Полный текст (7 508 стр.). Показаны 5564–5603 · переход к 5569.
стр. 5564
فِي تَأَخُّرِ نُزُولِ آيَةِ الطَّلَاقِ عَنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ.
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: فَأَفْتَاني بِأَنِّي حَلَلْتُ حِينَ وَضَعَتْ حَمْلِي بِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إِذَا وَضَعَتْ وَلَوْ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ شِهَابٍ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: لَا تَنْكِحُ حَتَّى تَطْهُرَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَحَدِيثُ سُبَيْعَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا لِأَنَّ لَفْظَ تَعَلَّتْ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: طَهُرَتْ، جَازَ أَنْ يَكُونَ اسْتَعْلَتْ مِنْ أَلَمِ النِّفَاسِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْأَوَّلِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا حِكَايَةُ وَاقِعَةِ سُبَيْعَةَ، وَالْحَجَّةُ إِنَّمَا هُوَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهَا حَلَّتْ حِينَ وَضَعَتْ كَمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَلَلْتِ حِينَ وَضَعْتِ حَمْلَكِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ امْرَأَتَهُ أُمَّ الطَّفِيلِ قَالَتْ لِعُمَرَ: قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبَيْعَةَ أَنْ تَنْكِحَ إِذَا وَضَعَتْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَعَلَّقَ الْحِلَّ بِحِينِ الْوَضْعِ وَقَصَرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ إِذَا طَهُرْتِ، وَلَا إِذَا انْقَطَعَ دَمُكِ، فَصَحَّ مَا قَالَ الْجُمْهُوُر. وَفِي قِصَّةِ سُبَيْعَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا كَانَ لَهُ مَيْلٌ إِلَى الشَّيْءِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ لِئَلَّا يَحْمِلَهُ الْمَيْلُ إِلَيْهِ عَلَى تَرْجِيحِ مَا هُوَ مَرْجُوحٌ، كَمَا وَقَعَ لِأَبِي السَّنَابِلِ حَيْثُ أَفْتَى سُبَيْعَةَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالْوَضْعِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ خَطَبَهَا فَمَنَعَتْهُ وَرَجَا أَنَّهَا إِذَا قَبِلَتْ ذَلِكَ مِنْهُ وَانْتَظَرَتْ مُضِيَّ الْمُدَّةِ حَضَرَ أَهْلُهَا فَرَغَّبُوهَا فِي زَوَاجِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَفِيهِ مَا كَانَ فِي سُبَيْعَةَ مِنَ الشَّهَامَةِ وَالْفِطْنَةِ حَيْثُ تَرَدَّدَتْ فِيمَا أَفْتَاهَا بِهِ حَتَّى حَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى اسْتِيضَاحِ الْحَكَمِ مِنَ الشَّارِعِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لَمِنَ ارْتَابَ فِي فَتْوَى الْمُفْتِي أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ النَّصِّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَعَلَّ مَا وَقَعَ مِنْ أَبِي السَّنَابِلِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ السِّرُّ فِي إِطْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَذَبَ فِي الْفَتْوَى الْمَذْكُورَةِ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنْ الْخَطَأَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ، وَهُوَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْحِجَازِ كَثِيرٌ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَذَّبَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْقِصَّةِ وَأَفْتَى بِخِلَافِهِ، حَكَاهُ ابْنُ دَاوُدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَص وَهُوَ بَعِيدٌ، وَفِيهِ الرُّجُوعُ فِي الْوَقَائِعِ إِلَى الْأَعْلَمِ، وَمُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ السُّؤَالَ عَمَّا يَنْزِلُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَسْتَحِي النِّسَاءُ مِنْ مَثَلِهِ، لَكِنَّ خُرُوجَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا ليلًا يَكُونُ أَسْتَرَ لَهَا كَمَا فَعَلَتْ سُبَيْعَةُ.
وَفِيهِ أَنْ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْوَضْعِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ مِنْ عَلَقَةٍ، سَوَاءٌ اسْتَبَانَ خُلُقُ الْآدَمِيِّ أَمْ لا؛ لِأَنَّهُ ﷺ رَتَّبَ الْحِلِّ عَلَى الْوَضْعِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ فِي إِطْلَاقِ وَضْعِ الْحَامِلِ هُوَ الْحَمْلُ التَّامُّ الْمُتَخَلِّقُ، وَأَمَّا خُرُوجُ الْمُضْغَةِ أَوِ الْعَلَقَةِ فَهُوَ نَادِرٌ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْغَالِبِ أَقْوَى، وَلِهَذَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِأَنَّ الْعُدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ قِطْعَةِ لَحْمٍ لَيْسَ فِيهَا صُورَةٌ بَيِّنَةٌ وَلَا خَفِيَّةٌ، وَأُجِيبُ عَنِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي انْقِضَاءِ الْعُدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِخُرُوجِ الْمُضْغَةِ أَوِ الْعَلَقَةِ، بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْوِلَادَةُ، وَمَا لَا يُصَدِّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَصْلٌ آدَمِيٌّ لَا يُقَالُ فِيهِ وَلَدَتْ.
وفِيهِ جَوَازُ تَجَمُّلِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِمَنْ يَخْطُبُهَا؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ التي فِي الْمُغَازِي: فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ؟ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَتَهَيَّأَتْ لِلنِّكَاحِ وَاخْتَضَبَتْ وَفِي رِوَايَةِ مُعَمِّرٍ، عَنِ الزُّهْرِي عِنْدَ أَحْمَدَ: فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ وَقَدِ اكْتَحَلَتْ وفي رواية الْأَسْوَدَ فَتَطَيَّبَتْ وَتَصَنَّعَتْ وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ سبيعَةَ أَنَّ زَوْجَهَا مَاتَ وَهِيَ حَامِلَةٌ، وَفِي مُعْظَمِهَا حَامِلٌ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْحَمَلَ مِنْ صِفَاتِ النِّسَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِأَنَّهَا ذَاتُ حَمْلٍ بِالْفِعْلِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ
стр. 5565
مُرْضِعَةٍ﴾ فَلَوْ أُرِيدَ أَنَّ الْإِرْضَاعَ مِنْ شَأْنِهَا لَقِيلَ: كُلُّ مُرْضِعٍ. اهـ. وَالَّذِي وَقَفَنَا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ: وَهِيَ حَامِلٌ وَفِي كَلَامِ أَبِي السَّنَابِلِ لَسْتِ بِنَاكِحٍ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّزْوِيجُ؛ لِقَوْلِهَا فِي الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الزهري: وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنَّ بَدَا لِي وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: وَأَمَرَهَا بِالتَّزْوِيجِ فِيكُونُ مَعْنَاهُ: وَأُذِنَ لَهَا، وَكَذَا مَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الأُولَى مِنَ الْبَابِ: فَقَالَ: انْكِحِي وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَدْ حَلَلْتِ فَتُزَوِّجِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأُسُودِ، عَنْ أَبِي السَّنابل عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي آخِرِهِ: فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتِ زَوْجًا صَالِحًا فَتُزَوِّجِي وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: إِذَا أَتَاكِ أَحَدٌ تَرْضَيْنَهُ.
وَفِيهِ أَنَّ الثيِّبَ لَا تُزَوَّجُ إِلَّا بِرِضَاهَا مِنْ تَرْضَاهُ وَلَا إِجْبَارَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
٤٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ فَحَاضَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَ حِيَضٍ: بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَا تَحْتَسِبُ بِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَحْتَسِبُ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَى سُفْيَانَ، يَعْنِي قَوْلَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: يُقَالُ: أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا دَنَا حَيْضُهَا، وَأَقْرَأَتْ إِذَا دَنَا طُهْرُهَا. وَيُقَالُ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًى قَطُّ: إِذَا لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ سَقَطَ لَفْظُ: بَابٍ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْمُطَلَّقَاتِ هُنَا ذَوَاتُ الْحَيْضِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّرَبُّصِ الِانْتِظَارُ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: قُرُوءٍ بِالْهَمْزِ، وَعَنْ نَافِعٍ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هُوَ النَّخَعِيُّ (فِيمَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ فَحَاضَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَ حِيَضٍ: بَانَتْ مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَا تَحْتَسِبُ بِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَحْتَسِبُ، وَهَذَا أُحِبُّ إِلَى سُفْيَانَ) زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: يَعْنِي قَوْلَ الزُّهْرِيِّ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ فَحَاضَتْ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَحَاضَتْ، قَالَ: بَانَتْ مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَا تَحْتَسِبُ الَّذِي بَعْدَهُ وَعَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَحْتَسِبُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ يَقُولُ هَذَا غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَكَذَا الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهَا إِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ طَهُرَتْ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ طَلَاقُهَا فِي الطُّهْرِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّتَيْنِ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ: يَكْفِي لَهَا عِدَّةٌ وَاحِدَةٌ كَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ: يُقَالُ: أَقْرَأَتِ الْمَرْأَةُ، إِلَخْ) مَعْمَرٌ هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْمُثَنَّى، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ، وَقَوْلُهُ: بِسَلًى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، السَّلَى: هُوَ غِشَاءُ الْوَلَدِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَقْرَأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا صَارَتْ ذَاتَ حَيْضٍ، وَالْقُرْءُ: انْقِضَاءُ الْحَيْضِ، وَيُقَالُ: هُوَ الْحَيْضُ نَفْسُهُ، وَيُقَالُ: هُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَمُرَادُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ الْقُرْءَ يَكُونُ بِمَعْنَى الطُّهْرِ وَبِمَعْنَى الْحَيْضِ وَبِمَعْنَى الضَّمِّ وَالْجَمْعِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَالَ: لَمَّا احْتَمَلَتِ الْآيَةُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَقْرَاءِ فِيهَا تَرَجَّحَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ الْأَطْهَارُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5566
٤١ - بَاب قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
٥٣٢١، ٥٣٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ - اتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْهَا إِلَى بَيْتِهَا. قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ غَلَبَنِي. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ.
[الحديث ٥٣٢١ - أطرافه في: ٥٣٢٣، ٥٣٢٥، ٣٥٢٧]
[الحديث ٥٣٢٢ - أطرافه في: ٥٣٢٤، ٥٣٢٦، ٥٣٢٨]
٥٣٢٣، ٥٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا لِفَاطِمَةَ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ"
٥٣٢٥، ٥٣٢٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ فَقَالَتْ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ قَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالَتْ إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ "
قَوْلُهُ: (قِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِبَعْضِهِمْ: بَابٌ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفَاطِمَةُ هِيَ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَهِيَ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الَّذِي وَلِيَ الْعِرَاقَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَقُتِلَ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنْهُ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، وَكَانَ لَهَا عَقْلٌ وَجَمَالٌ وَتَزَوَّجَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ - وَيُقَالُ: أَبُو حَفْصِ بْنُ عَمْرِو - ابْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَخَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ ثَالِثَةٍ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ ابْنَيْ عَمَّيْهِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْ يَدْفَعَا لَهَا تَمْرًا وَشَعِيرًا، فَاسْتَقَلَّتْ ذَلِكَ، وَشَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لَكِ
стр. 5567
سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، هَكَذَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ قِصَّتَهَا مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْهَا، وَلَمْ أَرَهَا فِي الْبُخَارِيِّ وَإِنَّمَا تَرْجَمَ لَهَا كَمَا تَرَى، وَأَوْرَدَ أَشْيَاءَ مِنْ قِصَّتِهَا بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا، وَوَهِمَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فَأَوْرَدَ حَدِيثَهَا بِطُولِهِ فِي الْمُتَّفَقِ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ فَاطِمَةَ عَلَى كَثْرَتِهَا عَنْهَا أَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: نَكَحْتُ ابْنَ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ شَبَابِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْتُ خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ الْحَدِيثَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهْمٌ، وَلَكِنْ أَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أُصِيبَ بِجِرَاحَةٍ، أَوْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: أُصِيبَ أَيْ: مَاتَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَكَانَ فِي بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ، فَيَصْدُقُ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: فِي طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ بِالْمَوْتِ، بَلْ بِالطَّلَاقِ السَّابِقِ عَلَى الْمَوْتِ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ جَمٌّ إِلَى أَنَّهُ مَاتَ مَعَ عَلِيٍّ بِالْيَمَنِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اسْتَقَامَ هَذَا التَّأْوِيلُ وَارْتَفَعَ الْوَهْمُ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهُ : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وَسَاقَ الْآيَاتِ كُلَّهَا إِلَى ﴿يُسْرًا﴾ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ.
قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) أَيِ: ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَيَحْيَى هُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ.
قَوْلُهُ: (طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ) هِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْوَانَ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ أَيْضًا لِمُعَاوِيَةَ حِينَئِذٍ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْمُهَا عَمْرَةُ فِيمَا قِيلَ، وَسَيَأْتِي فِي الْخَبَرِ الثَّالِثِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ.
قَوْلُهُ: قَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي) وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ حَدِيثَيْ شَيْخَيْهِ فَسَاقَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَفْظَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ ابْنُ يَسَارٍ وَحْدَهُ، وَلَفْظَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ مَرْوَانَ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي، أَيْ: لَمْ يُطِعْنِي فِي رَدِّهَا إِلَى بَيْتِهَا، وَقِيلَ: مُرَادُهُ غَلَبَنِي بِالْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِالشَّرِّ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) أَيْ: لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ انْتِقَالِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ) أَيْ: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ فَاطِمَةَ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ فَهَذَا السَّبَبُ مَوْجُودٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْ مَرْوَانَ إِلَى الرُّجُوعِ عَنْ رَدِّ خَبَرِ فَاطِمَةَ، فَقَدْ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ طَلَّقَ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَلْبَتَّةَ وَأُمُّهَا حُزْمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَأَمَرَتْهَا خَالَتُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ بِالِانْتِقَالِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ فَأَنْكَرَ، فَذَكَرَتْ أَنَّ خَالَتَهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْتَاهَا بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ، قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ إِلَى فَاطِمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ، وَزَادَ: فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ يُسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ، فَسَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا النَّاسَ وَسَيَأْتِي لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَكَأَنَّ مَرْوَانَ أَنْكَرَ الْخُرُوجَ مُطْلَقًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِ وُجُودِ عَارِضٍ يَقْتَضِي جَوَازَ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ الطَّلَاقِ، كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ بُنْدَارٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، كَذَا
стр. 5568
نَسَبَهُ أَبُو مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ وَمِنْهَا نَقْلُ الْمِزِّيِّ، وَلَمْ أُنَبِّهْ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمُقَدِّمَةِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا اتَّصَلَ لَنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ إِلَى الْفَرَبْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ يَعْنِي فِي قَوْلِهَا: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّ سَبَبَ الْإِذْنِ فِي انْتِقَالِ فَاطِمَةَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ طَلُقَتْ، فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ لَسُنَّةً وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عُرْوَةُ) أَيِ: ابْنُ الزُّبَيْرِ (لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ) نَسَبَهَا إِلَى جَدِّهَا، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا صَنَعَ أَيْ: زَوْجُهَا فِي تَمْكِينِهَا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ: أَبُوهَا فِي مُوَافَقَتِهَا، وَلِهَذَا أَرْسَلَتْ عَائِشَةَ إِلَى مَرْوَانَ عَمِّهَا وَهُوَ الْأَمِيرُ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْزِلِ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَسْمَعِي قَوْلَ فَاطِمَةَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ هُوَ عُرْوَةُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَطَلَّقَهَا وَأَخْرَجَهَا، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: لَقَدْ عَابَتْ وَزَادَ: يَعْنِي فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَقَوْلُهُ: وَحْشٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، أَيْ: خَالٍ لَا أَنِيسَ بِهِ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، فَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ وَقَدْ أَخَذَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ، فَرَتَّبَ الْجَوَازَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا خَشْيَةَ الِاقْتِحَامِ عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ مُطَلِّقِهَا فُحْشٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ مُعَارَضَةً لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِمَا مَعًا فِي شَأْنِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عِلَّتَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْبَابِ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى الْأُخْرَى، إِمَّا لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهَا إِذَا اقْتَضَى خُرُوجَهَا، فَمِثْلُهُ الْخَوْفُ مِنْهَا، بَلْ لَعَلَّهُ أَوْلَى فِي جَوَازِ إِخْرَاجِهَا، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ مَعْنَى الْعِلَّةِ الْأُخْرَى ضَمَّنَهَا التَّرْجَمَةَ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ بَعْضٍ آخَرَ إِذَا صَحَّ طَرِيقُهُ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ شَكْوَاهَا مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِقْلَالِ النَّفَقَةِ، وَأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُ بَدَا مِنْهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرٌّ لِأَصْهَارِهَا وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِمْ وَخَشِيَ عَلَيْهَا إِنِ اسْتَمَرَّتْ هُنَاكَ أَنْ يَتْرُكُوهَا بِغَيْرِ أَنِيسٍ فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالثَّانِي إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ، لِعَائِشَةَ: إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي تَرْكِ أَمْرِهَا بِمُلَازَمَةِ السَّكَنِ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: سِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ مَعَ الْوَكِيلِ بِسَبَبِ اسْتِقْلَالِهَا مَا أَعْطَاهَا، وَأَنَّهَا لَمَّا قَالَ لَهَا الْوَكِيلُ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّعْلِيلَ إِنَّمَا هُوَ
стр. 5569
بِسَبَبِ مَا جَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ لَا بِسَبَبِ الِاقْتِحَامِ وَالْبَذَاءَةِ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ عُمِلَ بِهِ.
قُلْتُ: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ فِي النَّفَقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ: فَفِي بَعْضِهَا: فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهَا: لَا نَفَقَةَ لَكِ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ فَأَذِنَ لَهَا، وَكُلُّهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَإِذَا جَمَعَتْ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ خَرَجَ مِنْهَا أَنَّ سَبَبَ اسْتِئْذَانِهَا فِي الِانْتِقَالِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا وَمِنْهَا، وَاسْتَقَامَ الِاسْتِدْلَالُ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ السُّكْنَى لَمْ تَسْقُطْ لِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ. نَعَمْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تَجْزِمُ بِإِسْقَاطِ سُكْنَى الْبَائِنِ وَنَفَقَتِهَا، وَتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَلِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ عَلَيْهَا.
تَنْبِيهٌ:
طَعَنَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ الْمُعَلَّقَةِ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَحَكَمَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ بِالْبُطْلَانِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَنْ طَعَنَ فِيهِ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ فَضْلًا عَنْ بُطْلَانِ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِأَنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْبُخَارِيِّ مَا أَكْثَرَ اسْتِحْضَارَهُ وَأَحْسَنَ تَصَرُّفَهُ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ وَسُكْنَاهَا: فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا نَفَقَةَ لَهَا. وَلَهَا السُّكْنَى، وَاحْتَجُّوا لِإِثْبَاتِ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَلِإِسْقَاطِ النَّفَقَةِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ غَيْرَ الْحَامِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ مَعْنًى، وَالسِّيَاقُ يُفْهِمُ أَنَّهَا فِي غَيْرِ الرَّجْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الرَّجْعِيَّةِ وَاجِبَةٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَنَازَعُوا فِي تَنَاوُلِ الْآيَةِ الْأُولَى الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ، وَقَدِ احْتَجَّتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ عَلَى مَرْوَانَ حِينَ بَلَغَهَا إِنْكَارُهُ بِقَوْلِهَا: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَيْسَتْ حَامِلًا فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا؟ وَقَدْ وَافَقَ فَاطِمَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ الْمُرَاجَعَةُ قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا يَأْتِي مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَخْصِيصٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَصِرْ ذَلِكَ فِي الْمُرَاجَعَةِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِهَا مَرْفُوعًا: إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةُ، فَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ أَنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَقَدْ أَدْرَجَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ تَابَعَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَفْعِهِ مُجَالِدًا لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا؟، فَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْهُ بِأَنَّ السُّكْنَى الَّتِي تَتْبَعُهَا النَّفَقَةُ هُوَ حَالُ الزَّوْجِيَّةِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، وَأَمَّا السُّكْنَى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاطِ الْعِدَّةِ لَمْ تَسْقُطْ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ. وَقَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُمْ. وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَيَّدَ النَّفَقَةَ بِحَالَةِ الْحَمْلِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى إِيجَابِهَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَمْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَطُولُ غَالِبًا. وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ فِي طُولِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، بَلْ تَكُونُ مُدَّةُ الْحَمْلِ أَقْصَرَ مِنْ غَيْرِهَا تَارَةً وَأَطْوَلَ أُخْرَى فَلَا أَوْلَوِيَّةَ، وَبِأَنَّ قِيَاسَ الْحَائِلِ عَلَى الْحَامِلِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ تَقْيِيدٍ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فِي
стр. 5570
الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ أَنْكَرَهُ السَّلَفُ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ، وَكَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ: كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً، فَأَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصَى فَحَصَبَهُ بِهِ وَقَالَ: وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِهَذَا؟ قَالَ عُمَرُ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ: وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالْمَحْفُوظُ: لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، لَكِنْ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ رِوَايَةَ النَّفَقَةِ، وَلَعَلَّ عُمَرَ أَرَادَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنِ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّةً مَخْصُوصَةً فِي هَذَا، وَلَقَدْ كَانَ الْحَقُّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا نَدْرِي حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، قَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُهُ فِي أَنَّهَا أَطْلَقَتْ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ، أَوْ عَمَّمَتْ فِي مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي كَلَامِ عُمَرَ مَا يَقْتَضِي إِيجَابَ النَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إِسْقَاطَ السُّكْنَى.
وَادَّعَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عُمَرَ: لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُجَازِفِينَ فَلَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ ثُبُوتَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَصْلًا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عُمَرَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَلْقَهُ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ فَقَالَ: خَالَفَتْ فَاطِمَةُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَوَى خِلَافَ مَا رَوَتْ، فَخَرَجَ الْمَعْنَى الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهَا عُمَرُ خُرُوجًا صَحِيحًا، وَبَطَلَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا، وَعُمْدَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.
٤٢ - بَاب الْمُطَلَّقَةِ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيْهَا أَوْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا بِفَاحِشَةٍ
٥٣٢٧، ٥٣٢٨ - حَدَّثَنِي حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُطَلَّقَةِ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيْهَا أَوْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا بِفَاحِشَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى أَهْلِهِ. وَالِاقْتِحَامُ الْهُجُومُ عَلَى الشَّخْصِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَالْبَذَاءُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ الْقَوْلُ الْفَاحِشُ.
قَوْلُهُ: (حِبَّانُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ) كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، وَقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ.
٤٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ مِنْ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ
٥٣٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
стр. 5571
اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ، إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً، فَقَالَ لَهَا: عَقْرَى - أَوْ: حَلْقَى - إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْفِرِي إِذًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ. وَفَصَّلَ أَبُو ذَرٍّ بَيْنَ أَرْحَامِهِنَّ وَبَيْنَ مِنْ بِدَائِرَةٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّفْسِيرُ لَا أَنَّهَا قِرَاءَةٌ، وَسَقَطَ حَرْفُ مِنْ لِلنَّسَفِيِّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَيْضُ، وَعَنْ آخَرِينَ الْحَمْلُ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ كِلَاهُمَا، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ أَمْرَ الْعِدَّةِ لَمَّا دَارَ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ يَقَعُ مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ غَالِبًا، جُعِلَتِ الْمَرْأَةُ مُؤْتَمَنَةً عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: دَلَّتِ الْآيَةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُعْتَدَّةَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى رَحِمِهَا مِنَ الْحَمْلِ وَالْحَيْضِ، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُعْرَفُ كَذِبُهَا فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ مِنَ الْأَمَانَةِ أَنِ ائْتُمِنَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا، هَكَذَا أَخْرَجَهُ مَوْقُوفًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِصَفِيَّةَ لَمَّا حَاضَتْ فِي أَيَّامِ مِنًى: إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِتَصْدِيقِ النِّسَاءِ فِيمَا يَدَّعِينَهُ مِنَ الْحَيْضِ؛ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ السَّفَرَ وَيَحْبِسَ مَنْ مَعَهُ لِأَجْلِ حَيْضِ صَفِيَّةَ، وَلَمْ يَمْتَحِنْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا أَكْذَبَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا رَتَّبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِ صَفِيَّةَ إِنَّهَا حَائِضٌ تَأْخِيرَهُ السَّفَرَ، أُخِذَ مِنْهُ تَعَدِّي الْحُكْمِ إِلَى الزَّوْجِ، فَتُصَدِّقُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ بِاعْتِبَارِ رَجْعَةِ الزَّوْجِ وَسُقُوطِهَا وَإِلْحَاقِ الْحَمْلِ بِهِ.
٤٤ - بَاب ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فِي الْعِدَّةِ
وَكَيْفَ يُرَاجِعُ الْمَرْأَةَ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وقوله: فلا تعضلوهن
٥٣٣٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: زَوَّجَ مَعْقِلٌ أُخْتَهُ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً.
٥٣٣١ - و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ خَلَّى عَنْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ خَطَبَهَا فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَفًا فَقَالَ خَلَّى عَنْهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَخْطُبُهَا فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الْحَمِيَّةَ وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ"
٥٣٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً
стр. 5572
أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضتهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لِأَحَدِهِمْ: إِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ.
وَزَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا.
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فِي الْعِدَّةِ، وَكَيْفَ يُرَاجِعُ الْمَرْأَةَ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفَصَّلَ أَبُو ذَرٍّ أَيْضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فِي الْعِدَّةِ بِدَائِرَةٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَقِّيَّةِ الرَّجْعَةِ مَنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي تَزْوِيجِ أُخْتِهِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: الْأُولَى قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ.
الطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، أَنَّ مَعْقِلَ بْنِ يَسَارٍ كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ: زَوَّجَ مَعْقِلٌ أُخْتَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ فِي بَابِ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ وَأَرْسَلَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ أَيْضًا مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا.
وَقَوْلُهُ: (فَحَمِيَ) بِوَزْنِ عَلِمَ بِكَسْرِ ثَانِيهِ، وَقَوْلُهُ: (أَنَفًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ مُنَوَّنٌ، أَيْ: تَرَكَ الْفِعْلِ غَيْظًا وَتَرَفُّعًا، وَقَوْلُهُ: فَتَرَكَ الْحَمِيَّةَ) بِالتَّشْدِيدِ، وَقَوْلُهُ: (وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِقَافٍ، أَيْ: أَعْطَى مَقَادَتَهُ، وَالْمَعْنَى: أَطَاعَ وَامْتَثَلَ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَاسْتَرَادَ بِرَاءٍ بَدَلَ الْقَافِ مِنَ الرَّوْدِ وَهُوَ الطَّلَبُ، أَوِ الْمَعْنَى أَرَادَ رُجُوعَهَا وَرَضِيَ بِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: وَاسْتَقَادَّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَا تَجْتَمِعُ مَعَ سِينِ الِاسْتِفْعَالِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ: وَزَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنِ اللَّيْثِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ إِلَخْ وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْغَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا مُلَخَّصُهُ: الْمُرَاجَعَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، إِمَّا فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ احْتَاجَ إِلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَإِمَّا بَعْدَ الْعِدَّةِ فَعَلَى مَا فِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ الْحُرَّةَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا، وَلَوْ كَرِهَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَتَصِيرُ أَجْنَبِيَّةً فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا يَكُونُ بِهِ الرَّجُلُ مُرَاجِعًا، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِذَا جَامَعَهَا فَقَدْ رَاجَعَهَا، وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الرَّجْعَةَ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ كَالْأَوْزَاعِيِّ وَزَادُوا: وَلَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ إِلَّا بِالْكَلَامِ، وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافِ جَوَازُ الْوَطْءِ وَتَحْرِيمُهُ، وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الطَّلَاقَ مُزِيلٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَقْرَبُ مَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حِلِّ الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ مَعْنًى يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي النِّكَاحِ وَيَعُودَ، كَمَا فِي إِسْلَامِ أَحَدِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ إِسْلَامِ الْآخَرِ فِي الْعِدَّةِ، وَكَمَا يَرْتَفِعُ بِالصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْحَيْضِ ثُمَّ يَعُودُ بِزَوَالِ هَذِهِ الْمَعَانِي. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ أَنَّ النِّكَاحَ لَوْ زَالَ لَمْ تَعُدِ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَبِصِحَّةِ الْخُلْعِ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَلِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ مَا زَالَ أَصْلُهُ وَإِنَّمَا زَالَ وَصْفُهُ، وَقَالَ
стр. 5573
ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْحَقُّ إنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا وَقَعَ زَالَ النِّكَاحُ كَالْعِتْقِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ الرَّجْعَةَ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْعِتْقِ فَافْتَرَقَا.
٤٥ - بَاب مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ
٥٣٣٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا، قُلْتُ: أَفَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الطَّلَاقِ.
٤٦ - بَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ:
٥٣٣٤ - قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ - خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ - فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
٥٣٣٥ - قَالَتْ زَيْنَبُ: فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابنة جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
٥٣٣٦ - قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتَكْحُلُهَا فَقال رسول الله ﷺ : "لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا ثُمَّ قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"
[الحديث ٥٣٣٦ - طرفاه في: ٥٣٣٨، ٥٧٠٦]
٥٣٣٧ - قَالَ حُمَيْدٌ فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ
стр. 5574
إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا"
قَوْلُهُ: (بَابُ تُحِدُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَيَجُوزُ بِفَتْحه ثُمَّ ضَمَّة مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي: بَابِ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِحْدَادِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ إحدادا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ، وَسُمِّيَتِ الْعُقُوبَةُ حَدًّا؛ لِأَنَّهَا تَرْدَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: مَعْنَى الْإِحْدَادِ: مَنْعُ الْمُعْتَدَّةِ نَفْسَهَا الزِّينَةَ، وَبَدَنَهَا الطِّيبَ، وَمَنْعُ الْخُطَّابِ خِطْبَتَهَا وَالطَّمَعَ فِيهَا كَمَا مَنَعَ الْحَدُّ الْمَعْصِيَةَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: سُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا؛ لِلِامْتِنَاعِ بِهِ أَوْ لِامْتِنَاعِهِ عَلَى مُحَاوِلِهِ، وَمِنْهُ تَحْدِيدُ النَّظَرِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ تَقَلُّبِهِ فِي الْجِهَاتِ، وَيُرْوَى بِالْجِيمِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: يُرْوَى بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، وَبِالْحَاءِ أَشْهَرُ، وَالْجِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَدَدْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ، فَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ انْقَطَعَتْ عَنِ الزِّينَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ: حَدَّتْ وَلَمْ يَعْرِفْ إِلَّا أَحَدَّتْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ الْقُدَمَاءُ يُؤْثِرُونَ أَحَدَّتْ وَالْأُخْرَى أَكْثَرُ مَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ) أَيْ: إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَمَاتَ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ) أَظُنُّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ؛ فَإِنَّ أَثَرَ الزُّهْرِيِّ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ بِاخْتِصَارٍ. وَفِي التَّعْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ إِلْحَاقِ الصَّبِيَّةِ بِالْبَالِغِ فِي الْإِحْدَادِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا، وَبَذْلِكَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَلْ خِطْبَتُهَا فِي الْعِدَّةِ، وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةِ فِي الْبَابِ: أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَقَالَتْ: أَفَتَكْتَحِلُ هِيَ؟ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهَا: أَفَنَكْحُلُهَا؟ أَيْ: أَفَنُمَكِّنُهَا مِنَ الِاكْتِحَالِ؟.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا لَا رِوَايَةَ لَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهَا مُسْلِمٌ حَدِيثَهَا: كَانَ اسْمِي بَرَّةَ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبُ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ لَهَا الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) تَقَدَّمَ مِنْهَا الْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَرْحِهِمَا، وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، وَفِي الثَّانِي حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، وَأَنَّهُ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْمُوَطَّآتِ: عَبْدُ اللَّهِ. وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَئِذٍ طِفْلَةٌ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمُصَغَّرَ؛ فَإِنَّ دُخُولَ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِوَفَاتِهِ كَانَ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ جَحْشٍ فَإِنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ قَبْلَ زَيْنَبَ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حضَرَ دَفْنَهَا. وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الِاسْمِ تَغْيِيرٌ، أَوِ الْمَيِّتُ كَانَ أَخَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الزَّوْجِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ بَعْدَ النَّفْيِ، فَيَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ فَوْقَ الثَّلَاثِ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ
стр. 5575
آخَرَ كَالْإِجْمَاعِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجِبُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْإِحْدَادَ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ أَشَدُّ تَبَحُّرًا مِنْ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ، وَالشَّعْبِيَّ - قَالَ: وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، اهـ، وَمُخَالَفَتُهُمَا لَا تَقْدَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ. وَفِي أَثَرِ الشَّعْبِيِّ تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ الْمُنْذِرِ حَيْثُ نَفَى الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ الَّتِي شَكَتْ عَيْنَهَا - وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ - دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعِ التَّدَاوِي الْمُبَاحُ، وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا مُنِعَ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالًّا بِعَيْنِهِ عَلَى الْوُجُوبِ كَالْخِتَانِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فِي الْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِامْرَأَةٍ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ الْحَنَفِيَّةُ، فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا كَمَا تَجِبُ الْعِدَّةُ، وَأَجَابُوا عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَعَنْ كَوْنِهَا غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ بِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِمَنْعِهَا مِمَّا تُمْنَعُ مِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ، وَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: امْرَأَةٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَلَوْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَا سَيِّدُهَا؛ لِتَقْيِيدِهِ بِالزَّوْجِ فِي الْخَبَرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ لِلتَّقْيِيدِ بِالْإِيمَانِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ بِذَلِكَ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ يَسْلُكُهُ غَيْرُهُمْ. وَأَيْضًا فَالْإِحْدَادُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، وَهُوَ مُلْتَحَقٌ بِالْعِدَّةِ فِي حِفْظِ النَّسَبِ، فَتَدْخُلُ الْكَافِرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى، كَمَا دَخَلَ الْكَافِرُ فِي النَّهْيِ عَنِ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَنَقَلَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَرَدَّ عَلَى قَائِلِهِ وَبَيَّنَ فَسَادَ شُبْهَتِهِ فَأَجَادَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَيَّدَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهِ هُوَ الَّذِي يَنْقَادُ لِلشَّرْعِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَيِّتٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ: لَا إِحْدَادَ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَفَاتُهُ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَصْرِ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الزَّوْجِ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَصَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى أَبِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى مَنْ سِوَاهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خُصُوصُ الْأَبِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ؛ لِأَنَّ جُلَّ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ عَنْ بَعْضِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ.
وَوَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَتَعَقَّبَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ تَخْرِيجَهُ فِي الْمَرَاسِيلِ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ لَيْسَ تَابِعِيًّا، فَلَا يَخْرُجُ حَدِيثُهُ فِي الْمَرَاسِيلِ، وَهَذَا التَّعَقُّبُ مَرْدُودٌ؛ لِمَا قُلْنَاهُ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو دَاوُدَ كَانَ لَا يَخُصُّ الْمَرَاسِيلَ بِرِوَايَةِ التَّابِعِيِّ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ، فَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْبَائِنِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا إِحْدَادَ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْإِحْدَادَ شُرِعَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ وَالتَّزَيُّنِ يَدْعُو إِلَى الْجِمَاعِ، فَمُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُ زَجْرًا لَهَا عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي حق الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ عَنْ مَنْعِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ عَنِ التَّزْوِيجِ، وَلَا تُرَاعِيهِ هِيَ وَلَا تَخَافُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيِّ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْعِدَّةُ
стр. 5576
عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا وَبِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ إِلَى الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَهُ لِفِقْدَانِ الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ لَا لِفِقْدَانِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَمَا دُونَهَا، وَتَحْرِيمُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ أُبِيحَ لِأَجْلِ حَظِّ النَّفْسِ وَمُرَاعَاتِهَا وَغَلَبَةِ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلِهَذَا تَنَاوَلَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵄ الطِّيبَ لِتَخْرُجَا عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْدَادِ، وَصَرَّحَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّهَا لَمْ تَتَطَيَّبْ لِحَاجَةٍ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ آثَارَ الْحُزْنِ بَاقِيَةٌ عِنْدَهَا، لَكِنَّهَا لَمْ يَسَعْهَا إِلَّا امْتِثَالُ الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَكَامَلُ تَخْلِيقُهُ وَتُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ فَجُبِرَ الْكَسْرُ إِلَى الْعَقْدِ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ، وَذَكَرَ الْعَشْرَ مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ مَعَ أَيَّامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ.
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ: تَنْقَضِي بِمُضِيِّ اللَّيَالِي الْعَشْرِ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَشْهُرِ وَتَحِلُّ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْحَامِلُ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِهَا قَبْلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ قَوِيِّ الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَا تُحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ حِبَّانَ، وَالطَّحَاوِيِّ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: تَسَلَّبِي ثَلَاثًا، ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْدَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ زَوْجَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ وَالِدَةُ أَوْلَادِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ، وَعَوْنٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: بَلْ ظَاهِرُ النَّهْيِ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجُوزُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ جَعْفَرًا قُتِلَ شَهِيدًا، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ غَيْرِ جَعْفَرٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ مِمَّنْ قُطِعَ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ كَمَا قُطِعَ لِجَعْفَرٍ - كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّهِ وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ - اهـ كَلَامُ شَيْخِنَا مُلَخَّصًا.
وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ الْإِحْدَادَ كَانَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ فِي بَعْضِ عِدَّتِهَا فِي وَقْتٍ، ثُمَّ أُمِرَتْ بِالْإِحْدَادِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسْخِ. لَكِنَّهُ يُكْثِرُ مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ وَرَاءَ ذَلِكَ أَجْوِبَةً أُخْرَى:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِحْدَادِ الْمُقَيَّدِ بِالثَّلَاثِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْإِحْدَادِ الْمَعْرُوفِ فَعَلَتْهُ أَسْمَاءُ مُبَالَغَةً فِي حُزْنِهَا عَلَى جَعْفَرٍ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الثَّلَاثِ.
ثَانِيهَا: أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَنَهَاهَا بَعْدَهَا عَنِ الْإِحْدَادِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي عِنْدَ الثَّلَاثِ.
ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ أَبَانَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ اسْتِشْهَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ.
رَابِعُهَا: أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالِانْقِطَاعِ، فَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِدَّادٍ مِنْ أَسْمَاءَ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مَدْفُوعٌ، فَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ، لَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِحْدَادِ، قُلْتُ: وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ يُعِلُّهُ بِالشُّذُوذِ. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: لَا إِحْدَادَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَقَالَ: هَذَا مُنْكَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رَأْيِهِ. اهـ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ فَلَا نَكَارَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَغْرَبَ
стр. 5577
ابْنُ حِبَّانَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: تَسَلَّمِي بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِتَقْيِيدِهَا بِالثَّلَاثِ بَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْقَلَقِ يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَشَدَّ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالثَّلَاثِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، فَصَحَّفَ الْكَلِمَةَ وَتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَسَلَّبَ ثَلَاثًا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ: بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ: مِنْ قُرَيْشٍ وَسَمَّاهَا ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ، وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ النَّوْفَلِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَتَتْ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهِيَ تُحِدُّ وَتَشْتَكِي عَيْنَهَا الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ هَارُونَ الرَّمْلِيِّ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، لَكِنَّهُ قَالَ: بِنْتُ نُعَيْمٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا عَنْ عَاتِكَةَ بِنْتِ نُعَيْمٍ - أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ - جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتَهَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْحَدِيثَ. وَعَبْدُ للَّهِ بْنُ عُقْبَةَ هُوَ ابْنُ لَهِيعَةَ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلِابْنِ لَهِيعَةَ طَرِيقَانِ، وَلَمْ تُسَمَّ الْبِنْتُ الَّتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، وَلَمْ تُنْسَبْ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَبِيهِ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَذَا أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ عَلَيْهِ، وَكَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ فَتَحُونَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ ضَمُّ النُّونِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ هِيَ الْمُشْتَكِيَةُ، وَفَتْحُهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي اشْتَكَتْ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ وَرَجَّحَ هَذَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: عَيْنَاهَا يَعْنِي وَهُوَ يُرَجِّحُ الضَّمَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُسْلِمٍ، وَعَلَى الضَّمِّ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَالَّذِي رَجَّحَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُنْذِرِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَفَنَكْحُلُهَا) بِضَمِّ الْحَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِحَالِ عَلَى الْحَادَّةِ سَوَاءٌ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ: اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلُّ، وَإِذَا احْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ، وَيَجُوزُ بِاللَّيْلِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، فَإِنْ فَعَلَتْ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ.
قَالَ: وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفُ عَلَى عَيْنِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورِ: فَخَشُوا عَلَى عَيْنِهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَهْ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا: رَمِدَتْ رَمَدًا شَدِيدًا، وَقَدْ خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّهَا تَشْتَكِي عَيْنَهَا فَوْقَ مَا يُظَنُّ، فَقَالَ: لَا وَفِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَخْرَجَهَا ابْنُ حَزْمٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْفَقِئَ عَيْنُهَا، قَالَ: لَا، وَإِنِ انْفَقَأَتْ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ يَجُوزُ إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ مُقَيَّدًا بِاللَّيْلِ، وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ الْمَرْأَةِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهَا الْبُرْءُ بِغَيْرِ الْكُحْلِ كَالتَّضْمِيدِ بِالصَّبْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَحَدَّتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَزِيغَانِ فَكَانَتْ تَقْطُرُ فِيهِمَا الصَّبْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ النَّهْيَ عَلَى كُحْلٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي التَّزَيُّنَ بِهِ؛ لِأَنَّ
стр. 5578
مَحْضَ التَّدَاوِي قَدْ يَحْصُلُ بِمَا لَا زِينَةَ فِيهِ، فَلَمْ يَنْحَصِرْ فِيمَا فِيهِ زِينَةٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْمُدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَتَهْوِينُ الصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْإِسْلَامِ صَارَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وُصِفَ مِنَ الصَّنِيع، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ اسْتَمَرَّ فِي الْإِسْلَامِ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي قَبْلُ وَهِيَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
سُئِلَ مَالِكٌ: مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ حُمَيْدٌ) هُوَ ابْنُ نَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوءِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ؟) أَيْ: بَيِّنِي لِي الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ.
قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا إِلَخْ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تُسْنِدْهُ زَيْنَبُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَرْفُوعًا كُلُّهُ لَكِنَّهُ بِاخْتِصَارٍ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلُ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِدْرَاجَ رِوَايَةِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَلَا يَقْضِي عَلَى رِوَايَتِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالِ حْتِمَالِ، وَلَعَلَّ الْمَوْقُوفَ مَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَالْحِفْشُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ: الْبَيْتُ الصَّغِيرُ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: الْحِفْشُ: الْخُصُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحِفْشُ: الْبَيْتُ الذَّلِيلُ، الشَّعِثُ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ مِنْ خُوصٍ يُشْبِهُ الْقُفَّةَ تَجْمَعُ فِيهِ الْمُعْتَدَّةُ مَتَاعَهَا مِنْ غَزْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يَأْبَى هَذَا خُصُوصًا رِوَايَةَ شُعْبَةَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَّائِيَّ: عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْحِفْش مَا ذَكَرَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالْأَحْلَاسُ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الثَّوْبُ، أَوِ الْكِسَاءُ الرَّقِيقُ، يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْذعَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ وَصْفُ ثِيَابِهَا أَوْ وَصْفُ مَكَانِهَا، وَقَدْ ذُكِرَا مَعًا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَمُرَّ بِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ) بِالتَّنْوِينِ (حِمَارٍ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الْعُرْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَتَفْتَضُّ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ، فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا، وَأَصْلُ الْفَضِّ: الْكَسْرُ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ بِمَا تَفْعَلُهُ بِالدَّابَّةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: تُقْبَصُ بِقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهِيَ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَبْصُ: الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ، قَالَ الْأَصْبِهَانِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِسْرَاعِ، أَيْ: تَذْهَبُ بِعَدْوٍ وَسُرْعَةٍ إِلَى مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا؟ لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا لِقُبْحِ مَنْظَرِهَا، أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقِهَا إِلَى التَّزْوِيجِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهَا: بِهِ سَبَبِيَّةٌ، وَالضَّبْطُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا، وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ، ثُمَّ تَفْتَضُّ، أَيْ: تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا، وَتَنْبِذُهُ، فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ بَعْدَمَا تَفْتَضُّ بِهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ تَفْسِيرَ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْدَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِلْدُ الْقُبُلِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَى ظَهْرِهِ،
стр. 5579
وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَمْسَحُ بِهِ، ثُمَّ تَفْتَضُّ، أَيْ: تَغْتَسِلُ، وَالِافْتِضَاضُ: الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ؛ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ، وَإِرَادَةِ النَّقَاءِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ فَتَنْتَقِي مِنَ الْوَسَخِ فَتُشْبِهُ الْفِضَّةَ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِهْلَاكِ مَا هيَ فِيهِ، وَمِنَ الرَّمْيِ الِانْفِصَالُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
تَنْبِيهٌ:
جَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَتَفْتَضُّ بِهِ لِلتَّعَدِّيَةِ، أَوْ تَكُونَ زَائِدَةً، أَيْ: تَفْتَضُّ الطَّائِرَ، بِأَنْ تَكْسِرَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، انْتَهَى. وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الِافْتِضَاضِ صَرِيحًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا.
قَوْلُهُ: (فَتَرْمِي بِهَا) فِي رِوَايَةِ مُطَرَّفٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مَالِكٍ: تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوِ الْإِبِلِ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: فَتَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ: فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ رَمْيَهَا الْبَعْرَةَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرُورِ الْكَلْبِ سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ انْتِظَارِ مُرُورِهِ أَمْ قَصُرَ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقِيلَ: تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مُقَامَهَا حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَةٍ تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَلْبَ إِذَا مَرَّ افْتُضَّتْ بِهِ ثُمَّ رَمَتِ الْبَعْرَةَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا؛ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ. وَاخْتُلَفَ فِي الْمُرَادِ بِرَمْيِ الْبَعْرَةِ، فَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَمَتِ الْعِدَّةَ رَمْيَ الْبَعْرَةِ، وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِمَا انْقَضَى كَانَ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَةِ الَّتِي رَمَتْهَا اسْتِحْقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجِهَا، وَقِيلَ: بَلْ تَرْمِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ عَوْدِهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
٤٧ - بَاب الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ
٥٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوا عَلَى عَيْنَيْهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ: لَا تَكتحلْ؛ قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ، فَلَا، حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
٥٣٣٩ - وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
٥٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ) كَذَا وَقَعَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ لَقَالَ الْمُحِدَّةِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الصَّوَابُ الْحَادُّ بِلَا هَاءٍ؛ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُؤَنَّثِ كَطَالِقٍ وَحَائِضٍ. قُلْتُ: لَكِنَّهُ جَائِزٌ فَلَيْسَ بِخَطَأٍ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَرْجَحَ.
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَاضِيَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَكَذَا حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَوْرَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ
стр. 5580
مَا فِيهِ قَبْلُ. وَقَوْلُهُ: لَا تَكْتَحِلُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِلَا تَاءٍ بَيْنَ الْكَافِ وَالْحَاءِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ مُخْتَصَرًا، وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مُطَوَّلًا، وَقَوْلُهُ: إِلَّا بِزَوْجٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا عَلَى زَوْجٍ.
٤٨ - بَاب الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ
٥٣٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ، وَلَا نَطَّيَّبَ، وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ) أَيْ: عِنْدَ طُهْرِهَا مِنَ الْمَحِيضِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا نُنْهَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ يُعْصَبُ غَزْلُهَا، أَيْ: يُرْبَطُ، ثُمَّ يُصْبَغُ، ثُمَّ يُنْسَجُ مَعْصُوبًا، فَيَخْرُجُ مُوشًى؛ لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ بِهِ أَبْيَضَ لَمْ يَنْصَبِغْ، وَإِنَّمَا يُعْصَبُ السَّدَى دُونَ اللُّحْمَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى: الْعَصْبُ هُوَ الْمَفْتُولُ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ. وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدَنِيُّ فِي ذَيْلِ الْغَرِيبِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّهُ مِنْ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ تُسَمَّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ، يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَزُ وَغَيْرُهُ وَيَكُونُ أَبْيَضَ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ: إِنَّهُ نَبَاتٌ لَا يَنْبُتُ إِلَّا بِالْيَمَنِ وَعَزَاهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيِّ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ: الْمُرَادُ بِالثَّوْبِ الْعَصْبِ الْخَضِرَةُ وَهِيَ الْحِبَرَةُ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ فِي أَنَّ الْعَصْبَ الْأَخْضَرُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَادَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ وَلَا الْمُصْبَغَةِ، إِلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاسِ الْحُزْنِ، وَكَرِهَ عُرْوَةُ الْعَصْبَ أَيْضًا، وَكَرِهَ مَالِكٌ غَلِيظَهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدِ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَهُ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ جَوَازُ مَا لَيْسَ بِمَصْبُوغٍ وَهِيَ الثِّيَابُ الْبِيضُ، وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْمُرْتَفِعَ مِنْهَا الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَسْوَدُ إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَرَخَّصَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مَصْبُوغًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْعُهُ مُطْلَقًا مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ، وَالْحَادَّةُ مَمْنُوعَةٌ مِنَ التَّزَيُّنِ، فَكَانَ فِي حَقِّهَا كَالرِّجَالِ، وَفِي التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبِاللُّؤْلُؤِ وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ جَوَازُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فِي الْمَقْصُودِ بِلُبْسِهِ، وَفِي الْمَقْصُودِ بِالْإِحْدَادِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ تَأَمُّلِهَا يَتَرَجَّحُ الْمَنْعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْضًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَيْضِهَا وَفِي الَّذِي بَعْدَهُ: وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ.
قَوْلُهُ: (فِي نُبْذَةٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، أَيْ: قِطْعَةٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ) كَذَا فِيهِ بِالْكَافِ وَبِالْإِضَافَةِ، وَفِي الَّذِي بَعْدَهُ: مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ بِقَافٍ وَوَاوٍ عَاطِفَةٍ وَهُوَ أَوْجُهٌ، وَخَطَّأَ عِيَاضٌ الْأَوَّلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ. وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ: الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ، أَيْ: يَجُوزُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْكَافُ
стр. 5581
وَالْقَافُ، وَزَادَ الْقُسْطُ أَنَّهُ يُقَالُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الطَّاءِ، فَأَرَادَ الْمِثْلِيَّةَ فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ فَقَطْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقُسْطُ وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنَ الْبَخُورِ وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُودِ الطِّيبِ، رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ؛ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، تَتْبَعُ بِهِ أَثَرَ الدَّمِ لَا لِلتَّطَيُّبِ. قُلْتُ: الْمَقْصُودُ مِنَ التَّطَيُّبِ بِهِمَا أَنْ يُخْلَطَا فِي أَجْزَاءٍ أُخَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا ثُمَّ تُسْحَقَ فَتَصِيرَ طِيبًا، وَالْمَقْصُودُ بِهِمَا هُنَا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَنْ تَتَبَّعَ بِهِمَا أَثَرَ الدَّمِ؛ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ لَا لِلتَّطَيُّبِ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَسْحَقُ الْقُسْطَ وَتُلْقِيهِ فِي الْمَاءِ آخِرَ غُسْلِهَا؛ لِتَذْهَبَ رَائِحَةُ الْحَيْضِ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ إِلَّا مِنَ التَّبَخُّرِ بِهِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا مِنْ جِنْسِ مَا مُنِعَتْ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّزَيُّنِ أَوِ التَّطَيُّبِ كَالتَّدَهُّنِ بِالزَّيْتِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ.
٤٩ - بَاب تَلْبَسُ الْحَادَّةُ ثِيَابَ الْعَصْبِ
٥٣٤٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ؛ فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ.
٥٣٤٣ - وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَطِيَّةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَلْبَسُ الْحَادَّةُ ثِيَابَ الْعَصْبِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ مُصَرِّحًا بِرَفْعِهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ الْحَدِيثُ مِثْلُ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ الْمَاضِي قَبْلَهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا عَلَى زَوْجٍ: فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَوَقَعَ فِيهِ: فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى: ثَلَاثَ لَيَالٍ وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَجُمِعَ بِإِرَادَةِ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا، وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ هُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ الْأَوَّلِ وَلِذَلِكَ أَنَّثَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهَا تَحُدُّ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَقَطْ، فَإِنْ مَاتَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَقْلَعَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ أَوْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ تُقْلِعْ إِلَّا فِي صَبِيحَةِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَلَا تَلْفِيقَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ الْكَثِيرَ بِوَاسِطَةٍ وَبِلَا وَاسِطَةٍ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنَ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمِ الرَّازِيِّ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ بِلَفْظِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُحِدَّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ؛ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَدْنَى طُهْرِهَا) أَيْ: عِنْدَ قُرْبِ طُهْرِهَا أَوْ أَقَلَّ طُهْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَبْلُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ شَيْخُ مَالِكٍ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ أَيْضًا.
٥٠ - بَاب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
стр. 5582
٥٣٤٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ، تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ﴾ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهَا وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا.
٥٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ابنة أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا جَاءَهَا نَعِيُّ أَبِيهَا، دَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَحَتْ ذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ؛ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿خَبِيرٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ بِكَمَالِهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ تَعْلِيقٍ وَغَيْرِهِ، وَوَقَعَ هُنَاكَ إِسْحَاقُ غَيْرَ مَنْسُوبٍ وَفُسِّرَ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ، تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبًا كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَذَكَرَ وَاجِبًا، إِمَّا لِأَنَّهُ صِفَةُ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَمْرًا وَاجِبًا، أَوْ ضَمَّنَ الْعِدَّةَ مَعْنَى الِاعْتِدَادِ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: وَاجِبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ نَزَلَتْ قَبْلَ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ كَمَا هيَ قَبْلَهَا فِي التِّلَاوَةِ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِشْكَالُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ قَبْلَ الْمَنْسُوخِ، فَرَأَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا مُمْكِنٌ بِحُكْمٍ غَيْرِ مُتَدَافِعٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَيُوجِبُ عَلَى أَهْلِهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدَهُمْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً تَمَامَ الْحَوْلِ، إِنْ أَقَامَتْ عِنْدَهُمُ. اهـ مُلَخَّصًا.
قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَقْلُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا تَابَعَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ أَحَدٌ، وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ آيَةَ الْحَوْلِ مَنْسُوخَةٌ، وَأَنَّ السُّكْنَى تَبَعٌ لِلْعِدَّةِ، فَلَمَّا نُسِخَ الْحَوْلُ فِي الْعِدَّةِ بِالْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ نُسِخَتِ السُّكْنَى أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعِدَّةَ بِالْحَوْلِ نُسِخَتْ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ أَيْضًا،
стр. 5583
وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ، قَالَ: وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِهِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، بَلْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَدْرِهَا مِثْلَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ، فَارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَاخْتَصَّ مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ بِمُدَّةِ السُّكْنَى، عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥١ - بَاب مَهْرِ الْبَغِيِّ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ:
إِذَا تَزَوَّجَ مُحَرَّمَةً وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا مَا أَخَذَتْ، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَهَا صَدَاقُهَا
٥٣٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ.
٥٣٤٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ.
٥٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ) الْبَغِيُّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِنَ الْبِغَاءِ وَهُوَ الزِّنَا، يَسْتَوِي فِي لَفْظِهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَقِيلَ: وَزْنُهُ فَعُولٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ بَغُويٌ، أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً، ثُمَّ كُسِرَتِ الْغَيْنُ لِأَجْلِ الْيَاءٍ الَّتِي بَعْدَهَا، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَهْرُ مَنْ نُكِحَتْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، أَيْ: بِشُبْهَةٍ مِنْ إِخْلَالِ شَرْطٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ: (إِذَا تَزَوَّجَ مُحَرَّمَةً) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ بَيْنَهُمَا وَبِالضَّمِيرِ، وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ: أَيْ: ذَا مَحْرَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا تَعَمَّدَ، وَبِهَذَا الْقَيْدِ وَمَفْهُومِهِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهَا الْمُسَمَّى، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَهَا صَدَاقُهَا) هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوُهُ وَقَالَ:: لَهَا صَدَاقُهَا، أَيْ: صَدَاقُ مِثْلِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ.
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ - وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو الْأَنْصَارِيُّ - فِي النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَقَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي لَعْنِ الْوَاشِمَةِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْبَغِيِّ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ.
الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ الْجُمْهُورُ: مَنْ عَقَدَ عَلَى مَحْرَمٍ وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْعَقْدُ شُبْهَةٌ. وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شَرِكَةٌ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنَ الْمِلْكِ
стр. 5584
اقْتَضَتْ حُصُولَ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ الْمَحْرَمِ لَهُ فَلَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا فَافْتَرَقَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ الْحَدَّ فِي وَطْءِ الْحُرَّةِ، وَلَا يَجِبُ فِي الْمَمْلُوكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٢ - بَاب الْمَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا وَكَيْفَ الدُّخُولُ، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَسِيسِ
٥٣٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ. فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ، وَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَقَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ. قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي. قَالَ: لَا مَالَ لَكَ؛ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا) أَيْ: وُجُوبُهُ أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ. وَقَوْلُهُ: كَيْفَ الدُّخُولُ يُشِيرُ إِلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا وَأَرْخَى سِتْرًا عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَبَذْلِكَ قَالَ اللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَحْمَدُ، وَجَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ يَجِبُ مَعَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا سَوَاءٌ وَطِئَ أَمْ لَمْ يَطَأْ، إِلَّا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا أَوْ صَائِمًا أَوْ مُحْرِمًا أَوْ كَانَتْ حَائِضًا فَلَهَا النِّصْفُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ كَامِلَةً، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْغَالِبَ عِنْدَ إِغْلَاقِ الْبَابِ وَإِرْخَاءِ السِّتْرِ عَلَى الْمَرْأَةِ وُقُوعُ الْجِمَاعِ، فَأُقِيمَتِ الْمَظِنَّةُ مَقَامَ الْمَئِنَّةِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ عَدَمِ الصَّبْرِ عَنِ الْوَقَاعِ غَالِبًا؛ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَتَوَفُّرِ الدَّاعِيَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ كَامِلًا إِلَّا بِالْجِمَاعِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وَجَاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي حَدِيثِ الْبَابِ: فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: دَخَلْتَ عَلَيْهَا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ مُجَرَّدَ الدُّخُولِ يَكْفِي. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فِي بَيْتِهَا صُدِّقَ عَلَيْهَا، وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: التَّقْدِيرُ: أَوْ كَيْفَ طَلَاقُهَا؟ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْفِعْلِ عَنْ ذِكْرِ الْمَصْدَرِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَوْ كَيْفَ الْحُكْمُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ؟
قَوْلُهُ: (وَالْمَسِيسُ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالتَّقْدِيرُ: وَكَيْفَ الْمَسِيسُ؟ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الدُّخُولِ، أَيْ: إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الْمَسِيسِ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْمُلَاعَنَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ اللِّعَانِ.
٥٣ - بَاب الْمُتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَصِيرٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
стр. 5585
اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُلَاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا
٥٣٥٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي. قَالَ: لَا مَالَ لَكَ؛ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَصِيرٌ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَاقَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَسَاقَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ - ثُمَّ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ - ﴿تَعْقِلُونَ﴾ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَتَقْيِيدُهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا قَدِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، فَنَفَى الْجُنَاحَ عَمَّنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنِ الْمُسَمَّى، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لَهَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَمَّنْ فُرِضَ لَهَا قَدْرٌ مَعْلُومٌ مَعَ وُجُودِ الْمَسِيسِ؟ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَخْتَصُّ الْمُتْعَةُ بِمِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا، وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ بِأَنَّهَا لَمْ تُقَدَّرْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَدَمَ التَّقْدِيرِ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ شُرَيْحًا يَقُولُ: مَتِّعْ إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا، مَتِّعْ إِنْ كُنْتَ مُتَّقِيًا. وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى تَرْكِ الْوُجُوبِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً مِنِ اسْتِثْنَاءٍ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وكَذَا تَجِبُ فِي كُلِّ فُرْقَةٍ إِلَّا فِي فُرْقَةٍ وَقَعَتْ بِسَبَبٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ، وَخَصَّهُ مَنْ فَصَلَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُلَاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) قَدْ تَقَدَّمَتْ أَحَادِيثُ اللِّعَانِ مُسْتَوْفَاةَ الطُّرُقِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِلْمُتْعَةِ ذِكْرٌ، فَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي تَرْكِ الْمُتْعَةِ لِلْمُلَاعَنَةِ بِالْعَدَمِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ، فَأَجَابَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَطَلَّقَهَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ تَدْخُلِ الْمُلَاعَنَةُ فِي عُمُومِ الْمُطَلَّقَاتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْمُلَاعَنِ وَقَوْلَهُ فِيهِ: وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا.
خَاتِمَةٌ:
اشْتَمَلَ كِتَابُ الطَّلَاقِ وَتَوَابِعِهِ مِنَ اللِّعَانِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَتِسْعُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ، وَحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ ثَلَاثَتُهَا فِي قِصَّةِ الْجَوْنِيَّةِ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنِ النَّائِمِ الْحَدِيثَ وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فِي الْخُلْعِ، وَحَدِيثِهِ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ، وَحَدِيثِهِ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي نِكَاحِ الذِّمِّيَّةِ، وَحَدِيثِهِ فِي تَفْسِيرِ الْإِيلَاءِ، وَحَدِيثِ الْمِسْوَرِ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ وَهُوَ مُعَلَّقٌ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ تِسْعُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5586
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٩ - كِتَاب النَّفَقَاتِ
١ - بَاب فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ، وَقَوْلِ اللَّهِ :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْعَفْوُ: الْفَضْلُ
٥٣٥١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَقُلْتُ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ - وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا - كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً.
٥٣٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "قَالَ اللَّهُ أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ"
٥٣٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي ﷺ : "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ"
[الحديث ٥٣٥٣ - طرفاه في: ٦٠٠٦، ٦٠٠٧]
٥٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لِي مَالٌ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالشَّطْرِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالثُّلُثِ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ وَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ يَنْتَفِعُ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ"
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ النَّفَقَاتِ وَفَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ) كَذَا لِكَرِيمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ: كِتَابُ النَّفَقَاتِ ثُمَّ الْبَسْمَلَةُ ثُمَّ قَالَ: بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَسَقَطَ لَفْظُ: بَابٍ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ لِلنَّسَفِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: قُلِ الْعَفْوَ، وَقَدْ قَرَأَ الْأَكْثَرُ: قُلِ الْعَفْوَ، بِالنَّصْبِ، أَيْ: تُنْفِقُونَ الْعَفْوَ أَوْ: أَنْفِقُوا الْعَفْوَ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَقَبْلَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةَ: قُلِ الْعَفْوُ، بِالرَّفْعِ أَيْ: هُوَ الْعَفْوُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: مَاذَا رَكِبْتَ أَفَرَسٌ أَمْ بَعِيرٌ؟ يَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: الْعَفْوُ الْفَضْلُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَزَادَ: وَلَا لَوْمَ عَلَى الْكَفَافِ.
стр. 5587
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَنْ لَا تُجْهِدَ مَالَكَ ثُمَّ تَقْعُدَ تَسْأَلُ النَّاسِ فَعُرِفَ بِهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْفَضْلُ أَيْ: مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَالِ فَيَمْحَقُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَثَعْلَبَةَ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَا: إِنَّ لَنَا أَرِقَّاءَ وَأَهْلِينَ، فَمَا نُنْفِقُ مِنْ أَمْوَالِنَا؟ فَنَزَلَتْ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ مِنْ إِيرَادِهَا فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَفْوِ مَا فَضَلَ عَنِ الْأَهْلِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْعَفْوُ: الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْعَفْوُ: مَا لَا يَتَبَيَّنُ فِي الْمَالِ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّدَقَةُ. فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كَانَ مَا جَاءَ مِنَ السَّبَبِ فِي نُزُولِهَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مُرْسَلًا. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ.
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَقُلْتُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْقَائِلُ: فَقُلْتُ: هُوَ شُعْبَةُ، بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، فَذَكَرَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ مُرَاجَعَةٍ، وَذَكَرَ الْمَتْنَ مِثْلَهُ. وَفِي الْمَغَازِي عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ الْمَتْنَ مُخْتَصَرًا، لَيْسَ فِيهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا وَهَذَا مُقَيَّدٌ لِمُطْلَقِ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْأَهْلِ صَدَقَةٌ كَحَدِيثِ سَعْدٍ رَابِعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِسَابِ الْقَصْدُ إِلَى طَلَبِ الْأَجْرِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الثَّوَابُ، وَإِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ مَجَازٌ، وَقَرِينَتُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ الْهَاشِمِيَّةِ مَثَلًا. وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَصْلُ الثَّوَابِ لَا فِي كَمَيِّتِهِ وَلَا كَيْفِيَّتِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأَجْرَ لَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ إِلَّا مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ، وَلِهَذَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورَ فِي: بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَحَذَفَ الْمِقْدَارَ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا أَنْفَقَ لِإِرَادَةِ التَّعْمِيمِ؛ لِيَشْمَلَ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْمَلَ الزَّوْجَةَ وَالْأَقَارِبَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ الزَّوْجَةَ وَيَلْحَقَ بِهِ مَنْ عَدَاهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ إِذَا ثَبَتَ فِيمَا هُوَ وَاجِبٌ، فَثُبُوتُهُ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَوْلَى. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبٌ، وَالَّذِي يُعْطِيهِ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ قَصْدِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهَا وَاجِبَةً وَبَيْنَ تَسْمِيَتِهَا صَدَقَةً، بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: النَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِعُ صَدَقَةً خَشْيَةَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامَهُمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْرَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَجْرِ فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَةٌ، حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْرِ الْأَهْلِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكْفُوهُمْ؛ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ قَبْلَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَسْمِيَةُ النَّفَقَةِ صَدَقَةً مِنْ جِنْسِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ نِحْلَةً، فَلَمَّا كَانَ احْتِيَاجُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ كَاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهَا - فِي اللَّذَّةِ وَالتَّأْنِيسِ وَالتَّحْصِينِ وَطَلَبِ الْوَلَدِ - كَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَجِبَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ خَصَّ الرَّجُلَ بِالْفَضْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَرَفَعَهُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ دَرَجَةً، فَمِنْ ثَمَّ جَازَ إِطْلَاقُ النِّحْلَةِ عَلَى الصَّدَاقِ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى النَّفَقَةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ شَيْخِنَا فِي تَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ، لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يُخْرِجْهُ كَأَنْظَارِهِ، لَكِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ
стр. 5588
طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) أَنْفِقِ الْأُولَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ عَلَى الْجَوَابِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، وَهُوَ وَعْدٌ بِالْخُلْفِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى الْحَدِيثَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: صَحِيحٌ تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدٌ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْأَوَّلَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ الْحَدِيثَ، وَفَرَّقَهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ لِي فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ: يَا ابْنَ آدَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ جِنْسُ بَنِي آدَمَ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ ﷺ بِإِضَافَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ؛ لِكَوْنِهِ رَأْسَ النَّاسِ، فَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ إِلَيْهِ؛ لِيَعْمَلَ بِهِ وَيُبَلِّغَ أُمَّتَهُ، وَفِي تَرْكِ تَقْيِيدِ النَّفَقَةِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَا يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ شُعَيْبٍ مَبْسُوطًا فِي التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ: أَخْبَرَنِي ثَوْرٌ.
قَوْلُهُ: (السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كَذَا قَالَ جَمِيعُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ بِهِ مُرْسَلًا ثُمَّ قَالَ وَعَنْ ثَوْرٍ بِسَنَدِهِ مِثْلُهُ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَاقْتَصَرَ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ ثَوْرٍ: فَقَالَ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ لَهُ صَدَقَةٌ بَيَّنَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ.
قَوْلُهُ: (أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ) هَكَذَا لِلْجَمِيعِ عَنْ مَالِكٍ بِالشَّكِّ لَكِنْ لِأَكْثَرِهِمْ - مِثْلُ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، وَابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ بُكَيْرٍ فِي آخَرِينَ - بِلَفْظِ: أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ ثَوْرٍ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ، لَكِنْ قَالَهُ بِالْوَاوِ لَا بِلَفْظِ أَوْ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَالصَّائِمُ لَا يُفْطِرُ شَكَّ الْقَعْنَبِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ بِالشَّكِّ عَنْ مَالِكٍ لَكِنْ بِمَعْنَاهُ، فَيُحْمَلُ اخْتِصَاصُ الْقَعْنَبِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، وَمَعْنَى السَّاعِي الَّذِي يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُ الْأَرْمَلَةَ وَالْمِسْكِينَ. وَالْأَرْمَلَةُ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَالْمِسْكِينُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَوْلُهُ: الْقَائِمِ اللَّيْلَ يَجُوزُ فِي اللَّيْلِ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ، كَمَا فِي قَوْلِهِمُ: الْحَسَنُ الْوَجْهَ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ إِمْكَانِ اتِّصَافِ الْأَهْلِ أَيِ الْأَقَارِبِ بِالصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْفَضْلُ لِمَنْ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ بِقَرِيبٍ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالْوَصْفَيْنِ، فَالْمُنْفِقُ عَلَى الْمُتَّصِفِ أَوْلَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْوَصَايَا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: دِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ مِسْكِينًا، وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، قَالَ: الدِّينَارُ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُ أَجْرًا، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ رَفَعَهُ: أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَدَأَ بِالْعِيَالِ، وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ، يُعِفُّهُمْ وَيَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِهِ؟ قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْبَدَاءَةُ فِي الْإِنْفَاقِ بِالْعِيَالِ، يَتَنَاوَلُ النَّفْسَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْمَرْءِ مِنْ جُمْلَةِ عِيَالِهِ بَلْ هِيَ
стр. 5589
أَعْظَمُ حَقًّا عَلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ عِيَالِهِ، إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ إِحْيَاءُ غَيْرِهِ بِإِتْلَافِ نَفْسِهِ، ثُمَّ الْإِنْفَاقُ عَلَى عِيَالِهِ كَذَلِكَ.
٢ - بَاب وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ
٥٣٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الِابْنُ: أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٥٣٥٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَهْلِ فِي التَّرْجَمَةِ الزَّوْجَةُ، وَعَطْفُ الْعِيَالِ عَلَيْهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَالْأَقَارِبُ، وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ الزَّوْجَةُ وَالْخَدَمُ، فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ ذُكِرَتْ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِحَقِّهَا، وَوُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ أَوَّلَ النَّفَقَاتِ. وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنِ التَّكَسُّبِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْوُجُوبِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا بِالْكِفَايَةِ، وَالشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ - إِلَى أَنَّهَا بِالْأَمْدَادِ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا لَوْ قُدِّرَتْ بِالْحَاجَةِ لَسَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرِيضَةِ وَالْغَنِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهَا بِمَا يُشْبِهُ الدَّوَامَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فَاعْتَبِرُوا الْكَفَّارَةَ بِهَا وَالْأَمْدَادُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَخْدِشُ فِي هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ، وَبِأَنَّهَا لَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ سَقَطَتْ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فِيهِمَا، وَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْكِفَايَةُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْإِجْمَاعَ الْفِعْلِيَّ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا وَقَوْلُهُ: وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَيْ: بِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ، يُقَالُ: عَالَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ إِذَا مَانَهُمْ، أَيْ: قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ قُوتٍ وَكِسْوَةٍ. وَهُوَ أَمْرٌ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ عَلَى مَا لَا يَجِبُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْأَوْلَادِ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ، فَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ النَّفَقَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ بَالِغِينَ، إِنَاثًا وَذُكْرَانًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ يَسْتَغْنُونَ بِهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ
стр. 5590
حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ أَوْ تَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى، ثُمَّ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَبِ إِلَّا إِنْ كَانُوا زَمْنَى، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ فَلَا وُجُوبَ عَلَى الْأَبِ.
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ بِالْوَلَدِ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ: فَقِيلَ: مَنْ أَعُولُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: امْرَأَتَكَ، الْحَدِيثَ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ بِهِ، وَفِيهِ: فَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةُ: مَنْ تَعُولُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَغَفَلَ عَنِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَرَجَّحَ مَا فَهِمَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمَرْأَةُ تَقُولُ لِزَوْجِهَا: أَطْعِمْنِي وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي حِفْظِ عَاصِمٍ شَيْئًا، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، وَكَذَا وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَقُولُ امْرَأَتُكَ إِلَخْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ: لَا هَذَا مِنْ كِيسٍ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ: قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، شَيْءٌ تَقُولُ مِنْ رَأْيكِ، أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ كِيسِي وَقَوْلُهُ: مِنْ كِيسِي هُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ لِلْأَكْثَرِ، أَيْ: مِنْ حَاصِلِهِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مِنَ اسْتِنْبَاطِهِ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَعَ الْوَاقِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِ الْكَافِ، أَيْ: مِنْ فِطْنَتِهِ.
قَوْلُهُ: (تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ: إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَيَقُولُ خَادِمُكَ: أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ الِابْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: تَكِلُنِي وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْأَوْلَادِ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقُولُ: إِلَى مِنْ تَدَعُنِي؟ إِنَّمَا هُوَ مَنْ لَا يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ سِوَى نَفَقَةِ الْأَبِ، وَمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ أَوْ مَالٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي مَنْ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ إِذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ وَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ، وَتَتَعَلَّقُ النَّفَقَةُ بِذِمَّتِهِ. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ وَأَجَابَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفِرَاقُ وَاجِبًا لَمَا جَازَ الْإِبْقَاءُ إِذَا رَضِيَتْ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِبْقَاءِ إِذَا رَضِيَتْ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ. وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةً مِنَ التَّابِعِينَ قَالُوا: نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يُطَلِّقُ، فَإِذَا كَادَتِ الْعِدَّةُ تَنْقَضِي رَاجَعَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ. حَتَّى تَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ اتْرُكْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْإِشَارَةِ بِالْأَيْدِي فِي التَّشَهُّدِ بِالسَّلَامِ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَهُنَا تَمَسَّكُوا بِالسَّبَبِ.
وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْسَرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ اتِّفَاقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب حَبْسِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَيْفَ نَفَقَاتُ الْعِيَالِ؟
٥٣٥٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، أَوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرْنِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ،
стр. 5591
وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ.
٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِا عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ - وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ -: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا فَجَلَسُوا، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلًا فَقَالَ لِعُمَرَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا وَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، فَقَالَ الرَّهْطُ - عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدُوا، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؛ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَ هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لِعَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ.
ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ، فعمل فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ - وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ - تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ؛ جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، وَأَتَى هَذَا يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ بِهِ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ بِهِ فِيهَا مُنْذُ وُلِّيتُهَا، وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا
стр. 5592
بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا، فَأَنَا أَكْفِيَكُمَاهَا.
قَوْلُهُ (بَابُ حَبْسِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَيْفُ نَفَقَاتُ الْعِيَالِ؟) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِرُكْنِ التَّرْجَمَةِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ كَيْفِيَّةُ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لِي أَوَّلًا وَجْهُ أَخْذِهِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَا رَأَيْتُ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ دَلِيلُ التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ نَفَقَةِ السَّنَةِ إِذَا عُرِفَ عُرِفَ مِنْهُ تَوْزِيعُهَا عَلَى أَيَّامِ السَّنَةِ، فَيُعْرَفُ حِصَّةُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمُغَلِّ الْمَذْكُورِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ التَّسْوِيَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَلِلْأَكْثَرِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَسْبُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا فَاتَ ابْنَ عُيَيْنَةَ سَمَاعُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِأَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ مَعْمَرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ. وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَانَ عَمِّ مَعْمَرٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ وَحْدَهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ مُنْفَرِدَةً عَنْ سُفْيَانَ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ؛ فَإِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ قَرِينَانِ، وَعَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْمُذَاكَرَةُ بِالْعِلْمِ، وَإِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى نَظِيرِهِ؛ لِيَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحِفْظِ، وَتَثَبُّتُ مَعْمَرٍ وَإِنْصَافُهُ؛ لِكَوْنِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْضِرُ إِذْ ذَاكَ فِي الْمَسْأَلَةِ شَيْئًا، ثُمَّ لَمَّا تَذَكَّرَهَا أَخْبَرَ بِالْوَاقِعَةِ كَمَا هيَ وَلَمْ يَأْنَفْ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا.
ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْأَهْلِ قُوتَ سَنَةٍ، وَفِي السِّيَاقِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الِادِّخَارِ لِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الِادِّخَارِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةٌ، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمُ الْمَقْصِدُ بِالِادِّخَارِ دُونَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُوجَدُوا لَمْ يَدَّخِرْ، قَالَ: وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى لِسَانِ الطَّرِيقَةِ جَعَلُوا أَوْ بَعْضُهُمْ مَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ خَارِجًا عَنْ طَرِيقَةِ التَّوَكُّلِ، انْتَهَى.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الطَّبَرِيِّ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَفِي الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقْيِيدٌ بِالسَّنَةِ اتِّبَاعًا لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ، لَكِنِ اسْتِدْلَالُ الطَّبَرِيِّ قَوِيٌّ، بَلِ التَّقْيِيدُ بِالسَّنَةِ إِنَّمَا جَاءَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَدَّخِرُ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِمَّا تَمْرًا وَإِمَّا شَعِيرًا، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا يُدَّخَرُ كَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنْ سَنَتَيْنِ إِلَى سَنَتَيْنِ لَاقْتَضَى الْحَالُ جَوَازَ الِادِّخَارِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَعَ كَوْنِهِ ﷺ كَانَ يَحْتَبِسُ قُوتَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ فَكَانَ فِي طُولِ السَّنَةِ رُبَّمَا اسْتَجَرَّهُ مِنْهُمْ لِمَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ وَيُعَوِّضُهُمْ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ مَاتَ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اقْتَرَضَهُ قُوتًا لِأَهْلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ ادِّخَارِ الْقُوتِ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنَ السُّوقِ، قَالَ عِيَاضٌ: أَجَازَهُ قَوْمٌ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُغَلِّ الْأَرْضِ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ إِلَّا إِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالسِّعْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِرْفَاقًا بِالنَّاسِ. ثُمَّ مَحِلُّ هَذَا
стр. 5593
الِاخْتِلَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَالِ الضِّيقِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الِادِّخَارُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَصْلًا.
٤ - بَاب نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةِ الْوَلَدِ
٥٣٥٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ.
٥٣٦٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ
وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا، وَقَدْ مَرَّ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ.
(تَنْبِيهٌ):
وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ عِنْدَ النَّسَفِيِّ.
٥ - بَاب وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ - إِلَى قَوْلِهِ: - بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ: نَهَى اللَّهُ تعالى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ، وَهِيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ. فِصَالُهُ: فِطَامُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿بَصِيرٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وَقَالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، قِيلَ: دَلَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى إِيجَابِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مِنْ أَجْلِ رَضَاعِهَا الْوَلَدَ، كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ أَمْ لَا. وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا.
وَفِي الثَّالِثَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى مِقْدَارِ الْإِنْفَاقِ وَأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمُنْفِقِ. وَفِيهَا أَيْضًا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْإِرْضَاعَ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَى الْأُمِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فِي بَابِ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ الْبَحْثُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِرْضَاعَ الْحَوْلَيْنِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمَهْمَا وَضَعَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نَقَصَ مِنْ مُدَّةِ
стр. 5594
الْحَوْلَيْنِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾. وَتُعُقِّبَ بِمَنْ زَادَ حَمْلُهَا عَلَى ثَلَاثِينَ شَهْرًا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إِسْقَاطُ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَأُخِذَ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا الْتَحَقَ بِالزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ: - وَتَشَاوُرٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ. وَقَوْلُهُ: ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْعِهَا، أَيْ: مَنْعُهَا يَنْتَهِي إِلَى رَضَاعِ غَيْرِهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: الْوَالِدَاتُ أَحَقُّ بِرَضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ، وَلَيْسَ لِوَالِدَةٍ أَنْ تُضَارَّ وَلَدَهَا فَتَأْبَى رَضَاعَهُ، وَهِيَ تُعْطَى عَلَيْهِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ وَلَدَهُ مِنْهَا ضِرَارًا لَهَا وَهِيَ تَقْبَلُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالَ الْوَلَدِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ دُونَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا بَأْسَ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: (فِصَالُهُ: فِطَامُهُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَالْفِصَالُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: فَاصَلْتُهُ أُفَاصِلُهُ مُفَاصَلَةً وَفِصَالًا إِذَا فَارَقْتُهُ مِنْ خُلْطَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَفِصَالُ الْوَلَدِ مَنْعُهُ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْزَامِ، كَقَوْلِكِ: حَسْبُكُ دِرْهَمٌ، أَيِ: اكْتَفِ بِدِرْهَمٍ، قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِدَةِ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا إِذَا كَانَ أَبُوهُ حَيًّا مُوسِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾، سِيقَ لِمَبْلَغِ غَايَةِ الرَّضَاعَةِ الَّتِي مَعَ اخْتِلَافِ الْوَالِدَيْنِ فِي رَضَاعِ الْمَوْلُودِ جُعِلَتْ حَدًّا فَاصِلًا.
قُلْتُ: وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى عِكْرِمَةَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْحَوْلَيْنِ لِغَايَةِ الْإِرْضَاعِ، وَأَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَهُمَا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ رَضَاعَةٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا رَضَاعَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ إِرْضَاعُهَا الْحَوْلَيْنِ فَرْضًا، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَلِهَذَا عَقَّبَ الْآيَةَ الْأُولَى بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، لَكِنْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا خَبَرٌ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْوَالِدَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُنَّ لَا يَجِبُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي الْعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْإِلْزَامِ كَأَنْ يُقَالَ: وَعَلَى الْوَالِدَاتِ إِرْضَاعُ أَوْلَادِهِنَّ كَمَا جَاءَ بَعْدَهُ، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَالِدَاتِ هُنَا الْمَبْتُوتَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ
الرَّضَاعِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا خَرَجَتِ الْمُطَلَّقَةُ مِنَ الْعِدَّةِ، وَالْأُمُّ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْلَى بِالرَّضَاعَةِ إِلَّا إِنْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُ لَهُ بِدُونِ مَا سَأَلَتْ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ الْوَلَدُ غَيْرَهَا فَتُجْبَرُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ هُنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ: لَا يَلْزَمُهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنَ الْكُوفِيِّينَ: تُجْبَرُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مَا دَامَتْ مُتَزَوِّجَةً بِوَالِدِهِ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَلَدِ فَلَا يُتَّجَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا بِإِجْمَاعٍ، مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَلَدِيَّةِ مَوْجُودَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الزَّوْجِ لَمْ يُتَّجَهْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِي
стр. 5595
حَقِّ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهَا جَمِيعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ الرَّضَاعِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - بَاب عَمَلِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا
٥٣٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵉ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِقهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا - أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا - فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ عَمَلِ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي طَلَبِ فَاطِمَةَ الْخَادِمَ، وَالْحُجَّةُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ، وَأَنَّ شَرْحَهُ يَأْتِي فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَأَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا أَنَّ الَّذِي يُلَازِمُ ذِكْرَ اللَّهِ يُعْطَى قُوَّةً أَعْظَمَ مِنَ الْقُوَّةِ الَّتِي يَعْمَلُهَا لَهُ الْخَادِمُ، أَوْ تَسْهُلُ الْأُمُورُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَعَاطِيهِ أُمُورَهُ أَسْهَلَ مِنْ تَعَاطِي الْخَادِمِ لَهَا، هَكَذَا اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْحَدِيثِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ نَفْعَ التَّسْبِيحِ مُخْتَصٌّ بِالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَنَفْعُ الْخَادِمِ مُخْتَصٌّ بِالدَّارِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
٧ - بَاب خَادِمِ الْمَرْأَةِ
٥٣٦٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ مُجَاهِدًا، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟ تُسَبِّحِينَ اللَّهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ: إِحْدَاهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ، فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ، قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ خَادِمِ الْمَرْأَةِ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ إِخْدَامُهَا؟ ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَسِيَاقُهُ أَخْصَرُ مِنْهُ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَتْ لَهَا طَاقَةٌ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى خِدْمَةِ بَيْتِهَا فِي خَبْزٍ أَوْ طَحْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا أَنَّ مِثْلَهَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَوَجْهُ الْأَخْذِ أَنَّ فَاطِمَةَ لَمَّا سَأَلَتْ أَبَاهَا ﷺ الْخَادِمَ لَمْ يَأْمُرْ زَوْجَهَا بِأَنْ يَكْفِيَهَا ذَلِكَ، إِمَّا بِإِخْدَامِهَا خَادِمًا، أَوْ بِاسْتِئْجَارِ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ، أَوْ بِتَعَاطِي ذَلِكَ
стр. 5596
بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَتْ كِفَايَةُ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ لَأَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَسُوقَ إِلَيْهَا صَدَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، مَعَ أَنَّ سَوْقَ الصَّدَاقِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِذَا رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُؤَخِّرَهُ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَيَتْرُكُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْوَاجِبِ؟ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَصْبَغَ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ خِدْمَةَ الْبَيْتِ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ ذَاتَ قَدْرٍ وَشَرَفٍ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا، قَالَ: وَلِذَلِكَ أَلْزَمَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ وَعَلِيًّا بِالْخِدْمَةِ الظَّاهِرَةِ.
وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ: لَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا تَعَارَفُوهُ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَأَمَّا أَنْ تُجْبَرَ الْمَرْأَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخِدْمَةِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ مُؤْنَةَ الزَّوْجَةِ كُلَّهَا. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجُ خَادِمِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَلَى حَسْبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: يُفْرَضُ لَهَا وَلِخَادِمِهَا النَّفَقَةُ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَمُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُفْرَضُ لَهَا وَلِخَادِمِهَا إِذَا كَانَتْ خَطِيرَةً، وَشَذَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُخْدِمَهَا وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَ الْخَلِيفَةِ، وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَإِذَا احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا فَامْتَنَعَ لَمْ يُعَاشِرْهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ مِنْ أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ.
٨ - بَاب خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ
٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) أَيْ: بِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَكُونُ) سَقَطَ لَفْظُ: يَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَهْنَةِ وَأَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ فِي الْأُمَّهَاتِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَضَبَطَهُ الْهَرَوِيُّ بِالْفَتْحِ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ عَنْ شِمْرٍ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّ كَسْرَهَا خَطَأٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَعَ شَرْحِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
تَنْبِيهٌ:
وَقَعَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ تَرْجَمَةٌ نَصُّهَا: بَابُ هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، وَبَعْدَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي: بَابِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ وَالرَّاجِحُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ
٩ - بَاب إِذَا لَمْ يُنْفِقْ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ
٥٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ) أَخَذَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ
стр. 5597
التَّرْجَمَةَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ لِتَكْمِلَةِ النَّفَقَةِ، فَكَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ جَمِيعِ النَّفَقَةِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هِنْدًا بِالصَّرْفِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ الْمَاضِيَةِ فِي الْمَظَالِمِ بِغَيْرِ صَرْفٍ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَيِ: ابْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَنَّ هِنْدًا أُمَّ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ هِنْدٌ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهَا عُتْبَةُ وَعَمُّهَا شَيْبَةُ وَأَخُوهَا الْوَلِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ شَقَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَقُتِلَ حَمْزَةُ فَرِحَتْ بِذَلِكَ، وَعَمَدَتْ إِلَى بَطْنِهِ فَشَقَّتْهَا، وَأَخَذَتْ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا ثُمَّ لَفَظَتْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ وَدَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ مَكَّةَ مُسْلِمًا - بَعْدَ أَنْ أَسَرَتْهُ خَيْلُ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَجَارَهُ الْعَبَّاسُ - غَضِبَتْ هِنْدٌ لِأَجْلِ إِسْلَامِهِ، وَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ جَاءَتْ فَأَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ: أَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ.
ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ إِلَخْ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَوَى عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ عَلَى عَمَلِ أَخِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَالِيًا لِعُمَرَ حَتَّى قُتِلَ وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ وَأَفْرَدَهُ بِوِلَايَةِ الشَّامِ جَمِيعًا، وَشَخَصَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ عُتْبَةُ، وَعَنْبَسَةُ، فَكَتَبَتْ هِنْدٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ قَدْ قَدِمَ عَلَيْكَ أَبُوكَ وَأَخَوَاكَ، فَاحْمِلْ أَبَاكَ عَلَى فَرَسٍ وَأَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاحْمِلْ عُتْبَةَ عَلَى بَغْلٍ وَأَعْطِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَاحْمِلْ عَنْبَسَةَ عَلَى حِمَارٍ وَأَعْطِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا عَنْ رَأْيِ هِنْدٍ قُلْتُ: كَانَ عُتْبَةُ مِنْهَا وَعَنْبَسَةُ مِنْ غَيْرِهَا أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الْأَزْدِيِّ. وَفِي الْأَمْثَالِ لِلْمَيْدَانِيِّ أَنَّهَا عَاشَتْ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي سُفْيَانَ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّهُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَعَدَتْ عَنِ الْوَلَدِ. وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي سُفْيَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) هُوَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ زَوْجُهَا، وَكَانَ قَدْ رَأَسَ فِي قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَسَارَ بِهِمْ فِي أُحُدٍ، وَسَاقَ الْأَحْزَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ شَحِيحٌ) تَقَدَّمَ قَبْلُ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ: رَجُلٌ مِسِّيكٌ وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ: بِوَزْنِ شَحِيحٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْهَرَ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي كَوْنُ الثَّانِي أَصَحَّ؛ فَإِنَّ الْآخَرَ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا مِثْلُ شِرِّيبٍ وَسِكِّيرٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَفَّفُ أيضا فِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ لَكِنَّ الْمُشَدَّدَ أَبْلَغُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ النِّهَايَةِ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ حَيْثُ قَالَ: الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْفَتْحُ وَالتَّخْفِيفُ. وَفِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ الْكَسْرُ وَالتَّشْدِيدُ. وَالشُّحُّ: الْبُخْلُ مَعَ حِرْصٍ، وَالشُّحُّ أَعَمُّ مِنَ الْبُخْلِ؛ لِأَنَّ الْبُخْلَ يَخْتَصُّ بِمَنْعِ الْمَالِ وَالشُّحُّ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: الشُّحُّ لَازِمٌ كَالطَّبْعِ، وَالْبُخْلُ غَيْرُ لَازِمٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ تُرِدْ هِنْدٌ وَصْفَ أَبِي سُفْيَانَ بِالشُّحِّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَإِنَّمَا وَصَفَتْ حَالَهَا مَعَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَتِّرُ عَلَيْهَا وَعَلَى أَوْلَادِهَا، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْبُخْلَ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الرُّؤَسَاءِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ أَهْلِهِ، وَيُؤْثِرُ الْأَجَانِبَ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ. قُلْتُ: وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ لِقَوْلِ هِنْدٍ هَذَا سَبَبٌ يَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) زَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: سِرًّا، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي
стр. 5598
لَهُ عِيَالَنَا؟
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْمَظَالِمِ: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: خُذِي أَمْرُ إِبَاحَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَا حَرَجَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ الْقَدْرُ الَّذِي عُرِفَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ الْكِفَايَةُ، قَالَ: وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَفْظًا لَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ مَعْنًى، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَحَّ مَا ذَكَرْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَلِمَ صِدْقَهَا فِيمَا ذَكَرَتْ فَاسْتَغْنَى عَنِ التَّقْيِيدِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا لَا يُعْجِبُهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْتَاءِ وَالِاشْتِكَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ. وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِالتَّعْظِيمِ كَاللَّقَبِ وَالْكُنْيَةِ، كَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، فَلَا يَدُلُّ قَوْلُهَا: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى إِرَادَةِ التَّعْظِيمِ. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِمَاعِ كَلَامِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي غِيبَةِ الْآخِرِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ أَمْرًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ فَلْيَقْرُنْهُ بِمَا يُقِيمُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ عِنْدَ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَيَقُولُ جَازَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ. وَفِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي قَبْضِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ إِنَّهُ مُنْفِقٌ لَكُلِّفَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى إِثْبَاتِ عَدَمِ الْكِفَايَةِ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعْلِيقِ الْفُتْيَا لَا الْقَضَاءِ. وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعَيَّ حَكَاهُ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِالْأَمْدَادِ فَعَلَى الْمُوسِرِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّانِ وَالْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ وَالْمُعْسِرِ مُدٌّ، وَتَقْرِيرُهَا بِالْأَمْدَادِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِنَا.
قُلْتُ: وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَمْدَادِ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَتِ الْكِفَايَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُقَدَّرِ بِالْأَمْدَادِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا وَهُوَ مُوسِرٌ مَا يُعْطِي الْمُتَوَسِّطُ فَأَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِ التَّكْمِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَفِيهِ اعْتِبَارُ النَّفَقَةِ بِحَالِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَاخْتَارَ الْخَصَّافُ مِنْهُمْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْحُجَّةُ فِيهِ ضَمُّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الْآيَةَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ تَمَسُّكًا بِالْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اعْتِبَارُ الصِّغَرِ أَوِ الزَّمَانَةِ. وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ خَادِمِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ النَّفَقَةَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا دُونَ مَنْ يَخْدِمُهُمْ، فَأَضَافَتْ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ خَادِمَهَا دَاخِلٌ فِي جُمْلَتِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُتَمَسَّكَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَلَوْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا: بَنِيَّ بَعْضَهُمْ، أَيْ، مَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا زَمِنًا لَا جَمِيعَهُمْ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ اسْتِيفَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَقِّهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَأْخُذُ غَيْرَ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ جِنْسُ حَقِّهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَعَنْهُ يَأْخُذُ جِنْسَ حَقِّهِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ، وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ كَهَذِهِ الْآرَاءِ، وَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ وَالْمُلَازَمَةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ جَوَازُ أَخْذِ الْجِنْسِ وَغَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ لَا يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَسَائِرِ
стр. 5599
الْمَرَافِقِ اللَّازِمَةِ، وَقَدْ أَطْلَقَ لَهَا الْإِذْنَ فِي أَخْذِ الْكِفَايَةِ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ عَلَى بَيْتِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.
قُلْتُ: وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ بَيْتَ الشَّحِيحَ لَا يَحْتَوِي عَلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا نَفَتِ الْكِفَايَةَ مُطْلَقًا، فَتَنَاوَلَ جِنْسَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ كَذَلِكَ مُسَلَّمَةٌ، لَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَنْزِلَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ كَذَلِكَ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّ مَنْزِلَهُ كَانَ فِيهِ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يُمَكِّنُهَا إِلَّا مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَأْخُذَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَقَدْ وَجَّهَ ابْنُ الْمُنِيرِ قَوْلَهُ: إِنَّ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّقْوِيمِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ أَذِنَ لِهِنْدٍ أَنْ تَفْرِضَ لِنَفْسِهَا وَعِيَالِهَا قَدْرَ الْوَاجِبِ، وَهَذَا هُوَ التَّقْوِيمُ بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ أَدَقُّ مِنْهُ وَأَعْسَرُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ: مَدْخَلًا فِي الْقِيَامِ عَلَى أَوْلَادِهَا وَكَفَالَتِهِمْ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ اعْتِمَادُ الْعُرْفِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَحْدِيدَ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لَفْظًا وَعَمِلَ بِهِ مَعْنًى كَالشَّافِعِيَّةِ، كَذَا قَالَ، وَالشَّافِعِيَّةُ إِنَّمَا أَنْكَرُوا الْعَمَلَ بِالْعُرْفِ إِذَا عَارَضَهُ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ، أَوْ لَمْ يُرْشِدِ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ إِلَى الْعُرْفِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ غَيْرِهِمُ اسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ لِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي مَنْعِهِمُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِقِصَّةِ هِنْدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى زَوْجِهَا وَهُوَ غَائِبٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا بِهَا، وَشَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ أَوْ مُسْتَتِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَزِّزًا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ فِي أَبِي سُفْيَانَ مَوْجُودًا، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بَلْ هُوَ إِفْتَاءٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أَنَّهُ كَانَ إِفْتَاءً. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا بِقَوْلِ هِنْدٍ: لَا يُعْطِينِي إِذْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَقَالَتْ: لَا يُنْفِقُ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الْإِنْفَاقَ. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ أَنْ يُعْطِيَهَا جُمْلَةً وَيَأْذَنَ لَهَا فِي الْإِنْفَاقِ مُفَرَّقًا. نَعَمْ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّةَ حَقٌّ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ، بَلْ أَوْرَدَ أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ جَالِسًا مَعَهَا فِي الْمَجْلِسِ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ إِسْنَادَهُ، وَقَدْ ظَفِرْتُ بِهِ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ هِنْدًا لَمَّا بَايَعَتْ وَجَاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا أَصَبْتِ مِنْ مَالِي فَهُوَ حَلَالٌ لَكِ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ وَأَنَّ هَذَا وَقَعَ لَمَّا بَايَعَتْ ثُمَّ جَاءَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَسَأَلَتْ عَنِ الْحُكْمِ، وَتَكُونُ فَهِمَتْ مِنَ الْأَوَّلِ إِحْلَالَ أَبِي سُفْيَانِ لَهَا مَا مَضَى فَسَأَلَتْ عَمَّا يُسْتَقْبَلُ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ هِنْدٌ لِأَبِي سُفْيَانَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُبَايِعَ، قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتِ فَاذْهَبِي مَعَكِ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِكِ، فَذَهَبَتْ إِلَى عُثْمَانَ فَذَهَبَ مَعَهَا، فَدَخَلَتْ مُنْتَقِبَةً فَقَالَ: بَايِعِي أَنْ لَا تُشْرِكِي الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا فَرَغَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ بَخِيلٌ - الْحَدِيثَ - قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ قَالَ: أَمَّا يَابِسًا فَلَا، وَأَمَّا رَطْبًا فَأُحِلُّهُ وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ تَفَرَّدَ بِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَكُنْ
стр. 5600
مَعَهَا وَآخِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا تَوَجَّهَ وَحْدَهُ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لَمَّا اشْتَكَتْ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ ذَهَبَ بِهَا وَبِأُخْتِهَا هِنْدٍ يُبَايِعَانِ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ هِنْدٌ: لَا أُبَايِعُكَ عَلَى السَّرِقَةِ، إِنِّي أَسْرِقُ مِنْ زَوْجِي، فَكَفَّ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَتَحَلَّلُ لَهَا مِنْهُ، فَقَالَ: أَمَّا الرَّطْبُ فَنَعَمْ وَأَمَّا الْيَابِسُ فَلَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ أَنَّ قِصَّةَ هِنْدٍ كَانَ
قَضَاءً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ غَائِبٌ، بَلِ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى غَائِبٍ بِشَرْطِهِ، بَلْ لَمَّا كَانَ أَبُو سُفْيَانَ غَيْرَ حَاضِرٍ مَعَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ قَضَاءٍ عَلَى الْغَائِبِ فَيَحْتَاجُ مَنْ مَنَعَهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا، وَقَدِ انْبَنَى عَلَى هَذَا خِلَافٌ يَتَفَرَّعُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَبَ إِذَا غَابَ أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَذِنَ الْقَاضِي لِلْأُمِّ إِذَا كَانَتْ فِيهَا أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْأَبِ إِنْ أَمْكَنَ أَوْ فِي الِاسْتِقْرَاضِ عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَهَلْ لَهَا الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي؟ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ، فَإِنْ كَانَتْ إِفْتَاءً جَازَ لَهَا الْأَخْذُ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَضَاءً فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي.
وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً لَا فُتْيَا التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ قَالَ لَهَا: خُذِي وَلَوْ كَانَ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ إِذَا أَخَذْتِ، وَلِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ. وَمِمَّا رَجَّحَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فَتْوَى وُقُوعُ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْقِصَّةِ فِي قَوْلِهَا: هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ وَلِأَنَّهُ فَوَّضَ تَقْدِيرَ الِاسْتِحْقَاقِ إِلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً لَمْ يُفَوِّضْهُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْلِفْهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ وَلَا كَلَّفَهَا ال بَيِّنَةَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي تَرْكِ تَحْلِيفِهَا أَوْ تَكْلِيفِهَا الْبَيِّنَةَ حُجَّةً لِمَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ صِدْقَهَا فِي كُلِّ مَا ادَّعَتْ بِهِ، وَعَنِ الِاسْتِفْهَامِ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ مِنْ طَالِبِ الْحُكْمِ، وَعَنْ تَفْوِيضِ قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَوْكُولُ إِلَى الْعُرْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ:
أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِهِمُ اسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ فِي كِتَابِ الْأَشْخَاصِ حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ قِصَاصُ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ هِنْدٍ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ الْفَتْوَى، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حُكْمًا. وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ حُكْمٍ يَصْدُرُ مِنَ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِفْتَاءِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَابُ مُقَدَّمًا عَلَى بَابَيْنِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ
١٠ - بَاب حِفْظِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ
٥٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ.، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ - وَقَالَ الْآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ - أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ. وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (بَابُ حِفْظِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَالنَّفَقَةِ) الْمُرَادُ بِذَاتِ الْيَدِ الْمَالُ، وَعَطْفُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ: وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ لَفْظَةِ: عَلَيْهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ،
стр. 5601
وَلَيْسَتْ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ. وَأَبُو الزِّنَادِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى ابْنِ طَاوُسٍ لَا عَلَى طَاوُسٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: صُلَّحٌ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَحَدَ شَيْخَيْ سُفْيَانَ اقْتَصَرَ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَزَادَ الْآخَرُ: صَالِحُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا: صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: نِسَاءُ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَرَهُ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا مُبْهَمًا، لَكِنْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَّلِ النِّكَاحِ وَمِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الَّذِي زَادَ لَفْظَةَ صَالِحُ هُوَ ابْنُ طَاوُسٍ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيَانُ سَبَبِ الْحَدِيثِ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَهُ: أَحْنَاهُ عَلَى بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ مِنَ الْحُنُوِّ وَهُوَ الْعَطْفُ وَالشَّفَقَةُ، وَأَرْعَاهُ مِنَ الرِّعَايَةِ وَهِيَ الْإِبْقَاءُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحَانِيَةُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ الَّتِي تُقِيمُ عَلَى وَلَدِهَا فَلَا تَتَزَوَّجُ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَاتِ يَدِهِ) قَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ: ذَاتُ يَدِهِ وَذَاتُ بَيْنِنَا وَنَحْوُ ذَلِكَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مُؤَنَّثٍ كَأَنَّهُ يَعْنِي الْحَالَ الَّتِي هِيَ بَيْنَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِذَاتِ يَدِهِ مَالُهُ وَمَكْسَبُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَقِيتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَالْمُرَادُ لُقَاةٌ أَوْ مَرَّةٌ، فَلَمَّا حَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَبَقِيَتِ الصِّفَةُ صَارَتْ كَالْحَالِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ فِي جُمْلَةِ أَحَادِيثَ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، وَفِي بَعْضِهِمْ مَقَالٌ لَا يَقْدَحُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا: سَوْدَةُ، وَكَانَ لَهَا خَمْسَةُ صِبْيَانٍ أَوْ سِتَّةٌ مِنْ بَعْلٍ لَهَا مَاتَ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا يَمْنَعُنِي مِنْكَ أَنْ لَا تَكُونَ أَحَبَّ الْبَرِّيَّةَ إِلَيَّ إِلَّا أَنِّي أُكْرِمُكَ أَنْ تَضْغُوَ هَذِهِ الصِّبْيَةُ عِنْدَ رَأْسِكَ، فَقَالَ لَهَا: يَرْحَمُكِ اللَّهُ، إِنَّ خَيْرَ نِسَاءٍ رَكِبْنَ أَعْجَازَ الْإِبِلِ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِاخْتِصَارِ الْقِصَّةِ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَّ هَانِئٍ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ تُلَقَّبُ سَوْدَةَ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ اسْمَهَا فَاخِتَةُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً أُخْرَى، وَلَيْسَتْ سَوْدَةَ بِنْتَ زِمْعَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا قَدِيمًا بِمَكَّةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ، وَدَخَلَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِعَائِشَةَ، وَمَاتَ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَاضِحًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَتْنِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
١١ - بَاب كِسْوَةِ الْمَرْأَةِ بِالْمَعْرُوفِ
٥٣٦٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ كِسْوَةِ الْمَرْأَةِ بِالْمَعْرُوفِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُطَوَّلِ فِي صِفَةِ
стр. 5602
الْحَجِّ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَاسْتَنْبَطَ الْحُكْمَ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ عَلَى شَرْطِهِ.
فَأَوْرَدَ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ. وَقَوْلُهُ: (فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ أَنَّ الَّذِي حَصَلَ لِزَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ ﵍ مِنَ الْحُلَّةِ قِطْعَةٌ فَرَضِيَتْ بِهَا اقْتِصَادًا بِحَسَبِ الْحَالِ لَا إِسْرَافًا، وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَعَ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ كِسْوَتَهَا وُجُوبًا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْسُوَهَا مِنَ الثِّيَابِ كَذَا، وَالصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُحْمَلَ أَهْلُ الْبُلْدَانِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ مَا يَجْرِي فِي عَادَتِهُمْ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُهُ الزَّوْجُ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ لَهَا، وَعَلَى قَدْرِ يُسْرِهِ وَعُسْرِهِ، اهـ. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ قَرِيبًا وَالْكِسْوَةُ فِي مَعْنَاهَا، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِّ أَيْ: أَعْطَى، ثُمَّ ضَمَّنَ أَعْطَى مَعْنَى أَهْدَى أَوْ أَرْسَلَ لِذَلِكَ عَدَّاهُ بِإِلَيَّ وَهِيَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَعَثَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ أَهْدَى وَلَا تَضْمِينَ فِيهَا، وَمَنْ قَرَأَ إِلَى بِالتَّخْفِيفِ بِلَفْظِ حَرْفِ الْجَرِّ وَأَتَى بِمَعْنَى جَاءَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: حُلَّةٌ سِيَرَاءُ بِالرَّفْعِ وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَعْطَانِيهَا فَلَبِسْتُهَا، إِلَى آخِرِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَتَى بِالْقَصْرِ أَيْ: جَاءَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ بِحُلَّةٍ فَحَذَفَ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ وَحَذَفَ الْبَاءَ فَانْتَصَبَتْ، وَالْحُلَّةُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَالسِّيَرَاءُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالْمَدِّ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَرِيرِ.
وَقَوْلُهُ: بَيْنَ نِسَائِي يُوهِمُ زَوْجَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَئِذٍ زَوْجَةٌ إِلَّا فَاطِمَةَ، فَالْمُرَادُ بِنِسَائِهِ زَوْجَتُهُ مَعَ أَقَارِبِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: بَيْنَ الْفَوَاطِمِ.
١٢ - بَاب عَوْنِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي وَلَدِهِ
٥٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: هَلَكَ أَبِي، وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ - أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ - فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ: لَكَ، أَوْ خَيْرًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ عَوْنِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي وَلَدِهِ) سَقَطَ فِي وَلَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي تَزْوِيجِهِ الثَّيِّبَ لِتَقُومَ عَلَى أَخَوَاتِهِ وَتُصْلِحَهُنَّ، وَكَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ قِيَامَ الْمَرْأَةِ عَلَى وَلَدِ زَوْجِهَا مِنْ قِيَامِ امْرَأَةِ جَابِرٍ عَلَى أَخَوَاتِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَعَوْنُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي وَلَدِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جَمِيلِ الْعِشْرَةِ، وَمِنْ شِيمَةِ صَالِحَاتِ النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، هَلْ تَجِبُ عَلَيْهَا أَمْ لَا قَرِيبًا.
١٣ - بَاب نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ عَلَى أَهْلِهِ
٥٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
стр. 5603
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلَكْتُ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: فَأَعْتِقْ رَقَبَةً، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا، قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قَالَ: فَأَنْتُمْ إِذًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ عَلَى أَهْلِهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ أَبَاحَ لَهُ إِطْعَامَ أَهْلِهِ التَّمْرَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيكَ عَنِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُ النَّفَقَةِ عَلَى أَهْلِهِ بِوُجُودِ التَّمْرِ وَهُوَ أَلْزَمُ لَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ يُشْبِهُ الدَّعْوَى فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْ جِهَةِ اهْتِمَامِ الرَّجُلِ بِنَفَقَةِ أَهْلِهِ، حَيْثُ قَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: تَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ: أَعْلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَلَوْلَا اهْتِمَامُهُ بِنَفَقَةِ أَهْلِهِ لَبَادَرَ وَتَصَدَّقَ.
١٤ - بَاب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ؟
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
٥٣٦٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ؟ وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا؛ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. قَالَ: نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ.
٥٣٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ هِنْدُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ؟ قَالَ: خُذِي بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَبْكَمُ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا مُلَخَّصُهُ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَيْهِ أَنْ لَا يُضَارَّ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: وَلَا غُرْمَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِ الْمَوْرُوثِ، وَقَالَ آخَرُونَ: عَلَى مَنْ يَرِثُ الْأَبَ مِثْلُ مَا كَانَ عَلَى الْأَبِ مِنْ أَجْرِ الرَّضَاعِ إِذَا كَانَ الْوَلَدُ لَا مَالَ لَهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْوَارِثِ، فَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ: هُوَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ الْأَبَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: هُوَ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِلْمَوْلُودِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: هُوَ الْمَوْلُودُ نَفْسُهُ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا خَلَّفَ أُمًّا وَعَمًّا فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا إِرْضَاعُ الْوَلَدِ بِقَدْرِ مَا يَرِثُ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: وَعَلَى، وَهَلْ عَلَى
следующие страницы →