Полный текст (7 508 стр.). Показаны 4934–4973 · переход к 4939.
стр. 4934
قوله (باب هو الذي أنزل السكينة) ذكر فيه حَدِيثُ الْبَرَاءِ فِي نُزُولِ السَّكِينَةِ، وسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، مَعَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥ - بَاب ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
٤٨٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ.
٤٨٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ إِنِّي مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْخَذْفِ "
[الحديث ٤٨٤١ - طرفاه في: ٥٤٧٩، ٦٢٢٠]
٤٨٤٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَل"
يَأْخُذُ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ
٤٨٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ "
٤٨٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ حَدَّثَنَا يَعْلَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُلٌ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ عَلِيٌّ نَعَمْ فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ قَالَ: بَلَى قَالَ فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا" فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْح"
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ.
أَحَدُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ (كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ (عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ) وَهُوَ اللَّبَقِيُّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ قَافٍ خَفِيفَةٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيِّ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ أَيِ الرَّمْيِ بِالْحَصَى بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ
стр. 4935
(يَأْخُذُ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ) وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ الْمَرْفُوعُ وَالْمَوْقُوفُ الَّذِي عَقَّبَهُ بِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُمَا بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَلْ وَلَا هَذِهِ السُّورَةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْأَوَّلَ لِقَوْلِ الرَّاوِي فِيهِ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ فَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وَذَكَرَ الْمَتْنَ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لَا الْقَصْدِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَأَوْرَدَهُ لِبَيَانِ التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَهَذَا مِنْ صَنِيعِهِ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ .. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: نَهَى - أَوْ زَجَرَ - أَنْ يُبَالَ فِي الْمُغْتَسَلِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ ذِكْرِ الْوَسْوَاسِ الَّتِي عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ وَهْمٌ. نَعَمْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَفَعَهُ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرَيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَهَذَا التَّعَقُّبُ وَارِدٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا فَإِسْمَاعِيلُ ضَعِيفٌ.
الْحَدِيثُ الْثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (عَنْ خَالِدٍ) هُوَ الْحَذَّاءُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ) هَكَذَا ذَكَرَ الْقَدْرَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ فِي إِيرَادِ الْأَشْيَاءِ التَّبَعِيَّةِ، بَلْ تَارَةً يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَتَارَةً يَسُوقُهُ بِتَمَامِهِ، فَكَأَنَّهُ يَقْصِدُ التَّفَنُّنَ بِذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِحَدِيثِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورِ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ.
الْحَدِيثُ الْرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْلَى) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ) بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَآخِرُهُ هَاءٌ مُنَوَّنَةٌ، تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَسْئُولَ عَنْهُ، وَبَيَّنَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، وَلَفْظُهُ أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فِي مَسْجِدِ أَهْلِهِ أَسْأَلُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ - يَعْنِي الْخَوَارِجَ - قَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُلٌ .. فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ) هِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ بَيْنَ الرَّقَّةِ وَمَنْبِجَ كَانَتْ بِهَا الْوَاقِعَةُ الْمَشْهُورَةُ بَيْنَ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ) سَاقَ أَحْمَدُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ لَمَّا كَادَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَغْلِبُونَهُمْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِرَفْعِ الْمَصَاحِفِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ تَقَعَ الْمُطَاوَلَةُ فَيَسْتَرِيحُوا مِنَ الشِّدَّةِ الَّتِي وَقَعُوا فِيهَا فَكَانَ كَمَا ظَنَّ، فَلَمَّا رَفَعُوهَا وَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، وَسَمِعَ مَنْ بِعَسْكَرِ عَلِيٍّ وَغَالِبُهُمْ مِمَّنْ يَتَدَيَّنُ، قَالَ قَائِلُهُمْ مَا ذُكِرَ؛ فَأَذْعَنَ عَلِيٌّ إِلَى التَّحْكِيمِ مُوَافَقَةً لَهُمْ وَاثِقًا بِأَنَّ الْحَقَّ بِيَدِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فَذَكَرَ الزِّيَادَةَ نَحْوَ مَا أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كُنَّا بِصِفِّينَ: قَالَ: فَلَمَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِأَهْلِ الشَّامِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، لِمُعَاوِيَةَ: أَرْسِلِ الْمُصْحَفَ إِلَى عَلِيٍّ فَادْعُهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْبَى عَلَيْكَ، فَأَتَى بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ، بَيْنَنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِجُ - وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءُ - وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نَنْتَظِرُ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، أَلَا نَمْشِيَ إِلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ) زَادَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ أَيْ بِالْإِجَابَةِ إِذَا دُعِيتُ إِلَى الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّنِي وَاثِقٌ بِأَنَّ الْحَقَّ بِيَدِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ) أَيْ فِي هَذَا الرَّأْيِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَنْكَرُوا التَّحْكِيمَ، وَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ
стр. 4936
بِهَا بَاطِلٌ، وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ كِبَارُ الصَّحَابَةِ بِمُطَاوَعَةِ عَلِيٍّ وَأَنْ لَا يُخَالَفَ مَا يُشِيرُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ بِالْمَصْلَحَةِ، وَذَكَرَ لهُمْ سَهْلَ بْنُ حُنَيْفٍ مَا وَقَعَ لَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّهُمْ رَأَوْا يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى الْقِتَالِ وَيُخَالِفُوا مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْأَصْلَحَ هُوَ الَّذِي كَانَ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدَيْبِيَةِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ.
٤٩ - سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ. امْتَحَنَ: أَخْلَصَ. ولَا تَنَابَزُوا: يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. يَلِتْكُمْ: يُنْقِصْكُمْ. أَلَتْنَا: نَقَصْنَا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْحُجُرَاتِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَاقْتَصَرَ غَيْرُهُ عَلَى الْحُجُرَاتِ حَسْبُ. وَالْحُجُرَاتُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حُجْرَةٍ، بِسُكُونِ الْجِيمِ، وَالْمُرَادُ بُيُوتُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ ذَمِّ الْكَلَامِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
(تَنْبِيهٌ): ضَبَطَ أَبُو الْحَجَّاجِ الْبَنَاسِيُّ تَقَدَّمُوا بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقِرَاءَةُ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ وَهِيَ الَّتِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا هَذَا التَّفْسِيرُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ، قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْإِعَادَةِ.
قَوْلُهُ: (امْتَحَنَ: أَخْلَصَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِلَفْظِهِ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْلَصَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فِيمَا أَحَبَّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا﴾ يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ لَا يَدْعُو الرَّجُلُ بِالْكُفْرِ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قَالَ: لَا يَطْعَنُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ قَالَ: لَا تَقُلْ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ: يَا فَاسِقُ يَا مُنَافِقُ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ الْيَهُودِيُّ يُسْلِمُ فَيُقَالُ لَهُ يَا يَهُودِيُّ. فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ لَقَبَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دَعَا أَحَدًا مِنْهُمْ بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ قَالُوا: إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْهُ، فَنَزَلَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿يَلِتْكُمْ﴾ يُنْقِصُكُمْ، أَلَتْنَا: نَقَصْنَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَبِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قَالَ: مَا نَقَصْنَا الْآبَاءَ لِلْأَبْنَاءِ.
(تَنْبِيهٌ): هَذَا الثَّانِي مِنْ سُورَةِ الطُّورِ ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا، وَإِنَّمَا يَتَنَاسَبُ أَلَتْنَا مَعَ الْآيَةِ الْأُخْرَى عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو هُنَا، فَإِنَّهُ قَرَأَ لَا يَأْلِتْكُمْ بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ، وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِهَا، وَهُوَ مِنْ لَاتَ يَلِيتُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: وَقَالَ رُؤْبَةُ:
وَلَيْلَةٌ ذَاتُ نَدًى سَرَيْتُ … وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ
وَتَقُولُ الْعَرَبُ: أَلَاتَنِي حَقِّي، وَأَلَاتَنِي عَنْ حَاجَتِي أَيْ صَرَفَنِي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ فَهُوَ مِنْ أَلَتَ يَأْلِتُ أَيْ نَقَصَ.
стр. 4937
١ - بَاب ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. الْآيَةَ. تَشْعُرُونَ: تَعْلَمُونَ، وَمِنْهُ الشَّاعِرُ.
٤٨٤٥ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ، قَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي، قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ. يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ.
٤٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: "إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة"
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. الْآيَةَ. كَذَا لِلْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَشْعُرُونَ﴾ تَعْلَمُونَ وَمِنْهُ الشَّاعِرُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَسَرَةَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَجَدُّهُ جَمِيلٌ بِالْجِيمِ وَزْنَ عَظِيمٍ وَنَافِعُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ، وَلَيْسَ هُوَ نَافِعُ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَنَبَّهَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى شَيْءٍ لَا يَتَخَيَّلُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى إِلْمَامٌ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ ثُلَاثِيًّا لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ تَابِعِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَادَ الْخَيِّرَانِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ، وَحَكَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ رِوَايَةً بِالْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
(يَهْلِكَانِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ يَهْلِكَا بِحَذْفِ النُّونِ؛ قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا وَقَعَ بِغَيْرِ نُونٍ وَكَأَنَّهُ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أَنْ. انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ أَنْ يَهْلِكَا وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَنَسَبَهَا ابْنُ التِّينِ لِرِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، ثُمَّ هَذَا السِّيَاقُ صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ لَكِنْ ظَهَرَ فِي آخِرِهِ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ حَمَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ فَذَكَرَهُ بِكَمَالِهِ.
قَوْلُهُ: (رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ وَكَانَ قُدُومُهُمْ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ أَنْ أَوْقَعَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ بِبَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ
قَوْلُهُ: (فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا) هُوَ عُمَرُ، بَيَّنَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ إِنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ
стр. 4938
اللَّهِ .. الْحَدِيثَ. وَهَذَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَرِوَايَتُهُ أَثْبَتُ مِنْ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ) الْأَقْرَعُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ فِيمَا نُقِلَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِرَاسُ بْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ التَّمِيمِيُّ الدَّارِمِيُّ، وَكَانَتْ وَفَاةُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ الْآخَرُ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ، بَيَّنَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ بِرَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمُهُ، سَيَأَتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَيِ ابْنِ عُدُسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ التَّمِيمِيُّ الدَّارِمِيُّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ فِي الْجَامِعِ: كَانَ يُقَالُ لَهُ تَيَّارُ الْفُرَاتِ لِجُودِهِ، قُلْتُ: وَلَهُ ذِكْرٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
قَوْلُهُ: (مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي) أَيْ لَيْسَ مَقْصُودُكَ إِلَّا مُخَالَفَةُ قَوْلِي، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلَافِي وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا مَا أَرَدْتَ إِلَى خِلَافِي بِلَفْظِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَمَا فِي هَذَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَإِلَى بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ قَصَدْتَ مُنْتَهِيًا إِلَى مُخَالَفَتِي. وَقَدْ وَجَدْتُ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ التِّينِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ، زَادَ وَكِيعٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ إِلَى قَوْلِهِ: عَظِيمٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامُ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ.
قُلْتُ: لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ فِي تَخَالُفِهِمَا فِي التَّأْمِيرِ هُوَ أَوَّلُ السُّورَةِ ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ وَلَكِنْ لَمَّا اتَّصَلَ بِهَا قَوْلُهُ: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ تَمَسَّكَ عُمَرُ مِنْهَا بِخَفْضِ صَوْتِهِ، وَجُفَاةُ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ مَدْحِي زَيْنٌ وَإِنَّ شَتْمِي شَيْنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ذَاكَ اللَّهُ ، وَنَزَلَتْ.
قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ لِأَسْبَابٍ تَتَقَدَّمُهَا، فَلَا يُعْدَلُ لِلتَّرْجِيحِ مَعَ ظُهُورِ الْجَمْعِ وَصِحَّةِ الطُّرُقِ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ فَأَوْرَدَ قِصَّةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ عَقِبَ هَذَا لِيُبَيِّنَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْجَمْعِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِتَرْجَمَةِ بَابِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إِشَارَةً إِلَى قِصَّةِ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّرْجَمَةِ حَدِيثًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ قَرِيبًا، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْخَطِيبُ لَمَّا وَقَعَ الْكَلَامُ فِي الْمُفَاخَرَةِ بَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ الْمَذْكُورِينَ كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ فِي الِاعْتِصَامِ فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتُ أَنْ لَا أُكَلِّمَكَ إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ) قَالَ مُغْلَطَايْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَوْ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَإِنَّ أَبَا مُلَيْكَةَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّحَابَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ عَنِ الصَّوَابِ، بَلْ قَرِينَةُ ذِكْرِ عُمَرَ تُرْشِدُ إِلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَبُو بَكْرٍ
стр. 4939
الصِّدِّيقُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ عَدَّ فِي الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ أَوْلَادَ بِنْتِهِ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْقَفَّالُ عَلَى ابْنِ الْقَاصِّ وَعَدَّهُ الْقُضَاعِيُّ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدِ احْتَجَّ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ بِأَنَّ عِيسَى نُسِبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ بِنْتِهِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، وَإِطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، بَيَّنَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَقِيلَ: أَبُو مَسْعُودٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمُهُ) أَيْ: أَعْلَمُ لِأَجْلِكَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِهِ.
قَوْلُهُ (فَقَالَ: مُوسَى) هُوَ ابْنُ أَنَسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾
٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى - أَوْ إِلَّا - خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .. حَتَّى انْقَضَتْ الْآيَةُ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمْ أَعْرَابُ بَنِي تَمِيمٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ: ذَاكَ اللَّهُ ﵎.
وَرُوِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ مُرْسَلًا. وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ .. الْآيَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) كَذَا قَالَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِالْعَنْعَنَةِ، وَتَابَعَهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ أَخْبَرَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ حَمَلَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِوَاسِطَةٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ.
بَاب ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ - هَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ التَّرْجَمَةُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كُتُبِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ .. الْحَدِيثَ وَسِيَاقُهُ لِابْنِ جَرِيرٍ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ الْأَقْرَعَ مُرْسَلٌ،
стр. 4940
وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ فِي ذَلِكَ مُطَوَّلَةً بِانْقِطَاعٍ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَوْصُولَةٍ.
٥٠ - سُورَةُ ق
﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ. ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٍ. وَاحِدُهَا فَرْجٌ. ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ. وَالْحَبْلُ: حَبْلُ الْعَاتِقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ. ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الْحِنْطَةُ. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ. ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ضَرَبُوا. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ. حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ رَصَدٌ. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ الْمَلَكَانِ. كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ: ﴿وَشَهِيدٌ﴾ شَاهِدٌ بِالْغَيْبِ. ﴿لُغُوبٍ﴾ النَّصَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿نَضِيدٌ﴾ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ. وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ، بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. في أدْبَارِ النُّجُومِ، وَأَدْبَارِ السُّجُودِ: كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق، وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ. وَق الَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمَ الْخُرُوجِ: يَوْمَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَعْثِ مِنْ الْقُبُورِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: ق اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ، وَقِيلَ: هِيَ الْقَافُ مِنْ قَوْلِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ، دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافُ
قَوْلُهُ: ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَنْكَرُوا الْبَعْثَ فَقَالُوا: مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْجِعَنَا وَيُحْيِينَا.
قَوْلُهُ: ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٌ وَاحِدُهَا فَرْجٌ) أَيْ بِسُكُونِ الرَّاءِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْفَرْجُ الشَّقُّ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ، وَالْحَبْلُ حَبْلُ الْعَاتِقِ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ. وَزَادَ: فَأَضَافَهُ إِلَى الْوَرِيدِ كَمَا يُضَافُ الْحَبْلُ إِلَى الْعَاتِقِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قَالَ: مِنْ عِرْقِ الْعُنُقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ: مِنْ لُحُومِهِمْ وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: يَعْنِي الْمَوْتَى تَأْكُلُهُمُ الْأَرْضُ إِذَا مَاتُوا. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ: أَيْ مِنْ أَبْدَانِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ): زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ مِنْ أَعْظَامِهِمْ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ: الصَّوَابُ مِنْ عِظَامِهِمْ. وَفَعْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ إِلَّا نَادِرًا.
قَوْلُهُ: ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ هَكَذَا، وَقَالَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿تَبْصِرَةً﴾، قَالَ: نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ .
قَوْلُهُ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الْحِنْطَةَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ.
قَوْلُهُ: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ) وَصَلَهُ
стр. 4941
الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: بُسُوقُهَا: طُولُهَا فِي قَامَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: يَعْنِي طُولَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ رَصَدٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَكْتُبُ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
قَوْلُهُ: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ الْمَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَائِقٌ يَسُوقُهَا وَشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا. وَرَوَى نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ عَنْ عُثْمَانَ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا؛ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ضَرَبُوا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قَالَ: أَثَّرُوا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَنَقَّبُوا﴾: طَافُوا وَتَبَاعَدُوا، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَقَدْ نَقَّبْتُ فِي الْآفَاقِ حَتَّى … رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالْإِيَابِ
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَلْقَى السَّمْعَ أَيِ اسْتَمَعَ لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّهُ يَجِدُ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَكْتُوبًا، قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مُنَافِقٌ اسْتَمَعَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ.
قَوْلُهُ: (حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَهُوَ بَقِيَّةُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَفَعَيِينَا، وَحَقُّهُ أَنْ يُكْتَبَ عِنْدَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَشَهِيدٌ﴾ شَاهِدٌ بِالْغَيْبِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَلْبِ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الْأَكْثَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ مِنْ نَصَبٍ - وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَفَرَغَ مِنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَرَاحَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُمْ: ﴿نَضِيدٌ﴾ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ، وَمَعْنَاهُ مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ وَأَدْبَارِ السُّجُودِ (كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ) هُوَ كَمَا قَالَ، وَوَافَقَ عَاصِمًا، أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ عَلَى الْفَتْحِ هُنَا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ هُنَا، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْفَتْحِ فِي الطُّورِ وَقَرَأَهَا بِالْكَسْرِ عَاصِمٌ عَلَى مَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ؛ وَنَقَلَهَا غَيْرُهُ فِي الشَّوَاذِّ، فَالْفَتْحُ جَمْعُ دُبُرٍ وَالْكَسْرُ مَصْدَرُ أَدْبَرَ يُدْبِرُ إِدْبَارًا، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْفَتْحَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ يَوْمَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ نَحْوُهُ.
١ - بَاب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
٤٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ
[الحديث ٤٨٤٨ - طرفاه في: ٦٦٦١، ١٣٨٤]
стр. 4942
٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ "يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطْ قَط"
[الحديث ٤٨٤٩ - طرفاه في: ٤٨٥٠، ٧٤٤٩]
٤٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : "تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ قَوْلِ جَهَنَّمَ ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، فَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهَا لِطَلَبِ الْمَزِيدِ، وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي مَوْضِعٍ لِلزِّيَادَةِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أَيْ: هَلْ مِنْ مَدْخَلٍ قَدِ امْتَلَأَتْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مُوَجَّهٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ تُزَادُ، وَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهَا لَا مَوْضِعَ فِيهَا لِلْمَزِيدِ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (يُلْقَى فِي النَّارِ ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ.
قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ قَطْ قَطْ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ فَتَقُولُ قَدْ قَدْ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَضَعُ الرَّبُّ عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ فَهُنَاكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَجَهَنَّمُ تَسْأَلُ الْمَزِيدَ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَزْوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَيُلْقَى فِي النَّارِ أَهْلُهَا فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَأْتِيَهَا فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَنْزَوِي فَتَقُولُ قَدْنِي قَدْنِي.
وَقَوْلُهُ قَطْ قَطْ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي، وَثَبَتَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَطْ بِالتَّخْفِيفِ سَاكِنًا، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَطِي قَطِي بِالْإِشْبَاعِ وَقَطْنِي بِزِيَادَةِ نُونٍ مُشْبَعَةٍ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِالدَّالِ بَدَلَ الطَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ أَيْضًا، وكُلُّهَا بِمَعْنَى يَكْفِي. وَقِيلَ: قَطْ صَوْتُ جَهَنَّمَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي
стр. 4943
تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ مَا يُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ: فَيَضَعُهَا عَلَيْهَا فَتُقَطْقِطُ كَمَا يُقَطْقِطُ السِّقَاءُ إِذَا امْتَلَأَ انْتَهَى.
فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدَمِ، فَطَرِيقُ السَّلَفِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ مَشْهُورَةٌ، وَهُوَ أَنْ تَمُرَّ كَمَا جَاءَتْ وَلَا يُتَعَرَّضُ لِتَأْوِيلِهِ بَلْ نَعْتَقِدُ اسْتِحَالَةَ مَا يُوهِمُ النَّقْصَ عَلَى اللَّهِ، (١) وَخَاضَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَادُ إِذْلَالُ جَهَنَّمَ، فَإِنَّهَا إِذَا بَالَغَتْ فِي الطُّغْيَانِ وَطَلَبِ الْمَزِيدِ أَذَلَّهَا اللَّهُ فَوَضَعَهَا تَحْتَ الْقَدَمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْقَدَمِ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ أَلْفَاظَ الْأَعْضَاءِ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَا تُرِيدُ أَعْيَانَهَا، كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَسُقِطَ فِي يَدِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْفَرَطُ السَّابِقُ أَيْ يَضَعُ اللَّهُ فِيهَا مَا قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْقَدَمُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا قُدِّمَ كَمَا يُسَمَّى مَا خُبِطَ مِنْ وَرَقٍ خَبَطًا، فَالْمَعْنَى مَا قَدَّمُوا مِنْ عَمَلٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، فَالضَّمِيرُ لِلْمَخْلُوقِ مَعْلُومٌ، أَوْ يَكُونُ هُنَاكَ مَخْلُوقٌ اسْمُهُ قَدَمٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ الْأَخِيرُ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ آخِرُ الْأَعْضَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِي النَّارِ آخِرَ أَهْلِهَا فِيهَا، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْمَزِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ: هَذَا مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي أُطْلِقَتْ بِتَمْثِيلِ الْمُجَاوَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْأُمَمِ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي عُصِيَ اللَّهُ فِيهَا فَلَا تَزَالُ تَسْتَزِيدُ حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ فِيهَا مَوْضِعًا مِنَ الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَمْتَلِئُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الْقَدَمَ عَلَى الْمَوْضِعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ يُرِيدُ مَوْضِعَ صِدْقٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ صِدْقٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى شَفَاعَتِهِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا مُنَابِذٌ لِنَصِّ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ: يَضَعُ قَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَتْ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، وَالَّذِي قَالَهُ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهَا، وَصَرِيحُ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَنْزَوِي بِمَا يُجْعَلُ فِيهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا يُبَدَّلُ عِوَضَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ كَمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يُعْطَى كُلُّ مُسْلِمٍ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيُقَالُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ إِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُ مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَعْظُمَ حَتَّى يَسُدَّ مَكَانَهُ وَمَكَانَ الَّذِي خَرَجَ، وَحِينَئِذٍ فَالْقَدَمُ سَبَبٌ لِلْعِظَمِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا وَقَعَ الْعِظَمُ حَصَلَ الْمِلْءُ الَّذِي تَطْلُبُهُ.
وَمِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ إِبْلِيسَ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ وَإِبْلِيسُ أَوَّلُ مَنْ تَكَبَّرَ فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى مُتَجَبِّرًا وَجَبَّارًا، وَظُهُورُ بُعْدِ هَذَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ.
وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الرِّجْلِ تَحْرِيفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِظَنِّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ الْجَارِحَةَ فَرَوَاهَا بِالْمَعْنَى فَأَخْطَأَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرِّجْلِ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً الْجَمَاعَةُ، كَمَا تَقُولُ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَالتَّقْدِيرُ يَضَعُ فِيهَا جَمَاعَةً، وَأَضَافَهُمْ إِلَيْهِ إِضَافَةَ اخْتِصَاصٍ. وَبَالَغَ ابْنُ فُورَكٍ، فَجَزَمَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الرِّجْلِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ أَوَّلَهَا غَيْرُهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَدَمِ، فَقِيلَ: رِجْلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْمُ مَخْلُوقٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّجْرِ كَمَا تَقُولُ: وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي، وَقِيلَ: إِنَّ الرِّجْلَ تُسْتَعْمَلُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ، كَمَا تَقُولُ: قَامَ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى رِجْلٍ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عُقَيْلٍ: تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَمْرُهُ فِي стр. 4944
النَّارِ حَتَّى يَسْتَعِينَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَاتِهِ أَوْ صِفَاتِهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ لِلنَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ فَمَنْ يَأْمُرُ نَارًا أَجَّجَهَا غَيْرُهُ أَنْ تَنْقَلِبَ عَنْ طَبْعِهَا وَهُوَ الْإِحْرَاقُ، فَتَنْقَلِبُ، كَيْفَ يَحْتَاجُ فِي نَارٍ يُؤَجِّجُهَا هُوَ إِلَى اسْتِعَانَةٍ. انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ جَوَابُهُ مِنَ التَّفْصِيلِ الْوَاقِعِ ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْجَنَّةَ يَقَعُ امْتِلَاؤُهَا بِمَنْ يُنْشِؤُهُمُ اللَّهُ لِأَجْلِ مَلْئِهَا، وَأَمَّا لنَّارُ فَلَا يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا بَلْ يَفْعَلُ فِيهَا شَيْئًا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ يَقْتَضِي لَهَا أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَصِيرُ مَلْأَى وَلَا تَحْتَمِلُ مَزِيدًا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ يُنْعِمُ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ كَمَا فِي الْأَطْفَالِ.
قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ الثَّانِي (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ وَلَمْ يَلْقَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) لِأَبِي سُفْيَانَ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْجَزَائِرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا.
وَقَوْلُهُ: (رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ) الْقَائِلُ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَالَ: يُوقِفُهُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَهُوَ لُغَةٌ وَالْفَصِيحُ يَقِفُهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَرْوِيهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ مَوْقُوفًا وَيَرْفَعُهُ أَحْيَانًا، وَقَدْ رَفَعَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وَقَعَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي آخِرِهِ قَالَ مَعْمَرٌ وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالْوَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (تَحَاجَّتْ) أَيْ تَخَاصَمَتْ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ) قِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: الْمُتَكَبِّرُ الْمُتَعَاظِمُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْمُتَجَبِّرُ الْمَمْنُوعُ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ بِأَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطِهِمْ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْمُحْتَقَرُونَ بَيْنَهُمُ السَّاقِطُونَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنَ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ هُمْ عُظَمَاءٌ رُفَعَاءُ الدَّرَجَاتِ، لَكِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لِعَظَمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَخُضُوعِهِمْ لَهُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالذِّلَّةِ فِي عِبَادِهِ، فَوَصْفُهُمْ بِالضَّعْفِ وَالسَّقَطِ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ فِي قَوْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ الْأَغْلَبُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَمْيِيزًا يُدْرِكَانِ بِهِ وَيَقْدِرَانِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالِاحْتِجَاجِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي بَابِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢ - بَاب ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
٤٨٥١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
٤٨٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿وَأدْبَارَ السُّجُودِ﴾ "
стр. 4945
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فِي التَّرْجَمَةِ، وَفِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِغَيْرِهِ (وَسَبِّحْ) بِالْوَاوِ فِيهِمَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتِّلَاوَةِ فَهُوَ الصَّوَابُ، وَعِنْدَهُمْ أَيْضًا ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِآيَةِ السُّورَةِ.
ثم أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ .. الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي طه، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُنَاسِبُ لِهَذِهِ السُّورَةِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ لَا غُرُوبِهَا.
قُلْتُ: لَا سَبِيلَ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ هُنَا لِاتِّحَادِ دَلَالَةِ الْآيَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَضَى مِنْهُ شَيْءٌ فِي فَضْلِ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنَ الْمَوَاقِيتِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ) يَعْنِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قَالَ: هُوَ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) يَعْنِي قَوْلَهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ، كَذَا لَهُمْ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ أَدْبَارَ السُّجُودِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: هُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَرَأَ أَدْبَارَ النُّجُومِ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ، أَيْ بِهِمَا.
٥١ - سُورَةُ والذَّارِيَاتِ
قَالَ عَلِيٌّ ﵇: الذَّارِيَاتُ: الرِّيَاحُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، فَرَاغَ: فَرَجَعَ، فَصَكَّتْ: فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا، فَضَرَبَتْ بِهِ جَبْهَتَهَا، وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدَبَّسَ، لَمُوسِعُونَ: أَيْ لَذُو سِعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ يَعْنِي الْقَوِيَّ، زَوْجَيْنِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ: حُلْوٌ وَحَامِضٌ، فَهُمَا زَوْجَانِ، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ. ﴿إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ، وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ. وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَنُوبًا: سَبِيلًا. صَرَّةٍ: صَيْحَةٍ، الْعَقِيمُ: الَّتِي لَا تَلِدُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْحُبُكُ: اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا تَوَاطَئُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُسَوَّمَةً: مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا. ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ لُعِنَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَت (سُورَةُ) وَ (الْبَسْمَلَةُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ،
стр. 4946
وَالْفَاءَاتُ بَعْدَهَا عَاطِفَاتٌ مِنْ عَطْفِ الْمُتَغَايِرَاتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ عَطْفِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ الْحَامِلَاتِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ صِفَاتِ الرِّيحِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ: الرِّيَاحُ) كَذَا لَهُمْ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ عَلِيٌّ: الذَّارِيَاتُ الرِّيَاحُ، وَهُوَ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا عَنِ ابْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْكَوَّاءِ يَسْأَلُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا قَالَ: الرِّيَاحُ، وَعَنِ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا، قَالَ: السَّحَابُ، وَعَنِ الْجَارِيَاتِ يُسْرًا، قَالَ: السُّفُنُ، وَعَنِ الْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا قَالَ: الْمَلَائِكَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ. وَابْنِ الْكَوَّاءِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَشْهُورٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَدْ أَطْنَبَ الطَّبَرِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ إِلَى عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: سَلُونِي، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ أُنْزِلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ. فَقَالَ ابْنُ الْكَوَّاءِ: وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَهُوَ خَلْفِي، فَقَالَ: مَا الذَّارِيَاتُ ذَرْوًا؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَقَالَ فِيهِ: وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنْ أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذَا، وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ تُفَرِّقُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أَيْ تُفَرِّقُهُ، ذَرَوْتُهُ وَأَذْرَيْتُهُ. وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الذَّارِيَاتِ: الرِّيَاحُ، وَنَاسٌ يَقُولُونَ الْمُذَرَّيَاتُ ذَرَتْ وَأَذْرَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ) أَيِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ. قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي أَيْضًا آيَاتٍ، إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيُخْرِجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ عَنَّفَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قَالَ: فِيمَا يَدْخُلُ مِنْ طَعَامِكُمْ وَمَا يَخْرُجُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُرَيْفِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أَيْ لُعِنُوا، كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قَالَ: لُعِنَ الْكَذَّابُونَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قَالَ: الْكَذَّابُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَرَاغَ﴾ فَرَجَعَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَزَادَ: وَالرَّوْغُ وَإِنْ جَاءَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يُنْطَقُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ لِذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (فَرَاغَ) أَيْ: عَدَلَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَصَكَّتْ﴾ فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ بِهِ جَبْهَتَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ جَمَعَتْ بِغَيْرِ فَاءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قَالَ: ضَرَبَتْ بِيَدِهَا عَلَى جَبْهَتِهَا وَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ضَرَبَتْ وَجْهَهَا عَجَبًا. وَمِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ: وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى جَبْهَتِهَا تَعَجُّبًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ مَنْ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهِ) هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّمِيمُ نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَدِيسَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مِنَ الدَّوْسِ وَهُوَ وَطْءُ الشَّيْءِ بِالْقَدَمِ حَتَّى يُفَتَّتَ، وَمِنْهُ دِيَاسُ الْأَرْضِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الرَّمِيمُ الشَّجَرُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الرَّمِيمُ الْهَالِكُ.
قَوْلُهُ: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أَيْ مَنْ يَكُونُ ذَا سَعَةٍ،
стр. 4947
قَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ لَذُو سَعَةٍ لِخَلْقِنَا، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ يَعْنِي الْقَوِيَّ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ قَالَ: أَنْ نَخْلُقَ سَمَاءً مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: الزَّوْجَانِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَمِنْ سِوَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَلْوَانِ النَّبَاتِ وَطُعُومِ الثِّمَارِ بَعْضٌ حُلْوٌ وَبَعْضٌ حَامِضٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ قَالَ: الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ، وَالشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ) أَيْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ أَوْ مِنْ عَذَابِهِ إِلَى رَحْمَتِهِ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَنَصَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ. وَسَبَبُ الْحَمْلِ عَلَى التَّخْصِيصِ وُجُودُ مَنْ لَا يَعْبُدُهُ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَقَعَ التَّنَافِي بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَحَاصِلُ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ مُرَادٌ بِهِ الْخُصُوصَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ السَّعَادَةِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَالثَّانِي بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ بِمَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ، أَيْ خَلَقَهُمْ مُعَدِّينَ لِذَلِكَ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَى، وَهُوَ كَقَوْلِهِمُ: الْإِبِلُ مَخْلُوقَةٌ لِلْحَرْثِ، أَيْ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا لَا يَحْرُثُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ فَيُرِيدُ الْمُعْتَزِلَةَ، لِأَنَّ مُحَصَّلَ الْجَوَابِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ خَلْقُ التَّكْلِيفِ لَا خَلْقُ الْجِبِلَّةِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ عَمِلَ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَمَنْ خَذَلَهُ خَالَفَ، وَالْمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُرَادًا وَأَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ مُرَادًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُولَةً، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ التَّعْلِيلِ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِ التَّعْلِيلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ لَا بِوُجُوبِهِ، أَوْ لِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ لِإِسْنَادِ الْعِبَادَةِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ مِنْ جِهَةِ الْكَسْبِ، وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلَاتٌ أُخْرَى يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ، فَمِنَ الْعِبَادَةِ مَا يَنْفَعُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: (وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ لَكِنْ قَالَ: الْعَظِيمَةُ وَزَادَ: وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الذَّنُوبُ: النَّصِيبُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الدَّلْوِ، وَالذَّنُوبُ وَالسَّجْلُ وَاحِدٌ، وَالسَّجْلُ أَقَلُّ مِلْأً مِنَ الدَّلْوِ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَنُوبًا سَبِيلًا) وَقَعَ هَذَا مُؤَخَّرًا عَنِ الَّذِي بَعْدَهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي عِنْدَهُ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ قَالَ: سَجْلًا مِنَ الْعَذَابِ مِثْلَ عَذَابِ أَصْحَابِهِمْ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ قَالَ: سَبِيلًا. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَجْلًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ، وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ شَاهِدًا.
قَوْلُهُ: ﴿صَرَّةٍ﴾ صَيْحَةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (صَرَّةٌ) شِدَّةُ صَوْتٍ، يُقَالُ: أَقْبَلَ فُلَانٌ يَصْطَرُّ، أَيْ يُصَوِّتُ صَوْتًا شَدِيدًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَقْبَلَتْ تَرِنُّ.
قَوْلُهُ: (الْعَقِيمُ الَّتِي لَا
стр. 4948
تَلِدُ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ وَلَا تُلَقَّحُ شَيْئًا أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تَلِدُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيحُ الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تُلْقِحُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَأَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ سَمَاعَ الثَّوْرِيِّ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قَالَ: ذَاتُ الْخَلْقِ الْحَسَنِ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ: سُئِلَ عِكْرِمَةُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قَالَ: ذَاتُ الْخَلْقِ الْحَسَنِ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّسَّاجِ إِذَا نَسَجَ الثَّوْبُ، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا حَبَكَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ فِي غَمْرَتِهِمْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوُقُوعِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي ضَلَالَتِهِمْ يُؤَيِّدُ الثَّانِي، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ هُنَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْكَلِمَةِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ قَالَ: فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ فِي صَلَاتِهِمْ أَوْ ضَلَالَتِهِمْ بِالشَّكِّ، وَالْأَوَّلُ تَصْحِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا بِهِ تَوَاطَئُوا) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَإِذَا كَانَتْ شِيمَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى قَوْمٍ قِيلَ: كَأَنَّمَا تَوَاصَوْا بِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَلْ أَوْصَى الْأَوَّلُ الْآخِرَ مِنْهُمْ بِالتَّكْذِيبِ؟ قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ قَالَ: مُعَلَّمَةً. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ قَالَ: مَخْتُومَةً بِلَوْنٍ أَبْيَضَ وَفِيهِ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ وَبِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ لُعِنَ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قُتِلَ بِلُعِنَ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قَالَ: هِيَ مِثْلُ الَّتِي فِي عَبَسَ: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا عَلَى شَرْطِهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٥٢ - سُورَةُ وَالطُّورِ
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ: الْجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ صَحِيفَةٍ. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ سَمَاءٌ. ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الْمُوقَدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ نَقَصْنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَمُورُ﴾ تَدُورُ. ﴿أَحْلامُهُمْ﴾ الْعُقُولُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْبَرُّ﴾ اللَّطِيفُ. ﴿كِسْفًا﴾ قِطْعًا. الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يَتَعَاطَوْنَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الطُّورِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى ﴿وَالطُّورِ﴾، وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ
стр. 4949
وَمَا بَعْدَهَا عَاطِفَاتٌ أَوْ لِلْقَسَمِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَثَبَتَ لَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ الْجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا؛ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وَالطُّورِ﴾ قَالَ: جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الطُّورُ. وَعَمَّنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّورُ الْجَبَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَفِي الْمُحْكَمِ: الطُّورُ: الْجَبَلُ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ جَبَلٌ بِالشَّامِ، وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ طُورَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ طُورِيٌّ وَطُورَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ صَحِيفَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ قَالَ: صُحُفٌ وَرَقٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿مَنْشُورٍ﴾ قَالَ: صَحِيفَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ سَمَاءٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَسْجُورُ: الْمُوقَدُ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ الْمُوقَرُ بِالرَّاءِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ: الْمُوقَدُ بِالدَّالِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ: أَيْنَ جَهَنَّمُ؟ قَالَ: الْبَحْرُ. قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا صَادِقًا. ثُمَّ تَلَا: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ - ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: الْمُوقَدِ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ. وَمِنْ طَرِيقِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: التَّنُّورِ الْمَسْجُورِ، قَالَ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَسْجُورُ الْمَمْلُوءُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ فَذَكَرَهُ، فَبَيَّنَ الْحَسَنُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَالْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ الْمُمْتَلِئُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ حَالُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَلَتْنَاهُمْ نَقَصْنَاهُمْ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحُجُرَاتِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا ظَلَمْنَاهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ تَمُورُ تَدُورُ) وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قَالَ: مَوْرُهَا تَحَرُّكُهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قَالَ: تَدُورُ دَوْرًا.
قَوْلُهُ: (أَحْلَامُهُمْ: الْعُقُولُ) هُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَحْلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعُقُولُ وَالْأَلْبَابُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْبَرُّ﴾ اللَّطِيفُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَثَبَتَ لَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿كِسْفًا﴾ قِطَعًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: عَذَابًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿كِسْفًا﴾ الْكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، مِثْلُ السِّدْرِ جَمْعُ سِدْرَةٍ. وَهَذَا يُضَعِّفُ قَوْلَ مَنْ رَوَاهُ بِالتَّحْرِيكِ فِيهِمَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمَنُونِ﴾ الْمَوْتُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قَالَ: الْمَوْتُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَنُونُ حَوَادِثُ الدَّهْرِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي وَثَاقٍ، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ حَتَّى يَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ، فَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. فَأَنْزَلَ
стр. 4950
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْأَصْمَعِيِّ: إِنَّ الْمَنُونَ وَاحِدٌ لَا جَمْعَ لَهُ، وَيَبْعُدُ قَوْلُ الْأَخْفَشِ إنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ: إِنَّ الْمَنُونَ جَمْعُ مَنِيَّةٍ فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ، مَعَ بُعْدِهِ مِنَ الِاشْتِقَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَنَازَعُونَ: يَتَعَاطَوْنَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَزَادَ: أَيْ يَتَدَاوَلُونَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
نَازَعَتْهُ الرَّاحُ حَتَّى وَقَفَهُ السَّارِي.
١ - باب
٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثُونِي، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ - كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ ضَعِيفَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى الطَّوَافِ مَاشِيَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: فَصَرَّحَا عَنْهُ بِالسَّمَاعِ، وَهُمَا ثِقَتَانِ.
قُلْتُ: وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّهُمَا مَا أَوْرَدَا مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الَّتِي صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَإِنَّمَا بَلَغَتْهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَأَنَّهُ انْزَعَجَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ لِفَهْمِهِ مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ، فَفَهِمَ الْحُجَّةَ فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعِهِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَيْسُوا أَشَدَّ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ هَلْ خُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ؟ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ خَالِقٍ، وَإِذَا أَنْكَرُوا الْخَالِقَ فَهُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ أَشَدُّ، لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَخْلُقُ، وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أَيْ إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ، فَقَامَتِ الْحُجَّةُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَهُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ، فَلِهَذَا انْزَعَجَ جُبَيْرٌ حَتَّى كَادَ قَلْبُهُ يَطِيرُ، وَمَالَ إِلَى الْإِسْلَامِ. انْتَهَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا بَلَغَ
стр. 4951
هَذِهِ الْآيَةَ، أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ.
٥٣ - سُورَةُ وَالنَّجْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قُوَّةٍ. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ. ضِيزَى: عَوْجَاءُ. وَأَكْدَى: قَطَعَ عَطَاءَهُ. ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ. ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ. ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. سَامِدُونَ: الْبَرْطَمَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَفَتُمَارُونَهُ: أَفَتُجَادِلُونَهُ؟ وَمَنْ قَرَأَ: أَفَتَمْرُونَهُ، يَعْنِي: أَفَتُجْحَدُونَهُ؟ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿وَمَا طَغَى﴾ وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى. فَتَمَارَوْا: كَذَّبُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِذَا هَوَى﴾ غَابَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أَعْطَى فَأَرْضَى.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالنَّجْمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ وَالنَّجْمِ حَسْبُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّجْمِ الثُّرَيَّا فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النَّجْمُ وَالنُّجُومُ، ذَهَبَ إِلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَجَرِّهِ
قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنْ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالَهُ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ رَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ إِذَا نَزَلَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِلَفْظِ: النَّجْمُ: نُجُومُ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذُو مِرَّةٍ ذُو قُوَّةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ قُوَّةُ جِبْرِيلَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذُو مِرَّةٍ أَيْ شِدَّةٍ وَإِحْكَامٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قَالَ: ذُو خَلْقٍ حَسَنٍ.
قَوْلُهُ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ: قَدْرَ قَوْسَيْنِ، أَوْ أَدْنَى، أَوْ أَقْرَبَ.
قَوْلُهُ: ﴿ضِيزَى﴾ عَوْجَاءُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ضِيزَى جَائِرَةٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَاقِصَةٌ، تَقُولُ: ضَأَزْتُهُ حَقَّهُ: نَقَصْتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْدَى: قَطَعَ عَطَاءَهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ اقْتَطَعَ عَطَاءَهُ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُنْقَطِعَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا﴾ أَيْ: أَطَاعَ قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ لَيِّنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا﴾ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُدْيَةِ بِالضَّمِّ وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾ هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿الشِّعْرَى﴾ الْكَوْكَبُ الَّذِي خَلْفَ الْجَوْزَاءِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي خُزَاعَةَ وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الشِّعْرَى، وَهُوَ الْكَوْكَبُ الَّذِي يَتْبَعُ الْجَوْزَاءَ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ نَاسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ هَذَا النَّجْمَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الشِّعْرَى. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: النَّجْمُ الَّذِي يَتْبَعُ الْجَوْزَاءَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّيْنَوَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَنْوَاءِ: الْعُذْرَةُ وَالشِّعْرَى الْعَبُورُ وَالْجَوْزَاءُ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ وَهُنَّ نُجُومٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ: وَلِلشِّعْرَى
стр. 4952
ثَلَاثَةُ أَزْمَانٍ إِذَا رُئِيَتْ غُدْوَةً طَالِعَةً فَذَاكَ صَمِيمُ الْحَرِّ، وَإِذَا رُئيَتْ عِشَاءً طَالِعَةً فَذَاكَ صَمِيمُ الْبَرْدِ، وَلَهَا زَمَانٌ ثَالِثٌ وَهُوَ وَقْتُ نَوْئِهَا. وَأَحَدُ كَوْكَبَيِ الذِّرَاعِ الْمَقْبُوضَةِ هِيَ الشِّعْرَى الْغُمَيْصَاءُ، وَهِيَ تُقَابِلُ الشِّعْرَى الْعَبُورَ وَالْمَجَرَّةُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِكَوْكَبِهَا الْآخَرِ الشَّمَالِيُّ، الْمِرْزَمُ مِرْزَمُ الذِّرَاعِ، وَهُمَا مِرْزَمَانِ هَذَا وَآخَرُ فِي الْجَوْزَاءِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ انْحَدَرَ سُهَيْلٌ فَصَارَ يَمَانِيًّا فَتَبِعَتْهُ الشِّعْرَى فَعَبَرَتْ إِلَيْهِ الْمَجَرَّةَ وَأَقَامَتِ الْغُمَيْصَاءُ فَبَكَتْ عَلَيْهِ حَتَّى غَمَصَتْ عَيْنُهَا وَالشِّعْرَيَانِ الْغُمَيْصَاءُ وَالْعَبُورُ يَطْلُعَانِ مَعًا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمِرْزَمُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ نَجْمٌ يُقَابِلُ الشِّعْرَى مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَا يُفَارِقُهَا وَهُوَ الْهَنْعَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ﴿وَفَّى﴾ أَيْ بَلَّغَ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُؤْخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ حَتَّى جَاءَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَمِنْ طَرِيقِ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ نَحْوُهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: وَفَّى عَمَلِ يَوْمِهِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: دَنَتِ الْقِيَامَةُ.
قَوْلُهُ: (سَامِدُونَ: الْبَرْطَمَةُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ: الْبَرْطَنَةُ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيمِ. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قَالَ: مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ: الْبَرْطَمَةُ. قَالَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّامِدُونَ يَتَغَنَّوْنَ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يَمُرُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ غِضَابًا مُبَرْطِمِينَ. قَالَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ هُوَ الْغِنَاءُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ هُوَ الْغِنَاءُ بِالْحِمْيَرِيَّةِ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنَا أَيْ غَنِّ لَنَا. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قَالَ: الْغِنَاءُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: وَهِيَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، إِذَا أَرَادَ الْيَمَانِيُّ أَنْ يَقُولَ تَغَنَّ، قَالَ: اسْمُدْ. لَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَاهُونَ. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: غَافِلُونَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُعْرِضُونَ.
(تَنْبِيهٌ): الْبَرْطَمَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْإِعْرَاضُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الْبَرْطَمَةُ هَكَذَا، وَوَضَعَ ذَقَنَهُ فِي صَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَفَتُمَارُونَهُ: أَفَتُجَادِلُونَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِهِ، وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِيهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَرَأَ أَفَتَمْرُونَهُ يَعْنِي: أَفَتَجْحَدُونَهُ) كَذَا لَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ أَفَتَجْحَدُونَ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ يَقُولُ: أَفَتَجْحَدُونَهُ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَرَأَ بِهِمَا مَعًا وَفَسَّرَهُمَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أَيْ تُجَادِلُونَهُ.
قُلْتُ: قَرَأَهَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ عَاصِمٌ كَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقْرَأُ ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ وَمَسْرُوقٌ يَقْرَأُ أَفَتَمْرُونَهُ، وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ لَكِنْ بِضَمِّ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا زَاغَ
стр. 4953
الْبَصَرُ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: مَا زَاغَ .. إِلَخْ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْقَائِلَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ يُقَلِّبُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ الْمَلَكِ. وَمَسْأَلَةُ الرُّؤْيَةِ مَشْهُورَةٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا طَغَى: وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا بَدَّلَ وَمَا هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ أَيْضًا وَلَفْظُهُ وَمَا جَاوَزَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ الْبُطَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا ﴿وَمَا طَغَى﴾ مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَارَوْا: كَذَّبُوا) كَذَا لَهُمْ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَتَمَارَوْا وَإِنَّمَا فِيهَا ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا، وَفِي آخِرِهَا تَتَمَارَى، وَلَعَلَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا تَتَمَارَى تُكَذِّبُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَصَرَ كَلَامَ الْفَرَّاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قَالَ: فَبِأَيِّ نِعْمَةِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ كَذَّبُوا بِالنُّذُرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا هَوَى: غَابَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَغْنَى وَأَقْنَى: أَعْطَى فَأَرْضَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْنَى قَنَعَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْدَمَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْنَى جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً أَيْ أُصُولَ مَالٍ، قَالَ: وَقَالُوا: أَقْنَى أَرْضَى، يُشِيرُ إِلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ قِنْيَةٌ مِنَ الرِّضَا.
١ - باب
٤٨٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ .. وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَسْرُوقٍ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ زِيَادَةُ قِصَّةٍ فِي سِيَاقِهِ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ هَكَذَا فِي سِيَاقِ التِّرْمِذِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ نَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ، فَكَبَّرَ كَعْبٌ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ الْحَدِيثَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
стр. 4954
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ كَعْبٍ مِثْلَهُ، قَالَ: - يَعْنِي الشَّعْبِيَّ - فَأَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ سَبَبُ سُؤَالِ مَسْرُوقٍ، لِعَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَا أُمَّتَاهُ) أَصْلُهُ يَا أُمَّ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِغَاثَةِ، فَأُبْدِلَتْ تَاءً، وَزِيدَتْ هَاءُ السَّكْتِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: إِذَا نَادَوْا قَالُوا: يَا أُمَّهْ عِنْدَ السَّكْتِ، وَعِنْدَ الْوَصْلِ: يَا أُمَّتُ بِالْمُثَنَّاةِ، فَإِذَا فَتَحُوا لِلنُّدْبَةِ قَالُوا: يَا أُمَّتَاهُ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ قَوْلَ مَسْرُوقٍ يَا أُمَّتَاهُ لَيْسَ لِلنُّدْبَةِ إِذْ لَيْسَ هُوَ تَفَجُّعًا عَلَيْهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: (هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ قَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي) أَيْ قَامَ مِنَ الْفَزَعِ، لِمَا حَصَلَ عِنْدَهَا مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ وَاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْقَفُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ كَالْقُشَعْرِيرَةِ، وَأَصْلُهُ التَّقَبُّضُ وَالِاجْتِمَاعُ، لِأَنَّ الْجِلْدَ يَنْقَبِضُ عِنْدَ الْفَزَعِ فَيَقُومُ الشَّعْرُ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ)؟ أَيْ كَيْفَ يَغِيبُ فَهْمُكَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحْضِرَهَا وَمُعْتَقِدًا كَذِبَ مَنْ يَدَّعِي وُقُوعَهَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لَمْ تَنْفِ عَائِشَةُ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتْ الِاسْتِنْبَاطَ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ حُجَّةً اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ بِالْإِدْرَاكِ فِي الْآيَةِ الْإِحَاطَةُ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ. انْتَهَى. وَجَزْمُهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ: النَّفْيُ لَا يُوجِبُ عِلْمًا، وَلَمْ تَحْكِ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَتِ الْآيَةَ. انْتَهَى.
وَهُوَ عَجِيبٌ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي شَرَحَهُ الشَّيْخُ، فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ مَسْرُوقٌ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا نَعَمْ، احْتِجَاجُ عَائِشَةَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ خَالَفَهَا فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾؟ قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ نَفْيُ الْإِحَاطَةِ بِهِ عِنْدَ رُؤْيَاهُ لَا نَفْيَ أَصْلِ رُؤْيَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا﴾ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَجِيبٌ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْإِدْرَاكِ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ الْبَصَرُ، فَلَمَّا نُفِيَ كَانَ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ، بِخِلَافِ الْإِدْرَاكِ الَّذِي فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَلَوْلَا وُجُودُ الْأَخْبَارِ بِثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ مَا سَاغَ الْعُدُولُ عَنِ الظَّاهِرِ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَبْصَارُ فِي الْآيَةِ جَمْعٌ مُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُ ذَلِكَ سَمْعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ فِي الْآخِرَةِ جَازَتْ فِي الدُّنْيَا؛ لِتَسَاوِي الْوَقْتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْئِيِّ انْتَهَى. وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: رُؤْيَةُ اللَّهِ جَائِزَةٌ
стр. 4955
عَقْلًا، وَثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ بِوُقُوعِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا لَمْ يُرَ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ، وَالْبَاقِي لَا يُرَى بِالْفَانِي، فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً رَأَوُا الْبَاقِيَ بِالْبَاقِي. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ اسْتِحَالَةُ الرُّؤْيَةِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا قَدَّرَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَمْتَنِعْ.
قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَإِنْ جَازَتِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا عَقْلًا فَقَدِ امْتَنَعَتْ سَمْعًا، لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فَذَهَبَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى إِنْكَارِهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِهَا، وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إِثْبَاتَهَا، وَكَانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ إِذَا ذُكِرَ لَهُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَزَمَ بِهِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَالزُّهْرِيُّ وَصَاحِبُهُ مَعْمَرٌ وَآخَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَغَالِبِ أَتْبَاعِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ؟ وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْقَوْلَيْنِ.
قُلْتُ: جَاءَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَارٌ مُطْلَقَةٌ وَأُخْرَى مُقَيَّدَةٌ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُطْلَقِهَا عَلَى مُقَيَّدِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْكَلَامُ لِمُوسَى وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ؟ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ نَعَمْ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَفْيِ عَائِشَةَ بِأَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهَا عَلَى رُؤْيَةِ الْبَصَرِ وَإِثْبَاتُهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَلْبِ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِرُؤْيَةِ الْفُؤَادِ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لَا مُجَرَّدَ حُصُولِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَالِمًا بِاللَّهِ عَلَى الدَّوَامِ. بَلْ مُرَادُ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ خُلِقَتْ فِي قَلْبِهِ، كَمَا يَخْلُقُ الرُّؤْيَةَ بِالْعَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَالرُّؤْيَةُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا شَيْءٌ مَخْصُوصٌ عَقْلًا، وَلَوْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِخَلْقِهَا فِي الْعَيْنِ.
وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ. وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ نُورًا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْهُ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَادُ أَبِي ذَرٍّ بِذِكْرِهِ النُّورَ أَيِ النُّورُ حَالَ بَيْنَ رُؤْيَتِهِ لَهُ بِبَصَرِهِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلَ الْوَقْفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَزَاهُ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَابِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَغَايَةُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِلطَّائِفَتَيْنِ ظَوَاهِرُ مُتَعَارِضَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ: وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ فَيُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ فَلَا يُكْتَفَى فِيهَا إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَجَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِثْبَاتِ وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَحَمَلَ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعَيْنِهِ وَمَرَّةً بِقَلْبِهِ، وَفِيمَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ مُقْنِعٌ. وَمِمَّنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ لِنَبِيِّنَا ﷺ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَرَوَى الْخِلَال فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ الْمَرْوَزِيِّ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ قَوْلُهَا؟ قَالَ: بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَأَيْتُ رَبِّي،
стр. 4956
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْبَرُ مِنْ قَوْلِهَا.
وَقَدْ أَنْكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ مَرَّةً: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وَقَالَ مَرَّةً: بِفُؤَادِهِ. وَحَكَى عَنْهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهَذَا مِنْ تَصَرُّفِ الْحَاكِي، فَإِنَّ نُصُوصَهُ مَوْجُودَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فَإِنَّ الَّذِي يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصْعَدَ الرُّوحُ مَثَلًا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ أَنْ يَرَى النَّائِمُ ذَلِكَ وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ أَصْلًا، فَيَحْتَمِلُ مَنْ قَالَ: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَصْعَدْ جَسَدُهُ، أَرَادَ أَنَّ رُوحَهُ عُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً فَصَعِدَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ وَجَسَدُهُ بَاقٍ فِي مَكَانِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ شُقَّ صَدْرُهُ وَالْتَأَمَ وَهُوَ حَيٌّ يَقْظَانُ لَا يَجِدُ بِذَلِكَ أَلَمًا. انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ تَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ وَعُرِجَ بِهِمَا حَقِيقَةً فِي الْيَقَظَةِ لَا مَنَامًا وَلَا اسْتِغْرَاقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ أَيْضًا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ تَعَدَّدَ، وَاسْتَنَدَ إِلَى اسْتِبْعَادِ أَنْ يَتَكَرَّرَ قَوْلُهُ فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً وَطَلَبَ التَّخْفِيفَ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فَإِنَّ دَعْوَى التَّعَدُّدِ تَسْتَلْزِمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِينَ وَقَعَتْ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ التَّخْفِيفُ، ثُمَّ وَقَعَ سُؤَالُ التَّخْفِيفِ وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، وَأُعِيدَ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي إِلَى آخِرِهِ، انْتَهَى. وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ بِالتَّعَدُّدِ يَلْتَزِمُ إِعَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ يَقَظَةً، بَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ مَنَامًا ثُمَّ وُجُودُهُ يَقَظَةً كَمَا فِي قِصَّةِ الْمَبْعَثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا. وَيَجُوزُ تَكْرِيرُ إِنْشَاءِ الرُّؤْيَةِ وَلَا تُبْعِدُ الْعَادَةُ تَكْرِيرَ وُقُوعِهِ كَاسْتِفْتَاحِ السَّمَاءِ وَقَوْلِ كُلِّ نَبِيٍّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ، بَلِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ فَقَعَدْتُ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْأُخْرَى فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ، فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ جَلَسَ لِأَجْلِي وَفَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، فَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وَإِذَا دُونَهُ الْحِجَابُ وَفَوْقَهُ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ بَصْرِيًّا مَشْهُورًا.
قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ اسْتَدَلَّتْ بِهِ عَائِشَةُ عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ حَصَرَ تَكْلِيمَهُ لِغَيْرِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الْوَحْيُ بِأَنْ يُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ مَا يَشَاءُ، أَوْ يُكَلِّمَهُ بِوَاسِطَةٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَيُبَلِّغَهُ عَنْهُ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ انْتِفَاءَ الرُّؤْيَةِ عَنْهُ حَالَةَ التَّكَلُّمِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَعَامَّةُ مَا يَقْتَضِي نَفْيَ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَيَجُوزُ أَنَّ التَّكْلِيمَ لَمْ يَقَعْ حَالَةَ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ الْآيَةَ) يَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَكِنَّهُ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ مَسْرُوقٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. وَلَهُ فِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ: رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَبْصَرَ جِبْرِيلَ وَلَمْ يُبْصِرْ رَبَّهُ.
стр. 4957
بَاب ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنْ الْقَوْسِ
٤٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرًّا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ) تَقَدَّمَ هَذَا التَّفْسِيرُ قَرِيبًا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَهِيَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا. وَالْقَابُ مَا بَيْنَ الْقَبْضَةِ وَالسِّيَةِ مِنَ الْقَوْسِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَوْسُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا. قَالَ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الذِّرَاعُ لِأَنَّهُ يُقَاسُ بِهَا الشَّيْءُ.
قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْقَابُ الْقَدْرُ، وَالْقَوْسَيْنِ الذِّرَاعَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَوْسُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا لَمْ يُمَثَّلْ بِذَلِكَ لِيُحْتَاجَ إِلَى التَّثْنِيَةِ، فَكَانَ يُقَالُ مَثَلًا: قَابَ رُمْحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْقَلْبِ، وَالْمُرَادُ: فَكَانَ قَابَيْ قَوْسٍ، لِأَنَّ الْقَابَ مَا بَيْنَ الْمِقْبَضِ إِلَى السِّيَةِ، فَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَالِفَتِهِ. وَقَوْلُهُ أَوْ أَدْنَى أَيْ أَقْرَبَ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: خَاطَبَ اللَّهُ الْعَرَبَ بِمَا أَلِفُوا، وَالْمَعْنَى فِيمَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لَا تَرَدُّدَ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، وَالتَّقْرِيرُ: بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فَتَدَلَّى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ، وَزِرٌّ هُوَ ابْنُ حُبَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَا سَأَذْكُرُهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَ عَبْدَ اللَّهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، بَلْ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ فَقَالَ: سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَوْلِهِ، فَذَكَرَهُ. وَلَا إِشْكَالَ فِي سِيَاقِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ فَقَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .. فَذَكَرَهُ.
بَاب ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
٤٨٥٧ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّه مُحَمَّد ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَهِيَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ مُحَمَّدٌ) الضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَى عَبْدِهِ وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ، وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَذْهَبُ
стр. 4958
فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ جِبْرِيلُ كَمَا ذَهَبَتْ إِلَى ذَلِكَ عَائِشَةُ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى رَأْيِهِ: فَأَوْحَى: أَيْ جِبْرِيلُ، إِلَى عَبْدِهِ: أَيْ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى هُوَ جِبْرِيلُ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَكَلَامُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَوْحَى هُوَ اللَّهُ، أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِلَى جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ) زَادَ عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَنَاثَرُ مِنْ رِيشِهِ التَهَاوِيلُ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ يَتَنَاثَرُ مِنْهَا تَهَاوِيلُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ.
بَاب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا جَمِيعُ مَا رَأَى ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِفَةُ جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَقَدْ رَأَى) أَيْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ) هَذَا ظَاهِرُهُ يُغَايِرُ التَّفْسِيرَ السَّابِقَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، وَلَكِنْ يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَبْصَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَيَجْتَمِعُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَوْصُوفَ جِبْرِيلُ وَالصِّفَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي سَدَّ الْأُفُقَ الرَّفْرَفُ الَّذِي فِيهِ جِبْرِيلُ، فَنَسَبَ جِبْرِيلَ إِلَى سَدِّ الْأُفُقِ مَجَازًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْرَفُ الْمُرَادُ بِالرَّفْرَفِ وَأَنَّهُ حُلَّةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ وَأَصْلُ الرَّفْرَفِ مَا كَانَ مِنَ الدِّيبَاجِ رَقِيقًا حَسَنَ الصَّنْعَةِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي السِّتْرِ، وَكُلُّ مَا فَضَلَ مِنْ شَيْءٍ فَعُطِفَ وَثُنِّيَ فَهُوَ رَفْرَفٌ، وَيُقَالُ: رَفْرَفَ الطَّائِرُ بِجَنَاحَيْهِ؛ إِذَا بَسَطَهُمَا، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ بَسَطَ أَجْنِحَتَهُ فَصَارَتْ تُشْبِهُ الرَّفْرَفَ، كَذَا قَالَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا تُوَضِّحُ الْمُرَادَ.
٢ - بَاب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾
٤٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ ﴿اللاتَ وَالْعُزَّى﴾: كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
٤٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّق"
[الحديث ٤٨٦٠ - أرافه في: ٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠]
стр. 4959
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ هُوَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ) سَقَطَ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ اللَّاتِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلُهُ وَخُفِّفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَدْ رُوِيَ التَّشْدِيدُ عَنْ قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ التَّخْفِيفُ كَالْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ فِيهِ زِيَادَةٌ كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَمِنَ، فَعَبَدُوهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، فَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى صَخْرَةٍ بِالطَّائِفِ وَعَلَيْهَا لَهُ غَنَمٌ، فَكَانَ يَسْلُو مِنْ رَسَلِهَا وَيَأْخُذُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ وَالْأَقِطِ فَيَجْعَلُ مِنْهُ حَيْسًا وَيُطْعِمُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ. وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُ: اللَّاتَّ مُشَدَّدَةً. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ، قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ انْتَهَى. وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ الْعُدْوَانِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَكَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ فِي زَمَانِهِ، وَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ:
وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي … وَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ: أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، قَالَ: وَيُقَالُ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُوَ وَالِدُ خُزَاعَةَ انْتَهَى.
وَحَرَّفَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ السُّهَيْلِيِّ، وَظَنَّ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ حَارِثَةَ قَوْلٌ آخَرُ فِي اسْمِ اللَّاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ اسْمُ لُحَيٍّ فِيمَا قِيلَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّاتَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّاتَ لَمَّا مَاتَ، قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْعَرَبَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَحَكَى ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ اسْمَهُ صِرْمَةُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَانَتِ اللَّاتُ بِالطَّائِفِ، وَقِيلَ: بِنَخْلَةَ، وَقِيلَ: بِعُكَاظٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ مَنَاةٌ أَقْدَمُ مِنَ اللَّاتِ فَهَدَمَهَا عَلِيٌّ عَامَ الْفَتْحِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتِ اللَّاتُ أَحْدَثُ مِنْ مَنَاةَ فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، وَكَانَتِ الْعُزَّى أَحْدَثُ مِنَ اللَّاتِ، وَكَانَ الَّذِي اتَّخَذَهَا ظَالِمُ بْنُ سَعْدٍ بِوَادِي نَخْلَةَ فَوْقَ ذَاتِ عِرْقٍ، فَهَدَمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ.
الْحَدِيثُ الْثَّانِي.: قَوْلُهُ: (فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) أَيْ فِي يَمِينِهِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحَدِيثِ الْبَابِ، فَأَخْرَجُوا مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: بِئْسَ مَا قُلْتَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .. الْحَدِيثَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْيَمِينُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَعْبُودِ الْمُعَظَّمِ، فَإِذَا حَلَفَ بِاللَّاتِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ ضَاهَى الْكُفَّارَ، فَأُمِرَ أَنْ يَتَدَارَكَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَنْ حَلَفَ بِهَا جَادًّا فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَهَا جَاهِلًا أَوْ ذَاهِلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ وَيَرُدُّ قَلْبَهُ عَنِ السَّهْوِ إِلَى الذِّكْرِ وَلِسَانَهُ إِلَى الْحَقِّ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا جَرَى بِهِ مِنَ اللَّغْوِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَلْيَتَصَدَّقْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُقَامِرَ بِهِ، وَقِيلَ: بِصَدَقَةٍ مَا لِتُكَفِّرَ عَنْهُ الْقَوْلَ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ
стр. 4960
أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ عِيَاضٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاطِرِ الَّذِي لَا يَسْتَمِرُّ.
قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِصُدُورِ الْقَوْلِ حَيْثُ نَطَقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَدَعَاهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، فَالدُّعَاءُ إِلَى فِعْلِهِ حَرَامٌ، فَلَيْسَ هُنَا عَزْمٌ مُجَرَّدٌ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِمَسْأَلَةِ الْعَزْمِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ.
٣ - بَاب ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾
٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ .. مِثْلَهُ.
وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ .. نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَنَاةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مَنَاءَةَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ مَا قَالَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَجَوَابُ عَائِشَةَ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا إِلَى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ) أَيْ لِأَجْلِ مَنَاةَ، فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِمَنَاةَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّامِ، أَيْ أَهَلَّ عِنْدَهَا أَوْ أَهَلَّ بِاسْمِهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ ثُمَّ لَامٍ ثَانِيَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ قُدَيْدٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُهْبَطُ مِنْهُ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ قُدَيْدٍ) بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنِ مُسَافِرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُولِهِ.
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدٍ يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاةَ فَأَهَلُّوا لَهَا، فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ .. إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: (تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ نَحْوَهُ) بَقِيَّتُهُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا .. الْحَدِيثَ،
стр. 4961
وَفِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي آخِرِهِ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: مَنْ طَافَ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ.
٤ - بَاب ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾
٤٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ.
تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
٤٨٦٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، يعني الزبيري، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ وَالنَّجْمِ، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَاسْجُدُوا وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النَّجْمُ سَجَدَ لَهَا الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ فَأَرْسَلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ لِاتِّفَاقِ ثِقَتَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ عَلَى وَصْلِهِ وَهُمَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ) إِنَّمَا أَعَادَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مَعَ دُخُولِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِنْسِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: سَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ سَجْدَةٍ نَزَلَتْ فَأَرَادُوا مُعَارَضَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمْ، أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِلَا قَصْدٍ، أَوْ خَافُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ فِيهَا نَظَرٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهَا لِعِيَاضٍ، وَالثَّانِي يُخَالِفُهُ سِيَاقُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ زَادَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُمْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْقَصْدِ، وَالثَّالِثُ أَبْعَدُ إِذِ الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا خَائِفِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا الْعَكْسُ، قَالَ: وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا صِحَّةَ لَهُ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا، انْتَهَى. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ عَرَفَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ: وَالنَّجْمِ، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانَ ذَلِكَ وَالسَّبَبَ فِيهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ اسْتَعْانَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ النَّجْمَ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ
стр. 4962
أَوَّلُ سُورَةٍ قَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ: النَّجْمُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى وَهَذَا ظَاهِرُهُ تَعْمِيمُ سُجُودِهِمْ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ: وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ، وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَسْلَمَ قَالَ الْمُطَّلِبُ: فَلَا أَدَعُ السُّجُودَ فِيهَا أَبَدًا فَيُحْمَلُ تَعْمِيمُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَفًّا مِنْ تُرَابٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ.
قَوْلُهُ: (فَسَجَدَ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا.
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَقَدْ وَافَقَ إِسْرَائِيلُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ زَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: وَقِيلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِلَاهُمَا جَمِيعًا، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَلَمْ يُقْتَلْ بِبَدْرٍ كَافِرًا مِنَ الَّذِينَ سُمُّوا عِنْدَهُ غَيْرَهُ. وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ أَبُو لَهَبٍ، وَفِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ بَزِيزَةَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ بِلَا خِلَافٍ وَلَمْ يَكُنِ النِّفَاقُ ظَهَرَ بَعْدُ، وَقَدْ جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ الْأَوْلَى إِلَى الْحَبَشَةِ خَرَجَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ رَجَعُوا فَوَجَدُوهُمْ عَلَى حَالِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ فَهَاجَرُوا الثَّانِيَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْبَعَةُ لَمْ يَسْجُدُوا، وَالتَّعْمِيمُ فِي كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْتُهُ فِي الْمَطْلَبِ، لَكِنْ لَا يُفَسَّرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا بِأُمَيَّةَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٤ - سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
قَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَمِرٌّ: ذَاهِبٌ. مُزْدَجَرٌ: مُتَنَاهٍ. وَازْدُجِرَ: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا. دُسُرٍ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ. ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ. مُحْتَضَرٌ: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ: النَّسَلَانُ. الْخَبَبُ: السِّرَاعُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَتَعَاطَى: فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا. الْمُحْتَظِرِ: كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ. وَازْدُجِرَ: افْتُعِلَ مَنْ زَجَرْتُ. كُفِرَ: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. مُسْتَقَرٌّ: عَذَابٌ حَقٌّ. يُقَالُ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
(سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حَسْبُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا سُورَةُ الْقَمَرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَمِرٌّ: ذَاهِبٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ: رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ ذَاهِبٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ، وَفِي آخِرِهِ تَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قَالَ: يَقُولُ: ذَاهِبٌ، وَمَعْنَى ذَاهِبٌ أَيْ سَيَذْهَبُ وَيَبْطُلُ، وَقِيلَ: سَائِرٌ.
قَوْلُهُ: (مُزْدَجَرٌ: مُتَنَاهٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ. وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أُحِلَّ فِيهِ الْحَلَالُ وَحُرِّمَ فِيهِ
стр. 4963
الْحَرَامُ، وَقَوْلُهُ مُتَنَاهٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ غَايَةٌ فِي الزَّجْرِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ: اسْتُطِيرَ جُنُونًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِهِمْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِمْ مَجْنُونٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِمْ أَنَّهُمْ زَجَرُوهُ.
قَوْلُهُ: (دُسُرٍ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي الْغَرِيبِ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَلْوَاحُ: أَلْوَاحُ السَّفِينَةِ، وَالدُّسُرُ: مَعَارِيضُهَا الَّتِي تُشَدُّ بِهَا السَّفِينَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَدُسُرٍ، قَالَ: الْمَسَامِيرُ. وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْأَلْوَاحُ: مَقَاذِيفُ السَّفِينَةِ، وَالدُّسُرُ: دُسِرَتْ بِمَسَامِيرَ.
قَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَرَأَهَا كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُونَ الْمَاءَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ إِذَا غَابَتِ النَّاقَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ: النَّسَلَانُ الْخَبَبُ السِّرَاعُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قَالَ: هُوَ النَّسَلَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ النَّسَلَانِ فِي تَفْسِيرِ الصَّافَّاتِ. وَقَوْلُهُ الْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى تَفْسِيرُ النَّسَلَانِ، وَالسِّرَاعُ تَأْكِيدٌ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قَالَ: نَاظِرِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُهْطِعُ: الْمُسْرِعُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَعَاطَهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ فَعَاطَهَا وَجْهًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَقْلُوبِ لِأَنَّ الْعَطْوَ التَّنَاوُلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: تَنَاوَلَ فَعَقَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: التُّرَابُ يَسْقُطُ مِنَ الْحَائِطِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، قَالَ: كَرَمَادٍ مُحْتَرِقٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَجْعَلُ حِظَارًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي مِنْ يَبَسِ الشَّوْكِ. فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هُوَ التُّرَابُ الْمُتَنَاثِرُ مِنَ الْحَائِطِ.
(تَنْبِيهٌ): حِظَارٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِهَا وَالظَّاءُ الْمُشَالَةُ خَفِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ: افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَزَادَ بَعْدَهُ: صَارَتْ تَاءُ الِافْتِعَالِ فِيهِ دَالًا.
قَوْلُهُ: (كُفِرَ: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: يَقُولُ: أَغْرِقُوا لِنُوحٍ، أَيْ لِأَجْلِ نُوحٍ، وَكُفِرَ أَيْ أُجْحِدَ. وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ كَانَ جَزَاءً لِنُوحٍ، وَهُوَ الَّذِي كُفِرَ أَيْ جُحِدَ، وَكُذِّبَ فَجُوزِيَ بِذَلِكَ لِصَبْرِهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَرَأَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، فَاللَّامُ فِي لِمَنْ عَلَى هَذَا لِقَوْمِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ عَذَابُ حَقٌّ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ اسْتَقَرَّ بِهِمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قَالَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ) قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ قَالَ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ. وَرُبَّمَا كَانَ مِنَ النَّشَاطِ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الشَّرِّ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَدًا: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
стр. 4964
١ - بَاب ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾
٤٨٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشْهَدُوا.
٤٨٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ، فَقَالَ لَنَا: اشْهَدُوا اشْهَدُوا.
٤٨٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ .
٤٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ.
٤٨٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عن شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ فِرْقَتَيْنِ.
وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْشَقَّ الْقَمَرُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَكْرٌ فِيهِ هُوَ ابْنُ مُضَرَ، وَجَعْفَرٌ هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ.
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
٢ - بَاب ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾
قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
٤٨٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
بَاب ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَسَّرْنَا هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ.
٤٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّه كَانَ يَقْرَأُ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
بَاب ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾
стр. 4965
٤٨٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَوْ مُذَّكِرٍ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَؤُهَا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قَالَ: وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَؤُهَا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ دَالًا.
٣ - بَاب ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾
٤٨٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ الْآيَةَ.
٤ - بَاب ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾
٤٨٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. مستوى ٤ بَاب وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾
٤٨٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾. زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ الَّتِي تُنَاسِبُ قَوْلَ قَتَادَةَ الْمَذْكُورِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللَّهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: عَلَى الْجُودِيِّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَبْقَى اللَّهُ السَّفِينَةَ فِي أَرْضِ الْجَزِيرَةِ عِبْرَةً وَآيَةً حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَظَرًا، وَكَمْ مِنْ سَفِينَةٍ بَعْدَهَا فَصَارَتْ رَمَادًا.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَسْوَدِ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَيْ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَسَبَبُ ذِكْرِ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ قَرَأَهَا بِالْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِهَذَا الْحَدِيثِ خَمْسَ تَرَاجِمَ فِي كُلِّ تَرْجَمَةٍ آيَةٌ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَمَدَارُ الْجَمِيعِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَسَاقَ فِي الْجَمِيعِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ لَفْظَ مُدَّكِرٍ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ بِحَسَبِ تَكَرُّرِ الْقَصَصِ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ اسْتِدْعَاءً لِأَفْهَامِ السَّامِعِينَ لِيَعْتَبِرُوا، وَقَالَ فِي الْأُولَى وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسَّرْنَا: هَوَّنَّا قِرَاءَتَهُ وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أَوْ مُذَّكِرٍ؟ أَيْ بِمُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَةٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ دَالًا أَيْ مُهْمَلَةً. وَلَفْظُ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ كَالْأَوَّلِ، وَلَفْظُ الْخَامِسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : فهل مِنْ مُذَّكِرٍ - أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أَيْ بِالْمُهْمَلَةِ.
وَأَثَرُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَقَوْلُهُ مُدَّكِرٍ أَصْلُهُ مُذْتَكِرٌ بِمُثَنَّاةٍ بَعْدَ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا مُهْمَلَةً ثُمَّ أُهْمِلَتِ الْمُعْجَمَةُ لِمُقَارَبَتِهَا ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الرَّابِعِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدُرٌ كَذَا وَقَعَ مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى أَوِ ابْنُ بَشَّارٍ أَوِ ابْنُ الْوَلِيدِ الْبُسْرِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، وَقَوْلُهُ
стр. 4966
فِي الْخَامِسَةِ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ مُوسَى.
٥ - بَاب قَوْلُهُ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾
٤٨٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الْآيَةَ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي.
وَقَوْلُهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَوْشَبٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
وَقَوْلُهُ ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ الذُّهْلِيُّ وَسَقَطَ لِابْنِ السَّكَنِ فَصَارَ عَنِ الْبُخَارِيِّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ.
(تَنْبِيهٌ): هَذَا مِنْ مُرْسَلَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ جَعَلْتُ أَقُولُ: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الْآيَةَ، فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَمَلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَكَأَنَّ عِكْرِمَةَ حَمَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بِبَعْضِهِ.
٦ - بَاب قَوْلِهِ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يَعْنِي مِنْ الْمَرَارَةِ.
٤٨٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ، وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾
[الحديث ٤٨٧٦ - طرفه في: ٤٩٩٣]
٤٨٧٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: "أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا" فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ وَقَالَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾
قَوْلُهُ: باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يَعْنِي مِنَ الْمَرَارَةِ. هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَعْنَاهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ بَدْرٍ، وَأَمَرُّ مِنَ الْمَرَارَةِ.
قَوْلُهُ: (يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا في
стр. 4967
سُورَةِ الْأَحْقَافِ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَفِيهِ قِصَّةٌ حَذَفَهَا، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثم ذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِسْحَاقُ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ الْأَوَّلُ هُوَ الطَّحَّانُ، وَالَّذِي فَوْقَهُ هُوَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ.
٥٥ - سُورَةُ الرَّحْمَنِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِحُسْبَانٍ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ: يُرِيدُ لِسَانَ الْمِيزَانِ. ﴿الْعَصْفِ﴾ بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَذَلِكَ الْعَصْفُ، وَالرَّيْحَانُ: رِزْقُهُ. وَالْحَبُّ: الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ. وَالرَّيْحَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الرِّزْقُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: والْعَصْفِ: يُرِيدُ الْمَأْكُولُ مِنَ الْحَبِّ، وَالرَّيْحَانِ: النَّضِيجِ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَصْفُ: وَرَقُ الْحِنْطَةِ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: الْعَصْفُ: التِّبْنُ. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: الْعَصْفُ: أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ تُسَمِّيهِ النَّبَطُ هَبُورًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَصْفُ: وَرَقُ الْحِنْطَةِ، وَالرَّيْحَانُ: الرِّزْقُ، وَالْمَارِجُ: اللَّهَبُ الْأَصْفَرُ وَالْأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ لِلشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ مَشْرِقٌ، وَمَشْرِقٌ فِي الصَّيْفِ. ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ مَغْرِبُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. لَا يَبْغِيَانِ: لَا يَخْتَلِطَانِ. الْمُنْشَآتُ: مَا رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَآتٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَالْفَخَّارِ: كَمَا يُصْنَعُ الْفَخَّارُ. الشُّوَاظُ: لَهَبٌ مِنْ نَارٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَنحَاسٍ: النُّحَاسُ الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ يُعَذَّبُونَ بِهِ. ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَتْرُكُهَا. ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ. صَلْصَالٍ: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ، وَيُقَالُ: مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ، يُقَالُ: صَلْصَالٌ كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ، وَصَرْصَرَ مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ: يَعْنِي كَبَبْتُهُ.
﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالْفَاكِهَةِ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَإِنَّهَا تَعُدُّهُمَا فَاكِهَةً، كَقَوْلِهِ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَعَادَ الْعَصْرَ تَشْدِيدًا لَهَا كَمَا أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ، وَمِثْلُهَا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وَقَدْ ذَكَّرَهُمْ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: أَفْنَانٍ: أَغْصَانٍ. ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ مَا يُجْتَنَى قَرِيبٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فَبِأَيِّ آلَاءِ: نِعَمِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ آخَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَرْزَخٌ: حَاجِزٌ. الْأَنَامُ: الْخَلْقُ. نَضَّاخَتَانِ: فَيَّاضَتَانِ. ذُو الْجَلَالِ: ذُو الْعَظَمَةِ. وَقَالَ
стр. 4968
غَيْرُهُ: مَارِجٌ: خَالِصٌ مِنَ النَّارِ، ويُقَالُ: مَرَجَ الْأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ، إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ. مَرِيجٍ: مُلْتَبِسٍ. مَرَجَ: اخْتَلَطَ الْبَحْرَانِ مِنْ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ: تَرَكْتَهَا. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سَنُحَاسِبُكُمْ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ: لَأَتَفْرَّغَنَّ لَكَ، وَمَا بِهِ شُغْلٌ، يَقُولُ: لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتِكَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الرَّحْمَنِ) كَذَا لَهُمْ، زَادَ أَبُو ذَرٍّ الْبَسْمَلَةَ، وَالْأَكْثَرُ عَدُّوا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آيَةً، وَقَالُوا: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: تَمَامُ الْآيَةِ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، وَهُوَ الْخَبَرُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ كَحُسْبَانِ الرَّحَى) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِأَبْسَطَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ يُرِيدُ لِسَانَ الْمِيزَانِ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهَذَا كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُغِيرَةِ قَالَ: رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَزِنُ قَدْ أَرْجَحَ، فَقَالَ: أَقِمِ اللِّسَانَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قَالَ: اللِّسَانَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْعَصْفِ﴾ بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَذَلِكَ الْعَصْفُ، ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ رِزْقُهُ، وَالْحَبُّ: الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ، وَالرَّيْحَانُ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الرِّزْقُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا لَكِنْ مُلَخَّصًا، وَلَفْظُهُ: الْعَصْفُ فِيمَا ذَكَرُوا: بَقْلُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: خَرَجْنَا نَعْصِفُ الزَّرْعَ إِذَا قَطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ، وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: وَالرَّيْحَانُ رِزْقُهُ وَهُوَ الْحَبُّ .. إِلَخْ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ: وَيَقُولُونَ: خَرَجْنَا نَطْلُبُ رَيْحَانَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعَصْفُ: وَرَقُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ الَّذِي قَطَعُوا رُءُوسَهُ فَهُوَ يُسَمَّى الْعَصْفُ إِذَا يَبِسَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْعَصْفُ أَوَّلُ مَا يُخْرِجُ الزَّرْعُ بَقْلًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَصْفُ يُرِيدُ الْمَأْكُولَ مِنَ الْحَبِّ، وَالرَّيْحَانُ: النَّضِيجُ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْعَصْفُ: الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّيْحَانُ: حِينَ يَسْتَوِي الزَّرْعُ عَلَى سُوقِهِ وَلَمْ يُسَنْبِلْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَصْفُ وَرَقُ الْحِنْطَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَصْفُ وَرَقُ الْحِنْطَةِ، وَالرَّيْحَانُ الرِّزْقُ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ مُفَرِّقًا، قَالَ: الْعَصْفُ: وَرَقُ الْحِنْطَةِ، وَالرَّيْحَانُ: الرِّزْقُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْعَصْفُ التِّبْنُ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: الْعَصْفُ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ، تُسَمِّيهِ النَّبَطُ هَبُورًا) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ بِهَذَا، وَأَبُو مَالِكٍ هُوَ الْغِفَارِيُّ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْمُهُ غَزْوَانُ بِمُعْجَمَتَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ. وَالنَّبَطُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ هُمْ أَهْلُ الْفِلَاحَةِ مِنَ الْأَعَاجِمِ؛ وَكَانَتْ أَمَاكِنُهُمْ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ وَالْبَطَائِحِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى أَهْلِ الْفِلَاحَةِ، وَلَهُمْ فِيهَا مَعَارِفُ اخْتُصُّوا بِهَا، وَقَدْ جَمَعَ أَحْمَدُ بْنُ وَحْشِيَّةَ فِي كِتَابِ الْفِلَاحَةِ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءَ عَجِيبَةً. وَقَوْلُهُ هَبُورًا بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ هُوَ دُقَاقُ الزَّرْعِ بِالنَّبَطِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ قَالَ: هُوَ الْهَبُورُ.
(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَالرَّيْحَانُ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى الْحَبِّ، وَقَرَأَ
стр. 4969
حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْعَصْفِ، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ وَالْحَبُّ ذَا الْعَصْفِ بَعْدَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَلِفٌ، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا قَرَأَ بِهَا، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ، بَلِ الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ نَصْبُ الثَّلَاثَةِ: الْحَبَّ وَذَا الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانَ، فَقِيلَ: عَطْفٌ عَلَى الْأَرْضِ، لِأَنَّ مَعْنَى وَضَعَهَا: جَعَلَهَا، فَالتَّقْدِيرُ: وَجَعَلَ الْحَبَّ .. إِلَخْ أَوْ نَصَبَهُ بِخَلَقَ مُضْمَرَةً، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَنَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا وَقَعَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْجَارَ ذَا الْقُرْبَى وَالْجَارَ الْجُنُبِ قَالَ: وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَيْضًا أَحَدٌ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ نَفَى الْمَشْهُورَ، وَإِلَّا فَقَدْ قُرِئَ بِهَا أَيْضًا فِي الشَّوَاذِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَارِجُ: اللَّهَبُ الْأَصْفَرُ وَالْأَخْصَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظَبْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِلشَّمْسِ مَطْلَعٌ فِي الشِّتَاءِ وَمَغْرِبٌ، وَمَطْلَعٌ فِي الصَّيْفِ وَمَغْرِبٌ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ، وَزَادَ قَوْلُهُ: وَرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ: لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَشْرِقٌ وَمَغْرِبٌ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَشْرِقَيْنِ: مَشْرِقُ الْفَجْرِ وَمَشْرِقُ الشَّفَقِ، وَالْمَغْرِبَيْنِ: مَغْرِبُ الشَّمْسِ وَمَغْرِبُ الشَّفَقِ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يَبْغِيَانِ﴾ لَا يَخْتَلِطَانِ. وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَهُمَا مِنَ الْبُعْدِ مَا لَا يَبْغِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ عَلَى هَذَا: يَلْتَقِيَانِ، أَيْ أَنْ يَلْتَقِيَا، وَحَذْفُ أَنْ سَائِغٌ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ بَحْرُ فَارِسَ وَبَحْرُ الرُّومِ؛ لِأَنَّ مَسَافَةَ مَا بَيْنَهُمَا مُمْتَدَّةٌ، وَالْحُلْوُ - وَهُوَ بَحْرُ النِّيلِ أَوِ الْفُرَاتِ مَثَلًا - يَصُبُّ فِي الْمِلْحُ، فَكَيْفَ يَسُوغُ نَفْيُ اخْتِلَاطِهِمَا أَوْ يُقَالُ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ؟ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ يَرُدُّ عَلَى هَذَا، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، فَإِنَّ اللُّؤْلُؤَ يَخْرُجُ مِنْ بَحْرِ فَارِسَ وَالْمَرْجَانُ يَخْرُجُ مِنْ بَحْرِ الرُّومِ، وَأَمَّا النِّيلُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ، وَالْبَحْرَانِ هُنَا الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ وَحَذْفُ الْمُضَافِ سَائِغٌ، وَقِيلَ: بَلْ قَوْلُهُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ مِنَ الْمِلْحِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ الْعَذْبُ، وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْغَوَّاصِينَ، فَكَأَنَّهُمَا لَمَّا الْتَقَيَا وَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ قِيلَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمَرْجَانِ فَقِيلَ: هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ الْآنَ، وَقِيلَ: اللُّؤْلُؤُ كِبَارُ الْجَوْهَرِ وَالْمَرْجَانُ صِغَارُهُ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بَحْرُ فَارِسَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ اللُّؤْلُؤُ، وَالصَّدَفُ يَأْوِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَنْصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ الْعَذْبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ مَا رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَآتٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، لَكِنْ قَالَ: مُنْشَأَةٌ بِالْإِفْرَادِ، وَالْقِلْعُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَمُنْشَآتٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِكَسْرِهَا أَيِ الْمُنْشَأَةُ هِيَ لِلسَّيْرِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهَا مَجَازِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ كَمَا يُصْنَعُ الْفَخَّارُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (الشُّوَاظُ لَهَبٌ مِنْ نَارٍ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَكَذَا تَفْسِيرُ النُّحَاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَتْرُكُهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: إِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ يَذْكُرُ مَقَامَ اللَّهِ
стр. 4970
عَلَيْهِ فَيَتْرُكَهَا.
قَوْلُهُ: (مُدْهَامَّتَانِ: سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (صَلْصَالٍ: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ .. إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا.
قَوْلُهُ: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالْفَاكِهَةِ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَإِنَّهَا تَعُدُّهُمَا فَاكِهَةً كَقَوْلِهِ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ إِلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ: الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ.
قُلْتُ: بَلْ نَقَلَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ كَلَامِ الْفَرَّاءِ مُلَخَّصًا وَلَفْظُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: لَيْسَ الرُّمَّانُ وَلَا النَّخْلُ مِنَ الْفَاكِهَةِ، قَالَ: وَقَدْ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذْهَبًا.
قُلْتُ: فَنَسَبَهُ الْفَرَّاءُ لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَشَارَ إِلَى تَوْجِيهِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ ذَلِكَ فَاكِهَةً، وَإِنَّمَا ذُكِرَا بَعْدَ الْفَاكِهَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ﴾ إِلَخْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا فَاكِهَةٌ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا سِيقَتْ فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ فَتَعُمُّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْعَامِّ هُنَا مَا كَانَ شَامِلًا لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ. وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْبُخَارِيِّ فَنَسَبَ الْبُخَارِيَّ لِلْوَهْمِ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ كَلَامَ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ وَقَعَ لِصَاحِبِ الْكَشَّافِ نَحْوَ مَا وَقَعَ لِلْفَرَّاءِ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ، فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ عَطَفَ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ عَلَى الْفَاكِهَةِ وَهُمَا مِنْهَا؟ قُلْتُ: اخْتِصَاصًا وَبَيَانًا لِفَضْلِهِمَا كَأَنَّهُمَا - لَمَّا كَانَ لَهُمَا مِنَ الْمَزِيَّةِ - جِنْسَانِ آخَرَانِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ بَعْدَ الْمَلَائِكَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: أَفْنَانٍ أَغْصَانٍ، ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ مَا يُجْتَنَى قَرِيبٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: فَبِأَيِّ آلَاءِ: نِعَمِهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَهْلٍ السَّرَّاجِ، عَنِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَكْشِفُ كَرْبًا وَيَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ آخَرِينَ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الصَّحِيحِ وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا، وَلِلْمَرْفُوعِ شَاهِدٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَآخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَرْزَخٌ حَاجِزٌ، الْأَنَامُ الْخَلْقُ، نَضَّاخَتَانِ فَيَّاضَتَانِ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (ذُو الْجَلَالِ: الْعَظَمَةِ) هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ ذُو الْجَلَالِ الْأُولَى بِالْوَاوِ صِفَةً لِلْوَجْهِ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذِي الْجَلَالِ بِالْيَاءِ صِفَةً لِلرَّبِّ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ إِلَّا ابْنَ عَامِرٍ فَقَرَأَهَا أَيْضًا بِالْوَاوِ وَهِيَ فِي مُصْحَفِ الشَّامِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَارِجٍ﴾ خَالِصٍ مِنَ النَّارِ، يُقَالُ: مَرَجَ الْأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ؛ إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .. إِلَخْ) سَقَطَ قَوْلُهُ مَرِيجٍ: مُخْتَلِطٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَوْلُهُ مَرَجَ اخْتَلَطَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اخْتَلَطَ الْبَحْرَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سَنُحَاسِبُكُمْ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يُقَالُ: لَأَتَفَرَّغَنَ لَكَ، وَمَا بِهِ شُغْلٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّةٍ.
١ - بَاب ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾
٤٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ،
стр. 4971
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
[الحديث ٤٨٧٨ - طرفاه في: ٤٨٨٠، ٧٤٤٤]
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: الْمُرَادُ بِالدُّونِ هُنَا الْقُرْبُ، أَيْ وَقُرْبُهُمَا جَنَّتَانِ أَيْ: هُمَا أَدْنَى إِلَى الْعَرْشِ وَأَقْرَبُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى دُونِهِمَا بِقُرْبِهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَفْضِيلٌ. وَذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ بَعْدَهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِلتَّابِعِينَ. وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ (الْعَمِّيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ: جِنَانُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ .. إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ .. إِلَخْ) يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْقَوْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَائِنِينَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
٢ - بَاب ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُورُ سُّودُ الْحَدَقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَاصِرَاتٌ لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ.
٤٨٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُونَ.
٤٨٨٠ - وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ كَذَا آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ.
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أَيْ مَحْبُوسَاتٌ، وَمِنْ ثَمَّ سَمُّوا الْبَيْتَ الْكَبِيرَ قَصْرًا لِأَنَّهُ يُحْبَسُ مَنْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُورٌ سُودُ الْحِدَقِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَوَرُ سَوَادُ الْحَدَقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَقْصُورَاتٌ: مَحْبُوسَاتٌ، قُصِرن طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، قَاصِرَاتٌ: لَا يَبْغِينَ غَيْرَ أَزْوَاجِهِنَّ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ) أَيِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ ﴿فِي الْخِيَامِ﴾، وَالْخِيَامُ جَمْعُ خَيْمَةٍ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ صِفَتُهَا.
قَوْلُهُ: (مُجَوَّفَةٌ) أَيْ وَاسِعَةُ الْجَوْفِ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَهْلٌ
стр. 4972
لِلْمُؤْمِنِ.
قَوْلُهُ: (سِتُّونَ مِيلًا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْخَيْمَةُ مِيلٌ فِي مِيلٍ، وَالْمِيلُ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ.
قَوْلُهُ: (يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: صَوَابُهُ الْمُؤْمِنُ بِالْإِفْرَادِ وَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا لِلْمُؤْمِنِ، أَوْ هُوَ مِنْ صَنِيعِ الرَّاوِي. وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَنَّتَانِ .. إِلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
٥٦ - سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ. بُسَّتْ: فَتَّتْ وَلُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ. الْمَخْضُودِ: لَا شَوْكَ لَهُ. مَنْضُودٍ: الْمَوْزُ. وَالْعُرُبُ: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ. ثُلَّةٌ: أُمَّةٌ. يَحْمُومٍ: دُخَانٌ أَسْوَدُ. يُصِرُّونَ: يُدِيمُونَ. الْهِيمُ: الْإِبِلُ الظِّمَاءُ. لَمُغْرَمُونَ: لَمُلْزَمُونَ. مَدِينِينَ: مُحَاسَبِينَ. رَوْحٌ: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ. وَرَيْحَانٌ: الرِّزْقُ. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أي فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَفَكَّهُونَ: تَعْجَبُونَ. عُرُبًا: مُثْقَلَةً، وَاحِدُهَا عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ، يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّةَ الْعَرِبَةَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْغَنِجَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ الشَّكِلَةَ، وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ: لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، وَرَافِعَةٌ: إِلَى الْجَنَّةِ. مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ. وَالْكُوبُ: لَا آذَانَ لَهُ وَلَا عُرْوَةَ، وَالْأَبَارِيقُ: ذَوَاتُ الْآذَانِ وَالْعُرَى. مَسْكُوبٌ: جَارٍ. ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. مُتْرَفِينَ: مُتمَتِّعِينَ. ﴿مَا تُمْنُونَ﴾ هِيَ النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ: بِمَسْقَطِ النُّجُومِ إِذَا سَقَطْنَ، وَمَوَاقِعُ وَمَوْقِعُ وَاحِدٌ. مُدْهِنُونَ: مُكَذِّبُونَ، مِثْلُ: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ أَيْ: مُسَلَّمٌ لَكَ. إِنَّكَ ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، وَأُلْغِيَتْ (إِنَّ وَهُوَ مَعْنَاهَا، كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ مُصَدِّقٌ وَمُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ إِنِّي مُسَافِرٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَقَدْ يَكُونُ كَالدُّعَاءِ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَسَقْيًا مِنَ الرِّجَالِ إِنْ رَفَعْتَ السَّلَامَ، فَهُوَ مِنَ الدُّعَاءِ، تُورُونَ: تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ أَوْقَدْتُ. لَغْوًا: بَاطِلًا. تَأْثِيمًا: كَذِبًا.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْوَاقِعَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْوَاقِعَةِ الْقِيَامَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: رُجَّتْ: زُلْزِلَتْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: (بُسَّتْ: فُتَّتْ وَلُتَّتْ كَمَا يُلَتُّ السَّوِيقُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ بُسَّتْ كَالسَّوِيقِ الْمَبْسُوسِ بِالْمَاءِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لُتَّتْ لَتًّا، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُتَّتْ فَتًّا.
قَوْلُهُ: (الْمَخْضُودُ: لَا شَوْكَ لَهُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: الْمَخْضُودُ: الْمُوقَرُ حَمْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا .. إِلَخْ. تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مَنْضُودٍ: الْمَوْزُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ
стр. 4973
تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَالْعُرُبُ: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ قَالَ: هِيَ الْمُحَبَّبَةُ إِلَى زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ: (ثُلَّةٌ: أُمَّةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الثُّلَّةُ: الْجَمَاعَةُ، وَالثُّلَّةُ: الْبَقِيَّةُ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ فِي قَوْلِهِ: (ثُلَّةٌ) قَالَ: كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: (يَحْمُومٍ: دُخَانٌ أَسْوَدُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ: مِنْ شِدَّةِ سَوَادِهِ، يُقَالُ: أَسْوَدُ يَحْمُومٌ فَهُوَ وَزْنُ يَفْعُولٍ مِنَ الْحَمَمِ.
قَوْلُهُ: (يُصِرُّونَ يُدِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا لَكِنْ لَفْظُهُ يُدْمِنُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا مِيمٌ ثُمَّ نُونٌ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: يُقِيمُونَ.
قَوْلُهُ: (الْهِيمُ: الْإِبِلُ الظِّمَاءُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ.
قَوْلُهُ: (لَمُغْرَمُونَ لَمُلْزَمُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: مُلْقُونَ لِلشَّرِّ.
قَوْلُهُ: (مَدِينِينَ مُحَاسَبِينَ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُهُ: (رَوْحٌ: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ) سَقَطَ هنا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَيْحَانٌ: الرِّزْقُ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الرَّحْمَنِ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَفَكَّهُونَ: تَعْجَبُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أَيْ: تَتَعَجَّبُونَ. مِمَّا نَزَلَ بِكُمْ فِي زَرْعِكُمْ، قَالَ: وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ تَنْدَمُونَ.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ شِبْهُ الْمُتَنَدِّمِ.
قُلْتُ: تَفَكَّهَ بِوَزْنِ تَفَعَّلَ وَهُوَ كَتَأَثَّمَ أَيْ أَلْقَى الْإِثْمَ، فَمَعْنَى تَفَكَّهَ أَيْ أَلْقَى عَنْهُ الْفَاكِهَةَ، وَهُوَ حَالٌ مَنْ دَخَلَ فِي النَّدَمِ وَالْحُزْنِ.
قَوْلُهُ: (عُرُبًا: مُثْقَلَةً وَاحِدُهَا عَرُوبٌ إِلَى قَوْلِهِ الشَّكِلَةُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَسَقَطَ ﴿فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْكُوبُ .. إِلَخْ. وَكَذَا قَوْلُهُ: مَسْكُوبٍ: جَارٍ) سَقَطَ كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَوْضُونَةٍ: مَنْسُوجَةٍ، وَمِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ وَرَافِعَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى الْجَنَّةِ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قَالَ: خَافِضَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى النَّارِ، رَافِعَةٌ لِقَوْمٍ إِلَى الْجَنَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: خَفَضَتْ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَرَفَعَتْ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُنْخَفِضِينَ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قَالَ: شَمِلَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ، حَتَّى خَفَضَتْ أَقْوَامًا فِي عَذَابِ اللَّهِ وَرَفَعَتْ أَقْوَامًا فِي كَرَامَةِ اللَّهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سُرَاقَةَ عَنْ خَالِهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ.
قَوْلُهُ: (مُتْرَفِينَ: مُتَنَعِّمِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ النُّونِ وَبَعْدَ الْعَيْنِ مِيمٌ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُتَمَتِّعِينَ بِمِيمٍ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ مِنَ التَّمَتُّعِ، كَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ لِلْفَرَّاءِ وَمِنْهُ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُنَعَّمِينَ.
قَوْلُهُ: (مَا تُمْنُونَ: هِيَ النُّطَفُ يَعْنِي فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ يَعْنِي: النُّطَفَ إِذَا قُذِفَتْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَ تِلْكَ النُّطَفَ أَمْ نَحْنُ؟!
قَوْلُهُ: (لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسَافِرِينَ. وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ) سَقَطَ هُنَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بِمُحْكَمِ الْقُرْآنِ) قَالَ الْفَرَّاءُ:
следующие страницы →