← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4689–4728 · переход к 4694.

стр. 4689

عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى ﴿رَحِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالْقَدرُ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا أَيْضًا فِي الْوَصَايَا، وَقَوْلُهُ هُنَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ مُرَادُهُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْنِ عَنْ يُونُسَ، لَكِنْ فَرَّقَهُمَا لِاخْتِلَافِ الصِّيغَةِ. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ السَّنَدَ عَنْهُمَا مُتَّحِدٌ، لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ شَيْخَ ابْنِ شِهَابٍ هُنَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَنْبَسَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمَهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيِّ الصَّدَفِيِّ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ بِهَامِشِ نُسْخَتِهِ. قُلْتُ: قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي النَّذْرِ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ الْحَدِيثِ أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دُوَادَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَمَا فِي النَّسَائِيِّ، وَعَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ كَذَلِكَ. ١٨ - بَاب ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأَجْمَعْتُ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضُحًى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلاَّ ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنْ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي فَقال رسول الله ﷺ : "يَا أُمَّ

стр. 4690

سَلَمَةَ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ، قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمْ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمْ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْقَمَرِ، وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنْ الْأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُتَخَلِّفِينَ فاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، سَاقَ غَيْرَهُ إِلَى ﴿الرَّحِيمُ﴾. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ مُحَمَّدٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَصَارَ لِلْبُخَارِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ بِلَا وَاسِطَةً، وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فَاخْتُلِفَ فِي مُحَمَّدٍ، فَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيُّ، يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تَفْسِيرِ الْأَنْفَالِ، وَقَالَ مَرَّةٌ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ لَهُ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ لِلذُّهْلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ، وَالْبُخَارِيُّ يُسْتَمَدُّ مِنْهُ كَثِيرًا، وَهُوَ يُهْمِلُ نَسَبَهُ غَالِبًا. وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ فَهُوَ الْحَرَّانِيُّ نَسَبَهُ الْمُؤَلِّفُ إِلَى جَدِّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَبُو شُعَيْبٍ كُنْيَةُ مُسْلِمٍ لَا كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكُنْيَةُ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَطْعًا مِنْ قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي. وَقَوْلُهُ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا يُسَلِّمُ وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُسَلِّمُنِي وَاسْتَبْعَدَهُ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنْ يَكُونَ اتِّبَاعًا، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ السَّلَامَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ مُسْلِمٌ مِنِّي. وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ مِنَ الِاعْتِنَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُعَيَّنَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ مِنَ الْعَوْنِ. وَالْأَوَّلُ أُنْسَبُ. وَقَوْلُهُ يَحْطِمُكُمْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي يَخْطَفُكُمْ ١٩ - بَاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ، ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

стр. 4691

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبٍ أَيْضًا. ٢٠ - بَاب ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مِنْ الرَّأْفَةِ ٤٦٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ﵁، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ:، وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلَا نَتَّهِمُكَ، وكُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهِمَا. وَكَانَتْ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قَوْلُهُ: (مِنَ الرَّأْفَةِ) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هُوَ فَعُولٌ مِنَ الرَّأْفَةِ، وَهِيَ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ) بِمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، اسْمُهُ عُبَيْدٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ التَّنْبِيهُ عَلَى اخْتِلَافِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي تَعْيِينِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ

стр. 4692

يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَفِي التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) يُرِيدُ أَنَّ اللَّيْثَ فِيهِ شَيْخًا آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ خَالَفَ فِي قَوْلِهِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْهُ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ وَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) أَمَّا مُوسَى فَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَيَعْقُوبُ هُوَ وَلَدُهُ، وَمُتَابَعَةُ مُوسَى وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي آيَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَفِي آيَةِ الْأَحْزَابِ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَةَ التَّوْبَةِ وَجَدَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَآيَةُ الْأَحْزَابِ وَجَدَهَا لَمَّا نَسَخَ الْمَصَاحِفَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَرَوَاهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) فَأَمَّا أَبُو ثَابِتٍ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَمُرَادُهُ أَنَّ أَصْحَابَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ خُزَيْمَةَ وَشَكَّ بَعْضُهُمْ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ آيَةَ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ آيَةُ الْأَحْزَابِ مَعَ خُزَيْمَةَ، وَسَتَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرِوَايَةُ أَبِي ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَحْكَامِ بِالشَّكِّ كَمَا قَالَ. ١٠ - سُورَةُ يُونُسَ ١ - بَاب وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ. ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَيْرٌ. يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ. وَمِثْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى: بِكُمْ. ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ. ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنْ الْهَلَكَةِ، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿وَعَدْوًا﴾ مِنْ الْعُدْوَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ مِثْلُهَا حُسْنَى. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ مَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ. ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ. قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - سُورَةُ يُونُسَ) أَخَّرَ أَبُو ذَرٍّ الْبَسْمَلَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ قَالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ كُلُّ لَوْنٍ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ

стр. 4693

كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ حُبُوبِ الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ كَذَا ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَرْجَمَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَرِّجَ فِيهَا طَرِيقًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي فِي التَّوْحِيدِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَمِّ مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَبَيَّضَ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ خَيْرٌ) أَمَّا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَوَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَخْبَرْتُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ شَفِيعٌ لَهُمْ وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: خَيْرٌ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: صَلَاتَهُمْ وَصَوْمَهُمْ وَصَدَقَتَهُمْ وَتَسْبِيحَهُمْ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أَيْ ثَوَابَ صِدْقٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ مُجَاهِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ الْعَرَبِ: لِفُلَانِ قَدَمَ صِدْقٍ فِي كَذَا أَيْ قَدَمٌ فِيهِ خَيْرٌ، أَوْ قَدَمَ سُوءٍ فِي كَذَا أَيْ قَدَمٌ فِيهِ شَرٌّ. وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ السَّابِقَةِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: سَلَفُ صِدْقٍ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ لَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَلَى الصَّوَابِ كَمَا قَدَّمْتُهُ، ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا وَقَعَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّهُ فَسَّرَ الْقَدَمَ بِالْخَيْرِ وَلَوْ كَانَ وَقَعَ بِزِيَادَةِ ابْنِ مَعَ التَّصْحِيفِ لَكَانَ عَارِيًا عَنْ ذِكْرِ الْقَوْلِ الْمَنْسُوبِ لِمُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ الْقَدَمِ. قَوْلُهُ: (يُقَالُ تِلْكَ آيَاتٌ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامَ الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى بِكُمْ) هَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَيَأْتِي لِلْجَمِيعِ فِي التَّوْحِيدِ. وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْمُثَنَّى، وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ آيَاتُ الْكِتَابِ الْأَعْلَامُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي كُلِّ مِنْهُمَا صَرْفُ الْخِطَابِ عَنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَعَكْسِهِ. قَوْلُهُ: (دَعْوَاهُمْ دُعَاؤُهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ قَالَ: إِذَا أَرَادُوا الشَّيْءَ قَالُوا اللَّهُمَّ فَيَأْتِيهِمْ مَا دَعَوْا بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرْتُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَسِيَاقَهُ أَتَمُّ، وَكُلُّ هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ مَعْنَى ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ لِأَنَّ اللَّهُمَّ مَعْنَاهَا يَا اللَّهُ أَوْ مَعْنَى الدَّعْوَى الْعِبَادَةِ أَيْ كَلَامُهُمْ فِي الْجَنَّةِ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ، أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أَيْ دَنَوْا لِلْهَلَكَةِ، يُقَالُ قَدْ أُحِيطَ بِهِ أَيْ أنَّهُ لَهَالِكٌ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ مِنْ إِحَاطَةِ الْعَدُوِّ بِالْقَوْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ غَالِبًا لِجَعْلِهِ كِنَايَةً عَنْهُ، وَلَهَا أَرْدَفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قَوْلُهُ الْإِنْسَانُ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكَ فِيهِ وَالْعَنْهُ) وَقَوْلُهُ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أَيْ لَأَهْلَكَ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ) هَكَذَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِلَفْظٍ مُخْتَصَرٍ قَالَ: فَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا يُسْتَجَابُ فِي الْخَيْرِ لَأَهْلَكَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ، انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ

стр. 4694

ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءَ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَأَفْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ. قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ مِثْلُهَا حُسْنَى وَزِيَادَةُ مَغْفِرَةٍ وَرِضْوَانٍ، هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ هُنَا فِيمَا أَظُنُّ قَتَادَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ قَالَ: الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ. الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَلَغَنَا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا أَيْضًا. وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ. وَلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، ﴿الْحُسْنَى﴾ الْجَنَّةُ، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَعْدًا فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُبَيِّضُ وُجُوهَنَا وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ قَالَ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغَيِّرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى. قُلْتُ: وَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْف، وَمِنْ تَحْدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِثْلِهِ وَصَلَهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَإِسْرَائِيلُ عَنْهُ، وَوَقَفَهُ سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، وَشَرِيكٌ عَلَى عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ. وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ الزِّيَادَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ: مِنْهَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَالْحَسَنِ إِنَّ الزِّيَادَةَ التَّضْعِيفُ، وَمِنْهَا قَوْلُ عَلِيٍّ: إِنَّ الزِّيَادَةَ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ. أَخْرَجَ جَمِيعُ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ رِوَايَةَ حُذَيْفَةَ وَرِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَيْضًا، وَأَشَارَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ لِأَنَّ النَّبِيَّ إِذَا صَدَقَ صَارَتْ مَقَالِيدُ أُمَّتِهِ وَمُلْكِهِمْ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ) يَعْنِي بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ وَالتَّشْدِيدِ، وَبِالثَّانِي قَرَأَ الْحَسَنُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَأَتْبَعَهُمْ مِثْلُ تَبِعَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ كَرَدَفْتُهُ وَأَرْدَفْتُهُ بِمَعْنًى، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْمَهْمُوزُ بِمَعْنَى أَدْرَكَ، وَغَيْرُ الْمَهْمُوزِ بِمَعْنَى مَضَى وَرَاءَهُ أَدْرَكَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكُهُ، وَقِيلَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْأَمْرِ اقْتَدَى بِهِ وَأَتْبَعَهُ بِالْهَمْزِ تَلَاهُ. قَوْلُهُ: (عَدْوًا مِنَ الْعُدْوَانِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ نَعْتَانِ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ أَوْ عَلَى الْحَالِ أَيْ بَاغِينَ مُتَعَدِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَفْعُولَيْنِ أَيْ لِأَجْلِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ. ٢ - بَاب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

стр. 4695

﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّشَزُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ ٤٦٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصُومُوا. قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ سَقَطَ لِلْأَكْثَرِ بَابُ وَسَاقُوا الْآيَةَ إِلَى ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قَوْلُهُ: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ النَّشَزُ، الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أَيْ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ أَيِ ارْتِفَاعٍ اهـ، وَالنَّجْوَةُ هِيَ الرَّبْوَةُ الْمُرْتَفِعَةُ وَجَمْعُهَا نِجًى بِكَسْرِ النُّونِ وَالْقَصْرُ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ نُنَجِّيكَ مِنَ النَّجَاةِ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ بِمَعْنَاهَا وَالْمُرَادُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ قَوْمُكُ مِنْ قَعْرِ الْبَحْرِ، وَقِيلَ هُوَ (١) وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ السَّمَيْفَعِ وَغَيْرُهُمَا (نُنَحِّيكَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ نُلْقِيكَ بِنَاحِيَةٍ، وَوَرَدَ سَبَبُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَمُتْ فِرْعَوْنُ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَالثَّوْرِ الْأَحْمَرِ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ لَمْ يُصَدِّقْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ بِذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ اللَّهُ لِيَكُونَ لَهُمْ عِظَةٌ وَآيَةٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ قَالَ مِنْ تَخَلَّفَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنِ: مَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنَّهُمْ فِي جَزَائِرِ الْبَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ أَنِ الْفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيَانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيَانًا أَصْلَعَ أَخْنَسَ قَصِيرًا، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قَالَ بِجَسَدِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَخْرٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: الْبَدَنُ الدِّرْعُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الصِّيَامِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: ذَاكَ يَوْمٌ نُجِّيَ فِيهِ مُوسَى وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ. ١١ - سُورَةُ هُودٍ وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الْأَوَّاهُ: الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ مَا ظَهَرَ لَنَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أَمْسِكِي. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ شَدِيدٌ. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ بَلَى. ﴿بِبَدَنِكَ﴾ نَبَعَ الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: (سُورَةُ هُودٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ. قوله: (وقال أبو ميسرة: الأواه: الرحيم بالحبشية) تقدم في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء، وسقط هنا من رواية أبي ذر. قوله: (وقال ابن عباس: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ما ظهر لنا، وقال مجاهد: ﴿الْجُودِيِّ﴾ جبل بالجزيرة. وقال الحسن: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يستهزئون به. وقال ابن عباس: أقلعي: أمسكي، وفار التنور: نبع الماء. وقال عكرمة: وجه الأرض. تقدم جميع ذلك في أحاديث الأنبياء، وسقط هنا لأبي ذر. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قَالَ: شَدِيدٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلَهُ، وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلِ الرَّاجِزِ: يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الْأَبْطَالَا وَيَقُولُونَ: عَصَبَ يَوْمُنَا يَعْصِبُ عَصَبًا أَيِ اشْتَدَّ. قَوْلُهُ: (لَا جَرَمَ بَلَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ

стр. 4696

عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ﴾ قَالَ أَيْ بَلَى إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَى جَرَمَ أَيْ كَسْبَ الذَّنْبُ ثُمَّ كُثْرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا بُدَّ كَقَوْلِهِمْ لَا جَرَمَ أَنَّكَ ذَاهِبٌ، وَفِي مَوْضِعٍ حَقًّا كَقَوْلِكَ لَا جَرَمَ لَتَقُومَنَّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿وَحَاقَ﴾ نَزَلَ يَحِيقُ يَنْزِلُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أَيْ نَزَلَ بِهِمْ وَأَصَابَهُمْ. قَوْلُهُ: (يَئُوسٌ فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ هُوَ فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَبْتَئِسُ تَحْزَنُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قَالَ: لَا تَحْزَنْ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الْحَقِّ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ مِنَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قَالَ شَكُّ وَامْتِرَاءُ فِي الْحَقِّ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْفَى مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ إِذَا أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا بِثَوْبِهِ، وَاللَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الشَّاكُّ فِي اللَّهِ وَعَامِلُ السَّيِّئَاتِ يَسْتَغْشِي بِثِيَابِهِ وَيَسْتَكِنُّ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَرَاهُ وَيَعْلَمُ مَا يُسِرُّ وَمَا يُعْلِنُ. وَالثَّنْيُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الشَّكِّ فِي الْحَقِّ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَنَى صَدْرَهُ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَتَغَشَّى بِثَوْبِهِ لِئَلَّا يَرَاهُ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ فَإِنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، لَكِنَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ. (تَنْبِيهٌ): قَدَّمْتُ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَهِيَ عِنْدَ الْبَاقِينَ مُؤَخَّرَةٌ عَمَّا سَيَأْتِي إِلَى قَوْلِهِ أَقْلِعِي أَمْسِكِي. ١ - باب أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَحَاقَ﴾ نَزَلَ. ﴿يَحِيقُ﴾ يَنْزِلُ. يَئُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَبْتَئِسْ﴾ تَحْزَنْ. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الْحَقِّ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ مِنْ اللَّهِ إِنْ اسْتَطَاعُوا. ٤٦٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ. قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ. [الحديث ٤٦٨١ - طرفاه في: ٤٦٨٢، ٤٦٨٣] ٤٦٨٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ: أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ. قُلْتُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، مَا تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ

стр. 4697

امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي، أَوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي، فَنَزَلَتْ: أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ. ٤٦٨٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾ بِأَضْيَافِهِ. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِسَوَادٍ. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أَرْجِعُ. قوله: (باب ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ سقط باب للأكثر. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) هَكَذَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَتَابَعَهُ حَجَّاجٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ﴾ يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِتَحْتَانِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ بِفَوْقَانِيَّةٍ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا يَاءٌ عَلَى وَزْنِ تُفْعَوْعَلٍ، وَهُوَ بِنَاءُ مُبَالَغَةٌ كَاعْشَوْشَبَ، لَكِنْ جُعِلَ الْفِعْلُ لِلصُّدُورِ، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ، لِعَنْتَرَةَ: وَقَوْلُكَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا تَنَالُهُ … إِذَا مَا هُوَ احْلَوْلى أَلَا لَيْتَ ذَا لِيَا وَحَكَى أَهْلُ الْقِرَاءَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ قِرَاءَاتٍ أُخْرَى وَهِيَ يَثْنَوِنَّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الثَّنْيِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ مَا هَشَّ وَضَعُفَ مِنَ النَّبَاتِ، وَقِرَاءَةٌ ثَالِثَةٌ عَنْهُ أَيْضًا بِوَزْنِ يَرْعَوِي، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ غَلَطٌ إِذْ لَا يُقَالُ ثَنَوْتُهُ فَانْثَوَى كَرَعَوْتُهُ فَارْعَوَى. قُلْتُ: وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَاتٌ أُخْرَى لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطَهَا. قَوْلُهُ: (أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَخِفُّونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا) أَيْ أَنْ يَقْضُوا الْحَاجَةَ فِي الْخَلَاءِ وَهُمْ عُرَاةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَى يَتَحَلَّوْا بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ أَنَّهُ أَحْسَنَ أَيْ يَرْقُدُ عَلَى حَلَاوَةِ قَفَاهُ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: كَانُوا لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ وَلَا الْغَائِطَ إِلَّا وَقَدْ تَغَشَّوْا بِثِيَابِهِمْ كَرَاهَةَ أَنْ يُفْضُوا بِفُرُوجِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ. قَوْلُهُ: (فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ (قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ضَبْطَ أَوَّلِهِ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِنُونِ آخِرِهِ وَصُدُورَهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ يَثْنُونِي أَوَّلُهُ تَحْتَانِيَّةٌ وَآخِرُهُ تَحْتَانِيَّةٌ أَيْضًا، وَزَادَ وَعَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (يَسْتَغْشُونَ يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ) الضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ يَعُودُ عَلَى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَفْسِيرُ التَّغَشِّي بِالتَّغْطِيَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالرَّأْسِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ، وَهَذَا مَقْبُولٌ مِنْ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُقَالُ مِنْهُ اسْتَغْشَى بِثَوْبِهِ وَتَغَشَّاهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَتَارَةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي قَوْلُهُ: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ وَضَاقَ بِهِمْ بِأَضْيَافِهِ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ سَاءَ ظَنًّا بِقَوْمِهِ وَضَاقَ ذَرْعًا بِأَضْيَافِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمِيرَيْنِ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى اتِّحَادِهِمَا. وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: سَاءَهُ مَكَانُهُمْ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْجَمَالِ. قَوْلُهُ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِسَوَادٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ بِبَعْضٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِطَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ إِلَيْهِ أُنِيبُ أَرْجِعُ)

стр. 4698

وَكَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ نِسْبَتُهُ إِلَى مُجَاهِدٍ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ: بَابٌ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، قوله سِجِّيلٌ: الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ واحد، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا. هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ هُوَ الشَّدِيدُ مِنَ الْحِجَارَةِ الصَّلْبِ، وَمِنَ الضَّرْبِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ، فَذَكَرَهُ. قَالَ: وَقَوْلُهُ سِجِّيلًا أَيْ شَدِيدًا، وَبَعْضُهُمْ يُحَوِّلُ اللَّامَ نُونًا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ قُتَيْبَةٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ لَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ وَكَانَ يَقُولُ حِجَارَةً سِجِّيلًا لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ حُذِفَ. وَأَنْشَدَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ فَأَبْدَلَ قَوْلَهُ ضَاحِيَةً بِقَوْلِهِ عَنْ عُرُضٍ وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ فَارِسِيَّةٌ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفِيلِ، وَقَدْ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا فَارِسِيَّةٌ فَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ فَصَارَتْ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِسَمَاءِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نَزَلَتْ مِنْهُ الْحِجَارَةُ، وَقِيلَ هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ. (تَنْبِيهٌ): تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ هُوَ ابْنُ خُبَيْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْعَامِرِيُّ ثُمَّ الْعَجْلَانِيُّ، شَاعِرٌ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَكَانَ أَعْرَابِيًّا جَافِيًا، وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ عُمَرَ، ذَكَرَهُ الْمَرْزُبَانِيُّ وَرَجْلَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى تَقْدِيرِ ذَوِي رِجْلَةٍ وَالْجِيمُ سَاكِنَةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِي هَذَا الْحَاءَ الْمُهْمَلَةَ، وَالْبَيْضُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ بَيْضَةٍ وَهِيَ الْخُوذَةُ، أَوْ بِكَسْرِهَا جَمْعُ أَبْيَضَ وَهُوَ السَّيْفُ فَعَلَى الْأَوَّلُ الْمُرَادُ مَوَاضِعُ الْبِيضِ وَهِيَ الرُّءُوسُ، وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ يَضْرِبُونَ بِالْبِيضِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. وَضَاحِيَةٌ أَيْ ظَاهِرَةٌ، أَوِ الْمُرَادُ فِي وَقْتِ الضَّحْوَةِ. وَتَوَاصَى أَصْلُهُ تَتَوَاصَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَرُوِيَ تَوَاصَتْ بِمُثَنَّاةِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ فِي آخِرِهِ، وَقَوْلُهُ سِجِّينًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ: هُوَ فَعِيلٌ مِنَ السَّجْنِ كَأَنَّهُ يُثَبِّتُ مَنْ وَقَعَ فِيهِ فَلَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْجِيمِ أَيْ ضَرْبًا حَارًّا. قَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ. قَوْلُهُ: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْشَدَ: وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ قَوْلُهُ: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ مَحْمُودٍ مِنْ حَمِدَ) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَالَّذِي فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ: حَمِيدٌ مَجِيدٌ أَيْ مَحْمُودٌ مَاجِدٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَالْحَمِيدُ فَعِيلٌ مِنْ حَمِدَ فَهُوَ حَامِدٌ أَيْ يَحْمَدُ مَنْ يُطِيعُهُ، أَوْ هُوَ حَمِيدٌ بِمَعْنَى مَحْمُودٌ، وَالْمَجِيدُ فَعِيلٌ مِنْ مَجُدَ بِضَمِّ الْجِيمِ يَمْجُدُ كَشَرُفَ يَشْرُفُ وَأَصْلُهُ الرِّفْعَةُ. قَوْلُهُ: (إِجْرَامِيٌّ مَصْدَرُ أَجْرَمَتْ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ جَرَمْتُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْشَدَ: طَرِيدُ عَشِيرَةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍ … بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِسَانِي وَجَرَمَتْ بِمَعْنَى كَسَبَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (الْفُلْكُ وَالْفَلَكُ وَاحِدٌ وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ) كَذَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْفَاءِ فِيهِمَا وَسُكُونِ اللَّامِ فِي الْأُولَى وَفَتْحِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَلِآخَرِينَ بِفَتْحَتَيْنِ فِي الْأَوَّلِ وَبِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: الْأَوَّلُ وَاحِدٌ وَالثَّانِي جَمْعٌ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسْدٍ، قالَ عِيَاضٌ: وَلِبَعْضِهِمْ بِضَمِّ ثُمَّ سُكُونٍ فِيهِمَا

стр. 4699

جَمِيعًا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَمْعَ وَالْوَاحِدَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ قَالَ فِي الْوَاحِدِ: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وَقَالَ فِي الْجَمْعِ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وَالَّذِي فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفُلْكُ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ وَهِيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ. قَوْلُهُ: (مُجْرَاهَا مَدْفَعُهَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ وَيُقْرَأُ مَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ وَمُرْساهَا مِنْ رَسَتْ، وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا مِنْ فُعِلَ بِهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ أَيْ مَسِيرُهَا وَهِيَ مِنْ جَرَتْ بِهِمْ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ فَهُوَ مِنْ أَجْرَيْتُهَا أَنَا، وَمُرْسَاهَا أَيْ وَقْفَهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْ أَرْسَيْتُهَا أَنَا انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ: مَجْرَاهَا مَوْقِفُهَا بِوَاوٍ وَقَافٍ وَفَاءٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ. ثُمَّ وَجَدْتُ ابْنَ التِّينِ حَكَاهَا عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ قَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ فَاسِدُ الْمَعْنَى، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْأَصْلِ بِدَالٍ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ عَيْنٍ. (تَنْبِيهٌ): الَّذِي قَرَأَ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي مُجْرَاهَا الْجُمْهُورُ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَتْحِ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ كَالْجُمْهُورِ، وَقَرَءُوا كُلُّهُمْ فِي الْمَشْهُورِ بِالضَّمِّ فِي مُرْسَاهَا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتْحَهَا أَيْضًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِي قِرَاءَةِ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالسِّينِ أَيِ اللَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (رَاسِيَاتٍ ثَابِتَاتٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ أَيْ ثِقَالٍ ثَابِتَاتٍ عِظَامٍ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا لَمَّا ذَكَرَ مُرْسَاهَا. قَوْلُهُ: (عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ) هُوَ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ، لَكِنْ قَالَ: وَهُوَ الْعَادِلُ عَنِ الْحَقِّ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُعَارِضُ الْمُخَالِفُ. قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ وَاحِدُهُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ هُنَا فَقِيلَ: الْأَنْبِيَاءُ وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا أَعَمُّ، وَعَنْ قَتَادَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْخَلَائِقُ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْجَمِيعِ. ٢ - بَاب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ. ﴿اعْتَرَاكَ﴾ افْتَعَلَت مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أَيْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ. . ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ. ﴿نَكِرَهُمْ﴾ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ. سِجِّيلٌ: الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ واحد، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا. [الحديث ٤٦٨٤ - أطرافه في: ٥٣٥٢، ٧٤١١، ٧٤١٩، ٧٤٩٦]

стр. 4700

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ قَوْلُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ لَا يَغِيضُهَا بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ السَّاقِطَةِ أَيْ لَا يَنْقُصُهَا، وَسَحَّاءُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُثَقَّلًا مَمْدُودٌ أَيْ دَائِمَةٌ، وَيَرْوِى سَحًّا بِالتَّنْوِينِ فَكَأَنَّهَا لِشِدَّةِ امْتِلَائِهَا تَغِيضُ أَبَدًا، (وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْمِيزَانُ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَدْلِ. ٣ - باب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. وَاسْأَلْ الْعِيرَ: يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَأَصْحَابَ الْعِيرِ. ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. وَيُقَالُ: إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي، وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا، وَالظِّهْرِيُّ هَا هُنَا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ. ﴿أَرَاذِلُنَا﴾: سُقَّاطُنَا. إِجْرَامِي: هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ أَجْرَمْتُ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جَرَمْتُ. الْفُلْكَ وَالْفَلَكُ وَاحِدٌ، وَهْيَ السَّفِينَةُ وَالسُّفُنُ. مُجْرَاهَا: مَدْفَعُهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ. وَأَرْسَيْتُ: حَبَسْتُ. وَيُقْرَأُ: مَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ، مُرْسِاهَا من رست. ومجريها ومرسيها مِنْ فُعِلَ بِهَا. الرَاسِيَاتٌ: ثَابِتَاتٌ. ٤ - بَاب ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وَاحِدُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ ٤٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، وَهِشَامٌ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ، هل سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ. وَقَالَ هِشَامٌ: يَدْنُو الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ: تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ: أَعْرِفُ، يَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ. فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ، أَوْ الْكُفَّارُ، فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ. وَقَوْلُهُ حَدَّثَنَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أَيْ مَا تَجَبَّرُوا وَتَكَبَّرُوا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَصَدَرُوا عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿اعْتَرَاكَ﴾ افْتَعَلَكَ مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي فَرْضِ الْخَمْسِ، وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ

стр. 4701

النُّسَخِ اعْتَرَاكَ افْتَعَلْتُ بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاعْتَرَى افْتَعَلَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إِذَا أَصَابَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ﴾ مَا بَعْدَ إِلَّا مَفْعُولٌ بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ، أَيْ مَا نَقُولُ إِلَّا هَذَا اللَّفْظَ، فَالْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ، نَحْوَ مَا قُلْتُ إِلَّا زَيْدٌ قَائِمٌ. قَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ أَيْ لِأَهْلِ مَدْيَنَ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ. وَمِثْلُهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ * وَالْعِيرَ﴾ أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَصْحَابَ الْعِيرِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ مَدْيَنَ لَا يَنْصَرِفُ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ مُؤَنَّثٍ، وَمَجَازُهُ مَجَازُ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، أَيْ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، وَمِثْلُهُ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَالْعِيرَ أَيْ مَنْ فِي الْعِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ يَقُولُ لَمْ يَتَلَفَّتُوا إِلَيْهِ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ ظَهَرَتْ لِحَاجَتِي إِلَخْ) ثَبَتَ هَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَرْجَمَةِ شُعَيْبٍ ﵇ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. قَوْلُهُ: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ سُقَّاطُنَا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَالْأَرَاذِلُ جَمْعُ أَرْذَالِ إِمَّا عَلَى بَابِهِ كَمَا جَاءَ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا أَوْ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَالْأَبْطَحِ، وَقِيلَ أَرَاذِلُ جَمْعُ أَرْذُلُ بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ جَمْعُ رَذْلٍ مِثْلُ كَلْبٍ وَأَكْلُبٍ وَأَكَالِبَ. ٥ - بَاب ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ الْعَوْنُ الْمُعِينُ. رَفَدْتُهُ: أَعَنْتُهُ. ﴿تَرْكَنُوا﴾ تَمِيلُوا. ﴿فَلَوْلا كَانَ﴾ فَهَلَّا كَانَ. ﴿أُتْرِفُوا﴾ أُهْلِكُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ ٤٦٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ قوله وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد قوله باب قوله ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ الكاف في ذلك لتشبيه الأخذ المستقبل بالأخذ الماضي وأتى باللفظ الماضي موضع المضارعة على قراءة طلحة بن مصرف وأخذ بفتحتين في الأول كالثاني مبالغة في تحققه قوله الرفد المرفود العون المعين رفدته أعنته كذا وقع فيه وقال أبو عبيدة الرفد المرفود العون المعين يقال رفدته ثم الأمير أي أعنته قال الكرماني وقع في النسخة التي عندنا العون المعين والذي يدل عليه التفسير المعان فأما أن يكون الفاعل بمعنى المفعول أو المعنى ذو إعانة قوله تركنوا تميلوا قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تعدلوا إليهم ولا تميلوا يقال ركنت إلى قولك أي أردته وقبلته وروى عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس لا تركنوا إلى الذين ظلموا لا ترضوا أعمالهم قوله: ﴿فَلَوْلا كَانَ﴾ فهلا كان سقط هذا والذي قبله من رواية أبي ذر وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مجازه فهلا كان من القرون وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: فلولا قال في حرف بن مسعود فهلا قوله أترفوا أهلكوا هو تفسير باللازم أي كان الترف سببا لاهلاكهم وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي ما تجبروا وتكبروا

стр. 4702

عن أمر الله وصدوا قَوْلُهُ: (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا بَرِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بَدَلَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ بَرِيدَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، فَأَبُو بُرْدَةَ جَدُّهُ لَا أَبُوهُ، لَكِنْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْأَبَ عَلَيْهِ مَجَازًا. قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ أَيْ: يُمْهِلُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي وَرُبَّمَا قَالَ يُمْهِلُ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ قَالَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ. قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ لَمْ يُخَلِّصْهُ، أَيْ إِذَا أَهْلَكَهُ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهُ الْهَلَاكَ، وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ فَيُحْمَلُ كُلٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى لَمْ يُفْلِتْهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الظَّالِمَ إِذَا صُرِفَ عَنْ مَنْصِبِهِ وَأُهِينَ لَا يَعُودُ إِلَى عِزِّهِ، وَالْمُشَاهَدُ فِي بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٦ - بَاب ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ وَزُلَفًا: سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ. وَأَمَّا ﴿زُلْفَى﴾ فَمَصْدَرٌ مِنْ الْقُرْبَى. ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا. أَزْلَفْنَا: جَمَعْنَا. ٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟ قَالَ: لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي. قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَكْمَلَ غَيْرُهُ الْآيَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِطَرَفَيِ النَّهَارِ فَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ حَبِيبٍ: الصُّبْحُ طَرَفٌ وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ طَرَفٌ. قَوْلُهُ: ﴿وَزُلَفًا﴾ سَاعَاتٌ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ، وَأَمَّا زُلْفَى فَمَصْدَرٌ مِنَ الْقُرْبَى، ازْدَلَفُوا اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا جَمَعْنَا) انْتَهَى. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ سَاعَاتٌ وَاحِدَتُهَا زُلْفَةٌ أَيْ سَاعَةٌ وَمَنْزِلَةٌ وَقُرْبَةٌ، وَمِنْهَا سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، قَالَ الْعَجَّاجُ: نَاجٍ طَوَاهُ الْأَيْنُ مِمَّا وَجَفَا … طَيُّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفَا وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: قُرِّبَتْ وَأُدْنِيَتْ، وَلَهُ عِنْدِي زُلْفَى أَيْ قُرْبَى، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أَيْ جَمَعْنَا، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالزُّلَفِ، فَعَنْ مَالِكٍ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ زُلَفًا جَمْعٌ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ فَيُضَافُ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْوِتْرُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهَا قَالَ قَتَادَةُ: طَرَفَيِ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى،

стр. 4703

عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَكَانَ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخَانِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) هُوَ النَّهْدِيُّ، فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ. قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً أَوْ مَسًّا بِيَدٍ أَوْ شَيْئًا، كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُلَيْمَانِ التَّيْمِيِّ بِإِسْنَادِهِ ضَرَبَ رَجُلٌ عَلَى كَفَلِ امْرَأَةٍ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً فِي بُسْتَانٍ فَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا، قَبَّلْتُهَا وَلَزِمْتُهَا، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتُ الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جَاءَ فُلَانٌ بْنُ مُعْتَبٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةٍ فَنِلْتُ مِنْهَا مَا يَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ إِلَّا أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُعْتَبٌ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ اسْمَهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيُّ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَتْ لَهُ: بِعْنِي تَمْرًا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا وَأَعْجَبَتْنِي: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ فَغَمَزَهَا وَقَبَّلَهَا ثُمَّ فَرَغَ، فَخَرَجَ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ تُبْ وَلَا تَعُدْ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَزَلَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَجُلٍ يَبِيعُ التَّمْرَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَسْنَاءَ جَمِيلَةً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْجَبَتْهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ وَلَا الْمَرْأَةَ وَلَا زَوْجَهَا، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ بيهان التَّمَّارِ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ غُزِّيَّةَ، وَقِيلَ أَبُو عَمْرٍو زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ غُزِّيَّةَ، وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ عَبَّادُ. قُلْتُ: وَقِصَّةُ نَبْهَانُ التَّمَّارِ ذَكَرَهَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبْهَانًا التَّمَّارَ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءَ جَمِيلَةً تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْرًا، فَضَرَبَ عَلَى عَجِيزَتِهَا ثُمَّ نَدِمَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةَ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَهَبَ يَبْكِي وَيَصُومُ وَيَقُومُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ الْآيَةَ، فَأَخْبَرَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ تَوْبَتِي قُبِلَتْ، فَكَيْفَ لِي بِأَنْ يُتَقَبَّلَ شُكْرِي؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى وَاقِعَةٍ أُخْرَى، لِمَا بَيْنَ السِّيَاقَيْنِ مِنَ الْمُغَايَرَةِ. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ غُزِّيَّةَ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ غُزِّيَّةَ وَكَانَ يَبِيعُ التَّمْرَ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَأَعْجَبَتْهُ. الْحَدِيثَ. وَالْكَلْبِيُّ ضَعِيفٌ. فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ أَيْضًا عَلَى التَّعَدُّدِ. وَظَنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ غُزِّيَّةَ اسْمُ أَبِي الْيَسَرِ فَجَزَمَ بِهِ فَوَهِمَ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَعَا الرَّجُلَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكِ أَلَسْتَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى ظَاهِرُ سِيَاقِهَا أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ فِيهَا حَدٌّ، فَأَطْلَقَ عَلَى مَا فَعَلَ حَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا قِصَّةُ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ

стр. 4704

فَذَكَرَهَا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيرِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ عَبَّادِ فَحَكَاهَا الْقُرْطُبِيُّ وَلَمْ يَعْزُهَا، وَعَبَّادُ اسْمُ جَدِّ أَبِي الْيَسَرِ، فَلَعَلَّهُ نَسَبَ ثُمَّ سَقَطَ شَيْءٌ. وَأَقْوَى الْجَمِيعِ أَنَّهُ أَبُو الْيَسَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَيْضًا، وَقَالَ فِيهَا فَكُلُّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ قَالَ: أَمُعْزِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا أَدْرِي. حَتَّى أَنْزَلَ. فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِمَعْنَاهُ دُونَ قَوْلِهِ لَا أَدْرِي. قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذِهِ)؟ أَيِ الْآيَةُ يَعْنِي خَاصَّةً بِي بِأَنَّ صَلَاتِي مُذْهِبَةٌ لِمَعْصِيَتِي. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ. وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ خَاصَّةٌ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ؟ فَضَرَبَ عُمَرُ صَدْرَهُ وَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَةُ عَيْنٍ، بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ عُمَرُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ فَقَالَ إِنْسَانٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ خَاصَّةٌ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةٌ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ، وَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ أَلِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ اسْتِفْهَامًا، وَقَوْلُهُ هَذَا مُبْتَدَأٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ عَلَيْهِ، وَفَائِدَتُهُ التَّخْصِيصُ. قَوْلُهُ: (قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي) تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ. وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْمُرْجِئَةُ وَقَالُوا: إِنَّ الْحَسَنَاتَ تُكَفِّرُ كُلِّ سَيِّئَةٍ كَبِيرَةٍ كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةٍ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ فَقَالَ طَائِفَةٌ: إِنِ اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ كَانَتِ الْحَسَنَاتُ كَفَّارَةً لِمَا عَدَا الْكَبَائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ تُجْتَنَبُ الْكَبَائِرُ لَمْ تَحُطَّ الْحَسَنَاتُ شَيْئًا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ لَمْ تُجْتَنَبِ الْكَبَائِرُ لَمْ تَحُطَّ الْحَسَنَاتُ شَيْئًا مِنْهَا وَتَحُطُّ الصَّغَائِرُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْحَسَنَاتَ تَكُونُ سَبَبًا فِي تَرْكِ السَّيِّئَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ لَا أَنَّهَا تُكَفِّرُ شَيْئًا حَقِيقَةً، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلَى أَنَّ الْحَسَنَاتَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَيَرِدُ الْحَثُّ عَلَى التَّوْبَةِ فِي أَيِّ كَبِيرَةٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْحَسَنَاتُ تُكَفِّرُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّوْبَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِمَا، وَعَلَى سُقُوطِ التَّعْزِيرِ عَمَّنْ أَتَى شَيْئًا مِنْهَا وَجَاءَ تَائِبًا نَادِمًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. ١٢ - سُورَةُ يُوسُفَ وَقَالَ فَضِيلٌ، عَنْ حَصِينِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتَّكَأً: الْأُتْرُجُّ. بِالْحَبَشِيَّةِ مُتَكَا. وقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتَّكَأً: كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَذُو عِلْمٍ: عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صُوَاعَ: مَكُّوكُ الْفَارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الْأَعَاجِمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُفَنِّدُونَ: تَجْهَلُونَ وَقَالَ غَيْرُهُ: غَيَابَةُ الْجُبِّ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ: الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَطْوِ. بِمُؤْمِنٍ لَنَا: بِمُصَدِّقٍ. أَشُدُّهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ في النُّقْصَانِ، يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا شَدَّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأَتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ. وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ

стр. 4705

الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْمُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرِّ مِنْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْمَتْكُ سَاكِنَةُ التَّاءِ، وَإِنَّمَا الْمَتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا: مَتْكَاءُ فَإِنْ كَانَ ثُمَّ أَتُرَجُّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَأِ. شَغَفُهَا يُقَالُ: بَلَغَ إِلَى شَغَفِهَا وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعفُهَا فَمِنَ الْمَشْعوفِ. أَصُبُّ إِلَيْهِنَّ: أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ حُبًّا. أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ: مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَالضَّغْثُ: مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) وَاحِدُهَا: ضِغْثٌ. (نَمِيرُ): مِنَ الْمِيرَةِ. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَا يَحْمِلُ بِعِيرٌ. ﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ ضُمَّ إِلَيْهِ. السِّقَايَةُ: مِكْيَالٌ. تَفْتَأُ: لَا تَزَالُ. اسْتَيْأَسُوا: يَئِسُوا. وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رُوحِ اللَّهِ مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ. خَلَصُوا نَجَّيَا: اعتزلوا نَجَّيَا، وَالْجَمْعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ، الْوَاحِدُ نُجِّيَ، وَالْاثْنَانُ وَالْجَمْعُ نُجِّيَ وَأَنْجِيَةٌ. حَرَضًا: مُحَرَضًا يُذِيبَكَ الْهَمُّ. (تَحَسَّسُوا) تُخْبِرُوا. مُزْجَاةٍ: قَلِيلَةٌ. غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ: عَامَّةٌ مُجَلَّلَةٌ. قَوْلُهُ: (سُورَةُ يُوسُفَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ فُضَيْلٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُتَّكَأً الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: مُتْكًا الْأُتْرُجُّ. قَالَ فُضَيْلٌ: الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا. وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ. وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ رِوَايَةُ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قَالَ: أُتْرُجٌّ. وَرَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَزَادَ فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قَالَ: طَعَامًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) هَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ بِهَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمُتَّكَأُ بِالتَّثْقِيلِ الطَّعَامُ وَبِالتَّخْفِيفِ الْأُتْرُجُّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْهُ أَعَمُّ. قَوْلُهُ: (يُقَالُ بَلَغَ أَشُدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ. وَيُقَالُ بَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُهَا شَدٌّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْمُتَّكَأَ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ وَقَالُوا إِنَّمَا هُوَ الْمُتْكُ سَاكِنَةُ التَّاءِ، وَإِنَّمَا الْمُتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكَاءَ وَابْنِ الْمَتْكَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَتَرَجَّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَأِ) قُلْتُ: وَقَعَ هَذَا مُتَرَاخِيًا عَمَّا قَبْلَهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَالصَّوَابُ إِيرَادُهُ تِلْوَهُ، فَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْأَشُدِّ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْآحَادِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَاحِدُهُ شِدَّةٌ، وَكَذَا قَالَ الْكِسَائِيُّ لَكِنْ بِلَا هَاءٍ. وَاخْتَلَفَ النَّقَلَةُ فِي قَدْرِ الْأَشَدِّ الَّذِي بَلَغَهُ يُوسُفُ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ الْحُلُمُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ عِشْرُونَ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَقِيلَ مَا بَيْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ إِلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي غَيْرِهِ قِيلَ الْأَكْثَرُ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ ثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَقِيلَ سِتُّونَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وَكَانَ النَّبِيُّ لَا يُنَبَّأُ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عِيسَى ﵇ نُبِّئَ لِدُونِ أَرْبَعِينَ وَيَحْيَى كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وَسُلَيْمَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشُدِّ بُلُوغُ سِنِّ الْحُلُمِ.

стр. 4706

فَفِي حَقِّ يُوسُفَ ﵇ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا جَاءَ بَعْدَهُ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ وَفِي حَقِّ مُوسَى ﵇ لَعَلَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَبُلُوغِ الْأَرْبَعِينَ وَلِهَذَا جَاءَ بَعْدَهُ ﴿وَاسْتَوَى﴾ وَوَقَعَ فِي قَوْلِهِ ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعِينَ لَيْسَتْ حَدًّا لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُتَّكَأُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَعْتَدَتْ أَفْعَلَتْ مِنَ الْعَتَادِ وَمَعْنَاهُ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أَيْ نُمْرُقًا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ التُّرُنْجُ وَهَذَا أَبْطَلُ بَاطِلٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُتَّكَأِ تُرُنْجٌ يَأْكُلُونَهُ، وَيُقَالُ أَلْقَى لَهُ مُتَّكَأً يَجْلِسُ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَفْسِيرُ الْمُتَّكَأِ بِالْأُتْرُجِّ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَفِي الْأُتْرُجِّ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ثَانِيهَا بِالنُّونِ وَثَالِثُهَا مِثْلُهَا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَفِي الْمُفْرَدِ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ الْبِطِّيخَ وَالْمَوْزَ، وَقِيلَ كَانَ مَعَ الْأُتْرُجِّ عَسَلٌ، وَقِيلَ كَانَ لِلطَّعَامِ الْمَذْكُورِ بَزْمَاوَرْدُ، لَكِنْ مَا نَفَاهُ الْمُؤَلِّفُ ﵀ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدَةَ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ. قَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفِ الْأَعْرَابِيِّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا مُتْكًا مُخَفَّفَةً وَيُقَالُ هُوَ الْأُتْرُجُّ، وَقَدْ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَتَبِعَهُ الْأَخْفَشُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وَالْقَالِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ كَصَاحِبِ الْمُحْكَمِ وَالْجَامِعِ وَالصِّحَاحِ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا: أَهْلُ عُمَانِ يُسَمُّونَ السَّوْسَنَ الْمُتَّكَأَ، وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ الْأُتْرُجُّ وَبِفَتْحِهِ السَّوْسَنُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُتَّكَأُ مَا تُبْقِيهِ الْخَاتِنَةُ بَعْدَ الْخِتَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَتْكَاءُ الَّتِي لَمْ تُخْتَنْ، وَعَنِ الْأَخْفَشِ الْمُتَّكَأُ الْأُتْرُجُّ. (تَنْبِيهٌ): مُتْكًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ بِالْأُتْرُجِّ أَوْ غَيْرِهِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ فَهُوَ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنْ وِسَادَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأَكَابِرِ عِنْدَ الضِّيَافَةِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ لَا يَكُونُ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ تَعَارُضٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَهَا مُثَقَّلَةً قَالَ الطَّعَامُ، وَمَنْ قَرَأَهَا مُخَفَّفَةً قَالَ الْأُتْرُجُّ، ثُمَّ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّكَأُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْأُتْرُجِّ وَطَرَفِ الْبَظْرِ، وَالْبَظْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمُشَالَةُ مَوْضِعُ الْخِتَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ الْبَظْرَاءُ الَّتِي لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُتَّكَأَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاتِّكَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّكَأٌ بِمَعْنَى الْأُتْرُجُّ وَلَا بِمَعْنَى طَرَفِ الْبَظْرِ، فَجَاءَ فِيهَا بِعِبَارَاتٍ مُعَجْرَفَةٍ. كَذَا قَالَ فَوَقَعَ فِي أَشَدَّ مِمَّا أَنْكَرَهُ فَإِنَّهَا إِسَاءَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ لِمَنْ يَتَصَدَّى لِشَرْحِ كَلَامِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْبَظْرَ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَهُ طَرَفٌ مِنَ الْجَسَدِ كَالثَّدْيِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ بِهَذَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ مَكُّوكُ الْفَارِسِيِّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ الْأَعَاجِمُ بِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي غَرَائِبِ شُعْبَةَ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قَالَ: كَانَ كَهَيْئَةِ الْمَكُّوكِ مِنْ فِضَّةِ يَشْرَبُونَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ لِلْعَبَّاسِ مِثْلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَالْمَكُّوكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَافَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ثَقِيلَةٌ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ هُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ. (تَنْبِيهٌ): قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صُوَاعَ﴾، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ صَاعَ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ وَصَوْعَ الْمَلِكِ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ مِثْلَهُ لَكِنْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ حَكَاهَا الطَّبَرِيُّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونُ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أَنْ

стр. 4707

تُفَنِّدُونِ﴾ أَيْ تُسَفِّهُونَ، كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَيْضًا أَتَمَّ مِنْهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قَالَ لَمَّا خَرَجَتِ الْعِيرُ هَاجَتْ رِيحٌ فَأَتَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ يُوسُفَ فَقَالَ ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قَالَ لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونَ، قَالَ فَوَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ (تُفَنِّدُونَ) مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَنَدِ مُحَرَّكًا وَهُوَ الْهَرَمُ. قَوْلُهُ: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا هُوَ سَأَذْكُرُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ غَيَابَةُ إِلَخْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. قَوْلُهُ: ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أَيْ بِمُصَدِّقٍ. قَوْلُهُ: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يُقَالُ بَلَغَ شِغَافَهَا وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعَفَهَا يَعْنِي بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمِنَ الشُّعُوفِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أَيْ وَصَلَ الْحُبُّ إِلَى شِغَافِ قَلْبِهَا وَهُوَ غِلَافُهُ، قَالَ وَيَقْرَأُهُ قَوْمٌ شَعَفَهَا أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنَ الشُّعُوفِ انْتَهَى. وَالَّذِي قَرَأَهَا بِالْمُهْمَلَةِ أَبُو رَجَاءٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَعَوْفٌ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ وَالْجُمْهُورِ بِالْمُعْجَمَةِ، يُقَالُ مَشْغُوفٌ بِفُلَانٍ إِذَا بَلَغَ الْحُبُّ أَقْصَى الْمَذَاهِبِ، وَشِعَافُ الْجِبَالِ أَعْلَاهَا، وَالشِّغَافُ بِالْمُعْجَمَةِ حَبَّةُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ فِي صَمِيمِهِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الشَّغَفُ - يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ - أَنْ يَكُونَ قُذِفَ فِي بَطْنِهَا حُبُّهُ، وَالشَّعَفُ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ أَنْ يَكُونَ مَشْعُوفًا بِهَا. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ الشَّعَفَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْبُغْضُ وَبِالْمُعْجَمَةِ الْحُبُّ، وَغَلَّطَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الشَّعَفَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى عُمُومِ الْحُبِّ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَجْهَلَهُ ذُو عِلْمٍ بِكَلَامِهِمْ. قَوْلُهُ: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ حُبًّا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أَيْ أَهْوَاهُنَّ وَأَمِيلُ إِلَيْهِنَّ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي … وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبَى أَيْ يُمَالُ. قَوْلُهُ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، الضِّغْثُ مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ضِغْثًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ بِمَعْنَى مِلْءُ الْكَفِّ مِنَ الْحَشِيشِ لَا بِمَعْنَى مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ بِالْكَسْرِ وَهِيَ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيَا، وَأَرَاهُ جَمَاعَاتٌ تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيَا كَمَا يُجْمَعُ الْحَشِيشُ فَيَقُولُ ضِغْثٌ أَيْ مِلْءُ كَفٍّ مِنْهُ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ قَالَ: أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ قَالَ: هِيَ الْأَحْلَامُ الْكَاذِبَةُ. قَوْلُهُ: (نَمِيرُ مِنَ الْمِيرَةِ، وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ مِنْ مِرْتُ تَمِيرُ مَيْرًا وَهِيَ الْمِيرَةُ نَأْتِيهِمْ وَنَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَهُ مَا حَمَلَ بَعِيرُهُ. وَرَوَى الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ كَيْلَ حِمَارٍ، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ لَيْسَ: هَذَا حَرْفٌ نَادِرٌ، ذَكَرَ مُقَاتِلٌ عَنِ الزَّبُورِ الْبَعِيرِ كُلِّ مَا يَحْمِلُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ وَلَيْسَ بِهَا إِبِلٌ. كَذَا

стр. 4708

قَالَ. قَوْلُهُ: ﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ ضَمَّ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أَيْ ضَمَّهُ، آوَاهُ فَهُوَ يُؤْوِي إِلَيْهِ إِيوَاءً. قَوْلُهُ: (السِّقَايَةُ مِكْيَالٌ) هِيَ الْإِنَاءُ الَّذِي كَانَ يُشْرِبُ بِهِ، قِيلَ جَعَلَهُ يُوسُفُ ﵇ مِكْيَالًا لِئَلَّا يَكْتَالُوا بِغَيْرِهِ فَيَظْلِمُوا، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ قَالَ إِنَاءُ الْمَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿تَفْتَأُ﴾ لَا تَزَالُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أَيْ لَا تَزَالُ تَذْكُرُهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿تَفْتَأُ﴾ أَيْ لَا تَفْتُرُ عَنْ حُبِّهِ. وَقِيلَ مَعْنَى (تَفْتَأُ) تَزَالُ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ. قَوْلُهُ: (تَحَسَّسُوا تَخَبَّرُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ يَقُولُ تَخَبَّرُوا وَالْتَمِسُوا فِي الْمَظَانِّ. قَوْلُهُ: ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قَلِيلَةٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أَيْ يَسِيرَةٍ قَلِيلَةٍ، قِيلَ فَاسِدَةٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قَالَ: يَسِيرَةٌ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قَالَ: قَلِيلَةٌ. وَاخْتُلِفَ فِي بِضَاعَتِهِمْ فَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ دَرَاهِمَ رَدِيئَةً، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قَالَ: رَثَّةُ الْحَبْلِ وَالْغِرَارَةِ وَالشَّنِّ. قَوْلُهُ: ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عَامَّةٌ مُجَلَّلَةٌ) بِالْجِيمِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: عَامَّةٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ مُجَلَّلَةٌ، وَهِيَ بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَعُمُّهُمْ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ وَقِيعَةٌ تَغْشَاهُمْ. قَوْلُهُ: (حَرَضًا مُحْرَضًا يُذِيبُكَ الْهَمُّ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الْحَرِضُ الَّذِي أَذَابَهُ الْحُزْنُ أَوِ الْحُبُّ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُحَرَّضٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُزْنٌ فَأَحْرَضَنِي. أَيْ أَذَابَنِي. قَوْلُهُ: (اسْتَيْأَسُوا يَئِسُوا ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. قَوْلُهُ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أَيِ اعْتَزَلُوا نَجِيًّا وَالْجَمْعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ الْوَاحِدُ نَجِيٌّ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ نَجِيٌّ وَأَنْجِيَةٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي اعْتَرَفُوا بَدَلَ اعْتَزَلُوا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أَيِ اعْتَزَلُوا نَجِيًّا يَتَنَاجَوْنَ، وَالنَّجِيُّ يَقَعُ لَفْظُهُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ أَيْضًا، وَقَدْ يُجْمَعُ فَيُقَالُ أَنْجِيَةٌ. ١ - بَاب ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ ٤٦٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنَ عُمَرَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى فَضِيلَةٍ خَاصَّةٍ وَقَعَتْ لِيُوسُفَ ﵇ لَمْ يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ أَكْرَمُ النَّاسِ أَيْ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْجُعْفِيُّ شَيْخُهُ الْمَشْهُورُ، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ هُنَا: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

стр. 4709

٢ - بَاب ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ٤٦٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ أَسْمَاءُ إِخْوَةِ يُوسُفَ وَهُمْ: رُوبِيلُ، وَشَمْعُونُ، وَلَاوِي، وَيَهُوذَا، وَريالونُ، وَيشجرُ، وَدَانٌ، وَنيالُ، وَجَادٌ، وَأشرُ، وَبِنْيَامِينُ، وَأَكْبَرُهُمْ أَوَّلُهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَمُحَمَّدٌ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَبْدُهُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ الْعُمَرِيُّ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِ يَعْقُوبَ ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ غُمُوضٌ، لِأَنَّهُ جَزَمَ بِالِاجْتِبَاءِ، وَظَاهِرُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، فَكَيْفَ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَهْلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ: لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِ الذِّئْبِ لَهُ أَكْلُ جَمِيعِهِ بِحَيْثُ يَمُوتُ. ثَانِيهَا أَرَادَ بِذَلِكَ دَفْعَ إِخْوَتِهِ عَنِ التَّوَجُّهِ بِهِ فَخَاطَبَهُمْ بِمَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ لَا عَلَى مَا هُوَ فِي مُعْتَقَدِهِ. ثَالِثُهَا أَنَّ قَوْلَهُ يَجْتَبِيكَ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَلَا يُنَافِي وُقُوعَ هَلَاكِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. رَابِعُهَا أَنَّ الِاجْتِبَاءَ الَّذِي ذَكَرَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ سَيَحْصُلُ لَهُ كَانَ حَصَلَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ إِخْوَتُهُ أَبَاهُمْ أَنْ يُوَجِّهَهُ مَعَهُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ أَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤْتَى النُّبُوَّةَ فِي ذَلِكَ السِّنِّ فَقَدْ قَالَ فِي قِصَّةِ يَحْيَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِيَحْيَى فَقَدْ قَالَ عِيسَى وَهُوَ فِي الْمَهْدِ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وَإِذَا حَصَلَ الِاجْتِبَاءُ الْمَوْعُودُ بِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ. خَامِسُهَا أَنَّ يَعْقُوبَ أَخْبَرَ بِالِاجْتِبَاءِ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا أَوْحَي إِلَيْهِ بِهِ، وَالْخَبَرُ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ عِنْدَ قَوْمٍ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَمْثِلَتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ تَجْوِيزًا لَا وُقُوعًا، وَقَرِيبٌ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَنَا بِأَشْيَاءَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ كَالدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَزَعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، وَقَوْلُهُ تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ٣ - باب ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ. ٤٦٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. ح. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ

стр. 4710

لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، قُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ. ٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ أَيْ زَيَّنَتْ وَحَسَّنَتْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ. وَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ فَذَكَرَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ طَرَفًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا قِيلَ فِي الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِنَ الِانْقِطَاعِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ مُسْتَوْفًى، وَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٤ - بَاب ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بِالْحَوْرَانِيَّةِ: هَلُمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ ٤٦٩٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قَالَ: وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا. ﴿مَثْوَاهُ﴾ مُقَامُهُ. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدَا. ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾، ﴿أَلْفَيْنَا﴾ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ٤٦٩٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالإِسْلَامِ قَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتْ الْبَطْشَة" قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ اسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي الْمَشْهُورِ زُلَيْخَا، وَقِيلَ رَاعِيلُ، وَاسْمُ سَيِّدِهَا الْعَزِيزُ قِطْفِيرُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَقِيلَ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْقَافِ. قَوْلُهُ: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ

стр. 4711

هَيْتَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ) أَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ هُيِّئْتُ لَكَ يَعْنِي بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ يَعْنِي هَلُمَّ لَكَ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَعْنَاهَا تَهَيَّأْتُ لَكَ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ هَلُمَّ لَكَ. وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أَيْ هَلُمَّ، وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: إِنَّ الْعِرَاقَ وَأَهْلَهُ … عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهِيتَ هِيتًا قَالَ وَلَفْظُ هَيْتَ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ الْعَدَدَ فِيمَا بَعْدُ، تَقُولُ هَيْتَ لَكَ وَهَيْتَ لَكُمَا. قَالَ وَشَهِدْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّنْ قَرَأَ هِئْتُ لَكَ أَيْ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مَهْمُوزًا. فَقَالَ: بَاطِلٌ، لَا يَعْرِفُ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، انْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ، وَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وَقَالَ: إِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظٍ: إِنِّي سَمِعْتُ الْفَرَّاءَ فَسَمِعَتهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ، فَاقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعُ وَالِاخْتِلَافُ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلُمَّ وَتَعَالَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فَقُلْتُ: إِنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَهَا (هِيتَ لَكَ) قَالَ: لَا، لَأَنْ أَقْرَأَهَا كَمَا عَلِمْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، وَزَائِدَةٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا (هَيْتَ لَكَ بِالْفَتْحِ)، وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ. بِإِسْنَادِهِ لَكِنْ قَالَ بِالضَّمِّ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَرَأَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِالْفَتْحِ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَقْرَءُونَهَا بِالضَّمِّ فَذَكَرَهُ. وَهَذَا أَقْوَى. قُلْتُ: وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَبِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، لَكِنْ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِنْكَارُ أَبِي عَمْرٍو ذَلِكَ، لَكِنْ ثَبَتَ مَا أَنْكَرَهُ فِي قِرَاءَةِ هِشَامٍ فِي السَّبْعَةِ، وَجَاءَ عَنْهُ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ أَيْضًا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِالضَّمِّ، وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ ذِكْوَانَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ آخِرِهِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِهِمَا، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ آخِرِهِ وَهِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ أَحَدُ مَشَايِخِ النَّحْوِ بِالْبَصْرَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ آخِرِهِ، وَحَكَى النَّحَّاسُ أَنَّهُ قَرَأَ بِكَسْرِهِمَا. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا بِالْحَوْرَانِيَّةِ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا لُغَةٌ قِبْطِيَّةٌ مَعْنَاهَا هَلُمَّ لَكَ، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ هِيَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَأَصْلُهَا هت لج أَيْ تَعَالَهْ فَعُرِّبَتْ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ عَرَبِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْحَثُّ عَلَى الْإِقْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (مَثْوَاهُ مَقَامُهُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أَيْ مَقَامَهُ الَّذِي ثَوَّاهُ، وَيُقَالُ لِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ ضَيْفًا: أَبُو مَثْوَاهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدَا أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ وَأَلْفَى) (١) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أَيْ وَجَدَاهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أَيْ

стр. 4712

وَجَدُوا. وَفِي قَوْلِهِ: (أَلْفَى) أَيْ وَجَدَ. قَوْلُهُ: (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْطُوفًا عَلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا، وَقَدْ أَشْكَلَتْ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّهَا مِنْ سُورَةِ وَالصَّافَّاتِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ مَعْنَاهَا شَيْءٌ. لَكِنْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ. الْحَدِيثَ. وَلَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ أَيْضًا لِلتَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهَا أَبُو الْإِصْبَعِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ فِي شَرْحِهِ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ رِحْلَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ عَنْهُ مَا مُلَخَّصُهُ: تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَأَدْخَلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا الْحَدِيثَ وَأَوْرَدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ قَالَ فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْفَائِدَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مُنَاسَبَةَ التَّبْوِيبِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ مَا عَرَضَ لِيُوسُفَ ﵇ مَعَ إِخْوَتِهِ وَمَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِمَا عَرَضَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ حِينَ أَخْرَجُوهُ مِنْ وَطَنِهِ كَمَا أَخْرَجَ يُوسُفَ إِخْوَتُهُ وَبَاعُوهُ لِمَنِ اسْتَعْبَدَهُ فَلَمْ يُعَنِّفِ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمَهُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ كَمَا لَمْ يُعَنِّفْ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ حِينَ قَالُوا لَهُ ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَطَرِ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا دَعَا يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ لَمَّا جَاءُوهُ نَادِمِينَ فَقَالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَالَ: فَمَعْنَى الْآيَةِ بَلْ عَجِبْتَ مِنْ حِلْمِي عَنْهُمْ مَعَ سُخْرِيَتِهِمْ بِكَ وَتَمَادِيهِمْ عَلَى غَيِّهِمْ، وَعَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالضَّمِّ بَلْ عَجِبْتُ مِنْ حِلْمِكَ عَنْ قَوْمِكِ إِذْ أَتَوْكَ مُتَوَسِّلِينَ بِكَ فَدَعَوْتَ فَكُشِفَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ كَحِلْمِ يُوسُفَ عَنْ إِخْوَتِهِ إِذْ أَتَوْهُ مُحْتَاجِينَ، وَكَحِلْمِهِ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ حَيْثُ أَغْرَتْ بِهِ سَيِّدَهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَنَتْهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤَاخِذْهَا. قَالَ: فَظَهَرَ تَنَاسُبُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى مَعَ بُعْدِ الظَّاهِرِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِهِ - مِمَّا عَابَهُ بِهِ مَنْ لَمْ يَفْتَحِ اللَّهُ عَلَيْهِ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ أَيْضًا بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّافَّاتِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَغَيِّهِمْ، وَمِنْ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَعَنِ بْنِ مَسْعُودٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ قِرَاءَةَ (عَجِبْتُ) بِالضَّمِّ وَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ وَإِنَّمَا يَعْجَبُ مَنْ لَا يَعْلَمُ، قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، وَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّافَّاتِ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا بِالضَّمِّ كَمَا يَقْرَأُ هِيتُ بِالضَّمِّ انْتَهَى. وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَا بَأْسَ بِهَا إِلَّا أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ سَهْلٍ أَدَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَرَأَ بِالضَّمِّ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَهُوَ ضَمِيرُ الرَّسُولِ، وَبِهِ صَرَّحَ قَتَادَةُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلَّ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ، وَأَمَّا الضَّمُّ فَحِكَايَةُ شُرَيْحٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا لِلسَّامِعِ أَيْ قُلْ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ أَقَرَّهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ عَجِبْتَ اللَّهُ عَجِبَ، وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بِالرَّفْعِ وَيَقُولُ نَظِيرُهَا ﴿وَإِنْ

стр. 4713

تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَجَبٌ. وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيِّ وَلَقَبُهُ مَتٌّ قَالَ وَكَانَ يَفْضُلُ عَلَى الْكِسَائِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ أَقْرَأَ بَلْ عَجِبْتَ بِالضَّمِّ خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ) وَهُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ بِالتَّصْغِيرِ، وَهُوَ أَبُو الضُّحَى، وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ أَخْبَرَنِي الْأَعْمَشُ - أَوْ أُخْبِرْتُ عَنْهُ - عَنْ مُسْلِمٍ كَذَا عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ مِنَ الْأَعْمَشِ أَوْ أَخْبَرْتُهُ عَنْهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ وَهَذَا الشَّكُّ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَتَكُونُ هَذِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥ - بَاب ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ وَحَاشَ وَحَاشَى: تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ. ﴿حَصْحَصَ﴾ وَضَحَ ٤٦٩٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةُ انْقَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ رَبِّكَ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلُهُ ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ وَسَاقَ غَيْرُهُ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ قَوْلُهُ: (حَاشَ وَحَاشَا تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ الشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَبَعْضُهُمْ يُدْخِلُهَا فِي آخِرِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: حَاشَى أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ. وَمَعْنَاهُ التَّنْزِيهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَنِ الشَّرِّ، تَقُولُ حَاشَيْتُهُ أَيِ اسْتَثْنَيْتُهُ، وَقَدْ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الشِّينِ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِهَا فِي الْوَصْلِ، وَفِي حَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الْحَاءِ لُغَةٌ وَقَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا حَرْفٌ أَوِ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ حَذَفَهَا رَجَّحَ فِعْلِيَّتَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَفَاهَا، وَيُؤَيِّدُ فِعْلِيَّتَهَا قَوْلُ النَّابِغَةِ: وَلَا أُحَاشِي مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْكَلِمَةِ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ دَلِيلٌ فِعْلِيَّتِهَا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ وَحَذْفَهَا سَوَاءٌ لُغَةً، وَقِيلَ إِنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ الْأَخِيرَةِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ دُونَ غَيْرِهِمْ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ تَنْزِيهٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَفِي رِوَايَةِ حَكَاهَا عِيَاضٌ مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ تَاءُ تَأْنِيثٍ. قَوْلُهُ: (حَصْحَصَ وَضَحَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أَيِ السَّاعَةُ وَضَحَ الْحَقُّ وَتَبَيَّنَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَاهُ تَبَيَّنَ وَظَهَرَ بَعْدَ خَفَاءٍ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصَّةِ أَيْ ظَهَرَتْ حِصَّةُ الْحَقِّ

стр. 4714

مِنْ حِصَّةِ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ مِنْ حَصَّهُ إِذَا قَطَعَهُ، وَمِنْهُ أَحَصَّ الشَّعْرَ وَحَصَّ وَحَصْحَصَ مِثْلُ كَفَّ وَكَفْكَفَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ، مِصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَى جَدِّهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) هُوَ الْعُتَقِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا قَافٌ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ مَالِكٍ وَرَاوِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عِلْمِ مَالِكٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَ الْمَوْضِعِ. وَالْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْمِصْرِيِّينَ إِلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ الْمِصْرِيَّ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَقْرَانِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَرْجَمَتَيْ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. ٦ - بَاب ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ ٤٦٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا. قُلْتُ: فَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. قَالَتْ: أَجَلْ، لَعَمْرِي لَقَدْ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنْ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتْ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ. جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ. ٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ نَحْوَه" قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ اسْتَيْأَسَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْيَأْسِ ضِدُّ الرَّجَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ اسْتَفْعَلُوا مِنْ يَئِسْتُ، وَمِثْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِاسْتَفْعَلَ إِلَّا الْوَزْنَ خَاصَّةً وَإِلَّا فَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ، وَاسْتَيْأَسَ بِمَعْنَى يَئِسَ كَاسْتَعْجَبَ وَعَجِبَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْغَايَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (حَتَّى) فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ التَّقْدِيرُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ فَتَرَاخَى النَّصْرُ عَنْهُمْ (حَتَّى إِذَا) وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَلَمْ تُعَاقَبْ أُمَمُهُمْ حَتَّى إِذَا، وَقِيلَ فَدَعَوْا قَوْمَهُمْ فَكَذَّبُوهُمْ فَطَالَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا. قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ كُذِّبُوا أَمْ كُذِبُوا) أَيْ مُثَقَّلَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ؟ وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ كُذِّبُوا) أَيْ بِالتَّثْقِيلِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مُثَقَّلَةٌ. قَوْلُهُ: (فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ أَجَلْ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قُلْتُ فَهِيَ مُخَفَّفَةٌ، قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا

стр. 4715

أَنْكَرَتِ الْقِرَاءَةَ بِالتَّخْفِيفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، وَلَيْسَ الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ وَلَا لِإِنْكَارِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ مَعْنًى بَعْدَ ثُبُوتِهَا. وَلَعَلَّهَا لَمْ يَبْلُغُهَا مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَئِمَّةُ الْكُوفَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَاصِمٌ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَوَافَقَهُمْ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ فِي آخَرِينَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَمْ تُنْكِرْ عَائِشَةُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ. كَذَا قَالَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يُوَافِقُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَائِشَةَ، ثُمَّ لَا يَدْرى رَجَعَ إِلَيْهَا أَمْ لَا. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقْرَأُ (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ فَقَالَ: أَخْبِرْهُ عَنِّي أَنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ (كُذِّبُوا) مُثَقَّلَةٌ أَيْ كَذَّبَتْهُمْ أَتْبَاعُهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةٌ قَالَ ذَهَبَ بِهَا هُنَالِكَ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِمَا هُنَالِكَ بِمِيمٍ بَدَلَ الْهَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ذَهَبَ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ - وَتَلَا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا بَشَرًا ضَعُفُوا وَأَيِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُولُ الرَّسُولِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ الْجَمِيعُ مَقُولُ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى مَقُولُ الْجَمِيعِ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهِيَ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. وَالْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ وَهِيَ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ مَقُولُ الرَّسُولِ، وَقُدِّمَ الرَّسُولُ فِي الذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَهَذَا أَوْلَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَ قَوْلُ الرَّسُولِ ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ شَكًّا بَلِ اسْتِبْطَاءً لِلنَّصْرِ وَطَلَبًا لَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يُجِيزُ عَلَى الرُّسُلِ أَنَّهَا تُكَذِّبُ بِالْوَحْيِ، وَلَا يُشَكُّ فِي صِدْقِ الْمُخْبِرِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُم لِطُولِ الْبَلَاءِ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَاءِ النَّصْرِ وَشِدَّةِ اسْتِنْجَازِ مَنْ وَعَدُوهُ بِهِ تَوَهَّمُوا أَنَّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنَ الْوَحْيِ كَانَ حُسْبَانًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَظَنُّوا عَلَيْهَا الْغَلَطَ فِي تَلَقِّي مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الَّذِي بُنِيَ لَهُ الْفِعْلُ أَنْفُسُهُمْ لَا الْآتِي بِالْوَحْيِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَذِبِ الْغَلَطُ لَا حَقِيقَةُ الْكَذِبِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٌ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ أَيْ غَلِطُوا، وَيَكُونُ فَاعِلُ ﴿وَظَنُّوا﴾ الرُّسُلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدَ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الضُّحَى، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَالْعَوْفِيِّ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَيِسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ أَرَادَ بِالظَّنِّ مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَيَهْجِسُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْوَسْوَسَةِ وَحَدِيثُ النَّفْسِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْبَشَرِيَّةُ، وَأَمَّا الظَّنُّ وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يُظَنُّ بِالْمُسْلِمِ فَضْلًا عَنِ الرَّسُولِ. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ الْقُشَيْرِيُّ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُرَادَ خَطَرَ بِقَلْبِ الرُّسُلِ فَصَرَفُوهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوِ الْمَعْنَى قَرَّبُوا مِنَ الظَّنِّ كَمَا يُقَالُ بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِذَا قَرُبَتْ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَجْهُهُ أَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَخَافُ بَعْدَ أَنْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ أَنْ يَتَخَلَّفُ النَّصْرُ، لَا مِنْ تُهْمَةٍ بِوَعْدِ اللَّهِ بَلْ لِتُهْمَةِ النُّفُوسِ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا يَنْقُضُ ذَلِكَ الشَّرْطَ، فَكَانَ الْأَمْرُ إِذَا طَالَ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ دَخَلَهُمُ الظَّنُّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قُلْتُ: وَلَا يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُجَوِّزُ عَلَى الرَّسُولِ أَنَّ نَفْسَهُ تُحَدِّثُهُ بِأَنَّ اللَّهَ

стр. 4716

يُخْلِفُ وَعْدَهُ، بَلِ الَّذِي يُظَنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كَانُوا بَشَرًا إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ لَا نَفْسِ الرُّسُلِ، وَقَوْلُ الرَّاوِي عَنْهُ ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ أَيْ إِلَى السَّمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ ظَنُّوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَى لِسَانِ الْمَلِكِ تَخَلَّفَ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي خَوَاطِرِ بَعْضِ الْأَتْبَاعِ. وَعَجَبٌ لِابْنِ الْأَنْبَارِيِّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ. ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَوَقُّفِهِ عَنْ صِحَّةِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ، لَكِنْ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الرُّسُلَ هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ، بَلِ الضَّمِيرُ فِي وَظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، وَفِي وَكُذِبُوا عَائِدٌ عَلَى الرُّسُلِ أَيْ وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كُذِبُوا، أَوِ الضَّمَائِرُ لِلرُّسُلِ وَالْمَعْنَى يَئِسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ وَتَوَهَّمُوا أَنَّ أَنْفُسَهُمْ كَذَبَتْهُمْ حِينَ حَدَّثَتْهُمْ بِقُرْبِ النَّصْرِ، أَوْ كَذَبَهُمْ رَجَاؤُهُمْ. أَوِ الضَّمَائِرُ كُلُّهَا لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ أَيْ يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ، وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَّبُوهُمْ فِي جَمِيعِ مَا ادَّعُوهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْوَعْدِ بِالنَّصْرِ لِمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ لِمَنْ لَمْ يُجِبْهُمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا وَجَبَ تَنْزِيهَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ عَلَى الرُّسُلِ، وَيُحْمَلُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَى ظَاهِرِ مَسَاقِهِمْ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ، وَظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا. فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ لَمَّا سَمِعَهُ: لَوْ رَحَلْتُ إِلَى الْيَمَنِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَكَانَ قَلِيلًا. فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرَ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْعَارِفِينَ بِكَلَامِهِ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ. وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ لَهُ: آيَةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ فِي هَذَا أَلَوْتَ أَنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ، وَقَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ. وَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ، فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ قَالَ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي تَأْوِيلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةٌ أَيْ أَخْلَفُوا، إِلَّا أَنَّا إِذَا قَرَّرْنَا أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ لَمْ يَضُرَّ تَفْسِيرَ كُذِبُوا بِأَخْلَفُوا، أَيْ ظَنَّ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ أَخْلَفُوا مَا وَعَدُوا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ. سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ حِينَ أَبْطَأَ الْأَمْرُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْءٌ مُوهِمٌ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الَّذِي يُكْرَهُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا مَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَرَادَ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرُّسُلِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِمَّنْ آمَنَ مِمَّا يُكْرَهُ سَمَاعُهُ، فَلَمْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الرُّسُلَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْ جَازَ أَنْ يَرْتَابَ الرُّسُلُ بِوَعْدِ اللَّهِ وَيَشُكُّوا فِي حَقِيقَةِ خَبَرِهِ لَكَانَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ أَوْلَى بِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَقَدِ اخْتَارَ الطَّبَرِيُّ قِرَاءَةَ التَّخْفِيفِ وَوَجَّهَهَا بِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذَا لِأَنَّ الْآيَةَ وَقَعَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فَكَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ يَأْسَ الرُّسُلِ كَانَ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ فَهَلَكُوا، أَوْ أَنَّ الْمُضْمَرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ

стр. 4717

الْهَالِكَةِ. وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ الْخَبَرَ عَنِ الرُّسُلِ وَمَنْ آمَنَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَنُنَجِّي مَنْ نَشَاءُ أَيِ الَّذِينَ هَلَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا فَكَذَّبُوهُمْ، وَالرُّسُلُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَجَوْا، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ. قَوْلُهُ: (قَالَتْ أَجَلْ) أَيْ نَعَمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَقِيلٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَتْ يَا عُرَيَّةُ وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَأَصْلُهُ عُرَيْوَةٌ فَاجْتَمَعَ حَرْفَا عِلَّةٍ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ فِي الْأُخْرَى. قَوْلُهُ: (لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِحَمْلِ عُرْوَةَ الظَّنَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ رُجْحَانُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَوَافَقَتْهُ عَائِشَةُ. لَكِنْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ هُنَا الْيَقِينُ. وَنَقَلَهُ نَفْطَوَيْهِ هُنَا عَنْ أَكْثَرَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الظَّنَّ لَا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ فِي مَوْضِعِ الْعِلْمِ إِلَّا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ غَيْرَ الْمُعَايَنَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةَ فَلَا، فَإِنَّهَا لَا تَقُولُ أَظُنُّنِي إِنْسَانًا وَلَا أَظُنُّنِي حَيًّا بِمَعْنَى إِنْسَانًا أَوْ حَيًّا. قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةٌ قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ. نَحْوَهُ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِتَمَامِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. (فَائِدَةٌ): قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ (فَنُنْجِي مَنْ نَشَاءُ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنُونَيْنِ الثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ وَالْجِيمُ خَفِيفَةٌ وَسُكُونُ آخِرِهِ مُضَارِعُ أَنْجَى، وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وَفَتْحِ آخِرِهِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَمَنْ قَائِمَةٌ مَقَامُ الْفَاعِلِ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخْرَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ: كُلُّ مَنْ قَرَأَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِقِرَاءَتِهِ وَالْحُجَّةُ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٣ - سُورَةُ الرَّعْدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ظِلِّ خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلَّلَ. ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ مُتَدَانِيَاتٌ. ﴿الْمَثُلاتُ﴾ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ، وَهِيَ الْأَشْبَاهُ وَالْأَمْثَالُ. وَقَالَ: ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾، ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بِقَدَرٍ. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى. وَمِنْهُ قِيلَ: الْعَقِيبُ، يقال: عَقَّبْتُ فِي إِثْرِهِ. ﴿الْمِحَالِ﴾ الْعُقُوبَةُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ. ﴿رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو. ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ﴾ الْمَتَاعُ: مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ. ﴿جُفَاءً﴾ أَجْفَأَتْ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ، ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ. ﴿الْمِهَادُ﴾ الْفِرَاشُ. يَدْرَءُونَ: يَدْفَعُونَ، دَرَأْتُهُ: دَفَعْتُهُ. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ تَوْبَتِي. أَفَلَمْ يَيْئَسْ: لَمْ يَتَبَيَّنْ. ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ، مِنْ الْمَلِيِّ وَالْمِلَاوَةِ، وَمِنْهُ: ﴿مَلِيًّا﴾ وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنْ الْأَرْضِ: مَلًى مِنْ الْأَرْضِ. ﴿أَشَقُّ﴾ أَشَدُّ، مِنْ الْمَشَقَّةِ. ﴿مُعَقِّبَ﴾ مُغَيِّرٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ وَحْدَهَا. ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ

стр. 4718

وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ. السَّحَابُ الثِّقَالُ: الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا. ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ زَبَدُ السَّيْلِ. ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ. قَوْلُهُ: (سُورَةُ الرَّعْدِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى ظِلِّ خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ الْآيَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ فَلَا يَقْدِرُ بِالرَّاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْقَابِسِيِّ يَقْدَمُ بِالْمِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ مَثَلُ الْأَوْثَانِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلِ قَدْ بَلَغَهُ الْعَطَشُ حَتَّى كَرَبَهُ الْمَوْتُ وَكَفَّاهُ فِي الْمَاءِ قَدْ وَضَعَهُمَا لَا يَبْلُغَانِ فَاهُ، يَقُولُ اللَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ الْأَوْثَانُ وَلَا تَنْفَعُهُ حَتَّى تَبْلُغَ كَفَّا هَذَا فَاهُ وَمَا هُمَا بِبَالِغَتَيْنِ فَاهُ أَبَدًا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَالرَّجُلِ الْعَطْشَانِ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الْمَاءُ إِلَيْهِ وَمَا هُوَ بِمُرْتَفِعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ: الَّذِي يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا مِنْ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، مَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي بَسَطَ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَلَا يَصِلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَمُوتُ عَطَشًا. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ وَلَكِنْ قَالَ: وَلَيْسَ الْمَاءُ بِبَالِغٍ فَاهُ مَا دَامَ بَاسِطًا كَفَّيْهِ لَا يَقْبِضُهُمَا، وَسَيَأْتِي قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: مُتَجَاوِرَاتٌ مُتَدَانِيَاتٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَثُلَاتُ وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ وَهِيَ الْأَمْثَالُ وَالْأَشْبَاهُ، وَقَالَ: ﴿إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ ذَلَّلَ، مُتَجَاوِرَاتٍ: مُتَدَانِيَاتٍ، الْمُثُلَاتُ وَاحِدُهَا مُثْلَةٌ إِلَى آخِرِهِ، فَجَعَلَ الْكُلَّ لِقَاتِلٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ وَسَخَّرَ هُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. وَذَلَّلَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ تَفْسِيرُ سَخَّرَ، وَكُلُّ هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أَيْ ذَلَّلَهُمَا فَانْطَاعَا، قَالَ: وَالتَّنْوِينُ فِي كُلٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ فَلَمْ يَعْمَلُ فِيهِ وَسَخَّرَ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أَيْ مُتَدَانِيَاتٌ مُتَقَارِبَاتٌ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ وَالْأَشْبَاهُ وَالنَّظِيرُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ قَالَ: الْأَمْثَالُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قال: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ الْعُقُوبَاتُ. وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿الْمَثُلاتُ﴾ مَا مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأُمَمِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهُوَ جَمْعُ مَثُلَةٍ كَقَطْعِ الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ. (تَنْبِيهٌ): الْمَثُلَاتُ وَالْمَثُلَةُ كِلَاهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ مِثْلُ سَمُرَةٍ وَسَمُرَاتٍ، وَسَكَّنَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ الْمُثَلَّثَةَ فِي قِرَاءَتِهِ وَضَمَّ الْمِيمَ، وَكَذَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ لَكِنْ فَتَحَ أَوَّلَهُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِفَتْحِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِضَمِّهِمَا، وَبِهِمَا قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (بِمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَزَادَ: مِفْعَالٌ مِنَ الْقَدرِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَيْ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا مَعْلُومًا. قَوْلُهُ: (يُقَالُ مُعَقِّبَاتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الْأُولَى مِنْهَا الْأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ الْعَقِيبُ أَيْ عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ) سَقَطَ لَفْظُ يُقَالُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أَيْ مَلَائِكَةٌ تُعَقِّبُ بَعْدَ مَلَائِكَةٍ،

стр. 4719

حَفَظَةٌ بِاللَّيْلِ تُعَقِّبُ بَعْدَ حَفَظَةِ النَّهَارِ وَحَفَظَةُ النَّهَارِ تُعَقِّبُ بَعْدَ حَفَظَةِ اللَّيْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ عَقَّبَنِي وَقَوْلُهُمْ عَقَّبْتُ فِي أَثَرِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُهُ خَلَوْا عَنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَالْمُعَقِّبَاتُ هُنَّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: حِفْظُهُمْ إِيَّاهُ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ. وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبِكُمْ وَعَوْرَاتِكُمْ لَتُخُطِّفْتُمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كِنَانَةِ الْعَدَوِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلَةِ بِالْآدَمِيِّ فَقَالَ: لِكُلِّ آدَمِيٌّ عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ وَعَشَرَةٌ بِالنَّهَارِ، وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ وَاثْنَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَاثْنَانِ عَلَى جَنْبَيْهِ وَآخَرُ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِهِ فَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ وَإِنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ وَاثْنَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالْعَاشِرُ يَحْرُسُهُ مِنَ الْحَيَّةِ أَنْ تَدْخُلَ فَاهُ يَعْنِي إِذَا نَامَ. وَجَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلٍ آخَرَ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ قَالَ: ذَلِكَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَهُ حَرَسٌ وَمِنْ دُونِهِ حَرَسٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: (مُعَقِّبَاتٌ) قَالَ: الْمَرَاكِبُ. (تَنْبِيهٌ): عَقَّبْتُ يَجُوزُ فِيهِ تَخْفِيفُ الْقَافِ وَتَشْدِيدِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ كَسْرُ الْقَافِ مَعَ التَّخْفِيفِ فَيَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لُغَةً. قَوْلُهُ: ﴿الْمِحَالِ﴾ الْعُقُوبَةُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قَالَ شَدِيدُ الْقُوَّةِ، وَمِثْلَهُ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوَهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: شَدِيدُ الِانْتِقَامِ، وَأَصْلُ الْمِحَالِ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْقُوَّةُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ الْمَحْلُ وَهُوَ الْمَكْرُ، وَقِيلَ الْحِيلَةُ وَالْمِيمُ مَزِيدَةٌ وَغَلَّطُوا قَائِلُهُ، وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَارَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى رَجُلٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُ - الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَأَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً فَذَهَبَتْ بِقَحْفِ رَأْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنْ ثَابِتٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا. قَوْلُهُ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أَيْ أَنَّ الَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى فَمِهِ لَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا تَجْمَعُهُ أَنَامِلُهُ، قَالَ صَابِئُ بْنُ الْحَارِثِ: وَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمْ … كَقَابِضِ مَاءٍ لَمْ تُسِقْهُ أَنَامِلُهُ تُسِقْهُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ لَمْ تَجْمَعْهُ. قَوْلُهُ: (رَابِيًا مِنْ رَبَا يَرْبُو) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ مِنْ رَبَا يَرْبُو أَيْ يَنْتَفِخُ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ قَتَادَةَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ الْمَتَاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ لِذَلِكَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (جُفَاءً يُقَالُ أَجْفَأَتِ الْقِدْرَ إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: يُقَالُ أَجْفَأَتِ الْقِدْرَ وَذَلِكَ إِذَا غَلَتْ وَانْتَصَبَ زَبَدُهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ تُنَشِّفُهُ

стр. 4720

الْأَرْضُ، يُقَالُ جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَى فِي مَعْنَى نَشَفَ، وَقَرَأَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ فَيَذْهَبُ جُفَالًا بِاللَّامِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَهِيَ مِنْ أَجَفَلَتِ الرِّيحُ الْغَيْمَ إِذَا قَطَعَتْهُ. قَوْلُهُ: (الْمِهَادُ الْفِرَاشُ) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (يَدْرَءُونَ يَدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (الْأَغْلَالُ وَاحِدُهَا غَلٌّ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَعْنَاقِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا. قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ﴾ قَالَ: مَجَازُهُ مَجَازُ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي فِيهِ ضَمِيرٌ، تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: حُذِفَتْ يَقُولُونَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ، كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَدْخُلُونَ، أَيْ يَدْخُلُونَ قَائِلِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ. قَوْلُهُ: (وَالْمَتَابُ إِلَيْهِ تَوْبَتِي) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَتَابُ مَصْدَرٌ تُبْتُ إِلَيْهِ وَتَوْبَتِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ قَالَ: تَوْبَتِي. قَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُ وَيَتَبَيَّنُ قَالَ سُحَيْمُ الْيَرْبُوعِيُّ: "أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابْنُ فَارِسٍ زَهْدَمٍ " أَيْ لَمْ تُبَيِّنُوا. وَقَالَ آخَرُ: أَلَمْ يَيْأَسِ الْأَقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ … وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ نَائِيًا وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا لُغَةُ هَوَازِنٍ تَقُولُ: يَئِسْتُ كَذَا أَيْ عَلِمْتُهُ، قَالَ: وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ - يَعْنِي الْفَرَّاءُ - لَكِنَّهُ سَلَّمَ أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى عَلِمْتُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْيَأْسَ إِنَّمَا اسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْآيِسَ عَنِ الشَّيْءِ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمْ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كُلِّهِمْ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَيَقُولُ: كَتَبَهَا الْكَاتِبُ وَهُوَ نَاعِسٌ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ جَاءَتْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَابْنِ مُلَيْكَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ بَدِيمَةَ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَابْنِهِ زَيْدٍ وَحَفِيدِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي آخِرِ مَنْ قَرَءُوا كُلُّهُمْ أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَأَمَّا مَا أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالرِّجَالِ صِحَّتِهِ، وَبَالَغَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي ذَلِكَ كَعَادَتِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَهِيَ وَاللَّهِ فِرْيَةٌ مَا فِيهَا مِرْيَةٌ. وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ قَالَ وَوَصَّى الْتَزَقَتِ الْوَاوُ فِي الصَّادِ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ تَكْذِيبُ الْمَنْقُولِ بَعْدَ صِحَّتِهِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ التَّحْصِيلِ، فَلْيُنْظَرْ فِي تَأْوِيلِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قَارِعَةٌ﴾ دَاهِيَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أَيْ دَاهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ. تَقُولُ قَرَعْتُ عَظْمَهُ أَيْ صَدَعْتُهُ، وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُ بِأَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ: فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قَالَ سَرِيَّةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ قَالَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ فَتْحُ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَطَلْتُ، مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمِلَاوَةِ. وَمِنْهُ مَلِيًّا، وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الْأَرْضِ مَلًى) كَذَا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ أَطَلْتُ لَهُمْ، وَمِنْهُ الْمَلِيُّ وَالْمِلَاوَةُ مِنَ الدَّهْرِ، وَيُقَالُ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَلَوَانِ لِطُولِهِمَا، وَيُقَالُ لِلْخِرَقِ الْوَاسِعِ مِنَ الْأَرْضِ مَلًى، قَالَ الشَّاعِرُ: مَلًى لَا تَخَطَّاهُ

стр. 4721

الْعُيُونُ رَغِيبُ انْتَهَى. وَالْمَلِيُّ بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ ثُمَّ تَشْدِيدٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ. قَوْلُهُ: (أَشُقُّ أَشَدُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ. قَوْلُهُ: (مُعَقِّبٌ مُغَيِّرٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أَيْ لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُغَيِّرَ لَهُ عَنِ الْحَقِّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أَيْ لَا يَتَعَقَّبُ أَحَدٌ حُكْمَهُ فَيَرُدَّهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ خَبَرُ طَيِّبِهَا وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ قَالَ: طَيُّبهَا عَذْبُهَا، وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْقِطَعُ الْمُتَجَاوِرَاتُ الْعَذْبَةُ وَالسَّبِخَةُ وَالْمَالِحُ وَالطَّيِّبُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ وَزَادَ: تُنْبِتُ هَذِهِ وَهَذِهِ إِلَى جَنْبِهَا لَا تُنْبِتُ. وَمِنْ طَرِيقِ أُخْرَى مُتَّصِلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَكُونُ هَذِهِ حُلْوَةٌ وَهَذِهِ حَامِضَةٌ وَتُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ مُتَجَاوِرَاتٌ. قَوْلُهُ: ﴿صِنْوَانٌ﴾ النَّخْلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ وَحْدُهَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلِهِ، لَكِنْ قَالَ: تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ قَالَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ مُجْتَمِعٌ وَغَيْرُ مُجْتَمِعٍ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: الصِّنْوَانُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا وَاحِدًا وَرُءُوسُهَا مُتَفَرِّقَةٌ، وَغَيْرُ الصِّنْوَانِ أَنْ تَكُونَ النَّخْلَةُ مُنْفَرِدَةً لَيْسَ عِنْدَهَا شَيْءٌ انْتَهَى. وَأَصْلُ الصِّنْوِ الْمِثْلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا فَرْعٌ يَجْمَعُهُ وَفَرْعًا آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ لِأَنَّهُمَا يَجْمَعُهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: (السَّحَابَ الثِّقَالَ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ. قَوْلُهُ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ غَيْرِهِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ تَمْلَأُ بَطْنَ كُلِّ وَادٍ زَبَدًا رَابِيًا. الزَّبَدُ السَّيْلُ، زَبَدٌ مِثْلُهُ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ قَالَ: الزَّبَدُ السَّيْلُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قَالَ: خَبَثُ الْحِلْيَةِ وَالْحَدِيدِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قَالَ: بِمِلْئِهَا ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ قَالَ: الزَّبَدُ السَّيْلُ ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ قَالَ: خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ قَالَ جُمُودًا فِي الْأَرْضِ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ الْمَاءُ، وَهُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِينِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَوَجْهُ الْمُمَاثَلَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّبَدَيْنِ نَاشِئٌ عَنِ الْأَكْدَارِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: (بِقَدَرِهَا) قَالَ: الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (رَابِيًا) أَيْ عَالِيًا. وَفِي قَوْلِهِ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَفِي قَوْلِهِ: أَوْ مَتَاعٌ الْحَدِيدُ وَالصُّفْرُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ. وَالْجُفَاءُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللَّهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ يَقُولُ: كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ فَصَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ عَنْ أَهْلِهِ، وَكَمَا مَكَثَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ فَأَمْرَعَتْ وَأَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ. وَنَظِيرُهُ بَقَاءُ خَالِصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا دَخَلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ وَبَقِيَ صَفْوُهُ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ وَيَذْهَبُ الْبَاطِلُ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ يَمْلَأُ بَطْنَ وَادٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ يَمْلَأُ كُلَّ وَاحِدٍ وَهُوَ أَشْبَهَ، ويروى مَاءَ بَطْنِ وَادٍ. ١ - بَاب ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ: نُقِصَ

стр. 4722

٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ نَقَصَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أَيْ ذَهَبَ وَقَلَّ. وَهَذَا تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ، تَغِيضُ الْأَرْحَامُ، فَإِنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ مِنْ وَلَدِهَا. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْغِيضُ مَا دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَالزِّيَادَةُ مَا زَادَتْ عَلَيْهَا يَعْنِي فِي الْوَضْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَفَاتِحِ الْغَيْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ وَيُشْرَحُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ غَرَبُ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ مَعْنٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَوَهِمَ فِيهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا. ١٤ - سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ: دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ، آذَنَكُمْ. فَرَدُّوا ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ. ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنْ الصُّرَاخِ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ. قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ دَاعٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْذِرِ مُحَمَّدٌ ﷺ . فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ دَاعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلِهِ.

стр. 4723

وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَادِي اللَّهُ. وَهَذَا بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْهَادِي الْقَائِدُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ أَيْضًا: الْهَادِي نَبِيٌّ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَيُحْمَلُ الْقَوْمُ فِي الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الضُّحَى، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْجَمِيعِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ عَلَى هَذَا الْخُصُوصِ أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ. وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ: أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: قَيْحٌ وَدَمٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قَالَ: نِعَمِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قَالَ: رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا تَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصَنِيعِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَذِكْرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ تَفَاسِيرِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قَالَ تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ الْعِوَجَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدِّينِ، وَبِفَتْحِهَا فِي الْعَوْدِ وَنَحْوَهُ مِمَّا كَانَ مُنْتَصِبًا. قَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالِ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ لَا مُخَالَّةَ خَلِيلٍ، قَالَ: وَلَهُ مَعْنَى آخَرَ جَمْعُ خُلَّةٍ مِثْلُ حُلَّةٍ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ وَقُلَّةٍ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ يُخَالِلُ اللَّهَ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَسَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ جَعَلَ الْخِلَالَ فِي الْآيَةِ جَمْعُ خُلَّةٍ. قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ إِذْ زَائِدَةٌ، وَتَأَذَّنَ تَفَعَّلَ مِنْ آذَنَ أَيْ أَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنَّ تَأَذَّنَ مِنَ الْإِيذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى تَفَعَّلَ عَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا، وَلِهَذَا أُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ. وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَجْعَلُ أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ تَعَلَّمَ مَوْضِعَ أَعْلَمَ وَأَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ وَقِيلَ إِنَّ إِذْ زَائِدَةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى اذْكُرُوا حِينَ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مِثْلُ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الْمَثَلِ وَمَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ عَمَّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ يُقَالُ: رَدَّ يَدَهُ فِي فَمِهِ إِذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يُجِبْ. وَقَدْ تَعَقَّبُوا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ

стр. 4724

الْعَرَبِ رَدَّ يَدِهِ فِي فِيهِ إِذَا تَرَكَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ: يَرُدُّونَ فِي فِيهِ غَيْظِ الْحَسُودِ أَيْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى رَدَّ الْكُفَّارَ أَيْدِي الرُّسُلَ فِي أَفَوَاهِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ كَلَامِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَيْدِي النِّعَمُ أَيْ رَدُّوا نِعْمَةَ الرُّسُلِ وَهِيَ نَصَائِحُهُمْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَبُوهَا كَأَنَّهُمْ رَدُّوهَا مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ. قَوْلُهُ: (مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ قَالَ: حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسَابِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا إِنَّهُ مَصْدَرٌ لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ. قَوْلُهُ: مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ مَجَازَهُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ يُقَالُ: الْمَوْتُ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ وَهُوَ اسْمُ لِكُلِّ مَا تَوَارَى عَنِ الشَّخْصِ، نَقَلَهُ ثَعْلَبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مُنْيَتِي … لُزُومُ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: وَلَيْسَ وَرَاءُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ أَيْ بَعْدَ اللَّهِ. وَنَقَلَ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنْكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ نَفْطَوَيْهِ وَقَالَ: لَا يَقَعُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ. قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَغَيَبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ مَا أَنَا بِمُغِيثِكمْ، وَيُقَالُ اسْتَصْرَخَنِي فَأَصْرَخْتُهُ أَيِ اسْتَغَاثَنِي فَأَغَثْتُهُ. قَوْلُهُ: (اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَيْ قُطِعَتْ جُثَثُهَا بِكَمَالِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ بِمَثَلِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: الْكَافِرُ لَا يُقْبَلُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْعَدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أَيْ مَا لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا ثَمَرَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُ خَيْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَةً. ١ - بَاب ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ ٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى (حِينٍ) وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ

стр. 4725

بَابُ قَوْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْهَا الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ تُشْبِهُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النَّخْلَةُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَجَرَةُ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ جَوْزِ الْهِنْدِ لَا تَتَعَطَّلُ مِنْ ثَمَرَةٍ تَحْمِلُ كُلَّ شَهْرٍ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ: (طَيِّبَةٌ) أَيْ لَذِيذَةُ الثَّمَرِ أَوْ حَسَنَةُ الشَّكْلِ أَوْ نَافِعَةٌ، فَتَكُونُ طَيِّبَةٌ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ نَفْعُهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ أَيْ لَا يَنْقَطِعُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ هِيَ نِهَايَةٌ فِي الْكَمَالِ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُرْتَفِعَةٌ بَعُدَتْ عَنْ عُفُونَاتِ الْأَرْضِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ النَّخْلَةُ وَالشَّجَرَةُ الْخَبِيثَةُ الْحَنْظَلَةُ. ٢ - بَاب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قَوْلُهُ بَابُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ أَتَمَّ سِيَاقًا وَاسْتَوْفَيْتُ شَرْحَهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ. ٣ - بَاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾، ﴿الْبَوَارِ﴾ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بورا. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ هَالِكِينَ. ٤٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ، كَقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ. قَوْلُهُ: (الْبَوَارُ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بَوْرًا، قَوْمًا بُورًا: هَالِكِينَ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى مَعَ شَرْحِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ أَخْوَالِي وَأَعْمَامِكِ، فَأَمَّا أَخْوَالِي فَاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا أَعْمَامُكُ فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ إِلَى حِينٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الْمُغِيرَةَ، فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةَ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ. وَهُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. قُلْتُ: الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ لَا جَمِيعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي مَخْزُومٍ لَمْ يُسْتَأْصَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، بَلِ الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ كَأَبِي جَهْلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَأَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.

стр. 4726

١٥ - سُورَةُ الْحِجْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ عَلَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَجَلٌ. ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ هَلَّا تَأْتِينَا. شِيَعٌ: أُمَمٌ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا شِيَعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مُسْرِعِينَ. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ. ﴿سُكِّرَتْ﴾ غُشِّيَتْ. ﴿بُرُوجًا﴾ مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحَ مُلْقَحَةً. حَمَأ: جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. وَالْمَسْنُونُ: الْمَصْبُوبُ. ﴿تَوْجَلْ﴾ تَخَفْ. ﴿دَابِرَ﴾ آخِرَ. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ الْإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الْهَلَكَةُ. قَوْلُهُ: (تَفْسِير سُورَةِ الْحِجْرِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِدُونِ لَفْظِ تَفْسِيرِ وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ مِثْلَهُ وَزَادَ لَا يَعْرِضُ عَلَيَّ شَيْءٌ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَيَّ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلصِّرَاطِ أَيْ رَفِيعٌ. قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ. قَوْلُهُ: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ عَلَى الطَّرِيقِ) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: بِطَرِيقٍ مُعَلَّمٍ. وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ. طَرِيقٌ وَاضِحٌ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ. (تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْمُسْتَمْلِي. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. (تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ قَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَجَلٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ غَيْرُهُ كِتَابٌ مَعْلُومٌ أَجَلٌ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَيْ أَجَلٌ وَمُدَّةٌ، مَعْلُومٌ أَيْ مُؤَقَّتٌ. قَوْلُهُ: (لَوْمَا هَلَّا تَأْتِينَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا تَأْتِينَا﴾ مَجَازُهَا هَلَّا تَأْتِينَا. قَوْلُهُ: (شِيَعٌ أُمَمٌ وَالْأَوْلِيَاءُ أَيْضًا شِيَعٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ أَيْ أُمَمُ الْأَوَّلِينَ وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ، وَالْأَوْلِيَاءُ أَيْضًا شِيَعٌ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ شِيَعٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ يَقُولُ: أُمَمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ لِأَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ أَيْضًا شِيعَةٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مُسْرِعِينَ) كَذَا أَوْرَدَهَا هُنَا، وَلَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَةِ هُودٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ لُوطٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. (تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (سُكِّرَتْ غُشِّيَتْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ (١) وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ سُكْرِ الشَّرَابِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ غَشِيَ أَبْصَارَنَا

стр. 4727

مِثْلَ السُّكْرِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ قَوْلُهُ ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قَالَ سُدَّتْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: سُحِرَتْ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُكِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ سُدِّدَتْ وَبِالتَّخْفِيفِ سُحِرَتِ انْتَهَى. وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، فَقَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ الْجُمْهُورُ، وَابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ بِالتَّخْفِيفِ، لَكِنْ بَنَاهَا لِلْفَاعِلِ. قَوْلُهُ: (لَعَمْرُكَ لَعَيْشُكَ) كَذَا ثَبَتَ هُنَا لِبَعْضِهِمْ، وَسَيَأْتِي لَهُمْ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ عِنْدَنَا) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: ﴿بُرُوجًا﴾ مَنَازِلٌ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحٌ، حَمَأٍ جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ، وَالْمَسْنُونُ الْمَصْبُوبُ) كَذَا ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. قَوْلُهُ: (لَا تَوْجَلُ لَا تَخَفْ، دَابِرَ آخِرَ) تَقَدَّمَ شَرْحُ الْأَوَّلِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَشَرْحُ الثَّانِي فِي قِصَّةِ لُوطٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا. قَوْلُهُ: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ الْإِمَامُ مَا ائْتَمَمْتُ بِهِ وَاهْتَدَيْتُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ: (الصَّيْحَةُ الْهَلَكَةُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. ١ - بَاب ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ٤٧٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، قَالَ عَلِيٌّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ. فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ لِلَّذِي قَالَ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ، هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ. وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمْ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاءِ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ، وَزَادَ: وَالْكَاهِنِ. وَحَدَّثَنَا، سُفْيَانُ فَقَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ. وَقَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ:، إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَرَأَ: فُزغَ. قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو، فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا. [الحديث ٤٧٠١ - طرفه في: ٤٨٠٠، ٧٤٨١] قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ مُسْتَرِقِي السَّمْعِ،

стр. 4728

أَوْرَدَهُ أَوَّلًا مُعَنْعَنًا ثُمَّ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ مُصَرِّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ وَبِالسَّمَاعِ فِي جَمِيعِهِ، وَذَكَرَ فِيهِ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَةِ فِي ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ وَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ الطِّبِّ وَفِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢ - بَاب ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٤٧٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ عَلَى الْمُعَذَّبِينَ، وَقَوْلُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ بَائِينَ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْكَافِ، قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ. ٣ - بَاب ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٤٧٠٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ؟ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ فَذَكَّرْتُهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. ٤٧٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ. قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى فِي ذِكْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ مَشْرُوحًا. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ (أُمِّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمٌّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَفْعُهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا، وَلِلطَّبَرَيْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبِرِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعُهُ (الرَّكْعَةَ الَّتِي لَا يَقْرَأُ فِيهَا كَالْخِدَاجِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعِي إِلَّا أُمُّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: هِيَ حَسْبُكَ، هِيَ أُمُّ الْكِتَابِ وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي) قَالَ الْخَطَابِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ سَيْرَيْنَ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الْفَاتِحَةَ لَا يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَيَقُولُ: أُمُّ الْكِتَابِ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، قَالَ: وَأَمُّ الشَّيْءِ أَصْلُهُ، وَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ أُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ كَأَنَّهَا تَؤُمُّهُ. قَوْلُهُ: (هِيَ السَّبْعُ
следующие страницы →