمَضَانَ، وَتَأْوِيلُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إِلَى حُنَيْنٍ أَيِ الَّتِي وَقَعَتْ عَقِبَ الْفَتْحِ لِأَنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ أَثَرُهَا أُطْلِقَ الْخُرُوجُ إِلَيْهَا. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي قَرِيبًا. وَبِهَذَا جَمَعَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ فِي بَقِيَّةِ رَمَضَانَ قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ فَقَدِمَ مَكَّةَ وَسَطَهُ وَأَقَامَ بِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ كَمَا سَيَأْتِي. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ مُعْتَرَضٌ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا مَضَى فِي آخِرِ الْغَزْوَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ الْخُرُوجُ إِلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ. قَوْلُهُ في هذه الرواية: (دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ) فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ آخِرَ الْبَابِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا الْحَدِيثَ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَعَا بِهَذَا مَرَّةً وَبِهَذَا مَرَّةً. قُلْتُ: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي فَقَدَّمَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَنْ جَزَمَ، وَأَبْعَدَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: كَانَتْ قِصَّتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الْفَتْحِ وَالْأُخْرَى فِي حُنَيْنٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّمِ: أَفْطِرُوا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ لِلصُّوَّامِ بِأَلِفِ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ صَائِمٍ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا يَا عُصَاةُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْهُ وَبَقِيَّتُهُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِلْأَكْثَرِ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ: لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ أَيُّوبُ، عِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلَهُ، وَأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهُ هَكَذَا مُرْسَلًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ بِهِ بِطُولِهِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ. وَطَرِيقُ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَيْضًا. ٤٨ - بَاب أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ؟ ٤٢٨٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ. فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ:، عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْجبلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتْ

стр. 4353

الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ. فقَالَ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فقَالَ: هَذِهِ غِفَارُ. قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ؟ ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ. قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ؛ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا. قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ، حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جابِرٍ الْفِهْرِيُّ. قَوْلُهُ: (بَابُ أَيْنَ رَكَّزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ) أَيْ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي رُكِّزَتْ فِيهِ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُرْسَلًا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ عُرْوَةَ مَوْصُولًا، وَمَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَهُوَ آخِرُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَوْصُولٌ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. قَوْلُهُ: (فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُ قَبْلَ خُرُوجِ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَالَّذِي عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ مَغَازِي عُرْوَةَ: ثُمَّ خَرَجُوا وَقَادُوا الْخُيُولَ حَتَّى نَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِمْ قُرَيْشٌ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالطُّرُقِ فَحُبِسَتْ، ثُمَّ خَرَجَ، فَغُمَّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الْأَمْرُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: هَلْ لَكَ أَنْ تَرْكَبَ إِلَى أَمْرٍ لَعَلَّنَا أَنْ نَلْقَى خَبَرًا؟ فَقَالَ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: وَأَنَا مَعَكُمْ، قَالَا: وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ فَرَكِبُوا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ يَغْزُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِمْ ضَمْرَةَ يُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: أَنْ يُودُوا قَتِيلَ خُزَاعَةَ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْرَأوا مِنْ حِلْفِ بَكْرٍ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ. فَأَتَاهُمْ ضَمْرَةُ فَخَيَّرَهُمْ، فَقَالَ قَرَظَةُ بْنُ عَمْرٍو: لَا نُودِي وَلَا نَبْرَأُ، وَلَكِنَّا نَنْبِذُ إِلَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ. فَانْصَرَفَ ضَمْرَةُ بِذَلِكَ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ أَبَا سُفْيَانَ يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي تَجْدِيدِ الْعَهْدِ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسَدَّدُ مِنْ مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَزَعَمَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ مُبَادِرًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمُسْلِمِينَ الْخَبَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَنَحْوُهُ فِي مَغَازِي عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَابْنِ عَائِذٍ فَخَافَتْ قُرَيْشٌ، فَانْطَلَقَ أَبُو

стр. 4354

سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: جَدِّدْ لَنَا الْحِلْفَ، قَالَ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ. ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَأَغْلَظَ لَهُ عُمَرُ. ثُمَّ أَتَى فَاطِمَةَ فَقَالَتْ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ. فَأَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَضَلَّ - أَيْ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ - أَنْتَ كَبِيرُ النَّاسِ، فَجَدِّدِ الْحِلْفَ. قَالَ: فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ. وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَقَالُوا لَهُ: جِئْتَنَا بِحَرْبٍ فَنَحْذَرَ، وَلَا بِصُلْحٍ فَنَأْمَنَ لَفْظُ عِكْرِمَةَ وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ فَقَالُوا لَهُ: لَعِبَ بِكَ عَلِيٌّ وَإِنَّ إِخْفَارَ جِوَارِكَ لَهَيِّنٌ عَلَيْهِمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بَلَغَ قُرَيْشًا أَيْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ لَا أَنَّ مُبَلِّغًا بَلَّغَهُمْ ذَلِكَ حَقِيقَةً. قَوْلُهُ: (خَرَجُوا يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ فَبَعَثُوا أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فَلَقِيَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ فَاسْتَصْحَبَاهُ فَخَرَجَ مَعَهُمَا. قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُهُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالظَّهْرَانُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ ظَهْرِ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ حَتَّى إِذَا دَنُوا مِنْ ثَنِيَّةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ أَظْلَمُوا - أَيْ دَخَلُوا فِي اللَّيْلِ - فَأَشْرَفُوا عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَإِذَا النِّيرَانُ قَدْ أَخَذَتِ الْوَادِيَ كُلَّهُ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْقَدُوا تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَشَرَةَ آلَافِ نَارٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ) أَيِ النِّيرَانُ (لَكَأَنَّهَا) جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. وَقَوْلُهُ: (نِيرَانُ عَرَفَةَ) إِشَارَةٌ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ إِيقَادِ النِّيرَانِ الْكَثِيرَةِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَوْقَدُوا عَشْرَةَ آلَافِ نَارٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: هَذِهِ نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو) يَعْنِي خُزَاعَةَ، وَعَمْرٌو يَعْنِي: ابْنُ لُحَيٍّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ نَسَبِ خُزَاعَةَ فِي أَوَّلِ الْمَنَاقِبِ (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ) وَمِثْلُ هَذَا فِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَفِي مَغَازِي عُرْوَةَ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ عَكْسُ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْفَسَاطِيطَ وَسَمِعُوا صَهِيلَ الْخَيْلِ فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ بَنُو كَعْبٍ - يَعْنِي خُزَاعَةَ، وَكَعْبٌ أَكْبَرُ بُطُونِ خُزَاعَةَ - جَاشَتْ بِهِمُ الْحَرْبُ. فَقَالَ بَدِيلٌ: هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي كَعْبٍ مَا بَلَغَ تَأْلِيبُهَا هَذَا. قَالُوا: فَانْتَجَعَتْ هَوَازِنُ أَرْضَنَا، وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ هَذَا أَنَّهُ هَذَا الْمَثَلُ صَاحَ النَّاسُ. قَوْلُهُ: (فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ) وفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَائِذٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَيْلًا تَقْبِضُ الْعُيُونَ، وَخُزَاعَةُ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَمْضِي، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَتْهُمُ الْخَيْلُ تَحْتَ اللَّيْلِ وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ حَرَسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَجَاءُوا بِهِمْ إِلَيْهِ فَقَالُوا: جِئْنَاكَ بِنَفَرٍ أَخَذْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَوْ جِئْتُمُونِي بِأَبِي سُفْيَانَ مَا زِدْتُمْ. قَالُوا: قَدْ أَتَيْنَاكَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْعَبَّاسَ خَرَجَ لَيْلًا فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ، وَبُدَيْلًا، فَحَمَلَ أَبَا سُفْيَانَ مَعَهُ عَلَى الْبَغْلَةِ وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْحَرَسَ لَمَّا أَخَذُوهُمُ اسْتَنْقَذَ الْعَبَّاسُ، أَبَا سُفْيَانَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إِنَّهُ لَهَلَاكَ قُرَيْشٍ. قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جِئْتُ الْأَرَاكَ فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ، إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ: أَبَا الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَا الْحِيلَةُ؟ قُلْتُ: فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِنَهُ لَكَ. قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُمْ، وَلَكِنْ عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ فَدَخَلَ بُدَيْلٌ، وَحَكِيمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَاه فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَا، وَاسْتَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عِنْدَ الْعَبَّاسِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ

стр. 4355

حَتَّى يَرَى الْعَسَاكِرَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَجَعَا لَمَّا الْتَقَى، بِأَبِي سُفْيَانَ فَأَخَذَهُمَا الْعَسْكَرُ أَيْضًا. وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وَفِيهِ فَلَقِيَهُمُ الْعَبَّاسُ فَأَجَارَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ بُدَيْلٌ، وَحَكِيمٌ، وَتَأَخَّرَ أَبُو سُفْيَانَ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى أَصْبَحَ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ بِأَنَّ الْحَرَسَ أَخَذُوهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا أَبَا سُفْيَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ تَرَكُوهُ مَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ فَذَهَبَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى؟ قَالَ: فَسَمِعَهُ عُمَرُ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ خَارِجًا مِنَ الْقُبَّةِ مَا قُلْتَهَا أَبَدًا، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَذَهَبَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى مُبَادَرَةَ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ أَسْلَمَ. قَوْلُهُ: (احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَا آمَنُ أَنْ يَرْجِعَ أَبُو سُفْيَانَ فَيَكْفُرَ، فَاحْبِسْهُ حَتَّى تُرِيَهُ جُنُودَ اللَّهِ، فَفَعَلَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ؟ قَالَ الْعَبَّاسُ: لَا وَلَكِنْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ فَتُصْبِحَ فَتَنْظُرَ جُنُودَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَحَبَسَهُ بِالْمَضِيقِ دُونَ الْأَرَاكِ حَتَّى أَصْبَحُوا. قَوْلُهُ: (عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ أَنْفِ الْجَبَلِ، وَهِيَ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ اللَّفْظَةِ الْأُولَى وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ ازْدِحَامِهَا، وَإِنَّمَا حَبَسَهُ هُنَاكَ لِكَوْنِهِ مَضِيقًا لِيَرَى الْجَمِيعَ وَلَا يَفُوتُهُ رُؤْيَةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ. قَوْلُهُ: (فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: لِتُظْهِرْ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَا مَعَهَا مِنَ الْأَدَاةِ وَالْعُدَّةِ، وَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَتَائِبَ فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ أَفِي هَذِهِ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قُضَاعَةُ. ثُمَّ مَرَّتِ الْقَبَائِلُ فَرَأَى أَمْرًا عَظِيمًا أَرْعَبَهُ. قَوْلُهُ: (كَتِيبَةً كَتِيبَةً) بِمُثَنَّاةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ، فَعَيْلَةٌ مِنَ الْكَتْبِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الْجَمْعُ. قَوْلُهُ: (مَا لِي وَلِغِفَارٍ. ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ فَقَالَ: أَيْ عَبَّاسٌ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَذِهِ جُهَيْنَةُ. قَالَ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ، وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ حَرْبٌ قَطُّ وَالْمَذْكُورُ فِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ هَذَا مِنَ الْقَبَائِلِ غِفَارٌ وَجُهَيْنَةُ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ وَسُلَيْمٌ، وَفِي مُرْسَلِ أَبِي سَلَمَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ أَسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ قُضَاعَةَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ الْمَعْرُوفُ فِيهَا سَعْدُ هُذَيْمٍ بِالْإِضَافَةِ، وَيَصِحُّ الْآخَرُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسْلُمِ بِضَمِّ اللَّامِ ابْنِ الْحَافِّ بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ ابْنِ قُضَاعَةَ. وَفِي سَعْدِ هُذَيْمٍ طَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْهُمْ بَنُو ضِنَةَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نُونٍ وَبَنُو عُذْرَةَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهُذَيْمٌ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ عَبْدٌ كَانَ رَبَّاهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْقَبَائِلِ أَيْضًا أَشْجَعَ وَأَسْلَمَ وَتَمِيمًا وَفَزَارَةَ. قَوْلُهُ: (مَعَهُ الرَّايَةُ) أَيْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ الزُّبَيْرِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَوْمُ حَرْبٍ لَا يُوجَدُ مِنْهُ مُخَلِّصٌ، أَيْ يَوْمُ قَتْلٍ، يُقَالُ: لَحَمَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا قَتَلَهُ. قَوْلُهُ: (الْيَوْمُ تسْتَحيل الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ) وَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُخْتَصَرًا، وَمُرَادُ سَعْدٍ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ يَوْمُ الْمَقْتَلَةِ الْعُظْمَى، وَمُرَادُ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: يَوْمُ الذِّمَارِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيِ الْهَلَاكُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَمَنَّى أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ فَيَحْمِي قَوْمَهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ الْغَضَبِ لِلْحَرِيمِ وَالْأَهْلِ وَالِانْتِصَارِ لَهُمْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا يَوْمُ يَلْزَمُكَ فِيهِ حِفْظِي وَحِمَايَتِي مِنْ أَنْ يَنَالَنِي مَكْرُوهٌ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا

стр. 4356

آمَنُ أَنْ يَكُونَ لِسَعْدٍ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ. فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَدْرِكْهُ فَخُذِ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ تَدْخُلْ بِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ عُمَرُ. قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعْرُوفًا بِشِدَّةِ الْبَأْسِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا حَاذَاهُ: أُمِرْتُ بِقَتْلِ قَوْمِكَ؟ قَالَ: لَا. فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، ثُمَّ نَاشَدَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ قُرَيْشًا. وَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَخَذَ الرَّايَةَ مِنْهُ فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ. وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ عَارَضَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ الْهُدَى إِلَيْكَ لَجَا … حَيُّ قُرَيْشٍ وَلَاتَ حِينَ لَجَاءٍ حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ سَعَةُ الْأَرضِ … وَعَادَاهُمْ إِلَهُ السَّمَاءِ إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَةَ الظَّهْرِ … بِأَهْلِ الْحُجُونِ وَالْبَطْحَاءِ فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الشِّعْرَ دَخَلَتْهُ رَأْفَةٌ لَهُمْ وَرَحْمَةٌ، فَأَمَرَ بِالرَّايَةِ فَأُخِذَتْ مِنْ سَعْدٍ وَدُفِعَتْ إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَدَخَلَ مَكَّةَ بِلِوَاءَيْنِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَكِنْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِيمَنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ الرَّايَةُ الَّتِي نُزِعَتْ مِنْ سَعْدٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنَّ عَلِيَّا أُرْسِلَ بِنَزْعِهَا، وَأَنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ خَشِيَ تَغَيُّرَ خَاطِرِ سَعْدٍ فَأَمَرَ بِدَفْعِهَا لِابْنِهِ قَيْسٍ، ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا خَشِيَ أَنْ يَقَعَ مِنَ ابْنِهِ شَيْءٌ يُنْكِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ أَخَذَهَا الزُّبَيْرُ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الْأَخِيرَةُ قَدْ ذَكَرَهَا الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ كَانَ قَيْسٌ فِي مُقَدِّمَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، فَكَلَّمَ سَعْدٌ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَى شَيْءٍ، فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ وَالشِّعْرُ الَّذِي أَنْشَدَتْهُ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيِّ، وَكَأَنَّهُ أَرْسَلَ بِهِ الْمَرْأَةَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمُعَاطَفَةِ عَلَيْهِمْ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَ سَعْدٌ فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ أَيْ أَخْطَأَ. وَذَكَرَ الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمُ تسْتَحيل الْحُرْمَةُ، الْيَوْمُ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا، فَحَاذَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا مَرَّ بِهِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُمِرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ - وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ، فَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمُ يَعِزُّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا. فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ مِنْ يَدِهِ فَجَعَلَهُ فِي يَدِ ابْنِهِ قَيْسٍ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ) أَيْ أَقَلُّهَا عَدَدًا، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ لِلْجَمِيعِ بِالْقَافِ، وَوَقَعَ فِي الْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ أَجَلُّ بِالْجِيمِ وَهِيَ أَظْهَرُ، وَلَا يَبْعُدُ صِحَّةُ الْأُولَى لِأَنَّ عَدَدَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ. قَوْلُهُ: (وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) لَمْ يَكْتَفِ أَبُو سُفْيَانَ بِمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ حَتَّى شَكَا لِلنَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِغَيْرِ مَا سَيَقَعُ وَلَوْ كَانَ قَائِلُهُ بَنَاهُ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ وَقُوَّةِ الْقَرِينَةِ. قَوْلُهُ: (يَوْمٌ يُعَظِّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ) يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَأَذَانِ بِلَالٍ عَلَى ظَهْرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُزِيلَ عَنْهَا مِمَّا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَصْنَامِ وَمَحْوِ مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ) قِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَكْسُونَ الْكَعْبَةَ فِي رَمَضَانَ فَصَادَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الزَّمَانُ كَمَا قَالَ

стр. 4357

يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكْسُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ الْخَفِيفَةِ هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْقُرْبِ مِنْ مَقْبَرَةِ مَكَّةَ. (قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَاهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكِزَ الرَّايَةَ) وَهَذَا السِّيَاقُ يُوهِمُ أَنَّ نَافِعًا حَضَرَ الْمَقَالَةَ الْمَذْكُورَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَجَّةٍ اجْتَمَعُوا فِيهَا إِمَّا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ أَوْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِلَخْ فَحُذِفَتْ قُلْتُ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ عُرْوَةُ وَهُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الْخَبَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا فِي الْقَدْرِ الَّذِي صَرَّحَ عُرْوَةُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَمَّا بَاقِيهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ أَدْرَكَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ جَمَعَهُ مِنْ نَقْلِ جَمَاعَةٍ لَهُ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ. قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ) أَيْ بِالْمَدِّ ; وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَدَا أَيْ بِالْقَصْرِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَعْلَاهَا وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَاكَ قُبَّةٌ، وَقَدْ سَاقَ ذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سِيَاقًا وَاضِحًا فَقَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَيْلِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ بِالْحَجُونِ وَلَا يَبْرَحَ حَتَّى يَأْتِيَهُ، وَبَعَثَ خَالِدَ ب نَ الْوَلِيدِ فِي قَبَائِلِ قُضَاعَةٍ وَسُلَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَأَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ عِنْدَ أَدْنَى الْبُيُوتِ، وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ عِبَادَةَ فِي كَتِيبَةِ الْأَنْصَارِ فِي مُقَدِّمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ رَأَى النِّسَاءَ يَلْطِمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخُمُرِ، فَتَبَسَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟ فَأَنْشَدَهُ قَوْلَهُ: عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءٌ يُنَازِعْنَ الْأَسِنَّةَ مُسْرَجَاتٍ … يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَقَالَ: أَدْخِلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ. قَوْلُهُ: (فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشٌ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ (ابْنُ الْأَشْعَرِ) وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَخْزَمَ الْخُزَاعِيُّ، وَهُوَ أَخُو أُمِّ مَعْبَدٍ الَّتِي مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مُهَاجِرًا. وَرَوَى الْبَغَوِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَآخَرُونَ قِصَّتَهَا مِنْ طَرِيقِ حِزَامِ بْنِ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حِزَامُ بْنُ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: شَهِدَ جَدِّي الْفَتْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَكُرْزٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ هُوَ ابْنُ جَابِرِ بْنِ حِسْلِ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ ابْنِ الْأَحَبِّ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ ابْنِ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَغَارَ عَلَى سَرْحِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْأُولَى، ثُمَّ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِ الْعُرَنِيِّينِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ سَلَكَا طَرِيقًا فَشَذَّا عَنْ عَسْكَرِ خَالِدٍ فَقَتَلَهُمَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَصْحَابَ خَالِدٍ لَقُوا نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ كَانُوا تَجَمَّعُوا بِالْخَنْدَمَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ مَكَانٍ أَسْفَلَ مَكَّةَ لِيُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ

стр. 4358

شَيْئًا مِنَ الْقِتَالِ، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ، مَسْلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ الْجُهَنِيُّ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَانْهَزَمُوا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَمَّاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْبَكْرِيُّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هِيَ لِلمرعاشِ الْهُذَلِيِّ - يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ حِينَ لَامَتْهُ عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ … إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ … يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ … لَمْ تَنْطِقِي فِي اللُّوَّمِ أَدْنَى كَلِمَهْ وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: وَانْدَفَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَقَدْ تَجَمَّعَ بِهَا بَنُو بَكْرٍ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةٍ وَنَاسٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَمِنَ الْأَحَابِيشِ الَّذِينَ اسْتَنْصَرَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، فَقَاتَلُوا خَالِدًا، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ نَحْوُ عِشْرِينَ رَجُلًا وَمِنْ هُذَيْلٍ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، حَتَّى انْتَهَى بِهِمُ الْقَتْلُ إِلَى الْحَزْوَرَةِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلُوا فِي الدُّورِ، وَارْتَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْجِبَالِ، وَصَاحَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ، قَالَ: وَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَارِقَةِ فَقَالَ: مَا هَذَا وَقَدْ نُهِيتُ عَنِ الْقِتَالِ؟ فَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّ خَالِدًا قُوتِلَ وَبُدِئَ بِالْقِتَالِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: لِمَ قَاتَلْتَ وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ الْقِتَالِ؟ فَقَالَ: هُمْ بَدَءُونَا بِالْقِتَالِ وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدَيَّ مَا اسْتَطَعْتُ. فَقَالَ: قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عِدَّةَ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْكُفَّارِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَمِنْ هُذَيْلٍ خَاصَّةً أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: مَجْمُوعُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ الْحَدِيثَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَقْتُلُ، فَقَالَ: قُمْ يَا فُلَانُ فَقُلْ لَهُ فَلْيَرْفَعِ الْقَتْلَ، فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يَقُولُ لَكَ اقْتُلْ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ ثُمَّ اعْتَذَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ، فَسَكَتَ قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أُمَرَاءَهُ أَنْ لَا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ أَهْدَرَ دَمَ نَفَرٍ سَمَّاهُمْ. وَقَدْ جَمَعْتُ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ مُفَرَّقَاتِ الْأَخْبَارِ وَهُمْ: عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ بِنُونٍ وَقَافٍ مُصَغَّرٌ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةِ بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَقَيْنَتَانِ كَانَتَا لِابْنِ خَطَلٍ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهَجْوِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَهِيَ الَّتِي وُجِدَ مَعَهَا كِتَابُ حَاطِبٍ. فَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عُثْمَانُ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَقَنَ دَمَهُ وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ. وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَفَرَّ إِلَى الْيَمَنِ فَتَبِعَتْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَرَجَعَ مَعَهَا بِأَمَانٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ فَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَأَمَّا مَقِيسٌ بْنُ صُبَابَةَ فَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ قَتَلَ أَخَاهُ هِشَامًا خَطَأً، فَجَاءَ مَقِيسٌ فَأَخَذَ الدِّيَةَ ثُمَّ قَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَأَمَّا هَبَّارٌ فَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ وَعَرَضَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَتْ فَنَخَسَ بَعِيرَهَا فَأُسْقِطَتْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْمَرَضُ بِهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ أَعْلَنَ بِالْإِسْلَامِ فَقَبِلَ مِنْهُ فَعَفَا عَنْهُ. وَأَمَّا الْقَيْنَتَانِ فَاسْمُهُمَا فَرْتَنَى وَقَرِينَةُ، فَاسْتُؤْمِنَ لِإِحْدَاهُمَا فَأَسْلَمَتْ وَقُتِلَتِ الْأُخْرَى. وَأَمَّا سَارَةُ فَأَسْلَمَتْ وَعَاشَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: بَلْ قُتِلَتْ. وَذَكَرَ أَبُو مَعْشَرٍ فِيمَنْ أَهْدَرَ دَمَهُ الْحَارِثَ بْنَ طَلَاطِلَ الْخُزَاعِيَّ قَتَلَهُ عَلِيٌّ. وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ فَرْتَنَى هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ وَأَنَّ قَرِينَةَ قُتِلَتْ.

стр. 4359

وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِمَّنْ أَهْدَرَ دَمَهُ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَ وَمَدَحَ. وَوَحْشِيَّ بْنَ حَرْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَأْنُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ. وَهِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ. وَأَرْنَبَ مَوْلَاةَ ابْنِ خَطَلٍ أَيْضًا قُتِلَتْ. وَأُمَّ سَعْدٍ قُتِلَتْ فِيمَا ذَكَرَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَكَمُلَتِ الْعِدَّةُ ثَمَانِيَةَ رِجَالٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرْنَبُ وَأُمُّ سَعْدٍ هُمَا الْقَيْنَتَانِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِمَا أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكُنْيَةِ وَاللَّقَبِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ ابْنِ خَطَلٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ بَعَثَ عَلَى إِحْدَى الْجَنْبَتَيْنِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ الَّذِينَ بِغَيْرِ سلاحٍ - فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ. فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ ثُمَّ قَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا نَشَاءُ أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلْنَاهُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا لَمَّا وَقَعَ هَذَا التَّأْمِينُ، وَلِإِضَافَةِ الدُّورِ إِلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَلِأَنَّ الْغَانِمِينَ لَمْ يَمْلِكُوا دُورَهَا وَإِلَّا لَجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الدُّورِ مِنْهَا. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ مَا وَقَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَوُقُوعِهِ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبِتَصْرِيحِهِ ﷺ بِأَنَّهَا أُحِلَّتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَنَهْيِهِ عَنِ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ. وَأَجَابُوا عَنْ تَرْكِ الْقِسْمَةِ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعَنْوَةِ فَقَدْ تُفْتَحُ الْبَلَدُ عَنْوَةً وَيَمُنُّ عَلَى أَهْلِهَا وَيَتْرُكُ لَهُمْ دُورَهَمْ وَغَنَائِمَهُمْ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، بَلِ الْخِلَافُ ثَابِتٌ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ فُتِحَتْ أَكْثَرُ الْبِلَادِ عَنْوَةً فَلَمْ تُقْسَمْ وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ مَعَ وُجُودِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ زَادَتْ مَكَّةُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِي اخْتِصَاصَهَا بِهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْبِلَادِ، وَهِيَ أَنَّهَا دَارُ النُّسُكِ وَمُتَعَبَّدُ الْخَلْقِ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - حَرَمًا سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالَبَادِ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيُّ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ مُرَادُهُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى صُلْحًا إِلَّا إِذَا الْتَزَمَ مَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ، وَالَّذِي وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَّشَتْ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا فَقَالُوا: نُقدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَاهُ الَّذِينَ سَأَلْنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ ثُمَّ قَالَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى أَيِ احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي عَلَى الصَّفَا. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا نَشَاءُ أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالصُّلْحِ وُقُوعَ عَقْدٍ بِهِ فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ وَلَا أَظُنُّهُ عَنَى إِلَّا الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ وَفِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ. وَتَمَسَّكَ أَيْضًا مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُبْهَمٌ بِمَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْفَتْحِ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ، لِعَلِيٍّ: أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً. ثُمَّ قَالَ فِي الْقِصَّةِ بَعْدَ قِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ. وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي - وَهِيَ أَصَحُّ مَا صُنِّفَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ - مَا نَصُّهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَا:

стр. 4360

يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ حَقِيقًا أَنْ تَجْعَلَ عُدَّتَكَ وَكَيْدَكَ بِهَوَازِنَ، فَإِنَّهُمْ أَبْعَدُ رَحِمًا وَأَشَدُّ عَدَاوَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْمَعَهُمَا اللَّهُ لِي: فَتْحَ مَكَّةِ وَإِعْزَازَ الْإِسْلَامِ بِهَا، وَهَزِيمَةَ هَوَازِنَ وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَحَكِيمٌ: فَادْعُ النَّاسَ بِالْأَمَانِ، أَرَأَيْتَ إِنِ اعْتَزَلَتْ قُرَيْشٌ فَكَفَّتْ أَيْدِيَهَا أَآمِنُونَ هُمْ؟ قَالَ: مَنْ كَفَّ يَدَهُ وَأَغْلَقَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ. قَالُوا: فَابْعَثْنَا نُؤَذِّنْ بِذَلِكَ فِيهِمْ. قَالَ: انْطَلِقُوا، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمٍ فَهُوَ آمِنٌ، وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَدَارُ حَكِيمٍ بِأَسْفَلِهَا. فَلَمَّا تَوَجَّهَا قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا آمَنُ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَرْتَدَّ ; فَرُدَّهُ حَتَّى تُرِيَهُ جُنُودَ اللَّهِ. قَالَ: أفْعَل فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَفِي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ التَّأْمِينِ، فَكَانَ هَذَا أَمَانًا مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَتْ مَكَّةُ مَأْمُونَةً وَلَمْ يَكُنْ فَتْحُهَا عَنْوَةً، وَالْأَمَانُ كَالصُّلْحِ. وَأَمَّا الَّذِينَ تَعَرَّضُوا لِلْقِتَالِ أَوِ الَّذِينَ اسْتُثْنَوْا مِنَ الْأَمَانِ وَأَمَرَ أَنْ يُقْتَلُوا وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَمْرِهِ ﷺ بِالْقِتَالِ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَأْمِينِهِ ﷺ لَهُمْ بِأَنْ يَكُونَ التَّأْمِينُ عُلِّقَ بِشَرْطٍ وَهُوَ تَرْكُ قُرَيْشٍ الْمُجَاهَرَةَ بِالْقِتَالِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا إِلَى دُورِهِمْ وَرَضُوا بِالتَّأْمِينِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنَّ أَوْبَاشَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وَقَاتَلُوا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ أَنْ تَكُونُ الْبَلَدُ فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأُصُولِ لَا بِالْأَتْبَاعِ وَبِالْأَكْثَرِ لَا بِالْأَقَلِّ، وَلَا خِلَافَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُجْرِ فِيهَا قَسْمَ غَنِيمَةٍ وَلَا سبي مِنْ أَهْلِهَا مِمَّنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ أَحَدٌ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ فَتْحُهَا عَنْوَةً. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ غَنِمْتُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَجَنَحَتْ طَائِفَةٌ - مِنْهُمُ الْمَاوَرْدِيُّ - إِلَى أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ عَنْوَةً لِمَا وَقَعَ مِنْ قِصَّةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ. وَالْحَقُّ أَنَّ صُورَةَ فَتْحِهَا كَانَ عَنْوَةً وَمُعَامَلَةَ أَهْلِهَا مُعَامَلَةَ مَنْ دَخَلَتْ بِأَمَانٍ، وَمَنَعَ جَمْعٌ مِنْهُمُ السُّهَيْلِيُّ تَرَتُّبَ عَدَمِ قِسْمَتِهَا وَجَوَازِ بَيْعِ دُورِهَا وَإِجَارَتِهَا عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ إِذَا انْتُزِعَتْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَبَيْنَ إِبْقَائِهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ بَيْعِ الدُّورِ وَإِجَارَتِهَا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَدْخُلُ الْأَرْضُ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَضَى كَانُوا إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْكُفَّارِ لَمْ يَغْنَمُوا الْأَمْوَالَ، فَتَنْزِلُ النَّارُ فَتَأْكُلَهَا وَتَصِيرُ الْأَرْضُ عُمُومًا لَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الْآيَةَ. وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِهَا هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ دُورِ مَكَّةَ فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ. ٤٢٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ. [الحديث ٤٢٨١ - أطرافه في: ٤٨٣٥، ٥٠٣٤، ٥٠٤٧، ٧٥٤٠] ٤٢٨٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ "عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا قال النبي ﷺ : "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ"

стр. 4361

٤٢٨٣ - "ثُمَّ قَالَ: "لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ" قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ قَالَ وَرِثَهُ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْح" ٤٢٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قال رسول الله ﷺ : "مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفُ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ" ٤٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قال رسول الله ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: "مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْر". ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا سِتَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ خلف أَنَّهُ وَقَعَ بَدلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةٍ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِيَاسٍ أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَأَبُو إِيَاسٍ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ قِرَاءَةً لَيِّنَةً. قَوْلُهُ: (يُرَجِّعُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَالتَّرْجِيعُ تَرْدِيدُ الْقَارِئِ الْحَرْفَ فِي الْحَلْقِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَجْتَمِعَ النَّاسَ) الْقَائِلُ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ وَفِي أَوَاخِرِ التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ عَنْ شُعْبَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النَّبِيُّ ﷺ . فَقُلْتُ لَمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: أأأ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلِلْحَاكِمِ فِي الْإِكْلِيلُ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ لَقَرَأْتُ بِذَلِكَ اللَّحْنِ الَّذِي قَرَأَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . الْحَدِيثُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ وَسَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى هُوَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ اللَّخْمِيُّ أَبُو يَحْيَى الْكُوفِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقٍ، وَسَعْدَانُ لَقَبُهُ، وَهُوَ صَدُوقٌ. وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى لِينِهِ. وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ مَيْسَرَةُ بَصْرِيٌّ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ، صَدُوقٌ. ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ. وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْحَجِّ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ. قَوْلُهُ: (قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: مَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (وَرِثَهُ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ)، تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ. وَكَانَ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الْحُكْمِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهِجْرَةُ لَمَّا وَقَعَتِ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ عَلَى مَا خَلَفَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَلَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ

стр. 4362

كَانَ شَقِيقَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ مَوْتِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ثُمَّ وَقَعَتِ الْهِجْرَةُ وَلَمْ يُسْلِمْ طَالِبٌ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ عَقِيلٍ اسْتَوْلَيَا عَلَى مَا خَلَفَ أَبُو طَالِبٍ، وَمَاتَ طَالِبٌ قَبْلَ بَدْرٍ وَتَأَخَّرَ عَقِيلٌ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِ تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَقِيلٍ فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ عَقِيلٌ قَدْ بَاعَ تِلْكَ الدُّورَ كُلَّهَا. وَاخْتُلِفَ فِي تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عَقِيلًا عَلَى مَا يَخُصُّهُ هُوَ. فَقِيلَ: تَرَكَ لَهُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ، وَقِيلَ اسْتِمَالَةً لَهُ وَتَأْلِيفًا، وَقِيلَ: تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تُصَحَّحُ أَنْكِحَتُهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ بَيْعٍ لَنَزَلَ فِيهَا، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَنْزِلِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا لِأَنَّهَا دُورٌ هَجَرُوهَا فِي اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْهِجْرَةِ، فَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ تَرَكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَأَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالتَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ إِقَامَةُ الْمُهَاجِرِ فِي الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ، لَا مُجَرَّدَ نُزُولِهِ فِي دَارٍ يَمْلِكُهَا إِذَا أَقَامَ الْمُدَّةَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِيهَا، وَهِيَ أَيَّامُ النُّسُكِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ (أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ) طَرِيقُ مَعْمَرٍ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي الْجِهَادِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ (حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْحِ) أَيْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ، وبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَمَعْمَرٍ، أَوْثَقُ وَأَتْقَنُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْأَعْرَجُ. قَوْلُهُ: (مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ) هُوَ لِلتَّبَرُّكِ. قَوْلُهُ: (إِذَا افْتَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفُ) هُوَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَنْزِلُنَا، وَلَيْسَ هُوَ مَفْعُولُ افْتَتَحَ. وَالْخَيْفُ مَا انْحَدَرَ عَنْ غِلَظِ الْجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ الْمَاءِ. قَوْلُهُ: (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) يَعْنِي قُرَيْشًا (عَلَى الْكُفْرِ) أَيْ لَمَّا تَحَالَفَ قُرَيْشٌ أَنْ لَا يُبَايِعُوا بَنِي هَاشِمٍ وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُؤْوُوهُمْ وَحَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَبْعَثِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا شَرْحُهُ فِي بَابِ نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ. قَوْلُهُ في الطريق الثانية: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا) أَيْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ غَزْوَةَ حُنَيْنٍ عَقِبَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ وَلَا مُغَايِرَةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِطَرِيقِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ هُنَاكَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ قَالَ وَهُوَ بِمِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ لَا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ: إِنَّمَا اخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ النُّزُولَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَذَكَّرَ مَا كَانُوا فِيهِ فَيَشْكُرَ اللَّهَ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ ظَاهِرًا عَلَى رَغْمَ أَنْفِ مَنْ سَعَى فِي إِخْرَاجِهِ مِنْهَا وَمُبَالَغَةً فِي الصَّفْحِ عَنِ الَّذِينَ أَسَاءُوا وَمُقَابَلَتِهِمْ بِالْمَنِّ وَالْإِحْسَانِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. ٤٢٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلْهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا. ٤٢٨٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ

стр. 4363

يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ. ٤٢٨٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الأَزْلَامِ فَقال النبي ﷺ : "قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ" ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " الْحَدِيثُ الرَّابِعُ. قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ. قَوْلُهُ: (الْمِغْفَرُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ مِثْلُ الْجَمَاعَةِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَشَرَةٍ عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رَأَى مِنْكُمُ ابْنَ خَطَلٍ فَلْيَقْتُلْهُ وَمِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَكَانَ ابْنُ خَطَلٍ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشِّعْرِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اقْتُلْهُ) زَادَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ فَقُتِلَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَائِذٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُرَيْثٍ، وَأَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا: مِنْهَا أَنَّ قَاتِلَهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدَةَ الْعَجْلَانَيُّ، وَرَجَّحَ أَنَّهُ أَبُو بَرْزَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فِي الْحَرَمِ. وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهَا الْقِتَالُ بِمَكَّةَ، وصَرَّحَ بِأَنَّ حُرْمَتَهَا عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، وَالسَّاعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مِنْ صَبِيحَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ إِلَى الْعَصْرِ. وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا بَيْنَ زَمْزَمَ وَمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: لَا يُقْتَلَنَّ قُرَشِيٌّ بَعْدَ هَذَا صَبْرًا، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِي أَبِي مَعْشَرٍ مَقَالًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الحديث الخامس. قَوْله: (عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح) فِي رِوَايَة الْحَمِيدِيّ فِي التَّفْسِير عَنْ اِبْن عُيَيْنَة حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح وَهُوَ عَبْد اللَّه وَاسْم أَبِي نَجِيح يَسَار، وَتَقَدَّمَ فِي الْمُلَازَمَة عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه عَنْ سُفْيَان حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي نَجِيح وَلِابْنِ عُيَيْنَة فِي هَذَا الْحَدِيث إِسْنَاد آخَر أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْد الْغَفَّار بْن دَاوُدَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَة عَنْ جَامِع بْن أَبِي رَاشِد عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ اِبْن مَسْعُود. قَوْله: (عَنْ أَبِي مَعْمَر) هُوَ عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَةَ. قَوْله: (عَنْ عَبْد اللَّه) هُوَ اِبْن مَسْعُود. قَوْله: (سِتُّونَ وَثَلَاثمِائَة نُصُب)

стр. 4364

بِضَمِّ النُّون وَالْمُهْمَلَة وَقَدْ تُسَكَّن، بَعْدهَا مُوَحَّدَة، هِيَ وَاحِدَة الْأَنْصَاب، وَهُوَ مَا يُنْصَب لِلْعِبَادَةِ مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ صَنَمًا بَدَل نُصُبًا. وَيُطْلَق النُّصُب وَيُرَاد بِهِ الْحِجَارَة الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ وَلَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا، وَتُطْلَق الْأَنْصَاب عَلَى أَعْلَام الطَّرِيق وَلَيْسَتْ مُرَادَة هُنَا وَلَا فِي الْآيَة. قَوْله: (فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا) بِضَمِّ الْعَيْن وَبِفَتْحِهَا وَالْأَوَّل أَشْهُر. قَوْله: (بِعُودٍ فِي يَده وَيَقُول: جَاءَ الْحَقّ) فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم يَطْعَن فِي عَيْنَيْهِ بِسِيَةِ الْقَوْس وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْد الْفَاكِهِيّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ فَيَسْقُط الصَّنَم وَلَا يَمَسّهُ، وَلِلْفَاكِهِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَلَمْ يَبْقَ وَثَن اِسْتَقْبَلَهُ إِلَّا سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ، مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَة بِالْأَرْضِ، وَقَدْ شَدَّ لَهُمْ إِبْلِيس أَقْدَامهَا بِالرَّصَاصِ وَفَعَلَ النَّبِيّ ﷺ ذَلِكَ لِإِذْلَالِ الْأَصْنَام وَعَابِدِيهَا، وَلِإِظْهَارِ أَنَّهَا لَا تَنْفَع وَلَا تَضُرّ، وَلَا تَدْفَع عَنْ نَفْسهَا شَيْئًا. قَوْله: (الْأَزْلَام) هِيَ السِّهَام الَّتِي كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا الْخَيْر وَالشَّرّ، وَعِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث جَابِر نَحْو حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَفِيهِ فَأَمَرَ بِهَا فَكُبَّتْ لِوُجُوهِهَا وَفِيهِ نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَزَادَ قَاتَلَهُمْ اللَّه، مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَسْتَقْسِم بِالْأَزْلَامِ. ثُمَّ دَعَا بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَ تِلْكَ التَّمَاثِيل. وَفِي الْحَدِيث كَرَاهِيَة الصَّلَاة فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ صُوَر؛ لِكَوْنِهَا مَظِنَّة الشِّرْك، وَكَانَ غَالِب كُفْر الْأُمَم مِنْ جِهَة الصُّوَرِ. الحديث السادس. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَقَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقَ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبِي) سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَلَا بُدَّ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ) وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فَلَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى مُحِيَتِ الصُّوَرُ، وَكَانَ عُمَرُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهَا وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَحَا مَا كَانَ مِنَ الصُّوَرِ مَدْهُونًا مَثَلًا، وَأَخْرَجَ مَا كَانَ مَخْرُوطًا. وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَرَأَى صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ فَدَعَا بِمَاءٍ فَجَعَلَ يَمْحُوهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ خَفِيَ عَلَى مَنْ مَحَاهَا أَوَّلًا. وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ صُورَةَ عِيسَى وَأُمِّهِ بَقِيَتَا حَتَّى رَآهُمَا بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نَصَارَى غَسَّانَ فَقَالَ: إِنَّكُمَا لَبِبِلَادِ غُرْبَةٍ، فَلَمَّا هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْبَيْتَ ذَهَبَا فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا أَثَرٌ. وَقَدْ أَطْنَبَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ فِي تَخْرِيجِ طَرِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَأَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَطَاءً: أَدْرَكْتَ فِي الْكَعْبَةِ تَمَاثِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَدْرَكْتُ تَمَاثِيلَ مَرْيَمَ فِي حِجْرِهَا ابْنُهَا عِيسَى مُزَوَّقًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعَمُودِ الْأَوْسَطِ الَّذِي يَلِي الْبَابَ. قَالَ: فَمَتَى ذَهَبَ ذَلِكَ؟ قَالَ: فِي الْحَرِيقِ وَفِيهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِطَمْسِ الصُّوَرِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْبَيْتِ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَأَمَرَنِي فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي دَلْوٍ فَجَعَلَ يَبُلُّ الثَّوْبَ وَيَضْرِبُ بِهِ عَلَى الصُّوَرِ وَيَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ. وقَوْلُهُ: وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَفِيهِ الْكَلَامُ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ وَمَنْ نَفَاهَا. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ) وَصَلَهُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ وُهَيْبٌ:، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) يَعْنِي أَنَّهُ أَرْسَلَهُ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ بِإِثْبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّعْلِيقِ عَنْ وُهَيْبٍ وَهُوَ خَطَأٌ، وَرَجَّحْتُ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ؛ لِاتِّفَاقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَمَعْمَرٍ عَلَى ذَلِكَ عَنْ أَيُّوبَ.

стр. 4365

٤٩ - بَاب دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ ٤٢٨٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ مِنْ الْحَجَبَةِ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَمَكَثَ فِيهِ نَهَارًا طَوِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا، فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى سَجْدَة. ٤٢٩٠ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَوُهَيْبٌ فِي كَدَاء". ٤٢٩١ - حَدَّثَنَا عبيد الله بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو أسامة عم هشام عن أبيه "دخل النبي ﷺ من أعلى مكة من كداء". قَوْلُهُ: (بَابُ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) أَيْ حِينَ فَتَحَهَا. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَذَقْنُهُ عَلَى رَحْلِهِ مُتَخَشِّعًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْجِهَادِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْحَجِّ فِي بَابِ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ مَعَ فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ) رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ جِهَتِهِ مِنْ مُرْسَلِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُثْمَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ: ائْتِنِي بِمِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لِيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، وَيَقُولُ: مَا يَحْبِسُهُ؟ فَسَعَى إِلَيْهِ رَجُلٌ، وَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عِنْدَهَا الْمِفْتَاحُ وَهِيَ أُمُّ عُثْمَانَ وَاسْمُهَا سُلَافَةُ بِنْتُ سَعِيدٍ تَقُولُ: إِنْ أَخَذَهُ مِنْكُمْ لَا يُعْطِيكُمُوهُ أَبَدًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطَتِ الْمِفْتَاحَ، فَجَاءَ بِهِ فَفَتَحَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ عِنْدَ السِّقَايَةِ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّا أُعْطِينَا النُّبُوَّةَ وَالسِّقَايَةَ وَالْحِجَابَةَ، مَا قَوْمٌ بِأَعْظَمَ نَصِيبًا مِنَّا. فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ. ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَدَفَعَ الْمِفْتَاحَ إِلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ مُرْسَلًا نَحْوَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ، فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَفَتَحَ لَهُ فَدَخَلَهَا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ فَخَطَبَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ ﷺ قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ. ثُمَّ جَلَسَ فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ:

стр. 4366

اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ وَالسِّقَايَةَ، فَذَكَرَهُ. وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: خُذْهَا خَالِدَةً مُخَلَّدَةً، إِنِّي لَمْ أَدْفَعْهَا إِلَيْكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ دَفَعَهَا إِلَيْكُمْ، وَلَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ وَالسِّقَايَةَ، فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فَدَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ: خُذُوهَا يَا بَنِي شَيْبَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا بَنِي شَيْبَةَ كُلُوا مِمَّا يَصِلُ إِلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ بِالْمَعْرُوفِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَاوَلَ عُثْمَانَ الْمِفْتَاحَ قَالَ لَهُ: غَيِّبْهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلِذَلِكَ يُغَيَّبُ الْمِفْتَاحُ. وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ بَنِي أَبِي طَلْحَةَ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَفْتَحُ الْكَعْبَةَ إِلَّا هُمْ، فَتَنَاوَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَهَا بِيَدِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ خُرَاسَانِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ، كَانَ مِنَ الْأَثْبَاتِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي إِذَا رَضِيَ عَنْ إِنْسَانٍ وَكَانَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ حَدَّثَ عَنْهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ خَارِجَةَ وَهُوَ حَيٌّ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَوْصُولٌ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. (تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَوُهَيْبٌ فِي كَدَاءٍ) أَيْ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَا فِي رِوَايَتِهِمَا: دَخَلَ مِنْ كَدَاءٍ أَيْ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، وَطَرِيقُ أَبِي أُسَامَةَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْهُ مَوْصُولًا، وَأَوْرَدَهَا هُنَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَائِشَةَ. وَأَمَّا طَرِيقُ وُهَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ فَوَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ ٥٠ - بَاب مَنْزِلِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ ٤٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قال: مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ؛ فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. قَالَتْ: لَمْ أَرَهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْزِلِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ) أَيِ الْمَكَانُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ أَنَّهُ نَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ، وَهُنَا أَنَّهُ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ. وَكَذَا فِي الْإِكْلِيلُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ نَازِلًا عَلَيْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَلَا مُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ وَإِنَّمَا نَزَلَ بِهِ حَتَّى اغْتَسَلَ وَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَيْثُ ضُرِبَتْ خَيْمَتُهُ عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي حَصَرَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْزِلُنَا إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا مَكَّةَ فِي الْخَيْفِ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ وِجَاهَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ حَصَرُونَا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَ حَدِيثِ أُسَامَةَ السَّابِقِ وَقَالَ فِيهِ: وَلَمْ يَزَلْ مُضْطَرِبًا بِالْأَبْطَحِ لَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ مَكَّةَ. ٥١ - باب ٤٢٩٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.

стр. 4367

٤٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ. قَالَ: وَمَا رأيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي. فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ. ٤٢٩٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ "عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ يَوْمَ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنْ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ" فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو قَالَ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْخَرْبَةُ الْبَلِيَّة". ٤٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: " إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْر" قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَكَأَنَّهُ بَيَّضَ لَهُ فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ وُقُوعُ مَا يُنَاسِبُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبُّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَوَجْهُ دُخُولِهِ هُنَا مَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلَّا يَقُولُ فِيهَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ (كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ) الْحَدِيثُ سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: (مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ) أَيْ فَضْلُهُ. وَقَوْلُهُ: (لِيُرِيَهُمْ مِنِّي) أَيْ بَعْضَ فَضِيلَتِي. وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: ابْنَ

стр. 4368

عَبَّاسٍ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ آلَةِ النِّدَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ) هُوَ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَآخَرُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عِنْدَهُ لَهُ مُتَابِعٌ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْمَقْبُرِيُّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ. قَوْلُهُ: (الْعَدَوِيُّ) كُنْتُ جَوَّزْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّنِي رَأَيْتُهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى الْكَعْبِيَّ نِسْبَةً إِلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ نُسِبَ إِلَى بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وَهُمْ إِخْوَةُ كَعْبٍ، وَيَقَعُ هَذَا فِي الْأَنْسَابِ كَثِيرًا يَنْسُبُونَ إِلَى أَخِي الْقَبِيلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَبَعْضُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي بَعْضُ شَرْحُهُ فِي الدِّيَاتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، موقَع فِي آخِرِهِ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُصَنِّفُ الْخَرِبَةُ: الْبَلِيَّةُ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ) كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ. ٥٢ - بَاب مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ زَمَنَ الْفَتْحِ ٤٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح. وحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قال:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ. ٤٢٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْن". ٤٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ تِسْعَ عَشْرَةَ نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ نَقْصُرُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ فَإِذَا زِدْنَا أَتْمَمْنَا". قَوْلُهُ: (بَابُ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ زَمَنَ الْفَتْحَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ أَقَمْنَا فِي سَفَرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَكَانَ، فَظَاهِرُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ التَّعَارُضُ، وَالَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَإِنَّهَا هِيَ السَّفْرَةُ الَّتِي أَقَامَ فِيهَا بِمَكَّةَ عَشْرًا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ يَوْمَ الرَّابِعِ وَخَرَجَ يَوْمَ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ فِي الْفَتْحِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَأَوْرَدْتُ هُنَاكَ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْتُ وَلَمْ يُفْصِحْ بِذَلِكَ تَشْحِيذًا لِلْأَذْهَانِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ فَأَقَامَ بِهَا عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَذَا هُوَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ، فَإِنَّ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ فِي سَفْرَةِ الْفَتْحِ حَتَّى رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا. (تَنْبِيهٌ): سُفْيَانُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هُوَ الثَّوْرِيُّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ. وَقَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ

стр. 4369

عَبَّاسٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا. ٥٣ - بَاب ٤٣٠٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الْفَتْحِ. [الحديث ٤٣٠٠ - طرفه في: ٦٣٥٦] ٤٣٠١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: وَزَعَمَ أَبُو جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ فَصَارَتْ أَحَادِيثُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُنَاسَبَتُهَا لَهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ قَدْ بَيَّضَ لَهُ لِيَكْتُبَ لَهُ تَرْجَمَةً فَلَمْ يَتَّفِقْ، وَالْمُنَاسِبُ لِتَرْجَمَتِهِ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: عَامَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ وَقَدْ وَصَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ رَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍّ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ) بِمُهْمَلَةِ مُصَغَّرا، وَهُوَ عُذْرِيٌّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ سِنَانَ حَلِيفُ بَنِي زَهْرَةَ، وَلِأَبِيهِ ثَعْلَبَةَ صُحْبَةٌ، وَقَدْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ الْمُخْبَرَ بِهِ اخْتِصَارًا وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذُكِرَ فِي الْأَدَبِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) وَالْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ أَرَادَ الزُّهْرِيُّ بِهَا تَقْوِيَةَ رِوَايَتِهِ عَنْهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِحَضْرَةِ سَعِيدٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ سُنَيْنٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ، وَقِيلَ: بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالنُّونِ الْأُولَى فَقَطْ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الشَّهَادَاتِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ) ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الشَّهَادَاتِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ. ٤٣٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: أَلَا تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ؟ قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كُنَّا بِمَا مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَاكَ فكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا: فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا

стр. 4370

اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَروْا، فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ) مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَاهُ وَفَدَ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَفِدْ مَعَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَفَدَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ هُوَ ابْنُ قِيسٍ وَيُقَالُ: نُفَيْعٌ الْجَرْمِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، صَحَابِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَا ابْنُهُ، لَكِنْ وَقَعَ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ) هُوَ مَقُولُ أَيُّوبَ. قَوْلُهُ: (كُنَّا بِمَا مَمَرِّ النَّاسِ) يَجُوزُ فِي مَمَرِّ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ كُنَّا نُحَاصِرُ، يَمُرُّ بِنَا النَّاسُ إِذَا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ . قَوْلُهُ: (مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ) كَذَا فِيهِ مُكَرَّرٌ مَرَّتَيْنِ. قَوْلُهُ: (مَا هَذَا الرَّجُلُ) أَيْ يَسْأَلُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ حَالِ الْعَرَبِ مَعَهُ. قَوْلُهُ: (أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا) يُرِيدُ حِكَايَةَ مَا كَانُوا يُخْبِرُونَهُمْ بِهِ مِمَّا سَمِعُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَيَقُولُونَ: نَبِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَكُنْتُ غُلَامًا حَافِظًا، فَحَفِظْتُ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا. قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّمَا يُقَرُّ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الْقَرَارِ، وَفِي رِوَايَةِ عَنْهُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ مَقْصُورَةٍ مِنَ التَّقْرِيَةِ أَيْ يُجْمَعُ، وَلِلْأَكْثَرِ بِهَمْزٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يُغَرَّى بَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ يُلْصَقُ بِالْغِرَاءِ، وَرَجَّحَهَا عِيَاضٌ. قَوْلُهُ: (تَلَوَّمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ تَنْتَظِرُ وَإِحْدَى التَّاءَيْنِ مَحْذُوفَةٌ. قَوْلُهُ: (وَبَدَرَ) أَيْ سَبَقَ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَ) اسْتَقْبَلْنَاهُ، هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَا وَفَدَ مَعَ أَبِيهِ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ وَفَدَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يَؤُمُّنَا؟ قَالَ: أَكْثَرُكُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: (فَنَظَرُوا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَنَظَرُوا إِلَى أَهْلِ حِوَائِنَا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ، وَالْحِوَاءُ مَكَانُ الْحَيِّ النُّزُولِ. قَوْلُهُ: (تَقَلَّصَتْ) أَيِ انْجَمَعَتْ وَارْتَفَعَتْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ تَكَشَّفَتْ عَنِّي وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مَوْصُولَةٍ فِيهَا فَتْقٌ، فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ خَرَجَتْ اسْتِي. قَوْلُهُ: (أَلَا تُغَطُّونَ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِحَذْفِ النُّونِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ. قَوْلُهُ: (فَاشْتَرَوْا) أَيْ ثَوْبًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ نِسْبَةٌ إِلَى عُمَانَ وَهِيَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: فَمَا شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إِلَّا كُنْتُ إِمَامَهُمْ وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي إِمَامَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الْفَرِيضَةِ، وَهِيَ خِلَافِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ وَلَمْ يُنْصِفْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَطَّلِعِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ، وَلِأَنَّ زَمَنَ الْوَحْيِ لَا يَقَعُ التَّقْرِيرُ فِيهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ، كَمَا اسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيدٍ، وَجَابِرٌ لِجَوَازِ الْعَزْلِ بِكَوْنِهِمْ فَعَلُوهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَنُهِيَ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ بِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا بَلْ هُوَ سُنَّةٌ، وَيَجْزِي بِدُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ حَالٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِالْحُكْمِ. ٤٣٠٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حدثني عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:

стр. 4371

كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنْ يَقْبِضَ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَقَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، قَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي، هَذَا ابْنُ زَمْعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَإِذَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَكَ، هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ؛ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِيحُ بِذَلِكَ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ والْخَامِسُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي آخِرِهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ وَسَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَلَى لَفْظِ يُونُسَ، وَأَوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِطَرِيقِ مَالِكٍ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ شَدِيدَةٌ لَهُ، وَسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِهِ، وَقَدْ عَابَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَالَ: قَرَنَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ مَعَ شِدَّةِ اخْتِلَافِهِمَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَتْ عَائِشَةُ) كَذَا هُنَا، وَهَذَا الْقَدْرُ مَوْصُولٌ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِذِكْرِ عُرْوَةَ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ: هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ رَدٌّ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ أَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْمِلْكِ فَقَالَ: أَيْ هُوَ لَكَ عَبْدٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِيحُ بِذَلِكَ) أَيْ يُعْلِنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ (١)، وَهَذَا مَوْصُولٌ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ وَمُنْقَطِعٌ بَيْنَ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي الْأَطْرَافِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، زَادَ مَعْمَرٌ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ مَعًا ; وَفِي أُخْرَى عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَلِمَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلُ: هُوَ مَحْفُوظٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْهُمَا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِصَارٍ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، فَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافُ هُوَ السَّبَبُ فِي تَرْكِ إِخْرَاجِ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ. ٤٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ. قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ: أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ:

стр. 4372

فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِيني بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ) كَذَا فِيهِ بِصُورَةِ الْإِرْسَالِ، لَكِنْ فِي آخِرِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَنْ عَائِشَةَ، لِقَوْلِهِ فِي آخِرهِ: قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَابَتْ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَكَانَتْ تَأْتِينِي فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ; وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ. ٤٣٠٥، ٤٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي مُجَاشِعٌ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَخِي بَعْدَ الْفَتْحِ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ قَالَ: ذَهَبَ أَهْلُ الْهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ، فَلَقِيتُ مَعْبَدًا بَعْدُ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمَا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ. ٤٣٠٧، ٤٣٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ: انْطَلَقْتُ بِأَبِي مَعْبَدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ قَالَ: مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ، فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ. وَقَالَ خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُجَاشِعٍ: إنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ مُجَالِدٍ. ٤٣٠٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُهَاجِرَ إِلَى الشَّامِ، قَالَ: لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ، فَانْطَلِقْ فَاعْرِضْ نَفْسَكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ شَيْئًا وَإِلَّا رَجَعْتَ. ٤٣١٠ - وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ. ٤٣١١ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. ٤٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ

стр. 4373

قَالَ: "زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فَسَأَلَهَا عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ كَانَ الْمُؤْمِنُ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الإِسْلَامَ فَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" الْحَدِيثُ السَّابِعُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَمُجَاشِعٌ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ، وَقَوْلُهُ: بِأَخِي هُوَ مَجَالِدٌ بِوَزْنِ أَخِيهِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مَعْبَدٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَالَّذِي هُنَا فَلَقِيتُ مَعْبَدًا كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَالِدٌ) هُوَ الْحَذَّاءُ، وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ جِهَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ بِلَفْظٍ عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: هَذَا مُجَالِدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَايِعْهُ عَلَى الْهِجْرَةِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَحْوَالِ الْهِجْرَةِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْهِجْرَةِ وَفِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّضْرُ) ابْنُ شُمَيْلٍ، وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَلَكِنْ جِهَادٌ، فَانْطَلِقْ فَاعْرِضْ نَفْسَكَ فَإِنْ أَصَبْتَ شَيْئًا وَإِلَّا فَارْجِعْ قَالَ: زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَسَأَلَهَا عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ: لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ كَانَ الْمُؤْمِنُ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، فَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ، تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ أَيْضًا سَنَدًا وَمَتْنًا، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْفَرَادِيسِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ. الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ. ٤٣١٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي قَطُّ إِلَّا سَاعَةً مِنْ الدَّهْرِ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجرهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ وَالْبُيُوتِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ حَلَالٌ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ:، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِ هَذَا أَوْ نَحْوِ هَذَا، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ ابْنُ نَصْرٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) هُوَ النَّبِيلُ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَمَا هُنَا. قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ فِي الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الْكَرِيمِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ

стр. 4374

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ. قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيِ: الْخُطْبَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَقَدْ وَصَلَهَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: أنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ٥٤ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ - إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ - ثُمَّ قَالَ إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: بَابُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ - إِلَى - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَحُنَيْنٌ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّرٌ وَادٍ إِلَى جَنْبِ ذِي الْمَجَازِ قَرِيبٌ مِنَ الطَّائِفِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ مِيلًا مِنْ جِهَةِ عَرَفَاتٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: سُمِّيَ بِاسْمِ حُنَيْنِ بْنِ قَابِثَةَ بْنِ مَهْلَائِيلَ. قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ لِسِتٍّ خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ، وَقِيلَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَمَضَانَ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْخُرُوجِ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ وَسَارَ سَادِسَ شَوَّالٍ ; وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا فِي عَاشِرِهِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّضْرِيَّ جَمَعَ الْقَبَائِلَ مِنْ هَوَازِنَ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّقَفِيُّونَ، وَقَصَدُوا مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَّغَ ذَلِكَ الحزامي النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ: حَدَّثَنَا الْخزَامِيُّ يَعْنِي: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ قِصَّةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ لَهُ وَقْتَهَا، فَأَقَامَ عَامَئِذٍ بِمَكَّةَ نِصْفَ شَهْرٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ أَنَّ هَوَازِنَ وَثَقِيفًا قَدْ نَزَلُوا حُنَيْنًا يُرِيدُونَ قِتَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا قَدْ جَمَعُوا إِلَيْهِ وَرَئِيسُهُمْ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعد ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ أَحَادِيثِ الْبَابِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: ٤٣١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: رَأَيْتُ بِيَدِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ضَرْبَةً قَالَ: ضُرِبْتُهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: شَهِدْتَ حُنَيْنًا؟ قَالَ: قيلَ ذَلِكَ ٤٣١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ، وَلَكِنْ

стр. 4375

عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ٤٣١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قِيلَ لِلْبَرَاءِ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا، كَانُوا رُمَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ٤٣١٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ "وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ لَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتُقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِزِمَامِهَا وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِب". قَالَ إِسْرَائِيلُ وَزُهَيْرٌ "نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَغْلَتِه". الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَكَذَا هُوَ مَنْسُوبٌ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ. قَوْلُهُ: (ضَرْبَةً) زَادَ أَحْمَدُ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ضَرْبَةً عَلَى سَاعِدِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ. قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ حُنَيْنًا قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ قَالَ: نَعَمْ وَقَبْلَ ذَلِكَ وَمُرَادُهُ بِمَا قَبْلَ ذَلِكَ حُنَيْنٍ مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْحُدَيْبِيَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ مَنْ صَنَّفَ فِي الرِّجَالِ، وَوَقَفْتُ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ أَنَّهُ شَهِدَ الْخَنْدَقَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ. قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ مِنْ قَيْسٍ. قَوْلُهُ: (يَا أَبَا عُمَارَةَ) هِيَ كُنْيَةُ الْبَرَاءِ. قَوْلُهُ: (أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَتَوَلَّيْتَ أَيِ انْهَزَمْتَ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَفِي الثَّالِثَةِ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى. قَوْلُهُ: (أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ) تَضَمَّنَ جَوَابُ الْبَرَاءِ إِثْبَاتَ الْفِرَارِ لَهُمْ، لَكِنْ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْمِيمِ، وَأَرَادَ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّائِلِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ حَتَّى النَّبِيِّ ﷺ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِحَمْلِ الْمَعِيَّةِ عَلَى مَا قَبْلَ الْهَزِيمَةِ فَبَادَرَ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ ثُمَّ أَوْضَحَ ذَلِكَ، وَخَتَمَ حَدِيثَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ مِنْهُ ﷺ . قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْأَدَبِ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ الْبَرَاءُ: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ جَرَى كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَوْضَحَ أَنَّ فِرَارَ مَنْ فَرَّ لَمْ يَكُنْ عَلَى نِيَّةِ الِاسْتِمْرَارِ فِي الْفِرَارِ، وَإِنَّمَا انْكَشَفُوا مِنْ وَقْعِ السِّهَامِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَفِرُّوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبَرَاءَ فَهِمَ مِنَ السَّائِلِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ وَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا فَلِذَلِكَ حَلَفَ: النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُوَلِّ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُنْهَزِمًا حَالٌ مِنْ سَلَمَةَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي

стр. 4376

طَرِيقِ أُخْرَى وَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَى ابْنُ الْأَكْوَعِ فَزَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ أَخَذَ التَّعْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ) فَأَمَّا سَرَعَانُ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ، وَيَجُوزُ سُكُونُ الرَّاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَالرَّشْقُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ رَمْيُ السِّهَامِ، وَأَمَّا هَوَازِنُ فَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ فِيهَا عِدَّةُ بُطُونٍ يُنْسَبُونَ إِلَى هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ ابْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَالْعُذْرُ لِمَنِ انْهَزَمَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَلَّفَةِ أَنَّ الْعَدُوَّ كَانُوا ضِعْفَهُمْ فِي الْعَدَدِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ السَّبَبَ فِي الْإِسْرَاعِ الْمَذْكُورِ قَالَ: كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، قَالَ: وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ انْهَزَمُوا قَالَ: فَأَكْبَبْنَا وَفِي رِوَايَتِهِ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْحَرْبِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ تَكْمِلَةُ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ قَالَ: خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ جَمْعُ هَوَازِنَ وَبَنِي نَضْرٍ مَا يَكَادُونَ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ نَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ. ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَرَمَوْهُمْ بِرَشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلُ جَرَادٍ فَانْكَشَفُوا وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ فِي سَبَبِ انْكِشَافِهِمْ أَمْرًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ سَبَقَ بِهِمْ إِلَى حُنَيْنٍ فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِقِ الْوَادِي، وَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى انْحَطَّ بِهِمُ الْوَادِي فِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ، فَثَارَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْخَيْلُ فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ، وَانْكَفَأَ النَّاسُ مُنْهَزِمِينَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ السُّمَيْطِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، قَالَ: فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ؛ صُفَّ الْخَيْلُ، ثُمَّ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ الْغَنَمُ ثُمَّ النِّعَمُ. قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلُوذُ خَلْفَ ظُهُورِنَا فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ وَمَنْ تَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ، قَالَ: فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ الْحَدِيثَ. وَيَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَقِيَ وَحْدَهُ مُتَقَدِّمًا مُقْبِلًا عَلَى الْعَدُوِّ، وَالَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ كَانُوا وَرَاءَهُ، أَوِ الْوَحْدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ كَانُوا يَخْدُمُونَهُ فِي إِمْسَاكِ الْبَغْلَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلُ تَفْصِيلُ الْمِائَةِ: بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْبَقِيَّةُ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنَ النِّسَاءِ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَارِثَةَ. قَوْلُهُ: (وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَخَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَكَانَ فِيمَنْ ثَبَتَ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: لَمَّا فَرَّ النَّاسُ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَرَجُلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِالْعِنَانِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ. قَالَ: وَلَيْسَ يُقْبِلُ نَحْوَهُ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّ النَّاسَ

стр. 4377

لِمُوَلِّينَ، وَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ رَجُلٍ وَهَذَا أَكْثَرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ مَنْ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ ; وَثَبَتَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَكُنَّا عَلَى أَقْدَامِنَا، وَلَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ وَهَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونُوا مِائَةً، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَثْبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَأَخُوهُ رَبِيعَةُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَخُوهُ مِنْ أُمِّهِ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُرْسَلِ الْحَاكِمِ فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ، وَوَقَعَ فِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتُوا كَانُوا عَشَرَةً فَقَطْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً … وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا وَعَاشِرُنَا وَافَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ … لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّهِ لَا يَتَوَجَّعُ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الثَّبْتُ، وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُون عَجِلَ فِي الرُّجُوعِ فَعَدَّ فِيمَنْ لَمْ يَنْهَزِمْ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَعُتْبَةُ، وَمُعَتِّبٌ ابْنا أَبِي لَهَبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَقِيلُ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَشَيْبَةُ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا اسْتَدْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ: قَاتِلِ الْكُفَّارَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى انْهَزَمُوا. قَالَ الطَّبَرانيُّ: الِانْهِزَامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدِ وَأَمَّا الِاسْتِطْرَادُ لِلْكَثْرَةِ فَهُوَ كَالتَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ. قَوْلُهُ: (آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَأَقْبَلُوا أَيِ الْمُشْرِكُونَ هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي رُكُوبِهِ ﷺ الْبَغْلَةُ يَوْمَئِذٍ دَلَالَةٌ عَلَى النِّهَايَةِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ. وَقَوْلُهُ: فَنَزَلَ أَيْ عَنِ الْبَغْلَةِ فَاسْتَنْصَرَ أَيْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ. وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ عِنْدَ مُسْلِمٍ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُهُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمْ نُفَارِقْهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ آخِذًا أَوَّلًا بِزِمَامِهَا فَلَمَّا رَكَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِهَةِ الْمُشْرِكِينَ خَشِيَ الْعَبَّاسُ فَأَخَذَ بِلِجَامِ الْبَغْلَةِ يَكُفُّهَا، وَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ بِالرِّكَابِ وَتَرَكَ اللِّجَامِ لِلْعَبَّاسِ إِجْلَالًا لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَمَّهُ. قَوْلُهُ: (بَغْلَتِهِ) هَذِهِ الْبَغْلَةُ هِيَ الْبَيْضَاءُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وَكَانَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ وَكَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ السِّيرَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ دُلْدُلَ، وَفِيهِ لِأَنَّ دُلْدُلَ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ ; وَقَدْ ذَكَرَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ عِنْدَ الدِّمْيَاطِيِّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ لَهُ: كُنْتُ تَبِعْتُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ وَكُنْتُ حِينَئِذٍ سِيرِيًّا مَحْضًا، وَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَذْكُرَ الْخِلَافَ. قَالَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ رَكِبَ كُلًّا مِنَ الْبَغْلَتَيْنِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ صَحِبَتْهُ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَدَلَّ قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ الرُّجُوعَ عَنْ كَثِيرٍ

стр. 4378

مِمَّا وَافَقَ فِيهِ أَهْلَ السِّيَرِ وَخَالَفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَضَلَّعَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلِخُرُوجِ نُسَخٌ مِنْ كِتَابِهِ وَانْتِشَارِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَغْيِيرِهِ. وَقَدْ أَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَفِي أُخْرَى الشَّهْبَاءِ وَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَا نَعْرِفُ لَهُ بَغْلَةً غَيْرَهَا. وَتَعَقَّبَ بِدُلْدُلَ فَقَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، لَكِنْ قِيلَ إِنَّ الِاسْمَيْنِ لِوَاحِدَةٍ. قَوْلُهُ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: لَا كَذِبْ لِيُخْرِجَهُ عَنِ الْوَزْنِ، وَقَدْ أُجِيبُ عَنْ مَقَالَتِهِ ﷺ هَذَا الرَّجَزِ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ نَظْمُ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ: أَنْتَ النَّبِيُّ لَا كَذَبْ أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ. ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا رَجَزٌ وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ شِعْرًا حَتَّى يَتِمَّ قِطْعَةً، وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ وَلَا تُسَمَّى شِعْرًا. رَابِعُهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَوْزُونًا وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرُ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَجْوِبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ، وَيَأْتِي تَامًّا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ. وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَأَنَّما لِشُهْرَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَيْنَ النَّاسِ لِمَا رُزِقَ مِنْ نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَطُولِ الْعُمْرِ، بِخِلَافِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَاتَ شَابًّا، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَمَا قَالَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ لَمَّا قَدِمَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَجُلٌ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَيَهْدِي اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى يَدَيْهِ وَيَكُونُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، فَانْتَسَبَ إِلَيْهِ لِيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ، وَقَدِ اشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزْنٍ قَدِيمًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ آمِنَةَ وَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ تَنْبِيهَ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ لِتَقْوَى قُلُوبِهِمْ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ ثَابِتٌ غَيْرَ مُنْهَزِمٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا كَذِبْ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صِفَةَ النُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ مَعَهَا الْكَذِبُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا النَّبِيُّ، وَالنَّبِيُّ لَا يَكْذِبُ، فَلَسْتُ بِكَاذِبٍ فِيمَا أَقُولُ حَتَّى أَنْهَزِمَ، وَأَنَا مُتَيَقِّنٌ بِأَنَّ الَّذِي وَعَدَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيَّ الْفِرَارُ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا كَذِبْ أَيْ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا لَا كَذِبَ فِي ذَلِكَ. (تَنْبِيهَانِ): أَحَدهُمَا: سَاقَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ عَالِيًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ جِدًّا. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ مُطَوَّلًا بِنُزُولِ دَرَجَةٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ مُطَوَّلًا، فَكَأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَهُ بِهِ مُخْتَصَرًا. (الثَّانِي) اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ إِلَّا رِوَايَةُ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَزَادَ فِي آخِرِهَا ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِيهِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَئِذٍ صَارَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ إِلَى جِهَةِ الْكُفَّارِ وَزَادَ فَقَالَ: أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ صَيِّتًا، قَالَ: فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ، قَالَ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عِطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عِطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ. قَالَ فَاقْتَتَلُوا وَالْكَفَّارَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ. ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ: انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا وَلِابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوُهُ، وَزَادَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَعْطِفُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَقْدِرُ، فَيَقْذِفُ دِرْعَهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِسَيْفِهِ وَدَرَقَتِهِ ثُمَّ يَؤُمُّ الصَّوْتَ. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (قَالَ إِسْرَائِيلُ، وَزُهَيْرٌ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ) أَيْ إِنَّ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فَقَالَا فِي آخِرِهِ:
следующие страницы →