← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 5214–5253 · переход к 5219.

стр. 5214

٥٠٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ،، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ،، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ،، عَنْ الْأَعْرَجِ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ. قَوْلُهُ (بَابُ إِلَى مَنْ يَنْكِحُ، وَأَيِّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ، وَتَنَاوُلُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَاضِحٌ، وَأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ التَّزْوِيجَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْكِحَ إِلَى قُرَيْشٍ لِأَنَّ نِسَاءَهُنَّ خَيْرُ النِّسَاءِ وَهُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِنَّ اسْتُحِبَّ تَخَيُّرُهُنَّ لِلْأَوْلَادِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحُكْمِ الثَّالِثِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ. وَأَنْكِحُوا الْأَكْفَاءَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَيْضًا وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَيَقْوَى أَحَدُ الْإِسْنَادَيْنِ بِالْآخَرِ. قَوْلُهُ (خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذِكْرِ مَرْيَمَ ﵍ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِهِ وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِخْرَاجَ مَرْيَمَ مِنْ هَذَا التَّفْضِيلِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْكَبْ بَعِيرًا قَطُّ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَفْضِيلُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ عَلَيْهَا، وَلَا يُشَكُّ أَنَّ لِمَرْيَمَ فَضْلًا وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا نَبِيَّةٌ أَوْ مِنْ أَكْثَرِهِنَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِبِ فِي حَدِيثِ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرُ نِسَاءِ الْأَرْضِ فِي عَصْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُحْتَاجَ فِي إِخْرَاجِ مَرْيَمَ مِنْ هَذَا التَّفْضِيلِ إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ قَولِهِ رَكِبْنَ الْإِبِلَ لِأَنَّ تَفْضِيلَ الْجُمْلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ رَكِبْنَ الْإِبِلَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَكْثُرُ مِنْهُمْ رُكُوبِ الْإِبِلِ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْعَرَبَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا فِي الْجُمْلَةِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُنَّ مُطْلَقًا عَلَى نِسَاءِ غَيْرِهِنَّ مُطْلَقًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ فِي مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ فِي نِكَاحِ الْقُرَشِيَّاتِ، فَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِمَرْيَمَ وَلَا لِغَيْرِهَا مِمَّنِ انْقَضَى زَمَنُهُنَّ. قَوْلُهُ (صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ صُلَّحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ النَّفَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ. فَالْمَحْكُومُ لَهُ بِالْخَيْرِيَّةِ الصَّالِحَاتُ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ لَا عَلَى الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاحِ هُنَا صَلَاحُ الدِّينِ، وَحُسْنُ الْمُخَالَطَةِ مَعَ الزَّوْجِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (أَحْنَاهُ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ: أَكْثَرُهُ شَفَقَةً، وَالْحَانِيَةُ عَلَى وَلَدِهَا هِيَ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ يُتْمِهِمْ فَلَا تَتَزَوَّجُ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ ; وَجَاءَ الضَّمِيرُ مُذَكَّرًا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَحْنَاهُنَّ، وَكَأَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَالْجِنْسِ أَوِ الشَّخْصِ أَوِ الْإِنْسَانِ، وَجَاءَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خُلُقًا. بِالْإِفْرَادِ فِي الثَّانِي، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةٍ بِالْإِفْرَادِ فِي الثَّانِي أَيْضًا، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: لَا يَكَادُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إِلَّا مُفْرَدًا. قَوْلُهُ (عَلَى وَلَدِهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى وَلَدٍ بِلَا ضَمِيرٍ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى يَتِيمٍ وَفِي أُخْرَى عَلَى طِفْلٍ وَالتَّقْيِيدُ بِالْيُتْمِ وَالصِّغَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ، لِأَنَّ صِفَةِ الْحُنُوِّ عَلَى الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ لَهَا، لَكِنْ ذُكِرَتِ الْحَالَتَانِ لِكَوْنِهِمَا أَظْهَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ) أَيْ أَحْفَظُ وَأَصْوَنُ لِمَالِهِ بِالْأَمَانَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَةِ لَهُ وَتَرْكِ التَّبْذِيرِ فِي الْإِنْفَاقِ. قَوْلُهُ (فِي

стр. 5215

ذَاتِ يَدِهِ) أَيْ فِي مَالِهِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ أَيْ قَلِيلُ الْمَالِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى نِكَاحِ الْأَشْرَافِ خُصُوصًا الْقُرَشِيَّاتِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ نَسَبُهَا أَعْلَى تَأَكَّدَ الِاسْتِحْبَابِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْقُرَشِيَّاتِ لَيْسَ كُفْأً لَهُنَّ، وَفَضْلُ الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ وَحُسْنِ التَّرْبِيَةِ وَالْقِيَامِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَحِفْظِ مَالِ الزَّوْجِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِيهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ إِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ النَّفَقَاتِ بَيَانُ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ ١٣ - بَاب اتِّخَاذِ السَّرَارِيِّ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَة ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ٥٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ،، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ،، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ الْهَندَانِيُّ،، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ،، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ،، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ، فَعَلَّمَهَا، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ - يعني بِي -، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوك أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ، وَحَقَّ رَبِّهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: خُذْهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَهَا. ٥٠٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي ﷺ : " ح حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي ﷺ : "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ بَيْنَمَا إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ قَالَتْ كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَنِي هآجَرَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ" ٥٠٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ أُمِرَ بِالأَنْطَاعِ فَأَلْقَى فِيهَا مِنْ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَقَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ" قَوْلُهُ (بَابُ اتِّخَاذِ السَّرَارِيِّ) جَمْعُ سُرِّيَّةٍ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ وَقَدْ تُكْسَرُ السِّينِ أَيْضًا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّسَرُّرِ، وَأَصْلُهُ مِنَ السِّرِّ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجِمَاعِ، وَيُقَالُ لَهُ الِاسْتِسْرَارِ أَيْضًا، أَوْ أُطْلِقِ عَلَيْهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ يُكْتَمُ أَمْرُهَا عَنِ الزَّوْجَةِ. وَالْمُرَادُ بِالِاتِّخَاذِ الِاقْتِنَاءُ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ صَرِيحًا

стр. 5216

فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءَ مَرْفُوعًا: عَلَيْكُمْ بِالسَّرَارِيِّ فَإِنَّهُنَّ مُبَارَكَاتُ الْأَرْحَامِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: أَنْكِحُوا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكَمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِسْنَادُهُ أَصْلَحُ مِنَ الْأَوَّلِ. لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي التَّسَرِّي. قَوْلُهُ (وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) عَطَفَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الِاقْتِنَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ بَعْدَ التَّسَرِّي وَقَبْلَهُ، وَأَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ مُنْطَبِقٌ عَلَى هَذَا الشِّقِّ الثَّانِي. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ أَيْ أَمَةٌ، وَأَصْلُهَا مَا وُلِدَ مِنَ الْإِمَاءِ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ، ثُمَّ أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ أَمَةٍ. قَوْلُهُ (فَلَهُ أَجْرَانِ) ذَكَرَ مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُمْ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: مُتَزَوِّجُ الْأَمَةِ بَعْدَ عِتْقِهَا، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَالْمَمْلُوكِ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَرْبَعَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ فَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ كَالَّذِي هُنَا وَزَادَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ حَدِيثُ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، وَحَدِيثُ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الَّتِي تَتَصَدَّقُ عَلَى قَرِيبِهَا لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ الصِّلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي الْحَاكِمِ إِذَا أَصَابَ لَهُ أَجْرَانِ وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ ; وَحَدِيثُ جَرِيرٍ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ دَعَا إِلَى هُدَى وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ وَالثَّلَاثَةُ بِمَعْنًى وَهُنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الَّذِي تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَأَعَادَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَدْ يَحْصُلُ بِمَزِيدِ التَّتَبُّعِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَكُلُّ هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنْ لَا مَفْهُومَ لِلْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيدِ فَضْلِ مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا ابْتِدَاءً لِلَّهِ أَوْ لِسَبَبٍ. وَقَدْ بَالَغَ قَوْمٌ فَكَرِهُوهُ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الرَّاوِي الْمَذْكُورِ وَفِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبِيَّ فَقَالَ: إِنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ. فَقَالَ الشَّعْبِيُّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ: وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ لِلَّهِ فَلَا يَعُودُ فِيهَا وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِذَلِكَ بَأْسًا. قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَأَبُو حُصَيْنٍ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْكُوفِيِّينَ وَبِالْكُنَى. قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَصْدَقَهَا) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّزْوِيجِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَقَعَ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ سِوَى الْعِتْقِ، لَا كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ ثُبُوتَ الصَّدَاقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى بَلْ ظَاهِرُهَا أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ نَفْسَ الْمَهْرِ. وَقَدْ وَصَلَ طَرِيقَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ هَذِهِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظِ إِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ ثُمَّ أَمْهَرَهَا مَهْرًا جَدِيدًا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَتَعَانَى الْخِيَاطَةَ فِي وَقْتٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَالْقُرَّاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَأَحَدُ الرُّوَاةِ عَنْ عَاصِمٍ وَلَهُ اخْتِيَارٌ. وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَصَلَهُ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ

стр. 5217

وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَمْ يَقَعْ لِابْنِ حَزْمٍ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ الْحِمَّانِيِّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِهِ وَلَمْ يُصِبْ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، كَأَنَّهُ عَنَى فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ لَا فِي الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ اضْطِرَابًا لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ ذِكْرُ الْمَهْرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ لَا يَكُونُ نَفْسَ الصَّدَاقِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَلَيْسَ قَيْدًا فِي الْجَوَازِ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى بِحَذْفٍ عَنِ الَّتِي قَبْلَ أَبِي مُوسَى. الحديث الثاني. قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، مِصْرِيٌّ مَشْهُورٌ، وَكَذَا شَيْخُهُ، وَبَقِيَّةُ الْإِسْنَادِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ بَدَلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَلَى الصَّوَابِ لَكِنَّهُ سَاقَهُ هُنَاكَ مَوْقُوفًا، وَاخْتَلَفَ هُنَا الرُّوَاةُ: فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالنَّسَفِيِّ مَوْقُوفًا أَيْضًا، وَلِغَيْرِهِمَا مَرْفُوعًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ مَوْقُوفًا، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا لِلْبُخَارِيِّ مَوْقُوفًا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَظُنُّهُ الصَّوَابَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ مَعَ كَوْنِهَا نَازِلَةً، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتُ الرَّفْعِ، لَكِنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَقِفُ كَثِيرًا مِنْ حَدِيثِهِ تَخْفِيفًا. وَأَغْرَبَ الْمِزِّيُّ فَعَزَا رِوَايَةَ حَمَّادٍ هَذِهِ هُنَا إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ رُمَيْحٍ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَغَفَلَ عَنْ ثُبُوتِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الرُّوَاةِ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ حَتَّى فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ. فَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ ابْنِ رُمَيْحٍ. قَوْلُهُ (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ الْحَدِيثَ) سَاقَهُ مُخْتَصَرًا هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُطَابَقَةُ حَدِيثِ هَاجَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوْلَدَهَا بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا فَهِيَ سُرِّيَّةٌ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ صَرِيحًا فِي الصَّحِيحِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَنَّ سَارَّةَ مَلَكَتْهَا وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوْلَدَهَا إِسْمَاعِيلَ، وَكَوْنُهُ مَا كَانَ بِالَّذِي يَسْتَوْلِدُ أَمَةَ امْرَأَتِهِ إِلَّا بِمِلْكٍ مَأْخُوذٍ مِنْ خَارِجِ الْحَدِيثِ غَيْرِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ سَاقَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ فَاسْتَوْهَبَهَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ سَارَّةَ، فَوَهَبَتْهَا لَهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الْفَاكِهِيِّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ اسْتَوْهَبَ هَاجَرَ مِنْ سَارَّةَ فَوَهَبَتْهَا لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسِرَّهَا فَالْتَزَمَ ذَلِكَ، ثُمَّ غَارَتْ مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبَ فِي تَحْوِيلِهَا مَعَ ابْنِهَا إِلَى مَكَّةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ (أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا) الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ تَرَدُّدُ الصَّحَابَةِ فِي صَفِيَّةَ هَلْ هِيَ زَوْجَةٌ أَوْ سُرِّيَّةٌ فَيُطَابِقُ أَحَدَ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: دَلَّ تَرَدُّدُ الصَّحَابَةِ فِي صَفِيَّةَ هَلْ هِيَ زَوْجَةٌ أَوْ سُرِّيَّةٌ عَلَى أَنَّ عِتْقِهَا لَمْ يَكُنْ نَفْسَ الصَّدَاقِ، كَذَا قَالَ: وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ التَّرَدُّدَ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا زَوْجَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا ذُكِرَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ

стр. 5218

شُهُودٍ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ فِي تَزْوِيجِ صَفِيَّةَ شُهُودٌ لَمَا خَفِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ حَتَّى يَتَرَدَّدُوا، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا التَّزْوِيجَ غَيْرُ الَّذِينَ تَرَدَّدُوا، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ تَرَدَّدُوا فَذَلِكَ مَذْكُورٌ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ أَوَّلِ الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِتْقِ فِي الَّذِي بَعْدَهُ ١٣ - بَاب مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا ٥٠٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا) كَذَا أَوْرَدَهُ غَيْرَ جَازِمٍ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا صَحَّ الْعَقْدُ وَالْعِتْقُ وَالْمَهْرُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا أَيْ لَفْظُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهَا وَكَانَتْ مَعْلُومَةً فَتَزَوَّجَهَا بِهَا. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: سَبَى النَّبِيُّ ﷺ صَفِيَّةَ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ: مَا أَصْدَقَهَا قَالَ نَفْسَهَا، فَأَعْتَقَهَا. هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثٍ قَالَ وَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. فَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ الْمَجْهُولَ مَهْرًا هُوَ نَفْسُ الْعِتْقِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوَاعِدِ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مَجْهُولَةً، فَإِنَّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْسَ الْعِتْقِ الْمَهْرَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا مَعْنَاهُ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا، أَيْ لَمْ يُصْدِقْهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَمُ، وَلَمْ يَنْفِ أَصْلَ الصَّدَاقِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْمُرَابِطِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا: أَنَّهُ قَوْلُ أَنَسٍ، قَالَهُ ظَنًّا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرُبَّمَا تَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ - وَيُقَالُ أَمَةُ اللَّهِ - بِنْتُ رَزِينَةَ عَنِ أُمِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَمْهَرَهَا رَزِينَةَ، وَكَانَ أَتَى بِهَا مَسْبِيَّةً مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَهَذَا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ نَفْسِهَا قَالَتْ أَعْتَقَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ أَنَسًا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ. وَقَدْ خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مَا عَلَيْهِ كَافَّةُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ صَفِيَّةَ مِنْ سَبْيِ خَيْبَرَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ، فَلَزِمَهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْقَ يَحِلُّ مَحَلَّ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، قَالَ: وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ قَالَ وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ. وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبَاتِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ،

стр. 5219

قَالَ: وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا حَتَّى يَجْعَلَ لَهَا مَهْرًا سِوَى الْعِتْقِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، لَكِنْ لَعَلَّ مُرَادَ مَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ صُورَةُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَلَا سِيَّمَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُهَا لَهُ قِيمَتُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِعِتْقِهَا مَجَّانًا فَصَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنْ رَضِيَتْ وَتَزَوَّجَتْهُ عَلَى مَهْرٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَعَلَيْهَا لَهُ قِيمَتُهَا. فَإِنِ اتَّحَدَا تَقَاصَّا. وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ حِبَّانَ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الظَّاهِرُ مَعَ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَالْقِيَاسُ مَعَ الْآخَرِينَ ; فَيَتَرَدَّدُ الْحَالُ بَيْنَ ظَنٍّ نَشَأَ عَنْ قِيَاسٍ وَبَيْنَ ظَنٍّ نَشَأَ عَنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ مَعَ مَا تَحْتَمِلُهُ الْوَاقِعَةُ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَكِنْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِكَثْرَةِ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النِّكَاحِ، وَخُصُوصًا خُصُوصِيَّتَهُ بِتَزْوِيجِ الْوَاهِبَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْخَصَائِصِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَمَوْضِعُ الْخُصُوصِيَّةِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا مُطْلَقًا وَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَعْتِقَ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَتَقَرَّرَ اسْتِحَالَتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا إِمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ عِتْقِهَا وَهُوَ مُحَالٌ لِتَنَاقُضِ الْحُكْمَيْنِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حُكْمُهَا الِاسْتِقْلَالِ وَالرِّقُّ ضِدُّهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلِزَوَالِ حُكْمِ الْجَبْرِ عَنْهَا بِالْعِتْقِ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا تَرْضَى وَحِينَئِذٍ لَا تُنْكَحُ إِلَّا بِرِضَاهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا إِذَا جَعَلْنَا الْعِتْقَ صَدَاقًا فَإِمَّا أَنْ يَتَقَرَّرَ الْعِتْقُ حَالَةَ الرِّقِّ وَهُوَ مُحَالٌ لِتَنَاقُضِهِمَا، أَوْ حَالَةَ الْحُرِّيَّةِ فَيَلْزَمُ أَسْبَقِيَّتُهُ عَلَى الْعَقْدِ، فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْعِتْقِ حَالَةَ فَرْضِ عَدَمِهِ وَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ عَلَى الزَّوْجِ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا حُكْمًا حَتَّى تَمْلِكَ الزَّوْجَةُ طَلَبَهُ. فَإِنِ اعْتَلُّوا بِنِكَاحِ التَّفْوِيضِ فَقَدْ تَحَرَّزْنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا حُكْمًا، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَيْءٌ لَكِنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حَالَةَ الْعَقْدِ شَيْءٌ تُطَالِبُ بِهِ الزَّوْجَ، وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَتُعَقِّبَ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الصَّدَاقِ عَلَى شَرْطِ إِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ كَأَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُكِ عَلَى مَا سَيُسْتَحَقُّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ وَهُوَ كَذَا، فَإِذَا حَلَّ الْمَالُ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّتْهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَهُوَ مِمَّا يَتَأَيَّدُ بِهِ حَدِيثُ أَنَسٍ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا لَمَّا جَاءَتْ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجَكِ؟ قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهَا كِتَابَتَهَا أَنْ يَصِيرَ وَلَاؤُهَا لِمُكَاتِبِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا قَدْ فَعَلْتُ رَضِيتُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَوَّضَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ عَنْهَا فَصَارَتْ لَهُ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَمَا صَنَعَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، أَوْ يَكُونُ ثَابِتٌ لَمَّا بَلَغَتْهُ رَغْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهَبَهَا لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُ أَمَتَهُ إِذَا أَعْتَقَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ وَلَا حَاكِمٍ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ يَأْتِي فِي بَابِ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبُ بَعْدَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ بَابًا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَإِنْ قِيلَ ثَوَابُ الْعِتْقِ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ فَوَّتَهُ حَيْثُ جَعَلَهُ مَهْرًا؟ وَكَانَ يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَهْرِ غَيْرَهُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتُ مَلِكٍ، وَمِثْلُهَا لَا يَقْنَعُ إِلَّا بِالْمَهْرِ الْكَثِيرِ،

стр. 5220

وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ﷺ إِذْ ذَاكَ مَا يُرْضِيهَا بِهِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَقْتَصِرَ، فَجَعَلَ صَدَاقَهَا نَفْسَهَا، وَذَلِكَ عِنْدَهَا أَشْرَفُ مِنَ الْمَالِ الْكَثِيرِ. ١٤ - بَاب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٥٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي، قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ، قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ (بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ بَابُ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ الَّذِي مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ، وَعَلَّقَ هُنَاكَ حَدِيثَ سَهْلٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَبْسُوطًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ بَابًا. قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هُوَ تَعْلِيلٌ لِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْفَقْرَ فِي الْحَالِ لَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الْمَالِ فِي الْمَآلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ١٥ - بَاب الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ ٥٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدا بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

стр. 5221

﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ، ثُمَّ العَامِرِيِّ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ٥٠٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ قَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ" ٥٠٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" ٥٠٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ قَالَ ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا قَالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ فَقال رسول الله ﷺ : "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا" [الحديث ٥٠٩١ - طرفه في: ٦٤٤٧] قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ) جَمْعُ كُفْءٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ: الْمِثْلُ وَالنَّظِيرُ. وَاعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي الدِّينِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَا تَحِلُّ الْمُسْلِمَةُ لِكَافِرٍ أَصْلًا. قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ الْآيَةَ) قَالَ الْفَرَّاءُ: النَّسَبُ مَنْ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ، وَالصِّهْرُ مَنْ يَحِلُّ نِكَاحُهُ. فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا رَأَى الْحَصْرَ وَقَعَ بِالْقِسْمَيْنِ صَلُحَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ لِوُجُودِ الصَّلَاحِيَّةِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْكَافِرِ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ الْكَفَاءَةِ مُخْتَصٌّ بِالدِّينِ مَالِكٌ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَاعْتَبَرَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قُرَيْشٌ أَكْفَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَالْعَرَبُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ كُفْأً لِقُرَيْشٍ كَمَا لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ كُفْأً لِلْعَرَبِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ أَكْفَاءُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا نَكَحَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ بفسخ النِّكَاحُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ. وَتَوَسَّطَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ نِكَاحُ غَيْرِ الْأَكْفَاءِ حَرَامًا فَأَرُدُّ بِهِ النِّكَاحَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَقْصِيرٌ بِالْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَإِذَا رَضُوا صَحَّ وَيَكُونُ حَقًّا لَهُمْ تَرَكُوهُ، فَلَوْ رَضُوا إِلَّا وَاحِدًا فَلَهُ فَسْخُهُ.

стр. 5222

وَذَكَرَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ كَيْلَا تُضَيِّعَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ انْتَهَى. وَلَمْ يَثْبُتْ فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ بِالنَّسَبِ حَدِيثٌ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الْحَدِيثَ وَهُوَ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، لَكِنْ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ لِذَلِكَ نَظَرٌ، لَكِنْ ضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ حَدِيثَ قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ. وَنَقَلَ الْأَبْزَى، عَنِ الرَّبِيعِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الشَّافِعِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: أَنَا عَرَبِيٌّ لَا تَسْأَلْنِي عَنْ هَذَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ (أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ) اسْمُهُ مُهَشِّمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: هِشَامٌ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ خَالُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَوْلُهُ (تَبَنَّى) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بَعْدَهَا أَلِفٌ أَيِ اتَّخَذَهُ وَلَدًا، وَسَالِمٌ هُوَ ابْنُ مَعْقِلٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَلَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ وَإِنَّمَا كَانَ يُلَازِمُهُ، بَلْ كَانَ مِنْ حُلَفَائِهِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَكَانَ اسْتِشْهَادُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَالِمٍ جَمِيعًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. قَوْلُهُ (وَأَنْكَحَهُ) أَيْ زَوَّجَهُ (هِنْدًا) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مَالِكٍ فَاطِمَةَ فَلَعَلَّ لَهَا اسْمَيْنِ، وَالْوَلِيدُ ابْنُ عُتْبَةَ أَحَدُ مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ كَافِرًا، وَقَوْلُهُ بِنْتُ أَخِيهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ هُوَ الصَّحِيحُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَهُوَ غَلَطٌ. قَوْلُهُ (وَهُوَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. قَوْلُهُ (كَمَا تَبَنَّى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا) أَيِ ابْنَ حَارِثَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ بِذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ. قَوْلُهُ (فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ) بِضَمِّ أَوَّلِ يُعْلَمُ وَفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ (كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ) لَعَلَّ فِي هَذَا إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِمْ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَإِنَّ سَالِمًا لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْلَمُ لَهُ أَبٌ فَقِيلَ لَهُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. قَوْلُهُ (إِنَّا كُنَّا نَرَى) بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ نَعْتَقِدُ. قَوْلُهُ (سَالِمًا وَلَدًا) زَادَ الْبَرْقَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَيَرَانِي فُضُلًا وَفُضُلًا بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيْ مُتَبَذِّلَةً فِي ثِيَابِ الْمِهْنَةِ، يُقَالُ: تَفَضَّلَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَزَادَ وَكَانَتْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ الْخَلِيلُ رَجُلٌ فُضُلٌ مُتَوَشِّحٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْكَشِفٌ بَعْضُهَا. وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ: فُضُلٌ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ وَالصَّدْرِ، وَقِيلَ الْفُضُلُ الَّذِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَلَا إِزَارَ تَحْتَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: تَفَضَّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا إِذَا كَانَتْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَقَمِيصٍ لَا كُمَّيْنِ لَهُ. قَوْلُهُ (وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) أَيِ الْآيَةَ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلُ وَهِيَ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قَوْلُهُ (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) سَاقَ بَقِيَّتَهُ الْبَرْقَانِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ فَكَيْفَ تَرَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْضِعِيهِ، فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ إِخْوَتِهَا وَبَنَاتِ أَخَوَاتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةَ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ فَيَّاضِ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ فِيهِ مَعَ عُرْوَةَ، أَبُو عَائِذِ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَعَ عَائِشَةَ أُمُّ سَلَمَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي إِسْنَادِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ

стр. 5223

النَّسَائِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ بَكَّارٍ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ مُخْتَصَرًا كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ وَاخْتَصَرَ الْمَتْنَ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كَمَا تَرَى. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالذُّهْلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ عُقَيْلٍ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلٌ. وَخَالَفَ الْجَمِيعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عِنْدَنَا مَحْفُوظَةٌ إِلَّا رِوَايَةَ ابْنِ مُسَافِرٍ فَإنَّهَا غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ، أَيْ ذِكْرُ عَمْرَةَ فِي إِسْنَادِهِ، قَالَ: وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ مَعَ عُرْوَةَ لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا أَنَّنِي أَتَوَهَّمُ أَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، فَإنَّ أُمَّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَهُوَ ابْنُ أخْتِ عَائِشَةَ، كَمَا أَنَّ عُرْوَةَ ابْنُ أخْتِهَا، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ حَدِيثَيْنِ غَيْرَ هَذَا قَالَ: وَهُوَ بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَشْبَهُ حَيْثُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَنَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَأَمَّا قَوْلُ شُعَيْبٍ أَبِو عَائِذِ اللَّهِ فَهُوَ مَجْهُولٌ. قُلْتُ: لَعَلَّهَا كُنْيَةُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ نَقَلَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ قَوْلَ الذُّهْلِيِّ هَذَا وَأَقَرَّهُ، وَخَالَفَ فِي الْأَطْرَافِ فَقَالَ: أَظُنُّهُ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، يَعْنِي عَمَّ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ. وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ الذُّهْلِيِّ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، فَانَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِه مِنْ وَجْهٍ آخَرِ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَأَنَّ مَا عَدَاهُ تَصْحِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِهِمَا، فَفِي رِوَايَةٍ لِلْقَاسِمِ عِنْدَهُ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ: أَرْضِعِيهِ. فَقَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتِ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ. وَفِي لَفْظٍ: فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالِ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ. فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ زَيْنَبَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، فَقَالَتْ: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ، إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا. وَفِي رِوَايَةِ الْغُلَامِ الَّذِي قَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الرَّضَاعَةِ وَفِيهَا فَقَالَ: أَرَضِيعِهِ. قَالَتْ: إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ. فَقَالَ: أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ. قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً لِسَالِمٍ، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَأَيْتِنَا. قُلْتُ: وَهَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ حَفْصَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الرَّضَاعِ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي إِرْضَاعَ الْكَبِيرِ انْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيَّةِ بِنْتِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَبْوَابِ الْمُحْصَرِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَجِدُنِي أَيْ مَا أَجِدُ نَفْسِي وَاتِّحَادُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعَ كَوْنِهِمَا ضَمِيرَيْنِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْيَمِينِ فِي دَرَجِ الْكَلَامِ بِغَيْرِ قَصْدٍ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْمِرَ زَوْجَهَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ، كَذَا قِيلَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُهَا أَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا اسْتِئْذَانُهُ. قَوْلُهُ فِي

стр. 5224

آخِرِهِ (وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ) ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَانَّ الْمِقْدَادَ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ نُسِبَ إِلَى الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيِّ لِكَوْنِهِ تَبَنَّاهُ، فَكَانَ مِنْ حُلَفَاءِ قُرَيْشٍ، وَتَزَوَّجَ ضُبَاعَةَ وَهِيَ هَاشِمِيَّةٌ، فَلَوْلَا أَنَّ الْكَفَاءَةَ لَا تُعْتَبَرُ بِالنَّسَبِ، لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّهَا فَوْقَهُ فِي النَّسَبِ. وَلِلَّذِي يَعْتَبِرُ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهَا رَضِيَتْ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا فَسَقَطَ حَقُّهُمْ مِنَ الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ إِنْ ثَبَتَ أَصْلُ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ) أَيْ لِأَجْلِ أَرْبَعٍ. قَوْلُهُ (لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ أَيْ شَرَفِهَا، وَالْحَسَبُ فِي الْأَصْلِ الشَّرَفُ بِالْآبَاءِ وَبِالْأَقَارِبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَفَاخَرُوا عَدُّوا مَنَاقِبَهَمْ وَمَآثِرَ آبَائِهِمْ وَقَوْمِهِمْ وَحَسَبُوهَا فَيُحْكَمُ لِمَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَسَبِ هُنَا الْفِعَالُ الْحَسَنَةُ. وَقِيلَ الْمَالُ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِذِكْرِ الْمَالِ قَبْلَهُ وَذَكَرَهُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَلَى دِينِهَا وَمَالِهَا وَعَلَى حَسَبِهَا وَنَسَبِهَا وَذِكْرُ النَّسَبِ عَلَى هَذَا تَأْكِيدٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشَّرِيفَ النَّسِيبَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ نَسِيبَةً إِلَّا أَنْ تُعَارِضَ نَسِيبَةً غَيْرُ دَيِّنَةٍ وَغَيْرَ نَسِيبَةٍ دَيِّنَةٌ فَتُقَدَّمُ ذَاتُ الدِّينِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ قَرِيبَةٍ فَانْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى الْخَبَرِ فَلَا أَصْلَ لَهُ أَوْ إِلَى التَّجْرِبَةِ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْوَلَدَ بَيْنَ الْقَرِيبَيْنِ يَكُونُ أَحْمَقَ فَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ إِنَّ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا الَّذِي يَذْهَبُونَ إلَيْهِ الْمَالُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ حَسَبُ مَنْ لَا حَسَبَ لَهُ، فَيَقُومُ النَّسَبُ الشَّرِيفُ لِصَاحِبِهِ مَقَامَ الْمَالِ لِمَنْ لَا نَسَبَ لَهُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ رَفَعَهُ الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ مَنِ اعْتَبَرَ الْكَفَاءَةَ بِالْمَالِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، أَوْ أَنَّ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الدُّنْيَا رِفْعَةً مَنْ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ وَضِيعًا، وَضِعَةً مَنْ كَانَ مُقِلًّا وَلَوْ كَانَ رَفِيعَ النَّسَبِ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ، فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْحَدِيثِ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ بِالْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، لَا عَلَى الثَّانِي لِكَوْنِهِ سِيقَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَسَبِ اقْتَصَرَ عَلَى الدِّينِ وَالْمَالِ وَالْجَمَالِ. قَوْلُهُ (وَجَمَالِهَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ تَزَوُّجِ الْجَمِيلَةِ إِلَّا أَنْ تُعَارِضَ الْجَمِيلَةَ الْغَيْرُ دَيِّنَةٍ وَالْغَيْرَ جَمِيلَةٍ الدِّينَةُ، نَعَمْ لَوْ تَسَاوَتَا فِي الدِّينِ فَالْجَمِيلَةُ أَوْلَى، وَيَلْتَحِقُ بِالْحَسَنَةِ الذَّاتُ الْحَسَنَةُ الصِّفَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةَ الصَّدَاقِ. قَوْلُهُ (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّائِقَ بِذِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا سِيَّمَا فِيمَا تَطُولُ صُحْبَتُهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْصِيلِ صَاحِبَةِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْبُغْيَةِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ رَفَعَهُ لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ - أَيْ يُهْلِكَهُنَّ - وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ. قَوْلُهُ (تَرِبَتْ يَدَاكَ) أَيْ لَصِقَتَا بِالتُّرَابِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَقْرِ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، لَكِنْ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ، وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ، زَادَ غَيْرُهُ أَنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّ مُسْلِمٍ لَا يُسْتَجَابُ لِشَرْطِهِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ اسْتَغْنَتْ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَتْرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى وَتَرِبَ إِذَا افْتَقَرَ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْغِنَى النَّاشِئَ عَنِ الْمَالِ تُرَابٌ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الدُّنْيَا تُرَابٌ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ضَعُفَ عَقْلُكَ، وَقِيلَ افْتَقَرْتَ مِنَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ فِيهِ تَقْدِيرُ شَرْطٍ أَيْ وَقَعَ لَكَ ذَلِكَ

стр. 5225

إِنْ لَمْ تَفْعَلْ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقِيلَ مَعْنَى افْتَقَرَتْ حَابَتْ، وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ مَعْنَى تَرِبَتْ تَفَرَّقَتْ وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا صَارَتِ الشَّمْسُ كَالْأَثَارِبِ وَهُوَ جَمْعُ ثُرُوبٍ وَأَثْرُبٍ مِثْلُ فُلُوسٍ وَأَفْلُسٍ وَهِيَ جَمْعُ ثَرْبٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الْمُتَفَرِّقُ الَّذِي يَغْشَى الْكَرِشَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ هِيَ الَّتِي يُرْغَبُ فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِأَجْلِهَا، فَهُوَ خَبَرٌ عَمَّا فِي الْوُجُودِ مِنْ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُهُ إِبَاحَةُ النِّكَاحِ لِقَصْدِ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ قَصْدَ الدِّينِ أَوْلَى، قَالَ وَلَا يُظَنُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَ تُؤْخَذُ مِنْهَا الْكَفَاءَةُ أَيْ تَنْحَصِرُ فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَاءَةِ مَا هِيَ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَالِ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهَا بِذَلِكَ حَلَّ لَهُ وَإِلَّا فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ مَا بَذَلَ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ. وَلَمْ يَنْحَصِرْ قَصْدُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِأَجْلِ مَالِهَا فِي اسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ، بَلْ قَدْ يَقْصِدُ تَزْوِيجَ ذَاتِ الْغِنَى لِمَا عَسَاهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا مِنْ وَلَدٍ فَيَعُودُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالُ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ إِنْ وَقَعَ، أَوْ لِكَوْنِهَا تَسْتَغْنِي بِمَالِهَا عَنْ كَثْرَةِ مُطَالَبَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ نِسَاءٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَعْجَبُ مِنْهُ اسْتِدْلَالُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي مَالِهَا، قَالَ: لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَ لِأَجْلِ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهَا تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ سَهْلٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ. قَوْلُهُ (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ. قَوْلُهُ (مَرَّ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ قَوْلُهُ (حَرِيٌّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ. قَوْلُهُ (يُشَفَّعُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ. قَوْلُهُ (فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَفِي مُسْنَدِ الرُّويَانِيِّ وَفُتُوحِ مِصْرَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ومُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ جُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ. قَوْلُهُ (فَمَرَّ رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ الرِّقاقِ قَالَ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ. قَوْلُهُ (فَقَالَ) وَقَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى تَأْتِي فِي الرِّقَاقِ بِلَفْظِ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٌ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا وَكَأَنَّهُ جَمَعَ هُنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَالِسِينَ عِنْدَهُ كَانُوا جَمَاعَةً لَكِنِ الْمُجِيبُ وَاحِدٌ، وَقَدْ سَمَّى مِنَ الْمُجِيبِينَ أَبُو ذَرٍّ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ. قَوْلُهُ (أَنْ لَا يَسْمَعَ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الرِّقَاقِ أَنْ لَا يَسْمَعَ لِقَوْلِهِ. قَوْلُهُ (هَذَا) أَيِ الْفَقِيرُ (خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) أَيِ الْغَنِيُّ، وَمِلْءُ بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ فِي مِثْلِ النَّصْبُ وَالْجَرُّ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَافِرًا فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْوَحْيِ قُلْتُ: يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنَ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي سَتَأْتِي فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ بِلَفْظِ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِلَخْ فَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ أَطْلَقَ تَفْضِيلَ الْفَقِيرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْغَنِيِّ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ كُلِّ غَنِيٍّ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فَضْلَ الْفَقْرِ وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ١٦ - بَاب الْأَكْفَاءِ فِي الْمَالِ وَتَزْوِيجِ الْمُقِلِّ الْمُثْرِيَةَ ٥٠٩٢ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ، تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا فِي إِكْمَالِ

стр. 5226

الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ، قَالَتْ: وَاسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إِلَى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَهُمْ: أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَنَسَبِهَا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَأَخَذُوا غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ، قَالَتْ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا الْأَوْفَى فِي الصَّدَاقِ. قَوْلُهُ (بَابُ الْأَكْفَاءِ فِي الْمَالِ، وَتَزَوُّجِ الْمُقِلِّ الْمُثْرِيَةَ) أَمَّا اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ بِالْمَالِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ الْكَفَاءَةَ، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ وَالْمَالِ وَالنَّسَبِ. وَجَزَمَ بِاعْتِبَارِهِ أَبُو الطَّيِّبِ، وَالصَّيْمَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ. وَاعْتَبَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَخَصَّ الْخِلَافَ بِأَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى الْمُتَفَاخِرِينَ بِالنَّسَبِ دُونَ الْمَالِ. وَأَمَّا الْمُثْرِيَةُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الَّتِي لَهَا ثَرَاءٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمَدِّ وَهُوَ الْغَنِيُّ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ مِنْ عُمُومِ التَّقْسِيمِ فِيهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمُثْرِي وَالْمُقِلِّ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُثْرِيَةِ وَالْمُقِلَّةِ مِنَ النِّسَاءِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ يَشْتَرِطُهُ لِاحْتِمَالِ إِضْمَارِ رِضَا الْمَرْأَةِ وَرِضَا الْأَوْلِيَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَمَضَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ مَحْجُورَتَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا. وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقًّا فِي التَّزْوِيجِ لِأَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْأَوْلِيَاءَ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ١٧ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ ٥٠٩٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ، وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالْفَرَسِ. ٥٠٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ. ٥٠٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ. ٥٠٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرجال من النساء" قَوْلُهُ (بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ الْمَرْأَةِ) الشُّؤْمُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ وَقَدْ تُهْمَزُ وَهُوَ ضِدُّ الْيُمْنِ، يُقَالُ تَشَاءَمْتُ بِكَذَا وَتَيَمَّنْتُ بِكَذَا. قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى اخْتِصَاصِ

стр. 5227

الشُّؤْمِ بِبَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنَ التَّبْعِيضِ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَحَدِيثَ سَهْلٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا لَعَلَّهُ يُفَسِّرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمِ ثَلَاثَةٌ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ. وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةٌ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ: الْمَرْكَبُ الْهَنِيُّ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ: وَثَلَاثَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: الْمَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوؤكُ وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْكَ، وَالدَّابَّةُ تَكُونُ قَطُوفًا فَإِنْ ضَرَبْتَهَا أَتْعَبَتْكَ وَإِنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تَلْحَقْ أَصْحَابَكَ، وَالدَّارُ تَكُونُ ضَيِّقَةً قَلِيلَةَ الْمَرَافِقِ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ: إِنَّ مِنْ شَقَاءِ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا: سُوءَ الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّابَّةِ. وَفِيهِ: سُوءُ الدَّارِ ضِيقُ مِسَاحَتِهَا وَخُبْثُ جِيرَانِهَا. وَسُوءُ الدَّابَّةِ مَنْعُهَا ظَهْرَهَا وَسُوءُ طَبْعِهَا، وَسُوءُ الْمَرْأَةِ عُقْمُ رَحِمِهَا وَسُوءُ خُلُقِهَا. قَوْلُهُ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ مَعَ أُسَامَةَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ غَيْرَ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ. قَوْلُهُ (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَقِبَ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَهْلٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْآيَةِ فِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةً إِلَى تَخْصِيصِ الشُّؤْمِ بِمَنْ تَحْصُلُ مِنْهَا الْعَدَاوَةُ وَالْفِتْنَةُ، لَا كَمَا يَفْهَمُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ التَّشَاؤُمِ بِكَعْبِهَا أَوْ أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا سَبَبٌ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ عَلَى مَنْ يَنْسُبُ الْمَطَرَ إِلَى النَّوْءِ الْكُفْرَ فَكَيْفَ بِمَنْ يَنْسُبُ مَا يَقَعُ مِنَ الشَّرِّ إِلَى الْمَرْأَةِ مِمَّا لَيْسَ لَهَا فِيهِ مَدْخَلٌ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ مُوَافَقَةَ قَضَاءٍ وَقَدَرٍ فَتَنْفِرُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَتْرُكَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ نِسْبَةَ الْفِعْلِ إِلَيْهَا. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْفِتْنَةَ بِالنِّسَاءِ أَشَدُّ مِنَ الْفِتْنَةِ بِغَيْرِهِنَّ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فَجَعَلَهُنَّ مِنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ، وَبَدَأَ بِهِنَّ قَبْلَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُنَّ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ، وَيَقَعُ فِي الْمُشَاهَدَةِ حُبُّ الرَّجُلِ وَلَد مِنِ امْرَأَتِهِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ حُبِّهِ وَلَدَهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قِصَّةُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: النِّسَاءُ شَرٌّ كُلُّهُنَّ وَأَشَرُّ مَا فِيهِنَّ عَدَمُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُنَّ وَمَعَ أَنَّهَا نَاقِصَةُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ تَحْمِلِ الرَّجُلِ عَلَى تَعَاطِي مَا فِيهِ نَقْصُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ كَشَغْلِهِ عَنْ طَلَبِ أُمُورِ الدِّينِ وَحَمْلِهِ عَلَى التَّهَالُكِ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَشَدُّ الْفَسَادِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي اسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ. ١٨ - بَاب الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ٥٠٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: كَانَت فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ عَتَقَتْ، فَخُيِّرَتْ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ؟ فَقِيلَ: لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ.

стр. 5228

قَوْلُهُ (بَابُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ) أَيْ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ إِنْ رَضِيَتْ بِهِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ حَيْثُ خُيِّرَتْ حِينَ عَتَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ كَانَ عَبْدًا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ١٩ - بَاب لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵉: يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ ٥٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: هي الْيَتِيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَالِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، وَلَا يَعْدِلُ فِي مَالِهَا، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهَا؛ مَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَرُبَاعَ. قَوْلُهُ (بَابُ لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ أَمَّا حُكْمُ التَّرْجَمَةِ فَبِالْإِجْمَاعِ، إِلَّا قَوْلَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ مِنْ رَافِضِيٍّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا انْتِزَاعُهُ مِنَ الْآيَةِ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وَلِأَنَّ مَنْ قَالَ جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ أَرَادَ أَنَّهُمْ جَاءُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، فَالْمُرَادُ تَبْيِينُ حَقِيقَةِ مَجِيئِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِيئُوا جُمْلَةً وَلَا فُرَادَى، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْآيَةِ انْكِحُوا اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً، فَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ لَا الْمَجْمُوعُ، وَلَوْ أُرِيدَ مَجْمُوعُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ قَوْلُهُ مَثَلًا تِسْعًا أَرْشَقُ وَأَبْلَغُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَ مَثْنَى مَعْدُولٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَدَلَّ إِيرَادُهُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ لَا يُفِيدُ مَعَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْجَمْعِ، وَبِكَوْنِهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ تِسْعِ، مُعَارَضٌ بِأَمْرِهِ ﷺ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِمُفَارَقَةِ مَنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ كَمَا خَرَّجَ فِي كُتُبِ السُّنَنِ فَدَلَّ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ فَاطِرٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَنْوِيعُ الْأَعْدَادِ لَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَجْمُوعَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (يَعْنِي مَثْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ) أَرَادَ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، فَهِيَ لِلتَّنَوُّيعِ، أَوْ هِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى الْعَامِلِ وَالتَّقْدِيرِ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى، وَانْكِحُوا مَا طَابَ مِنَ النِّسَاءِ ثَلَاثَ إِلَخْ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ لِكَوْنِهِ مِنْ تَفْسِيرِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى قَوْلِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَ عِصْمَتَهَمْ. ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ وَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنَ الَّذِي هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ٢٠ - بَاب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ ٥٠٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ

стр. 5229

حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: نَعَمْ، الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ. ٥١٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَلَا تَتَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ قَالَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ وَقَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ" ٥١٠١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ فَقُلْتُ نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي فَقال النبي ﷺ : "إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي قُلْتُ فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ قَالَ عُرْوَةُ وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ قَالَ لَهُ مَاذَا لَقِيتَ قَالَ أَبُو لَهَبٍ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ" [الحديث ٥١٠١ - أطرافه في: ٥١٠٧، ٥١٠٦، ٥١٣٣، ٥٣٧٢] قَوْلُهُ (بَابُ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَثَلَاثُ تَرَاجِمَ بَعْدَهَا تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الرَّضَاعَةِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ كِتَابُ الرَّضَاعِ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَيَحْرُمُ إِلَخْ أَنَّ الَّذِي فِي الْآيَةِ بَيَانُ بَعْضِ مَنْ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدَيثُ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَتْنِ دُونَ الْقِصَّةِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ (وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) أَيْ بِنْتِ عُمَرَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ. قَوْلُهُ (أَرَاهُ) أَيْ أَظُنُّهُ. قَوْلُهُ (فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ) اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ عَمِّ حَفْصَةَ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا. قَوْلُهُ (قَالَتْ عَائِشَةُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ وَكَانَ السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ قُلْتُ. قَوْلُهُ (لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا، وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَفْلَحَ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ لِأَنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ وَالِدُ عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَمَّا أَفْلَحُ فَهُوَ أَخُوهُ وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ كَمَا سَيَأْتِي

стр. 5230

أَنَّهُ عَاشَ حَتَّى جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَتْ، وَقَوْلُهَا هُنَا لَوْ كَانَ حَيًّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَاتَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخًا لَهُمَا آخَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ظَنَّتْ أَنَّهُ مَاتَ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسْتَأْذَنَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا أَيْنَ هُوَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِيهِ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَالْأَوَّلُ ذَكَرَتْ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَالثَّانِي ذَكَرَتْ أَنَّهُ حَيٌّ؟ فَقَالَ: هُمَا عَمَّانِ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَحَدُهُمَا وُضِعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَتْ فِيهِ: لَوْ كَانَ حَيًّا، وَالْآخَرُ أَخُو أَبِيهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. قُلْتُ: الثَّانِي ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ حَسَنٌ مُحْتَمِلٌ، وَقَدِ ارْتَضَاهُ عِيَاضٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ لِكَوْنِهِ جَزَمَ بِهِ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: أَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ امْرَأَةُ أَخِي الَّذِي اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا. قُلْتُ: وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى ظَنٍّ وَلَا هُوَ مُشْكِلٌ، إِنَّمَا الْمُشْكِلُ كَوْنُهَا سَأَلَتْ عَنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فِي الثَّانِي، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ: هُمَا سُؤَالَانِ وَقَعَا مَرَّتَيْنِ فِي زَمَنَيْنِ عَنْ رَجُلَيْنِ، وَتَكَرَّرَ مِنْهَا ذَلِكَ؛ إِمَّا لِأَنَّهَا نَسِيَتِ الْقِصَّةَ الْأُولَى، وَإِمَّا لِأَنَّهَا جَوَّزَتْ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ فَأَعَادَتِ السُّؤَالَ. اهـ. وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ كَانَ قَبْلَ الْوُقُوعِ وَالثَّانِي بَعْدَ الْوُقُوعِ، فَلَا اسْتِبْعَادَ فِي تَجْوِيزِ مَا ذُكِرَ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ تَجْوِيزِ النَّسْخِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ أَحَدَ الْعَمَّيْنِ كَانَ أَعْلَى وَالْآخَرُ أَدْنَى، أَوْ أَحَدُهُمَا كَانَ شَقِيقًا وَالْآخَرُ لِأَبٍ فَقَطْ أَوْ لِأُمٍّ فَقَطْ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَةُ أَخِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالْآخَرُ فِي حَيَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ: حَدِيثُ عَمِّ حَفْصَةَ قَبْلَ حَدِيثِ عَمِّ عَائِشَةَ، وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ فِي الظَّاهِرِ لَا فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ عَمَّ حَفْصَةَ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَ عُمَرَ، فَالرَّضَاعَةُ فِيهِمَا مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، وَعَمَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ، كَانَتِ امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ أَرْضَعَتْهَا فَجَاءَ أَخُوهُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا فَأَبَتْ، فَأَخْبَرَهَا الشَّارِعُ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ. اهـ، فَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ عَمُّ عَائِشَةَ الَّذِي سَأَلَتْ عَنْهُ فِي قِصَّةِ عَمِّ حَفْصَةَ كَانَ نَظِيرَ عَمِّ حَفْصَةَ فِي ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سَأَلْتُ ثَانِيًا فِي قِصَّةِ أَبِي الْقُعَيْسِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ وَجَدَهُ مَنْقُولًا فَلَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ حَمْلٌ حَسَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ) أَيْ وَتُبِيحُ مَا تُبِيحُ، وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ، وَانْتِشَارِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ وَتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ الْأَقَارِبِ فِي جَوَازِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ وَالْمُسَافَرَةِ وَلَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَاقِي أَحْكَامُ الْأُمُومَةِ مِنَ التَّوَارُثِ وَوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَالشَّهَادَةِ وَالْعَقْلِ وَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ وَفِي رِوَايَةٍ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَالَ اللَّفْظَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْقِصَّةِ وَالسَّبَبِ وَالرَّاوِي، وَإِنَّمَا يَأْتِي مَا قَالَ إِذَا اتَّحَدَ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ مِنْ خَالٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ أَخٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْمُرْضِعَةِ وَزَوْجِهَا، يَعْنِي الَّذِي وَقَعَ الْإِرْضَاعُ بَيْنَ وَلَدِهِ مِنْهَا أَوِ السَّيِّدِ، فَتَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّهُ، وَأُمَّهَا لِأَنَّهَا جِدَّتُهُ فَصَاعِدًا، وَأُخْتَهَا لِأَنَّهَا خَالَتُهُ، وَبِنْتَهَا لِأَنَّهَا أُخْتُهُ، وَبِنْتَ بِنْتِهَا فَنَازِلًا؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ، وَبِنْتَ صَاحِبِ اللَّبَنِ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ، وَبِنْتَ بِنْتِهِ فَنَازِلًا لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ، وَأُمَّهُ فَصَاعِدًا لِأَنَّهَا جِدَّتُهُ، وَأُخْتَهُ لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ، وَلَا يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ قَرَابَةِ الرَّضِيعِ، فَلَيْسَتْ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ أُخْتًا لِأَخِيهِ وَلَا بِنْتًا لِأَبِيهِ إِذْ لَا رَضَاعَ بَيْنَهُمْ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا وَهُوَ اللَّبَنُ، فَإِذَا اغْتَذَى بِهِ الرَّضِيعُ صَارَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِمَا فَانْتَشَرَ التَّحْرِيمُ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ قَرَابَاتِ الرَّضِيعِ؛

стр. 5231

لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرْضِعَةِ وَلَا زَوْجِهَا نَسَبٌ وَلَا سَبَبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) هُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْبَصْرِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ فَأَوَّلُ اسْمِ أَبِيهِ تَحْتَانِيَّةٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ شَيْءٌ. قَوْلُهُ (قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْقَائِلُ لَهُ ذَلِكَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالَكَ تَنَوَّقُ فِي قُرَيْشٍ وَتَدْعُنَا؟ قَالَ: وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمِ ابْنَةُ حَمْزَةَ الْحَدِيثَ، وَقَوْلُهُ تَنَوَّقُ ضُبِطَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ تَخْتَارُ مُشْتَقٌّ مِنَ النِّيقَةِ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَهِيَ الْخِيَارُ مِنَ الشَّيْءِ يُقَالُ تَنَوَّقَ تَنَوُّقًا أَيْ بَالَغَ فِي اخْتِيَارِ الشَّيْءِ وَانْتِقَائِهِ. وَعِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ تَتُوقُ بِمُثَنَّاةِ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مِنَ التَّوْقِ أَيْ تَمِيلُ وَتَشْتَهِي، وَوَقَعَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَتَزَوَّجُ بِنْتَ عَمِّكَ حَمْزَةَ فَإِنَّهَا مِنْ أَحْسَنِ فَتَاةٍ فِي قُرَيْشٍ وَكَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ حَمْزَةَ رَضِيعُ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ جَوَّزَ الْخُصُوصِيَّةَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَبَعِيدٌ أَنْ يُقَالَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَعْلَمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) زَادَ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ مُطْلَقًا وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ لَا يَحْرُمْنَ، الْأُولَى: أُمُّ الْأَخِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا إِمَّا أُمٌّ وَإِمَّا زَوْجُ أَبٍ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْأَخَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى أَخِيهِ. الثَّانِيَةُ: أُمُّ الْحَفِيدِ. حَرَامٌ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهَا إِمَّا بِنْتٌ أَوْ زَوْجُ ابْنٍ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْحَفِيدَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى جَدِّهِ. الثَّالِثَةُ: جَدَّةُ الْوَلَدِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ لِأَنَّهَا إِمَّا أُمٌّ أَوْ أُمُّ زَوْجَةٍ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً أَرْضَعَتِ الْوَلَدَ فَيَجُوزُ لِوَالِدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. الرَّابِعَةُ: أُخْتُ الْوَلَدِ حَرَامٌ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهَا بِنْتٌ أَوْ رَبِيبَةٌ، وَفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْوَلَدَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْوَالِدِ. وَهَذِهِ الصُّوَرُ الْأَرْبَعُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْجُمْهُورُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَفِي التَّحْقِيقِ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَحْرُمْنَ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَإِنَّمَا حَرُمْنَ مِنْ جِهَةِ الْمُصَاهَرَةِ. وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أُمَّ الْعَمِّ وَأُمَّ الْعَمَّةِ وَأُمَّ الْخَالِ وَأُمَّ الْخَالَةِ فَإِنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ لَا فِي الرَّضَاعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَتْ ثُوَيْبَةُ - يَعْنِي الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ - أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا أَرْضَعَتْ حَمْزَةَ ثُمَّ أَرْضَعَتْ أَبَا سَلَمَةَ. قُلْتُ: وَبِنْتُ حَمْزَةَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَتَسْمِيَتُهَا فِي كِتَابِ الْمَغَازِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ فَتَبِعَتْهُمْ بِنْتُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمُّ الْحَدِيثَ. وَجُمْلَةُ مَا تَحَصَّلَ لَنَا مِنَ الْخِلَافِ فِي اسْمِهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أُمَامَةُ وَعِمَارَةُ وَسَلْمَى وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ وَأَمَةُ اللَّهِ وَيَعْلَى، وَحَكَى الْمِزِّيُّ فِي أَسْمَائِهَا أُمَّ الْفَضْلِ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ بَشْكُوَالَ بِأَنَّهَا كُنْيَةٌ. الحديث الثالث: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَهِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ (انْكِحْ أُخْتِي) أَيْ تَزَوَّجْ. قَوْلُهُ (بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حَمْنَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: أَصْنَعُ مَاذَا؟ قَالَتْ: تَنْكِحُهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ فَأَفْعَلُ مَاذَا؟ وَفِيهِ شَاهِدٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ عَلَى مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ مِنَ النُّحَاةِ. وَعِنْدَ أَبِي مُوسَى فِي الذَّيْلِ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ

стр. 5232

فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ، وَقَالَا: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَهُوَ كَمَا قَالَا قَدْ أَخْرَجَهُ عَنْهُ لَكِنْ حُذِفَ هَذَا الِاسْمُ وَكَأَنَّهُ عَمْدًا، وَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَذَفَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْهَا ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ دُرَّةٌ وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ، وَجَزَمَ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ اسْمَهَا حَمْنَةُ كَمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ، وَقَالَ عِيَاضٌ. لَا نَعْلَمُ لِعَزَّةَ ذِكْرًا فِي بَنَاتِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الْأَشْهَرُ فِيهَا عَزَّةُ. قَوْلُهُ (أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ)؟ هُوَ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ كَوْنِهَا تَطْلُبُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا مَعَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ. قَوْلُهُ (لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَخْلَى يُخْلِي، أَيْ لَسْتُ بِمُنْفَرِدَةٍ بِكَ وَلَا خَالِيَةٍ مِنْ ضَرَّةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِوَزْنِ فَاعِلِ الْإِخْلَاءِ مُتَعدِّيًا وَلَازِمًا، مِنْ أَخْلَيْتُ بِمَعْنَى خَلَوْتُ مِنَ الضَّرَّةِ، أَيْ لَسْتُ بِمُتَفَرِّغَةٍ وَلَا خَالِيَةٍ مِنْ ضَرَّةٍ، وَفِي بَعْضِ الرَّوِايَّاتِ بِفَتْحِ اللَّامِ بِلَفْظِ الْمَفْعُولِ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ. وَقَالَ عِيَاضٌ: مُخْلِيَةٌ أَيْ مُنْفَرِدَةٌ يُقَالُ أَخْلِ أَمَرَكَ وَأَخْلُ بِهِ أَيِ انْفَرِدْ بِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: مَعْنَاهُ لَمْ أَجِدْكَ خَالِيًا مِنَ الزَّوْجَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمُ امْرَأَةٌ مُخْلِيَةٌ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْأَزْوَاجِ. قَوْلُهُ (وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ أَيْ إِلَيَّ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا مَنْ شَرِكَنِي بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ. قَوْلُهُ (فِي خَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْكِيرِ أَيْ أَيُّ خَيْرٍ كَانَ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فِي الْخَيْرِ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ صُحْبَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمُتَضَمِّنَةُ لِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ السَّاتِرَةُ لِمَا لَعَلَّهُ يَعْرِضُ مِنَ الْغَيْرَةِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أخي فَعَرَفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ ذَاتُهُ ﷺ . قَوْلُهُ (فَإِنَّا نُحَدَّثُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ بَلَغَنِي وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ إِنَّا لِنَتَحَدَّثُ وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرْتُ. قَوْلُهُ (أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْآتِيَةِ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ وَلَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِ مَنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمَرَاسِيلِ. قَوْلُهُ (بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْآتِيَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ عِرَاكٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عِيَاضٌ وَخَطَّأَهَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ دُرَّةُ أَوْ ذَرَّةُ عَلَى الشَّكِّ، شَكَّ زُهَيْرٌ رَاوِيَةً عَنْ هِشَامٍ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى خَطَئِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى فِي ذَيْلِ الْمَعْرِفَةِ حَمْنَةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَوْلُهُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ هُوَ اسْتِفْهَامُ اسْتِثْبَاتٍ لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ، أَوِ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَيَكُونُ تَحْرِيمُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهَا فَمِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَكَأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَإِمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، وَظَنَّتْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَذَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتَدَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ حَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ وَالْأُخْتَ حَرُمَتْ فِي صُورَةِ الْجَمْعِ فَقَطْ، فَأَجَابَهَا ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَأَنَّ الَّذِي بَلَغَهَا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ. قَوْلُهُ (لَوْ أَنَّهَا لَمْ

стр. 5233

تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ عَلَّلَ تَحْرِيمَهَا بِكَوْنِهَا رَبِيبَةً وَبِكَوْنِهَا بِنْتَ أَخٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَ بِهَا مَانِعٌ وَاحِدٌ لَكَفَى فِي التَّحْرِيمِ فَكَيْفَ وَبِهَا مَانِعَانِ فَلَيْسَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَصْفَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ فَإِمَّا أَنْ يَتَعَاقَبَا فَيُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا كَمَا فِي السَّبَبَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَمِثَالُهُ لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَحْدَثَ بِغَيْرِ تَخَلُّلِ طَهَارَةٍ فَالْحَدَثُ الثَّانِي لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا أَوْ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى الثَّانِي كَمَا فِي اجْتِمَاعِ السَّبَبِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَقَدْ يُضَافُ إِلَى أَشْبَهِهِمَا وَأَنْسَبِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَمِ الثَّانِيَ، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يُضَافُ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ يُوجَدُ فَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمَجْمُوعِ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فَلَا تَجْتَمِعُ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ وَفِيهَا خِلَافٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالرَّبِيبَةِ أَشَدُّ مِنَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعَةِ. وَقَوْلُهُ رَبِيبَتِي أَيْ بِنْتُ زَوْجَتِي، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرَّبِّ وَهُوَ الْإِصْلَاحُ لِأَنَّهُ يَقُومُ بِأَمْرِهَا، وَقِيلَ مِنَ التَّرْبِيَةِ. وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ، وَقَوْلُهُ فِي حِجْرِي رَاعَى فِيهِ لَفْظَ الْآيَةِ وَإِلَّا فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ. وَفِي رِوَايَةِ عِرَاكٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ لَوْ أَنِّي لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي فَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهَا فِي الْحَجْرِ أَوْ لَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَالَّذِينَ زَادُوا فِيهَا لَفْظَ فِي حِجْرِي حُفَّاظٌ أَثَبَاتٌ. قَوْلُهُ (أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ) أَيْ أَرْضَعَتْ أَبَا سَلَمَةَ، وَهُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ (ثُوَيْبَةُ) بِمُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، كَانَتْ مَوْلَاةً لِأَبِي لَهَبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ (فَلَا تَعْرِضْنَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ عَلَى الْخِطَابِ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ خِطَابٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ وَحْدَهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ بِضَمِّ الضَّادِ فِي بَعْضِ الْأُمَّهَاتِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَهُوَ الْأَبْيَنُ فَهُوَ بِسُكُونِ الضَّادِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَوْ أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ التَّأْكِيدَ فَشَدَّدْتَ النُّونَ لَكَانَ تَعْرِضَنَانِّ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ ثَلَاثُ نُونَاتٍ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُنَّ بِأَلِفٍ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِأُمِّ حَبِيبَةَ خَاصَّةً فَتَكُونُ الضَّادُ مَكْسُورَةً وَالنُّونُ مُشَدَّدَةً. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ. جَاءَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ لِاثْنَيْنِ وَهُمَا أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ رَدْعًا وَزَجْرًا أَنْ تَعُودَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا كَمَا لَوْ رَأَى رَجُلٌ امْرَأَةً تُكَلِّمُ رَجُلًا فَقَالَ لَهَا أَتُكَلِّمِينَ الرِّجَالَ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ شَائِعٌ، وَكَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ مِنَ الْأَخَوَاتِ قَرِيبَةُ زَوْجُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَقَرِيبَةُ الصُّغْرَى زَوْجُ عُمَرَ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَزَّةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَلَهَا مِنَ الْبَنَاتِ زَيْنَبُ رَاوِيَةُ الْخَبَرِ، وَدُرَّةُ الَّتِي قِيلَ إِنَّهَا مَخْطُوبَةٌ. وَكَانَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ الْأَخَوَاتِ هِنْدٌ زَوْجُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ، وَجُوَيْرِيَةُ زَوْجُ السَّائِبِ بْنِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَأُمَيْمَةُ زَوْجُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأُمُّ الْحَكَمِ زَوْجُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، وَصَخْرَةُ زَوْجُ سَعِيدِ بْنِ الْأَخْنَسِ، وَمَيْمُونَةُ زَوْجُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. وَلَهَا مِنَ الْبَنَاتِ حَبِيبَةُ وَقَدْ رَوَتْ عَنْهَا الْحَدِيثَ وَلَهَا صُحْبَةٌ وَكَانَ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَخَوَاتِ أُمُّ كُلْثُومٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَتَا زَمْعَةَ أُخْتَا سَوْدَةَ، وَأَسْمَاءُ أُخْتُ عَائِشَةَ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ عُمَرَ أُخْتُ حَفْصَةَ وَغَيْرُهُنَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (قَالَ عُرْوَةُ) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ عَلَّقَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْهُ فِي آخِرِ النَّفَقَاتِ فَقَالَ قَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الذُّهْلِيِّ،

стр. 5234

عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِإِسْنَادِهِ. قَوْلُهُ (وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ) قُلْتُ: ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ إِسْلَامَهَا غَيْرَهُ، وَالَّذِي فِي السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكْرِمُهَا، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، وَكَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهَا الصِّلَةَ مِنَ الْمَدِينَةِ، إِلَى أَنْ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ مَاتَتْ وَمَاتَ ابْنُهَا مَسْرُوحٌ. قَوْلُهُ (وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ظَاهِرُهُ أَنَّ عِتْقَهُ لَهَا كَانَ قَبْلَ إِرْضَاعِهَا، وَالَّذِي فِي السِّيَرِ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ أَعْتَقَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ الْإِرْضَاعِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا أَنَّ عِتْقَهَا كَانَ قَبْلَ الْإِرْضَاعِ، وَسَأَذْكُرُ كَلَامَهُ. قَوْلُهُ (أُرِيَهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ (بَعْضُ أَهْلِهِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ النَّائِبُ عَنِ الْفَاعِلِ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي بَعْدَ حَوْلٍ فِي شَرِّ حَالٍ فَقَالَ: مَا لَقِيتُ بَعْدَكُمْ رَاحَةً، إِلَّا أَنَّ الْعَذَابَ يُخَفَّفُ عَنِّي كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ بَشَّرَتْ أَبَا لَهَبٍ بِمَوْلِدِهِ فَأَعْتَقَهَا. قَوْلُهُ (بِشَرِّ حِيبَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ سُوءُ حَالٍ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: أَصْلُهَا الْحَوْبَةُ وَهِيَ الْمَسْكَنَةُ وَالْحَاجَةُ، فَالْيَاءُ فِي حِيبَةٍ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغْوِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ فِي حَالَةٍ خَائِبَةٍ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرْوَى بِالْمُعْجَمَةِ، وَوَجَدَتْهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَحَكَى فِي الْمَشَارِقِ عَنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِالْجِيمِ وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا، وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا قَالَ. قَوْلُهُ (مَاذَا لَقِيتَ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَوْلُهُ (لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ، غَيْرَ أَنِّي) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَخَاءً وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَاحَةً قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَقَطَ الْمَفْعُولُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ. قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنِّي سَقَيْتُ فِي هَذِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِالْحَذْفِ أَيْضًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورَةِ وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَةِ الَّتِي تَحْتَ إِبْهَامِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا مِنَ الْأَصَابِعِ وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ. . كَذَا مِثْلُهُ بِلَفْظِ يَعْنِي النُّقْرَةَ إِلَخْ وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ مَا سُقِيَ مِنَ الْمَاءِ. قَوْلُهُ (بِعَتَاقَتِي) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِعِتْقِي وَهُوَ أَوْجَهُ وَالْوَجْهُ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِإِعْتَاقِي، لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّخْلِيصُ مِنَ الرِّقِّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْآخِرَةِ ; لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وَأُجِيبَ أَوَّلًا بِأَنَّ الْخَبَرَ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ عُرْوَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَالَّذِي فِي الْخَبَرِ رُؤْيَا مَنَامٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَثَانِيًا عَلَى تَقْدِيرِ الْقَبُولِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَخْصُوصًا مِنْ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْهُ فَنُقِلَ مِنَ الْغَمَرَاتِ إِلَى الضَّحْضَاحِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَا وَرَدَ مِنْ بُطْلَانِ الْخَيْرِ لِلْكُفَّارِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُ لَهُمُ التَّخَلُّصُ مِنَ النَّارِ وَلَا دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْجَرَائِمِ سِوَى الْكُفْرِ بِمَا عَمِلُوهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ. وَأَمَّا عِيَاضٌ فَقَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَنْفَعُهُمْ أَعْمَالُهُمْ وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيفِ عَذَابٍ ; وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ بَعْضٍ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَرُدُّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَنْبِ الْكُفْرِ، وَأَمَّا ذَنْبُ غَيْرِ الْكُفْرِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَخْفِيفِهِ؟ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا التَّخْفِيفُ

стр. 5235

خَاصٌّ بِهَذَا وَبِمَنْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: هُنَا قَضِيَّتَانِ إِحْدَاهُمَا مُحَالٌ وَهِيَ اعْتِبَارُ طَاعَةِ الْكَافِرِ مَعَ كُفْرِهِ، لِأَنَّ شَرْطَ الطَّاعَةِ أَنْ تَقَعَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ، وَهَذَا مَفْقُودٌ مِنَ الْكَافِرِ. الثَّانِيَةُ إِثَابَةُ الْكَافِرِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِتْقُ أَبِي لَهَبٍ لِثُوَيْبَةَ قُرْبَةً مُعْتَبَرَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ، وَالْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيفِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. قُلْتُ: وَتَتِمَّةُ هَذَا أَنْ يَقَعَ التَّفَضُّلُ الْمَذْكُورُ إِكْرَامًا لِمَنْ وَقَعَ مِنَ الْكَافِرِ الْبِرُّ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢١ - بَاب مَنْ قَالَ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ ٥١٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَشْعَثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي، فَقَالَ: انْظُرْنَ ما إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ. قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ قَالَ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ، لِقَوْلِهِ ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ أَيِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِكُلٍّ مِنَ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ غَرِيبٌ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا تَقْدِيرُ مُدَّةِ أَقَلِّ الْحَمْلِ وَأَكْثَرِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَإِلَى ذَلِكَ صَار أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ إِنَّ أَقْصَى الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةٌ تُوَافِقُ قَوْلَ الْحَنَفِيَّةِ لَكِنَّ مَنْزَعَهَمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ مُدَّةً يُدْمِنُ الطِّفْلُ فِيهَا عَلَى الْفِطَامِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُفْطَمُ دَفْعَةً وَاحِدَةً بَلْ عَلَى التَّدْرِيجِ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَاتٍ، فَلِلْأَيَّامِ الَّتِي يُحَاوَلُ فِيهَا فِطَامُهُ حُكْمُ الْحَوْلَيْنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ قِيلَ يُغْتَفَرُ نِصْفُ سَنَةٍ، وَقِيلَ شَهْرَانِ، وَقِيلَ شَهْرٌ وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ، وَقِيلَ شَهْرٌ، وَقِيلَ لَا يُزَادُ عَلَى الْحَوْلَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ. وَقَالَ غَيْرُ الْهَيْثَمِ يُوقِفُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَعِنْدَهُمْ مَتَى وَقَعَ الرَّضَاعُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَوِ ابْتَدَأَ الْوَضْعُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ جُبِرَ الْمُنْكَسِرُ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَقَالَ زُفَرُ: يَسْتَمِرُّ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ إِذَا كَانَ يَجْتَزِئُ بِاللَّبَنِ وَلَا يَجْتَزِئُ بِالطَّعَامِ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ يَجْتَزِئُ بِاللَّبَنِ، وَحَكَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُفْطَمَ، فَمَتَى فُطِمَ وَلَوْ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فَمَا رَضَعَ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ رَضَاعًا. قَوْلُهُ (وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ) هَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ الْوَارِدِ فِي الْأَخْبَارِ مِثْلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُحَرِّمُ مَا زَادَ عَلَى الرَّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَعَنْ حَفْصَةَ كَذَلِكَ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا سَبْعُ رَضَعَاتٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا،

стр. 5236

وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ لَا يُحَرِّمُ دُونَ سَبْعِ رَضَعَاتٍ أَوْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا خَمْسُ رَضَعَاتٍ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْهَا كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهَا قَالَتْ: لَا يُحَرِّمُ دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ - إِلَّا ابْنَ حَزْمٍ - إِلَى أَنَّ الَّذِي يُحَرِّمُ ثَلَاثُ رَضَعَاتٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُ، وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ. فَقَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا دَاوُدُ. وَيَخْرُجُ مِمَّا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ يَقُولُ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ وَالثَّلَاثُ، وَأَنَّ الْأَرْبَعَ هِيَ الَّتِي تُحَرِّمُ. وَالثَّابِتُ مِنَ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْخَمْسِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ. فَلَعَلَّهُ مِثَالٌ لِمَا دُونَ الْخَمْسِ، وَإِلَّا فَالتَّحْرِيمُ بِالثَّلَاثِ فَمَا فَوْقَهَا إِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ بِالْمَفْهُومِ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُخَرَّجِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْخَمْسُ، فَمَفْهُومُ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُ، وَمَفْهُومُ خَمْسِ رَضَعَاتٍ أَنَّ الَّذِي دُونَ الْأَرْبَعِ لَا يُحَرِّمُ فَتَعَارَضَا، فَيَرْجِعُ إِلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ، وَحَدِيثُ الْخَمْسِ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، وَحَدِيثُ الْمَصَّتَانِ جَاءَ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، لَكِنْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ؛ لِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ عَنِ الزُّبَيْرِ أَوْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ. لَكِنْ لَمْ يَقْدَحْ الِاضْطِرَابُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ زَوْجِ الْعَبَّاسِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ لَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهَا: لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ أَنَصُّ مَا فِي الْبَابِ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وُصُولُهُ إِلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ، وَقَوَّى مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْأَخْبَارِ اخْتَلَفَتْ فِي الْعَدَدِ، وَعَائِشَةُ الَّتِي رَوَتْ ذَلِكَ قَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهَا فِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَيُعَضِّدُهُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ مَعْنًى طَارِئٌ يَقْتَضِي تَأْيِيدَ التَّحْرِيمِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالصِّهْرِ، أَوْ يُقَالُ مَائِعٌ يَلِجُ الْبَاطِنَ فَيُحَرِّمُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْمَنِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ لَا يَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ قَوْلَيِ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَالرَّاوِي رَوَى هَذَا عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ لَا خَبَرٌ فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا وَلَا ذَكَرَ الرَّاوِي أَنَّهُ خَبَرٌ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (عَنِ الْأَشْعَثِ) هُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ وَاسْمُهُ سَلِيمُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ. قَوْلُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَأَظُنُّهُ ابْنًا لِأَبِي الْقُعَيْسِ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ رَضِيعُ عَائِشَةَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَذَا تَابِعِيٌّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَكَأَنَّ أُمَّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَلَدَتْهُ فَلِهَذَا قِيلَ لَهُ رَضِيعُ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ (فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ) كَذَا فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَاضِيَةِ فِي الشَّهَادَاتِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا؟. قَوْلُهُ (فَقَالَتْ إِنَّهُ أَخِي) فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ بِدُونِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَشْعَثَ فَذَكَرَهَا، وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ جَمِيعًا عَنِ الْأَشْعَثِ. قَوْلُهُ (انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ إِخْوَانِكُنَّ وَهِيَ

стр. 5237

أَوْجَهٌ، وَالْمَعْنَى تَأَمَّلْنَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ رَضَاعٌ صَحِيحٌ بِشَرْطِهِ: مِنْ وُقُوعِهِ فِي زَمَنِ الرَّضَاعَةِ، وَمِقْدَارِ الِارْتِضَاعِ فَإِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ الرَّضَاعِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا وَقَعَ الرَّضَاعُ الْمُشْتَرَطُ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَعْنَاهُ انْظُرْنَ مَا سَبَبُ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ إِنَّمَا هِيَ فِي الصِّغَرِ حَتَّى تَسُدَّ الرَّضَاعَةُ الْمَجَاعَةَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي جَاعَ كَانَ طَعَامُهُ الَّذِي يُشْبِعُهُ اللَّبَنَ مِنَ الرَّضَاعِ لَا حَيْثُ يَكُونُ الْغِذَاءُ بِغَيْرِ الرَّضَاعِ. قَوْلُهُ (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) فِيهِ تَعْلِيلُ الْبَاعِثِ عَلَى إِمْعَانِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، لِأَنَّ الرَّضَاعَةَ تُثْبِتُ النَّسَبَ وَتَجْعَلُ الرَّضِيعَ مُحَرَّمًا. وَقَوْلُهُ مِنَ الْمَجَاعَةِ أَيِ الرَّضَاعَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْحُرْمَةُ، وَتَحِلُّ بِهَا الْخَلْوَةُ هِيَ حَيْثُ يَكُونُ الرَّضِيعُ طِفْلًا لِسَدِّ اللَّبَنِ جَوْعَتَهُ، لِأَنَّ مَعِدَتَهُ ضَعِيفَةٌ يَكْفِيهَا اللَّبَنُ وَيَنْبُتُ بِذَلِكَ لَحْمُهُ فَيَصِيرُ كَجُزْءٍ مِنَ الْمُرْضِعَةِ فَيَشْتَرِكُ فِي الْحُرْمَةِ مَعَ أَوْلَادِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا رَضَاعَةَ مُعْتَبَرَةٌ إِلَّا الْمُغْنِيَةَ عَنِ الْمَجَاعَةِ أَوِ الْمُطْعِمَةِ مِنَ الْمَجَاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ وَمِنْ شَوَاهِدِهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُحَرِّمُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَإِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ فَأَوْلَى مَا يُؤْخَذُ بِهِ مَا قَدَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ، وَهُوَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّغْذِيَةَ بِلَبَنِ الْمُرْضِعَةِ يُحَرِّمُ سَوَاءٌ كَانَ بِشُرْبٍ أَمْ أَكْلٍ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ، حَتَّى الْوَجُورُ وَالسَّعُوطُ وَالثَّرْدُ وَالطَّبْخُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَطْرُدُ الْجُوعِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فَيُوَافِقُ الْخَبَرَ وَالْمَعْنَى وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ. لَكِنِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْحُقْنَةَ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا إِنَّ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرِّمَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْتِقَامِ الثَّدْيِ وَمَصِّ اللَّبَنِ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ عَلِيُّ بْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِشْكَالٌ فِي الْتِقَامِ سَالِمٍ ثَدْيَ سَهْلَةَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، فَإِنَّ عِيَاضًا أَجَابَ عَنِ الْإِشْكَالِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهَا حَلَبَتْهُ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ثَدْيَهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ احْتِمَالٌ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ابْنَ حَزْمٍ، لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الرَّضَاعِ إِلَّا بِالْتِقَامِ الثَّدْيِ، لَكِنْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ عُفِيَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ. وَأَمَّا ابْنُ حَزْمٍ فَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ سَالِمٍ عَلَى جَوَازِ مَسِّ الْأَجْنَبِيِّ ثَدْيَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْتِقَامِ ثَدْيِهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَضِعَ مِنْهَا مُطْلَقًا ; وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَةَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي حَالِ الصِّغَرِ لِأَنَّهَا الْحَالُ الَّذِي يُمْكِنُ طَرْدَ الْجُوعِ فِيهَا بِاللَّبَنِ بِخِلَافِ حَالِ الْكِبَرِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ تَمَامُ الْحَوْلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَعَلَيْهِ دَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي قَوْلُهُ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ تَثْبِيتُ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ صَرِيحَةٍ فِي اعْتِبَارِ الرَّضَاعِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُسْتَغْنَى بِهِ الرَّضِيعُ عَنِ الطَّعَامِ بِاللَّبَنِ، وَيُعْتَضَدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَقْصَى مُدَّةِ الرَّضَاعِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ عَادَةً الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عَادَةً فَلَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا، إِذْ لَا حُكْمَ لِلنَّادِرِ وَفِي اعْتِبَارِ إِرْضَاعِ الْكَبِيرِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الْمَرْأَةِ بِارْتِضَاعِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا لِاطِّلَاعِهِ عَلَى عَوْرَتِهَا وَلَوْ بِالْتِقَامِهِ ثَدْيَهَا. قُلْتُ: وَهَذَا الْأَخِيرُ عَلَى الْغَالِبِ وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ الْتِقَامَ الثَّدْيِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ لَا تُفَرِّقُ فِي حُكْمِ الرَّضَاعِ بَيْنَ حَالِ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَتِهَا وَاحْتَجَّتْ هِيَ بِقِصَّةِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ اعْتِبَارَ مِقْدَارِ مَا يَسُدُّ الْجَوْعَةَ مِنْ لَبَنِ الْمُرْضِعَةِ لِمَنْ يَرْتَضِعُ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَضِعُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ نَصًّا فِي مَنْعِ اعْتِبَارِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَلَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ

стр. 5238

لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الرَّضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامَ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ لَوْ وَقَعَ رُتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَدْفَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ، فَلِهَذَا عَمِلَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ عَنْ دَاوُدَ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَكَذَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ، عَنْ دَاوُدَ أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُفِيدُ رَفْعَ الِاحْتِجَابِ مِنْهُ، وَمَالَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي نِسْبَةِ لِدَاوُدَ نَظَرٌ، فَإِنَّ ابْنَ حَزْمٍ ذَكَرَ عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ مَعَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَا نَقَلَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُمْ أَخْبَرُ بِمَذْهَبِ صَاحِبِهِمْ، وَإِنَّمَا الَّذِي نَصَرَ مَذْهَبَ عَائِشَةَ هَذَا وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ هُوَ ابْنُ حَزْمٍ وَنَقَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ ضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ رَجُلٌ لِعَطَاءٍ: إِنَّ امْرَأَةً سَقَتْنِي مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَمَا كَبِرْتُ أَفَأَنْكِحُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَانَتْ عَائِشَةَ تَأْمُرُ بِذَلِكَ بَنَاتِ أَخِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ: وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْآثَارِ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَسَاقَ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ حَفْصَةَ مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَهُوَ مِمَّا يَخُصُّ بِهِ عُمُومَ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ فِي آخَرِينَ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْقُرْطُبِيِّ حَيْثُ خَصَّ الْجَوَازَ بَعْدَ عَائِشَةَ بِدَاوُدَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ سَالِمٍ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا أَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ، وَقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قِصَّةَ سَالِمٍ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ فَدَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهَا، وَهُوَ مُسْتَنَدٌ ضَعِيفٌ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَأَخُّرِ إِسْلَامِ الرَّاوِي وَلَا صِغَرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَا رَوَاهُ مُتَقَدِّمًا، وَأَيْضًا فَفِي سِيَاقِ قِصَّةِ سَالِمٍ مَا يُشْعِرُ بِسَبْقِ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْحَوْلَيْنِ لِقَوْلِ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ حَيْثُ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَرْضِعِيهِ، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتِ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ، قَالَ: أَرْضِعِيهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الصِّغَرَ مُعْتَبَرٌ فِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ. وَمِنْهَا دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ بِسَالِمٍ وَامْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : مَا ترَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ أَصْلَ قِصَّةِ سَالِمٍ مَا كَانَ وَقَعَ مِنَ التَّبَنِّي الَّذِي أَدَّى إِلَى اخْتِلَاطِ سَالِمٍ بِسَهْلَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ الِاحْتِجَابُ وَمُنِعُوا مِنَ التَّبَنِّي شَقَّ ذَلِكَ عَلَى سَهْلَةَ فَوَقَعَ التَّرْخِيصُ لَهَا فِي ذَلِكَ لِرَفْعِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِلْحَاقَ مَنْ يُسَاوِي سَهْلَةَ فِي الْمَشَقَّةِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهَا فَتَنْفِي الْخُصُوصِيَّةَ وَيَثْبُتُ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ، لَكِنْ يُفِيدُ الِاحْتِجَاجَ. وَقَرَّرَهُ آخَرُونَ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الرَّضَاعَ لَا يُحَرِّمُ، فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصِّغَرِ خُولِفَ الْأَصْلُ لَهُ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَقِصَّةُ سَالِمٍ وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَطْرُقُهَا احْتِمَالُ الْخُصُوصِيَّةِ فَيَجِبُ الْوُقُوفُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَا. وَرَأَيْتُ بِخَطِّ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أَنَّهُ رَأَى فِي تَصْنِيفٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيلٍ الْأَنْدَلُسِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي أَنَّ عَائِشَةَ وَإِنْ صَحَّ عَنْهَا الْفُتْيَا بِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهَا إِدْخَالُ أَحَدٍ مِنَ الْأَجَانِبِ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، قَالَ تَاجُ الدِّينِ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدِي فِيهِ قَوْلٌ جَازِمٌ لَا مِنْ قَطْعٍ وَلَا مِنْ ظَنٍّ غَالِبٍ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ غَفْلَةٌ عَمَّا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ إِخْوَتِهَا وَبَنَاتِ أَخَوَاتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا وَيَرَاهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ صَرِيحٌ، فَأَيُّ ظَنٍّ غَالِبٍ وَرَاءَ هَذَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ

стр. 5239

دُخُولِ مَنِ اعْتَرَفَتِ الْمَرْأَةُ بِالرَّضَاعَةِ مَعَهُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ يَصِيرُ أَخًا لَهَا وَقَبُولُ قَوْلِهَا فِيمَنِ اعْتَرَفَتْ بِهِ، وَأَنَّ الزَّوْجَ يَسْأَلُ زَوْجَتَهُ عَنْ سَبَبِ إِدْخَالِ الرِّجَالِ بَيْتَهُ وَالِاحْتِيَاطِ فِي ذَلِكَ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَفِي قِصَّةِ سَالِمٍ جَوَازُ الْإِرْشَادِ إِلَى الْحِيَلِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَعَاطِي مَا يُحَصِّلُ الْحِلَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ حَلَالًا فِي الْحَالِ. ٢٢ - بَاب لَبَنِ الْفَحْلِ ٥١٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ. قَوْلُهُ (بَابُ لَبَنِ الْفَحْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ الرَّجُلِ، وَنِسْبَةُ اللَّبَنِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةٌ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِيهِ. قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) لِمَالِكٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَسِيَاقُهُ لِلْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ أَتَمُّ، وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ كِتَابِ الطَّلَاقِ. قَوْلُهُ (إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ) بِقَافٍ وَعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، عَنْ عُرْوَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسٍ وَالْمَحْفُوظُ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ أَبِيهِ قُعَيْسًا أَوِ اسْمُ جَدِّهِ فَنُسِبَ إِلَيْهِ فَتَكُونُ كُنْيَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَافَقَتِ اسْمَ أَبِيهِ أَوِ اسْمَ جَدِّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ فَإِنَّ أَخَا بَنِي الْقُعَيْسِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ مَضَى فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَفْلَحُ بْنُ أَبِي الْقُعَيْسِ، وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَبُو الْجَعْدِ قَالَ فَقَالَ لِي هِشَامٌ: إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْقُعَيْسِ. وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا أَبُو الْقُعَيْسِ وَسَائِرُ الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ قَالُوا أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَا قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ عُرْوَةَ. وَوَقَعَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا قُعَيْسٍ أَتَى عَائِشَةَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي قُعَيْسٍ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي اسْتَأْذَنَ هُوَ أَفْلَحُ وَأَبُو الْقُعَيْسِ هُوَ أَخُوهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كُلُّ مَا جَاءَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَهْمٌ إِلَّا مَنْ قَالَ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ أَوْ قَالَ أَبُو الْجَعْدِ لِأَنَّهَا كُنْيَةُ أَفْلَحَ. قُلْتُ: وَإِذَا تَدَبَّرْتَ مَا حَرَّرْتُ عَرَفْتَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَمْ يُخْطِئْ عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ أَبُو الْجَعْدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَفِظَ كُنْيَةَ أَفْلَحَ، وَأَمَّا اسْمُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا فِي كَلَامِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَالَ: هُوَ وَائِلُ بْنُ أَفْلَحَ الْأَشْعَرِيُّ، وَحَكَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثُمَّ حَكَى أَيْضًا أَنَّ اسْمَهُ الْجَعْدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَخُوهُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْقُعَيْسِ نُسِبِ لِجَدِّهِ وَيَكُونَ اسْمُهُ وَائِلَ بْنَ قُعَيْسِ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ الْقُعَيْسِ، وَأَخُوهُ أَفْلَحُ بْنُ قُعَيْسِ بْنُ أَفْلَحَ أَبُو الْجَعْدِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: لَا أَعْلَمُ لِأَبِي الْقُعَيْسِ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ (وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ وَهُوَ عَمِّي

стр. 5240

وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ أَخَا عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَوْلُهُ (فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ عِرَاكٍ الْمَاضِيَةِ فِي الشَّهَادَاتِ فَقَالَ أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ وَكَانَ أَبُو الْقُعَيْسِ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ (فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ يَدَاكِ أَوْ يَمِينُكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي بَابِ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ دَخَلَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَاسْتَتَرْتُ مِنْهُ فَقَالَ أَتَسْتَتِرِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي، قُلْتُ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ الْحَدِيثَ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا أَوَّلًا فَاسْتَتَرَتْ وَدَارَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ، ثُمَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا قَبِلَتْ قَوْلَهُ فَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْوَقْفُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مَرْفُوعَةً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الرَّضَاعِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ فَتَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ مَنِ ارْتَضَعَ الصَّغِيرُ بِلَبَنِهِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِنْتُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ مِنْ غَيْرِهَا مَثَلًا، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَزَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ نُبِّئْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا الرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا، وَقَالَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ، وَأَغْرَبَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَخْصِيصِهِمْ ذَلِكَ بِدَاوُدَ وَإِبْرَاهِيمَ مَعَ وُجُودِ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَمَّةَ وَلَا الْبِنْتَ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَبِ، وَأُجِيبُوا بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَنْفَصِلُ مِنَ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فَكَيْفَ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إِلَى الرَّجُلِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا كَالْجَدِّ لَمَّا كَانَ سَبَبُ الْوَلَدِ أَوْجَبَ تَحْرِيمُ وَلَدِ الْوَلَدِ بِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِوَلَدِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَطْءَ يُدِرُّ اللَّبَنَ فَلِلْفَحْلِ فِيهِ نَصِيبٌ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَابْنِ جُرَيْجٍ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ

стр. 5241

الصَّحِيحُ، وَأَلْزَمَ الشَّافِعِيُّ الْمَالِكِيَّةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِرَدِّ أَصْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ خَالَفَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إِذَا كَانَ مِنَ الْآحَادِ لِمَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ مِنْ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَهَذَا رَأْيُ فُقَهَائِنَا إِلَّا الزُّهْرِيِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْخَاصَّةِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ عَامًّا ظَاهِرًا مِنْ هَذَا، وَقَدْ تَرَكُوهُ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا إِمَّا أَنْ يَرُدُّوا هَذَا الْخَبَرَ وَهُمْ لَمْ يَرُدُّوهُ أَوْ يَرُدُّوا مَا خَالَفَ الْخَبَرَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ الْمَطْلُوبُ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: يُتَصَوَّرُ تَجْرِيدُ لَبَنِ الْفَحْلِ بِرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ تُرْضِعُ إِحْدَاهُمَا صَبِيًّا وَالْأُخْرَى صَبِيَّةً فَالْجُمْهُورُ قَالُوا يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ تَزْوِيجُ الصَّبِيَّةِ، وَقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ: يَجُوزُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى الرَّضَاعَ وَصَدَّقَهُ الرَّضِيعُ يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ أَفْلَحَ ادَّعَى وَصَدَّقَتْهُ عَائِشَةُ وَأَذِنَ الشَّارِعُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى أَفْلَحَ وَتَسْلِيمِ عَائِشَةَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ كَثِيرُهُ لِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فِيهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عَدَمَ الذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ الْمَحْضِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي حُكْمٍ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ حَتَّى يَسْأَلَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ، وَأَنَّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ طَالَبَ الْمُدَّعِي بِبَيَانِهِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمَا، وَأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ يُصَدِّقُ مَنْ قَالَ الصَّوَابَ فِيهَا. وَفِيهِ وُجُوبُ احْتِجَابِ الْمَرْأَةِ مِنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَمَشْرُوعِيَّةُ اسْتِئْذَانِ الْمَحْرَمِ عَلَى مَحْرَمِهِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّسْمِيَةِ بِأَفْلَحَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إِذَا بَادَرَ بِالتَّعْلِيلِ قَبْلَ سَمَاعِ الْفَتْوَى أَنْكَرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ لَهَا تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تَسْأَلَ عَنِ الْحُكْمِ فَقَطْ وَلَا تُعَلِّلَ، وَأَلْزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ مَنْ أَطْلَقَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا وَصَحَّ عَنْهُ ثُمَّ صَحَّ عَنْهُ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى، لِأَنَّ عَائِشَةَ صَحَّ عَنْهَا أَنْ لَا اعْتِبَارَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي السُّنَنِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَخَذَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَعَمِلُوا بِرِوَايَتِهَا فِي قِصَّةِ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ وَحَرَّمُوهُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوا عَمَلَ عَائِشَةَ وَيُعْرِضُوا عَنْ رِوَايَتِهَا، وَلَوْ كَانَ رَوَى هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ عَائِشَةَ لَكَانَ لَهُمْ مَعْذِرَةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهَا، وَهُوَ إِلْزَامٌ قَوِيٌّ. ٢٣ - بَاب شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ ٥١٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قالَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ، لَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ، وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. يَحْكِي أَيُّوبَ. قَوْلُهُ (بَابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ) أَيْ وَحْدَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا لَا تَجُوزُ فِي الرَّضَاعِ وَشِبْهِهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ

стр. 5242

مِنَ السَّلَفِ حَتَّى إِنَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةً أَنَّهَا تُقْبَلُ وَحْدَهَا لَكِنْ بِشَرْطِ فُشُوِّ ذَلِكَ فِي الْجِيرَانِ. قَوْلُهُ (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَعُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ مَكِّيٌّ مَا لَهُ فِي الصَّحِيحِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا أَعْرِفُ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا إِلَّا أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ ذَكَرَهُ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ فِي الشَّهَادَاتِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ عَلَى سَمَاعِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ لَهُ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ نَفْسِهِ، وَتَقَدَّمَ تَسْمِيَةُ الْمَرْأَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا هُنَا بِفُلَانَةَ بِنْتِ فُلَانٍ وَتَسْمِيَةُ أَبِيهَا، وَأَمَّا الْمُرْضِعَةُ السَّوْدَاءُ فَمَا عَرَفْتُ اسْمَهَا بَعْدُ. قَوْلُهُ (فَأَعْرَضَ عَنِّي) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ. قَوْلُهُ (دَعْهَا عَنْكَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِي أَيُّوبُ) يَعْنِي يَحْكِي إِشَارَةَ أَيُّوبَ، وَالْقَائِلُ عَلِيٌّ وَالْحَاكِي إِسْمَاعِيلُ، وَالْمُرَادُ حِكَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ بِلِسَانِهِ دَعْهَا عَنْكَ فَحَكَى ذَلِكَ كُلُّ رَاوٍ لِمَنْ دُونِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَدُ الرَّضَعَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَقْرِيرِ حُكْمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ، أَوْ بَعْدَ اشْتِهَارِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِهِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ أنَّ الْأَمْرَ بِفِرَاقِهَا لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُرْضِعَةِ بَلْ لِلِاحْتِيَاطِ أَنْ يَحْتَاطَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يُزَوِّجَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَمَنْ زَنَى بِهَا أَوْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ زَنَى بِهَا أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ أَوْ خُلِقَتْ مِنْ زِنَاهُ بِأُمِّهَا أَوْ شَكَّ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ بِصِهْرٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢٤ - بَاب مَا يَحِلُّ مِنْ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَقَالَ أَنَسٌ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ الْحَرَائِرُ حَرَامٌ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَقَالَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ فَهُوَ حَرَامٌ كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ. ٥١٠٥ - وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي حَبِيبٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَرُمَ مِنْ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَمِنْ الصِّهْرِ سَبْعٌ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ. وَجَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى الْكِنْدِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ وأَبِي جَعْفَرٍ فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ. وَيَحْيَى هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. وعن عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ، وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ

стр. 5243

حُصَيْنٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قال: يحْرُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ عليه حَتَّى يُلْزِقَ بِالْأَرْضِ، يَعْنِي: حتى يُجَامِعَ. وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا يحْرُمُ، وَهَذَا مُرْسَلٌ. قَوْلُهُ (بَابُ مَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ إِلَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ - ثُمَّ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ - ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَنَسٌ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ الْحَرَائِرِ حَرَامٌ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ جَارِيَةً (مِنْ عَبْدِهِ) وَصَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ الْحَرَائِرِ. ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَإِذَا هُوَ لَا يَرَى بِمَا مَلَكَ الْيَمِينُ بَأْسًا أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ مِنْ عَبْدِهِ فَيَطَأَهَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ التَّيْمِيِّ بِلَفْظِ ذَوَاتِ الْبُعُولِ وَكَانَ يَقُولُ بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ يَعْنِي أَنَّهُنَّ حَرَامٌ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الْمَسْبِيَّاتُ إِذَا كُنَّ مُتَزَوِّجَاتٍ فَإِنَّهُنَّ حَلَالٌ لِمَنْ سَبَاهُنَّ. قَوْلُهُ (وَقَالَ) أَيْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْآيَتَيْنِ فَذَكَرَ الْمُشْرِكَةَ وَقَدِ اسْتُثْنِيَتِ الْكِتَابِيَّةُ وَالزَّائِدَةُ عَلَى الرَّابِعَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي فِي قَوْلِ ابْنِ الْعَبَّاسِ الَّذِي بَعْدَهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ حَصْرَ مَا فِي الْآيَتَيْنِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ فَهُوَ حَرَامٌ كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَمَا زَادَ مِنْهُنَّ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَوْلُهُ (وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هَذَا فِيمَا قِيلَ أَخَذَهُ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمُذَاكَرَةِ أَوِ الْإِجَازَةِ، وَالَّذِي ظَهَرَ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي الْمَوْقُوفَاتِ، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا فِيهِ قُصُورٌ مَا عَنْ شَرْطِهِ، وَالَّذِي هُنَا مِنَ الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي آخِرِ الْمَغَازِي حَدِيثًا بِوَاسِطَةٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ عَنْهُ لِأَنَّهُ فِي رِحْلَتِهِ الْقَدِيمَةِ لَقِيَ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِ أَحْمَدَ فَاسْتَغْنَى بِهِمْ، وَفِي رِحْلَتِهِ الْأَخِيرَةِ كَانَ أَحْمَدُ قَدْ قَطَعَ التَّحْدِيثَ فَكَانَ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا نَادِرًا فَمِنْ ثَمَّ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ دُونَ أَحْمَدَ، وَسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَحَبِيبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ. قَوْلُهُ (حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَرُمَ عَلَيْكُمْ وَفِي لَفْظٍ حَرُمَتْ عَلَيْكُمْ. قَوْلُهُ (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فَإِنَّهَا آخِرُ الْآيَتَيْنِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هَذَا النَّسَبُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وَقَرَأَ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فَقَالَ: هَذَا الصِّهْرُ انْتَهَى، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ كَانَتِ الْجُمْلَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَفِي تَسْمِيَةِ مَا هُوَ بِالرَّضَاعِ صِهْرًا تَجَوُزُ، وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ الْغَيْرِ، وَجَمِيعُهُنَّ عَلَى التَّأْبِيدِ إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَامْرَأَةِ الْغَيْرِ، وَيَلْتَحِقُ بِمَنْ ذُكِرَ

стр. 5244

مَوْطُوءَةُ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا وَأُمُّ الْأُمِّ وَلَوْ عَلَتْ وَكَذَا أُمُّ الْأَبِ وَبِنْتُ الِابْنِ وَلَوْ سَفَلَتْ، وَكَذَا بِنْتُ الْبِنْتِ وَبِنْتُ بِنْتِ الْأُخْتِ وَلَوْ سَفَلَتْ، وَكَذَا بِنْتُ بِنْتُ الْأَخِ، وَبِنْتُ ابْنِ الْأَخِ والأخت، وَعَمَّةُ الْأَبِ وَلَوْ عَلَتْ وَكَذَا عَمَّةُ الْأُمِّ وَخَالَةُ الْأُمِّ وَلَوْ عَلَتْ، وَكَذَا خَالَةُ الْأَبِ وَجَدَّةُ الزَّوْجَةِ وَلَوْ عَلَتْ وَبِنْتُ الرَّبِيبَةِ وَلَوْ سَفَلَتْ وَكَذَا بِنْتُ الرَّبِيبِ وَزَوْجَةُ ابْنِ الِابْنِ وَابْنُ الْبِنْتِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَبَيَانُ مَا قِيلَ إِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَجَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ (بَيْنَ بِنْتِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى دَفْعِ مَنْ يَتَخَيَّلُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَطِيعَةِ فَيَطْرُدُهُ إِلَى كُلِّ قَرِيبَتَيْنِ وَلَوْ بِالصُّهَارَةِ فَمِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ زَوْجِهَا، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ قَالَ جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةُ عَلِيٍّ لَيْلَى بِنْتِ مَسْعُودٍ وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ لَيْلَى بِنْتُ مَسْعُودٍ النَّهْشَلِيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عَلِيٍّ، لِفَاطِمَةَ فَكَانَتَا امْرَأَتَيْهِ وَقَوْلُهُ لِفَاطِمَةَ أَيْ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي زَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى مَعَ بَقَاءِ لَيْلَى فِي عِصْمَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ. قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَابْنَتَهُ - أَيْ مِنْ غَيْرِهَا - قَالَ أَيُّوبُ: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَالَ: نُبِّئْتُ أَن رَجُلًا كَانَ بِمِصْرَ اسْمُهُ جَبَلَةَ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ رَجُلٍ وَبِنْتَهُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ يُقَالُ لَهُ جَبَلَةُ فَذَكَرَهُ قَوْلُهُ (وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ) وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي آخِرِ الْأَثَرِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ وَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ الْحَسَنَ إِذْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبِنْتِ وَامْرَأَةِ زَوْجِهَا فَكَرِهَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، هَلْ تَرَى بِهِ بَأْسًا؟ فَنَظَرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ. قَوْلُهُ (وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا وَزَادَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِنْتَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَبِنْتَ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُمَا وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَالشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَلَمْ يَنْسُبِ الْمَرْأَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَزَادَ فَأَصْبَحَ النِّسَاءُ لَا يَدْرِينَ أَيْنَ يَذْهَبْنَ. قَوْلُهُ (وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ) وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَحْوَهُ عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ. قَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ هَذَا مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ قَتَادَةُ قَبْلَهُ كَمَا تَرَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْطَلَ هَذَا النِّكَاحَ، قَالَ: وَكَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ بِدُخُولِ الْقِيَاسِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُحَرِّمَهُ، وَقَدْ أَشَارَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ لِلْقَطِيعَةِ أَيْ لِأَجْلِ وُقُوعِ الْقَطِيعَةِ بَيْنَهُمَا، لِمَا يُوجِبُهُ التَّنَافُسُ بَيْنَ الضَّرَّتَيْنِ فِي الْعَادَةِ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، بَلْ جَاءَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا فِي جَمِيعِ الْقَرَابَاتِ، فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ وَأَخْرَجَ الْخَلَّالُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ

стр. 5245

أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَرَابَةِ مَخَافَةَ الضَّغَائِنِ، وَقَدْ نُقِلَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعَنْ زُفَرَ أَيْضًا، وَلَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا. قَوْلُهُ (وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) هَذَا مَصِيرٌ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِذَا كَانَ الْجَمْعُ بِعَقْدِ التَّزْوِيجِ وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ قَالَ: تَخَطَّى حُرْمَةً إِلَى حُرْمَةٍ وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَبَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاوَزَ حُرْمَتَيْنِ إِلَى حُرْمَةٍ وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ كَمَا سَيَجِيءُ. قَوْلُهُ (وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى الْكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَابْنِ جَعْفَرٍ يَدُلُّ قَوْلُهُ وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نَصْرِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي كَالْجَمَاعَةِ، وَهَكَذَا وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى. قَوْلُهُ (وَيَحْيَى هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ) انْتَهَى وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ، رَوَى أَيْضًا عَنْ شُرَيْحٍ رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَشَرِيكٌ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَيْ غَيْرُ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ وَإِلَّا فَاسْمُ الْجَهَالَةِ ارْتَفَعَ عَنْهُ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ جَرْحًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ كَعَادَتِهِ فِيمَنْ لَمْ يُجَرَّحْ، وَالْقَوْلُ الَّذِي رَوَاهُ يَحْيَى هَذَا قَدْ نُسِبَ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَزَادَ: وَكَذَا لَوْ تَلَوَّطَ بِأَبِي امْرَأَتِهِ أَوْ بِأَخِيهَا أَوْ بِشَخْصٍ ثُمَّ وُلِدَ لِلشَّخْصِ بِنْتٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ تَحْرُمُ عَلَى الْوَاطِئِ لِكَوْنِهَا بِنْتَ أَوْ أُخْتَ مَنْ نَكَحَهُ، وَخَالَفَ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ فَخَصُّوهُ بِالْمَرْأَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وَالذَّكَرُ لَيْسَ مِنَ النِّسَاءِ وَلَا أُخْتًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَاطَ بِهَا هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنْتُهَا أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظِ فِي رَجُلٍ غَشِيَ أُمَّ امْرَأَتِهِ قَالَ تَخَطَّى حُرْمَتَيْنِ وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَتْبَعُ الْمَرْأَةَ حَرَامًا، ثُمَّ يَنْكِحُ ابْنَتَهَا أَوِ الْبِنْتُ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا، قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ إِنَّمَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ حَلَالٍ وَفِي إِسْنَادِهِمَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ طَرَفًا مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، وَإِسْنَادُهُ أَصْلَحُ مِنَ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَرَّمَهُ) وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظِهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ أَنَّهُ أَصَابَ أُمَّ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَرُمَتْ عَلَيْكَ امْرَأَتُكَ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ مِنْهُ سَبْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ بَلَغَ مَبَالِغَ الرِّجَالِ. قَوْلُهُ (وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا لَمْ يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَهْدِيِّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ وَهِيَ أَوْجُهٌ وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا بَصْرِيٌّ أَسَدِيٌّ، وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ مَرْفُوعًا: مَنْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا بِنْتُهَا وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَوْلُهُ (وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَمَّا قَوْلُ عِمْرَانَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْهُ، قَالَ فِيمَنْ فَجَرَ بِأُمِّ امْرَأَتِهِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَأَمَّا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ

стр. 5246

عَنْهُمَا قَالَ: حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَحْرُمُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَغْشَى امْرَأَتَهَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الَّتِي زَنَى بِهَا. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ: إِذَا فَجَرَ بِأُمِّ امْرَأَتِهِ أَوِ ابْنَةِ امْرَأَتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، لِلشَّعْبِيِّ: وَاللَّهِ مَا حَرَّمَ حَرَامٌ قَطُّ حَلَالًا قَطُّ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: بَلَى لَوْ صَبَبْتَ خَمْرًا عَلَى مَاءٍ حَرُمَ شُرْبُ ذَلِكَ الْمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَلَعَلَّهُ عَنَى بِهِ الثَّوْرِيَّ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَبِنْتِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى أُمِّ امْرَأَتِهِ قَالَ: حَرُمَتَا عَلَيْهِ كِلْتَاهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، قَالُوا إِذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا، وَبِهِ قَالَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَطْءِ، وَأَيْضًا فَالزِّنَا لَا صَدَاقَ فِيهِ وَلَا عِدَّةَ وَلَا مِيرَاثَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتْوَى مِنَ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي تَزَوُّجُ مَنْ زَنَى بِهَا، فَنِكَاحُ أُمِّهَا وَابْنَتِهَا أَجْوَزُ. قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْزَقَ بِالْأَرْضِ، يَعْنِي حَتَّى يُجَامِعَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ يَلْزَقُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِالضَّمِّ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَبِالْفَتْحِ لَازِمٌ وَبِالضَّمِّ مُتَعَدٍّ، يُقَالُ: لَزِقَ بِهِ لُزُوقًا وَأَلْزَقَهُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى خِلَافِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِمُجَرَّدِ لَمْسِ أُمِّهَا وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا إِنْ وَقَعَ الْجِمَاعُ، فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ آرَاءٍ: فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالْجِمَاعِ مَعَ الْعَقْدِ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ: تَلْتَحِقُ الْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ بِالْجِمَاعِ لِكَوْنِهِ اسْتِمْتَاعًا وَمَحِلُّ ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمُبَاشَرَةُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ أَمَّا الْمُحَرَّمُ فَلَا يُؤَثِّرُ كَالزِّنَا، وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ إِذَا وَقَعَ الْجِمَاعُ حَلَالًا أَوْ زِنًا أَثَّرَ بِخِلَافِ مُقَدِّمَاتِهِ. قَوْلُهُ (وَجَوَّزَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ، وَالزُّهْرِيُّ) أَيْ أَجَازُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ مَعَ امْرَأَتِهِ وَلَوْ زَنَى بِأُمِّهَا أَوْ أُخْتِهَا سَوَاءٌ فَعَلَ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ أَوْ جَامَعَ وَلِذَلِكَ أَجَازُوا لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَوْ أُمَّ مَنْ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا؟ فَقَالَا: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهُ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَفْجُرُ بِالْمَرْأَةِ أَيَتَزَوَّجُ ابْنَتَهَا؟ فَقَالَ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُفْسِدُ اللَّهُ حَلَالًا بِحَرَامٍ. قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ عَلِيٌّ: لَا يُحَرِّمُ وَهَذَا مُرْسَلٌ) أَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، فَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْ مُنْقَطِعٌ، فَأَطْلَقَ الْمُرْسَلَ عَلَى الْمُنْقَطِعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢٥ - بَاب ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الْجِمَاعُ. وَمَنْ قَالَ: بَنَاتُ وَلَدِهَا هن مِنْ بَنَاتِهِا فِي التَّحْرِيمِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةَ: لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ. وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ

стр. 5247

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ؟ وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ ابْنَتِهِ ابْنًا. ٥١٠٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟ قُلْتُ: تَنْكِحُ، قَالَ: أَتُحِبِّينَ؟ قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أُخْتِي، قَالَ: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ، قَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ بِنْتُ أم سَلَمَةَ. قَوْلُهُ (بَابُ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِتَفْسِيرِ الرَّبِيبَةِ وَتَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِالدُّخُولِ. فَأَمَّا الرَّبِيبَةُ فَهِيَ بِنْتُ امْرَأَةِ الرَّجُلِ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ مِنَ التَّرْبِيَةِ. وَأَمَّا الدُّخُولُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِمَاعُ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْمُرَادُ بِهِ الْخَلْوَةُ. قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الْجِمَاعُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالتَّغَشِّي وَالْإِفْضَاءُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالرَّفَثُ وَاللَّمْسُ الْجِمَاعُ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَكُنِّي بِمَا شَاءَ عَمَّا شَاءَ. قَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ بَنَاتُ وَلَدِهَا هُنَّ مِنْ بَنَاتِهَا فِي التَّحْرِيمِ) سَقَطَ مِنْ هُنَا إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةٍ إِلَخْ) قَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَابِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ بَنَاتِكُنَّ لِأَنَّ الِابْنَ بِنْتٌ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ) أَيْ مِثْلُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ بَنَاتُ الْأَبْنَاءِ وَبَنَاتُ الْبَنَاتِ. قَوْلُهُ (وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ (فِي حُجُورِكُمْ هَلْ هُوَ لِلْغَالِبِ، أَوْ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ؟ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَتْ لِي، فَمَاتَتْ فَوَجَدْتُ عَلَيْهَا، فَلَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِي: مَا لَكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلِهَا ابْنَةٌ؟ يَعْنِي مِنْ غَيْرِكَ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا، هِيَ فِي الطَّائِفِ، قَالَ: فَانْكِحْهَا، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِكَ. وَقَدْ دَفَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْأَثَرَ وَادَّعَى نَفْيَ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُبَيْدٍ لَا يُعْرَفُ، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ثِقَةٌ تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابِيَّانِ، وَالْأَثَرُ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ. وَكَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَفْتَى مَنْ سَأَلَهُ إِذْ تَزَوَّجَ بِنْتَ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ جِدَّتُهَا وَلَمْ تَكُنِ الْبِنْتُ فِي حِجْرِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ ﷺ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ قَالَ نَعَمْ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْحِجْرِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ الْحَادِثُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنُدْرَةُ الْمُخَالِفِ لَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى. لِأَنَّ التَّحْرِيمَ جَاءَ مَشْرُوطًا بِأَمْرَيْنِ: أَنْ تَكُونَ فِي الْحِجْرِ وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي يُرِيدُ التَّزْوِيجَ قَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ، فَلَا تَحْرُمُ بِوُجُودِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ.

стр. 5248

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي وَهَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي أَكْثَرِ طُرُقِهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي فَقَيَّدَ بِالْحِجْرِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَقَوِيَ اعْتِبَارُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلِ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ دَفَعَ إِلَيْهِ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتَ ظِئْرِي، قَالَ فَذَهَبَ بِهَا ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: مَا فَعَلَتِ الْجُوَيْرِة بِهِ؟ قَالَ: عِنْدَ أُمِّهَا - يَعْنِي مِنَ الرَّضَاعَةِ - وَجِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيمَا يُقْرَأُ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ بِدُونِ الْقِصَّةِ، وَأَصْلُ قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ - فَذَكَرَتِ الْقِصَّةَ فِي هِجْرَتِهَا ثُمَّ مَوْتَ أَبِي سَلَمَةَ - قَالَتْ فَلَمَّا وَضَعْتُ زَيْنَبَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَنِي - الْحَدِيثَ وَفِيهِ - فَجَعَلَ يَأْتِينَا فَيَقُولُ أَيْنَ زُنَابُ؟ حَتَّى جَاءَ عَمَّارٌ هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ فَاخْتَلَجَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ تَمْنَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ، وَكَانَتْ تُرْضِعُهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ زُنَابُ؟ فَقَالَتْ قُرَيْبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ: وَافَقْتُهَا عِنْدَمَا أَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي آتِيكُمُ اللَّيْلَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ فَجَاءَ عَمَّارٌ وَكَانَ أَخَاهَا لِأُمِّهَا - يَعْنِي أُمَّ سَلَمَةَ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَانْتَشَطَهَا مِنْ حِجْرِهَا وَقَالَ: دَعِي هَذِهِ الْمَقْبُوحَةَ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ ابْنَتِهِ ابْنًا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَفِيهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا إِلَى تَقْوِيَةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي التَّرْجَمَةِ أَنَّ بِنْتَ ابْنِ الزَّوْجَةِ فِي حُكْمِ بِنْتِ الزَّوْجَةِ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَبْلَ هَذَا، وَقَوْلُهُ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ، وَثُوَيْبَةُ بِالرَّفْعِ الْفَاعِلُ وَالضَّمِيرُ لِبِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَالْمَعْنَى: أَرْضَعَتْنِي ثُوَيْبَةُ وَأَرْضَعَتْ وَالِدَ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَشَارِقِ نَقَلَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ فَصَحَّفَ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الرِّوَايَةَ فِي الْأُخْرَى إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا أَبَا سَلَمَةَ. قَوْلُهُ (وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ دُرَّةُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) يَعْنِي أَنَّ اللَّيْثَ رَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فَسَمَّى بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ دُرَّةَ، وَكَأَنَّهُ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى غَلَطِ مَنْ سَمَّاهَا زَيْنَبَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ ; وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَهُ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ فَلَمْ يُسَمِّهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ أَيْضًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ فَسَمَّاهَا أَيْضًا دُرَّةَ ٢٦ - بَاب ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٥١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: وَتُحِبِّينَ، قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ،

стр. 5249

فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ الْمَذْكُورَ لِقَوْلِهِ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي التَّزْوِيجِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، سَوَاءً كَانَتَا شَقِيقَتَيْنِ أَمْ مِنْ أَبٍ أَمْ مِنْ أُمٍّ، وَسَوَاءٌ النَّسَبُ وَالرَّضَاعُ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا كَانَتَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَأَجَازَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى الْمَنْعِ، وَنَظِيرُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وَحَكَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الشِّيعَةِ ٢٧ - بَاب لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ٥١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنْ الشَّعْبِيِّ: سَمِعَ جَابِرًا ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. وَقَالَ دَاوُدُ وَابْنُ عَوْنٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ٥١٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا. [الحديث ٥١٠٩ - طرفه في: ٥١١٠] ٥١١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ" ٥١١١ - لِأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ" قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا)، أَيْ وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَهَذَا اللَّفْظُ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (عَاصِمٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ الْأَحْوَلُ. قَوْلُهُ: (الشَّعْبِيُّ سَمِعَ جَابِرًا)، كَذَا قَالَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ دَاوُدُ، وَابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): أَمَّا رِوَايَةُ دَاوُدَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدَ فَوَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا. أَوِ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، أَوِ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا لَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى. لَفْظُ الدَّارِمِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ نَحْوُهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ فَقَالَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَانَ لِدَاوُدَ فِيهِ شَيْخَينِ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ لِابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 5250

عَنْهُ بِلَفْظِ: لَا تُزَوَّجُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَوَقَعَ لَنَا فِي فَوَائِدِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شُرَيْحٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا، أَوِ ابْنَةِ أُخْتِهَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ، وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَروى مِنْ وُجُوهٍ لَا يُثْبِتُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ كَمَا قَالَ، قَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَا عَلَى إِثْبَاتِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، وَبَيَّنَ الِاخْتِلَافَ عَلَى الشَّعْبِيِّ فِيهِ، قَالَ: وَالْحُفَّاظُ يَرَوْنَ رِوَايَةَ عَاصِمٍ خَطَأً، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ، وَدَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ اهـ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَقْدَحْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ أَشْهَرُ بِجَابِرٍ مِنْهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ، أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ أَيْضًا مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلِكُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مَا يُعَضِّدُهُ، وَقَوْلُ مَنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمْ تَضْعِيفَ حَدِيثِ جَابِرٍ مُعَارَضٌ بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا لَهُ، وَكَفَى بِتَخْرِيجِ الْبُخَارِيِّ لَهُ مَوْصُولًا قُوَّةً. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ - وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَحِّحْ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ. وَأَمَّا مَنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُمْ رَوَوْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرَ هَذَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ: وَفِي الْبَابِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَلَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلَا أَنَسًا، وَزَادَ بَدَلَهُمْ أَبَا مُوسَى، وَأَبَا أُمَامَةَ، وَسَمُرَةَ. وَوَقَعَ لِي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءَ، وَمِنْ حَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَصَارَ عِدَّةُ مَنْ رَوَاهُ غَيْرَ الْأَوَّلِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَأَحَادِيثُهُمْ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي يَعْلَى، وَالْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَأَوْرَدْتُهَا مُفَصَّلَةً، لَكِنْ فِي لَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَبَيْنَ الْعَمَّتَيْنِ وَالْخَالَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: نَهَى أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَقَالَ: إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ ذُكِرَ هُوَ قَوْلُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنَ الْمُفْتِينَ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وَلَا أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَسْتُ أَعْلَمُ فِي مَنْعِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ فِرْقَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالسُّنَّةِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ لَمْ يَضُرَّهُ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُ، وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، لَكِنِ اسْتَثْنَى ابْنُ حَزْمٍ، عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ، وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ طَائِفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ، وَاسْتَثْنَى الْقُرْطُبِيُّ الْخَوَارِجَ وَلَفْظُهُ: اخْتَارَ الْخَوَارِجُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ اهـ. وَفِي نَقْلِهِ عَنْهُمْ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ غَلَطٌ بَيِّنٌ؛ فَإِنَّ عُمْدَتَهُمُ التَّمَسُّكُ بِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ لَا يُخَالِفُونَهَا الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَرُدُّونَ الْأَحَادِيثَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ الثِّقَةِ بِنَقَلَتِهَا، وَتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ. وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمُخَالِفَ. قَوْلُهُ: (لَا يَجْمَعُ وَلَا يَنْكِحُ) كُلُّهُ فِي الرِّوَايَاتِ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ

стр. 5251

قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. قَوْلُهُ: (عَلَى عَمَّتِهَا) ظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ تَزْوِيجِهِمَا مَعًا، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِعَقْدٍ بَطَلَا أَوْ مُرَتَّبًا بَطَلَ الثَّانِي. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ: (فَنُرَى) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نَظُنُّ، وَبِفَتْحِهَا أَيْ نَعْتَقِدُ. قَوْلُهُ: (خَالَةُ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ)؛ أَيْ مِنَ التَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي إِلَخْ) فِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِلْحَاقَ مَا يُحَرَّمُ بِالصِّهْرِ بِمَا يُحَرَّمُ بِالنَّسَبِ، كَمَا يُحَرَّمُ بِالرَّضَاعِ مَا يُحَرُّمُ بِالنَّسَبِ، وَلَمَّا كَانَتْ خَالَةُ الْأَبِ مِنَ الرَّضَاعِ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا فَكَذَلِكَ خَالَةُ الْأَبِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِنْتِ ابْنِ أَخِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَخَصُّوا بِهَا عُمُومَ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ، وَانْفَصَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ بِمِثْلِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٨ - بَاب الشِّغَارِ ٥١١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. [الحديث ٥١١٢ - طرفه في: ٦٩٦٠] قَوْلُهُ: (بَابُ الشِّغَارِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورُ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: (نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ حَذَفَهُ. قَوْلُهُ: (وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَكَرَ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ جَمِيعُ رُوَاةِ مَالِكٍ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَا يَرُدُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَلَمْ يَذْكُرِ التَّفْسِيرَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَصَرَا ذَلِكَ فِي تَصْنِيفِهِمَا، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ بِالتَّفْسِيرِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ. نَعَمُ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ، فَالْأَكْثَرُ لَمْ يَنْسُبُوهُ لِأَحَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: لَا أَدْرِي التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ عَنْ نَافِعٍ، أَوْ عَنْ مَالِكٍ، وَنَسَبَهُ مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ وَغَيْرُهُ لِمَالِكٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وُصِلَ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَمُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ، ثُمَّ سَاقَهُ كَذَلِكَ عَنْهُمْ، وَرِوَايَةُ مُحْرِزِ بْنِ عَوْنٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْمُوَطَّآتِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ الشِّغَارِ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ إِلَخْ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ مَنْقُولِ مَالِكٍ لَا مِنْ مَقُولِهِ. ووقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ - مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ فَذَكَرَهُ، فَلَعَلَّ مَالِكًا أَيْضًا نَقَلَهُ عَنْ نَافِعٍ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَهُوَ نَافِعٌ. قُلْتُ: قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَرْفُوعًا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ سَوَاءً، قَالَ: وَزَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ:

стр. 5252

وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، وَزَوَّجَنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجَكَ أُخْتِي، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَيَرْجِعُ إِلَى نَافِعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وُرُودُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا أَيْضًا، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَأَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أُخْتَهُ بِأُخْتِهِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: نُهِيَ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَنْكِحَ هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، بُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُشَاغَرَةِ، وَالْمُشَاغَرَةُ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ مِنْ هَذَا بِلَا مَهْرٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْسِيرُ الشِّغَارِ صَحِيحٌ، مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَمَقْبُولٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ اهـ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الشِّغَارِ الْمَمْنُوعِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِهِ، فَإِنَّ فِيهِ وَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَزْوِيجٌ مِنَ الْوَلِيَّيْنِ وَلِيَّتَهُ لِلْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ، وَالثَّانِي: خُلُوُّ بُضْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الصَّدَاقِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا مَعًا حَتَّى لَا يَمْنَعَ مِثْلًا إِذَا زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الصَّدَاقَ، أَوْ زَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِالشَّرْطِ وَذَكَرَ الصَّدَاقَ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبُضْعِ؛ لِأَنَّ بُضْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَصِيرُ مَوْرِدَ الْعَقْدِ، وَجَعْلُ الْبُضْعِ صَدَاقًا مُخَالِفٌ، لَا يُرَادُ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ تَرْكَ ذِكْرِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحَا بِذِكْرِ الْبُضْعِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمُ الصِّحَّةُ، وَلَكِنْ وُجِدَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى خِلَافِهِ وَلَفْظُهُ: إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، أَوِ الْمَرْأَةَ يَلِي أَمْرَهَا مَنْ كَانَتْ لِآخَرَ عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بُضْعُ الْأُخْرَى، أَوْ عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ الْأُخْرَى وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمَا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا، فَهَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَنْسُوخٌ، هَكَذَا سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّفْسِيرِ الْمَنْقُولِ فِي الْحَدِيثِ، وَاخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إِذَا سَمَّى مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا، فَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى الْبُطْلَانِ. وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ الصِّحَّةُ، وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي النَّقْلِ عَنِ الشَّافِعِيِّ مَنْ يَنْقُلُ الْخِلَافَ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: الْعِلَّةُ فِي الْبُطْلَانِ التَّعْلِيقُ وَالتَّوْقِيفُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ لَكَ نِكَاحُ بِنْتِي حَتَّى يَنْعَقِدَ لِي نِكَاحُ بِنْتِكَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُشَبِّهُ بِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَيَسْتَثْنِي عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا، وَهُوَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِي فَسَادِهِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ وَيَسْتَثْنِي بُضْعَهَا حَيْثُ يَجْعَلُهُ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: صُورَتُهُ الْكَامِلَةُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، وَمَهْمَا انْعَقَدَ نِكَاحُ ابْنَتِي انْعَقَدَ نِكَاحُ ابْنَتِكَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: وَلَا يَكُونَ مَعَ الْبُضْعِ شَيْءٌ آخَرُ لِيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَ الْخَرَقِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ تَرْكُ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَرَجَّحَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّ الْعِلَّةَ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ هُوَ ظَاهِرُ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَلَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ جِهَةَ الْفَسَادِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذُكِرَ لِمُلَازَمَتِهِ لِجِهَةِ الْفَسَادِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَفِيهِ شُعُورٌ بِأَنَّ عَدَمَ الصَّدَاقِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْبُطْلَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ

стр. 5253

إِلَى صِحَّتِهِ وَوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ. لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ النِّسَاءَ مُحَرَّمَاتٌ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ، فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحٍ تَأَكَّدَ التَّحْرِيمُ (تَنْبِيهٌ): ذِكْرُ الْبِنْتِ فِي تَفْسِيرِ الشِّغَارِ مِثَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذِكْرُ الْأُخْتِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبَنَاتِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَغَيْرِهِنَّ كَالْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢٩ - بَاب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ ٥١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ. رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ)؛ أَيْ فَيَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مُجَرَّدُ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ، وَالثَّانِي: الْعَقْدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ. فَالصُّورَةُ الْأُولَى ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَلَكِنْ قَالُوا: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ تَزَوَّجَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَشَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ. وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْوَاهِبَةَ تَخْتَصُّ بِهِ لَا مُطْلَقُ الْهِبَةِ. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا الصَّرِيحَانِ اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْكِنَايَاتِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لَهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِصَرَائِحِهِ وَبِكِنَايَاتِهِ مَعَ الْقَصْدِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ)، هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ (قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ)، هَذَا مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكِ زَمَنَ الْقِصَّةِ، لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذِهِ الطَّرِيقِ رِوَايَةَ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ عَائِشَةَ تَعْلِيقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ كَذَلِكَ مَوْصُولًا. قَوْلُهُ: (بِنْتُ حَكِيمٍ): أَيِ ابْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السِّلَمِيَّةُ، وَكَانَتْ زَوْجَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهِيَ مِنَ السَّابِقَاتِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأُمُّهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَعَدُّدِ الْوَاهِبَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُنَّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبِ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْمُعَلَّقَاتِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهَا السَّابِقَةُ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا)، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْمَوْصُولَةِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ. قَوْلُهُ: (أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ فِي رِوَايَةِ عَبَدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تُرْجِئ، وَهَذَا
следующие страницы →