← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 5144–5183 · переход к 5149.

стр. 5144

التَّصْرِيحَ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، لِهِشَامٍ وَمِنْ مَعْبَدٍ، لِمُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقَهُ أَوَّلًا بِالْعَنْعَنَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ كَذَلِكَ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ السَّنَدُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَحَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ بِوَاوِ الْعَطْفِ قَالَ: وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا. ١٠ - بَاب فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ٥٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ. ٥٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ. ٥٠١٠ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَارْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَقال النبي ﷺ : " صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ" قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَلِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ مَنْصُورٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ، وَجَمَعَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَبُنْدَارٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ غُنْدَرٍ، أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَقَالَا عَنْهُ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَأَمَّا بِشْرٌ فَقَالَ: عَنْهُ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ فَحَدَّثَنِي بِهِ وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَابِ كَمْ يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَخْرَجَهُ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ كَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلْقَمَةَ جَمِيعُهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَمَلَهُ عَنْ عَلْقَمَةَ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، كَمَا لَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبَا مَسْعُودٍ فَحَمَلَهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَلْقَمَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هَذَا هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنَ الْمَغَازِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسٍ بَدَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَكَذَا عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ (١) وَصَوَّبَهُ الْأَصِيلِيُّ فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ تَصْحِيفٌ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: الصَّوَابُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَهُوَ عُقْبَةُ

стр. 5145

بْنُ عَمْرٍو. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو. قَوْلُهُ: (مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ) كَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ مِنَ الْمَتْنِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، ثُمَّ حَوَّلَ السَّنَدَ إِلَى طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَأَكْمَلَ الْمَتْنَ فَقَالَ: مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِيهِ: مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمْ يَقُلْ: آخِرِ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَحْوِيلِ السَّنَدِ لِيَسُوقَهُ عَلَى لَفْظِ مَنْصُورٍ. عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ اللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ لَفْظُ مَنْصُورٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الْأَعْمَشِ الَّذِي حَوَّلَهُ عَنْهُ مُغَايَرَةً فِي الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَآخِرِ الْآيَةِ الْأُولَى ﴿الْمَصِيرُ﴾ وَمِنْ ثَمَّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَمَّا: ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فَلَيْسَتْ رَأْسَ آيَةٍ بِاتِّفَاقِ الْعَادِّينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي ثَوَابِ الْقُرْآنِ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: مَنْ قَرَأَهُمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ أَجْزَأَتَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَمِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: آمَنَ الرَّسُولُ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. وَلِأَبِي عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ مُرْسَلِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: فَاقْرَءُوهُمَا وَعَلِّمُوهُمَا أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ، فَإِنَّهُمَا قُرْآنٌ وَصَلَاةٌ وَدُعَاءٌ. قَوْلُهُ: (كَفَتَاهُ) أَيْ أَجْزَأَتَا عَنْهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بِالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: أَجْزَأَتَا عَنْهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَمْ خَارِجَهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَجْزَأَتَاهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ لِمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ إِجْمَالًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: كَفَتَاهُ كُلَّ سُوءٍ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ شَرَّ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: دَفَعَتَا عَنْهُ شَرَّ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِهِمَا مِنَ الثَّوَابِ عَنْ طَلَبِ شَيْءٍ آخَرَ، وَكَأَنَّهُمَا اخْتُصَّتَا بِذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتَاهُ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الصَّحَابَةِ بِجَمِيلِ انْقِيَادِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَابْتِهَالِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى مَطْلُوبِهِمْ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ، عَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَفَتَاهُ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ جَازِمًا بِهِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ: قِيلَ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: مِنَ الْآفَاتِ، وَيُحْتَمَلُ مِنَ الْجَمِيعِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ أَنَّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ عَقِبَ هَذَا بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ فَلَعَلَّ النُّسْخَةَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْكَرْمَانِيِّ سَقَطَ مِنْهَا لَفْظُ بَابٍ وَصُحِّفَتْ فَضْلٌ فَصَارَتْ وَقِيلَ، وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ نَقْلًا ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْأَوَّلَانِ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَأَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَرَدَ صَرِيحًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَفَعَهُ مَنْ قَرَأَ خَاتِمَةَ الْبَقَرَةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الرَّابِعَ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا وَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، لَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ لَمَّا أَمْسَكَ الْجِنِّيَّ وَآيَةُ ذَلِكَ: لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ مِنْكُمْ خَاتِمَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَيَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهَا بَيْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا. ٥٠١٠ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . فَقَصَّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لم يَزَل مَعَكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْوَكَالَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ هُوَ مِنَ التَّتْمِيمِ الْبَلِيغِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ مَدْحَهُ بِوَصْفِهِ الصِّدْقَ فِي قَوْلِهِ صَدَقَكَ اسْتَدْرَكَ نَفْيَ الصِّدْقِ عَنْهُ بِصِيغَةِ مُبَالَغَةٍ، وَالْمَعْنَى صَدَقَكَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَعَ أَنَّ عَادَتَهُ الْكَذِبُ الْمُسْتَمِرُّ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبَ، وَقَوْلُهُ ذَاكَ شَيْطَانٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا ذَاكَ الشَّيْطَانُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوِ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ مِنَ الْوَارِدِ

стр. 5146

أَنَّ لِكُلِّ آدَمِيٍّ شَيْطَانًا وُكِّلَ بِهِ، أَوِ اللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانُكَ، أَوِ الْمُرَادُ الشَّيْطَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَشَرَحَهُ الطِّيبِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ: هُوَ - أَيْ قَوْلُهُ: فَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ - مُطْلَقٌ شَائِعٌ فِي جِنْسِهِ، وَالثَّانِي فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا الْمَاضِي فِي الصَّلَاةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إِنَّ شَيْطَانًا تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ وَتَقْرِيرُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ ﷺ امْتَنَعَ مِنْ إِمْسَاكِهِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَةِ سُلَيْمَانَ ﵇ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ثُمَّ قَالَ: وَالشَّيَاطِينَ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَ الَّذِي رَآهُ وَأَرَادَ حَمْلَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُوثِقَهُ هُوَ رَأْسُ الشَّيَاطِينِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ التَّمَكُّنَ مِنْهُمْ فَيُضَاهِي حِينَئِذٍ مَا حَصَلَ لِسُلَيْمَانَ ﵇ مِنْ تَسْخِيرِ الشَّيَاطِينِ فِيمَا يُرِيدُ وَالتَّوَثُّقِ مِنْهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِمَّا شَيْطَانُهُ بِخُصُوصِهِ أَوْ آخَرُ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ فِي ذَلِكَ التَّمَكُّنِ، أَوِ الشَّيْطَانُ الَّذِي هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَبْطِهِ تَبَدَّى لَهُ فِي صِفَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ كَانُوا فِي خِدْمَةِ سُلَيْمَانَ ﵇ عَلَى هَيْئَتِهِمْ، وَأَمَّا الَّذِي تَبَدَّى لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَكَانَ عَلَى هَيْئَةِ الْآدَمِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ فِي إِمْسَاكِهِ مُضَاهَاةً لِمُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. ١١ - بَاب فَضْلِ الْكَهْفِ ٥٠١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْكَهْفِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ فَضْلُ سُورَةِ الْكَهْفِ وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ فِي هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ. قَوْلُهُ: (عَنِ الْبَرَاءِ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ. قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ) قِيلَ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهِ نَفْسِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَهَذَا ظَاهِرُهُ التَّعَدُّدُ وَقَدْ وَقَعَ قَرِيبٌ مِنَ الْقِصَّةِ الَّتِي لِأُسَيْدٍ، لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ لَكِنْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلَةٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَلَمْ تَرَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ لَمْ تَزَلْ دَارُهُ الْبَارِحَةَ تَزْهَرُ بِمَصَابِيحَ؛ قَالَ: فَلَعَلَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. فَسُئِلَ قَالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةَ الْكَهْفِ جَمِيعًا أَوْ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: (بِشَطَنَيْنِ) جَمْعُ شَطَنٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْحَبْلُ، وَقِيلَ بِشَرْطِ طُولِهِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الصُّعُوبَةِ. قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ) بِنُونٍ وَفَاءٍ وَمُهْمَلَةٍ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ يَنْقُزُ بِقَافٍ وَزَايٍ، وَخَطَّأَهُ عِيَاضٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَمَعْنَاهَا هُنَا وَاضِحٌ. قَوْلُهُ: (تِلْكَ السَّكِينَةُ) بِمُهْمَلَةٍ وَزْنَ عَظِيمَةٍ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ، وَالصَّغَانِيُّ فِيهَا كَسْرَ أَوَّلِهَا وَالتَّشْدِيدَ بِلَفْظِ الْمُرَادِفِ لِلْمُدْيَةِ؛ وَقَدْ نَسَبَهُ ابْنُ قُرْقُولٍ، لِلْحَرْبِيِّ وَأَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ

стр. 5147

بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَتَقَرَّرَ لَفْظُ السَّكِينَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: هِيَ رِيحٌ هَفَّافَةٌ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: لَهَا رَأْسَانِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرِّ وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ لِعَيْنِهَا شُعَاعٌ وَعَنِ السُّدِّيِّ: السَّكِينَةُ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ يُغْسَلُ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: هِيَ الَّتِي أَلْقَى فِيهَا مُوسَى الْأَلْوَاحَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْعَصَا، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: هِيَ رُوحٌ مِنَ اللَّهِ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: هِيَ الرَّحْمَةُ، وَعَنْهُ هِيَ سُكُونُ الْقَلْبِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ، وَقِيلَ: هِيَ الطُّمَأْنِينَةُ، وَقِيلَ: الْوَقَارُ، وَقِيلَ: الْمَلَائِكَةُ ذَكَرَهُ الصَّغَانِيُّ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مَقُولَةٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، فَيُحْمَلُ كُلُّ مَوْضِعٍ وَرَدَتْ فِيهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَالَّذِي يَلِيقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَ قَوْلُ وَهْبٍ بِبَعِيدٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَيُحْتَمَلُ الْأَوَّلَ وَيُحْتَمَلُ قَوْلُ وَهْبٍ وَالضَّحَّاكِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فَيُحْتَمَلُ قَوْلُ السُّدِّيِّ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ وَرَحْمَةٌ وَمَعَهُ الْمَلَائِكَةُ. قَوْلُهُ: (تَنَزَّلَتْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تُنْزَلُ بِضَمِ اللَّامِ بِغَيْرِ تَاءٍ وَالْأَصْلُ تَتَنَزَّلُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ نَزَلَتْ مَعَ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى الْقُرْآنِ ١٢ - بَاب فَضْلِ سُورَةِ الْفَتْحِ ٥٠١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْفَتْحِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَضْلُ سُورَةِ الْفَتْحِ بِغَيْرِ بَابُ. قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ وَأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ، وَالْبَزَّارَ أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، عَنْ مَالِكٍ بِصَرِيحِ الِاتِّصَالِ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ فَأَرْسَلَهُ فَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ وَمَا وَافَقَهَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ فِي أَثْنَاءِ السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَسْلَمَ، عَنْ عُمَرَ لِقَوْلِهِ فِيهِ قَالَ عُمَرُ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي إِلَخْ وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ. ١٣ - بَاب فَضْلِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فِيهِ عَمْرَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٥٠١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي

стр. 5148

صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ - وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. [الحديث ٥٠١٣ - طرفاه في: ٦٦٤٣، ٧٣٧٤] ٥٠١٤ - وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنْ السَّحَرِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ" ٥٠١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قال النبي ﷺ : " لِأَصْحَابِهِ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ" قال الفربري سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم ورّاق أبي عبد الله يقول: قال أبو عبد الله: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك المشرقي مسند" قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فِيهِ عَمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الْحَدِيثُ وَفِي آخِرِهِ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِتَمَامِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَأَحَلْتُ بِبَقِيَّةِ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَذَهِلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: فِيهِ عَمْرَةُ أَيْ رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ بِنَصِّهِ وَاكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ إِجْمَالًا. كَذَا قَالَ، وَغَفَلَ عَمَّا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَمَعْنٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنَّ الصَّوَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ بَعْدَهُ الصَّوَابُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ. قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا) الْقَارِئُ هُوَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ كُلِّهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا الْحَدِيثَ، وَالَّذِي سَمِعَهُ لَعَلَّهُ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ وَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَكَأَنَّهُ أَبْهَمَ نَفْسَهُ وَأَخَاهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ

стр. 5149

الطَّبَّاعِ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ إِنَّ لِي جَارًا يَقُومُ بِاللَّيْلِ فَمَا يَقْرَأُ إِلَّا بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَهْضَمٍ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كُلَّهَا يُرَدِّدُهَا. قَوْلُهُ: (وَكَانَ الرَّجُلُ) أَيِ السَّائِلُ. قَوْلُهُ: (يَتَقَالُّهَا) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ يَتَقَالَلُهَا أَيْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا قَلِيلَةً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الطَّبَّاعِ الْمَذْكُورَةِ كَأَنَّهُ يُقَلِّلُهَا وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ مَالِكٍ فَكَأَنَّهُ اسْتَقَلَّهَا وَالْمُرَادُ اسْتِقْلَالُ الْعَمَلِ لَا التَّنْقِيصُ. قَوْلُهُ: (وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِنْقَرِيُّ، وَخَالَفَهُ الْمِزِّيُّ تَبَعًا لِابْنِ عَسَاكِرَ فَجَزَمَا بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمِنْقَرِيِّ، وَالْهُذَلِيِّ يُكَنَّى أَبَا مَعْمَرٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْهُذَلِيِّ، بَلْ لَا نَعْرِفُ لِلْمِنْقَرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ شَيْئًا، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيِّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ، أُمُّهُمَا أُنَيْسَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) يَعْنِي نَحْوَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إن فلانا قَامَ اللَّيْلَةَ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَسَاقَ السُّورَةَ يُرَدِّدُهَا لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا لِتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. قَالَ الْفَرَبْرِيُّ. سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ. قَوْلُهُ: (إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى مِشْرَقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ حَاشِدٍ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، قَيَّدَهُ الْعَسْكَرِيُّ وَقَالَ: مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ فَقَدْ صَحَّفَ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَشْرِقٌ مَوْضِعٌ، وَقَدْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنَ مَاكُولَا وَتَبِعَهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ كَمَا قَالَ الْعَسْكَرِيُّ لَكِنْ جَعَلَ قَافَهُ فَاءً، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فَأَصَابَ. وَالضَّحَّاكُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ وَيُقَالُ: شُرَاحْبِيلَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ يَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ قَرَنَهُ فِيهِ بِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحَكَى الْبَزَّارُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَهُوَ غَلَطٌ. قَوْلُهُ: (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) لَعَلَّ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِهَذَا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَكَأَنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ نَظِيرَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى السُّورَةَ بِهَذَا الِاسْمِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ بِغَيْرِ قُلْ فِي أَوَّلِهَا. قَوْلُهُ: (قَالَ الْفَرَبْرِيُّ. سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ) ثَبَتَ هَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ رِوَايَةَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُنْقَطِعَةٌ وَرِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنْهُ مُتَّصِلَةٌ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَكَأَنَّ الْفَرَبْرِيَّ مَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ فَحَمَلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ كَانَ يُوَرِّقُ لِلْبُخَارِيِّ أَيْ يَنْسَخُ لَهُ وَكَانَ مِنَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ وَالْعَارِفِينَ بِهِ وَالْمُكْثِرِينَ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَبْرِيُّ عَنْهُ فِي الْحَجِّ وَالْمَظَالِمِ وَالِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهَا فَوَائِدَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يُطْلِقُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ لَفْظَ الْمُرْسَلِ وَعَلَى الْمُتَّصِلِ لَفْظَ الْمُسْنَدِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُرْسَلَ مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْنَدُ مَا يُضِيفُهُ

стр. 5150

الصَّحَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ الِاتِّصَالُ، وَهَذَا الثَّانِي لَا يُنَافِي مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: (ثُلُثَ الْقُرْآنِ) حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: هِيَ ثُلُثٌ بِاعْتِبَارِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هِيَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَكَانَتْ ثُلُثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: جَزء النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَامِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ ثُلُثًا اهـ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَوْجِيهَ الِاعْتِقَادِ وَصِدْقَ الْمَعْرِفَةِ وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ، وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، وَنَفْيَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الْمُقَرِّرَ لِكَمَالِ الْمَعْنَى، وَنَفْيَ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنَ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَهَذِهِ مَجْمَعُ التَّوْحِيدِ الِاعْتِقَادِيِّ، وَلِذَلِكَ عَادَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ، وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ، وَالْخَبَرُ خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ، فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا مِنَ الشِّرْكِ الِاعْتِقَادِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ: مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَقِيلَ: مِثْلُهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ، وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَيُؤَيِّدُ الْإِطْلَاقَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَخِيرِ وَقَالَ فِيهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْشُدُوا، فَسَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. فَخَرَجَ فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَإِذَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهَلْ ذَلِكَ لِثُلُثٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِأَيِ ثُلُثٍ فُرِضَ مِنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَةً كَامِلَةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهَا فِي لَيْلَتِهِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَرْدِيدٍ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَلَعَلَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَرَى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ غَيْرَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَقَلَّ عَمَلَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّارِعُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَإِنْ قَلَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ، وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ، وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ. وَفِيهِ إِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ، لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ إِطْلَاقِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمُرَادَ ثُلُثُ حَجْمِهِ الْمَكْتُوبِ مَثَلًا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ. (تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَالْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ

стр. 5151

أَنَسٍ: أَنَّ الْكَافِرُونَ وَالنَّصْرَ تَعْدِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَإِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو الشَّيْخِ: وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ. وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ سَلَمَةَ وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَلَعَلَّهُ تَسَاهَلَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَكَذَا صَحَّحَ الْحَاكِمُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي سَنَدِهِ يَمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ. ١٤ - بَاب فَضْلِ الْمُعَوِّذَاتِ ٥٠١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ؛ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. ٥٠١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [الحديث ٥٠١٧ - طرفاه في: ٥٧٤٨، ٦٣١٩] قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْمُعَوِّذَاتِ) أَيِ الْإِخْلَاصُ وَالْفَلَقُ وَالنَّاسُ، وَقَدْ كُنْتُ جَوَّزْتُ فِي بَابِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّ الْجَمْعَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَاتِ أَيِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ، وَذَكَرَ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ مَعَهُمَا تَغْلِيبًا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ الرَّبِّ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ التَّعْوِيذِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ تَعَوَّذْ بِهِنَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ، اقْرَأِ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ فَذَكَرَهُنَّ. قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ) الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الطِّبِّ، وَرِوَايَةُ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَإِنِ اتَّحَدَ سَنَدُهَا بِالَّذِي قَبْلَهُ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ فَصَاعِدًا لَكِنْ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْمُعَوِّذَاتِ عِنْدَ النَّوْمِ، فَهِيَ مُغَايِرَةٌ لِحَدِيثِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَعْضٍ، فَأَمَّا مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ، وَيُونُسُ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْهُمْ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْوَجَعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَرَضِ الْمَوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فِيهِ فِعْلَ عَائِشَةَ، وَلَمْ يُفَسِّرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْمُعَوِّذَاتِ، وَأَمَّا عُقَيْلٌ فَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ النَّوْمِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْهُ أَنَّهُ فِعْلُ عَائِشَةَ كَانَ بِأَمْرِهِ ﷺ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَقَدْ جَعَلَهُمَا أَبُو مَسْعُودٍ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَتَعَقَّبَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّرْقِيُّ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا خَلَفٌ، وَتَبِعَهُ الْمِزِّيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 5152

١٥ - بَاب - نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ٥٠١٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوط عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتْ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَت الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتْ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ له: اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ. قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا. قَالَ: وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ. قَالَ ابْنُ الْهَادِ: وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) كَذَا جَمَعَ بَيْنَ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ذِكْرُ السَّكِينَةِ وَلَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمَاضِي فِي فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ ذِكْرُ الْمَلَائِكَةِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ يَرَى أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلَّةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ السَّكِينَةُ، لَكِنَّ ابْنَ بَطَّالٍ جَزَمَ بِأَنَّ الظُّلَّةَ السَّحَابَةُ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ فِيهَا وَمَعَهَا السَّكِينَةُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَضِيَّةُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْزِلُ أَبَدًا مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي السَّكِينَةِ مَا هِيَ وَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هُوَ ابْنُ أُسَامَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التَّيْمِيُّ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يُدْرِكْ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فَرِوَايَتُهُ عَنْهُ مُنْقَطِعَةٌ، لَكِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي وَصْلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْإِسْنَادِ الثَّانِي، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ مُرْسَلٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُتَّصِلٌ. ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا وَقَالَ: هَذِهِ الطَّرِيقُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. قُلْتُ: وَجَاءَ عَنِ اللَّيْثِ فِيهِ إِسْنَادٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، وَدَاوُدَ بْنِ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ بِالْإِسْنَادِ الثَّانِي فَقَطْ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ بِالْإِسْنَادِ الثَّانِي لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ قَالَ: لَكِنْ فِي سِيَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَنْ أُسَيْدٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَثْنَائِهِ: قَالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ يَطَأَ يَحْيَى. فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالْحَدِيثُ مِنْ مُسْنَدِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَلِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ فِيهِ عَنِ اللَّيْثِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ) في رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ بَيْنَمَا أَنَا أَقْرَأُ سُورَةً، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى آخِرِهَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ خَتَمَ السُّورَةَ

стр. 5153

الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ أَيِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ التَّمْرُ، وَفِي رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِهِ، وَهَذَا مُغَايِرٌ لِلْقِصَّةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ كَانَ فِي مِرْبَدِهِ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ابْنَهُ كَانَ إِلَى جَانِبِهِ وَفَرَسَهُ مَرْبُوطَةً فَخَشِيَ أَنْ تَطَأَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِكَوْنِهِ كَانَ حِينَئِذٍ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِظَهْرِ الْبَيْتِ خَارِجَهُ لَا أَعْلَاهُ فَتَتَّحِدُ الْقِصَّتَانِ. قَوْلُهُ: (إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ ثَلَاثَ مِرَارٍ وَهُوَ يَقْرَأُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى سَمِعْتُ رَجَّةً مِنْ خَلْفِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ فَرَسِي تَنْطَلِقُ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا اجْتَرَّهُ) بِجِيمٍ وَمُثَنَّاةٍ وَرَاءٍ ثَقِيلَةٍ وَالضَّمِيرُ لِوَلَدِهِ أَيِ اجْتَرَّ وَلَدَهُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ حَتَّى لَا تَطَأَهُ الْفَرَسُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ أَخَّرَهُ بِمُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ وَرَاءٍ خَفِيفَةٍ أَيْ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ بِهِ خَشْيَةً عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا) كَذَا فِيهِ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ كَامِلًا وَلَفْظُهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِمِثْلِ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، فَعَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا. قَوْلُهُ: (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) أَيْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَمِرَّ عَلَى قِرَاءَتِكَ، وَلَيْسَ أَمْرًا لَهُ بِالْقِرَاءَةِ فِي حَالَةِ التَّحْدِيثِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ صُورَةَ الْحَالِ فَصَارَ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ لَمَّا رَأَى مَا رَأَى، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اسْتَمِرَّ عَلَى قِرَاءَتِكَ لِتَسْتَمِرَّ لَكَ الْبَرَكَةُ بِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَاسْتِمَاعِهَا لِقِرَاءَتِكَ، وَفَهِمَ أُسَيْدٌ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِعُذْرِهِ فِي قَطْعِ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ خِفْتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى أَيْ خَشِيتُ إِنِ اسْتَمْرَّيْتُ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَنْ تَطَأَ الْفَرَسُ وَلَدِي، وَدَلَّ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى مُحَافَظَةِ أُسَيْدٍ عَلَى خُشُوعِهِ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَوَّلَ، مَا جَالَتِ الْفَرَسُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ بَلَغَهُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ حَتَّى اشْتَدَّ بِهِ الْخَطْبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِهِ فَلِهَذَا تَمَادَى بِهِ الْحَالُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى الْمَذْكُورَةِ اقْرَأْ أَبَا عَتِيكٍ وَهِيَ كُنْيَةُ أُسَيْدٍ. قَوْلُهُ: (دَنَتْ لِصَوْتِكَ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ تَسْتَمِعُ لَكَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ كَعْبٍ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَ أُسَيْدٌ حَسَنُ الصَّوْتِ وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا اقْرَأْ أُسَيْدٌ فَقَدْ أُوتِيتَ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْبَاعِثِ عَلَى اسْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ لِقِرَاءَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَرَأْتَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَمَا إِنَّكَ لَوْ مَضَيْتَ. قَوْلُهُ: (مَا يَتَوَارَى مِنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لَرَأَيْتَ الْأَعَاجِيبَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ رُؤْيَةِ آحَادِ الْأُمَّةِ لِلْمَلَائِكَةِ، كَذَا أَطْلَقَ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ التَّقْيِيدُ بِالصَّالِحِ مِثْلًا وَالْحَسَنِ الصَّوْتِ، قَالَ: وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ. قُلْتُ: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنَ الدَّلِيلِ، فَالَّذِي فِي الرِّوَايَةِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ قِرَاءَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ سُورَةٍ خَاصَّةٍ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، وَيَحْتَمِلُ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ مَا لَمْ يُذْكَرْ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ الْإِطْلَاقُ لَحَصَلَ ذَلِكَ لِكُلِّ قَارِئٍ. وَقَدْ أَشَارَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: مَا يَتَوَارَى مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لِاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الِاسْتِمَاعِ كَانُوا يَسْتَمِرُّونَ عَلَى عَدَمِ الِاخْتِفَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَفَضْلُ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَفَضْلُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ التَّشَاغُلَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَلَوْ كَانَ مِنَ الْمُبَاحِ قَدْ يُفَوِّتُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ فَكَيْفَ لَوْ كَانَ بِغَيْرِ الْأَمْرِ الْمُبَاحِ ١٦ - بَابُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ٥٠١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ

стр. 5154

عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) أَيْ مَا فِي الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَ الْقُرْآنَ مَجْمُوعًا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُثْمَانَ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ ذَهَبَ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ، وَهُوَ شَيْءٌ اخْتَلَقَهُ الرَّوَافِضُ لِتَصْحِيحِ دَعْوَاهُمْ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَاسْتِحْقَاقِهِ الْخِلَافَةَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ ثَابِتًا فِي الْقُرْآنِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَتَمُوهُ، وَهِيَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُمُوا مِثْلَ أَنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَغَيْرَهَا مِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَا مَنْ يَدَّعِي إِمَامَتَهُ، كَمَا لَمْ يَكْتُمُوا مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَوْ يُخَصِّصُ عُمُومَهُ أَوْ يُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ. وَقَدْ تَلَطَّفَ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الرَّافِضَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَحَدِ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إِمَامَتَهُ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَبِيهِ لَكَانَ هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّ عَلِيٍّ وَأَشَدُّ النَّاسِ لَهُ لُزُومًا وَاطِّلَاعًا عَلَى حَالِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. قَوْلُهُ: (دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ) هُوَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، تَابِعِيُّ كَبِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ. وَلَمْ يَقَعْ لَهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَبُوهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا. قَوْلُهُ: (أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْءٍ)؟ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ) بِالْفَاءِ تَثْنِيَةُ دَفَّةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ اللَّوْحُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَدَخَلْنَا) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ يَدَعْ إِلَّا مَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ أَيْ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يُتْلَى إِلَّا مَا هُوَ دَاخِلُ الْمُصْحَفِ الْمَوْجُودِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ لِأَنَّ عَلِيًّا أَرَادَ الْأَحْكَامَ الَّتِي كَتَبَهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَنْفِ أَنَّ عِنْدَهُ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ كَتَبَهَا. وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّمَا أَرَادَا مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي يُتْلَى، أَوْ أَرَادَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامَةِ، أَيْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْإِمَامَةِ إِلَّا مَا هُوَ بِأَيْدِي النَّاسِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ ذِكْرِ أَشْيَاءَ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فَنُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ، مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي بِئْرِ مَعُونَةَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قُرْآنًا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا وَحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَانَتِ الْأَحْزَابُ قَدْرَ الْبَقَرَةِ وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ مَا يَقْرَءُونَ رُبْعَهَا يَعْنِي بَرَاءَةٌ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ مِنْهُ قُرْآنًا قَدْ رُفِعَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . ١٧ - بَاب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ ٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى

стр. 5155

الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ فيها، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا. [الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠] ٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ" قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ الرَّبُّ : مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَعَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ فَفِيهِ ضَعْفٌ؛ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مُرْسَلًا وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَأَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي إِسْنَادِهِ صَفْوَانُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَفَعَهُ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ - ثُمَّ قَالَ: - وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ. وَحَدِيثُ عُثْمَانَ هَذَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فَذَكَرَهُ، وَأَشَارَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْعَسْكَرِيُّ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِمَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى. قَوْلُهُ: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ جِيمٌ ثَقِيلَةٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ. وَيُزَادُ قَبْلَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، وَيُقَالُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ مَعَ الْوَجْهَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَتَبْلُغُ مَعَ التَّخْفِيفِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ. قَوْلُهُ: (طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قِيلَ: خَصَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ بِالطَّعْمِ وَصِفَةَ التِّلَاوَةِ بِالرِّيحِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَلْزَمُ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْقُرْآنِ؛ إِذْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْإِيمَانِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّعْمُ أَلْزَمُ لِلْجَوْهَرِ مِنَ الرِّيحِ فَقَدْ يَذْهَبُ رِيحُ الْجَوْهَرِ وَيَبْقَى طَعْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْأُتْرُجَّةِ بِالتَّمْثِيلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفَاكِهَةِ الَّتِي تَجْمَعُ طِيبَ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ

стр. 5156

يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِحٌ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ حَبِّهَا دُهْنٌ لَهُ مَنَافِعُ وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ لَا تَقْرَبُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجَّ فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا تَقْرَبُهُ الشَّيَاطِينُ، وَغِلَافُ حَبِّهِ أَبْيَضُ فَيُنَاسِبُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَزَايَا كِبَرُ جُرْمِهَا وَحُسْنُ مَنْظَرِهَا وَتَفْرِيحُ لَوْنِهَا وَلِينُ مَلْمَسِهَا، وَفِي أَكْلِهَا مَعَ الِالْتِذَاذِ طِيبُ نَكْهَةٍ وَدِبَاغُ مَعِدَةٍ وَجَوْدَةِ هَضْمٍ، وَلَهَا مَنَافِعُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْمُفْرَدَاتِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابِ: الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ وَأَنَّ التَّمْثِيلَ وَقَعَ بِالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُخَالِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا مُطْلَقَ التِّلَاوَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَثُرَ التَّقْسِيمُ كَأَنْ يُقَالَ الَّذِي يَقْرَأُ وَيَعْمَلُ وَعَكْسُهُ وَالَّذِي يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ وَعَكْسُهُ، وَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُمْكِنَةٌ فِي غَيْرِ الْمُنَافِقِ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قِسْمَانِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِعَمَلِهِ إِذَا كَانَ نِفَاقُهُ نِفَاقُ كُفْرٍ، وَكَأَنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي حُذِفَ مِنَ التَّمْثِيلِ قِسْمَانِ: الَّذِي يَقْرَأُ وَلَا يَعْمَلُ، وَالَّذِي لَا يَعْمَلُ وَلَا يَقْرَأُ، وَهُمَا شَبِيهَانِ بِحَالِ الْمُنَافِقِ فَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ الْأَوَّلِ بِالرَّيْحَانَةِ وَالثَّانِي بِالْحَنْظَلَةِ فَاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِ، وَالْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ قَدْ ذُكِرَا. قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: لَهَا. قَوْلُهُ: (وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَا رِيحَ لَهَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَرِيحُهَا مُرٌّ وَاسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَرَارَةَ مِنْ أَوْصَافِ الطُّعُومِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهَا الرِّيحُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِيحَهَا لَمَّا كَانَ كَرِيهًا اسْتُعِيرَ لَهُ وَصْفُ الْمَرَارَةِ، وَأَطْلَقَ الزَّرْكَشِيُّ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهْمٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْبَابِ وَلَا رِيحَ لَهَا ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَمَّا جَاءَ فِيهِ: وَلَا رِيحَ لَهَا هَذَا أَصْوَبُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُرٌّ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهَا وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ أَنَّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ نَسَبَهَا لِلتِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ حَامِلِي الْقُرْآنِ، وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ. ٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ قَارِئِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَسْتَلْزِمُ فَضْلَ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَمَا فَضَّلَ الْأُتْرُجُّ عَلَى سَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَثُبُوتِ الْفَضْلِ لَهَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ فَضْلِ كِتَابِهَا الَّذِي أُمِرَتْ بِالْعَمَلِ بِهِ. ١٨ - بَاب الوصاة بِكِتَابِ اللَّهِ ٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: آوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْوَصِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَتَقَدَّمَ فِيهِ حَدِيثُ الْبَابِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ فِيهِ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا حِينَ قَالَ لَهُ: هَلْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ظَاهِرُهُمَا التَّخَالُفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَفَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَارَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا مُطْلَقَ الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ حِفْظُهُ حِسًّا وَمَعْنًى، فَيُكْرَمُ وَيُصَانُ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ فَيَعْمَلُ بِأَوَامِرِهِ وَيَجْتَنِبُ نَوَاهِيهِ وَيُدَاوِمُ تِلَاوَتَهُ وَتَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ وَنَحْوُهُ ذَلِكَ.

стр. 5157

١٩ - بَاب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ٥٠٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لنبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآن. وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ: يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ. الحديث ٥٠٢٣ - أطرافه في: ٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٤] ٥٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ قَالَ سُفْيَانُ تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ: مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى تَرْجِيحِ تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: يَتَغَنَّى: يَسْتَغْنِي، كَمَا سَيَأْتِي في هَذَا الْبَابُ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَوَكِيعٍ جَمِيعًا وَقَدْ بَيَّنَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ اسْتِغْنَاءٌ خَاصٌّ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ: يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِكُتُبٍ وَقَدْ كَتَبُوا فِيهَا بَعْضَ مَا سَمِعُوهُ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالَةً أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَيْهِمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ وَقَدْ خَفِيَ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ كَابْنِ كَثِيرٍ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِهَا وَجْهٌ، عَلَى أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ مَعَ تَقَدُّمِهِ قَدْ أَشَارَ إِلَى الْمُنَاسَبَةِ فَقَالَ: قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَكَرَ ابْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ مُخْتَصَرًا قَالَ: فَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِغْنَاءَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ، قَالَ: وَإِتْبَاعُ الْبُخَارِيِّ التَّرْجَمَةَ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُفْهَمُ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغَنِّي الِاسْتِغْنَاءَ لِكَوْنِهِ أَتْبَعَهُ الْآيَةَ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ عَنْ غَيْرِهِ، فَحَمَلَهُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ وَعَدَمِ الِافْتِقَارِ إِلَى غَيْرِهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى ضِدِّ الْفَقْرِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِنَبِيٍّ) كَذَا لَهُمْ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لِشَيْءٍ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فِي الْأَصْلِ كَالْجُمْهُورِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَرِوَايَةِ عُقَيْلٍ. قَوْلُهُ: (مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ لِلنَّبِيِّ بِزِيَادَةِ اللَّامِ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَهِيَ لِلْجِنْسِ، وَوَهِمَ مَنْ ظَنَّهَا لِلْعَهْدِ وَتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَالَ: مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَشَرَحَهُ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَتَغَنَّى) كَذَا لَهُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِدُونِ أَنْ وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ حَذْفُ أَنْ وَأَنَّ إِثْبَاتَهَا وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ بِالْمَعْنَى فَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمُ الْمُسَاوَاةَ فَوَقَعَ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ أَنْ لَكَانَ مِنَ الْإِذْنِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ

стр. 5158

الذَّالِ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَالْإِطْلَاقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْأَذَنِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، وَقَوْلُهُ أَذِنَ أَيِ اسْتَمَعَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَفْظَ أَذِنَ بِفَتْحَةٍ ثُمَّ كَسْرَةٍ فِي الْمَاضِي، وَكَذَا فِي الْمُضَارِعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالِاسْتِمَاعِ، تَقُولُ أَذِنْتُ آذَنُ بِالْمَدِّ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْإِطْلَاقَ فَالْمَصْدَرُ بِكَسْرَةٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وَإِنْ أَرَدْتَ الِاسْتِمَاعَ فَالْمَصْدَرُ بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أَيُّهَا الْقَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ … إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ أَيْ فِي سَمَاعٍ وَاسْتِمَاعٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ الْأَذَنِ بِفَتْحَتَيْنِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ يَمِيلُ بِأُذُنِهِ إِلَى جِهَةِ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي حَقِّ اللَّهِ لَا يُرَادُ بِهِ ظَاهِرُهُ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ عَلَى مَا جَرَى بِهِ عُرْفُ الْمُخَاطَبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرَامُ الْقَارِئِ وَإِجْزَالُ ثَوَابِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ ثَمَرَةَ الْإِصْغَاءِ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَا أَذِنَ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَشَدُّ أَذَنًا إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ. قُلْتُ: وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَيْسَ مَا أَنْكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِمُنْكَرٍ بَلْ هُوَ مُوَجَّهٌ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَذَلِكَ وَوَجَّهَهَا عِيَاضٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَثُّ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَمْرُ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يَجْهَرُ بِهِ) الضَّمِيرُ فِي لَهُ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَالصَّاحِبُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، بَيَّنَهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ فَكَأَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْهُ فَكَانَ تَارَةً يُسَمِّيهِ وَتَارَةً يُبْهِمُهُ، وَقَدْ أَدْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، قَالَ الذُّهْلِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. قُلْتُ: وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ وَكَذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هُوَ ابْنُ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ قَالَ: لَمْ يَقُلْ لَنَا سُفْيَانُ قَطُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَالْحُمَيْدِيُّ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِحَدِيثِ سُفْيَانَ وَأَكْثَرِهِمْ تَثَبُّتًا عَنْهُ لِلسَّمَاعِ مِنْ شُيُوخِهِمْ. قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ يسْتَغْني بِهِ) كَذَا فَسَّرَهُ سُفْيَانُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَسَ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ الضُّرَيْسِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ قَالَ: لَقِيَنِي سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَنَا فِي السُّوقِ فَقَالَ: تُجَّارٌ كَسَبَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَدِ ارْتَضَى أَبُو عُبَيْدٍ تَفْسِيرَ يَتَغَنَّى بِيَسْتَغْنِي وَقَالَ: إِنَّهُ جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَنْشَدَ الْأَعْشَى: وَكُنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بِالْعِرَاقِ … خَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنِّي

стр. 5159

أَيْ كَثِيرَ الِاسْتِغْنَاءِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَبْنَاءَ: كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ … وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيًا قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الدُّنْيَا فَلَيْسَ مِنَّا، أَيْ عَلَى طَرِيقَتِنَا. وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَهُوَ غَنِيٌّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: يَتَغَنَّى عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: تَحْسِينُ الصَّوْتِ، وَالثَّانِي: الِاسْتِغْنَاءُ، وَالثَّالِثُ: التَّحَزُّنُ - قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - وَالرَّابِعُ: التَّشَاغُلُ بِهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: تَغَنَّى بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي الزَّاهِرِ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّلَذُّذُ وَالِاسْتِحْلَاءُ لَهُ كَمَا يَسْتَلِذُّ أَهْلُ الطَّرَبِ بِالْغِنَاءِ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ تَغَنِّيًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُفْعَلُ عِنْدَهُ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْغِنَاءِ، وَهُوَ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا … مُفَجَّعَةً عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي أَطْلَقَ عَلَى صَوْتِهَا غِنَاءً؛ لِأَنَّهُ يُطْرِبُ كَمَا يُطْرِبُ الْغِنَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِنَاءً حَقِيقَةً، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ، لِكَوْنِهَا تَقُومُ مَقَامَ التِّيجَانِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ هِجِّيرَاهُ كَمَا يَجْعَلُ الْمُسَافِرُ وَالْفَارِغُ هِجِّيرَاهُ الْغِنَاءَ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا رَكِبَتِ الْإِبِلَ تَتَغَنَّى، وَإِذَا جَلَسَتْ فِي أَفْنِيَتِهَا وَفِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهَا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَحَبَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكُونَ هِجِّيرَاهُمُ الْقِرَاءَةَ مَكَانَ التَّغَنِّي. وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الرَّابِعَ بَيْتُ الْأَعْشَى الْمُتَقَدِّمُ؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: طَوِيلُ التَّغَنِّي طُولَ الْإِقَامَةِ لَا الِاسْتِغْنَاءَ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِوَصْفِ الطُّولِ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مُلَازِمًا لِوَطَنِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ كَانُوا يَتَمَدَّحُونَ بِذَلِكَ. كما قَالَ حَسَّانُ: أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ … قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ أَرَادَ أَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الِانْتِجَاعِ وَلَا يَبْرَحُونَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثَّ عَلَى مُلَازَمَةِ الْقُرْآنِ وَأَنْ لَا يُتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ يَئُولُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى مَا اخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَخْصِيصِ الِاسْتِغْنَاءِ وَأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ لَمْ يُغْنِهِ الْقُرْآنُ وَيَنْفَعْهُ فِي إِيمَانِهِ وَيُصَدِّقْ بِمَا فِيهِ مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَرْتَحْ لِقِرَاءَتِهِ وَسَمَاعِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ يُحَصِّلُ بِهِ الْغِنَى دُونَ الْفَقْرِ، لَكِنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْغِنَى الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ غِنَى النَّفْسِ وَهُوَ الْقَنَاعَةُ لَا الْغِنَى الْمَحْسُوسُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ مُلَازَمَةِ الْقِرَاءَةِ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى تَكَلُّفِ ذَلِكَ، وَفِي تَوْجِيهِهِ تَكَلُّفٌ كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَطَلَّبِ الْغِنَى بِمُلَازَمَةِ تِلَاوَتِهِ، وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَبَرِ. وَإِنَّمَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ: وَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ حَدْرًا وَتَحْزِينًا انْتَهَى. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: حَدَرْتُ الْقِرَاءَةَ أَدْرَجْتُهَا وَلَمْ أَمْطُطْهَا، وَقَرَأَ فُلَانٌ تَحْزِينًا إِذَا رَقَّقَ صَوْتَهُ وَصَيَّرَهُ كَصَوْتِ الْحَزِينِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةً فَحَزَّنَهَا شِبْهَ الرَّثْيِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: يَتَغَنَّى بِهِ يَتَحَزَّنُ بِهِ وَيُرَقِّقُ بِهِ قَلْبَهُ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِلتَّغَنِّي بِالِاسْتِغْنَاءِ فَلَمْ يَرْتَضِهِ وَقَالَ: لَوْ أَرَادَ الِاسْتِغْنَاءَ لَقَالَ: لَمْ يَسْتَغْنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْسِينَ الصَّوْتِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَيُؤَيِّدُهُ

стр. 5160

رِوَايَةُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ: مَا أُذِنَ لِنَبِيٍّ فِي التَّرَنُّمِ فِي الْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ مَا أُذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالتَّرَنُّمُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالصَّوْتِ إِذَا حَسَّنَهُ الْقَارِئُ وَطَرِبَ بِهِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الِاسْتِغْنَاءَ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الصَّوْتِ وَلَا لِذِكْرِ الْجَهْرِ مَعْنًى. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْكَجِّيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا: اللَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا - أَيِ اسْتِمَاعًا - لِلرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ وَالْقَيْنَةُ: الْمُغَنِّيَةُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ: تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَغَنُّوا بِهِ وَأَفْشُوهُ. كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي الْحَدِيثِ وَتَغَنُّوا بِهِ وَالْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ التَّغَنِّيَ التَّرْجِيعُ بِالصَّوْتِ كَمَا قَالَ حَسَّانُ: تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا أَنْتَ قَائِلُهُ … إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارٌ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَغَنَّى بِمَعْنَى اسْتَغْنَى وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ، وَبَيْتُ الْأَعْشَى لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْإِقَامَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ وَقَالَ: بَيْتُ الْمُغِيرَةِ أَيْضًا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّغَانِيَ تَفَاعُلٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى تَغَنَّى، قَالَ: وَإِنَّمَا يَأْتِي تَغَنَّى مِنَ الْغِنَى الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ بِمَعْنَى تَفَعَّلَ أَيْ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا فَاسِدُ الْمَعْنَى. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى تَكَلَّفَهُ أَيْ تَطَلَّبَهُ وَحَمَلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا وَهُوَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ. وَأَمَّا إِنْكَارُهُ أَنْ يَكُونَ تَغَنَّى بِمَعْنَى اسْتَغْنَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَمَرْدُودٌ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ فِي حَدِيثِ الْخَيْلِ: وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَعَفُّفًا وَتَغَنِّيًا وَهَذَا مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ بِلَا رَيْبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ يَطْلُبُ الْغِنَى بِهَا عَنِ النَّاسِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعَفُّفًا. وَمِمَّنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ يَتَغَنَّى بِيَسْتَغْنِي أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِمَاعٍ، لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ أَمْرٌ خَاصٌّ زَائِدٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ، وَأَيْضًا فَالِاكْتِفَاءُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: يَقُولُونَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَدْ تَغَنَّى. قُلْتُ: الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ بِمَعْنَى يُسْتَغْنَى أَتْقَنُ لِحَدِيثِهِ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مِثْلَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَفْسِيرَ يَسْتَغْنِي مِنْ جِهَتِهِ وَيَرْفَعُ عَنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: ذَكَرْتُ لِأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ تَفْسِيرَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ دَاوُدُ ﵇ يَتَغَنَّى - يَعْنِي حِينَ يَقْرَأُ - وَيَبْكِي وَيَبْكِي وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِسَبْعِينَ لَحْنًا، وَيَقْرَأُ قِرَاءَةً يَطْرَبُ مِنْهَا الْمَحْمُومُ. وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْكِيَ نَفْسَهُ لَمْ تَبْقَ دَابَّةٌ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا أَنْصَتَتْ لَهُ وَاسْتَمَعَتْ وَبَكَتْ. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ: إِنَّ أَبَا مُوسَى أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ فِي بَابِ حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ. وَفِي الْجُمْلَةِ مَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ، وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ تُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: يَجْهَرُ بِهِ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً قَامَتِ الْحُجَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْفُوعَةٍ فَالرَّاوِي أَعْرَفُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَقِيهًا، وَقَدْ جَزَمَ الْحَلِيمِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَتَغَنَّى بِكَذَا. أَيْ يَجْهَرُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَخَذَ بِيَدَيَّ ابْنُ جُرَيْجٍ فَأَوْقَفَنِي عَلَى

стр. 5161

أَشْعَبَ فَقَالَ: غَنِّ ابْنَ أَخِي مَا بَلَغَ مِنْ طَمَعِكَ؟ فَذَكَرَ قِصَّةً. فَقَوْلُهُ: غَنِّ أَيْ أَخْبِرْنِي جَهْرًا صَرِيحًا. وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنِي بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمٍ أَيْ أَجْهَرُ وَلَا أُكَنِّي، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرِ التَّأْوِيلَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُحَسِّنُ بِهِ صَوْتَهُ جَاهِرًا بِهِ مُتَرَنِّمًا عَلَى طَرِيقِ التَّحَزُّنِ، مُسْتَغْنِيًا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، طَالِبًا بِهِ غِنَى النَّفْسِ رَاجِيًا بِهِ غِنَى الْيَدِ، وَقَدْ نَظَمْتُ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ: تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْتَ … حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ وَاسْتَغْنِ عَنْ كُتْبِ الْأُلَى طَالِبًا … غِنَى يَدٍ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِحُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إِلَى سَمَاعِ الْقِرَاءَةِ بِالتَّرَنُّمِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا لِمَنْ لَا يَتَرَنَّمُ، لِأَنَّ لِلتَّطْرِيبِ تَأْثِيرًا فِي رِقَّةِ الْقَلْبِ وَإِجْرَاءِ الدَّمْعِ. وَكَانَ بَيْنَ السَّلَفِ اخْتِلَافٌ فِي جَوَازِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ، أَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ وَتَقْدِيمُ حُسْنِ الصَّوْتِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ، فَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ، عَنْ مَالِكٍ تَحْرِيمَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ، وَحَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، وَعِيَاضٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالْبَنْدَنِيجِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - الْكَرَاهَةَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عُقَيْلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْجَوَازَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْإِبَانَةِ يَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَمَحَلُّ هَذَا الِاخْتِلَافِ إِذَا لَمْ يَخْتَلَّ شَيْءٌ مِنَ الْحُرُوفِ عَنْ مَخْرَجِهِ، فَلَوْ تَغَيَّرَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَفْظُهُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ بِالتَّمْطِيطِ، فَإِنْ خَرَجَ حَتَّى زَادَ حَرْفًا أَوْ أَخْفَاهُ حَرُمَ، قَالَ: وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَيْسَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ، بَلْ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِالْأَلْحَانِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ جَازَ وَإِلَّا حَرُمَ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ إِذَا انْتَهَتْ إِلَى إِخْرَاجِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ عَنْ مَخَارِجِهَا حَرُمَ وَكَذَا حَكَى ابْنُ حَمْدَانَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ، وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ لَمْ يُفْرِطْ فِي التَّمْطِيطِ الَّذِي يُشَوِّشُ النَّظْمَ اسْتُحِبَّ وَإِلَّا فَلَا. وَأَغْرَبَ الرَّافِعِيُّ فَحَكَى عَنْ أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّمْطِيطُ مُطْلَقًا، وَحَكَاهُ ابْنُ حَمْدَانَ رِوَايَةً عَنِ الْحَنَابِلَةِ، وَهَذَا شُذُوذٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ. وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مَطْلُوبٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَلْيُحَسِّنْهُ مَا اسْتَطَاعَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَمِنْ جُمْلَةِ تَحْسِينِهِ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهِ قَوَانِينَ النَّغَمِ فَإِنَّ الْحَسَنَ الصَّوْتِ يَزْدَادُ حُسْنًا بِذَلِكَ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي حُسْنِهِ، وَغَيْرُ الْحَسَنِ رُبَّمَا انْجَبَرَ بِمُرَاعَاتِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ شَرْطِ الْأَدَاءِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْقِرَاآتِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يَفِ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِقُبْحِ الْأَدَاءِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ مَنْ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ بِالْأَنْغَامِ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ رَاعَى الْأَنْغَامَ أَنْ لَا يُرَاعِيَ الْأَدَاءَ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُرَاعِيهِمَا مَعًا فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْمَطْلُوبِ مِنْ تَحْسِينِ الصَّوْتِ وَيَجْتَنِبُ الْمَمْنُوعَ مِنْ حُرْمَةِ الْأَدَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5162

٢٠ - بَاب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ ٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناء النَّهَارِ. [الحديث ٥٠٢٥ - طرفه في: ٧٥٢٩] ٥٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: " لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ". [الحديث ٥٠٢٦ - طرفاه في: ٧٢٣٣، ٧٥٢٨] قَوْلُهُ: (بَابُ اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ تَفْسِيرَ الْغِبْطَةِ، وَالْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَسَدِ، وَأَنَّ الْحَسَدَ فِي الْحَدِيثِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا مَجَازًا، وَذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ هُنَاكَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْبَابِ اغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ وَهَذَا فِعْلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ فَهُوَ الَّذِي يَغْتَبِطُ وَإِذَا كَانَ يَغْتَبِطُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسَرُّ وَيَرْتَاحُ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مُطَابِقًا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَ دَالًّا عَلَى أَنَّ غَيْرَ صَاحِبِ الْقُرْآنِ يَغْتَبِطُ صَاحِبَ الْقُرْآنِ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْقُرْآنِ فَاغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ بِعَمَلِ نَفْسِهِ أَوْلَى إِذَا سَمِعَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ الْوَارِدَةَ فِي حَدِيثِ الصَّادِقِ. قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ) أَيْ لَا رُخْصَةَ فِي الْحَسَدِ إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ، أَوْ لَا يَحْسُنُ الْحَسَدُ إِنْ حَسُنَ، أَوْ أَطْلَقَ الْحَسَدَ مُبَالَغَةً فِي الْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِ الْخَصْلَتَيْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَحْصُلَا إِلَّا بِالطَّرِيقِ الْمَذْمُومِ لَكَانَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَضْلِ حَامِلًا عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا بِهِ فَكَيْفَ وَالطَّرِيقُ الْمَحْمُودُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُمَا بِهِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فَإِنَّ حَقِيقَةَ السَّبْقِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْمَطْلُوبِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ تِلْوَ هَذَا إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ تَقُولُ حَسَدْتُهُ عَلَى كَذَا أَيْ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا حَسَدْتُهُ فِي كَذَا فَمَعْنَاهُ حَسَدْتُهُ فِي شَأْنِ كَذَا وَكَأَنَّهَا سَبَبِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ زَنْجُوَيْهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ تِلَاوَةً وَطَاعَةً. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْمُ جَدِّهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ الْيَشْكُرِيُّ، وَهُوَ ثقة مُتْقِنٌ، عَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ عِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنُ أشْكَابَ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أشْكَابَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَدِيٍّ. وَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ قَوْلُ

стр. 5163

الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ. وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ رِوَايَةُ الْفَرَبْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: قِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَقِيلَ: الْوَاسِطِيُّ. قَوْلُهُ: (رَوْحٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ وَقَدْ تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَفَعَهُ هَؤُلَاءِ وَوَقَفَهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، (قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ. قُلْتُ وَلِشُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ. قُلْتُ: وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى مَتْنِ أَبِي كَبْشَةَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي زَيْدٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ سَنَدًا وَمَتْنًا اجْتَمَعَا لِشُعْبَةَ وَجَرِيرٍ مَعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَشَارَ أَبُو عَوَانَةَ إِلَى أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِلَّةٌ قَادِحَةٌ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ) فِيهِ احْتِرَاسٌ بَلِيغٌ، كَأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ الْإِنْفَاقَ فِي التَّبْذِيرِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الْإِهْلَاكِ قَيَّدَهُ بِالْحَقِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢١ - بَاب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ٥٠٢٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ. قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا. [الحديث ٥٠٢٧ - طرفه في: ٥٠٢٨] ٥٠٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قال النبي ﷺ : " إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" ٥٠٢٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَ مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ" قَوْلُهُ: (بَابُ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) كَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْمَتْنِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ الرِّوَايَةِ بِالْوَاوِ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) كَذَا يَقُولُ شُعْبَةُ، يُدْخِلُ بَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ. وَخَالَفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ: عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ. وَقَدْ أَطْنَبَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ فِي كِتَابِهِ الْهَادِي فِي الْقُرْآنِ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ، فَذَكَرَ مِمَّنْ تَابَعَ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابِعَ سُفْيَانَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَأَخْرَجَهُ

стр. 5164

أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي أَوَّلِ الشَّرِيعَةِ لَهُ وَأَكْثَرَ مَنْ تَخْرِيجِ طُرُقِهِ أَيْضًا، وَرَجَّحَ الْحُفَّاظُ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ وَعَدُّوا رِوَايَةَ شُعْبَةَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ كَأَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ فَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عَلْقَمَةَ سَمِعَهُ أَوَّلًا مِنْ سَعْدٍ ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثَهُ بِهِ، أَوْ سَمِعَهُ مَعَ سَعْدٍ مِنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَثَبَّتَهُ فِيهِ سَعْدٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ الْمَوْقُوفَةِ وَهِيَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَلِكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي هَذَا الْمَقْعَدَ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَدْ شَذَّتْ رِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِذِكْرِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِيهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ بِهِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ أَنَّ عَلْقَمَةَ حَدَّثَهُمَا عَنْ سَعْدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: أَصْحَابُ سُفْيَانَ لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَهَكَذَا حَكَمَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَلَى يَحْيَى الْقَطَّانِ فِيهِ بِالْوَهْمِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: جَمَعَ يَحْيَى الْقَطَّانُ بَيْنَ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، فَالثَّوْرِيُّ لَا يَذْكُرُ فِي إِسْنَادِهِ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ. وَهَذَا مِمَّا عُدَّ فِي خَطَأِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَلَى الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَمَلَ يَحْيَى الْقَطَّانُ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ عَلَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا، وَحَمَلَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ شُعْبَةَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: خَيْرُكُمْ، وَقَالَ سُفْيَانُ: أَفْضَلُكُمْ. قُلْتُ: وَهُوَ تَعَقُّبٌ وَاهٍ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْصِيلِهِ لِلَفْظِهِمَا فِي الْمَتْنِ أَنْ يَكُونَ فَصَّلَ لَفْظَهُمَا فِي الْإِسْنَادِ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُقَالُ: إِنَّ يَحْيَى الْقَطَّانَ لَمْ يُخْطِئْ قَطُّ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ خَلَّادَ بْنَ يَحْيَى تَابَعَ يَحْيَى الْقَطَّانَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَلَى زِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ جَمِيعًا عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ كِلَاهُمَا عَنْ عَلْقَمَةَ بِزِيَادَةِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلًا آخَرَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِدُونِ ذِكْرِ سَعْدٍ وَعَنْ شُعْبَةَ بِإِثْبَاتِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُثْمَانَ) فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: خَيْرُكُمْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَقْرَأَهُ وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ. وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِسَنَدِهِ قَالَ: عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا وَهْمٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ السُّلَمِيُّ أَخَذَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ ثُمَّ لَقِيَ عُثْمَانَ فَأَخَذَهُ عَنْهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَكْثَرُ مِنْ أَبَانَ. وَأَبَانُ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ أَشَدَّ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ فَبَعُدَ هَذَا الِاحْتِمَالُ. وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ سَلَّامٍ يَعْنِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ قُلْتُ: وَسَعِيدٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: لَمْ يَسْمَعْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مِنْ عُثْمَانَ وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ شُعْبَةَ ثُمَّ قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّمْيِيزِ فِي سَمَاعِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ مِثْلَ مَا قَالَ شُعْبَةُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ أَنَّ مُسْلِمًا سَكَتَ عَنْ إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِهِ. قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِ عُثْمَانَ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ

стр. 5165

الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، لَكِنْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ اعْتَمَدَ فِي وَصْلِهِ وَفِي تَرْجِيحِ لِقَاءِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَقْرَأَ مِنْ زَمَنِ عُثْمَانَ إِلَى زَمَنِ الْحَجَّاجِ، وَأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَإِذَا سَمِعَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلَمْ يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ اقْتَضَى ذَلِكَ سَمَاعَهُ مِمَّنْ عَنْعَنَهُ عَنْهُ وَهُوَ عُثْمَانُ ﵁ وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عُثْمَانَ، وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلسَّرَخْسِيِّ أَوْ عَلَّمَهُ وَهِيَ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ إِنَّ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَةَ يَقُولُونَهُ بِالْوَاوِ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ بَهْزٍ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَهِيَ أَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الَّتِي بِأَوْ تَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَنْ فَعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَيَلْزَمُ أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَلَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ غَيْرَهُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِمَّنْ عَمِلَ بِمَا فِيهِ مَثَلًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْهُ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى رِوَايَةِ الْوَاوِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَلَّمَهُ غَيْرَهُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِمَّنْ عَمِلَ بِمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ وَلَمْ يُعَلِّمْهُ غَيْرَهُ، لِأَنَّا نَقُولُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ مِنْ جِهَةِ حُصُولِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ الْعِلْمِ، وَالَّذِي يُعَلِّمُ غَيْرَهُ يَحْصُلُ لَهُ النَّفْعُ الْمُتَعَدِّي بِخِلَافِ مَنْ يَعْمَلُ فَقَطْ، بَلْ مِنْ أَشْرَفِ الْعَمَلِ تَعْلِيمُ الْغَيْرِ، فَمُعَلِّمُ غَيْرِهِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ تَعَلَّمَهُ، وَتَعْلِيمُهُ لِغَيْرِهِ عَمَلٌ وَتَحْصِيلُ نَفْعٍ مُتَعَدٍّ، وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى حَوْلَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي لَاشْتَرَكَ كُلُّ مَنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ عِلْمًا مَا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ الْقُرْآنُ أَشْرَفُ الْعُلُومِ فَيَكُونُ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَلَّمَهُ لِغَيْرِهِ أَشْرَفُ مِمَّنْ تَعَلَّمَ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَإِنْ عَلَّمَهُ فَيَثْبُتُ الْمُدَّعَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ مُكَمِّلٌ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ جَامِعٌ بَيْنَ النَّفْعِ الْقَاصِرِ وَالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلَ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَالدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ يَقَعُ بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ جُمْلَتِهَا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْجَمِيعِ، وَعَكْسُهُ الْكَافِرُ الْمَانِعُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِئُ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقِيهِ قُلْنَا: لَا، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا فُقَهَاءَ النُّفُوسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ اللِّسَانِ فَكَانُوا يَدْرُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ بِالسَّلِيقَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْرِيهَا مَنْ بَعْدَهُمْ بِالِاكْتِسَابِ، فَكَانَ الْفِقْهُ لَهُمْ سَجِيَّةً، فَمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ شَأْنِهِمْ شَارَكَهُمْ فِي ذَلِكَ، لَا مَنْ كَانَ قَارِئًا أَوْ مُقْرِئًا مَحْضًا لَا يَفْهَمُ شَيْئًا مِنْ مَعَانِي مَا يَقْرَؤُهُ أَوْ يُقْرِئُهُ. فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِئُ أَفْضَلَ مِمَّنْ هُوَ أَعْظَمُ غِنَاءً فِي الْإِسْلَامِ بِالْمُجَاهَدَةِ وَالرِّبَاطِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَثَلًا، قُلْنَا: حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ يَدُورُ عَلَى النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي فَمَنْ كَانَ حُصُولُهُ عِنْدَهُ أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ، فَلَعَلَّ مِنْ مُضْمَرَةٌ فِي الْخَبَرِ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مُرَاعَاةِ الْإِخْلَاصِ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْخَيْرِيَّةُ وَإِنْ أُطْلِقَتْ لَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِنَاسٍ مَخْصُوصِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ كَانَ اللَّائِقُ بِحَالِهِمْ ذَلِكَ، أَوِ الْمُرَادُ خَيْرُ الْمُتَعَلِّمِينَ مَنْ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ لَا مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوِ الْمُرَادُ مُرَاعَاةُ الْحَيْثِيَّةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خَيْرُ الْكَلَامِ، فَمُتَعَلِّمُهُ خَيْرٌ مِنْ مُتَعَلِّمِ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَيْرِيَّةِ الْقُرْآنِ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ عَلَّمَ وَتَعَلَّمَ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ عَلِمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ) أَيْ حَتَّى وَلِيَ الْحَجَّاجُ عَلَى الْعِرَاقِ قُلْتُ: بَيْنَ أَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَآخِرِ وِلَايَةِ الْحَجَّاجِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَبَيْنَ آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَأَوَّلِ وِلَايَةِ الْحَجَّاجِ الْعِرَاقَ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ ابْتِدَاءِ إِقْرَاءِ

стр. 5166

أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَآخِرِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، وَيُعْرَفُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَقْصَى الْمُدَّةَ وَأَدْنَاهَا، وَالْقَائِلُ وَأَقْرَأُ إِلَخْ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ فَإِنَّنِي لَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَقَائِلُ وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ وَأَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَهِيَ أَنْسَبُ لِقَوْلِهِ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي إِلَخْ أَيْ أَنَّ إِقْرَاءَهُ إِيَّايَ هُوَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ قَعَدْتُ هَذَا الْمَقْعَدَ الْجَلِيلَ اهـ. وَالَّذِي فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَأَقْرَأَ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَأَنَّ الْكِرْمَانِيَّ ظَنَّ أَنَّ قَائِلَ وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَائِلُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّ لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ زَمَانِ إِقْرَاءِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِسَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ طُولِ مُدَّتِهِ لِإِقْرَاءِ النَّاسِ الْقُرْآنَ، وَأَيْضًا فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ زَمَنِ عُثْمَانَ، وَسَعْدٌ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ عُثْمَانَ، فَإِنَّ أَكْبَرَ شَيْخٍ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَقَدْ عَاشَ بَعْدَ عُثْمَانَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ يَلْزَمُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ إِلَى صَنِيعِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، أَيْ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ عُثْمَانُ فِي أَفْضَلِيَّةِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ حَمَلَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ قَعَدَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْقُرْآنَ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الَّذِي حَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي هَذَا الْمَقْعَدَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ فِيهِ: مَقْعَدِي هَذَا، قَالَ: وَعَلَّمَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرْآنَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ حَتَّى بَلَغَ الْحَجَّاجَ، وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَأَبِي غِيَاثٍ وَأَبِي الْوَلِيدِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا، وَكَانَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى الْحَدِيثِ كَمَا قَرَّرْتُهُ، وَإِسْنَادُهُ إِلَيْهِ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ وَقَدْ وَقَعَ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِلَفْظِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَهُوَ الَّذِي أَجْلَسَنِي هَذَا الْمَجْلِسَ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ بِمُثَلَّثَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةٍ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَآخَرَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَثَالِثَ فِي مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَا. قَوْلُهُ: (إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَوْ عَلَّمَهُ) كَذَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بِلَفْظِ أَوْ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ خَيْرُكُمْ أَوْ أَفْضَلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ فَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَيْضًا فِي أَنَّ الرِّوَايَةَ بِأَوْ أَوْ بِالْوَاوِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ سُئِلَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْجِهَادِ وَإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ فَرَجَّحَ الثَّانِي وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ خَمْسَ آيَاتٍ خَمْسَ آيَاتٍ، وَأَسْنَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ بِهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ، وَشَاهِدُهُ مَا قَدَّمْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُدَّثِّرِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ اقْرَأْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُ إِدْخَالِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ ﷺ زَوَّجَهُ الْمَرْأَةَ لِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ؛ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا لَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ اسْتِيفَاءِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. وَقَالَ غَيْرُهُ وَجْهُ دُخُولِهِ أَنَّ فَضْلَ الْقُرْآنِ ظَهَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعَاجِلِ بِأَنْ قَامَ لَهُ مَقَامَ الْمَالِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى بُلُوغِ

стр. 5167

الْغَرَضِ، وَأَمَّا نَفْعُهُ فِي الْآجِلِ فَظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ وَلِلرَّسُولِ. قَوْلُهُ: (مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا) وَوَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢٢ - بَاب الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ ٥٠٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ له: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي. قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ. فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا. قَالَ: أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلٍ فِي الْوَاهِبَةِ مُطَوَّلًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ: أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَدَلَّ عَلَى فَضْلِ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ لِأَنَّهَا أَمْكَنُ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى التَّعْلِيمِ وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ أَفْضَلُ مِنْ تِلَاوَتِهِ نَظَرًا مِنَ الْمُصْحَفِ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ يُحْسِنُ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سِيَاقَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِاسْتِثْبَاتِ أَنَّهُ يَحْفَظُ تِلْكَ السُّوَرَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَعْلِيمِهِ لِزَوْجَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ مِنَ التِّلَاوَةِ نَظَرًا وَلَا عَدَمَهَ. قُلْتُ: وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بَابُ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مَشْرُوعِيَّتُهَا أَوِ اسْتِحْبَابُهَا، وَالْحَدِيثُ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهَا أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَاءَةِ نَظَرًا. وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ نَظَرًا أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رَفَعَهُ قَالَ: فَضْلُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ نَظَرًا عَلَى مَنْ يَقْرَؤُهُ ظَهْرًا كَفَضْلِ الْفَرِيضَةِ عَلَى النَّافِلَةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا أَدِيمُوا النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ أَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ، لَكِنَّ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ

стр. 5168

أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَمْكَنُ لِلْخُشُوعِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ اقْرَأوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ الْمُعَلَّقَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ وَزَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: أَتَقْرَأهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ؟ رَدًّا لِمَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي إِنْكَاحِ الرَّجُلِ عَلَى أَنَّ صَدَاقَهَا أُجْرَةُ تَعْلِيمِهَا، كَذَا قَالَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا ذُكِرَ، بَلْ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢٣ - بَاب اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ ٥٠٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ. ٥٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قال النبي ﷺ : " بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ" [الحديث ٥٠٢٣ - طرفه في: ٥٠٣٩] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ تَابَعَهُ بِشْرٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ شَقِيقٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ " ٥٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا" قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ) أَيْ طَلَبِ ذُكْرِهِ بِضَمِ الذَّالِ (وَتَعَاهُدِهِ) أَيْ تَجْدِيدِ الْعَهْدِ بِهِ بِمُلَازَمَةِ تِلَاوَتِهِ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ) أَيْ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّاحِبِ الَّذِي أَلِفَهُ، قَالَ عِيَاضٌ: الْمُؤَالَفَةُ الْمُصَاحَبَةُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ، وَقَوْلِهِ: أَلِفَهُ أَيْ أَلِفَ تِلَاوَتَهُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَأْلَفَهَا نَظَرًا مِنَ الْمُصْحَفِ أَوْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، فَإِنَّ الَّذِي يُدَاوِمُ عَلَى ذَلِكَ يُذَلُّ لَهُ لِسَانُهُ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ، فَإِذَا هَجَرَهُ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَشَقَّتْ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ إِنَّمَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ عَلَى الرَّاجِحِ، لَكِنَّهُ حَصْرٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحِفْظِ وَالنِّسْيَانِ بِالتِّلَاوَةِ وَالتَّرْكِ. قَوْلُهُ: (كَمِثْلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ) أَيْ مَعَ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ. وَالْمُعَقَّلَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيِ الْمَشْدُودَةِ بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ فِي رُكْبَةِ الْبَعِيرِ، شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآنِ وَاسْتِمْرَارَ تِلَاوَتِهِ بِرَبْطِ الْبَعِيرِ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الشِّرَادُ، فَمَا زَالَ التَّعَاهُدُ مَوْجُودًا فَالْحِفْظُ مَوْجُودٌ، كَمَا أَنَّ الْبَعِيرَ مَا دَامَ مَشْدُودًا بِالْعِقَالِ فَهُوَ مَحْفُوظٌ. وَخَصَّ الْإِبِلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ نُفُورًا، وَفِي تَحْصِيلِهَا بَعْدَ اسْتِمْكَانِ نُفُورِهَا صُعُوبَةٌ. قَوْلُهُ: (إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا) أَيِ اسْتَمَرَّ إِمْسَاكُهُ لَهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنْ عَقَلَهَا حَفِظَهَا. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ) أَيِ انْفَلَتَتْ. وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِنْ تَعَاهَدَهَا صَاحِبُهَا فَعَقَلَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ عُقُلَهَا ذَهَبَتْ وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ إِذَا قَامَ

стр. 5169

صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نُسِّيهِ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ. تَابَعَهُ بِشْرٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ. وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ مُكَرَّرَتَيْنِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَأَبُو وَائِلٍ هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ شَقِيقٍ لَهُ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بِئْسَ هِيَ أُخْتُ نِعْمَ، فَالْأُولَى لِلذَّمِّ وَالْأُخْرَى لِلْمَدْحِ، وَهُمَا فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ يَرْفَعَانِ الْفَاعِلَ ظَاهِرًا أَوْ مُضْمَرًا إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لِلْجِنْسِ أَوْ مُضَافٍ إِلَى مَا هُمَا فِيهِ حَتَّى يَشْتَمِلَ عَلَى الْمَوْصُوفِ بِأَحَدِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ تَعَيُّنًا كَقَوْلِهِ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ وَبِئْسَ الرَّجُلُ عَمْرٌو، فَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ اسْمٍ نَكِرَةٍ يُنْصَبُ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا التَّفْسِيرُ مَا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهَ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَأَنْ يَقُولَ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ، أَيْ بِئْسَ شَيْئًا كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ. قَوْلُهُ: (نَسِيتُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: (آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَيْتَ وَكَيْتَ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ الْجُمَلِ الْكَثِيرَةِ وَالْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وَمِثْلُهُمَا ذَيْتَ وَذَيْتَ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: كَيْتَ لِلْأَفْعَالِ وَذَيْتَ لِلْأَسْمَاءِ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِثْلُ كَذَا إِلَّا أَنَّهَا خَاصَّةً بِالْمُؤَنَّثِ، وَهَذَا مِنْ مُفْرَدَاتِ الدَّاوُدِيِّ. قَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ نُسِّيَ) بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ مُخَفَّفًا. قُلْتُ: وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَضْبُوطَةٍ بِخَطٍّ مَوْثُوقٍ بِهِ عَلَى كُلِّ سِينٍ عَلَامَةُ التَّخْفِيفِ وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَ الْكِنَانِيُّ - يَعْنِي أَبَا الْوَلِيدِ الْوَقْشِيَّ - لَا يُجِيزُ فِي هَذَا غَيْرَ التَّخْفِيفِ. قُلْتُ: وَالتَّثْقِيلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَيْتَ وَكَيْتَ: لَيْسَ هُوَ نَسِيَ وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ. الْأَوَّلُ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ، وَالثَّانِي بِضَمِّ النُّونِ وَتَثْقِيلِ السِّينِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: التَّثْقِيلُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عُوقِبَ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ لِتَفْرِيطِهِ فِي مُعَاهَدَتِهِ وَاسْتِذْكَارِهِ، قَالَ: وَمَعْنَى التَّخْفِيفِ أَنَّ الرَّجُلَ تَرَكَ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أَيْ تَرَكَهُمْ فِي الْعَذَابِ أَوْ تَرَكَهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي مُتَعَلِّقِ الذَّمِّ مِنْ قَوْلِهِ بِئْسَ عَلَى أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ قِيلَ: هُوَ عَلَى نِسْبَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى نَفْسِهِ النِّسْيَانَ وَهُوَ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَإِذَا نَسَبَهُ إِلَى نَفْسِهِ أَوْهَمَ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِفِعْلِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أُنْسِيتُ أَوْ نُسِّيتُ بِالتَّثْقِيلِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِيهِمَا، أَيْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْسَانِي كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَبِهَذَا الْوَجْهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ عَلَى أَلْسُنِ الْعِبَادِ نِسْبَةَ الْأَفْعَالِ إِلَى خَالِقِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِقْرَارِ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالِاسْتِسْلَامِ لِقُدْرَتِهِ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إِلَى مُكْتَسِبِهَا مَعَ أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَى مُكْتَسِبِهَا جَائِزٌ بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآتِيَ فِي بَابِ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ قَالَ: وَقَدْ أَضَافَ مُوسَى ﵇ النِّسْيَانَ مَرَّةً إِلَى نَفْسِهِ وَمَرَّةً إِلَى الشَّيْطَانِ فَقَالَ: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ﴾ وَلِكُلِّ إِضَافَةٍ مِنْهَا مَعْنًى صَحِيحٌ، فَالْإِضَافَةُ إِلَى اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقُ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا، وَإِلَى النَّفْسِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الْمُكْتَسِبُ لَهَا، وَإِلَى الشَّيْطَانِ بِمَعْنَى الْوَسْوَسَةِ اهـ. وَوَقَعَ لَهُ ذُهُولٌ فِيمَا نَسَبَهُ لِمُوسَى، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ فَتَاهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَسَبَ النِّسْيَانَ إِلَى نَفْسِهِ يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَكَذَا نَسَبَهُ يُوشَعُ إِلَى نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ وَمُوسَى إِلَى نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ:

стр. 5170

﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وَقَدْ سِيقَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ مَسَاقَ الْمَدْحِ، قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ وَجَنَحَ إِلَى اخْتِيَارِ الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنَّ سَبَبَ الذَّمِّ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِالْقُرْآنِ إِذْ لَا يَقَعُ النِّسْيَانُ إِلَّا بِتَرْكِ التَّعَاهُدِ وَكَثْرَةِ الْغَفْلَةِ، فَلَوْ تَعَاهَدَهُ بِتِلَاوَتِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَدَامَ حِفْظُهُ وَتَذَكُّرُهُ، فَإِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ نَسِيتُ الْآيَةَ الْفُلَانِيَّةَ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّفْرِيطِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ الذَّمِّ تَرْكَ الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّعَاهُدِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُورِثُ النِّسْيَانَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ بِمَعْنَى تَرَكْتُ لَا بِمَعْنَى السَّهْوِ الْعَارِضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَطَائِفَةٍ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ نَسِيتُ النَّبِيَّ ﷺ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدٌ عَنِّي إِنِّي نَسِيتُ آيَةَ كَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي نَسَّانِي ذَلِكَ لِحِكْمَةِ نَسْخِهِ وَرَفْعِ تِلَاوَتِهِ، وَلَيْسَ لِي فِي ذَلِكَ صُنْعٌ بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُنْسِينِي لِمَا تُنْسَخُ تِلَاوَتُهُ؛ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْسِيِّ مَا يُنْسَخُ تِلَاوَتُهُ فَيُنْسِي اللَّهُ نَبِيَّهُ مَا يُرِيدُ نَسْخَ تِلَاوَتِهِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مِنْ ضُرُوبِ النَّسْخِ نِسْيَانُ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْزِلُ ثُمَّ يُنْسَخُ مِنْهُ بَعْدَ نُزُولِهِ الشَّيْءُ فَيَذْهَبُ رَسْمُهُ وَتُرْفَعُ تِلَاوَتُهُ وَيَسْقُطُ حِفْظُهُ عَنْ حَمَلَتِهِ، فَيَقُولُ الْقَائِلُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَلَى مُحْكَمِ الْقُرْآنِ الضَّيَاعُ، وَأَشَارَ لَهُمْ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِمَا رَآهُ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَانَ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الذِّكْرِ إِضَافَتُهُ إِلَى صَاحِبِهِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ عَارِضٌ لَهُ لَا عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ نِسْيَانَ الشَّيْءِ لَكَانَ ذَاكِرًا لَهُ فِي حَالِ قَصْدِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ: مَا مَاتَ فُلَانٌ وَلَكِنْ أُمِيتَ. قُلْتُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَأَرْجَحُ الْأَوْجُهِ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ الْأَمْرِ بِاسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: أَوَّلى مَا يُتَأَوَّلُ عَلَيْهِ ذَمُّ الْحَالِ لَا ذَمُّ الْقَوْلِ، أَيْ بِئْسَ الْحَالُ حَالُ مَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى نَسِيَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ. قَوْلُهُ: (وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) أَيْ وَاظِبُوا عَلَى تِلَاوَتِهِ وَاطْلُبُوا مِنْ أَنْفُسِكُمُ الْمُذَاكَرَةَ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ عَطْفٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: بِئْسَ مَا لِأَحَدِكُمْ أَيْ لَا تُقَصِّرُوا فِي مُعَاهَدَتِهِ وَاسْتَذْكِرُوهُ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ وَحْشِيٌّ. وَكَذَا أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ تَفَلُّتًا وَتَخَلُّصًا، تَقُولُ تَفَصَّيْتُ كَذَا أَيْ: أَحَطْتُ بِتَفَاصِيلِهِ. وَالِاسْمُ الْفَصَّةُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِلَفْظِ: تَفَلُّتًا وَكَذَا وَقَعَتْ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَنُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَشْبِيهُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ وَفِي هَذَا أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي النُّفُورِ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِذَا أَفْصَحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ حَيْثُ قَالَ: لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِبِلِ تَطَلُّبَ التَّفَلُّتِ مَا أَمْكَنَهَا فَمَتَى لَمْ يَتَعَاهَدْهَا بِرِبَاطِهَا تَفَلَّتَتْ، فَكَذَلِكَ حَافِظُ الْقُرْآنِ إِنْ لَمْ يَتَعَاهَدْهُ تَفَلَّتَ بَلْ هُوَ أَشَدُّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ الْآيَتَيْنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِالْمُحَافَظَةِ وَالتَّعَاهُدِ يُسِّرَ لَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ تَفَلَّتَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ،

стр. 5171

وَثَبَتَتْ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَوْلُهُ مِثْلَهُ الضَّمِيرُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ سِيَاقَ جَرِيرٍ مُسَاوٍ لِسِيَاقِ شُعْبَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مَقْرُونًا بِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ جَرِيرٍ وَلَفْظُهُ مُسَاوٍ لِلَفْظِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: اسْتَذْكِرُوا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَقَالَ: فَلَهُوَ أَشَدُّ بَدَلَ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: مِنْ عُقُلِهِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ - أَوْ لِأَحَدِهِمْ - أَنْ يَقُولَ: إِنِّي نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَلْ هُوَ نُسِّيَ، وَيَقُولُ: اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ إِلَخْ وَكَذَا ثَبَتَتْ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ بِشْرٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ) يُرِيدُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ تَابَعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَرْعَرَةَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ، وَبِشْرٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، قَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَنِسْبَةُ الْمُتَابَعَةِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةٌ، وَقَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَيُوهِمُ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ عَرْعَرَةَ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ انْفَرَدَا بِذَلِكَ عَنْ شُعْبَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ. قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ) أَمَّا عَبْدَةُ فَهُوَ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي لُبَابَةَ بِضَمِّ اللَّامِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ بَلْ هُوَ نُسِّيَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْمُتَابَعَةِ دَفْعَ تَعْلِيلِ مَنْ أَعَلَّ الْخَبَرَ بِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ لَهُ عَنْ مَنْصُورٍ مَوْقُوفَةً عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ وَعَاصِمٍ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا مَوْقُوفَيْنِ، وَكَذَا رَوَاهُمَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ. وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَأَسْنَدَ الْأَوَّلَ وَوَقَفَ الثَّانِي، قَالَ: وَرَفَعَهُمَا جَمِيعًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. قُلْتُ: وَرِوَايَةُ عُبَيْدَةَ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ. وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ سَتَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مَرْفُوعًا لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا الْحَدِيثَيْنِ مَعًا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ تَصْرِيحُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ يُقَوِّي رِوَايَةَ مَنْ رَفَعَهُ عَنْ مَنْصُورٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الحديث الثالث: قَوْلُهُ: (عَنْ بُرَيْدٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَشَيْخُهُ أَبُو بُرْدَةَ هُوَ جَدُّهُ الْمَذْكُورُ، وَأَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيُّ. قَوْلُهُ: (فِي عُقُلِهَا) بِضَمَّتَيْنِ وَيَجُوزُ سُكُونُ الْقَافِ جَمْعُ عِقَالٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهُ وَهُوَ الْحَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ عُقُلِهَا وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ عُلُلِهَا بِلَامَيْنِ؛ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، بَلْ هِيَ تَصْحِيفٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِعُقُلِهَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ رَوَاهُ مِنْ عُقُلِهَا فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّعَدِّي مِنْ لَفْظِ التَّفَلُّتِ، وَأَمَّا مَنْ رَوَاهُ بِالْبَاءِ أَوْ بِالْفَاءِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مِنْ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ الظَّرْفِيَّةِ، وَالْحَاصِلُ تَشْبِيهُ مَنْ يَتَفَلَّتُ مِنْهُ الْقُرْآنُ بِالنَّاقَةِ الَّتِي تَفَلَّتَتْ مِنْ عِقَالِهَا وَبَقِيَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ، كَذَا قَالَ، وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ بَيْنَ

стр. 5172

ثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةٍ: فَحَامِلُ الْقُرْآنِ شُبِّهَ بِصَاحِبِ النَّاقَةِ، وَالْقُرْآنُ بِالنَّاقَةِ، وَالْحِفْظُ بِالرَّبْطِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالنَّاقَةِ مُنَاسَبَةٌ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ وَهِيَ حَادِثَةٌ، لَكِنْ وَقَعَ التَّشْبِيهُ فِي الْمَعْنَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْحَضُّ عَلَى مُحَافَظَةِ الْقُرْآنِ بِدَوَامِ دِرَاسَتِهِ وَتَكْرَارِ تِلَاوَتِهِ، وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِإِيضَاحِ الْمَقَاصِدِ، وَفِي الْأَخِيرِ الْقَسَمُ عِنْدَ الْخَبَرِ الْمَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ مُبَالَغَةً فِي تَثْبِيتِهِ فِي صُدُورِ سَامِعِيهِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حُجَّةً لِمَنْ قَالَ فِيمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِمَالٍ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ: كُنْتُ نَسِيتُ، أَوِ ادَّعَى بَيِّنَةً أَوْ إِبْرَاءً، أَوِ الْتَمَسَ يَمِينَ الْمُدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُ وَيُعْذَرُ فِي ذَلِكَ، كَذَا قَالَ. ٢٤ - باب الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ ٥٠٣٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِيَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ) أَيْ لِرَاكِبِهَا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ سُنَّةً مَوْجُودَةً، وَأَصْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ، وَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ. ٢٥ - بَاب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ ٥٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ. [الحديث ٥٠٣٥ - طرفه في: ٥٠٣٦] ٥٠٣٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا الْمُحْكَمُ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ. قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَتْ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُمَا، وَلَفْظُ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُعَلِّمُوا الْغُلَامَ الْقُرْآنَ حَتَّى يَعْقِلَ وَكَلَامُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَرَاهَةَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ حُصُولِ الْمَلَالِ لَهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ يَقْرَأُ الصَّبِيُّ بَعْدَ حِينٍ وَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَدَّمَ غُلَامًا صَغِيرًا، فَعَابُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا قَدَّمْتُهُ، وَلَكِنْ قَدَّمَهُ الْقُرْآنُ. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَدْعَى إِلَى ثُبُوتِهِ وَرُسُوخِهِ عِنْدَهُ، كَمَا يُقَالُ: التَّعَلُّمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ. وَكَلَامُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْرَكَ الصَّبِيُّ أَوَّلًا مُرَفَّهًا ثُمَّ

стр. 5173

يُؤْخَذُ بِالْجَدِّ عَلَى التَّدْرِيجِ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ) كَذَا فِيهِ تَفْسِيرُ الْمُفَصَّلِ بِالْمُحْكَمِ مِنْ كَلَامِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقُلْتُ لَهُ وَمَا الْمُحْكَمُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَفَاعِلُ قُلْتُ هُوَ أَبُو بِشْرٍ بِخِلَافِ مَا يَتَبَادَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَفَاعِلَ قُلْتُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَأَلَ شَيْخَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنْسُوخٌ، وَيُطْلَقُ الْمُحْكَمُ عَلَى ضِدِّ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ بِالْمُفَصَّلِ السُّوَرُ الَّتِي كَثُرَتْ فُصُولُهَا وَهِيَ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَلُونِي عَنِ التَّفْسِيرِ فَإِنِّي حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا صَغِيرٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ عِيَاضٌ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَسَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَأَنَا خَتِينٌ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَسَبَقَ إِلَى اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي الصَّلَاةِ - يُخَالِفُ هَذَا. وَبَالَغَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: حَدِيثُ أَبِي بِشْرٍ - يَعْنِي الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ - وَهَمٌ، وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ رَاجِعٌ إِلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ لَا إِلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَهُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً قَدِ اسْتَكْمَلَهَا. وَنَحْوُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ. وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ قِيلَ سِتَّ عَشْرَةَ وَحَكَى قَوْلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ، وَلَوْ وَرَدَ إِحْدَى عَشْرَةَ لَكَانَتْ سَبْعَةً لِأَنَّهَا مِنْ عَشْرٍ إِلَى سِتِّ عَشْرَةَ. قُلْتُ: وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ وِلَادَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَبَنُو هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ. وَنَحْوُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ إِلَّا سِتَّ عَشْرَةَ وَثِنْتَيْ عَشْرَةَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ سَنَدُهُ، وَالْأَشْهَرُ بِأَنْ يَكُونَ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ لَمَّا قَارَبَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثُمَّ بَلَغَ لَمَّا اسْتَكْمَلَهَا وَدَخَلَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا؛ فَإِطْلَاقُ خَمْسَ عَشْرَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَبْرِ الْكَسْرَيْنِ، وَإِطْلَاقُ الْعَشْرِ وَالثَّلَاثَ عَشْرَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَإِطْلَاقُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ بِجَبْرِ أَحَدِهِمَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ الْخِتَانِ بَعْدَ الْكِبَرِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ ذَكَرْتُهَا فِي بَابِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ وَذَكَرْتُ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ جَمِيعُ الْقُرْآنِ. ٢٦ - بَاب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:

стр. 5174

سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ. ٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي آية كَذَا وَكَذَا كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا. ٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ. قَوْلُهُ: (بَابُ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، وَهَلْ يَقُولُ نَسِيَتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا)؟ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ لِلزَّجْرِ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ، بَلْ لِلزَّجْرِ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِ النِّسْيَانِ الْمُقْتَضِيَةِ لِقَوْلِ هَذَا اللَّفْظِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْزِلَ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ عَلَى حَالَتَيْنِ: فَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ كَالْجِهَادِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ إِهْمَالٍ دِينِيٍّ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ نِسْبَةِ النِّسْيَانِ إِلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ - وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مَحْظُورًا - امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِتَعَاطِيهِ أَسْبَابَ النِّسْيَانِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ هُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِيَارِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ لَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْسَى﴾ نَافِيَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَا نَاهِيَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْبَاعُ فِي السِّينِ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الْآيِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ اسْتُثْنِيَ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ قَضَى أَنْ تُرْفَعَ تِلَاوَتُهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ، وَقِيلَ: لِمَا جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَكِنْ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: فَلَا تَنْسَى أَيْ لَا تَتْرُكِ الْعَمَلَ بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَخَهُ فَتَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ. قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) أَيْ صَوْتَ رَجُلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ. قَوْلُهُ: (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَغْرَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً، لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (حَدَّثَنَا عِيسَى) هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ. قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ) يَعْنِي عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِالْمَتْنِ الْمَذْكُورِ، وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ: أَسْقَطْتُهُنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَقَالَ ﵀: لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ عَبْدَةَ رَفِيقُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ لَا شَيْخُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ

стр. 5175

الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظِ أَسْقَطْتُهَا وَأَخْرَجَ طَرِيقَ عَبْدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فِي الدَّعَوَاتِ وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ سَوَاءً. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (كُنْتُ أُنْسِيتُهَا) هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: أَسْقَطْتُهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَسْقَطْتُهَا نَسِيَانًا لَا عَمْدًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُنْتُ نَسِيتُهَا بِفَتْحِ النُّونِ لَيْسَ قَبْلَهَا هَمْزَةٌ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: النِّسْيَانُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَكُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نِسْيَانُهُ الَّذِي يَتَذَكَّرُهُ عَنْ قُرْبٍ، وَذَلِكَ قَائِمٌ بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي السَّهْوِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ عَلَى إِرَادَةِ نَسْخِ تِلَاوَتِهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ: فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَعَارِضٌ سَرِيعُ الزَّوَالِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَأَمَّا الثَّانِي فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَبَيَانُ مَنْ قَرَأَ بِهَا فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ النِّسْيَانَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ مُطْلَقًا، وَكَذَا فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَعْدَ مَا يَقَعُ مِنْهُ تَبْلِيغُهُ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى نِسْيَانِهِ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ تَذَكُّرُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْفَوْرُ؟ قَوْلَانِ، فَأَمَّا قَبْلَ تَبْلِيغِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِيهِ النِّسْيَانُ أَصْلًا. وَزَعَمَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَبَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ نِسْيَانٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ صُورَتُهُ لِيَسُنَّ، قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَحَدٌ إِلَّا أَبَا الْمُظَفَّرِ الْأسْفَرَايِنِيَّ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْلِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَالدُّعَاءِ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ خَيْرٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْمَحْصُولَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نِسْيَانِ الْقُرْآنِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ مَوْقُوفًا قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ أَحْدَثَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نُسِّيهَا فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ أَعْظَمُ مِنْ حَامِلِ الْقُرْآنِ وَتَارِكِهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ مَوْقُوفًا كُنَّا نَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ في الَّذِي يَنْسَى الْقُرْآنَ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، وَلِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا مَقَالٌ، وَقَدْ قَالَ بِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْمَكَارِمِ، وَالرُّويَانِيُّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ التِّلَاوَةِ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ نِسْيَانُ الْقُرْآنِ، وَنِسْيَانُهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِأَمْرِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ أَوْ بَعْضَهُ فَقَدْ عَلَتْ رُتْبَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الدِّينِيَّةِ حَتَّى تَزَحْزَحَ عَنْهَا نَاسَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ تَرْكَ مُعَاهَدَةِ الْقُرْآنِ يُفْضِي إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْجَهْلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْجَهْلِ بَعْدَ الْعِلْمِ شَدِيدٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا لَا يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. وَسُفْيَانُ فِي السَّنَدِ هُوَ الثَّوْرِيُّ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَجْذَمَ فَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْيَدِ، وَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْحُجَّةِ، وَقِيلَ: مَقْطُوعُ السَّبَبِ مِنَ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: خَالِيَ الْيَدِ مِنَ الْخَيْرِ، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ. وَقِيلَ: يُحْشَرُ مَجْذُومًا حَقِيقَةً. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ عِنْدَ

стр. 5176

عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أَتَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَجْذُومٌ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الْمَرْءِ أَسْقَطْتُ آيَةَ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: لَا تَقُلْ أَسْقَطْتُ كَذَا، بَلْ قُلْ أَغْفَلْتُ. وَهُوَ أَدَبٌ حَسَنٌ وَلَيْسَ وَاجِبًا. ٢٧ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا ٥٠٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ. ٥٠٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ. قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُودُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ. فَقَالَ: يَا هِشَامُ، اقْرَأْهَا، فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ. ٥٠٤٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا) أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا يُقَالُ إِلَّا السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا، وَأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ عِيَاضٌ: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ حُجَّةٌ فِي جَوَازِ قَوْلِ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: تَقُولُ: السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الرَّمْيِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ أَنْكَرَ قَوْلَ الْحَجَّاجِ لَا تَقُولُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ، وَأَقْوَى مِنْ هَذَا فِي الْحُجَّةِ مَا أَوْرَدَهُ

стр. 5177

الْمُصَنِّفُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ - إِلَى أَنْ قَالَ -: وَسُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَكَذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ. قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ فِيمَا يُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَلَا سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ وَلَا سُورَةُ النِّسَاءِ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ قَانِعٍ فِي فَوَائِدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِي سَنَدِهِ عُبَيْسُ بْنُ مَيْمُونٍ الْعَطَّارُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَوْرَدَه ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ حَدِيثُ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ضَعُوهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ، وَلَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْمَصَاحِفِ وَالتَّفَاسِيرِ، قُلْتُ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالِاحْتِيَاطِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْكَلْبِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ مِنْ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يُقَالَ: سُورَةُ كَذَا، كَقَوْلِكَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ النَّحْلِ وَسُورَةُ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا. وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ يُعَارِضُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُعَارَضَةَ مَعَ إِمْكَانٍ، فَيَكُونُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ إِنْ ثَبَتَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَشْهَدُ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا. الثَّانِي: حَدِيثُ عُمَرَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. الثالث: حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. ٢٨ - بَاب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ فِيهَا، يُفْرَقُ يُفَصَّلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ. ٥٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ﷺ : ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم. ٥٠٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي

стр. 5178

صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ" قَوْلُهُ: (بَابُ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ تَبْيِينُ حُرُوفِهَا وَالتَّأَنِّي فِي أَدَائِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهَا، فَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ قَالَ: بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ عَلَى تُؤَدَةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَيِّنْهُ بَيَانًا. وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ. قَوْلُهُ: (وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهَةَ الْإِسْرَاعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُكْرَهُ الْهَذُّ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ الْمُفْرِطُ بِحَيْثُ يَخْفَى كَثِيرٌ مِنَ الْحُرُوفِ أَوْ لَا تَخْرُجُ مِنْ مَخَارِجِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ إِنْكَارَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ يَهُذُّ الْقِرَاءَةَ كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَدَلِيلُ جَوَازِ الْإِسْرَاعِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَفْرُغُ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ. قَوْلُهُ: (فِيهَا يُفْرَقُ يُفَصَّلُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ) وَصَلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ، قِيَامُهُمَا وَاحِدٌ رُكُوعُهُمَا وَاحِدٌ وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ. فَقَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ أَفْضَلُ. ثُمَّ تَلَا ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، وَإِنِّي لِأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ أُرَتِّلُهَا فَأَتَدَبَّرُهَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، إِنِّي لأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً أَحَبُّ إِلَيَّ. إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْرَأْ قِرَاءَةً تُسْمِعُهَا أُذُنَيْكَ وَيُوعِهَا قَلْبُكَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّرْتِيلِ جِهَةَ فَضْلٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْرِعُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونِ الْوَاجِبَاتِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَنْ يَسْتَوِيَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَّلَ وَتَأَمَّلَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُثْمَنَةٍ، وَمَنْ أَسْرَعَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعِدَّةِ جَوَاهِرَ لَكِنْ قِيمَةَ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأُخْرَيَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ الْأَحْدَبُ الْكُوفِيُّ، وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَزَعَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بَصْرِيٌّ وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ، وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخُ وَاصِلٍ هَذَا كُوفِيٌّ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ منه الْبُخَارِيُّ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَمَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ، فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا، فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيْهَةً، فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ: أَلَا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ قُلْنَا: ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ، قَالَ: ظَنَنْتُمْ بِآلِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ

стр. 5179

فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ: بَلْ هَذَذْتَ كَهَذِّ الشِّعْرِ وَكَنَثْرِ الدَّقْلِ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ هَذًّا بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُنَوَّنَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ سُرْعَةُ الْقِرَاءَةِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ كَمَا يُنْشَدُ الشِّعْرُ، وَأَصْلُ الْهَذِّ سُرْعَةُ الدَّفْعِ. وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّمَا فُصِّلَ لِتُفَصِّلُوهُ. قَوْلُهُ: (ثَمَانِي عَشْرَةَ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ فَقَالَ فِيهِ: عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَانِ عَشْرَةَ غَيْرُ سُورَةِ الدُّخَانِ وَالَّتِي مَعَهَا، وَإِطْلَاقُ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْجَمِيعِ تَغْلِيبًا، وَإِلَّا فَالدُّخَانُ لَيْسَتْ مِنَ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُرَجَّحِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى خِلَافِ تَأْلِيفِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ فِي آخِرِ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ حم الدُّخَانِ، وَعَمَّ، فَعَلَى هَذَا لَا تَغْلِيبَ. قَوْلُهُ: (مِنْ آلِ حَامِيمٍ) أَيِ السُّورَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا حم، وَقِيلَ: يُرِيدُ حم نَفْسَهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ يَعْنِي دَاوُدَ نَفْسَهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ: آلُ دَاوُدَ يُرِيدُ بِهِ دَاوُدَ نَفْسَهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ دَلِيلَهُ يُخَالِفُ تَأْوِيلَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَتِمُّ مُرَادُهُ لَوْ كَانَ الَّذِي يَدْخُلُ أَشَدَّ الْعَذَابِ فِرْعَوْنُ وَحْدَهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَوْلَا أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ وَرَدَ فِي الْكِتَابَةِ مُنْفَصِلًا يَعْنِي آلَ وَحْدَهَا وَحم وَحْدَهَا لَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الَّتِي لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَسُورَتَيْنِ مِنَ الْحَوَامِيمِ. قُلْتُ: لَكِنَّ الرِّوَايَةَ أَيْضًا لَيْسَتْ فِيهَا وَاوٌ، نَعَمْ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَذْكُورَةِ آخِرُهُنَّ مِنَ الْحَوَامِيمِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ مِنْ آلِ حَامِيمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي وَائِلٍ، وَإِلَّا فَإِنَّ أَوَّلَ الْمُفَصَّلِ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَوَّلِ الْجَاثِيَةِ اهـ. وَهَذَا إِنَّمَا يَرِدُ لَوْ كَانَ تَرْتِيبُ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَتَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُغَايِرُ التَّرْتِيبَ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا وَيَكُونُ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ عِنْدَهُ أَوَّلُ الْجَاثِيَةِ وَالدُّخَانُ مُتَأَخِّرَةٌ فِي تَرْتِيبِهِ عَنِ الْجَاثِيَةِ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: عِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ أَيْ مُعْظَمُ الْعِشْرِينَ. الحديث الثاني: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ الْقِيَامَةِ، وَجَرِيرٌ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِخِلَافِ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِيِّ هُنَا وَكَانَ مِمَّنْ يُحَرِّكُ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ وَمَنْ مَوْصُولَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ تَعْجِيلِهِ بِالتِّلَاوَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ التَّأَنِّي فِيهِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلتَّرْتِيلِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَفِيهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلِ مِنْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي حَدِيثَ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: رَتِّلْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي فَإِنَّهُ زِينَةُ الْقُرْآنِ وَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَعَتْ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢٩ - بَاب مَدِّ الْقِرَاءَةِ ٥٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ

стр. 5180

مَالِكٍ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا. [الحديث ٥٠٤٥ - طرفه في: ٥٠٤٦] ٥٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَدِّ الْقِرَاءَةِ) الْمَدُّ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَصْلِيٌّ، وَهُوَ إِشْبَاعُ الْحَرْفِ الَّذِي بَعْدَهُ أَلِفٌ أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ، وَغَيْرُ أَصْلِيٍّ، وَهُوَ مَا إِذَا أَعْقَبَ الْحَرْفَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ هَمْزَةٌ. وَهُوَ مُتَّصِلٌ وَمُنْفَصِلٌ، فَالْمُتَّصِلُ مَا كَانَ مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ وَالْمُنْفَصِلُ مَا كَانَ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى، فَالْأَوَّلُ يُؤْتَى فِيهِ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ مُمْكَّنَاتٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَالثَّانِي يُزَادُ فِي تَمْكِينِ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَدِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهَا إِلَّا بِهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَعْدَلُ أَنَّهُ يَمُدُّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا ضِعْفَيْ مَا كَانَ يَمُدُّهُ أَوَّلًا وَقَدْ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا، وَمَا أَفْرَطَ فَهُوَ غَيْرُ مَحْمُودٍ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّرْجَمَةِ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: (١) كَأَنْ يَمُدَّ مَدًّا، بَيْنَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ إِلَخْ يَمُدُّ اللَّامَ الَّتِي قَبْلَ الْهَاءِ مِنَ الْجَلَالَةِ، وَالْمِيمَ الَّتِي قَبْلَ النُّونِ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَالْحَاءَ مِنَ الرَّحِيمِ. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ، وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: (سُئِلَ أَنَسٌ) ظَهَرَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ قَتَادَةَ الرَّاوِي هُوَ السَّائِلُ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: كَانَتْ مَدًّا أَيْ كَانَتْ ذَاتَ مَدٍّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النُّعْمَانِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَانَ يَمُدُّ صَوْتَهُ مَدًّا وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: كَانَ يَمُدُّ قِرَاءَتَهُ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ إِلَّا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، وَقَوْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ: يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ بِمُوَحَّدَةٍ قَبْلَ الْمُوَحَّدَةِ الَّتِي فِي بِسْمِ اللَّهِ، كَأَنَّهُ حَكَى لَفْظَ بِسْمِ اللَّهِ كَمَا حَكَى لَفْظَ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلِهِ: وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ أَوْ جَعَلَهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَمًا لِذَلِكَ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ مِنْ غَيْرِ مُوَحَّدَةٍ فِي الثَّلَاثَةِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ هَمَّامٍ وَجَرِيرٍ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِإِثْبَاتِ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَوَّلِهِ أَيْضًا، وَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ جَرِيرًا مَعَ هَمَّامٍ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي الْفَجْرِ ق فَمَرَّ بِهَذَا الْحَرْفِ: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فَمَدَّ نَضِيدٌ وَهُوَ شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ قُطْبَةَ نَفْسِهِ. (تَنْبِيهٌ): اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ، وَرَامَ بِذَلِكَ مُعَارَضَةَ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا الْمُخَرَّجِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَقْرَؤُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ الْبَابِ نَظَرٌ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِيمَا كَتَبْتُهُ مِنَ النُّكَتِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ يَمُدُّ فِيهَا أَنْ يَكُونَ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ بِصُورَةِ الْمِثَالِ فَلَا تَتَعَيَّنُ الْبَسْمَلَةُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 5181

٣٠ - بَاب التَّرْجِيعِ ٥٠٤٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ - أَوْ جَمَلِهِ - وَهِيَ تَسِيرُ بِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ - أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ - قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ وَهُوَ يُرَجِّعُ. قَوْلُهُ: (بَابُ التَّرْجِيعِ) هُوَ تَقَارُبُ ضُرُوبِ الْحَرَكَاتِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَأَصْلُهُ التَّرْدِيدُ، وَتَرْجِيعُ الصَّوْتِ تَرْدِيدُهُ فِي الْحَلْقِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ أَا أَبِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ أُخْرَى ثُمَّ قَالُوا: يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ حَدَثَ مِنْ هَزِّ النَّاقَةِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ أَشْبَعَ الْمَدَّ فِي مَوْضِعِهِ فَحَدَثَ ذَلِكَ، وَهَذَا الثَّانِي أَشْبَهُ بِالسِّيَاقِ؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ لَقَرَأْتُ لَكُمْ بِذَلِكَ اللَّحْنِ أَيِ النَّغَمِ. وَقَدْ ثَبَتَ التَّرْجِيعُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ وَأَنَا نَائِمَةٌ عَلَى فِرَاشِي يُرَجِّعُ الْقُرْآنَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي التَّرْجِيعِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى التَّرْتِيلِ، فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: بِتُّ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَنَامَ ثُمَّ قَامَ، فَكَانَ يَقْرَأُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيُسْمِعُ مَنْ حَوْلَهُ، وَيُرَتِّلُ وَلَا يُرَجِّعُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: مَعْنَى التَّرْجِيعِ تَحْسِينُ التِّلَاوَةِ لَا تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ تُنَافِي الْخُشُوعَ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ التِّلَاوَةِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ مُلَازَمَتُهُ ﷺ لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ حَالَةَ رُكُوبِهِ النَّاقَةَ وَهُوَ يَسِيرُ لَمْ يَتْرُكِ الْعِبَادَةَ بِالتِّلَاوَةِ، وَفِي جَهْرِهِ بِذَلِكَ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالْعِبَادَةِ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَفْضَلَ مِنَ الْإِسْرَارِ، وَهُوَ عِنْدَ التَّعْلِيمِ وَإِيقَاظِ الْغَافِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. ٣١ - بَاب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ ٥٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ. قَوْلُهُ (بَابُ حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ: لِلْقُرْآنِ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَمَاعِ الْقُرْآنِ مِنْ ذِي الصَّوْتِ الْحَسَنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُسْجِعَةَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُقَدِّمُ الشَّابَّ الْحَسَنَ الصَّوْتِ لِحُسْنِ صَوْتِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ الْحَدَّادِيُّ بِالْمُهْمَلَاتِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّثْقِيلِ، بَغْدَادِيٌّ مُقْرِئٌ، مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ خَمْسَ سِنِينَ. وَأَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ اسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ وَهُوَ وَالِدُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْكُوفِيِّ الْحَافِظِ صَاحِبِ الْمُسْنَدِ. وَلَيْسَ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ وَلَا لِشَيْخِهِ أَبِي يَحْيَى فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَقَدْ أَدْرَكَ الْبُخَارِيُّ، أَبَا يَحْيَى بِالسِّنِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ

стр. 5182

سَمِعْتُ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ قِرَاءَتَكَ الْبَارِحَةَ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بِزِيَادَةٍ فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَائِشَةَ مَرَّا بِأَبِي مُوسَى وَهُوَ يَقْرَأُ فِي بَيْتِهِ، فَقَامَا يَسْتَمِعَانِ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا مَضَيَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ لَقِيَ أَبُو مُوسَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَرَرْتُ بِكَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ بِمَكَانِكَ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَامَ لَيْلَةً يُصَلِّي، فَسَمِعَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ صَوْتَهُ - وَكَانَ حُلْوَ الصَّوْتِ - فَقُمْنَ يَسْتَمِعْنَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ لَحَبَّرْتُهُ لَهُنَّ تَحْبِيرًا وَلِلرُّويَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ سِيَاقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَقَالَ فِيهِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهَا تَحْبِيرًا وَأَصْلُهَا عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِأَبِي مُوسَى - وَك انَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ -: لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مَوْصُولًا بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ أُوتِيَ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ مَعْمَرٌ، وَسُفْيَانُ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ مُرْسَلًا، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: كَأَنَّ صَوْتَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ دَارَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَمَا سَمِعْتُ صَوْتَ صَنْجٍ وَلَا بَرْبَطٍ وَلَا نَايٍ أَحْسَنَ مِنْ صَوْتِهِ سَنَدُهُ صَحِيحٌ وَهُوَ فِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَالصَّنْجُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا جِيمٌ هُوَ آلَةٌ تُتَّخَذُ مِنْ نُحَاسٍ كَالطَّبَقَيْنِ يُضْرَبُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَالْبَرْبَطُ بِالْمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ هُوَ آلَةٌ تُشْبِهُ الْعُودَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالنَّايُ بِنُونٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ هُوَ الْمِزْمَارُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ: آلِ دَاوُدَ يُرِيدُ دَاوُدَ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِ دَاوُدَ وَلَا مِنْ أَقَارِبِهِ كَانَ أُعْطِيَ مِنْ حُسْنِ الصَّوْتِ مَا أُعْطِيَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَوْرَدَهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ: مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ مَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ فِي صِفَةِ صَوْتِ دَاوُدَ، وَالْمُرَادُ بِالْمِزْمَارِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ، وَأَصْلُهُ الْآلَةُ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلَى الصَّوْتِ لِلْمُشَابَهَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَحْثٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٣٢ - بَاب مَنْ أَحَبَّ أَنْ يستمع الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ ٥٠٤٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ. قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَمِعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْقِرَاءَةَ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، ثُمَّ أَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بَابُ قَوْلِ الْمُقْرِئِ

стр. 5183

لِلْقَارِئِ حَسْبُكَ وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ بَعْضُ الْقُرْآنِ، وَالَّذِي فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ اقْرَأْ عَلَيَّ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الْقُرْآنِ بَلْ أُطْلِقَ فَيَصْدُقُ بِالْبَعْضِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ لِيَكُونَ عَرْضُ الْقُرْآنِ سُنَّةً، وَيَحْتَمِلَ أَنْ يَكُونَ لِكَيْ يَتَدَبَّرَهُ وَيَتَفَهَّمَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ أَقْوَى عَلَى التَّدَبُّرِ وَنَفْسُهُ أَخْلَى وَأَنْشَطُ لِذَلِكَ مِنَ الْقَارِئِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَحْكَامِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ هُوَ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُ كَيْفِيَّةَ أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَمَخَارِجَ الْحُرُوفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَبْوَابٍ فِي بَابِ الْبُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. ٣٣ - بَاب قَوْلِ الْمُقْرِئِ لِلْقَارِئِ: حَسْبُكَ ٥٠٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. ٣٤ - باب فِي كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٥٠٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ لِي ابْنُ شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ. قَالَ عَلِيٌّ:، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، وَلَقِيتُهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : إنَّهُ مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ. ٥٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا فَتَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الْقَنِي بِهِ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ فَقَالَ كَيْفَ تَصُومُ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ وَكَيْفَ تَخْتِمُ قَالَ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً وَاقْرَئِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنْ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنْ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ
следующие страницы →