Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4619–4658 · переход к 4624.
стр. 4619
يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حين أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.
٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ - وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ - فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أَيْ: فَتَعَمَّدُوا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أَيْ: وَلَا عَامِدِينَ، وَيُقَالُ: أَمَّمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَيَمَّمْتُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ … يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا
(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ مُضَافًا كَقَوْلِهِ: مُحِلِّي الصَّيْدِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ وَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ) أَمَّا قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَكِنِ اللَّهَ يَعْفُو وَيَكُنِّي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أَيْ: تَنْكِحُوهُنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قَالَ: الدُّخُولُ النِّكَاحُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قَالَ: الْإِفْضَاءُ الْجِمَاعُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُلَامَسَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْإِفْضَاءُ وَالرَّفَثُ وَالْغَشَيَانُ وَالْجِمَاعُ كُلُّهُ النِّكَاحُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا شَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. لَكِنْ قَالَ: التَّغَشِّي بَدَلَ الْغَشَيَانِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَرَادَ بِالتَّغَشِّي، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي النِّكَاحِ.
وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ
стр. 4620
بِالْبَابِ قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ؛ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ، وَالْأَعْمَشِ، وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَخَالَفَهُمْ عَاصِمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ فَوَافَقَ أَهْلَ الْحِجَازِ فَقَرَءُوا: (أَوْ لَامَسْتُمْ) بِالْأَلِفِ وَوَافَقَهُمْ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ.
ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ﷺ ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ﷺ صَلَّى أَوَّلَ مَا نَزَلَ ثُمَّ نَامَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ هَجَعَ فَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَنَامُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ نَامَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾
٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ ح.
وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقٍ أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ فَاذْهَبْ إِلَخْ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أَخُوهُ هَارُونُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ كُلِّهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ) هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَحَمْدَانُ لَقَبُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِهِ، وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ إِلَخْ) يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ صُورَةَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، بِخِلَافِ سِيَاقِ الْأَشْجَعِيِّ، لَكِنِ اسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّفُ لِرِوَايَةِ الْأَشْجَعِيِّ الْمَوْصُولَةِ بِرِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلُ. وَطَرِيقُ وَكِيعٍ هَذِهِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ إِلَخْ مُقَدَّمًا فِي الْبَابِ عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، مُؤَخَّرًا عِنْدَ الْبَاقِينَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.
٥ - بَاب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية، الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ
٤٦١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا، فَقَالُوا، وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ؟ - أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ - قُلْتُ: مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا
стр. 4621
بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . فَقَالَ عَنْبَسَةُ:، حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا، قُلْتُ: إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ، فَقَالُوا: قَدْ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ لترعى، فَاخْرُجُوا فِيهَا، فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَخَرَجُوا فِيهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، وَاسْتَصَحُّوا، وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ. فَمَا يُسْتَبْطَأُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ قَتَلُوا النَّفْسَ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ: تَتَّهِمُنِي؟ قَالَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ. قَالَ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا، إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أُبْقِيَ هَذَا فِيكُمْ ومِثْلُ هَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَهَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمَا، وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ هُنَا بِالَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَرِ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي سَلْمَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالسُّكُونِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّصْغِيرِ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ رِوَايَةَ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُهُ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمَةِ: اخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: لَنَا تَجَوُّزًا سَوَّغَهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَتْ لَهُ نَعَمٌ تَرْعَى مَعَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَفِي سِيَاقِ بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْأَخِيرَ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا وَكَأَنَّ نَعَمَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يُرِيدُ إِرْسَالَهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَخَرَجُوا صُحْبَةَ النَّعَمِ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا) أَيِ: الْقَسَامَةَ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: وَاسْتَصَحُّوا بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ، أَيْ: حَصَلَتْ لَهُمُ الصِّحَّةُ، وَقَوْلُهُ: وَاطَّرَدُوا بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَخْرَجُوهَا طَرْدًا، أَيْ: سَوْقًا، وَقَوْلُهُ: فَمَا يُسْتَبْطَأُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْبُطْءِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالْقَافِ بَدَلَ الطَّاءِ، وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا أَيْ: بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا فِي الدِّيَاتِ: يَا أَهْلَ الشَّامِ.
قَوْلُهُ: (مَا أُبْقِيَ مِثْلُ هَذَا فِيكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ أَبْقَى، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا أَبْقَى اللَّهُ مِثْلَ هَذَا فَأَبْرَزَ الْفَاعِلَ.
٦ - بَاب ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾
٤٦١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ - وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ - عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -: لَا وَاللَّهِ، لَا تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ، الْقِصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.
стр. 4622
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ.
وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ أَيْ: بِالتَّشْدِيدِ، عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدِّيَاتِ.
(تَنْبِيهٌ): الْفَزَارِيُّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاقَ.
٧ - بَاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ؛ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ مَعَ كَمَالِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨ - بَاب ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾
٤٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ.
[الحديث ٤٦١٣ - طرفه في: ٦٦٦٣]
٤٦١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْر"
[الحديث ٤٦١٦ - طرفه في: ٦٦٣١]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ سَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَفَسَّرَتْ عَائِشَةُ لَغْوَ الْيَمِينِ بِمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْمُكَلَّفِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَلِفُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقِيلَ: فِي الْغَضَبِ، وَقِيلَ: فِي الْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ، سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهَا: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا قَالَهَا لَغْوٌ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ الْكَلِمَتَيْنِ مَعًا فَالْأُولَى لَغْوٌ وَالثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ مَقْصُودَةٌ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ، وَلَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْبَاقِينَ إِلَّا النَّسَفِيَّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ فَلَمْ يَنْسُبْهُ، وَعَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا يُقَالُ لَهُ: اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا قَافٌ خَفِيفَةٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يَقَعْ لَهُ عِنْدَهُ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الشُّفْعَةِ، وَيَأْتِي آخَرُ فِي الدَّعَوَاتِ.
стр. 4623
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: صَدُوقٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُوهُ هُوَ ابْنُ الْخِمْسِ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ) وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لَمْ يَحْنَثْ إِلَخْ، وَالْمَحْفُوظُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ، وَتَعَقَّبَهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي تَفْسِيرِ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِيَ فِي تَفْسِيرِ عَقْدِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى يَمِينًا أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ، وَفِي الثَّانِي بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي أَوَّلِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ) أَيْ: فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
٩ - بَاب لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
٤٦١٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
[الحديث ٤٦١٥ - طرفه في: ٥٠٧١، ٥٠٧٥]
قوله: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) سَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مُحَسَّنًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَكَلْتُ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ انْتَشَرْتُ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسٍ قَالُوا: نَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٠ - بَاب ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَزْلَامُ: الْقِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ، وَالنُّصُبُ: أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: الزَّلَمُ: الْقِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ، وَهُوَ وَاحِدُ الْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ: أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ؛ فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى، وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ، وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدَاحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا، وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ، وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ.
٤٦١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا
стр. 4624
شَرَابُ الْعِنَبِ.
[الحديث ٤٦١٦ - طرفيه في: ٥٥٧٩]
٤٦١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ وَهَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَرُ فَقَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ قَالُوا أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ يَا أَنَسُ قَالَ فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُل"
٤٦١٨ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ صَبَّحَ أُنَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا"
٤٦١٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا عِيسَى وَابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْل"
[الحديث ٤٦١٩ - أطرافه في: ٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٦، ٧٣٣٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ - سَاقَ إِلَى - ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وَسَقَطَ: بَابُ قَوْلِهِ: لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ فِي سِيَاقِ مَا قَبْلَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَزْلَامُ: الْقِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُورِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ قَوْلُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا تَتَبَّعَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ قَالَ: اسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ هَلْ أَضَرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمِدُونَ إِلَى ثَلَاثَةِ سِهَامٍ عَلَى أَحَدِهَا مَكْتُوبٌ: افْعَلْ وَعَلَى الثَّانِي: لَا تَفْعَلْ، وَالثَّالِثُ غُفْلٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ عَلَى الْوَاحِدِ: أَمَرَنِي رَبِّي وَعَلَى الثَّانِي: نَهَانِي رَبِّي وَعَلَى الثَّالِثِ غُفْلٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمُ الْأَمْرَ أَخْرَجَ وَاحِدًا فَإِنْ طَلَعَ الْآمِرُ؛ فَعَلَ، أَوِ النَّاهِي؛ تَرَكَ، أَوِ الْغُفْلُ؛ أَعَادَ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ أَعْظَمَ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ كَانَ هُبَلَ، وَكَانَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتِ الْأَزْلَامُ عِنْدَهُ، يَتَحَاكَمُونَ عِنْدَهُ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، فَمَا خَرَجَ مِنْهَا رَجَعُوا إِلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ آحَادُهُمْ يَسْتَعْمِلُونَهَا مُنْفَرِدِينَ كَمَا فِي قِصَّةِ سُرَاقَةَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْأَزْلَامُ حَصًى بِيضٌ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: حِجَارَةٌ مكْتُوبٌ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا لِكُلِّ سَفَرٍ وَغَزْوٍ وَتِجَارَةٍ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ. وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ النَّقْلِ أَنَّ الْأَزْلَامَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ: أَحَدُهَا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَثَانِيهَا لِلْأَحْكَامِ، وَهِيَ الَّتِي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ عِنْدَ كُلِّ كَاهِنٍ وَحَاكِمٍ لِلْعَرَبِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ سَبْعَةً مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: فَوَاحِدٌ عَلَيْهِ مِنْكُمْ وَآخَرُ مُلْصَقٌ وَآخَرُ فِيهِ الْعُقُولُ وَالدِّيَاتُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا، وَثَالِثُهَا قِدَاحُ الْمَيْسِرِ وَهِيَ عَشَرَةٌ: سَبْعَةٌ مُخَطَّطَةٌ وَثَلَاثَةٌ غُفْلٌ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا مُقَامَرَةً، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا يُتَقَامَرُ بِهِ كَالنَّرْدِ وَالْكِعَابِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالنُّصُبُ: أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النُّصُبُ وَاحِدُ
стр. 4625
الْأَنْصَابِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ حِجَارَةٌ كَانُوا يَنْصِبُونَهَا وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا فَيَنْصَبُّ عَلَيْهَا دِمَاءُ الذَّبَائِحِ. وَالْأَنْصَابُ أَيْضًا جَمْعُ نَصْبٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ سُكُونٍ، وَهِيَ الْأَصْنَامُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الزَّلَمُ: الْقِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ وَهُوَ وَاحِدُ الْأَزْلَامِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَاحِدُ الْأَزْلَامِ: زَلَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَزُلَمٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ لُغَتَانِ، وَهُوَ الْقِدْحُ أَيْ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِقْسَامُ أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى، وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْتِقْسَامُ مِنْ قَسَمْتُ أَمْرِي، بِأَنْ أُجِيلَ الْقِدَاحَ؛ لِتَقْسِمَ لِي أَمْرِي؛ أَأُسَافِرُ أَمْ أُقِيمُ، وَأَغْزُو أَمْ لَا أَغْزُو، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَتَكُونُ هِيَ الَّتِي تَأْمُرُنِي وَتَنْهَانِي، وَلِكُلِّ ذَلِكَ قِدْحٌ مَعْرُوفٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَحْسَبُنِي الْقَسُومَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِقْسَامَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْقِسْمِ بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيِ: اسْتِدْعَاءُ ظُهُورِ الْقِسْمِ، كَمَا أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ طَلَبُ وُقُوعِ السَّقْيِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَزْلَامُ سِهَامٌ كَانَتْ فِي الْكَعْبَةِ يَقْسِمُونَ بِهَا فِي أُمُورِهِمْ.
قَوْلُهُ: (يُجِيلُ يُدِيرُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَهُوَ شَرْحٌ لِقَوْلِهِ: يُجِيلُ الْقِدْحَ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدْحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا) بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ، وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ هُوَ اسْتَفْعَلْتُ مِنْ قَسَمْتُ أَمْرِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ) يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَخْتَصُّ بِمَاءِ الْعِنَبِ.
ثم أيد ذلك بقول أنس: ما كان لنا خمر غير فضيخكم.
ثم ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي الَّذِينَ صَبَّحُوا الْخَمْرَ ثُمَّ قُتِلُوا بِأُحُدٍ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
ثم ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ أَنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْعِنَبَ، وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَسَنَذْكُرُ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ مَعَ شَرْحِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أُهْرِيقَتْ أَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: الصَّوَابُ: هُرِيقَتْ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ مَا أَنْكَرَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَانَا فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ حَتَّى سَكِرْنَا، فَتَفَاخَرْنَا، إِلَى أَنْ قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾
١١ - بَاب ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
٤٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: إِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتْ الْفَضِيخُ. وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ الْبِيكَنْدِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾
стр. 4626
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي هُرِيقَتِ الْفَضِيخُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْأَشْرِبَةِ. وَقَوْلُهُ: وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ الْبِيكَنْدِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ كَذَا ثَبَتَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ: الْبِيكَنْدِيُّ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْبِيكَنْدِيَّ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِمَا أَبِي النُّعْمَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فَزَادَهُ فِيهِ زِيَادَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي النُّعْمَانِ مُخْتَصَرًا، وَمِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ الْبِيكَنْدِيِّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ مُطَوَّلًا، وَتَصَرَّفَ الزَّرَكْشِيُّ فِيهِ غَافِلًا عَنْ زِيَادَةِ أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: الْقَائِلُ وَزَادَنِي هُوَ الْفَرَبْرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ﵀، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَدَّمْتُهُ.
قَوْلُهُ: فَنَزَلَتْ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَأَمَرَ مُنَادِيًا الْآمِرُ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَالْمُنَادِي لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِاسْمِهِ، وَالْوَقْتُ الَّذِي وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِ زَعَمَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّهُ عَقِبَ قَوْلِ حَمْزَةَ: إِنَّمَا أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِأَبِي، وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ - أَوْ دَوْسٍ - فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ، فَقَالَ: بِعْهَا. فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي وَعْلَةَ نَحْوَهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ الْوَقْتِ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ كَيْسَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ، وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ جَيِّدٍ، فَقَالَ: يَا كَيْسَانُ إِنَّهَا حُرِّمَتْ بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَبِيعُهَا؟ قَالَ: إِنَّهَا حُرِّمَتْ وَحُرِّمَ ثَمَنُهَا، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ عَامٍ روايَةَ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَةٍ فَقَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ قَالَ: أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فَنَهَاهُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ كَيْسَانَ تَسْمِيَةُ الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ تَأْيِيدُ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ إِسْلَامَ تَمِيمٍ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَقَوْلُهُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى، إِلَخْ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْقَائِلِ.
(فَائِدَةٌ):
فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ ابْنِ نَاجِيَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ حَمَّادٌ: فَلَا أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ - أَيْ عَنْ أَنَسٍ - أَوْ قَالَهُ ثَابِتٌ أَيْ مُرْسَلًا، يَعْنِي قَوْلَهُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ نَحْوُ هَذَا. وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَظَالِمِ عَنْ أَنَسٍ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بِطُولِهِ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فِي نَاسٍ شَرِبُوا، فَلَمَّا ثَمِلُوا عَبَثُوا، فَلَمَّا صَحَوْا جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَرَى الْأَثَرَ بِوَجْهِ الْآخَرِ فَنَزَلَتْ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتكَلَّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ وَقَدْ قُتِلَ بِأُحُدٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ كَانُوا مِنَ الْيَهُودِ، وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ: فَاجْتَنِبُوهُ - إِلَى قَوْلِهِ - مُنْتَهُونَ، فَقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا وَصَحَّحَهُ عَلِيٌّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ دُونَ قِصَّةِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ النَّاسُ: مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا، فَكَانُوا
стр. 4627
يَشْرَبُونَ، حَتَّى أَمَّ رَجُلٌ أَصْحَابَهُ فِي الْمَغْرِبِ فَخَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ، فَكَانُوا يَشْرَبُونَ وَلَا يَقْرَبُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُفِيقَ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ وَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الْآيَةَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمُوهُ، وَفِي مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى قِيلَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: دَعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْتَفِعْ بِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: لَا، إِنَّا لَا نَشْرَبُهَا قُرْبَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي النَّسْخِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا أَرَاقُوهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ):
فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ فَقَالُوا: أَرِقْ يَا أَنَسُ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْمُنَادِيَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ يَا أَنَسُ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ شَافَهَهُمْ، وَالثَّانِيَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي نَقَلَ لَهُمْ ذَلِكَ غَيْرُ أَنَسٍ، فَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، لِأَنَّ الْآتِيَ أَخْبَرَ أَنَسًا، وَأَنَسٌ أَخْبَرَ الْقَوْمَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ نَصَّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْآتِيَ أَخْبَرَ الْقَوْمَ مُشَافَهَةً بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُنَادِيَ غَيْرُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ، أَوْ أَنَّ أَنَسًا لَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَنِ الْمُنَادِي جَاءَ الْمُنَادِي أَيْضًا فِي أَثَرِهِ فَشَافَهَهُمْ.
١٢ - بَاب: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
٤٦٢١ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حنِينٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أبوك فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ.
٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الآيَةِ كُلِّهَا"
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا النَّهْيِ مَنْ كَرِهَ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنَ الْغَافِلِينَ مَنْعَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ، وَمَسَائِلُ النَّوَازِلِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّهُ أَسَاءَ فِي قَوْلِهِ الْغَافِلِينَ عَلَى
стр. 4628
عَادَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ، ولَيْسَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ عَلْيَاءَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الْجَارُودِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، وَأَبُوهُ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا رَأَيْتُ عَنْهُ رَاوِيًا إِلَّا وَلَدَهُ، وَحَدِيثُهُ هَذَا فِي الْمُتَابَعَاتِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ.
(تَنْبِيهٌ):
وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي عَلِيِّ الْغَسَّانِيِّ فِيمَا حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ عَنْ مُنْذِرٍ هَذَا وَأَنَّ مُحَمَّدًا الْمَذْكُورَ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عِنْدَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَالْقَائِلُ ذَلِكَ الرَّاوِي عَنْهُ وَظَنُّوهُ شَيْخًا لِلْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ فِي الِاعْتِصَامِ أَخْبَرَنِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ.
قَوْلُهُ: (خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ فِي أَوَّلِهِ زِيَادَةٌ يَظْهَرُ مِنْهَا سَبَبُ الْخُطْبَةِ وَلَفْظُهُ: بَلَغَ النبي ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، قَالَ فَغَطَّى) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَهُمْ حَنِينٌ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْأَوَّلُ الصَّوْتُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ مِنَ الصَّدْرِ، وَالثَّانِي مِنَ الْأَنْفِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَنِينُ بُكَاءٌ دُونَ الِانْتِحَابِ، وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْحَنِينَ وَالْخَنِينَ وَاحِدًا إِلَّا أَنَّ الْحَنِينَ مِنَ الصَّدْرِ أَيِ الْمُهْمَلَةَ وَالْخَنِينَ مِنَ الْأَنْفِ بِالْمُعْجَمَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ (١).
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ) تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعَسْكَرِيِّ نَزَلَتْ فِي قَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَكُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا زِيَادَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَأَحدث بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الِاعْتِصَامِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) هَكَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَعَ أَنَّهُ أَشْبَعُ سِيَاقًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَوَاقِيتِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَوَقَعَ فِي الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ مُطَوَّلًا قَالَ فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ ثَوْبَهُ بِرَأْسِهِ يَبْكِي، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَقَوْلُ عُمَرَ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَضْبَانَ، مُحْمَارٌّ وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: حُذَافَةُ. فَقَامَ عُمَرُ - فَذَكَرَ كَلَامَهُ وَزَادَ فِيهِ - وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِحَدِيثِ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ стр. 4629
الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ.
ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا﴾ فَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَلَعَلَّ مُرَاجَعَتَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ هِيَ سَبَبُ غَضَبِهِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَ حَدِيثِ عَلَيٍّ هَذَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَمِنْ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْبَابِ عَقِبَ هَذَا وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ سَبَبَ نُزُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا قَوْلَانِ آخَرَانِ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشْيَاءِ الْبَحِيرَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْحَامُ. قَالَ: فَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْآيَاتِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ نَحْوُ سُؤَالِ قُرَيْشٍ أَنْ يَجْعَلَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، وَسُؤَالِ الْيَهُودِ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الَّذِينَ سَأَلُوا عَنِ الْبَحِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ مِقْسَمٍ فِيمَا سَأَلَ الْأُمَمُ أَنْبِيَاءَهَا عَنِ الْآيَاتِ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ قَالَ نُهُوا أَنْ يَسْأَلُوا مِثْلَ مَا سَأَلَ النَّصَارَى مِنَ الْمَائِدَةِ فَأَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ وَقَدْ رَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِوُقُوعِ قِصَّةِ الْمَائِدَةِ فِي السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَبْعَدَ نُزُولَهَا فِي قِصَّةِ مَنْ سَأَلَ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنِ الْحَجِّ كُلَّ عَامٍ، وَهُوَ إِغْفَالٌ مِنْهُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْمُنِيرِ نُزُولَهَا فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ عَمَّا كَانَ وَعَمَّا لَمْ يَكُنْ، وَاسْتَنَدَ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَعَدَّدَ الْأَسْبَابُ، وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَفِي الْحَدِيثِ إِيثَارُ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَرَاهَةُ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهَةُ التَّنْقِيبِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَتَكَلُّفُ الْأَجْوِبَةِ لِمَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ التَّمَرُّنَ عَلَى التَّفَقُّهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ النَّضْرُ) هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ شُعْبَةَ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ، وَرِوَايَةُ النَّضْرِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَرِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) هُوَ الْبَغْدَادِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَشَيْءٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةِ، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ هُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ اسْمُهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ ابْنُ خُفَافٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، ثِقَةٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ لَهُ ثَالِثٌ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَأَلَهُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً) قَدْ تَقَدَّمَ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ الِامْتِحَانِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَوْ لَمْ يسْأَلْ عَنْهُ لَكَانَ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَفِي أَوَّلِ رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: هَلْ تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَذَكَرَهُ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضَّالَّةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أَكَلَ الضَّالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ.
стр. 4630
١٣ - بَاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ: وَإِذْ، هاهُنَا صِلَةٌ، الْمَائِدَةُ: أَصْلُهَا مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ، وَالْمَعْنَى: مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ، مَادَنِي يَمِيدُنِي، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مُمِيتُكَ.
٤٦٢٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَالْوَصِيلَةُ: النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ بأنثى ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ، وَالْحَامِ: فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ، وقَالَ لِي أَبُو الْيَمَانِ:، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدًا يُخْبِرُهُ بِهَذَا قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ .
٤٦٢٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِب"
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ أَيْ مَا حَرَّمَ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْجَعْلِ لِأَنَّ الْكُلَّ خَلْقُهُ وَتَقْدِيرُهُ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ ابْتِدَاعِهِمْ مَا صَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ، وَإِذْ هَاهُنَا صِلَةٌ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ هُنَا، وَلَيْسَ بِخَاصٍّ بِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ تَرْتِيبِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَهَذَا الْكَلَامُ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قَالَ مَجَازُهُ يَقُولُ اللَّهُ، وَإِذْ مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ، أَيْ وَعَلَّمْتُكَ.
قَوْلُهُ: (الْمَائِدَةُ أَصْلُهَا مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ، وَالْمَعْنَى مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ يُقَالُ مَادَنِي يُمِيدُنِي) قَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ مِنْ مَادَ يَمْتَدُّ إِذَا تَحَرَّكَ، وَقِيلَ مِنْ مَادَ يَمْتَدُّ إِذَا أَطْعَمَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَوْلُهُ: تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ غَيْرُ وَاضِحٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الزَّوْجَ أَبَانَ الْمَرْأَةَ بِهَا، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَهِيَ فَاعِلٌ عَلَى بَابِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مُمِيتُكَ) هَكَذَا ثَبَتَ هَذَا هُنَا، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّهَا مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ فَكَتَبَهَا فِيهَا، أَوْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ
стр. 4631
شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي تَفْسِيرِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وَالِاخْتِلَافَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ.
قَوْلُهُ: (الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ) وَهِيَ الْأَصْنَامُ، فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالْبَحِيرَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَهِيَ الَّتِي بُحِرَتْ أُذُنُهَا أَيْ خرِّمَتْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَعَلَهَا قَوْمٌ مِنَ الشَّاةِ خَاصَّةً إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ بَحَرُوا أُذُنَهَا أَيْ شَقُّوهَا وَتُرِكَتْ فَلَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْبَحِيرَةُ النَّاقَةُ كَذَلِكَ، وَخَلَّوْا عَنْهَا فَلَمْ تُرْكَبْ وَلَمْ يَضْرِبْهَا فَحْلٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَهَكَذَا أَطْلَقَ نَفْيَ الْحَلْبِ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ إِنَّمَا هُوَ الشُّرْبُ الْخَاصُّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانُوا يُحَرِّمُونَ وَبَرَهَا وَلَحْمَهَا وَظَهْرَهَا وَلَبَنَهَا عَلَى النِّسَاءَ وَيُحِلُّونَ ذَلِكَ لِلرِّجَالِ، وَمَا وَلَدَتْ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا، وَإِنْ مَاتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي أَكْلِ لَحْمِهَا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْبَحِيرَةُ مِنَ الْإِبِلِ كَانَتِ النَّاقَةُ إِذَا نُتِجَتْ خَمْسَ بُطُونٍ فَإِنْ كَانَ الْخَامِسُ ذَكَرًا كَانَ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى بُتِكَتْ أُذُنُهَا ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَلَمْ يَجُزُّوا لَهَا وَبَرًا وَلَمْ يَشْرَبُوا لَهَا لَبَنًا وَلَمْ يَرْكَبُوا لَهَا ظَهْرًا، وَإِنْ تَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَنَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ الْبَحِيرَةِ هَيْئَاتٍ أُخْرَى تَزِيدُ بِمَا ذَكَرْتُ عَلَى الْعَشْرِ. وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَالْبَحْرُ شَقُّ الْأُذُنِ، كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَتِ السَّائِبَةُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْعَامِ، وَتَكُونُ مِنَ النُّذُورِ لِلْأَصْنَامِ فَتُسَيَّبُ فَلَا تُحْبَسُ عَنْ مَرْعًى وَلَا عَنْ مَاءٍ وَلَا يَرْكَبُهَا أَحَدٌ، قَالَ: وَقِيلَ السَّائِبَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ، كَانَ الرَّجُلُ يَنْذُرُ إِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ لَيُسَيِّبَنَّ بَعِيرًا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: السَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَ بَعْضَ إِبِلِهِمْ فَلَا تُمْنَعُ حَوْضًا أَنْ تَشْرَبَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ عمْر بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ، إِلَخْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ إِيرَادُ الْقَدْرِ الْمَرْفُوعِ مِنَ الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ الْمَوْقُوفِ، وَسَأُبَيِّنُ مَا فِيهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ بِأُنْثَى، ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْفُوعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بَقِيَّةُ تَفْسِيرِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فَقَطْ، وَتَفْسِيرُ الْبَحِيرَةِ وَسَائِرِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلِ رِوَايَةِ الْبَابِ، إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ إِيرَادِ الْمَرْفُوعِ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ إِلَخْ فَأَوْضَحَ أَنَّ التَّفْسِيرَ جَمِيعُهُ مَوْقُوفٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُفَصَّلًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ وَصَلَتْ) أَيْ مِنْ أَجْلِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَتِ السَّائِبَةُ مَهْمَا وَلَدَتْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهَا إِلَى سِتَّةِ أَوْلَادٍ، فَإِنْ وَلَدَتِ السَّابِعَ أُنْثَيَيْنِ تُرِكَتَا فَلَمْ تُذْبَحَا، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا ذُبِحَ وَأَكَلَهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَكَذَا إِذَا وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ، وَإِنْ أَتَتْ بِتَوْأَمٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى سَمَّوُا الذَّكَرَ وَصِيلَةً فَلَا يُذْبَحُ لِأَجْلِ أُخْتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ لَمْ تَلِدْ مَيِّتًا، فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْبَطْنِ السَّابِعِ مَيِّتًا أَكَلَهُ النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْوَصِيلَةُ: الشَّاةُ كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَةً فَإِنْ كَانَ السَّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ وَأُكِلَ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى تُرِكَتْ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا: وَصَلَتْ أَخَاهَا فَتُرِكَ وَلَمْ يُذْبَحْ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَامِ فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ إِلَخْ) وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَامِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ السَّائِبَةِ. وَقَالَ أَيْضًا: كَانُوا إِذَا ضَرَبَ فَحْلٌ مِنْ وَلَدِ الْبَحِيرَةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ حَامٍ، وَقَالَ أَيْضًا: الْحَامُ مِنْ فُحُولِ الْإِبِلِ خَاصَّةً إِذَا نَتَجُوا مِنْهُ عَشَرَةَ أَبْطُنٍ قَالُوا: قَدْ حَمَى ظَهْرَهُ، فَأحْمَوْا ظَهْرَهُ وَوَبَرَهُ وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمْ يُرْكَبْ وَلَمْ يُطْرَقْ، وَعُرِفَ بِهَذَا بَيَانُ الْعَدَدِ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ. وَقِيلَ الْحَامِ فَحْلُ الْإِبِلِ إِذَا رُكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 4632
حَمَاهَا أَبُو قَابُوسَ فِي غَيْرِ مُلْكِهِ … كَمَا قَدْ حَمَى أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ الْفَحْلَا
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: اخْتُلِفَ فِي السَّائِبَةِ فَقِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِنْ مَالِهِ مَا شَاءَ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى السَّدَنَةِ وَهُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: السَّائِبَةُ النَّاقَةُ إِذَا وَلَدَتْ عَشَرَةَ أَبْطُنٍ كُلُّهُنَّ إِنَاثٌ سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ وَلَمْ يُجَزَّ لَهَا وَبَرٌ وَلَمْ يُشْرَبْ لَهَا لَبَنٌ، وَإِذَا وَلَدَتْ بِنْتُهَا بُحِرَتْ أَيْ شُقَّتْ أُذُنُهَا، فَالْبَحِيرَةُ ابْنَةُ السَّائِبَةِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهَا، وَالْوَصِيلَةُ مِنَ الشَّاةِ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ إِذَا وَلَدَتْ فِي آخِرِهَا ذَكَرًا وَأُنْثَى قِيلَ وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَا تَشْرَبُ النِّسَاءُ لَبَنَ الْأُمِّ وَتَشْرَبُهُ الرِّجَالُ وَجَرَتْ مَجْرَى السَّائِبَةِ إِلَّا فِي هَذَا، وَأَمَّا الْحَامِ فَهُوَ فَحْلُ الْإِبِلِ كَانَ إِذَا لَقَّحَ وَلَدُ وَلَدِهِ قِيلَ حَمَى ظَهْرَهُ فَلَا يُرْكَبُ وَلَا يُجَزُّ لَهُ وَبَرٌ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ مَرْعًى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي أَبُو الْيَمَانِ) عِنْدَ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ بِغَيْرِ مُجَاوَرَةٍ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ سَعِيدًا يُخْبِرُهُ بِهَذَا قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ يُخْبِرُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْخَبَرِ مُتَّصِلٍ بِهَاءِ الضَّمِيرِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: بَحِيرَةٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ الْبَحِيرَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَ عَمْرُو ابْنُ عَامِرٍ حَسْبُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا إِلَخْ، لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ بِاخْتِصَارٍ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّا طَرِيقُ ابْنِ الْهَادِ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ - بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانَتْ تُسَيَّبُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، إِلَى آخِرِ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي الْأَوَائِلِ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طرقٍ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ بِالْمَرْفُوعِ فَقَطْ، وَظَهَرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ حُمَيْدٍ إِدْرَاجًا وَأَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقَوْلُهُ فِي الْمَرْفُوعِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبِ زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَبَحَرَ الْبَحِيرَةِ وَغَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَأَوَّلُ مَنْ بَحَرَ الْبَحَائِرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ جَدَعَ أُذُنَ نَاقَتِهِ وَحَرَّمَ شُرْبَ أَلْبَانِهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ: رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، هَكَذَا وَقَعَ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ، عَنْ زَيْدٍ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، الْحَدِيثَ وَفِيهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ، وَفِيهِ الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَأَوْرَدَهُ فِي أَبْوَابِ الْكُسُوفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ، وَكَذَا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ تَغْيِيرِهِ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَنَصْبُهُ الْأَصْنَامَ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
١٤ - بَاب: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
стр. 4633
٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، وَقَوْلُهُ أُصَيْحَابِي، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّصْغِيرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ عَدَدِ مَنْ وَقَعَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِبَعْضِ جُفَاةِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ.
١٥ - بَاب: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
٤٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ، وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ قَبْلُ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا.
٦ - سُورَةُ الْأَنْعَامِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْذِرَتُهُمْ، ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا يُعْرَشُ مِنْ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿حَمُولَةً﴾ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لَشَبَّهْنَا، ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يَتَبَاعَدُونَ، تُبْسَلُ: تُفْضَحُ، ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُفْضِحُوا، ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الْبَسْطُ الضَّرْبُ، ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا، ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا، ﴿أَكِنَّةً﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ، ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا؟ ﴿مَسْفُوحًا﴾ مُهْرَاقًا، ﴿وَصَدَفَ﴾ أَعْرَضَ، أُبْلِسُوا: أُويِسُوا، أُبْلسوا: أويسوا، ﴿سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا، ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أَضَلَّتْهُ، ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشركونَ، ﴿وَقْرٌ﴾ صَمَمٌ، وَأَمَّا الْوِقْرُ فَهُو الْحِمْلُ، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهْيَ
стр. 4634
التُّرَّهَاتُ، ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ مِنْ الْبَأْسِ، وَيَكُونُ مِنْ الْبُؤْسِ، ﴿جَهْرَةً﴾ مُعَايَنَةً، الصُّوَرُ: جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِهِ سُورَةٌ وَسُوَرٌ، مَلَكُوتٌ ومُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، وَيَقُولُ: تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ، ﴿جَنَّ﴾ أَظْلَمَ، ﴿تَعَالَى﴾ عَلَا، وَإِنْ تَعْدِلْ: تُقْسِطْ، لَا يُقْبَلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ أَيْ حِسَابُهُ، وَيُقَالُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ مُسْتَقِرٌّ: فِي الصُّلْبِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ، الْقِنْوُ: الْعِذْقُ وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا ﴿قِنْوَانٌ﴾ مِثْلُ صِنْوٍ وصِنْوَانٍ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَنْعَامِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْذِرَتُهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ مَقَالَتُهُمْ، قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ مَعْذِرَتُهُمْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قَالَ: مَعْذِرَتُهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَذَا ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ قَالَ: مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكُرُومِ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا لَا يُعَرِّشُ، وَقِيلَ: الْمَعْرُوشُ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ، وَغَيْرُ الْمَعْرُوشِ مَا يُبْسَطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿حَمُولَةً﴾ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ فَأَمَّا الْحَمُولَةُ فَالْإِبِلُ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَرْشُ صِغَارُ الْإِبِلِ الَّتِي لَمْ تُدِرُّ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا. وَقَالَ مَعْمَرُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَالْفَرْشُ حَوَاشِيهَا يَعْنِي صِغَارَهَا. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ غَيْرُ الْحَسَنِ يَقُولُ: الْحَمُولَةُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ، أَحْسِبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْفَرْشُ الصِّغَارُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لَشَبَّهْنَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَشَبَّهْنَا عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أَهْلَ مَكَّةَ) هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ قَالَ: وَمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ مِنَ النَّاس فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يَتَبَاعَدُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: يَتَبَاعَدُونَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أَيْ يَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَتَبَاعَدُ عَمَّا جَاءَ بِهِ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿تُبْسَلَ﴾ تُفْضَحُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ يَعْنِي أَنْ تُفْضَحَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ أَيْ تُسْلَمَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ تُحْبَسُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُفْضِحُوا) كَذَا فِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ: فَضَحَ وَأَفْضَحَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ يَعْنِي فُضِحُوا، وَقَدْ
стр. 4635
مَضَى كَمَا تَرَى لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الْبَسْطُ الضَّرْبُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قَالَ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْبَسْطُ الضَّرْبُ. ﷺ ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فَإِنْ سَقَطَ مِنْ ثَمَرَةِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ، وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ لَقَطُوهُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يُسَمُّونَ لِلَّهِ جُزْءًا مِنَ الْحَرْثِ وَلِشُرَكَائِهِمْ جُزْءًا، فَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِمَّا سَمَّوْا لِلَّهِ إِلَى جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ تَرَكُوهُ وَقَالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا، وَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِنْ جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ إِلَى جُزْءِ اللَّهِ أَخَذُوهُ. وَالْأَنْعَامُ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي الْمَائِدَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَكِنَّةً﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ أَيْ أَغْطِيَةٌ، وَمِثْلُهُ أَعِنَّةٌ وَعِنَانٌ وَأَسِنَّةٌ وَسِنَانٌ.
قَوْلُهُ: ﴿سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ سَرْمَدًا أَيْ دَائِمًا، قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْقَطِعُ فَهُوَ سَرْمَدٌ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ (وَجَاعِل اللَّيْلَ سَكَنًا).
قَوْلُهُ: ﴿وَقْرًا﴾ صَمَمٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أَيِ الثِّقَلَ وَالصَّمَمَ وَإِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ، لَكِنَّهُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قَالَ: يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ وَلَا يَعُونَ مِنْهَا شَيْئًا كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تَسْمَعُ الْقَوْلَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوِقْرُ) أَيْ بِكَسْرِ الْوَاوِ (فَإِنَّهُ الْحِمْلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَ: الْوِقْرُ الْحِمْلُ إِذَا كَسَرْتَهُ. وَأَفَادَ الرَّاغِبُ الْوِقْرُ حِمْلُ الْحِمَارِ، وَالْوَسْقُ حِمْلُ الْجَمَلِ، وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ أَنَّ فِي آذَانِهِمْ شَيْئًا يَسُدُّهَا عَنِ اسْتِمَاعِ الْقَوْلِ ثَقِيلًا كَوِقْرِ الْبَعِيرِ.
قَوْلُهُ: (أَسَاطِيرٌ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهَاتُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَمَجَازُهَا التُّرَّهَاتُ انْتَهَى. وَالتُّرَّهَاتُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَصْلُهَا بِنْيَاتُ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ إِنَّ تَاءَهَا مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَاوٍ وَأَصْلُهَا الْوَرَهُ وَهُوَ الْحُمْقُ.
قَوْلُهُ: (الْبَأْسَاءُ مِنَ الْبَأْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْبُؤْسِ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ هِيَ الْبَأْسُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْبُؤْسُ، انْتَهَى. وَالْبَأْسُ الشِّدَّةُ وَالْبُؤْسُ الْفَقْرُ، وَقِيلَ الْبَأْسُ الْقَتْلُ وَالْبُؤْسُ الضُّرُّ.
قَوْلُهُ: ﴿جَهْرَةً﴾ مُعَايَنَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ أَيْ فَجْأَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، أَوْ جَهْرَةً، أَيْ عَلَانِيَةً وَهُمْ يَنْظُرُونَ.
قَوْلُهُ: (الصُّوَرُ جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِكَ سُورَةٌ وَسُوَرٌ) بِالصَّادِ أَوَّلًا وَبِالسِّينِ ثَانِيًا كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ فَفِيهَا كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَصُوَرٌ بِالصَّادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي سُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يُقَالُ إِنَّهَا جَمْعُ صُورَةٍ يُنْفَخُ فِيهَا رُوحُهَا فَتَحْيَا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ وَاحِدُهَا سُورَةٌ، قَالَ النَّابِغَةُ:
стр. 4636
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً … يُرَى كُلُّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
انْتَهَى.
وَالثَّابِتُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ لَا اسْمَ جَمْعٍ، وَحَكَى الْفِرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ النَّفْخُ فِي الْمَوْتَى، وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْحَسَنَ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَسَبَقَ النُّحَاسُ فَقَالَ: لَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ قِرَاءَةً فِي كِتَابِهِ إِعْرَابِ الشَّوَاذِّ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ) أَيْ حِسَابُهُ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قَالَ: يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ قَالَ: حُسْبَانٌ جَمْعُ حِسَابٍ مِثْلُ شُهْبَانٍ جَمْعُ شِهَابٍ.
قَوْلُهُ: (تَعَالَى: عَلَا) وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ تَعَالَى اللَّهُ عَلَا اللَّهُ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿جَنَّ﴾ أَظْلَمَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أَيْ غَطَّى عَلَيْهِ وَأَظْلَمَ، وَمَا جَنَّكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جِنَانٌ لَكَ أَيْ غِطَاءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فِي الصُّلْبِ ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَقَدْ قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قَالَ: مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الصُّلْبِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مُسْتَقَرٌّ فِي صُلْبِ الْأَبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي رَحِمِ الْأُمِّ، وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا فِي الدُّنْيَا وَمُسْتَوْدَعُهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ: الْمُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ وَالْمُسْتَوْدَعُ الْأَرْضُ.
(تَنْبِيهٌ):
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَرَأَ الْجَمِيعُ (مُسْتَوْدَعٌ) بِفَتْحِ الدَّالِ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَبِكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ: (الْقِنْوُ: الْعِذْقُ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا مِثْلُ صِنْوان وَصِنْوَانٍ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ تَكْرِيرُ صِنْوَانٍ الْأُولَى مَجْرُورَةَ النُّونِ وَالثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَيُوَضِّحُ الْمُرَادَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي هُوَ مَنْقُولٌ مِنْهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ قَالَ: الْقِنْوُ هُوَ الْعِذْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ يَعْنِي الْعُنْقُودَ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمْعُ قِنْوَانٌ كَلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الِاثْنَيْنِ مَجْرُورَةٌ وَنُونُ الْجَمْعِ يَدْخُلُهُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْجَرُّ، وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهُ غَيْرَ صِنْوٍ وَصِنْوَانِ وَالْجَمْعُ صِنْوَانٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى قِنْوَانٍ وَصِنْوَانٍ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيِّ فِي إِرَادَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِذَا وَصَلَ ظَهَرَ الْفَرْقُ، فَيَقَعُ الْإِعْرَابُ عَلَى النُّونِ فِي الْجَمْعِ دُونَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مَكْسُورَةُ النُّونِ خَاصَّةً، وَيَقَعُ الْفَرْقُ أَيْضًا بِانْقِلَابِ الْأَلِفِ فِي التَّثْنِيَةِ حَالَ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ بِخِلَافِهَا فِي الْجَمْعِ، وَكَذَا بِحَذْفِ نُونِ التَّثْنِيَةِ فِي الْإِضَافَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ.
(تَنْبِيهٌ):
قَرَأَ الْجُمْهُورُ (قِنْوَانٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَالْأَعْرَجُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو - بِضَمِّهَا وَهِيَ لُغَةُ قَيْسٍ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو رِوَايَةٌ أَيْضًا بِفَتْحِ الْقَافِ، وَخَرَّجَهَا ابْنُ جِنِّيِّ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ لِقِنْوٍ لَا جَمْعٌ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (مَلَكُوتٌ وَمُلْكٌ رَهَبُوتٌ رَحَمُوتٌ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ تَشْوِيشٌ، وَلِغَيْرِهِ مَلَكُوتٌ مُلْكٌ، مِثْلُ رَهَبُوتٌ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوتٍ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. فَسَّرَ مَعْنَى مَلَكُوتٍ بِمُلْكٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهُ رَهَبُوتٌ وَرَحَمُوتٌ، وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَيْ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ، خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ فِي الْمَثْلِ رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، أَيْ رَهْبَةٌ
стр. 4637
خَيْرٌ مِنْ رَحْمَةٍ، انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَلَكُوتٌ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَقَرَأَ أَبُو السِّمَاكِ بِسُكُونِهَا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ مَلْكُوثَا أَيْ بِسُكُونِ اللَّامِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُعَرَّبَةً وَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مُلْكٍ كما وَرَدَ مِثْلُهُ فِي رَهَبُوتٍ وَجَبَرُوتٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾ تُقْسِطُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ، وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَدْلَ بِالتَّوْبَةِ، قَالَ: لِأَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تَنْفَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أَيْ لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ، فَجَعَلَهُ مِنَ الْعِدْلِ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْمَلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَلِغَيْرِهِ فِي أَوَائِلِ التَّفَاسِيرِ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَهُوَ إِرْدَافُهُ عَلَى تَفَاسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَلِمَ تُحَرِّمُوا وَلِمَ تُحَلِّلُوا بِغَيْرِ نُونٍ فِيهِمَا، وَحَذْفُ النُّونِ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمٍ لُغَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقُولُ أَجَاءَكُمُ التَّحْرِيمُ فِيمَا حَرَّمْتُمْ مِنَ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ مِنْ قِبَلِ الذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنَ الْأُنْثَيَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ الذَّكَرِ لَزِمَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَى فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الرَّحِمِ لَزِمَ تَحْرِيمَ الْجَمِيعِ لِأَنَّ الرَّحِمَ لَا يَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأِ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةً مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، يَعْنِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿مَسْفُوحًا﴾ مِهْرَاقًا) وَقَعَ هَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أَيْ مِهْرَاقًا مَصْبُوبًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سَفَحَ الدَّمْعُ أَيْ سَالَ.
قَوْلُهُ: (صَدَفَ: أَعْرَضَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ، يُقَالُ صَدَفَ عَنِّي بِوَجْهِهِ أَيْ أَعْرَضَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (أُبْلِسُوا: أُويِسُوا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ أَيِسُوا بِغَيْرِ وَاوٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الْمُبْلِسُ الْحَزِينُ النَّادِمُ، قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسٌ أَيِ اكْتِئَابٌ وَحُزْنٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الْمُبْلِسُ الْبَائِسُ الْمُنْقَطِعُ رَجَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ الَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطَاعِ حُجَّتِهِ فَلَا يُجِيبُ: قَدْ أَبْلَسَ، قَالَ الْعَجَّاجُ: يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا دَارِسًا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا
وَتَفْسِيرُ الْمُلبسِ بِالْحَزِينِ بِالْبَائِسِ مُتَقَارِبٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُسْلِمُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ أُسْلِمُوا، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ أَيْ تُرْتَهَنَ وَتُسْلَمَ، قَالَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ
وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ
وَرَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ قَالَ تُحْبَسُ، قَالَ قَتَادَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ تُسْلَمُ أَيْ إِلَى الْهَلَاكِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.
قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أَضَلَّتْهُ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ هُوَ الَّذِي تُشَبِّهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَتْبَعَهَا حَتَّى يَهْوِيَ فِي الْأَرْضِ فَيَضِلُّ.
قَوْلُهُ: ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أَيْ تَشُكُّونَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ
стр. 4638
السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ) أَيْ حِسَابُهُ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، أَعَادَهُ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ.
١ - بَاب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾
٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا، مِثْلُ مِنْجَلٍ وَمَنَاجِلٍ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِي الْآلَةِ، وَالْمَشْهُورُ مِفْتَاحٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَجَمْعُهُ مَفَاتِيحُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ، قَرَأَ ابْنُ السَّمَيْفَعِ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ) وَقِيلَ: بَلْ هُوَ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمَكَانُ. وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ قَالَ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُ الْغَيْبِ، وَجَوَّزَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّهُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَتْحِ، أَيْ وَعِنْدَهُ فُتُوحُ الْغَيْبِ أَيْ يَفْتَحُ الْغَيْبَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ، وَأَنَّ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ ﷺ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مَفَاتِحَ الْغَيْبِ، وَيُطْلَقُ الْمِفْتَاحُ عَلَى مَا كَانَ مَحْسُوسًا مِمَّا يَحِلُّ غَلْقًا كَالْقُفْلِ، وَعَلَى مَا كَانَ مَعْنَوِيًّا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، الْحَدِيثَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ مُطَوَّلًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢ - بَاب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ يَخْلِطَكُمْ مِنْ الِالْتِبَاسِ، ﴿يَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطُوا، ﴿شِيَعًا﴾ فِرَقًا
٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا أَهْوَنُ، أَوْ هَذَا أَيْسَرُ.
[الحديث ٤٦٢٨ - طرفاه في: ٧٣١٣، ٧٤٠٦]
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، يَلْبِسَكُمْ: يَخْلِطَكُمْ مِنَ الِالْتِبَاسِ، يَلْبِسُوا: يَخْلِطُوا، هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (شِيَعًا فِرَقًا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَزَادَ: وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ، وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ
стр. 4639
عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿شِيَعًا﴾ قَالَ: الْأَهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) وَقَعَ فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ جَابِرًا، وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو الْكَرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَخِيرِ. وَوَقَعَ فِي الِاعْتِصَامِ هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ أَيْ خَصْلَةُ الِالْتِبَاسِ وَخَصْلَةُ إِذَاقَةِ بَعْضِهِمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُفَسِّرُ بِهِ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعًا، فَرَفَعَ عَنْهُمْ ثِنْتَيْنِ وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْخَسْفَ مِنَ الْأَرْضِ وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيقُ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ، وَأَبَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْأُخْرَيَيْنِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وَوَقَعَ أَصَرْحُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: الرَّجْمُ، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: الْخَسْفُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ شُيُوخِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقُ: الرَّجْمُ، وَمِنْ تَحْتُ: الْخَسْفُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوْقِ: أَئِمَّةُ السُّوءِ، وَبِالتَّحْتِ: خَدَمُ السُّوءِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَوْقِ: حَبْسُ الْمَطَرِ، وَبِالتَّحْتِ: مَنْعُ الثَّمَرَاتِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَسْفَ وَالرَّجْمَ لَا يَقَعَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، رَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُنَّ أَرْبَعٌ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهِمْ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أُلْبِسُوا شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَبَقِيَتِ اثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَةَ الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمْ يُدْرِكْ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ فَكَأَنَّ حَدِيثَهُ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ لَا مَحَالَةَ وَالْبَاقِي مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَنَّ الْإِعَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانِ مَخْصُوصٍ وَهُوَ وُجُودِ الصَّحَابَةِ وَالْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ وُقُوعِ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُخَالِفَ حَدِيثَ جَابِرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَأْوِيلِهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِتَنِ وَنَحْوَهَا.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ من حَدِيثُ صُحَارٍ - بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَوَّلُهُ مَضْمُومٌ مَعَ التَّخْفِيفِ - الْعَبْدِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةَ حَتَّى يُخْسَفَ بِقَبَائِلِ، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ذِكْرُ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ أَيْضًا، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: يَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، وَلِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِي بْنِ رَبِيعَةَ الْجَرْشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي الْخَسْفُ وَالْمَسْخُ وَالْقَذْفُ، الْحَدِيثَ. وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ (١) وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ (١).
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ وَلَدَهُ، وَعَنْ стр. 4640
أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ فِي الصَّغِيرِ، وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ غَالِبًا لَكِنْ يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا، وَيَحْتَمِلُ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ لِجَمِيعِهِمْ وَإِنْ وَقَعَ لِأَفْرَادٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ كَمَا فِي خَصْلَةِ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ وَالسَّنَةِ الْعَامَّةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانِ رَفَعَهُ فِي حَدِيثِ بِأَوَّلِهِ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكِ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكَ بَعْضًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
فَلَمَّا كَانَ تَسْلِيطُ الْعَدُوِّ الْكَافِرِ قَدْ يَقَعُ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ عُمُومًا فَكَذَلِكَ الْخَسْفُ وَالْقَذْفُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعُ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ الْآيَةَ، سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَ رَبَّكَ أَرْبَعًا فَأَعْطَاكَ اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ: أَنْ يَأْتِيهِمْ عَذَابٌ مِنْ فَوْقِهِمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فَيَسْتَأْصِلُهُمْ كَمَا اسْتَأْصَلَ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يَلْبِسُهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَهَذَانِ عَذَابَانِ لِأَهْلِ الْإِقْرَارِ بِالْكِتَابِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى. وَكَأَنَّ مِنْ قَوْلِهِ وَهَذَانِ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ خِصَالٍ أُخْرَى: مِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي اثْنَتَيْنِ: سَأَلْتُهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْغَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ فَرَفَعَهُمَا، الْحَدِيثَ، وَمِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ لَكِنْ بِلَفْظِ أَنْ لَا يَهْلِكُوا جُوعًا وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَيْضًا الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ، فَإِنَّ الْغَرَقَ وَالْجُوعَ قَدْ يَقَعُ لِبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ، لَكِنِ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ الْأَمَانُ أَنْ يَقَعَ عَامَّا، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ: وَأَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ بِالْبَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ بَدَلَ خَصْلَةِ الْإِهْلَاكِ: أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَكَذَا لِلطَّبَرِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُكَفِّرَ أُمَّتِي جُمْلَةً فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ بِمَا عُذِّبَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ
فَمَنَعَنِيهَا، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُرْسَلًا نَحْوَهُ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَذَّبَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ الْغَرَقُ كَقَوْمِ نُوحٍ وَفِرْعَوْنَ، وَالْهَلَاكُ بِالرِّيحِ كَعَادٍ، وَالْخَسْفُ كَقَوْمِ لُوطٍ وَقَارُونَ، وَالصَّيْحَةُ كَثَمُودَ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ، وَالرَّجْمُ كَأَصْحَابِ الْفِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ عُمُومًا. وَإِذَا جَمَعْتَ الْخِصَالَ الْمُسْتَعَاذُ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سُقْتُهَا بَلَغَتْ نَحْو الْعَشَرَةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ سَأَلَ رَفْعَ الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَأُخْبِرَ بِأَنْ ذَلِكَ قَدْ قُدِّرَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَأَمَّا مَا زَادَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ لَيْسَ هَذَا قَالَ وَلَوِ اسْتَعَاذَهُ لَأَعَاذَهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَسْمَعْ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ وَحَفِظَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ وَلَوِ اسْتَعَاذَهُ إِلَخْ بَعْضَ رُوَاتِهِ دُونَ جَابِرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4641
٣ - بَاب: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
٤٦٢٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَلَمْ ﴿يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَنَزَلَتْ: إِنَّ ﴿الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُهُ أَيْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ .
وقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
٤ - بَاب: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
٤٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
٤٦٣١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: وَيُونُسَ وَلُوطًا) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
٥ - بَاب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾
٤٦٣٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ، أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي ص سَجْدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ، زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ الْعَوَّامِ عَنْ مُجَاهِدٍ، قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي السُّجُودِ فِي ص، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ ص.
قَوْلُهُ: (زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْعَوَّامِ) هُوَ ابْنُ حَوْشَبٍ (عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يقْتدي بِهِمْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَفْظِيَّةً، وَإِلَّا فَالْكَلَامُ
стр. 4642
الْمَذْكُورُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى هُوَ مِنْهُمْ أَيْ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وَطَرِيقُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَطَرِيقُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ ص. وَطَرِيقُ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ: هَلْ كَانَ ﵊ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ نَاسِخُهُ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وَحُجَّتُهُمْ هَذِهِ الْآيَةُ وَنَحْوُهَا. وَقِيلَ لَا، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وِفَاقُهُ وَلَوْ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ فَيَتْبَعُهُمْ فِي التَّفْصِيلِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - بَاب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ: الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ، ﴿الْحَوَايَا﴾ الْمَبْعَرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿هَادُوا﴾ صَارُوا يَهُودًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿هُدْنَا﴾ تُبْنَا، هَائِدٌ: تَائِبٌ.
٤٦٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوها ثُمَّ بَاعُوها فَأَكَلُوهَا.
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ، سَمِعْتُ جَابِرًا، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُلُّ ذِي ظُفُرٍ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ، يَعْنِي لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ، مِنْهَا الْإِبِلُ وَالنَّعَامُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ مُفَرَّقًا وَلَيْسَ فِيهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ وَأَشْبَاهُهُ مِنَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْحِيتَانِ.
قَوْلُهُ: (الْحَوَايَا الْمَبْعَرُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ الْمَبَاعِرُ، وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْحَوَايَا هُوَ الْمَبْعَرُ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْحَوَايَا الْمَبَاعِرُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَالَ: الْحَوَايَا جَمْعُ حَوِيَّةٍ وَهِيَ مَا تَحَوَّى وَاجْتَمَعَ وَاسْتَدَارَ مِنَ الْبَطْنِ، وَهِيَ نَبَاتُ اللَّبَنِ وَهِيَ الْمَبَاعِرُ وَفِيهَا الْأَمْعَاءُ. قَالَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا وَإِلَّا مَا حَمَلَتِ الْحَوَايَا، أَيْ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ.
(تَنْبِيهٌ):
الْمَبْعَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُهَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَانُ مَنْ وَصَلَ رِوَايَةَ أَبِي عَاصِمٍ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَنَبَّهَ ابْنُ التِّينِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ هُنَا لُحُومُهَا قَالَ: وَالصَّوَابُ شُحُومُهَا.
قَوْلُهُ: (هَادُوا تَابُوا، هُدْنَا تُبْنَا، هَائِدٌ تَائِبٌ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ.
٧ - بَاب: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
٤٦٣٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ:
стр. 4643
لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَرَفَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الحديث ٤٦٣٤ - أطرافه في: ٤٦٣٧، ٢٥٥٠، ٧٤٠٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٨ - ﴿وَكِيلٌ﴾: حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ، ﴿قُبُلا﴾: جَمْعُ قَبِيلٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ، ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ، ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: حَرَامٌ، وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ، وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ حِجْرٌ، وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ حجا وحِجْرٌ، وَأَمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ، وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا كَأَنَّه مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ، وَأَمَّا حَجْرُ الْيَمَامَةِ فَهْوَ مَنْزِلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَكِيلٌ﴾: حَفِيظٌ مُحِيطٌ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أَيْ حَفِيظٌ مُحِيطٌ.
قَوْلُهُ: (قُبُلًا جَمْعُ قَبِيلٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ) انْتَهَى. هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا لَكِنْ بِمَعْنَاهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾، قَالَ: فَمَعْنَى حَشَرْنَا جَمَعْنَا، وَقُبُلًا جَمْعُ قَبِيلٍ أَيْ صِنْفٍ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿قُبُلا﴾ أَيْ أَفْوَاجًا، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ حَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَبِيلَةً قَبِيلَةً صِنْفًا صِنْفًا وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً، فَيَكُونُ الْقُبُلُ جَمْعُ قَبِيلٍ الَّذِي هو جَمْعُ قَبِيلَةٍ، فَيَكُونُ الْقُبُلُ جَمْعُ الْجَمْعِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمَنْ قَرَأَهَا قِبَلًا أَيْ بِكَسْرِ الْقَافِ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَعْنَاهَا عِيَانًا انْتَهَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى نَاحِيَةٍ يَقُولُ: لِي قِبَلَ فُلَانُ كَذَا، أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، فَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: قُبُلًا أَيْ مُقَابِلًا انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾، أَيْ مُعَايَنَةً، فَكَأَنَّهُ قَرَأَهَا بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَامِرٍ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالضَّمِّ وَمَعْنَاهُ الْمُعَايَنَةُ، يَقُولُ: رَأَيْتُهُ قُبُلًا لَا دُبُرًا إِذَا أَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ وَتَسْتَوِي عَلَى هَذَا الْقِرَاءَتَانِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقُبُلُ جَمْعُ قَبِيلٍ وَهُوَ الضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ، أَيْ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كَفِيلًا يَكْفُلُونَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي نَعِدُهُمْ حَقٌّ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾، انْتَهَى، وَلَمْ أَرَ مَنْ فَسَّرَ بِأَصْنَافِ الْعَذَابِ، فَلْيُحَرَّرْ هَذَا.
(تَنْبِيهٌ):
ثَبَتَ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَسْبُ.
قَوْلِهِ: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: كُلَّ شَيْءٍ حَسَنَتُهُ وَزِينَتُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَزَادَ: يُقَالُ زَخْرَفَ فُلَانٌ كَلَامَهُ وَشَهَادَتَهُ. وَقِيلَ أَصْلُ الزُّخْرُفِ فِي اللُّغَةِ التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ، وَلِذَلِكَ سَمَّوْا الذَّهَبَ زُخْرُفًا.
قَوْلُهُ: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حَرَامٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي قِصَّةِ ثَمُودَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَوْفًى، وَسَقَطَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ أَوْلَى.
٩ - بَاب: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمعِ
٤٦٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ
стр. 4644
﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا، فَذَاكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِزِيَادَةٍ: وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، وَأَهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ: هَلُمَّ، وَلِلْمَرْأَةِ: هَلُمِّي، وَلِلِاثْنَيْنِ: هَلُمَّا، وَلِلْقَوْمِ هَلُمُّوا، وَلِلنِّسَاءِ: هَلْمُمْنَ، يَجْعَلُونَهَا مِنْ هَلْمَمَتْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ طَلَبُ الْإِحْضَارِ، وَشُهَدَاءَكُمْ مَفْعُولٌ بِهِ، الْمِيمُ فِي هَلُمَّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ فِي اللُّغَةِ الْأُولَى، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، وَلِبَسْطِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
١٠ - بَاب: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾
٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِسْحَاقُ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى جَزَمَ خَلَفٌ بِأَنَّهُ ابْنُ نَصْرٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَوْلُ خَلَفٍ أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - سُورَةُ الْأَعْرَافِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيشًا: الْمَالُ، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ، ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، ﴿الْفَتَّاحُ﴾ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ بَيْنَنَا، ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ، ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، ﴿تَأْسَ﴾ تَحْزَنْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ، ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هُوَ هاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ: وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ، ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا، وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ، ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ، ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا: يَغْنَوْ يَعِيشُوا، حَقِيقٌ حَقٌّ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ مِنْ الرَّهْبَةِ، تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ، طَائِرُهُمْ حَظُّهُمْ، طُوفَانٌ مِنْ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ، الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ، عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ، سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، الْأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ لَهُ، يُجَاوِزُونَ، تعْدَ تَجَاوُزٍ ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ، ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ، ﴿أَخْلَدَ﴾ قَعَدَ
стр. 4645
وَتَقَاعَسَ، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مِنْ جُنُونٍ، ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى
خُرُوجُهَا، ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَسْتَخِفَّنَّكَ، طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، يُقَالُ ﴿طَائِفٌ﴾ وَهُوَ وَاحِدٌ، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ، ﴿وَخِيفَةً﴾ خَوْفًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾ مِنْ الْإِخْفَاءِ، وَالْآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَعْرَافِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ فَقَالَ. . . (١) وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ هُمْ مَلَائِكَةٌ وُكِّلُوا بِالصُّورِ لِيُمَيِّزُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ رِجَالٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَقِّ الْجِنِّ: ﴿الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِأَنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَرِيشًا﴾ الْمَالُ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (وَرِيَاشًا) قَالَ: مَالًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ فَرَّقَهُمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرِيشًا﴾ قَالَ الْمَالُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيَاشُ اللِّبَاسُ وَالْعَيْشُ وَالنَّعِيمُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: الرِّيَاشُ الْمَعَاشُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيَاشُ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ وَالسِّتَارَةِ، وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْخِصْبُ فِي الْمَعَاشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَرَأَ (وَرِيَاشًا) عَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْبَاقُونَ ﴿وَرِيشًا﴾.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ وَفِي غَيْرِهِ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ جَاءَ نَحْوَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو فَقَالَ: إِنَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَالُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ وَقَرَأَ الْآيَةَ. وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ يَقَعُ بِزِيَادَةِ الرَّفْعِ فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ بِطَلَبِ مَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُهُ شَرْعًا أَوْ بِطَلَبِ مَعْصِيَةٍ أَوْ يَدْعُو بِمَا لَمْ يُؤْثَرْ، خُصُوصًا مَا وَرَدَتْ كَرَاهَتُهُ كَالسَّجْعِ الْمُتَكَلَّفِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا، انْبَجَسَتِ: انْفَجَرَتْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ، يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا مَنَعَكَ إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ هَذَا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ قَالَ لَكَ أَلا تَسْجُدَ. قَالَ: وَأُدْخِلَتْ أَنْ قَبْلَ لَا كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ نَادَيْتُ أَنْ لَا تَقُمْ، وَحَلَفْتُ أَنْ لَا تَجْلِسَ. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ وَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ أَخَذَا الْخِصَافُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) كَذَا لِأَبِي عُبَيْدَةَ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَفِقَا стр. 4646
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قَالَ: جَعَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ فَيَجْعَلَانِ عَلَى سَوْآتِهِمَا، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَخْصِفَانِ﴾ قَالَ: يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ ظُفْرًا كُلَّهُ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كُشِطَ عَنْهُ وَبَدَتْ سَوْأَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ النُّورَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَرَى عَوْرَةَ الْآخَرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿سَوْآتِهِمَا﴾ كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿ادَّارَكُوا﴾ اجْتَمَعُوا) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ، وَيُقَالُ تَدَارَكَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيِ اجْتَمَعَ، وَالتَّاءُ مُدْغَمَةٌ فِي الدَّالِ، انْتَهَى. وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَصْلُ تَدَارَكُوا، وَقَدْ قَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ وَرُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (الْفَتَّاحُ الْقَاضِي، ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ اقْضِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَالْفَتَّاحُ لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا تَوْطِئَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنَ النُّسَّاخِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيِ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولَا … فَإِنِّي عَنْ فِتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ
الْفَتَّاحُ الْقَاضِي. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يَنْقُلُ الْبُخَارِيُّ كَثِيرًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَدْرِي مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ حَتَّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: انْطَلِقْ أُفَاتِحْكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (افْتَحْ بَيْنَنَا) أَيِ اقْضِ بَيْنَنَا، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْكِسَائِيِّ، أَيْ قَالَ: الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ اللِّبَاسُ.
قَوْلُهُ: (قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (قَبِيلُهُ) قَالَ: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَاقُّ الْإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهَا تُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ، وَهِيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أَيْ ثُقْبِ الْإِبْرَةِ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أَنْفٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ سَمٌّ وَالْجَمْعُ سُمُومٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَامُّ الْإِنْسَانِ بَدَلَ مَشَاقِّ وَهِيَ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿غَوَاشٍ﴾ مَا غُشُّوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وَاحِدَتُهَا غَاشِيَةٌ وَهِيَ مَا غَشَّاهُمْ فَغَطَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمِهَادُ لَهُمْ كَهَيْئَةِ الْفِرَاشِ. وَالْغَوَاشِ يَتَغَشَّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَمَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الْمِهَادُ الْفُرُشُ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ قَالَ: اللُّحُفُ.
قَوْلُهُ: (نَكِدًا قَلِيلًا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ أَيْ قَلِيلًا عَسِرًا فِي شِدَّةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تُنْجِزِ الْوَعْدَ إِنْ وَعَدْتَ … وَإِنْ أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: النَّكِدُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: ﴿طَائِرُهُمْ﴾ حَظُّهُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ: حَظُّهُمْ وَنَصِيبُهُمْ.
قَوْلُهُ: (طُوفَانُ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ
стр. 4647
لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّوفَانُ مِنَ السَّيْلِ وَمِنَ الْمَوْتِ الْبَالِغِ الذَّرِيعِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَطَافَ بِهِ إِذَا عَمَّهُ بِالْهَلَاكِ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ: الطُّوفَانُ وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالنُّقْصَانِ فَلَا وَاحِدَ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَأَتَوْا مُوسَى فَدَعَا اللَّهَ فَرَفَعَ ثُمَّ عَادُوا. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ الْحُمْنَانُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (شْبه صِغَارَ الْحَلَمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقُمَّلُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْحُمْنَانُ وَالْحُمْنَانُ ضَرْبٌ مِنَ الْقِرْدَانِ وَاحِدَتُهَا حَمْنَانَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْقُمَّلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: قِيلَ: السُّوسُ، وَقِيلَ: الدَّبَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفٌ وَهُوَ صِغَارُ الْجَرَادِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَقِيلَ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ، وَقِيلَ صِغَارُ الذَّرِّ، وَقِيلَ هُوَ الْقَمْلُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ دَابَّةٌ أَصْغَرُ مِنَ الطَّيْرِ لَهَا جَنَاحٌ أَحْمَرُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمُصَّ الْحَبَّ مِنَ السُّنْبُلَةِ فَتَكْبَرُ السُّنْبُلَةُ وَلَا حَبَّ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أَيْ يَبْنُونَ، وَعُرُشُ مَكَّةَ خِيَامُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ تَفْسِيرُ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾.
قَوْلُهُ: ﴿سُقِطَ﴾ كُلُ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ نَدِمَ وَعَجَزَ عَنْ شَيْءٍ سُقِطَ فِي يَدِ فُلَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿آسَى﴾ أَحْزَنُ، تَأْسَ تَحْزَنْ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْأُولَى فِي الْأَعْرَافِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَائِدَةِ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا.
قَوْلُهُ: ﴿عَفَوْا﴾ كَثُرُوا) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ كَثُرُوا، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبَاتٍ وَقَوْمٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَثُرُوا فَقَدْ عَفَوْا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَكِنَّا نَعَضُّ السَّيْفَ مِنْهَا بِأَسْوُقٍ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ حَتَّى سُرُّوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿نَشْرًا﴾ مُتَفَرِّقَةً) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَغْنَوْا﴾ يَعِيشُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ يَنْزِلُوهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَغَانِي الدِّيَارِ وَاحِدَتُهَا مَغْنًى، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَتَعْرِفُ مَغْنَى دِمْنَةٍ وَرُسُومِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أَيْ كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا، أَوْ كَأَنْ لَمْ يَتَنَعَّمُوا.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ هُوَ مِنَ الرَّهْبَةِ أَيْ خَوَّفُوهُمْ.
قَوْلُهُ: (تَلَقَّفُ تَلْقَمُ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: وَاحِدُهَا سِبْطٌ، تَقُولُ مِنْ أَيِّ سِبْطٍ أَنْتَ؟ أَيْ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ وَجِنْسٍ؟ انْتَهَى. وَالْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ يَعْقُوبَ كَالْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّبْطِ وَهُوَ التَّتَابُعُ، وَقِيلَ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِانْتِشَارِ ذُرِّيَّتِهِمَا، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ ابْنِ بِنْتٍ سِبْطٍ.
قَوْلُهُ: ﴿يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَجَاوُزًا بَعْدَ تَجَاوُزٍ وَهُوَ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: ﴿شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ شَوَارِعَ انْتَهَى. وَشُرَّعٌ وَشَوَارِعُ جَمْعُ شَارِعٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
стр. 4648
سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ بِيضًا سِمَانًا فَتَنْبَطِحُ بِأَفْنِيَتِهِمْ ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿بَئِيسٍ﴾ شَدِيدٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أَيْ شَدِيدٍ، وَبَئِيسٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ هِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْمَشْهُورَةِ وَالشَّاذَّةِ لَا نُطِيلُ بِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ قَعَدَ وَتَقَاعَسَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ أَيْ لَزِمَهَا وَتَقَاعَسَ وَأَبْطَأَ، يُقَالُ فُلَانٌ مُخْلِدٌ أَيْ بَطِيءُ الشَّبَابِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ مَالَ إِلَى الدُّنْيَا، انْتَهَى. وَأَصْلُ الْإِخْلَادِ اللُّزُومُ، فَالْمَعْنَى لَزِمَ الْمَيْلَ إِلَى الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ الِاسْتِدْرَاجُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَمِنْ حَيْثُ يَتَلَطَّفُ بِهِ حَتَّى يُغَيِّرَهُ انْتَهَى. وَأَصْلُ الِاسْتِدْرَاجِ التَّقْرِيبُ مَنْزِلَةً مَنْزِلَةً مِنَ الدَّرْجِ، لِأَنَّ الصَّاعِدَ يَرْقَى دَرَجَةً دَرَجَةً.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مِنْ جُنُونِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أَيْ جُنُونٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْجِنَّةِ الْجِنُّ كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وَعَلَى هَذَا فَيُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَسُّ جِنَّةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى خُرُوجُهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُرْسَاهَا﴾ أَيْ مُنْتَهَاهَا، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: قِيَامُهَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ) تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَقَعْ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَسْتَخِفَّنَّكَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: مِنْهُ قَوْلُهُ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ أَيْ أَفْسَدَ.
قَوْلُهُ: (طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، وَيُقَالُ طَائِفٌ وَهُوَ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ أَيْ لَمَمٌ انْتَهَى. وَاللَّمَمُ يُطْلَقُ عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الْجُنُونِ وَعَلَى صِغَارِ الذُّنُوبِ، وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ ﴿طَائِفٌ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ طَيْفٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأُولَى وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فَسَّرُوهُ بِمَعْنَى الْغَضَبِ أَوِ الزَّلَّةِ، وَأَمَّا الطَّيْفُ فَهُو الْخَيَالُ، ثُمَّ حَكَى بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الطَّيْفَ وَالطَّائِفَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الطَّائِفُ اللَّمَّةُ مِنَ الشَّيْطَانِ.
قَوْلُهُ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ يُزَيِّنُونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ أَيْ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْغَيَّ وَالْكُفْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَخُفْيَةً﴾ خَوْفًا، وَخِيفَةً مِنَ الْإِخْفَاءِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أَيْ خَوْفًا، وَذَهَبَتِ الْوَاوُ لِكَسْرَةِ الْخَاءِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أَيْ سِرًّا، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَوْلُهُ مِنَ الْإِخْفَاءِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَالْمَعْرُوفُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الصَّرْفِ مِنَ الْخَفَاءِ لِأَنَّ الْمَزِيدَ مُشْتَقٌّ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَيُوَجَّهُ الَّذِي هُنَا بِأَنَّهُ أَرَادَ انْتِظَامَ الصِّفَتَيْنِ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالآصَالِ﴾ وَاحِدُهَا أَصِيلٌ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمُغْرِبِ كَقَوْلِكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةِ أَيْضًا بِلَفْظِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ أُصُلٌ بِضَمَّتَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا أَصِيلٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَلَيْسَ يبَيِّنٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْآصَالَ جَمْعُ أَصِيلٍ فَيَصِحُّ. قُلْتُ: وَهُوَ وَاضِحٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْآصَالُ الْعَشِيُّ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْأَصِيلُ وَاحِدُ الْأُصُلُ وَجَمْعُ الْأُصُلِ آصَالٌ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَالْأَصَائِلُ جَمْعُ أَصِيلَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾.
١ - بَاب ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
٤٦٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَرَفَعَهُ، قَالَ: لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ حَرَّمَ
стр. 4649
الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْفَوَاحِشِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْعُمُومِ وَسَاقَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْمُرَادُ سِرُّ الْفَوَاحِشِ وَعَلَانِيَتُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمْلَهَا عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ وَسَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسًا فِي السِّرِّ وَيَسْتَقْبِحُونَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ: مَا ظَهَرَ: نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا. ثُمَّ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ: وَلَيْسَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ بِمَدْفُوعٍ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرِنِي أَعْطِنِي.
٤٦٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ الْأَنْصَارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي، قَالَ: ادْعُوهُ، فَدَعَوْهُ، قَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَقُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ؟ وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ، قَالَ: لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.
قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرِنِي: أَعْطِنِي). وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قَالَ: أَعْطِنِي. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾
(تَكْمِلَةٌ):
تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ نَفَاةُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: لَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا فَيَكُونُ النَّفْيُ عَلَى التَّأْيِيدِ. وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ فِي الْوَقْتِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، سَلَّمْنَا لَكِنْ خُصَّ بِحَالَةِ الدُّنْيَا الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِطَابُ، وَجَازَ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ أَبْصَارَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا بَاقِيَةٌ فَلَا اسْتِحَالَةَ أَنْ يُرَى الْبَاقِي بِالْبَاقِي. بِخِلَافِ حَالَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا فَانِيَةٌ فَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي، وَتَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ وَبِإِكْرَامِهِمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهَا فَوَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ) الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَمْ جُزِيَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ،
стр. 4650
عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي جُوزِيَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
المن والسلوى
* ٤٦٣٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءُ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْكَمْأَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الطِّبِّ، وَقَوْلُهُ شِفَاءٌ مِنَ الْعَيْنِ أَيْ وَجَعُ الْعَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ تَقَدَّمَ شَرْحَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي غَيْرِ هَذِهِ. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
٣ - بَاب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
٤٦٤٠ - حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ، عُمَرَ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ، قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرَ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: غَامَرَ سَبَقَ بِالْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكِلَابَاذِيُّ وَطَائِفَةٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ هَذَا هُوَ الْآمُلِيُّ بِالْمَدِّ وَضَمِّ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ الْأَصِيلِيُّ: هُوَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ يُوَرِّقُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قُلْتُ: وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِيرِ مِنْ شُيُوخِهِ، وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ، مَاتَ قَبْلَ السَّبْعِينَ، أَوْ بَعْدَهَا، فَقَالَ غُنْجَارُ فِي تَارِيخِ بُخَارَى مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الدِّمَشْقِيُّ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَمَّا مُوسَى بْنُ هَارُونَ فَهُوَ البنيِّ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ. وَالْبُرْدِيُّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، كُوفِيٌّ قَدِمَ مِصْرَ ثُمَّ سَكَنَ الْفَيُّومَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَا لَهُ فِي
стр. 4651
الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ: غَامِرٌ سَبَقَ بِالْخَيْرِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ.
٤ - بَاب: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾
٤٦٤١ - حَدَّثَني إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ.
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ ﴿حِطَّةٌ﴾. حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ابْنُ رَاهْوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا، وَهَذَا يَلِيقُ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ حِطَّةً بِالنَّصْبِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ، وَقِيلَ أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، فَالرَّفْعُ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ النَّصْبُ حَرَكَةَ الْحِكَايَةِ، وَقِيلَ رُفِعَتْ لِتُعْطِي مَعْنَى الثَّبَاتِ كَقَوْلِهِ سَلَامٌ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَقِيلَ: هِيَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ مِنَ الْحَطِّ كَالْجِلْسَةِ، وَقِيلَ هِيَ التَّوْبَةُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي صَيَّرَ اللَّهُ … بِهَا ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورَا
وَقِيلَ لَا يُدْرَى مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا تَعَبَّدُوا بِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: قِيلَ لَهُمْ قُولُوا مَغْفِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَبَدَّلُوا) أَيْ غَيَّرُوا، وَقَوْلُهُ : ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ التَّقْدِيرُ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالَّذِي قِيلَ لَهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ بَدَّلَ مَعْنَى قَالَ.
قَوْلُهُ: (فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْمَذْكُورَةِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي شَعِيرَةٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ انْتِهَائِهِمْ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَبِقَوْلِهِمْ حِطَّةٌ، فَبَدَّلُوا السُّجُودَ بِالزَّحْفِ وَقَالُوا حِنْطَةٌ بَدَلَ حِطَّةٌ، أَوْ قَالُوا حِطَّةٌ وَزَادُوا فِيهَا حَبَّةً فِي شَعِيرَةٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالُوا هطى سمقا وَهِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ حِنْطَةٌ حَمْرَاءُ قَوِيَّةٌ فِيهَا شَعِيرَةٌ سَوْدَاءُ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْمَنْصُوصَةُ إِذَا تُعُبِّدَ بِلَفْظِهَا لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا وَلَوْ وَافَقَ الْمَعْنَى. وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى بَلْ هِيَ مُتَفَرِّعَةٌ مِنْهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَيْدًا فِي الْجَوَازِ، أَعْنِي يُزَادُ فِي الشَّرْطِ أَنْ لَا يَقَعَ التَّعَبُّدُ بِلَفْظِهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَمَنْ أَطْلَقَ فَكَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ.
٥ - بَاب: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الْعُرْفُ: الْمَعْرُوفُ
٤٦٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ
стр. 4652
الْحُرُّ، لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ.
[الحديث ٤٦٤٢ - طرفه في: ٧٢٨٦]]
٤٦٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ فِي أَخْلَاقِ النَّاس"
[الحديث ٤٦٤٣ - طرفه في: ٤٦٤٤]
٤٦٤٤ - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قال هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، أَوْ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ (بَابُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الْعُرْفُ: الْمَعْرُوفُ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَوْ شُبَّانًا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَحْيَى) نَسَبَهُ ابْنُ السَّكَنِ فَقَالَ: يَحْيَى ابْنُ مُوسَى، وَنَسَبَهُ الْمُسْتَمْلِي فَقَالَ: يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْأَشْبَهُ مَا قَالَ الْمُسْتَمْلِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أَيْ هَذِهِ الْآيَةَ (إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ) كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ بَرَّادٍ) بِمُوَحَّدَةٍ وَتَثْقِيلِ الرَّاءِ، وَبَرَّادُ اسْمُ جَدِّهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ بَرَّادِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: (أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، أَوْ كَمَا قَالَ) وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَوَصَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ، وَتَابَعَهُمْ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وَالطَّفَاوِيُّ، عَنْ هِشَامِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَخَالَفَهُمْ مَعْمَرٌ، وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَوْلِهِ مَوْقُوفًا، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَهِيَ شَاذَّةٌ، وَكَذَا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَشَاذَّةٌ أَيْضًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِهِشَامٍ فِيهِ شَيْخَانِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فَمَرْجُوحَةٌ بِأَنَّ زِيَادَةَ مَنْ خَالَفَهُمَا مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِهِمْ حُفَّاظًا، وَإِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يَعْنِي خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَيْ مَا فَضَلَ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ
стр. 4653
فَرْضِ الزَّكَاةِ، وَبِذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ وَزَادَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الزَّكَاةِ، وَبِنَحْوِهِ قَالَ الضَّحَّاكُ، وَعَطَاءُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ لَهُ. وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْهَا، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْأَخْلَاقَ ثَلَاثَةٌ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ: عَقْلِيَّةٌ وَشَهْوِيَّةٌ وَغَضَبِيَّةٌ، فَالْعَقْلِيَّةُ الْحِكْمَةُ وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالشَّهْوِيَّةُ الْعِفَّةُ وَمِنْهَا أَخْذُ الْعَفْوِ، وَالْغَضَبِيَّةُ الشَّجَاعَةُ وَمِنْهَا الْإِعْرَاضُ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مُرْسَلًا وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سَأَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ حَتَّى أَسْأَلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ.
٨ - سُورَةُ الْأَنْفَالِ
١ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَنْفَالُ الْمَغَانِمُ، قَالَ قَتَادَةُ: ﴿رِيحُكُمْ﴾ الْحَرْبُ، يُقَالُ: نَافِلَةٌ عَطِيَّةٌ
٤٦٤٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ الْأَنْفَالِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. الشَّوْكَةُ: الْحَدُّ، ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ، رَدِفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي، ذُوقُوا: بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ، ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ تجْمَعَهُ، شَرِّدْ: فَرِّقْ، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ طَلَبُوا، السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ، ﴿يُثْخِنَ﴾ يَغْلِبَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُكَاءً﴾ إِدْخَالُ أَصَابِعِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ الصَّفِيرُ، ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ لِيَحْبِسُوكَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَنْفَالِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَنْفَالُ الْمَغَانِمُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْأَنْفَالُ الْمَغَانِمُ، كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصَةً لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَنَعَ كَذَا فَلَهُ كَذَا، الْحَدِيثَ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾
قَوْلُهُ: (نَافِلَةٌ عَطِيَّةٌ) قَالَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يُقَالُ فَذَكَرَهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ أَيْ غَنِيمَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ طَلَبُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ أَيْ رَجَعُوا إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَطَلَبُوا الصُّلْحَ.
قَوْلُهُ: (السِّلْمُ وَالسَّلْمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: (يُثْخِنَ) أَيْ يَغْلِبَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ يُثْخِنُ أَيْ يُبَالِغُ وَيَغْلِبُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُكَاءً﴾ إِدْخَالُهُمْ أَصَابِعَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) وَصَلَهُ عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، وَالْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ الصَّفِيرُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا كَذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ):
وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُتَرَاخِيًا عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِعَقِبِهِ وَهُوَ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً﴾ قَالَ: إِدْخَالُهُمْ أَصَابِعَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَتَصْدِيَةً الصَّفِيرُ، يَخْلِطُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَاتَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُكَاءُ الصَّفِيرُ وَالتَّصْدِيَةُ صَفْقُ الْأَكُفِّ،
стр. 4654
وَوَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: رِيحُكُمُ الْحَرْبُ) تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (الشَّوْكَةُ الْحَدُّ) ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مَجَازٌ الشَّوْكَةُ الْحَدُّ، يُقَالُ: مَا أَشَدَّ شَوْكَةَ بَنِي فُلَانٍ أَيْ حَدَّهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ، يُقَالُ رَدَفَنِي وَأَرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بِكَسْرِ الدَّالِ فَاعِلِينَ مِنْ أَرْدَفُوا أَيْ جَاءُوا بَعْدَ قَوْمٍ قَبْلَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: رَدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الدَّالِ فَهُوَ مِنْ أَرْدَفَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَنْ قَبْلَهُمُ انْتَهَى. وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِكَسْرِ الدَّالِ وَنَافِعٍ بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: بَنُو فُلَانٍ يُرْدِفُونَنَا أَيْ يَجِيئُونَ بَعْدَنَا.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ يَجْمَعَهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أَيْ فَيَجْمَعَهُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (شَرِّدْ: فَرِّقْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يَحْبِسُوكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ مُحَمَّدٌ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (ذُوقُوا: بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي آخِرِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي أَثْنَائِهَا وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ سَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ أَيْضًا فِي الْمَغَازِي.
١ - بَاب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾
٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ زَادَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ لَا يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: لَا يَعْقِلُونَ: لَا يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ، قَالَ مُجَاهِدٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
٢ - بَاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا، لِمَا يُحْيِيكُمْ: لما يُصْلِحُكُمْ.
٤٦٤٧ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ، قال:، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَخْرُجَ، فَذَكَرْتُ لَهُ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصًا، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ
стр. 4655
النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، السَّبْعُ الْمَثَانِي.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ اسْتَجِيبُوا: أَجِيبُوا. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لِمَا يُصْلِحُكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾ أَيْ أَجِيبُوا لِلَّهِ، يُقَالُ اسْتَجَبْتُ لَهُ وَاسْتَجَبْتُهُ بِمَعْنًى وَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أَيْ لِمَا يَهْدِيكُمْ وَيُصْلِحُكُمُ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آلِ عِمْرَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاذٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِهِ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَصْرِيحِ حَفْصٍ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى.
٣ - بَاب: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا سَمَّى اللَّهُ مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾
٤٦٤٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ - هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ - سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ.
[الحديث ٤٦٤٨ - طرفه في: ٤٦٤٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِن دِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَخْ) كَذَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ قَالَ: وَيَقُولُ نَاسٌ مَا سَمَّى اللَّهُ الْمَطَرَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَلَكِنْ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ كَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ﴿حم * عسق﴾ وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِوُرُودِ الْمَطَرِ بِمَعْنَى الْغَيْثِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْغَيْثُ قَطْعًا، مَعْنَى التَّأَذِّي بِهِ الْبَلَلُ الْحَاصِلُ مِنْهُ لِلثَّوْبِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ كَانَ مِنَ الْعَذَابِ فَهُوَ أُمْطِرَتْ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَهُوَ مُطِرَتْ. وَفِيهِ مُطِرَتْ. وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ، وَجَزَمَ الْحَاكِمَانِ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ ابْنُ النَّضِرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِعَيْنِهِ عَقِبَ هَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضِرِ أَخِي أَحْمَدَ هَذَا، قَالَ الْحَاكِمُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمَا وَيُكْثِرُ الْكُمُونَ عِنْدَهُمَا إِذَا قَدِمَ نَيْسَابُورَ. قُلْتُ: وَهُمَا مِنْ طَبَقَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَلَامِذَةِ الْبُخَارِيِّ وَإِنْ شَارَكُوهُ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنْ شَيْخِهِمَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورُ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَنَزَلَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَتَيْنِ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْكَثِيرَ عَنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ بِوَاسِطَةِ وَاحِدَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعْبَةَ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَحْمَدُ بْنُ النَّضِرِ يُكَنَّى أَبَا
стр. 4656
الْفَضْلِ وَكَانَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَدِيثِ انْتَهَى. وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا لِأَخِيهِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ وَنَسَبَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ) هُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ دِينَارٍ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَيُقَالٌ لَهُ ابْنُ كُرْدِيدٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ أُخْرَى، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَالزِّيَادِيُّ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِ زِيَادٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا إِلَخْ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ الْقَائِلُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ نُسِبَ إِلَى جَمَاعَةٍ فَلَعَلَّهُ بَدَأَ بِهِ وَرَضِيَ الْبَاقُونَ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا قَالَاهُ، وَلَكِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ ذَلِكَ سَفَهَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَهَلَتُهَا.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا أَمْسَوْا نَدِمُوا فَقَالُوا غُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أَيْ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ سَيُؤْمِنُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينَئِذٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو مَالِكٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَكَانَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ، فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ، فَأَذِنَ اللَّهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ فَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَفْعَهُ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي أَمَانَيْنِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ: فَإِذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفَارَ، وَهُوَ يُقَوِّي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَأَنَّ الْعَذَابَ حَلَّ بِهِمْ لَمَّا تَرَكُوا النَّدَمَ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ وَبَالَغُوا فِي مُعَانَدَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمُحَارَبَتِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
٤٦٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
٥ - بَاب: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
٤٦٥٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ:
стр. 4657
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أعير بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أعير بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ: إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ؟ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَتَنُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.
٤٦٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا بَيَانٌ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا أَوْ إِلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْك"
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى) هُوَ الْبُرُلُّسِيُّ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، صَدُوقٌ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ هُنَا، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَالِ بَقِيَّةِ الْإِسْنَادِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَا أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ حَيَّانُ صَاحِبُ الدِّثِنِّيَّةِ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ فِي فَوَائِدِهِ أَنَّهُ الْهَيْثَمُ بْنُ حَنَشٍ وَقِيلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَسَأَذْكُرُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلًا آخَرَ، وَلَعَلَّ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ.
قَوْلُهُ: (فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ) لَا زَائِدَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ قَوْلُهُ: (أُعَيرُ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فِيهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ يَرَى قِتَالَ مَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ الَّذِي يَعْتَقِدُ طَاعَتُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى تَرْكَ الْقِتَالِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُلْكِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، فَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ بِإِثْبَاتِ النُّونِ فِيهِمَا لِأَنَّ إِمَّا الَّتِي تَجْزِمُ هِيَ الشَّرْطِيَّةُ وَلَيْسَتْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ. قُلْتُ: وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَوُجِّهَتْ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ بِأَنَّ النُّونَ قَدْ تُحْذَفُ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمَ فِي لُغَةٍ شَهِيرَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ إِمَّا تُعَذِّبُوهُ وَإِمَّا تَقْتُلُوهُ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَاكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ فَيُؤَيِّدُ أَنَّ السَّائِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْخَيْنِ وَيَحُطُّونَ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ بِذِكْرِ مَنَاقِبِهِمَا وَمَنْزِلَتِهِمَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاعْتِذَارُ عَمَّا عَابُوا بِهِ عُثْمَانَ مِنَ الْفِرَارِ يَوْمَ أُحُدٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ سُؤَالُ السَّائِلِ لِابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَابَ عَنْ بَدْرٍ وَعَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَبَيَانُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عُذْرُ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّائِلَ هُنَا،
стр. 4658
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ هُنَاكَ لِذِكْرِ عَلِيٍّ وَكَأَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا، وَأَمَّا عَدَمُ ذِكْرِهِ لِلْقِتَالِ فَلَا يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ لِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي بَعْدَهَا قَدْ ذَكَرَ فِيهَا الْقِتَالَ وَلَمْ يَذْكُرُ قِصَّةَ عُثْمَانَ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّدِ لِاخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ فِي تَسْمِيَةِ السَّائِلِينَ وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَسْئُولُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَبِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَمَضَى فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ أَنْ يَعْفُوَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّلُهُ وَالْإِفْرَادُ أَيِ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ وَهَذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ وَوَافَقَهُمُ الْكُشْمِيهَنِيُّ لَكِنْ قَالَ أَوْ أَبْيُتُهُ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْقِلَّةِ فِي الْبَيْتِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ فَقَالَ هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْزِلَتِهِ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ بَيْتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَصَحَّفَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ بَيْتُهُ بِبِنْتِهِ فَقَرَأَهَا بِنْتَهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فَقَالَ بِنْتُهُ أَوْ بَيْتُهُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ الْبَيْتُ فَقَطْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِبَيْتِ عَلِيٍّ وَاخْتِصَاصِهِ بِكَوْنِهِ بَيْنَ بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَشَيْخُهُ زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَشَيْخُهُ بَيَانٌ هُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَشَيْخُهُ وَبَرَةٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ لَهُ حَكِيمٌ وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْ هُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ.
٦ - بَاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾
٤٦٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الْآيَةَ، فَكَتَبَ أَنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ، وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً: نَزَلَتْ: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأُرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.
[الحديث ٤٦٥٢ - طرفه في: ٤٦٥٣]
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ الْآيَةَ، سَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ الْآيَةَ إِلَى ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ بَابُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنِ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ) أَيْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ، وَالسِّيَاقُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْأَمْرُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا مَحْضًا لَلَزِمَ وُقُوعُ خِلَافِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ مُحَالٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ، وَالثَّانِي لِقَرِينَةِ التَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ تَكْلِيفٍ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ هُنَا التَّكْلِيفُ بِالْأَخَفِّ لَا رَفْعُ الْحُكْمِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ) أَيْ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَرْوِيهِ بِالْمَعْنَى، فَتَارَةً يَقُولُ بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مُحَافَظَةً عَلَى التِّلَاوَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَتَارَةً يَرْوِيهِ بِالْمَعْنَى
следующие страницы →