Полный текст (7 508 стр.). Показаны 5914–5953 · переход к 5919.
стр. 5914
فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَقَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدٍ الله الْأَنْصَارِيُّ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: احْتَجَمَ احتِجَامَةً فِي رَأْسِهِ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ بِلَفْظِ: احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ صُدَاعٍ كَانَ بِهِ أَوْ دَاءٍ، وَاحْتَجَمَ فِيمَا يُقَالُ لَهُ لَحْيُ جَمَلٍ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: بِمَا يُقَالُ لَهُ لَحْيُ جَمَلٍ.
١٥ - بَاب الْحِجَامَةِ مِنْ الشَّقِيقَةِ وَالصُّدَاعِ
٥٧٠٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ لُحْيُ جَمَلٍ.
٥٧٠١ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ.
٥٧٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحِجَامَةِ مِنَ الشَّقِيقَةِ وَالصُّدَاعِ)، أَيْ: بِسَبَبِهِمَا، وَقَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَوْرَدَ مَا فِيهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. وَالشَّقِيقَةُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافَيْنِ وَزْنُ عَظِيمَةٍ: وَجَعٌ يَأْخُذُ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الرَّأْسِ أَوْ فِي مُقَدَّمِهِ، وَذَكَرَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ، وَسَبَبُهُ أَبْخِرَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أَوْ أَخْلَاطٌ حَارَّةٌ أَوْ بَارِدَةٌ تَرْتَفِعُ إِلَى الدِّمَاغِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْفَذًا أَحْدَثَ الصُّدَاعَ، فَإِنْ مَالَ إِلَى أَحَدِ شِقَّيِ الرَّأْسِ أَحْدَثَ الشَّقِيقَةَ، وَإِنْ مَلَكَ قِمَّةَ الرَّأْسِ أَحْدَثَ دَاءَ الْبَيْضَةِ. وَذِكْرُ الصُّدَاعِ بَعْدَهُ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ.
وَأَسْبَابُ الصُّدَاعِ كَثِيرَةٌ جِدًّا: مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ وَرَمٍ فِي الْمَعِدَةِ أَوْ فِي عُرُوقِهَا، أَوْ رِيحٍ غَلِيظَةٍ فِيهَا أَوْ لِامْتِلَائِهَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الْحَرَكَةِ الْعَنِيفَةِ كَالْجِمَاعِ وَالْقَيْءِ وَالِاسْتِفْرَاغِ أَوِ السَّهَرِ أَوْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَمِنْهَا مَا يَحْدُثُ عَنِ الْأَغْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ كَالْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحُزْنِ وَالْجُوعِ وَالْحُمَّى، وَمِنْهَا مَا يَحْدُثُ عَنْ حَادِثٍ فِي الرَّأْسِ كَضَرْبَةٍ تُصِيبُهُ، أَوْ وَرَمٍ فِي صِفَاقِ الدِّمَاغِ، أَوْ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ يَضْغَطُ الرَّأْسَ، أَوْ تَسْخِينِهِ بِلُبْسِ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنِ الِاعْتِدَالِ، أَوْ تَبْرِيدِهِ بِمُلَاقَاةِ الْهَوَاءِ أَوِ الْمَاءِ فِي الْبَرْدِ: وَأَمَّا الشَّقِيقَةُ بِخُصُوصِهَا فَهِيَ فِي شَرَايِينِ الرَّأْسِ وَحْدَهَا، وَتَخْتَصُّ بِالْمَوْضِعِ الْأَضْعَفِ مِنَ الرَّأْسِ ; وَعِلَاجُهَا بِشَدِّ الْعِصَابَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ ; فَيَمْكُثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ الْحَدِيثَ. وَتَقَدَّمَ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ.
قوله في الطريق الأول (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ حَسَّانَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ وَجَعٍ كَانَ قَدْ بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدُه.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) بِمُهْمَلَةٍ وَمَدٍّ هُوَ السَّدُوسِيُّ، وَاسْمُ جَدِّهِ عَنْبَرٌ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ ; بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا الْخَطَّابِ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ
стр. 5915
سِوَى حَدِيثٍ مَوْصُولٍ مَضَى فِي الْمَنَاقِبِ ; وَآخَرَ يَأْتِي فِي الْأَدَبِ وَهَذَا الْمُعَلَّقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ فَذَكَرَهُ سَوَاءٌ. وَقَدِ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ احْتَجَمَ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ، وَوَافَقَهَا حَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَخَالَفَ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ: فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ، قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ; إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ حَكَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ فَأَرْسَلَهُ، وَسَعِيدٌ أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ وَاضِحٌ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ ; أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الدَّمَ لَا يَقْدَحُ فِي إِحْرَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِنِ احْتَجَمَ وَسَطَ رَأْسِهِ لِعُذْرٍ جَازَ مُطْلَقًا، فَإِنْ قَطَعَ الشَّعْرَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، فَإِنِ احْتَجَمَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقَطَعَ حَرُمَ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) هُوَ الْوَرَّاقُ الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ - أَوْ أَبُو إِبْرَاهِيمَ - مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ. وَهُوَ صَدُوقٌ، تَكَلَّمَ فِيهِ الْجُوزَجَانِيُّ لِأَجْلِ التَّشَيُّعِ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ صَدُوقٌ. وَفِي عَصْرِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: الْغَنَوِيُّ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: الْغَنَوِيُّ كَذَّابٌ وَالْوَرَّاقُ ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: الْوَرَّاقُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْغَنَوِيُّ كَتَبْتُ عَنْهُ وَتَرَكْتُهُ، وَضَعَّفَهُ جِدًّا. وَكَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَجَمَاعَةٌ، وَغَفَلَ مَنْ خَلَّطَهُمَا. وَكَانَتْ وَفَاةُ الْغَنَوِيِّ قَبْلَ الْوَرَّاقِ بِسِتِّ سِنِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِهِ قَرِيبًا.
١٦ - بَاب الْحَلْقِ مِنْ الْأَذَى
٥٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ - هُوَ ابْنُ عُجْرَةَ - قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَنْ رَأْسِي، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً. قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَلْقِ مِنَ الْأَذَى) أَيْ حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْقَمْلِ، وقد مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَكَأَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ حَدِيثِ الْحِجَامَةِ وَسَطَ الرَّأْسِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ جَوَازَ حَلْقِ الشَّعْرِ لِلْمُحْرِمِ لِأَجْلِ الْحِجَامَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ جَوَازِ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
١٧ - بَاب مَنْ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ
٥٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ،
стр. 5916
أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ.
٥٧٠٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: "لَا رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَا الأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَا الأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ".
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ، وَفَضْلُ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ) كَأَنَّهُ أَرَادَ الْكَيَّ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّهُ إِذَا جَازَ كَانَ أَعَمَّ مِنْ إِنْ يُبَاشِرَ الشَّخْصُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَعُمُومُ الْجَوَازِ مَأْخُوذٌ مِنْ نِسْبَةِ الشِّفَاءِ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَفَضْلُ تَرْكِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَوَانِي أَبُو طَلْحَةَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّهُ كُوِيَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ فَتُرِكْ، ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فَعَادَ، وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ انْقَطَعَ عَنِّي رَجَعَ إِلَيَّ يَعْنِي تَسْلِيمَ الْمَلَائِكَةِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ أَمْسَكَ عَنِّي، فَلَمَّا تَرَكْتُهُ عَادَ إِلَيَّ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا، وَفِي لَفْظٍ: فَلَمْ يُفْلِحْنَ وَلَمْ يُنْجِحْنَ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَالنَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِمَا يَقْتَضِيهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِعِمْرَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْبَاسُورُ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطِرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كَوَاهُ فَلَمْ يُنْجِحْ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْكَيُّ نَوْعَانِ: كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ، فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ: لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ، وَالْقَدَرُ لَا يُدَافَعُ، وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ، أَيْ: فَسَدَ، وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ، فَهُوَ الَّذِي يُشْرَعُ التَّدَاوِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ الْكَيُّ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ. وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَدَمُ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ، وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ.
وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهُ فَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنْزِيهِ وَإِمَّا عَمَّا لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ
стр. 5917
وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الشِّفَاءِ فِي ثَلَاثٍ وَلَمْ أَرَ فِي أَثَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَوَى، إِلَّا أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ نَسَبَ إِلَى كِتَابِ أَدَبِ النُّفُوسِ لِلطَّبَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَوَى، وَذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ بِلَفْظِ: رُوِيَ أَنَّهُ اكْتَوَى لِلْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ بِأُحُدٍ. قُلْتُ: وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَحْرَقَتْ حَصِيرًا فَحَشَتْ بِهِ جُرْحَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْكَيَّ الْمَعْهُودَ، وَجَزَمَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ اكْتَوَى، وَعَكَسَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ جَابِرًا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ بِسَنَدِهِ أَتَانَا جَابِرٌ فِي بَيْتِنَا فَحَدَّثْنَا.
قَوْلُهُ: (فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ) كَذَا اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَحَذَفَ الثَّالِثَ وَهُوَ الْعَسَلُ ; وَثَبَتَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلِ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ تَامًّا فِي بَابِ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَاخْتَصَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَيْضًا قَوْلَهُ: تُوَافِقُ الدَّاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (حُصَيْنٌ) بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيِّ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ)، كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ مَوْقُوفًا، وَوَافَقَهُ هُشَيْمٌ، وَشُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ عَلَى وَقْفِهِ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهَا ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَلَكِنْ قَالَا: عَنْ بُرَيْدَةَ بَدَلَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَاهُ مَرْفُوعًا وَقَالَ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَنْ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الشَّعْبِيِّ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ ابْنِ ذَرِيحٍ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، فَقَالَ: عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ وَرَفَعَهُ، وَشَذَّ الْعَبَّاسُ بِذَلِكَ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ حُصَيْنٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَهَلْ هُوَ عَنْ عِمْرَانَ أَوْ بُرَيْدَةَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ عِمْرَانَ وَعَنْ بُرَيْدَةَ جَمِيعًا. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلٌ، وَالْمُسْنَدُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ اسْتِطْرَادًا وَلَمْ يَقْصِدِ إِلَى تَصْحِيحِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي حَذْفِ الْحُمَيْدِيِّ لَهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْمُصَنِّفُ: إِنَّمَا أَرَدْنَا مِنْ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ مُرْسَلٌ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، قَالَ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ: هِيَ سُمُّ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: قِيلَ: هِيَ شَوْكَةُ الْعَقْرَبِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّهَا الْإِبْرَةُ الَّتِي تَضْرِبُ بِهَا الْعَقْرَبَ وَالزُّنْبُورَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُمَةُ كُلُّ هَامَةٍ ذَاتِ سُمٍّ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ نَفْسٍ، أَوْ حُمَةٍ، أَوْ لَدْغَةٍ، فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى أَنَّ الْحُمَةَ خَاصَّةٌ بِالْعَقْرَبِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّدْغَةِ بَعْدَهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ الرُّقْيَةِ فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ حُكْمِ الْعَيْنِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الْقَائِلُ ذَلِكَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنْ لُدِغْتُ. قَالَ: وَكَيْفَ
стр. 5918
فَعَلْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ. قَالَ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنِاهُ الشَّعْبِيُّ، عَنْ بُرَيْدَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَقَالَ سَعِيدٌ: قَدِ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (وعُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: حَتَّى وَقَعَ فِي سَوَادٍ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَاوٍ وَقَافٍ، وَبِلَفْظِ: فِي، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى رُفِعَ بِرَاءٍ وَفَاءٍ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الرُّقْيَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَكَذَلِكَ يَأْتِي الْقَوْلُ فِي الطِّيَرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٨ - بَاب الْإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ مِنْ الرَّمَدِ فِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ
٥٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا، فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ، وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ: فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً، فَلَّا، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ مِنَ الرَّمَدِ)، أَيْ: بِسَبَبِ الرَّمَدِ، وَالرَّمَدُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ: وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الطَّبَقَةِ الْمُلْتَحِمَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَهُوَ بَيَاضُهَا الظَّاهِرُ، وَسَبَبُهُ انْصِبَابُ أَحَدِ الْأَخْلَاطِ أَوْ أَبْخِرَةٍ تَصْعَدُ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَى الدِّمَاغِ، فَإِنِ انْدَفَعَ إِلَى الْخَيَاشِيمِ أَحْدَثَ الزُّكَامَ، أَوِ إِلَى الْعَيْنِ أَحْدَثَ الرَّمَدَ، أَوِ إِلَى اللَّهَاةِ وَالْمَنْخِرَيْنِ أَحْدَثَ الْخُنَانَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ، أَوِ إِلَى الصَّدْرِ أَحْدَثَ النَّزْلَةَ، أَوْ إِلَى الْقَلْبِ أَحْدَثَ الشَّوْصَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَدِرْ وَطَلَبَ نَفَاذًا فَلَمْ يَجِدْ أَحْدَثَ الصُّدَاعَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ؛ فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعِدَّةِ، لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ ذِكْرَ الْإِثْمِدِ، فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ لِكَوْنِ الْعَرَبِ غَالِبًا إِنَّمَا تَكْتَحِلُ بِهِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الشَّمَائِلِ، وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ وَابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ عَدِيٍّ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ: عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَلَفْظُهُ: عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشَّعْرِ، مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى، مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ وَعَنْ أَنَسٍ فِي غَرِيبِ مَالِكٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْإِثْمِدِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ هَوْذَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: اكْتَحِلُوا بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ، الْحَدِيثَ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: إِنَّهُ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: خَيْرُ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ فَإِنَّهُ.
الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِثْمِدٌ يَكْتَحِلُ بِهِ عِنْدَ مَنَامِهِ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثًا، أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَالْإِثْمِدُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ وَحُكِيَ فِيهِ
стр. 5919
ضَمُّ الْهَمْزَةِ: حَجَرٌ مَعْرُوفٌ أَسْوَدُ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ يَكُونُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ، وَأَجْوَدُهُ يُؤْتَى بِهِ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ اسْمُ الْحَجْرِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْكُحْلُ أَوْ هُوَ نَفْسُ الْكُحْلِ؟ ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْجَوْهَرِيُّ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ الِاكْتِحَالِ بِالْإِثْمِدِ وَوَقَعَ الْأَمْرُ بِالِاكْتِحَالِ وِتْرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا كَبَقِيَّةِ الِاكْتِحَالِ، وَحَاصِلُهُ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ، فَيَكُونُ الْوِتْرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَةٍ، أَوِ اثْنَتَيْنِ فِي كُلِّ عَيْنٍ وَوَاحِدَةٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ فِي الْيَمِينِ ثَلَاثًا وَفِي الْيُسْرَى ثِنْتَيْنِ فَيَكُونُ الْوِتْرُ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا جَمِيعًا، وَأَرْجَحُهَا الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ رِوَايَةِ زَيْنَبَ وَهِيَ بِنْتُهَا عَنْهَا: أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا، فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ مَرَّتْ مَبَاحِثُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِحْدَادِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: فَلَا، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَهَلَّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى حَرْفِ النَّهْيِ فَالْمَنْفِيُّ مُقَدَّرٌ كَأَنَّهُ قَالَ: فَلَا تَكْتَحِلُ، ثُمَّ قَالَ: تَمْكُثُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
١٩ - بَاب الْجُذَامِ
٥٧٠٧ - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ. وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ.
[الحديث ٥٧٠٧ - أطرافه في: ٥٧١٧، ٥٧٥٧، ٥٧٧٠، ٥٧٧٣، ٥٧٧٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجُذَامِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ، هُوَ عِلَّةٌ رَدِيئَةٌ تَحْدُثُ مِنَ انْتِشَارِ الْمِرَّةِ السَّوْدَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ، فَتُفْسِدُ مِزَاجَ الْأَعْضَاءِ، وَرُبَّمَا أَفْسَدَ فِي آخِرِهِ إِيصَالَهَا حَتَّى يَتَأَكَّلَ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَجَذُّمِ الْأَصَابِعِ وَتَقَطُّعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَفَّانُ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنِ أَكْثَرُ مَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَهُوَ مِنَ الْمُعَلَّقَاتِ الَّتِي لَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْهُ بِلَا رِوَايَةٍ، وَعَلَى طَرِيقَة ابْنِ الصَّلَاحِ يَكُونُ مَوْصُولًا. وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَأَبِي قُتَيْبَةَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عن سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ شَيْخِ عَفَّانَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ سَلِيمٍ لَكِنْ مَوْقُوفًا، وَلَمْ يَسْتَخْرِجُهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا. وَسَلِيمٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، وَحَيَّانُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ.
قَوْلُهُ: (لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ)، كَذَا جَمْعُ الْأَرْبَعَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ سَوَاءً بَعْدَ عِدَّةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ لَا هَامَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلُهُ. لَكِنْ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَلَا طِيَرَةَ وَأَعَادَهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ، وَبَعْدَ عِدَّةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ لَا طِيَرَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا طِيَرَةَ، حَسْبٌ، وَفِي بَابِ لَا عَدْوَى مِنْ طَرِيقِ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا عَدْوَى، حَسْبٌ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا طِيَرَةَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، وَزَادَ: وَلَا نَوْءَ، وَيَأْتِي فِي بَابِ لَا عَدْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلِمُسْلِمٍ، وَابْنِ حَبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا بِلَفْظِ: لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ، وَلَا غُولَ. وَأَخْرَجَ
стр. 5920
ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَادَ فِيهِ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِاخْتِصَارٍ.
فَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ وَالْهَامَةُ وَالصَّفَرُ وَالْغُولُ وَالنَّوْءُ، وَالْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ قَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا تَرْجَمَةً، فَنَذْكُرُ شَرْحَهَا فِيهِ، وَأَمَّا الْغُولُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الْغِيلَانَ فِي الْفَلَوَاتِ، وَهِيَ جِنْسٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ تَتَرَاءَى لِلنَّاسِ وَتَتَغَوَّلُ لَهُمْ تَغَوُّلًا، أَيْ: تَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فَتَضِلُّهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ فَتُهْلِكُهُمْ، وَقَدْ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ: غَالَتْهُ الْغُولُ، أَيْ: أَهْلَكَتْهُ أَوِ أَضَلَّتْهُ، فَأَبْطَلَ ﷺ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ إِبْطَالُ وُجُودِ الْغِيلَانِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُهُ مِنْ تَلَوُّنِ الْغُولِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى لَا يَسْتَطِيعُ الْغُولُ أَنْ يُضِلَّ أَحَدًا. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ، أَيِ: ادْفَعُوا شَرَّهَا بِذَكَرِ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَانَتْ لِي سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، فَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْكُلُ مِنْهُ، الْحَدِيثَ، وَأَمَّا النَّوْءُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، فَأَبْطَلَ ﷺ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطَرَ إِنَّمَا يَقَعُ بِإِذْنِ اللَّهِ لَا بِفِعْلِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ جَرَتْ بِوُقُوعِ الْمَطَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكِنْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقْدِيرِهِ، لَا صُنْعَ لِلْكَوَاكِبِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوَكُّلِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَفْظُهُ: لَا عَدْوَى، وَإِذَا رَأَيْتَ الْمَجْذُومَ فَفِرَّ مِنْهُ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَارْجِعْ. قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي الْمَجْذُومِ، فَجَاءَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مَعَ مَجْذُومٍ وَقَالَ: ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، قَالَ: فَذَهَبَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى الْأَكْلِ مَعَهُ، وَرَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِهِ مَنْسُوخٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَنْ لَا نَسْخَ، بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِاجْتِنَابِهِ وَالْفِرَارُ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَالْأَكْلُ مَعَهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، اهـ.
هَكَذَا اقْتَصَرَ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى حِكَايَةِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَحَكَى غَيْرُهُ قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ التَّرْجِيحُ، وَقَدْ سَلَكَهُ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا سَلَكَ تَرْجِيحَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيِ الْعَدْوَى وَتَزْيِيفِ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ مِثْلِ حَدِيثِ الْبَابِ فَأَعَلُّوهُ بِالشُّذُوذِ، وَبِأَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْهَا: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: مَا قَالَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: لَا عَدْوَى، وَقَالَ: فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ لِي مَوْلًى بِهِ هَذَا الدَّاءُ، فَكَانَ يَأْكُلُ فِي صِحَافِي وَيَشْرَبُ فِي أَقْدَاحِي وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِي، وَبِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَرَدَّدَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَيُؤْخَذُ الْحُكْمُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي نَفْيِ الْعَدْوَى كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُ حَدِيثِ: لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَمِثْلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ: كَلِّمِ الْمَجْذُومَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَيْدُ رُمْحَيْنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ بِسَنَدٍ وَاهٍ، وَمِثْلُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِمُعَيْقِيبٍ: اجْلِسْ مِنِّي قَيْدَ رُمْحٍ، وَمِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ نَحْوَهُ، وَهُمَا أَثَرَانِ مُنْقَطِعَانِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّرِيدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْجُذَامِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ لَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِلَّا مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَهُوَ مُمْكِنٌ، فَهُوَ أَوْلَى.
الْفَرِيقُ الثَّانِي سَلَكُوا فِي التَّرْجِيحِ عَكْسَ
стр. 5921
هَذَا الْمَسْلَكِ، فَرَدُّوا حَدِيثَ لَا عَدْوَى بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْهُ إِمَّا لِشَكِّهِ فِيهِ، وَإِمَّا لِثُبُوتِ عَكْسِهِ عِنْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي بَابِ لَا عَدْوَى، قَالُوا: وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى الِاجْتِنَابِ أَكْثَرُ مَخَارِجَ وَأَكْثَرُ طُرُقًا فَالْمَصِيرُ إِلَيْهَا أَوْلَى، قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا فِي الْقَصْعَةِ وَقَالَ: كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَبَيَّنَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى رَاوِيهِ وَرَجَّحَ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ، قَالَهُ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ لَا عَدْوَى ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا مَعْنًى لِدَعْوَى كَوْنِهِ مَعْلُولًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي طَرِيقِ الْجَمْعِ مَسَالِكُ أُخْرَى.
أَحَدُهَا: نَفْيُ الْعَدْوَى جُمْلَةً وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ عَلَى رِعَايَةِ خَاطِرِ الْمَجْذُومِ، لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحِيحَ الْبَدَنِ السَّلِيمَ مِنَ الْآفَةِ تَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ وَتَزْدَادُ حَسْرَتُهُ، وَنَحْوُهُ حَدِيثُ لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، ثَانِيهَا: حَمْلُ الْخِطَابِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَحَيْثُ جَاءَ: لَا عَدْوَى كَانَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مَنْ قَوِيَ يَقِينُهُ وَصَحَّ تَوَكُّلُهُ بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ اعْتِقَادَ الْعَدْوَى، كَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ التَّطَيُّرَ الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ، لَكِنَّ الْقَوِيَّ الْيَقِينِ لَا يَتَأَثَّرُ بِهِ، وَهَذَا مِثْلُ مَا تَدْفَعُ قُوَّةُ الطَّبِيعَةِ الْعِلَّةَ فَتُبْطِلُهَا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَكْلِ الْمَجْذُومِ مِنَ الْقَصْعَةِ وَسَائِرِ مَا وَرَدَ مِنْ جِنْسِهِ، وَحَيْثُ جَاءَ: فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ، كَانَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مَنْ ضَعُفَ يَقِينُهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَمَامِ التَّوَكُّلِ فَلَا يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى دَفْعِ اعْتِقَادِ الْعَدْوَى، فَأُرِيدَ بِذَلِكَ سَدُّ بَابِ اعْتِقَادِ الْعَدْوَى عَنْهُ بِأَنْ لَا يُبَاشِرَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِثْبَاتِهَا. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا كَرَاهِيَتُهُ ﷺ الْكَيَّ مَعَ إِذْنِهِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ فَعَلَ هُوَ ﷺ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَتَأَسَّى بِهِ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
ثَالِثُ الْمَسَالِكِ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: إِثْبَاتُ الْعَدْوَى فِي الْجُذَامِ وَنَحْوِهِ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ نَفْيِ الْعَدْوَى، قَالَ: فَيَكُونُ مَعَنِي قَوْلِهِ: لَا عَدْوَى، أي: إِلَّا مِنَ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجَرَبِ مَثَلًا، قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا إِلَّا مَا تَقَدَّمَ تَبْيِينِي لَهُ أَنَّ فِيهِ الْعَدْوَى. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ. رَابِعُهَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعَدْوَى فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ لِأَمْرٍ طَبِيعِيٍّ وَهُوَ انْتِقَالُ الدَّاءِ مِنْ جَسَدٍ لِجَسَدٍ بِوَاسِطَةِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَشَمِّ الرَّائِحَةِ، وَلِذَلِكَ يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ فِي الْعَادَةِ انْتِقَالُ الدَّاءِ مِنَ الْمَرِيضِ إِلَى الصَّحِيحِ بِكَثْرَةِ الْمُخَالَطَةِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ: الْمَجْذُومُ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُحَادَثَتَهُ وَمُضَاجَعَتَهُ، وَكَذَا يَقَعُ كَثِيرًا بِالْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَعَكْسِهِ، وَيَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا يَأْمُرُ الْأَطِبَّاءَ بِتَرْكِ مُخَالَطَةِ الْمَجْذُومِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْعَدْوَى بَلْ عَلَى طَرِيقِ التَّأَثُّرِ بِالرَّائِحَةِ؛ لِأَنَّهَا تُسْقِمُ مَنْ وَاظَبَ اشْتِمَامَهَا، قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ الرَّطْبَ قَدْ يَكُونُ بِالْبَعِيرِ، فَإِذَا خَالَطَ الْإِبِلَ أَوْ حَكَّكَهَا وَأَوَى إِلَى مَبَارِكِهَا وَصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ، وَكَذَا بِالنَّظَرِ نَحْوُ مَا بِهِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا عَدْوَى فَلَهُ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْمَرَضُ بِمَكَانٍ كَالطَّاعُونِ فَيَفِرُّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ، لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنَ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ.
الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُرَادَ ينَفْيِ الْعَدْوَى أَنَّ شَيْئًا لَا يُعْدِي بِطَبْعِهِ نَفْيًا لِمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْأَمْرَاضَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى اللَّهِ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ اعْتِقَادَهُمْ ذَلِكَ وَأَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُمْرِضُ وَيَشْفِي، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّنُوِّ مِنْهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا، فَفِي نَهْيُهُ إِثْبَاتَ الْأَسْبَابِ، وَفِي فِعْلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تَسْتَقِلُّ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ سَلَبَهَا قُوَاهَا فَلَا تُؤَثِّرُ شَيْئًا، وَإِنْ
стр. 5922
شَاءَ أَبْقَاهَا فَأَثَّرَتْ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ ﷺ مَعَ الْمَجْذُومِ أَنَّهُ كَانَ بِهِ أَمْرٌ يَسِيرٌ لَا يُعْدِي مِثْلَهُ فِي الْعَادَةِ، إِذْ لَيْسَ الْجَذْمَى كُلُّهُمْ سَوَاءً، وَلَا تَحْصُلُ الْعَدْوَى مِنْ جَمِيعهِمْ بَلْ (١) لَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ عَدْوَى أَصْلًا كَالَّذِي أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَفَ فَلَمْ يَعُدْ بَقِيَّةُ جِسْمِهِ فَلَا يُعْدِي. وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ جَرَى أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنِ أَوْرَدَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ مَا نَصُّهُ: الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ وَالتَّجَارِبِ أَنَّهُ يُعْدِي الزَّوْجَ كَثِيرًا، وَهُوَ دَاءٌ مَانِعٌ لِلْجِمَاعِ، لَا تَكَادُ نَفْسُ أَحَدٍ تَطِيبُ بِمُجَامَعَةِ مَنْ هُوَ بِهِ، وَلَا نَفْسُ امْرَأَةٍ أَنْ يُجَامِعَهَا مَنْ هُوَ بِهِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَبَيَّنَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ وَلَدِهِ أَجْذَمُ أَوِ أَبْرَصُ أَنَّهُ قَلَّمَا يَسْلَمُ، وَإِنْ سَلِمَ أَدْرَكَ نَسْلَهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَمَّا مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا عَدْوَى فَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ بِمَشِيئَتِهِ مُخَالَطَةَ الصَّحِيحِ مَنْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ سَبَبًا لِحُدُوثِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ. وَقَالَ:: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ. وَقَالَ فِي الطَّاعُونِ: مَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يُقْدِمْ عَلَيْهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ قَبْلَهُ.
الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: الْعَمَلُ بِنَفْيِ الْعَدْوَى أَصْلًا وَرَأْسًا، وَحَمْلُ الْأَمْرِ بِالْمُجَانَبَةِ عَلَى حَسْمِ الْمَادَّةِ وَسَدِّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَحْدُثَ لِلْمُخَالِطِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَظُنُّ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْمُخَالَطَةِ فَيُثْبِتُ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعُ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، إِثْبَاتُ الْعَدْوَى، بَلْ لِأَنَّ الصِّحَاحَ لَوْ مَرِضَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - رُبَّمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ صَاحِبِهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى فَيُفْتَتَنُ وَيَتَشَكَّكُ فِي ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهِ. قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاجْتِنَابِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَخَافَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ، قَالَ: وَهَذَا شَرُّ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعُ، وَلَكِنَّ وَجْهَ الْحَدِيثِ عِنْدِي مَا ذَكَرْتُهُ.
وَأَطْنَبَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا فِي كِتَابِ التَّوَكُّلِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ: لَا عَدْوَى عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدِيثُ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَرْجَمَ لِلْأَوَّلِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ فِي نَفْيِ الْعَدْوَى، وَلِلثَّانِي ذِكْرُ خَبَرٍ غَلِطَ فِي مَعْنَاهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَأَثْبَتَ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ تَرْجَمَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى بِهَذَا الْقَوْلِ فَسَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عَدْوَى، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: فَمَا بَالُ الْإِبِلِ يُخَالِطُهَا الْأَجْرَبُ فَتَجْرَبُ؟ قَالَ: فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ تَرْجَمَ: ذِكْرُ خَبَرٍ رُوِيَ فِي الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ قَدْ يَخْطُرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَسَاقَ حَدِيثَ: فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ فِي أَمْرِ الْمَجْذُومِ بِالرُّجُوعِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ ﷺ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا نَهَاهُمُ إِنْ يُورِدَ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وَخَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَ بَعْضَ مَنْ يُخَالِطُهُ الْمَجْذُومُ الْجُذَامُ، وَالصَّحِيحَ مِنَ الْمَاشِيَةِ الْجَرِبُ فَيَسْبِقُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى فَيُثْبِتُ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِتَجَنُّبِ ذَلِكَ شَفَقَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً لِيَسْلَمُوا مِنَ التَّصْدِيقِ بِإِثْبَاتِ الْعَدْوَى، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا. قَالَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَكْلُهُ ﷺ مَعَ الْمَجْذُومِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وَسَاقَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ إِدَامَةِ النَّظَرِ إِلَى الْمَجْذُومِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ стр. 5923
لِأَنَّ الْمَجْذُومَ يَغْتَمُّ وَيَكْرَهُ إِدْمَانَ الصَّحِيحِ نَظَرَهُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَكُونُ بِهِ دَاءٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ اهـ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِكَرَاهِيَةٍ، وَمَا أَدْرِي مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ شَيْءٌ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ عِنْدَنَا الْقَوْلُ بِمَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ، وَأَنْ لَا عَدْوَى، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُ نَفْسًا إِلَّا مَا كُتِبَ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا دُنُوُّ عَلِيلٍ مِنْ صَحِيحٍ فَغَيْرُ مُوجِبٍ انْتِقَالَ الْعِلَّةِ لِلصَّحِيحِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِذِي صِحَّةٍ الدُّنُوُّ مِنْ صَاحِبِ الْعَاهَةِ الَّتِي يَكْرَهُهَا النَّاسُ، لَا لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، بَلْ لِخَشْيَةِ أَنْ يَظُنَّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ الدَّاءُ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ دُنُوِّهُ مِنَ الْعَلِيلِ فَيَقَعُ فِيمَا أَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْعَدْوَى. قَالَ: وَلَيْسَ فِي أَمْرِهِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ مُعَارَضَةٌ لِأَكْلِهِ مَعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْشَادِ أَحْيَانًا وَعَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْأَوَامِرِ عَلَى الْإِلْزَامِ، وإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ مَا نَهَى عَنْهُ أَحْيَانَا لِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَرَامًا. وَقَدْ سَلَكَ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ مَسْلَكَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ فَأَوْرَدَ حَدِيثَ: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، ثُمَّ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُصِحَّ قَدْ يُصِيبُهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ فَيَقُولُ الَّذِي أَوْرَدَهُ لَوْ أَنِّي مَا أَوْرَدْتُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ شَيْءٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُورِدْهُ لَأَصَابَهُ لِكَوْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَدَّرَهُ، فَنَهَى عَنْ إِيرَادِهِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ غَالِبًا مِنْ وُقُوعِهَا فِي قَلْبِ الْمَرْءِ، ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ فَأَطْنَبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهَا بِنَحْوِ مَا جَمَعَ بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ إِيرَادِ الْمُمْرِضِ عَلَى الْمُصِحِّ مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ اعْتِقَادِ الْعَدْوَى، أَوْ مَخَافَةَ تَشْوِيشِ النُّفُوسِ وَتَأْثِيرِ الْأَوْهَامِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ لَا يُعْدِي، لَكِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا نُفْرَةً وَكَرَاهِيَةً لِمُخَالَطَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَكْرَهَ إِنْسَانٌ نَفْسَهُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ وَعَلَى مُجَالَسَتِهِ لَتَأَذَّتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ إِلَى مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُجَاهَدَةٍ، فَيَجْتَنِبُ طُرُقَ الْأَوْهَامِ، وَيُبَاعِدُ أَسْبَابَ الْآلَامِ، مَعَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يُنَجِّي حَذَرٌ مِنْ قَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ مِنَ الْأَسَدِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، بَلْ لِلشَّفَقَةِ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَنْهَى أُمَّتَهُ عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ خَيْرٌ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّ الرَّوَائِحَ تُحْدِثُ فِي الْأَبْدَانِ خَلَلًا فَكَانَ هَذَا وَجْهَ الْأَمْرِ بِالْمُجَانَبَةِ، وَقَدْ أَكَلَ هُوَ مَعَ الْمَجْذُومِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِمُجَانَبَتِهِ عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا فَعَلَهُ.
قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِهِ، وَقَوْلِهِ بِأَنَّ الْقَوْلَ هُوَ الْمَشْرُوعُ مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ الْمُخَاطَبِينَ، وَفِعْلُهُ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ، فَمَنْ فَعَلَ الْأَوَّلَ أَصَابَ السُّنَّةَ، وَهِيَ أَثَرُ الْحِكْمَةِ، وَمَنْ فَعَلَ الثَّانِي كَانَ أَقْوَى يَقِينًا؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا إِلَّا بِمُقْتَضَى إِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقْدِيرُهُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فَمَنْ كَانَ قَوِيَّ الْيَقِينِ فَلَهُ أَنْ يُتَابِعَهُ ﷺ فِي فِعْلِهُ وَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، وَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ضَعْفًا فَلْيَتْبَعْ أَمْرَهُ فِي الْفِرَارِ لِئَلَّا يَدْخُلَ بِفِعْلِهِ فِي إِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الضَّرَرُ، وَقَدْ أَبَاحَتِ الْحِكْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْحَذَرَ مِنْهَا فَلَا يَنْبَغِي لِلضُّعَفَاءِ أَنْ يَقْرَبُوهَا، وَأَمَّا أَصْحَابُ الصِّدْقِ وَالْيَقِينِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّاسِ هُوَ الضَّعْفُ، فَجَاءَ الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِالْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ لِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلزَّوْجَيْنِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا وَجَدَهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَأَجَابَ فِيهِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْفَسْخِ بِأَنَّهُ لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِهِ لَثَبَتَ الْفَسْخُ إِذَا حَدَثَ الْجُذَامُ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ، بَلْ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا.
وَاخْتُلِفَ فِي أَمَةِ الْأَجْذَمِ: هَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ اسْتِمْتَاعِهِ إِذَا أَرَادَهَا؟
стр. 5924
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَجْذُومِينَ إِذَا كَثُرُوا هَلْ يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَجَامِعِ؟ وَهَلْ يُتَّخَذُ لَهُمْ مَسكَانٌ مُنْفَرِدٌ عَنِ الْأَصِحَّاءِ؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي النَّادِرِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَلَا فِي شُهُودِ الْجُمُعَةِ.
٢٠ - بَاب الْمَنُّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ
٥٧٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، قال: سَمِعْتُ عَمْرُو بْنَ حُرَيْثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَنِّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: شِفَاءٌ مِنَ الْعَيْنِ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ، وَيَأْتِي تَوْجِيهُهَا. وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الصِّنْفُ الْمَخْصُوصُ ومِنَ الْمَأْكُولِ، لَا الْمَصْدَرُ الَّذِي بِمَعْنَى الِامْتِنَانِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْمَنِّ شِفَاءٌ، لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ أَنَّ الْكَمْأَةَ مِنْهُ، وَفِيهَا شِفَاءٌ إِذَا ثَبَتَ الْوَصْفُ لِلْفَرْعِ كَانَ ثُبُوتُهُ لِلْأَصْلِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ هُوَ الْمَخْزُومِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ ابْنَ عَمِّ أَبِيهِ. كَذَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَخَالَفَهُمْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْهُ، فَقَالَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ، أَخْرَجَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَقَالَ فِي الْعِلَلِ، الصَّوَابُ رِوَايَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ: أَظُنُّ عَبْدَ الْوَارِثِ أَخْطَأَ فِيهِ. وَقِيلَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ تَزَوَّجَ أُمَّ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي وَأَرَادَ زَوْجَ أُمِّهِ مَجَازًا فَظَنَّهُ الرَّاوِي أَبَاهُ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (الْكَمْأَةُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي الْعَامَّةِ مَنْ لَا يَهْمِزُهُ، وَاحِدَةُ الْكَمْءِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مِثْلِ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، وَعَكَسَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: الْكَمْأَةُ جَمْعُ الْكَمْء الْوَاحِدُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، قَالَ: وَلَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِهِمْ نَظِيرُ هَذَا سِوَى خَبْأَةٍ وَخَبْءٍ. وَقِيلَ: الْكَمْأَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدةِ وَعَلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ جَمَعُوهَا عَلَى أَكْمُؤٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلَا.
وَالْعَسَاقِلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَقَافٍ وَلَامٍ الشَّرَابُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَكْمُؤَ مَحَلُّ وِجْدَانِهَا الْفَلَوَاتُ. وَالْكَمْأَةُ نَبَاتٌ لَا وَرَقَ لَهَا وَلَا سَاقَ، تُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَعَ. قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِتَارِهَا، يُقَالُ: كَمَأَ الشَّهَادَةَ إِذَا كَتَمَهَا. وَمَادَّةُ الْكَمْأَةِ مِنْ جَوْهَرِ أَرْضِي بُخَارَي يَحْتَقِنُ نَحْوَ سَطْحِ الْأَرْضِ بِبَرْدِ الشِّتَاءِ وَيُنَمِّيهِ مَطَرُ الرَّبِيعِ فَيَتَوَلَّدُ وَيَنْدَفِعُ مُتَجَسِّدًا، وَلِذَلِكَ كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ يُسَمِّيهَا جُدَرِيَّ الْأَرْضِ تَشْبِيهًا لَهَا بِجُدَرِيِّ مَادَّةً وَصُورَةً، لِأَنَّ مَادَّتَهُ رُطُوبَةٌ دَمَوِيَّةٌ تَنْدَفِعُ غَالِبًا عِنْدَ التَّرَعْرُعِ وَفِي ابْتِدَاءِ اسْتِيلَاءِ الْحَرَارَةِ وَنَمَاءِ الْقُوَّةِ وَمُشَابَهَتُهَا لَهُ فِي الصُّورَةِ ظَاهِرٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ. الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَثُرَتِ الْكَمْأَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَامْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْ أَكْلِهَا وَقَالُوا: هِيَ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ
стр. 5925
فَقَالَ: إِنَّ الْكَمْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ جُدَرِيِّ الْأَرْضِ، أَلَا إِنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْكَمْأَةَ أَيْضًا بَنَاتَ الرَّعْدِ؛ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ، ثُمَّ تَنْفَطِرُ عَنْهَا الْأَرْضُ. وَهِيَ كَثِيرَةٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَتُوجَدُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ، فَأَجْوَدهَا مَا كَانَتْ أَرْضُهُ رَمْلَةٌ قَلِيلَةُ الْمَاءِ، وَمِنْهَا صِنْفٌ قَتَّالٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إِلَى الْحُمْرَةِ.
وَهِيَ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ فِي الثَّانِيَةِ رَدِيئَةٌ لِلْمَعِدَةِ بَطِيئَةُ الْهَضْمِ، وَإِدْمَانُ أَكْلِهَا يُورِثُ الْقُولَنْجَ وَالسَّكْتَةَ، وَالْفَالِجَ وَعُسْرَ الْبَوْلِ، وَالرَّطْبُ مِنْهَا أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ الْيَابِسِ، وَإِذَا دُفِنَتْ فِي الطِّينِ الرَّطْبِ ثُمَّ سُلِقَتْ بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالسَّعْتَرِ وَأُكِلَتْ بِالزَّيْتِ وَالتَّوَابِلِ الْحَارَّةِ قَلَّ ضَرَرُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهَا جَوْهَرُ مَائِيٍّ لَطِيفٍ بِدَلِيلِ خِفَّتِهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ مَاؤُهَا شِفَاءً لِلْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْمَنِّ) قِيلَ فِي الْمُرَادُ بِالْمَنِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ الطَّلُّ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ فَيُجْمَعُ وَيُؤْكَلُ حُلْوًا، وَمِنْهُ التَّرَنْجَبِينُ فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ بِهِ الْكَمْأَةَ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُودِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَفْوًا بِغَيْرِ عِلَاجٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَذَكَرْتُ مَنْ زَادَ فِي مَتْنِ هَذَا الْحَدِيثِ: الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا مِنَ الْمَنِّ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ عَفْوًا بِغَيْرِ عِلَاجٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ كَالتَّرَنْجَبِينِ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْكَمْأَةَ شَيْءٌ يَنْبُتُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ بِبَذْرٍ وَلَا سَقْيٍ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَنِّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ فَيَتَنَاوَلُونَهُ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ أَنْوَاعًا، مِنْهَا مَا يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ، وَمِنْهَا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ فَتَكُونُ الْكَمْأَةُ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمَنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مَا يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ أَنْوَاعًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِهَا مِنَ النَّبَاتِ الَّذِي يُوجَدُ عَفْو ا، وَمِنَ الطَّيْرِ الَّتِي تَسْقُطُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ اصْطِيَادٍ، وَمِنَ الطَّلِّ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ.
وَالْمَنُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ مَمْنُونٌ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَائِبَةُ كَسْبٍ كَانَ مَنًّا مَحْضًا، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيعُ نِعَمِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى عَبِيدِهِ مَنًّا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ خُصَّ هَذَا بِاسْمِ الْمَنِّ لِكَوْنِهِ لَا صُنْعَ فِيهِ لِأَحَدٍ، فَجَعَلَ قُوتَهُمْ فِي التِّيهِ الْكَمْأَةَ وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ الْخُبْزِ، وَأُدُمُهُمُ السَّلْوَى وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ اللَّحْمِ، وَحَلْوَاهُمُ الطَّلُّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الشَّجَرِ، فَكَمَّلَ بِذَلِكَ عَيْشَهُمْ. وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ مِنَ الْمَنِّ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَالتَّرَنْجَبِينُ كَذَلِكَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَنِّ، وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْمَنِّ عَلَيْهِ عُرْفًا، اهـ. وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَحْدَةِ دَوَامُ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ تَبَدُّلٍ وَذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَطْعُومُ أَصْنَافًا لَكِنَّهَا، لَا تَتَبَدَّلُ أَعْيَانُهَا.
قَوْلُهُ: (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: مِنَ الْعَيْنِ، أَيْ: شِفَاءٌ مِنْ دَاءِ الْعَيْنِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا اخْتَصَّتِ الْكَمْأَةُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْحَلَالِ الْمَحْضِ الَّذِي لَيْسَ فِي اكْتِسَابِهِ شُبْهَةٌ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْحَلَالِ الْمَحْضِ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي الْمُرَادِ بِكَوْنِهَا شِفَاءً لِلْعَيْنِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَاؤُهَا حَقِيقَةً، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ صِرْفًا فِي الْعَيْنِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ عَلَى رَأْيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُخْلَطُ فِي الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يُكْتَحَلُ بِهَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَيُصَدِّقُ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ بَعْضَ الْأَطِبَّاءِ قَالُوا: أَكْلُ الْكَمْأَةِ يَجْلُو الْبَصَرَ.
ثَانِيهُمَا: أَنْ تُؤْخَذَ فَتُشَقُّ وَتُوضَعُ عَلَى الْجَمْرِ حَتَّى يَغْلِيَ مَاؤُهَا، ثُمَّ يُؤْخَذُ الْمِيلُ فَيُجْعَلُ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ وَهُوَ فَاتِرٌ فَيُكْتَحَلُ بِمَائِهَا، لِأَنَّ النَّارَ تُلَطِّفُهُ وَتُذْهِبُ فَضَلَاتَهُ الرَّدِيئَةَ وَيَبْقَى النَّافِعُ مِنْهُ، وَلَا يُجْعَلُ الْمِيلُ فِي
стр. 5926
مَائِهَا وَهِيَ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ فَلَا يَنْجَعُ، وَقَدْ حَكَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، عَنْ صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ أَنَّهُمَا اشْتَكَتْ أَعْيُنُهُمَا، فَأَخَذَا كَمْأَةً وَعَصَرَاهَا وَاكْتَحَلَا بِمَائِهَا، فَهَاجَتْ أَعْيُنُهُمَا وَرَمِدَا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَحَكَى شَيْخُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَصَرَ مَاءَ كَمْأَةٍ فَاكْتَحَلَ بِهِ فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ مَاؤُهَا الَّذِي تَنْبُتُ بِهِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَطَرٍ يَقَعُ فِي الْأَرْضِ فَتُرَبَّى بِهِ الْأَكْحَالُ حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي أَيْضًا، فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ إِضَافَةَ الْكُلِّ لَا إِضَافَةَ جُزْءٍ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا أَضْعَفُ الْوُجُوهِ. قُلْتُ: وَفِيمَا ادَّعَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ صِرْفًا نَظَرٌ، فَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الطِّبِّ فِي التَّدَاوِي بِمَاءِ الْكَمْأَةِ تَفْصِيلًا، وَهُوَ إِنْ كَانَ لِتَبْرِيدِ مَا يَكُونُ بِالْعَيْنِ مِنَ الْحَرَارَةِ فَتُسْتَعْمَلُ مُفْرَدَةً، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَتُسْتَعْمَلُ مُرَكَّبَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْفَعُ بِصُورَتِهِ فِي حَالٍ، وَبِإِضَافَتِهِ فِي أُخْرَى، وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ صَحِيحًا.
نَعَمْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِمَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، فَقَالَ: تُرَبَّى بِهَا التُّوتِيَاءُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَكْحَالِ، قَالَ: وَلَا تُسْتَعْمَلُ صِرْفًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْعَيْنَ. وَقَالَ الْغَافِقِيُّ فِي الْمُفْرَدَاتِ: مَاءُ الْكَمْأَةِ أَصْلَحُ الْأَدْوِيَةِ لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِهِ الْإِثْمِدُ وَاكْتُحِلَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُقَوِّي الْجَفْنَ، وَيَزِيدُ الرُّوحَ الْبَاصِرَ حِدَّةً وَقُوَّةً، وَيَدْفَعُ عَنْهَا النَّوَازِلَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ مَاءَهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ مُطْلَقًا فَيُعْصَرُ مَاؤُهَا وَيُجْعَلُ فِي الْعَيْنِ مِنْهُ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَانِنَا مَنْ كَانَ عَمِيَ وَذَهَبَ بَصَرُهُ حَقِيقَةً فَكَحَّلَ عَيْنَهُ بِمَاءِ الْكَمْأَةِ مُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْعَدْلُ الْأَمِينُ الْكَمَالُ بْنُ عَبْدٍ الدِّمَشْقِيُّ صَاحِبُ صَلَاحٍ وَرِوَايَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَاءِ الْكَمْأَةِ اعْتِقَادًا فِي الْحَدِيثِ وَتَبَرُّكًا بِهِ فَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: الْكَمَالُ الْمَذْكُورُ هُوَ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْخَضِرِ يُعْرَفُ ابْنِ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ الْحَارِثِيُّ الدِّمَشْقِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي طَاهِرٍ الْخُشُوعِيِّ، سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، عَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ قَبْلَ النَّوَوِيِّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَنْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةَ اعْتِقَادٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ، وَهُوَ يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا مُطْلَقًا، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى قَتَادَةَ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ فَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي فَبَرِئَتْ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: اعْتَرَفَ فُضَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ مَاءَ الْكَمْأَةِ يَجْلُو الْعَيْنَ، مِنْهُمُ الْمُسَبِّحِيُّ، وَابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُمَا. وَالَّذِي يُزِيلُ الْإِشْكَالَ عَنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْكَمْأَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ خُلِقَتْ فِي الْأَصْلِ سَلِيمَةً مِنَ الْمَضَارِّ، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهَا الْآفَاتُ بِأُمُورٍ أُخْرَى مِنْ مُجَاوَرَةٍ أَوِ امْتِزَاجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَالْكَمْأَةُ فِي الْأَصْلِ نَافِعَةٌ لِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ مِنْ وَصْفِهَا بِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا عَرَضَتْ لَهَا الْمَضَارُّ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَاسْتِعْمَالُ كُلِّ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ بِصِدْقٍ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ، وَيَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ الضَّرَرَ بِنِيَّتِهِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعْبَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِوَاوٍ فِي أَوَّلِهِ وَصُورَتُهُ صُورَةُ التَّعْلِيقِ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَوْلَى فَإِنَّهُ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَأَعَادَ الْإِسْنَادَ مِنْ أَوَّلِهِ لِلطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَا أَوْرَدَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا.
قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّر وَالْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، كُوفِيٌّ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَالْعِجْلِيُّ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: صَدُوقٌ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ) كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَبِرَ وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ، فَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعْبَةَ تَوَقَّفَ فِيهِ،
стр. 5927
فَلَمَّا تَابَعَهُ الْحَكَمُ بِرِوَايَتِهِ ثَبَتَ عِنْدَ شُعْبَةَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَانْتَفَى عَنْهُ التَّوَقُّفُ فِيهِ. وَقَدْ تَكَلَّفَ الْكِرْمَانِيُّ لِتَوْجِيهِ كَلَامِ شُعْبَةَ أَشْيَاءَ فِيهَا نَظَرٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَكَمَ مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: سَمِعْتُهُ فَلَمَّا تَقَوَّى بِرِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمْ يَبْقَ بِهِ مَحَلٌّ لِلْإِنْكَارِ. قُلْتُ: شُعْبَةُ مَا كَانَ يَأْخُذُ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ ذَكَرَ عَنْهُمُ التَّدْلِيسَ إِلَّا مَا يَتَحَقَّقُ سَمَاعُهُمْ فِيهِ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ بِبُعْدِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ كَانَ يَلْزَمُ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَقُولَ لَمَّا حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمُلْكِ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ.
ثَانِيهَا: لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ مَنْكُورًا لِي لِأَنِّي كُنْتُ أَحْفَظُهُ.
ثَالِثُهَا: يَحْتَمِلُ الْعَكْسُ بِأَنْ يُرَادَ لَمْ يُنْكِرْ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ سَاقَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الطَّرِيقَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخْرَى عَنِ الْحَكَمِ. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي الْمَتْنِ: مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي لَفْظِ: عَلَى مُوسَى وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى مَا فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنَ الْفَائِدَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
٢١ - بَاب اللَّدُودِ
٥٧٠٩، ٥٧١٠ - ، ٥٧١١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَيِّتٌ.
٥٧١٢ - قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟ قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ.
٥٧١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ، قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَعْلَقْتُ عَنه مِنْ الْعُذْرَةِ، فَقَالَ: علامَ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُسْعَطُ مِنْ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ. فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنَا اثْنَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يَقُولُ: أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: لَمْ يَحْفَظْ، إِنَّمَا قَالَ: أَعْلَقْتُ عَنْهُ، حَفِظْتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ، وَوَصَفَ سُفْيَانُ الْغُلَامَ يُحَنَّكُ بِالْإِصْبَعِ وَأَدْخَلَ سُفْيَانُ فِي حَنَكِهِ، إِنَّمَا يَعْنِي رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ وَلَمْ يَقُلْ: أَعْلِقُوا عَنْهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ اللَّدُودِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِمُهْمَلَتَيْنِ: هُوَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ فَمِ الْمَرِيضِ. وَاللُّدُودُ بِالضَّمِّ الْفِعْلُ. وَلَدَدَتَ الْمَرِيضَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِ.
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ الأول مُسْتَوْفًى فِي بَابِ وَفَاةِ النَّبِي ﷺ وَبَيَانُ مَا لَدُّوهُ ﷺ بِهِ، وَبَيَانُ مَنْ عُرِفَ اسْمُهُ مِمَّنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ وَلُدَّ لِأَمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وأَمَّا الْحَدِيثُ الثاني فسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي بَابِ الْعُذْرَةِ قَرِيبًا.
стр. 5928
٢٢ - بَاب
٥٧١٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَيُونُسُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ:، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاشْتَدَّ به وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَآخَرَ. فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهَا وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ: هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ. قَالَتْ: فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. قَالَتْ: وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى بهُمْ وَخَطَبَهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لَهُمْ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِيهِ فِي الطَّهَارَةِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ بَطَّالٍ مُنَاسَبَةَ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ لِتَرْجَمَةِ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَابَ إِذَا كَانَ بِلَا تَرْجَمَةٍ يَكُونُ كَالْفَصْلِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ بِالْمَرِيضِ بِأَمْرِهِ لَا يَلْزَمُ فَاعِلَ ذَلِكَ لَوْمٌ وَلَا قِصَاصٌ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَهُ بِخِلَافِ مَا نَهَى عَنْهُ أَنْ لَا يُفْعَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّبَ بِأَنْ يُقَالَ أَوَّلًا: إِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا اتَّفَقَ لَهُ فِيهِ وَاحِدٌ ذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ تَامًّا وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِهِ، وَقِصَّةُ اللُّدُودِ كَانَتْ عِنْدَمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ السَّبْعِ قِرَبٍ، لَكِنَّ اللُّدُودَ كَانَ نَهَى عَنْهُ، وَلِذَلِكَ عَاتَبَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصَّبِّ فَإِنَّهُ كَانَ أَمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا كَانَ عَارِفًا لَا يُكْرَهُ عَلَى تَنَاوُلِ شَيْءٍ يَنْهَى عَنْهُ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ شَيْءٍ يَأْمُرُ بِهِ.
٢٣ - بَاب الْعُذْرَةِ
٥٧١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّةَ - أَسَدَ خُزَيْمَةَ - وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَاشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا قَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ علامَ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ عَلَيْكُن بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُرِيدُ الْكُسْتَ وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ. وَقَالَ يُونُسُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: عَلَّقَتْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعُذْرَةِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: هُوَ وَجَعُ الْحَلْقِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى سُقُوطَ اللَّهَاةِ،
стр. 5929
وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ اللَّهَاةِ وَالْمُرَادُ وَجَعُهَا سُمِّيَ بِاسْمِهَا، وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهَاةِ. وَاللَّهَاةُ بِفَتْحِ اللَّامِ اللَّحْمَةِ الَّتِي فِي أَقْصَى الْحَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَما كَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ إِلَخْ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، فَيَكُونُ مُدْرَجًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ شَيْخِهِ فَيَكُونُ مَوْصُولًا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
قَوْلُهُ: (بِابْنٍ لَهَا) تَقَدَّمَ فِي بَابِ السُّعُوطِ أَنَّهُ الِابْنُ الَّذِي بَالَ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (قَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِلَفْظِ: أَعْلَقَتْ عَنْهُ، وَفِيهِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ مَعْمَرًا يَقُولُ: أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: لَمْ يُحْفَظْ، إِنَّمَا قَالَ: أَعْلَقَتْ عَنْهُ. وحَفِظْتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ، وَوَقَعَ هُنَا مُعَلَّقًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَلَّقَتْ عَلَيْهِ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَالصَّوَابُ: أَعْلَقَتْ. وَالِاسْمُ الْعَلَاقُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ. وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَاضِيَةِ: بِهَذَا الْعَلَاقِ، كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: الْأَعْلَاقُ وَرِوَايَةُ يُونُسَ الْمُعَلَّقَةُ هُنَا وَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا. وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ لَكِنْ بِلَفْظِ: جِئْتُ بِابْنٍ لِي قَدْ أَعَلَقَتْ عَنْهُ. قَالَ عِيَاضٌ: وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ: أَعْلَقَتْ، وَعَلَّقَتْ، وَالْعَلَاقُ، وَالْإِعْلَاقُ، وَلَمْ يَقَعْ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا: أَعْلَقَتْ، وَذَكَرَ الْعَلَاقَ فِي رِوَايَةٍ، وَالْأعْلَاقَ فِي رِوَايَةٍ، وَالْكُلُّ بِمَعْنًى جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ، لَكِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ إِنَّمَا يَذْكُرُونَ أَعْلَقَتْ ; وَالْإعْلَاقُ رُبَاعِيٌّ، وَتَفْسِيرُهُ غَمْزُ الْعُذْرَةِ وَهِيَ اللَّهَاةُ بِالْإصْبُعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ: أَعْلَقَتْ: غَمَزَتْ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَامَ أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (تَدْغَرْنَ) خِطَابٌ لِلنِّسْوَةِ، وَهُوَ بَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَالدَّغْرُ غَمْزُ الْحَلْقِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْكُمْ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَيْكُنَّ.
قَوْلُهُ: (بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، يُرِيدُ الْكُسْتَ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، يَعْنِي: الْقُسْطَ، قَالَ: وَهِيَ لُغَةٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا فِي بَابِ السَّعُوطِ بِالْقُسْطِ الْهِنْدِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا، قَالَ: فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنَا اثْنَتَيْنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً يَعْنِي مِنَ السَّبْعَةِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، فَذَكَرَ مِنْهَا ذَاتَ الْجَنْبِ وَيُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي بَابِ السَّعُوطِ مِنْ كَلَامِ الْأَطِبَّاءِ مَا لَعَلَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَمْسَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا.
٢٤ - بَاب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ
٥٧١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ. تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ دَوَاءِ الْمَبْطُونِ) الْمُرَادُ بِالْمَبْطُونِ مَنِ اشْتَكَى بَطْنَهُ لِإِفْرَاطِ الْإِسْهَالِ، وَأَسْبَابُ ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ.
قَوْلُهُ: (قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) كَذَا لِشُعْبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. وَخَالَفَهُمَا شَيْبَانُ فَقَالَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُرَجِّحْ، وَالَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ طَرِيقِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَيْهَا، شُعْبَةَ، وَسَعِيدٍ أَوَّلًا، ثُمَّ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ثَانِيًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ شُعْبَةَ: عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ)
стр. 5930
بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، أَيْ: كَثُرَ خُرُوجُ مَا فِيهِ، يُرِيدُ الْإِسْهَالَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فِي رَابِعِ بَابٍ مِنْ كِتَابِ الطِّبِّ: هَذَا ابْنُ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ: قَدْ عَرِبَ بَطْنُهُ، وَهِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: فَسَدَ هَضْمُهُ لِاعْتِلَالِ الْمَعِدَةِ، وَمِثْلُهُ ذَرِبَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْعَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا) وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ: اسْقِهِ الْعَسَلَ، وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ عَسَلُ النَّحْلِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ، وَظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِسَقْيِهِ صِرْفَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا.
قَوْلُهُ: (فَسَقَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا) كَذَا فِيهِ، وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَقَاهُ فَلَمْ يَبْرَأْ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَقَاهُ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزْدَدِ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ، لَكِنْ قَرَنَهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَقَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى. نَعَمْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ وَحْدَهُ بِلَفْظِ: ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ)، كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقَالَ: سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ: فَذَهَبَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ، كَذَلِكَ ثَلَاثًا، وَفِيهِ: فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: اسْقِهِ عَسَلًا. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِيهِنَّ مَا قَالَ فِي الْأُولَى. وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِلَفْظِ: ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ). زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: فَسَقَاهُ فَبَرَأَ. وَكَذَا لِلتِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ اسْقِهِ عَسَلًا، قَالَ: فَأَظُنُّهُ قَالَ: فَسَقَاهُ فَبَرَأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّابِعَةِ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ. كَذَا وَقَعَ لِيَزِيدَ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ: فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ. وَالَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَرْجَحُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ عَسَلًا فَسَقَاهُ فِي الرَّابِعَةِ فَبَرَأَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ النَّضْرُ)، يَعْنِي: ابْنَ شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّر (عَنْ شُعْبَةَ) وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ النَّضْرِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَتَابَعَهُ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ.
قُلْتُ: رِوَايَةُ يَحْيَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي الْكُبْرَى وَرِوَايَةُ خَالِدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، وَرِوَايَةُ يَزِيدَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَتَابَعَهُمْ أَيْضًا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَرِوَايَتُهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ، يُقَالُ: كَذَبَ سَمْعُكَ، أَيْ: زَلَّ فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَةَ مَا قِيلَ لَهُ، فَمَعْنَى: كَذَبَ بَطْنُهُ، أَيْ: لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ، بَلْ زَلَّ عَنْهُ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ، فَقَالَ: الْعَسَلُ مُسَهِّلٌ، فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الْإِسْهَالُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالْعَادَةِ، وَالزَّمَانِ وَالْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ، وَالتَّدْبِيرِ وَقُوَّةِ الطَّبِيعَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْإِسْهَالَ يَحْدُثُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْهَا الْهَيْضَةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ تُخَمَةٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَاجَهَا بِتَرْكِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِهَا، فَإِنَّ احتَاجَتِ إِلَى مُسَهِّلٍ مُعَيَّنٍ أُعِينَتْ مَا دَامَ بِالْعَلِيلِ قُوَّةٌ، فَكَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ اسْتِطْلَاقُ بَطْنِهِ عَنْ تُخَمَةٍ أَصَابَتْهُ فَوَصَفَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْعَسَلَ لِدَفْعِ الْفُضُولِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي نَوَاحِي الْمَعِدَةِ
стр. 5931
وَالْأَمْعَاءِ لِمَا فِي الْعَسَلِ مِنَ الْجَلَاءِ وَدَفْعِ الْفُضُولِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَعِدَةَ مِنْ أَخْلَاطٍ لَزِجَةٍ تَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْغِذَاءِ فِيهَا، وَلِلْمَعِدَةِ خَمْلٌ كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، فَإِذَا عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاطُ اللَّزِجَةُ أَفْسَدَتْهَا وَأَفْسَدَتِ الْغِذَاءَ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا، فَكَانَ
دَوَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالِ مَا يَجْلُو تِلْكَ الْأَخْلَاطَ، وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْعَسَلِ، لَا سِيَّمَا إِنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمِّيَّةٌ بِحَسَبِ الدَّاءِ، إِنْ قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ جَاوَزَهُ أَوْهَى الْقُوَّةَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَرَ، فَكَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْهُ أَوَّلًا مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدَّاءِ، فَأَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ سَقْيِهِ، فَلَمَّا تَكَرَّرَتِ الشَّرَبَاتُ بِحَسَبِ مَادَّةِ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ نَافِعٌ، وَأَنَّ بَقَاءَ الدَّاءِ لَيْسَ لِقُصُورِ الدَّوَاءِ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ شُرْبِ الْعَسَلِ لِاسْتِفْرَاغِهَا، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالطِّبُّ نَوْعَانِ: طِبُّ الْيُونَانِ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ، وَطِبُّ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَهُوَ تَجَارِبِيٌّ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَصِفهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنْ يَكُونُ عَلِيلًا عَلَى طَرِيقَةِ طِبِّ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ. وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمِائَةِ فِي الطِّبِّ: إِنَّ الْعَسَلَ تَارَةً يَجْرِي سَرِيعًا إِلَى الْعُرُوقِ وَيَنْفُذُ مَعَهُ جُلُّ الْغِذَاءِ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ فَيَكُونُ قَابِضًا، وَتَارَةً يَبْقَى فِي الْمَعِدَةِ فَيُهَيِّجُهَا بِلَذْعِهَا حَتَّى يَدْفَعَ الطَّعَامَ وَيُسَهِّلَ الْبَطْنَ فَيَكُونُ مُسَهِّلًا. فَإِنْكَارُ وَصْفِهِ لِلْمُسْهِلِ مُطْلَقًا قُصُورٌ مِنَ الْمُنْكِرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: طِبُّ النَّبِيِّ ﷺ مُتَيَقَّنٌ الْبُرْءُ لِصُدُورِهِ عَنِ الْوَحْي، وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ أَوْ تَجْرِبَةٌ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ الشِّفَاءُ عَنْ بَعْضِ مَنْ يَسْتَعْمِلُ طِبَّ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ لِمَانِعٍ قَامَ بِالْمُسْتَعْمِلِ مِنْ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ، وَأَظْهَرُ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ شِفَاءُ صَدْرِهِ لِقُصُورِهِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالتَّلَقِّي بِالْقَبُولِ، بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقَ إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِ وَمَرَضًا إِلَى مَرَضِهِ، فَطِبُّ النُّبُوَّةِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَبْدَانَ الطَّيِّبَةَ، كَمَا أَنَّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي وَصْفِهِ ﷺ الْعَسَلُ لِهَذَا الْمُنْسَهِلِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الشِّفَاءِ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: صَدَقَ اللَّهُ، أَيْ: فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ فَلَمَّا نَبَّهَهُ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ تَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ، فَشُفِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ عَلَى الْمَأْلُوفِ مِنْ عَادَتِهِمْ مِنَ التَّدَاوِي بِالْعَسَلِ فِي الْأَمْرَاضِ كُلِّهَا. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَوْصُوفَ لَهُ ذَلِكَ كَانَتْ بِهِ هَيْضَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. الرَّابِعُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِطَبْخِ الْعَسَلِ قَبْلَ شُرْبِهِ فَإِنَّهُ يَعْقِدُ الْبَلْغَمَ، فَلَعَلَّهُ شَرِبَهُ أَوَّلًا بِغَيْرِ طَبْخٍ، انْتَهَى.
وَالثَّانِي وَالرَّابِعُ ضَعِيفَانِ، وَفِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ احْتِمَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشِّفَاءُ يَحْصُلُ لِلْمَذْكُورِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَةُ وَصْفِهِ وَدُعَائِهِ ; فَيَكُونُ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ مَوْقُوفًا، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَأَثَرُ عَلِيٍّ: إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَوْهِبْ مِنَ امْرَأَتِهِ مِنْ صَدَاقِهَا فَلْيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ مَاءَ السَّمَاءِ فَيُجْمَعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، أَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَرِئَ الْعَلِيلُ مِنْ أَوَّلِ شَرْبَةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا بَعْدَ التَّكْرَارِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ تَقْتَصِرُ عَلَى مَعَانِيهَا. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ هَذَا الِانْتِزَاعِ. وَقَالَ أَيْضًا: فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ الشِّفَاءَ قَدْ يَتَخَلَّفُ لِتَتِمَّ الْمُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا الدَّاءَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: فَسَقَاهُ فَبَرَأَ بِفَتْحِ الرَّاءِ والْهَمْزِ بِوَزْنِ قَرَأَ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُهَا بِكَسْرِ الرَّاءِ
стр. 5932
بِوَزْنِ عَلِمَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي فِي آخِرِهِ فَسَقَاهُ فَعَافَاهُ اللَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٥ - بَاب لَا صَفَرَ وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَطْنَ
٥٧١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَتأْتِى الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ: فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ. رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا صَفَرَ وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَطْنَ) كَذَا جَزَمَ بِتَفْسِيرِ الصَّفَرِ، وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رُؤْبَةَ بْنَ الْعَجَّاجِ، فَقَالَ: هِيَ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ، وَهِيَ أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ عِنْدَ الْعَرَبِ. فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الصَّفَرِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِيهِ مِنَ الْعَدْوَى. وَرَجَحَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْقَوْلُ لِكَوْنِهِ قُرِنَ فِي الْحَدِيثِ بِالْعَدْوَى. وَكَذَا رَجَّحَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ الْأَعْشَى:
وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ.
وَالشُّرْسُوفُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ: الضِّلْعُ، وَالصَّفَرُ دُودٌ يَكُونُ فِي الْجَوْفِ، فَرُبَّمَا عَضَّ الضِّلْعَ أَوِ الْكَبِدَ فَقَتَلَ صَاحِبَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّفَرِ الْحَيَّةُ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ نَفْيُ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ قَتَلَهُ، فَرَدَّ ذَلِكَ الشَّارِعُ بِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا فَرَغَ الْأَجَلُ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ حَدِيثِ: لَا صَفَرَ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقِيلَ فِي الصَّفَرِ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرُ صَفَرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُ صَفَرَ وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : لَا صَفَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَالصَّفَرُ أَيْضًا وَجَعٌ فِي الْبَطْنِ يَأْخُذُ مِنَ الْجُوعِ وَمِنَ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الِاسْتِسْقَاءُ، وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ صَفَرَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حُمُرِ النِّعَمِ، أَيْ: جَوْعَةٌ، وَيَقُولُونَ: صَفَرَ الْإِنَاءُ إِذَا خَلَا عَنِ الطَّعَامِ، وَمِنَ الثَّانِي مَا سَبَقَ فِي الْأَشْرِبَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ الصَّفَرُ، فَنُعِتَ لَهُ السَّكَرُ، أَيْ: حَصَلَ لَهُ الِاسْتِسْقَاءُ فَوُصِفَ لَهُ النَّبِيذُ، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا لَا يَتَّجِهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْهَامَّةِ وَالْعَدْوَى كُلٌّ مِنْهُمَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ: رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، يَعْنِي: كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ لَا عَدْوَى مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، وَفِيهِ تَفْصِيلُ لَفْظِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ لَفْظِ سِنَانٍ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٦ - بَاب ذَاتِ الْجَنْبِ
٥٧١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ
стр. 5933
اللَّهِ، أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ - وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، وقَدْ عَلَّقَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ، فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ، عَلَى مَ تَدْغَرُنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذِهِ الْأَعْلَاقِ؟ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُرِيدُ الْكُسْتَ، يَعْنِي: الْقُسْطَ، قَالَ: وَهِيَ لُغَةٌ.
٥٧١٩، ٥٧٢٠ - ، ٥٧٢١ - حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: قُرِئ عَلَى أَيُّوبَ مِنْ كُتُبِ أَبِي قِلَابَةَ، مِنْهُ مَا حَدَّثَ بِهِ، وَمِنْهُ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا فِي الْكِتَابِ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ، وَأَنَسَ بْنَ النَّضْرِ كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ. وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنْ يَرْقُوا مِنْ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ. قَالَ أَنَسٌ: كُوِيتُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ، وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ كَوَانِي.
[الحديث ٥٧١٩ - طرفه في: ٥٧٢١]
قَوْلُهُ: (بَابُ ذَاتِ الْجَنْبِ) هُوَ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ مِنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ تَحْتَقِنُ بَيْنَ الصِّفَاقَاتِ وَالْعَضَلِ الَّتِي فِي الصَّدْرِ وَالْأَضْلَاعِ، فَتُحْدِثُ وَجَعًا، فَالْأَوَّلُ: هو ذَاتُ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ، قَالُوا: وَيَحْدُثُ بِسَبَبِهِ خَمْسَةُ أَعْرَاضٍ: الْحُمَّى وَالسُّعَالُ وَالنَّخْسُ وَضِيقُ النَّفَسِ وَالنَّبْضُ الْمِنْشَارِيُّ.
وَيُقَالُ لِذَاتِ الْجَنْبِ أَيْضًا: وَجَعُ الْخَاصِرَةِ، وَهِيَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ، وَهِيَ مِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهَا عَلَيَّ، وَالْمُرَادُ بِذَاتِ الْجَنْبِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ الثَّانِي، لِأَنَّ الْقُسْطَ وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَرِيبًا هُوَ الَّذِي تُدَاوَى بِهِ الرِّيحُ الْغَلِيظَةُ، قَالَ الْمُسَبِّحِيُّ: الْعُودُ حَارٌّ يَابِسٌ قَابِضٌ يَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيُقَوِّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ وَيَطْرُدُ الرِّيحَ وَيَفْتَحُ السُّدَدَ وَيُذْهِبُ فَضْلَ الرُّطُوبَةِ ; قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَعَ الْقُسْطُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ أَيْضًا إِذَا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ مَادَّةٍ بَلْغَمِيَّةٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ انْحِطَاطِ الْعِلَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
حَدِيثُ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ فِي قِصَّةِ وَلَدِهَا، وَالْأَعْلَاقُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ قَبْلَ بِبَابَيْنِ. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَقَوْلُهُ: عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ وَمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ، وَشَيْخُهُ إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاشِدٍ الْجَزَرِيُّ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: يُرِيدُ الْكُسْتَ، يَعْنِي الْقُسْطَ، قَالَ: وَهِيَ لُغَةٌ هُوَ تَفْسِيرُ الْعُودِ الْهِنْدِيِّ بِأَنَّهُ الْقُسْطُ، وَالْقَائِلُ: قَالَ هِيَ لُغَةٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ.
ثَانِيهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَارِمٌ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ السَّدُوسِيُّ، وَحَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (قُرِئَ عَلَى أَيُّوبَ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُتُبِ أَبِي قِلَابَةَ مِنْهُ مَا حَدَّثَ بِهِ، وَمِنْهُ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ، فَكَانَ هَذَا فِي الْكِتَابِ) أَيْ: كِتَابُ أَبِي قِلَابَةَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلَ قَوْلِهِ: فِي الْكِتَابِ: قَرَأَ الْكِتَابَ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: فِي الْكِتَابِ: غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ)
стр. 5934
هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ زَوْجُ وَالِدَةِ أَنَسٍ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ هُوَ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ) نُسِبَ الْكَيُّ إِلَيْهِمَا مَعًا لِرِضَاهُمَا بِهِ، ثُمَّ نُسِبَ الْكَيُّ لِأَبِي طَلْحَةَ وَحْدَهُ لِمُبَاشَرَتِهِ له. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ: وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ) هُوَ النَّاجِي بِالنُّونِ وَالْجِيمِ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ فَائِدَةً مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ، أَمَّا الْإِسْنَادُ فَبَيَّنَ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ بَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ صُورَةَ أَخْذِ أَيُّوبَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ قَرَأَهُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَطْلَقَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ رِوَايَتَهُ بِالْعَنْعَنَةِ. وَأَمَّا الْمَتْنُ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْكَيَّ الْمَذْكُورَ كَانَ بِسَبَبِ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ فِيمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ زِيَادَةٌ أُخْرَى فِي أَوَّلِهِ أَفْرَدَهَا بَعْضُهُمْ، وَهِيَ حَدِيثُ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يُرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ. وَلَيْسَ لِعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ - وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَلَمَةَ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: لَمَّا رَأَيْنَاهُ كَانَ لَا يَحْفَظُ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ضَعْفَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يكْتَبُ حَدِيثَهُ. وَوَصَلَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ رَيْحَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادٍ بِطُولِهِ، وَأَخْرَجَهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَذَلِكَ، وَفَرَّقَهُ الْبَزَّارُ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: تَفَرَّدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَالْحُمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَقَدْ تُشَدَّدُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ، هِيَ السُّمُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِهَا فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَأَمَّا رُقْيَةُ الْأُذُنِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ وَجَعُ الْأُذُنِ، أَيْ: رَخَّصَ فِي رُقْيَةِ الْأُذُنِ إِذَا كَانَ بِهَا وَجَعٌ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْحَصْرِ الْمَاضِي فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى حَيْثُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَخَّصَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ مَنْعَ مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا رُقْيَةَ أَنْفَعُ مِنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيُ الرُّقَى عَنْ غَيْرِهِمَا. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ، عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ ضَبَطَهُ الْأُدْرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ. وَأَنَّهُ جَمْعُ أُدْرَةٍ وَهِيَ نَفْخَةُ الْخُصْيَةِ، قَالَ: وَهُوَ غَرِيبٌ شَاذٌّ انْتَهَى. وَلَمُ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَلْيُحَرَّرْ.
وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي سِيَاقِ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ بِلَفْظِ: أَنْ يَرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ، وَأَذِنَ بِرُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالنَّفْسِ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: وَالْأُذُنُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تَصْحِيفٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَذِنَ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْإِذْنِ، لَكِنْ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرْقِي مِنَ الْأُذْنِ وَالنَّفْسِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بَابُ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: رَخَّصَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ هُمْ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ.
٢٧ - بَاب حَرْقِ الْحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ
٥٧٢٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ ﵍ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً
стр. 5935
عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَقَأَ الدَّمُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ حَرْقِ الْحَصِيرِ) كَذَا لَهُمْ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ التِّينِ، فَقَالَ: وَالصَّوَابُ إِحْرَاقُ الْحَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْرَقَ، أَوْ تَحْرِيقُ مِنْ حَرَّقَ، قَالَ: فَأَمَّا الْحَرْقُ فَهُوَ حَرْقُ الشَّيْءِ يُؤْذِيهِ.
قُلْتُ: لَكِنْ لَهُ تَوْجِيهٌ، وَقَوْلُهُ: لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: مَجَارِي الدَّمِ، أَوْ ضَمَّنَ سَدَّ مَعْنَى قَطَعَ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ يَقُولُ: وَدِدْنَا لَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ الْحَصِيرَ مِمَّا كَانَ لِنَتَّخِذَهُ دَوَاءً لِقَطْعِ الدَّمِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَدْ زَعَمَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ الْحَصِيرَ كُلَّهَا إِذَا أُحْرِقَتْ تُبْطِلُ زِيَادَةَ الدَّمِ، بَلِ الرَّمَادُ كُلُّهُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الرَّمَادَ مِنْ شَأْنِهِ الْقَبْضُ، وَلِهَذَا تَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ: التَّدَاوِي بِالرَّمَادِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّ قَطْعَ الدَّمِ بِالرَّمَادِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْحَصِيرُ مِنْ دِيسِ السُّعْدِ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ بِالْقَبْضِ وَطِيبِ الرَّائِحَةِ، فَالْقَبْضُ يَسُدُّ أَفْوَاهَ الْجُرْحِ، وَطِيبُ الرَّائِحَةِ يَذْهَبُ بِزَهَمِ الدَّمِ، وَأَمَّا غَسْلُ الدَّمِ أَوَّلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ غَائِرٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَائِرًا فَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ ضَرَرُ الْمَاءِ إِذَا صُبَّ فِيهِ. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ: الرَّمَادُ فِيهِ تَجْفِيفٌ وَقِلَّةُ لَذْعٍ، وَالْمُجَفَّفُ إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّةُ لَذْعٍ رُبَّمَا هَيَّجَ الدَّمَ وَجَلَبَ الْوَرَمَ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَحْرَقَتْ لَهُ - حِينَ لَمْ يَرْقَأْ - قِطْعَةَ حَصِيرٍ خَلِقٍ فَوَضَعَتْ رَمَادَهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ، وَهُوَ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي غَسْلِ فَاطِمَةَ وَجْهَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الدَّمِ لَمَّا جُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ، فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَرَقَأَ بِقَافٍ وَهَمْزَةٍ، أَيْ: بَطَلَ خُرُوجُهُ، وَفِي رِوَايَةِ: فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ.
٢٨ - بَاب الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
٥٧٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ.
قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ.
٥٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ "أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ".
٥٧٢٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ".
٥٧٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْحُمَّى مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ".
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ رَافِعٍ آخِرَ
стр. 5936
الْبَابِ: مِنْ فَوْحِ بِالْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي صِفَةِ النَّارِ بِلَفْظِ: فَوْرِ بِالرَّاءِ بَدَلَ الْحَاءِ وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَالْمُرَادُ سُطُوعُ حَرِّهَا وَوَهَجِهِ. وَالْحُمَّى أَنْوَاعٌ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبَتِهَا إِلَى جَهَنَّمَ فَقِيلَ حَقِيقَةً، وَاللَّهَبُ الْحَاصِلُ فِي جِسْمِ الْمَحْمُومِ قِطْعَةٌ مِنْ جَهَنَّمَ، وَقَدَّرَ اللَّهُ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا لِيَعْتَبِرَ الْعِبَادُ بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْفَرَحِ وَاللَّذَّةِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، أَظْهَرُهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ عِبْرَةٌ وَدَلَالَةٌ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ: الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ. وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، وَقِيلَ: بَلِ الْخَبَرُ وَرَدَ مَوْرِدَ التَّشْبِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَرَّ الْحُمَّى شَبِيهٌ بَحَرِّ جَهَنَّمَ تَنْبِيهًا لِلنُّفُوسِ عَلَى شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْحَرَارَةَ الشَّدِيدَةَ شَبِيهَةٌ بِفَيْحِهَا وَهُوَ مَا يُصِيبُ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا مِنْ حَرِّهَا كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْإِبْرَادِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي آخِرِ الْبَابِ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا مُسْلِمٍ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ: لَمْ يَرْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَتَابَعَهُمَا الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: وَلَمْ يَأْتِ بِهِ مَعْنٌ وَلَا الْقَعْنَبِيُّ وَلَا أَبُو مَصْعَبٍ وَلَا ابْنُ بُكَيْرٍ، انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّقَصِّي. وَقَدْ أَخْرَجَهُ شَيْخُنَا فِي تَقْرِيبِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ ذُهُولُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى الْمُلَخَّصِ لِلْقَابِسِيِّ، وَالْقَابِسِيُّ إِنَّمَا أَخْرَجَ الْمُلَخَّصُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، وَهَذَا ثَانِي حَدِيثٍ عَثَرْتُ عَلَيْهِ فِي تَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ لِشَيْخِنَا عَفَا اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ نَصِيحَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَأَطْفِئُوهَا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةِ أَمْرٍ بِالْإِطْفَاءِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ بِلَفْظِ: فَأَبْرِدُوهَا وَالْمَشْهُورُ فِي ضَبْطِهَا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَالرَّاءُ مَضْمُومَةُ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، يُقَالُ: بَرَدْتِ الْحُمَّى أَبْرُدُهَا بَرْدًا بِوَزْنِ قَتَلْتُهَا أَقْتُلُهَا قَتْلًا، أَيْ: أَسْكَنْتُ حَرَارَتَهَا، قَالَ شَاعِرُ الْحَمَاسَةِ:
إِذَا وَجَدْتَ لَهَيْبَ الْحُبِّ فِي كَبِدِي … أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ
هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الْمَاءِ ظَاهِرَهُ … فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الْأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ
وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ، مِنْ أَبْرَدَ الشَّيْءَ إِذَا عَالَجَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا، مِثْلَ أَسْخَنَهُ إِذَا صَيَّرَهُ سُخْنَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطَّابِيُّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِمَاءِ زَمْزَمَ، كَمَا مَضَى فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَمْرَةَ بِالْجِيمِ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: كُنْتُ أَدْفَعُ النَّاسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاحْتَبَسْتُ أَيَّامًا، فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ الْحُمَّى، قَالَ: أَبْرِدْهَا بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِمَاءِ زَمْزَمَ، شَكَّ هَمَّامٌ. كَذَا فِي رَاوِيَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي
стр. 5937
عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، عَنْ هَمَّامٍ. وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ ذِكْرَ مَاءِ زَمْزَمَ لَيْسَ قَيْدًا لِشَكِّ رَاوِيهِ فِيهِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ: فَأَبْرِدُوهَا بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَلمْ يَشُكَّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَفَّانَ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ وَهِمَ فِي اسْتِدْرَاكِهِ. وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ إِيرَادِهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: ذُكِرَ الْخَبَرُ الْمُفَسِّرُ لِلْمَاءِ الْمُجْمَلِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنَّ شِدَّةَ الْحُمَّى تُبَرَّدُ بِمَاءِ زَمْزَمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمِيَاهِ، وَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تُعُقِّبَ - عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا شَكَّ فِي ذِكْرِ مَاءِ زَمْزَمَ فِيهِ - بِأَنَّ الْخِطَابَ لِأَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً لِتَيَسُّرِ مَاءِ زَمْزَمَ عِنْدَهُمْ، كَمَا خُصَّ الْخِطَابُ بِأَصْلِ الْأَمْرِ بِأَهْلِ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ. وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: اعْتَرَضَ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْأَطِبَّاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ قَالَ: اغْتِسَالُ الْمَحْمُومِ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْهَلَاكِ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: غَلِطَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى، فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَتْ تُهْلِكُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ، قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ مُرْتَابٍ فِي صِدْقِ الْخَبَرِ، فَيُقَالُ لَهُ أَوَّلًا: مِنْ أَيْنَ حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَيَانُ الْكَيْفِيَّةِ فَضْلًا عَنِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُسْلِ، وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ الْإِرْشَادُ إِلَى تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُودَ أَوِ اقْتَضَتْ صِنَاعَةُ الطِّبِّ أَنَّ انْغِمَاسَ كُلِّ مَحْمُومٍ فِي الْمَاءِ أَوْ صَبِّهِ إِيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ يَضُرُّهُ فَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ﷺ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ، فَلْيُبْحَثْ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ كَمَا وَقَعَ فِي أَمْرِهِ الْعَائِنِ بِالِاغْتِسَالِ وَأَطْلَقَ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُطْلَقَ الِاغْتِسَالِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَوْلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ تَبْرِيدِ الْحُمَّى مَا صَنَعَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَرُشُّ عَلَى بَدَنِ الْمَحْمُومِ شَيْئًا مِنَ الْمَاءِ بَيْنَ
يَدَيْهِ وَثَوْبِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّشْرَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَالصَّحَابِيُّ وَلَا سِيَّمَا مِثْلُ أَسْمَاءَ الَّتِي هِيَ مِمَّنْ كَانَ يُلَازِمُ بَيْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِهَا عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ تَرْتِيبِهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيلِ، حَتَّى أَنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ غَضَبٍ يَحْمِي مِزَاجَهُ مَثَلًا فَيَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ الشِّفَاءِ لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ مَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ وُجُودُ الشِّفَاءِ بِهِ لَهُ أَوْ لغَيْرِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ، وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالتَّأْثِيرِ الْمَأْلُوفِ، وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. قَالُوا: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرِيدَ التَّصْرِيحَ بِالِاغْتِسَالِ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ، فَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ إِقْلَاعِ الْحُمَّى، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَيَكُونُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي اطَّلَعَ ﷺ عَلَيْهَا بِالْوَحْيِ، وَيَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ كَلَامِ أَهْلِ الطِّبِّ.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى - وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ - فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، يَسْتَنْقِعْ فِي نَهَرٍ جَارٍ وَيَسْتَقْبِلُ جِرْيَتَهُ وَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَكَ، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فَخَمْسٌ، وَإِلَّا فَسَبْعٌ، وَإِلَّا فَتِسْعٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَفِي سَنَدِهِ سَعِيدُ بْنُ زَرْعَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِ
стр. 5938
الْحُمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ، فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ دُونَ بَعْضٍ، لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ. وَهَذَا أَوْجَهُ.
فَإِنَّ خِطَابَهُ ﷺ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا كَمَا قَالَ: لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، فَقَوْلُهُ: شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، لَيْسَ عَامًّا لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَعَلَى سَمْتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَا وَالَاهُمُ إِذْ كَانَ أَكْثَرُ الْحُمَّيَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنَ الْعَرْضِيَّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ، وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا، لِأَنَّ الْحُمَّى حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَهِيَ قِسْمَانِ: عَرَضِيَّةٌ وَهِيَ الْحَادِثَةُ عَنْ وَرَمٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ إِصَابَةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ أَوِ الْقَيْظِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَرَضِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَتَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسَخِّنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَ مَبْدَأَ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْمٍ لِأَنَّهَا تَقَعُ غَالِبًا فِي يَوْمٍ وَنِهَايَتُهَا إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ فَهِيَ حُمَّى دِقٍّ وَهِيَ أَخْطَرُهَا، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَخْلَاطِ سُمِّيَتْ عَفَنِيَّةً وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّوْعَ الْأَوَّلَ؛ فَإِنَّهَا تَسْكُنُ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الْمُبَرَّدِ بِالثَّلْجِ وَبِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إِلَى عِلَاجٍ آخَرَ، وَقَدْ قَالَ جَالِينُوسُ فِي كِتَابِ حِيلَةِ الْبُرْءِ: لَوْ أنَّ شَابًّا حَسَنَ اللَّحْمِ خَصِبَ الْبَدَنِ لَيْسَ فِي أَحْشَائِهِ وَرَمٌ اسْتَحَمَّ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ سَبَحَ فِيهِ وَقْتَ الْقَيْظِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْحُمَّى لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ (١). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: إِذَا كَانَتِ الْقُوَى قَوِيَّةً وَالْحُمَّى حَادَّةً وَالنُّضْجُ بَيِّنٌ وَلَا وَرَمَ فِي الْجَوْفِ وَلَا فَتْقَ فَإِنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يَنْفَعُ شُرْبُهُ، فَإِنْ كَانَ الْعَلِيلُ خَصِبَ الْبَدَنِ وَالزَّمَانِ حَارًّا، وَكَانَ مُعْتَادًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ اغْتِسَالًا فَلْيُؤَذَّنْ لَهُ فِيهِ. وَقَدْ نَزَّلَ ابْنُ الْقَيِّمِ حَدِيثَ ثَوْبَانَ عَلَى هَذِهِ الْقُيُودِ، فَقَالَ: هَذِهِ الصِّفَةُ تَنْفَعُ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْحُمَّى الْعَرَضِيَّةِ أَوِ الْغِبِّ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا وَرَمَ مَعَهَا وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الرَّدِيئَةِ، وَالْمُرَادُ الْفَاسِدَةُ، فَيُطْفِئُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبْرَدُ مَا يَكُونُ لِبُعْدِهِ عَنْ مُلَاقَاةِ الشَّمْسِ، وَوُفُورِ الْقُوَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ عَقِبَ النُّورِ وَالسُّكُونِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ، قَالَ: وَالْأَيَّامُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بِحَرَارَةِ الْأَمْرَاضِ الْحَادَّةِ غَالِبًا وَلَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالُوا: وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِعْمَالُهُ ﷺ الْمَاءَ الْبَارِدَ فِي عِلَّتِهِ كَمَا قَالَ: صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وَقَالَ سَمُرَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حُمَّ دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْرَغَهَا عَلَى قَرْنِهِ، فَاغْتَسَلَ. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَكِنْ فِي سَنَدِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ. وَقَالَ أَنَسٌ: إِذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ فَلْيُشِنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ مِنَ السَّحَرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ خَالِدِ بِنْتِ سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُرَقَّعِ رَفَعَهُ: الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ، وَهِيَ سِجْنُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَبَرِّدُوا لَهَا الْمَاءَ فِي الشِّنَانِ، وَصُبُّوهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ: فَفَعَلُوا فَذَهَبَ عَنْهُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَرُدُّ التَّأْوِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ، عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَأَبْرِدُوهَا الصَّدَقَةُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: أَظُنُّ الَّذِي حَمَلَ قَائِلَ هَذَا أَنَّهُ أَشْكَلَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْحُمَّى فَعَدَلَ إِلَى هَذَا، وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَخْمَدَ لَهِيبَ الْعَطْشَانِ بِالْمَاءِ أَخْمَدَ اللَّهُ لَهِيبَ الْحُمَّى عَنْهُ، وَلَكِنْ هَذَا يُؤْخَذُ مِنْ فِقْهِ الْحَدِيثِ وَإِشَارَتِهِ، وَأَمَّا الْمُرَادُ بِهِ بِالْأَصْلِ فَهُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَدَنِ حَقِيقَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ (يَقُولُ: стр. 5939
اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ) أَيِ الْعَذَابَ، وَهَذَا مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ كَوْنِ أَصْلِ الْحُمَّى مِنْ جَهَنَّمَ أَنَّ مَنْ أَصَابَتْهُ عُذِّبَ بِهَا، وَهَذَا التَّعْذِيبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحِلِّهِ: فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ تَكْفِيرًا لِذُنُوبِهِ وَزِيَادَةً فِي أُجُورِهِ كَمَا سَبَقَ، وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَةً وَانْتِقَامًا. وَإِنَّمَا طَلَبَ ابْنُ عُمَرَ كَشْفَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ لِمَشْرُوعِيَّةِ طَلَبِ الْعَافِيَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، إِذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُكَفِّرَ سَيِّئَاتِ عَبْدِهِ وَيُعْظِمَ ثَوَابَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، أَيِ: ابْنِ الزُّبَيْرِ، هِيَ بِنْتُ عَمِّهِ وَزَوْجَتُهُ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا مَعًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: هُوَ مَا يَكُونُ مُفْرَجًا مِنَ الثَّوْبِ كَالْكُمِّ وَالطَّوْقِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَبْرُدَهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ التَّبْرِيدِ، وَهُوَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ أَبْرِدْ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ، زَادَ عَبْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَقَالَ: إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ أَيْضًا. وَأَشَارَ بِإِيرَادِ رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَقِبَ الْأُولَى إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ اخْتِلَافًا عَلَى هِشَامٍ، بَلْ لَهُ فِي هَذَا الْمَتْنِ إِسْنَادَانِ، بِقَرِينَةِ مُغَايَرَةِ السِّيَاقَيْنِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: مِنْ فَوْحِ بِالْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: مِنْ فَوْرِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِزِيَادَةِ: عَنْكُمْ، وَكَذَا زَادَهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا.
٢٩ - بَاب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ
٥٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَاسًا - أَوْ: رِجَالًا - مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) بِتَحْتَانِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَصْلُهُ بِالْهَمْزِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَسُهِّلَ، وَهُوَ مِنَ الْمُلَاءَمَةِ بِالْمَدِّ، أَيِ: الْمُوَافَقَةِ وَزْنًا وَمَعْنًى. وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا قَرِيبًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ بَعْدَهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خَرَجَ فِرَارًا مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٠ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ
٥٧٢٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ،
стр. 5940
قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ في أَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ سَعْدًا وَلَا يُنْكِرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٥٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ قَالَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ" قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ".
[الحديث ٥٧٢٩ - طرفاه في: ٥٧٣٠، ٦٩٧٣]
٥٧٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ".
٥٧٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ المَسِيحُ وَلَا الطَّاعُونُ".
стр. 5941
٥٧٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قَالَتْ "قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ يَحْيَى بِمَ مَاتَ؟ قُلْتُ: مِنْ الطَّاعُونِ؟ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
٥٧٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ".
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ)، أَيْ: مِمَّا يَصِحُّ عَلَى شَرْطِهِ. وَالطَّاعُونُ بِوَزْنِ فَاعُولٍ مِنَ الطَّعْنِ، عَدَلُوا بِهِ عَنْ أَصْلِهِ، وَوَضَعُوهُ دَالًا عَلَى الْمَوْتِ الْعَامِّ كَالْوَبَاءِ، وَيُقَالُ: طُعِنَ فَهُوَ مَطْعُونٌ وَطَعِينٌ إِذَا أَصَابَهُ الطَّاعُونُ، وَإِذَا أَصَابَهُ الطَّعْنُ بِالرُّمْحِ فَهُوَ مَطْعُونٌ، هَذَا كَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الطَّاعُونُ الْوَبَاءُ. وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الطَّاعُونُ الْمَرَضُ الْعَامُّ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ، وَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةُ وَالْأَبْدَانُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الطَّاعُونُ الْوَجْهُ الْغَالِبُ الَّذِي يُطْفِئُ الرُّوحَ كَالذَّبْيحَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُمُومِ مُصَابِهِ وَسُرْعَةِ قَتْلِهِ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِي: هُوَ مَرَضٌ يَعُمُّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ فِي جِهَةِ مِنَ الْجِهَاتِ، بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ مِنْ أَمْرَاضِ النَّاسِ، وَيَكُونُ مَرَضُهُمْ وَاحِدًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ، فَتَكُونُ الْأَمْرَاضُ مُخْتَلِفَةً. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الطَّاعُونُ حَبَّةٌ تَخْرُجُ مِنَ الْأَرْقَاعِ، وَفِي كُلِّ طَيٍّ مِنَ الْجَسَدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْوَبَاءُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: أَصْلُ الطَّاعُونِ الْقُرُوحُ الْخَارِجَةُ فِي الْجَسَدِ، وَالْوَبَاءُ عُمُومُ الْأَمْرَاضِ، فَسُمِّيَتْ طَاعُونًا لِشَبَهِهَا بِهَا فِي الْهَلَاكِ، وَإِلَّا فَكُلُّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَبَاءَ الشَّامِ الَّذِي وَقَعَ فِي عَمَوَاسَ إِنَّمَا كَانَ طَاعُونًا، وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّاعُونَ وَخْزُ الْجِنِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الطَّاعُونُ غُدَّةٌ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ، وَقَدْ تَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ، وَحَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: قِيلَ: الطَّاعُونُ انْصِبَابُ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ هَيَجَانُ الدَّمِ وَانْتِفَاخُهُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْجُذَامِ، مَنْ أَصَابَهُ تَأَكَّلَتْ أَعْضَاؤُهُ وَتَسَاقَطَ لَحْمُهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ انْتِفَاخُ جَمِيعِ الْبَدَنِ مِنَ الدَّمِ مَعَ الْحُمَّى أَوِ انْصِبَابُ الدَّمِ إِلَى بَعْضِ الْأَطْرَافِ، فيَنْتَفِخُ وَيَحْمَرُّ ; وَقَدْ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْعُضْوُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي تَهْذِيبِهِ: هُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا، يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ، وَيَسْوَدُّ مَا حَوَالَيْهِ أَوْ يَخْضَرُّ أَوْ يَحْمَرُّ حُمْرَةً شَدِيدةً بَنَفْسَجِيَّةً كَدُرَّةٍ، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ وَقَيْءٌ، وَيَخْرُجُ غَالِبًا فِي الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ، وَقَدْ يَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا: الطَّاعُونُ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا يَحْدُثُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّخْوَةِ وَالْمَغَابِنِ مِنَ الْبَدَنِ ; وَأَغْلَبُ مَا تَكُونُ تَحْتَ الْإِبْطِ أَوْ خَلْفَ الْأُذُنِ أَوْ عِنْدَ الْأَرْنَبَةِ.
قَالَ: وَسَبَبُهُ دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إِلَى الْعُفُونَةِ وَالْفَسَادِ يَسْتَحِيلُ إِلَى جَوْهَرٍ سُمِّيٍّ يُفْسِدُ الْعُضْوَ وَيُغَيِّرُ مَا يَلِيهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْقَلْبِ كَيْفِيَّةً رَدِيئَةً فَيُحْدِثُ الْقَيْءَ وَالْغَثَيَانَ وَالْغَشْيَ وَالْخَفَقَانَ، وَهُوَ لِرَدَاءَتِهِ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِلَّا مَا كَانَ أَضْعَفَ بِالطَّبْعِ، وَأَرْدَؤُهُ مَا يَقَعُ فِي الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسِيَّةِ، وَالْأَسْوَدُ مِنْهُ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ، وَأَسْلَمُهُ الْأَحْمَرُ ثم الْأَصْفَرُ. وَالطَّوَاعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ الْوَبَاءِ فِي الْبِلَادِ الْوَبِئَةِ، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ عَلَى الطَّاعُونِ وَبَاءً وَبِالْعَكْسِ، وَأَمَّا الْوَبَاءُ فَهُوَ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الرُّوحِ وَمَدَدُهُ.
قُلْتُ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَطِبَّاءِ فِي تَعْرِيفِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقِيقَتَهُ وَرَمٌ يَنْشَأُ
стр. 5942
عَنْ هَيَجَانِ الدَّمِ أَوِ انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ فَيُفْسِدُهُ، وَإنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْعَامَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ يُسَمَّى طَاعُونًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عُمُومِ الْمَرَضِ بِهِ أَوْ كَثْرَةِ الْمَوْتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ يُغَايِرُ الْوَبَاءَ مَا سَيَأْتِي فِي رَابِعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الطَّاعُونَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ - وَفِيهِ قَوْلُ بِلَالٍ -: أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ، وَمَا سَبَقَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَهُمْ يَمُوتُونَ ذَرِيعًا وَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّهُمُ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، وَفِي لَفْظٍ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا أَرْضٌ وَبِئَةٌ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَبَاءَ كَانَ مَوْجُودًا بِالْمَدِينَةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الطَّاعُونَ لَا يَدْخُلُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَبَاءَ غَيْرُ الطَّاعُونِ. وَأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى كُلِّ وَبَاءٍ طَاعُونًا فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْوَبَاءُ هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ، يُقَالُ: أَوْبَأَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مُوبِئَةٌ، وَوَبِئَتْ بِالْفَتْحِ فَهِيَ وَبِئَةٌ، وَبِالضَّمِّ فَهِيَ مَوْبُوءَةٌ.
وَالَّذِي يَفْتَرِقُ بِهِ الطَّاعُونُ مِنَ الْوَبَاءِ أَصْلُ الطَّاعُونِ الَّذِي لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَطِبَّاءُ وَلَا أَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطَّاعُونِ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا قَالَ الْأَطِبَّاءُ مِنْ كَوْنِ الطَّاعُونِ يَنْشَأُ عَنْ هَيَجَانِ الدَّمِ أَوِ انْصِبَابِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَحْدُثُ عَنِ الطَّعْنَةِ الْبَاطِنَةِ، فَتَحْدُثُ مِنْهَا الْمَادَّةُ السُّمِّيَّةُ وَيَهِيجُ الدَّمُ بِسَبَبِهَا أَوْ يَنْصَبُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَطِبَّاءُ لِكَوْنِهِ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِنَ الشَّارِعِ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ قَوَاعِدُهُمْ. وَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الطَّاعُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَحْصُلُ مِنْ غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ مِنْ دَمٍ أَوْ صَفْرَاءَ مُحْتَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ، وَقِسْمٌ يَكُونُ مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ كَمَا تَقَعُ الْجِرَاحَاتُ مِنَ الْقُرُوحِ الَّتِي تَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ مِنْ غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَعْنٌ، وَتَقَعُ الْجِرَاحَاتُ أَيْضًا مِنْ طَعْنِ الْإِنْسِ. انْتَهَى.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الطَّاعُونَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ وُقُوعُهُ غَالِبًا فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ، وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً وَأَطْيَبِهَا مَاءً، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِسَبَبِ فَسَادِ الْهَوَاءِ لَدَامَ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَفْسُدُ تَارَةً وَيَصِحُّ أُخْرَى، وَهَذَا يَذْهَبُ أَحْيَانًا وَيَجِيءُ أَحْيَانًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ، فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ سِنِينَ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعَمَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ، وَالْمَوْجُودُ بِالْمُشَاهَدَةِ أَنَّهُ يُصِيبُ الْكَثِيرَ وَلَا يُصِيبُ مَنْ هُمْ بِجَانِبِهِمْ مِمَّا هو فِي مِثْلِ مِزَاجِهِمْ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْجَسَدِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْهَوَاءِ يَقْتَضِي تَغَيُّرَ الْأَخْلَاطِ وَكَثْرَةَ الْأَسْقَامِ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ يَقْتُلُ بِلَا مَرَضٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ: مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ: وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ زِيَادٍ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابِ عُثْمَانَ نَنْتَظِرُ الْإِذْنَ، فَسَمِعْتُ أَبَا مُوسَى، قَالَ زِيَادٌ: فَلَمْ أَرْضَ بِقَوْلِهِ فَسَأَلْتُ سَيِّدَ الْحَيِّ فَقَالَ: صَدَقَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ زِيَادٍ، فَسَمَّيَا الْمُبْهَمَ يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ، وَسَمَّاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ النَّهْشَلِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ علاقه، عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي بِضْعَ عَشْرَةَ نَفْسًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِأَبِي مُوسَى وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَمَّاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أُسَامَةَ هُوَ سَيِّدُ الْحَيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَاسْتَثْبَتَهُ فِيمَا حَدَّثَهُ بِهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا الْمُبْهَمَ، وَأُسَامَةُ بْنُ شَرِيكٍ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَالَّذِي سَمَّاهُ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ بِهَذَا
стр. 5943
الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَاهُ وَأَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هُوَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ.
وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلَّا أَبَا بَلْجٍ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا جِيمٌ وَاسْمُهُ يَحْيَى وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ بِسَبَبِ التَّشَيُّعِ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا كُرَيْبًا، وَأَبَاهُ وَكُرَيْبٌ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الطَّاعُونِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ قَيْسٍ أَخِي أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَفَعَهُ -: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَرَادَ ﷺ أَنْ يُحَصِّلَ لِأُمَّتِهِ أَرْفَعَ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمْ إِمَّا مِنَ الْإِنْسِ وَإِمَّا مِنَ الْجِنِّ. وَلِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ رِجَالِ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهَا، وَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ، وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَنَدُهُ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَالْعُمْدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: وَخْزُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا زَايٌ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ الطَّعْنُ إِذَا كَانَ غَيْرَ نَافِذٍ، وَوَصْفُ طَعْنِ الْجِنِّ بِأَنَّهُ وَخْزٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ فَيُؤَثِّرُ بِالْبَاطِنِ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ وَقَدْ لَا يَنْفُذُ، وَهَذَا بِخِلَافِ طَعْنِ الْإِنْسِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ فَيُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ، وَقَدْ لَا يَنْفُذُ.
(تَنْبِيهٌ):
يَقَعُ فِي الْأَلْسِنَةِ وَهُوَ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ تَبَعًا لِغَرِيبَيِ الْهَرَوِيِّ بِلَفْظِ: وَخْزُ إِخْوَانِكُمْ، وَلَمْ أَرَهُ بِلَفْظِ: إِخْوَانِكُمْ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ الْبَالِغِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدُة لَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ، وَقَدْ عَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِمُسْنَدِ أَحْمَدَ أَوِ الطَّبَرَانِيِّ أَوْ كِتَابِ الطَّوَاعِينِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ)، أَيِ: ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَعَ فِي سِيَاقِ أَحْمَدَ فِيهِ قِصَّةٌ عَنْ حَبِيبٍ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّاعُونَ بِالْكُوفَةِ، فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلْتُهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَزَادَ: فَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ: فَقُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالُوا: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالُوا: غَائِبٌ، فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلْتُهُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا)، أَيْ: وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَسَعْدٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ وَزَادَ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَا يَضُرُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ تَذَكَّرَ لِمَا حَدَّثَهُ بِهِ أُسَامَةُ أَوْ نُسِبَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى سَعْدٍ لِتَصْدِيقِهِ أُسَامَةَ. وَأَمَّا خُزَيْمَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ سَمِعَهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَمَّهُ إِلَيْهَا تَارَةً وَسَكَتَ عَنْهُ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أُسَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَةِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْوَجَعَ فَقَالَ: رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ، ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الْأُخْرَى الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ: إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ أَوِ السَّقَمَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، وَمُغِيرَةِ بْنِ
стр. 5944
عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، زَادَ مَالِكٌ: وَسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ. الْحَدِيثَ، كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ، وَوَقَعَ بِالْجَزْمِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِالْجَزْمِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ لَكِنْ قَالَ: رِجْزٌ أُصِيبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.
(تَنْبِيهٌ):
وَقَعَ الرِّجْسُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعَ الرِّجْزِ بِالزَّايِ، وَالَّذِي بِالزَّايِ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ الْعَذَابُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الَّذِي بِالسِّينِ أَنَّهُ الْخَبِيثُ أَوِ النَّجِسُ أَوِ الْقَذِرُ، وَجَزَمَ الْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْعَذَابِ أَيْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَحَكَاهُ الرَّاغِبُ أَيْضًا. وَالتَّنصِيصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَصُّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَحَدِ صِغَارِ التَّابِعِينَ عَنْ سَيَّارٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَأَنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ، فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَمُنِعَ، فَأَتَوْهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا وَسَأَلُوهُ ثَانِيًا فَقَالَ حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ لَنَهَاكَ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَصَارَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يَدْعُو بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَنْقَلِبُ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَامُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: سَأَدُلُّكُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمُ؛ أَرْسِلُوا النِّسَاءَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَمُرُوهُنَّ أَنْ لَا يَمْتَنِعْنَ مِنْ أَحَدٍ، فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلِكُوا، فَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ بِنْتُ الْمَلِكِ فَأَرَادَهَا رَأْسُ بَعْضِ الْأَسْبَاطِ وَأَخْبَرَهَا بِمَكَانِهِ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الطَّاعُونُ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْمٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ فَطَعَنَهُمَا وَأَيَّدَهُ اللَّهُ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا.
وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَسَيَّارٌ شَامِيٌّ مُوَثَّقٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَسَمَّى الْمَرْأَةَ كَشْتًا بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، وَالرَّجُلُ زِمْرِي بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ رَأْسُ سِبْطٍ شَمْعُونَ، وَسُمِّيَ الَّذِي طَعَنَهُمَا فِنْحَاصَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ ابْنُ هَارُونَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَحُسِبَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الطَّاعُونِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالْمُقَلِّلُ يَقُولُ: عِشْرُونَ أَلْفًا. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تُعَضِّدُ الْأُولَى. وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا عِيَاضٌ فَقَالَ: قَوْلُهُ: أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قِيلَ: مَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفًا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثُرَ عِصْيَانُهُمْ، فَخَيِّرْهُمْ بَيْنَ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أَبْتَلِيَهُمْ بِالْقَحْطِ، أَوِ الْعَدُوِّ شَهْرَيْنِ، أَوِ الطَّاعُونِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالُوا: اخْتَرْ لَنَا. فَاخْتَارَ الطَّاعُونَ. فَمَاتَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَتَضَرَّعَ دَاوُدُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَرَفَعَهُ. وَوَرَدَ وُقُوعُ الطَّاعُونِ فِي غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَذْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَبْشًا، ثُمَّ لْيُخَضِّبْ كَفَّهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ لْيَضْرِبْ بِهِ عَلَى بَابِهِ. فَفَعَلُوا.
فَسَأَلَهُمُ الْقِبْطُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا وَإِنَّمَا نَنْجُو مِنْهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ. فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مَاتَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَقَالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ لِمُوسَى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ الْآيَةَ، فَدَعَا فَكَشَفَهُ عَنْهُمْ وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ﴾ الْمَوْتِ،
стр. 5945
قَالَ: فِرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ، ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ لِيُكْمِلُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قِصَّتَهُمْ مُطَوَّلَةً. فَأَقْدَمُ مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ مِمَّنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامَ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ، وَتَكَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ قَوْلِهِ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا … إِلَخْ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الْأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ: فقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إن كَانَت لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خصيبة وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخصيبة رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ،
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَفِيهِ قِصَّةُ عُمَرَ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ) هُوَ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمِيمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ شَيْخِهِ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَصَحَابِيَّانِ فِي نَسَقٍ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) أَيِ ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِجَدِّ أَبِيهِ نَوْفَلٍ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ صُحْبَةٌ، وَكَذَا لِوَلَدِهِ الْحَارِثِ، وُوُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَعُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ مُثْقَلَةٌ، وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَلِئُ الْبَدَنِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ. وَأَمَّا وَلَدُهُ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَافَقَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَكَذَا مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ وَخَالَفَهُمْ يُونُسُ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَسَاقَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَابَعَ يُونُسُ، صَالِحَ بْنَ نَصْرٍ، عَنْ مَالِكٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَأَظُنُّ ابْنَ وَهْبٍ حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ يُونُسَ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرُ، عَنْ مَالِكٍ كَالْجَمَاعَةِ، لَكِنْ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، زَادَ فِي السَّنَدِ: عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ: وَقَدْ خَالَفَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهِشَامٌ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ فَرَوَاهُ تَارَةً هَكَذَا وَمَرَّةً أُخْرَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا، وَلِابْنِ شِهَابٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ إِثْرَ هَذَا السَّنَدِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ) ذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَأَنَّ الطَّاعُونَ كَانَ وَقَعَ أَوَّلًا فِي الْمُحَرَّمِ وَفِي صَفَرٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الشَّامِ بَلَغَهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مَا كَانَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَذَكَرَ خَلِيفَةَ بْنَ خَيَّاطٍ أَنَّ خُرُوجَ عُمَرَ إِلَى سَرْغَ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الطَّاعُونُ الَّذِي وَقَعَ بِالشَّامِ حِينَئِذٍ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَاعُونَ عَمَوَاسَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ، وَحُكِيَ تَسْكِينُهَا وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَمَّ وَوَاسَى.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ تَحْرِيكُ الرَّاءِ، وَخَطَّأَهُ بَعْضُهُمْ: مَدِينَةٌ افْتَتَحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ، وَهِيَ وَالْيَرْمُوكُ وَالْجَابِيَةُ مُتَّصِلَاتٌ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قِيلَ: إِنَّهُ وَادٍ بِتَبُوكَ، وَقِيلَ: بِقُرْبِ تَبُوكَ، وَقَالَ الْحَازِمِيُّ: هِيَ أَوَّلُ الْحِجَازِ، وَهِيَ مِنْ مَنَازِلِ حَاجِّ الشَّامِ، وَقِيلَ: بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً.
قَوْلُهُ: (لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ) هُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ قَسَّمَ الْبِلَادَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ أَمْرَ الْقِتَالِ إِلَى خَالِدٍ، ثُمَّ رَدَّهُ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ
стр. 5946
اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَسَّمَ الشَّامَ أَجْنَادًا: الْأُرْدُنُّ جُنْدٌ، وَحِمْصُ جُنْدٌ، وَدِمَشْقُ جُنْدٌ، وَفِلَسْطِينُ جُنْدٌ، وَقَنَّسْرِينُ جُنْدٌ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جُنْدٍ أَمِيرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَنَّسْرِينَ كَانَتْ مَعَ حِمْصَ فَكَانَتْ أَرْبَعَةً، ثُمَّ أُفْرِدَتْ قَنَّسْرِينُ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْوَجَعُ بَدَلَ الْوَبَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُمَرَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ سَمِعَ بِالطَّاعُونِ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّ كُلَّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ وَوَجَعٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: اجْمَعْ لِي.
قَوْلُهُ: (ارْتَفِعُوا عَنِّي) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ) ضُبْطُ مَشْيَخَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ. وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ شَيْخٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شُيُوخٍ بِالضَّمِّ، وَبِالْكَسْرِ، وَأَشْيَاخٌ، وَشِيَخَةٌ بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٌ، وَشِيخَانٌ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وَمَشَايِخٌ، وَمَشْيُخَاءُ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ثُمَّ ضَمٍّ وَمَدٍّ، وَقَدْ تُشْبَعُ الضَّمَّةُ حَتَّى تَصِيرَ وَاوًا فَتَتِمُّ عَشْرًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ) أَيِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ الْفَتْحِ، أَوِ الْمُرَادُ: مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ، أَوْ أَطْلِقَ عَلَى مَنْ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مُهَاجِرًا صُورَةً وَإِنْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ حُكْمًا قَدِ ارْتَفَعَتْ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ احتِرَازًا عن غيرهم مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ أَصْلًا، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِمَنْ هَاجَرَ فَضْلًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ وَإِنْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْفَاضِلَةُ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، فَالَّذِي يُهَاجِرُ مِنْهَا لِلْمَدِينَةِ إِنَّمَا يُهَاجِرُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَوِ الْجِهَادِ لَا لِلْفِرَارِ بِدِينِهِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفَتْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بَقِيَّةُ النَّاسِ) أَيِ الصَّحَابَةُ، أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ، أَيْ لَيْسَ النَّاسُ إِلَّا هُمْ، وَلِهَذَا عَطَفَهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَقِيَّةِ النَّاسِ أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ عُمُومًا، وَالْمُرَادُ بِالصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنِّي مَاضٍ لِمَا أَرَى، فَانْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَامْضُوا لَهُ، قَالَ: فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ) وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الشَّامِ (أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ)؟ أَيِ أَتَرْجِعُ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَمِنَ الْمَوْتِ نَفِرُّ؟ إِنَّمَا نَحْنُ بِقَدْرٍ، لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ) أَيْ لَعَاقَبْتُهُ، أَوْ لَكَانَ أَوْلَى مِنْكَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ أَتَعَجَّبْ مِنْهُ، وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْكَ، مَعَ عِلْمِكَ وَفَضْلِكَ كَيْفَ تَقُولُ هَذَا؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ: لَأَدَّبْتُهُ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ غَيْرَكَ مِمَّنْ لَا فَهْمَ لَهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ يُعْذَرُ. وَقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ، أَيْ مُخَالَفَتُهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ: إِنْ تَقَدَّمْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ تَأَخَّرْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ فِرَارًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِرَارًا شَرْعِيًّا. وَالْمُرَادُ أَنَّ هُجُومَ الْمَرْءِ عَلَى مَا يُهْلِكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، وَتَجَنُّبِهِ مَا يُؤْذِيهِ مَشْرُوعٌ وَقَدْ يُقَدِّرُ اللَّهُ وُقُوعَهُ فِيمَا فَرَّ مِنْهُ فَلَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، فَهُمَا مَقَامَانِ: مَقَامُ التَّوَكُّلِ، وَمَقَامُ التَّمَسُّكِ بِالْأَسْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَمُحَصَّلُ قَوْلِ عُمَرَ: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَفِرَّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ حَقِيقَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ أَمْرٌ خَافٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ فَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ، وَالَّذِي فَرَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ إِلَّا الْأَمْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ سَوَاءً كَانَ ظَاعِنًا أَوْ مُقِيمًا.
قَوْلُهُ: (لَهُ عُدْوَتَانِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: تَثْنِيَةُ عُدْوَةٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْوَادِي، وَهُوَ
стр. 5947
شَاطِئُهُ.
قَوْلُهُ: (إِحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ) بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ سُكُونَ الصَّادِ بِغَيْرِ يَاءٍ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: وَقَالَ لَهُ أَيْضًا: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصِبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَسِرْ إِذًا، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) هُوَ مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ) أَيْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمُ الْمُشَاوَرَةَ الْمَذْكُورَةَ لِغَيْبَتِهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَعِلْمًا، بِزِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ إِلَخْ) هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَتْنِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَ عُمَرَ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُهُ، وَوَقَعَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى إِعْرَابِهِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَرْكِ الْحِيَلِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ هَذَا مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ شِهَابٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَالِيًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُمَرَ، لَكِنَّهُ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ وَاقْتَصَرَ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عَقِبَ هَذِهِ الطَّرِيقِ: وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ لِمُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: إِنَّمَا رَجَعَ بِالنَّاسِ مِنْ سَرْغَ، عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَقَدْ رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ مَالِكٍ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ مُطَوَّلًا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ، فَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إِذَا سَمِعَ بِهِ، وَأَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ هُوَ بِهَا، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ بِمَعْنَاهُ، وَرِوَايَةُ سَالِمٍ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ وَلَا جَدَّهُ عُمَرَ وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ عُمَرَ وَهُوَ فِي طَرِيقِ الشَّامِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ بِهَا الطَّاعُونَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ ابْنُ شِهَابٍ سَمِعَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَبَعْضَهُ مِنْ سَالِمٍ عَنْهُ، وَاخْتَصَرَ مَالِكٌ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ سَالِمٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَيْسَ مُرَادُ سَالِمٍ بِهَذَا الْحَصْرِ نَفْيَ سَبَبِ رُجُوعِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ عَنْ رَأْيِهِ الَّذِي وَافَقَ عَلَيْهِ مَشْيَخَةَ قُرَيْشٍ مِنْ رُجُوعِهِ بِالنَّاسِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ رَجَحَ عِنْدَهُ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّجُوعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَبَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الرُّجُوعِ حَتَّى جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَحَدَّثَ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ فَوَافَقَ رَأْيَ عُمَرَ الَّذِي رَآهُ فَحَضَرَ سَالِمٌ سَبَبُ رُجُوعِهِ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْأَقْوَى، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَهُوَ اجْتِهَادُ عُمَرَ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْلَا وُجُودُ النَّصِّ لَأَمْكَنَ إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ رَأْيِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ اسْتَمَرَّ عَلَى عَزْمِهِ الْأَوَّلِ، وَلَوْلَا الْخَبَرُ لَمَا اسْتَمَرَّ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ بِالرُّجُوعِ تَرْكَ الْإِلْقَاءِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَهُوَ كَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى دَارٍ فَرَأَى بِهَا مَثَلًا حَرِيقًا تَعَذَّرَ طَفْؤُهُ، فَعَدَلَ عَنْ دُخُولِهَا لِئَلَّا يُصِيبَهُ. فَعَدَلَ عُمَرُ لِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ جَاءَ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ فَأَعْجَبَهُ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا رَجَعَ لِأَجْلِ الْحَدِيثِ، لَا لِمَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ فَقَطْ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ أَتَى الشَّامَ فَاسْتَقْبَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مَعَكَ وُجُوهَ الصَّحَابَةِ وَخِيَارَهُمْ، وَإِنَّا تَرَكْنَا مَنْ بَعْدَنَا مِثْلَ حَرِيقِ النَّارِ، فَارْجِعِ الْعَامَ.
فَرَجَعَ، وَهَذَا فِي الظَّاهِرِ يُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ الْجَزْمَ بِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْكَرَ الرُّجُوعَ،
стр. 5948
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَشَارَ أَوَّلًا بِالرُّجُوعِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ مَقَامُ التَّوَكُّلِ لَمَّا رَأَى أَكْثَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ جَنَحُوا إِلَيْهِ فَرَجَعَ عَنْ رَأْيِ الرُّجُوعِ، وَنَاظَرَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ بِالْحُجَّةِ فَتَبِعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِالنَّصِّ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ رُجُوعِ مَنْ أَرَادَ دُخُولَ بَلْدَةٍ فَعَلِمَ أَنَّ بِهَا الطَّاعُونَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الطِّيَرَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَنْعِ الْإِلْقَاءِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَوْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ مَنْ يَدْخُلُ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا أَنْ لَوْ دَخَلَهَا وَطَعْنُ الْعَدْوَى الْمَنْهِيِّ عَنْهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْزِيهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ لِمَنْ قَوِيَ تَوَكُّلُهُ وَصَحَّ يَقِينُهُ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ سَرْغَ كَمَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جِئْتُ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ فَوَجَدْتُهُ قَائِلًا فِي خِبَائِهِ، فَانْتَظَرْتُهُ فِي ظِلِّ الْخِبَاءِ، فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ حِينَ تَضَوَّرَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رُجُوعِي مِنْ سَرْغَ، وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا.
وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: وَكَيْفَ يَنْدَمُ عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَرْجِعُ عَنْهُ وَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ سَنَدَهُ قَوِيٌّ وَالْأَخْبَارَ الْقَوِيَّةَ لَا تُرَدُّ بِمِثْلِ هَذَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَأَنَّ الْقُدُومَ عَلَيْهِ جَائِزٌ لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ، وَالِانْصِرَافُ عَنْهُ رُخْصَةٌ. وَيَحْتَمِلُ - وَهُوَ أَقْوَى - أَنْ يَكُونَ سَبَبُ نَدَمِهِ أَنَّهُ خَرَجَ لِأَمْرٍ مُهِمٍّ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قُرْبِ الْبَلَدِ الْمَقْصُودِ رَجَعَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ الْمَقْصُودِ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ الطَّاعُونُ فَيَدْخُلُ إِلَيْهَا وَيَقْضِي حَاجَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّاعُونَ ارْتَفَعَ عَنْهَا عَنْ قُرْبٍ، فَلَعَلَّهُ كَانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَدِمَ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَا عَلَى مُطْلَقِ رُجُوعِهِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْعَسْكَرِ الَّذِي كَانَ صُحْبَتُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَالْخَبَرُ لَمْ يَرِدْ بِالْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ وَإِنَّمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْقُدُومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّ النَّاسَ قَدْ نَحَلُونِي ثَلَاثًا أَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْهُنَّ: زَعَمُوا أَنِّي فَرَرْتُ مِنَ الطَّاعُونِ وَأَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الطِّلَاءَ وَالْمَكْسَ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ عُمَرَ التَّصْرِيحُ بِالْعَمَلِ فِي ذَلِكَ بِمَحْضِ التَّوَكُّلِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ خَرَجَ غَازِيًا نَحْوَ مِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أُمَرَاءُ مِصْرَ أَنَّ الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْنَا لِلطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ، فَدَخَلَهَا فَلَقِيَ طَعْنًا فِي جَبْهَتِهِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْعُ مَنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ هُوَ فِيهَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي مُنِيبٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ فِي الطَّاعُونِ: إِنَّ هَذَا رِجْزٌ مِثْلُ السَّيْلِ، مَنْ تَنَكَّبَهُ أَخْطَأَهُ. وَمِثْلُ النَّارِ، مَنْ أَقَامَ أَحْرَقَتْهُ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ: إِنَّ هَذَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَقَبْضُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَأَبُو مُنِيبٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ دِمَشْقِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ يُعْرَفُ بِالْأَحْدَبِ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ غَيْرُ أَبِي مُنِيبٍ الْجُرَشِيُّ فِيمَا تَرَجَّحَ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْأَحْدَبَ أَقْدَمُ مِنَ الْجُرَشِيِّ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْبُخَارِيُّ سَمَاعَ الْأَحْدَبِ مِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَالْجُرَشِيُّ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَنَحْوُهُ.
وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شُرَحْبِيلَ بْنِ شُفْعَةَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ بِمَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالطَّحَاوِيُّ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بِمَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَقَعَتْ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
стр. 5949
وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاثِلَةَ الْهُذَلِيِّ. وَفِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَدَّقَ شُرَحْبِيلَ وَغَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ جَوَازَ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الطَّاعُونُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَمِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: النَّهْيُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ فَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا: يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْهَا لِظَاهِرِ النَّهْيِ الثَّابِتِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَاضِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَيُؤَيِّدهُ ثُبُوتُ الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ: فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْإِبِلِ، الْمُقِيمُ فِيهَا كَالشَّهِيدِ وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ.
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَسَنَدُهُ صَالِحٌ لِلْمُتَابَعَاتِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ اسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْخُرُوجَ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا، قَالُوا: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُعْدِيَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْيُ لِهَذَا لَجَازَ لِأَهْلِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخُرُوجُ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ فَعُرِفَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ مُنِعُوا مِنَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْنَى الْعَدْوَى، وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ حِكْمَةَ النَّهْيِ عَنِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُصِيبَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَيَقُولُ: لَوْلَا أَنِّي قَدِمْتُ هَذِهِ الْأَرْضَ لَمَا أَصَابَنِي، وَلَعَلَّهُ لَوْ أَقَامَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ لَأَصَابَهُ. فَأَمَرَ أَنْ لَا يَقْدَمَ عَلَيْهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. وَنَهَى مَنْ وَقَعَ وَهُوَ بِهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا لِئَلَّا يَسْلَمَ فَيَقُولَ مَثَلًا: لَوْ أَقَمْتُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لَأَصَابَنِي مَا أَصَابَ أَهْلَهَا، وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ أَقَامَ بِهَا مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ قَدْ وَقَعَ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ، وَاحْذَرُوا اثْنَتَيْنِ: أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ خَرَجَ خَارِجٌ فَسَلِمَ، وَجَلَسَ جَالِسٌ فَأُصِيبَ فَلَوْ كُنْتُ خَرَجْتُ لَسَلِمْتُ كَمَا سَلِمَ فُلَانٌ، أَوْ لَوْ كُنْتُ جَلَسْتُ أُصِبْتُ كَمَا أُصِيبَ فُلَانٌ، لَكِنْ أَبُو مُوسَى حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى مَنْ قَصَدَ الْفِرَارَ مَحْضًا.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: مَنْ خَرَجَ لِقَصْدِ الْفِرَارِ مَحْضًا فَهَذَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ لَا مَحَالَةَ، وَمَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ مُتَمَحِّضَةٍ لَا لِقَصْدِ الْفِرَارِ أَصْلًا، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَنْ تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ مِنْ بَلَدٍ كَانَ بِهَا إِلَى بَلَدِ إِقَامَتِهِ مَثَلًا وَلَمْ يَكُنِ الطَّاعُونُ وَقَعَ فَاتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي أَثْنَاءِ تَجْهِيزِهِ فَهَذَا لَمْ يَقْصِدِ الْفِرَارَ أَصْلًا فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَالثَّالِثُ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ الرَّاحَةَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالْبَلَدِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ الَّتِي وَقَعَ بِهَا وَخِمَةً وَالْأَرْضُ الَّتِي يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إِلَيْهَا صَحِيحَةً فَيَتَوَجَّهُ بِهَذَا الْقَصْدِ، فَهَذَا جَاءَ النَّقْلُ فِيهِ عَنِ السَّلَفِ مُخْتَلِفًا: فَمَنْ مَنَعَ نَظَرَ إِلَى صُورَةِ الْفِرَارِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَنْ أَجَازَ نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْخُرُوجِ فِرَارًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْفِرَارِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِقَصْدِ التَّدَاوِي، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي أَثَرِ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورِ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَلَا تَضَعْ كِتَابِي مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ إِلَيَّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ حَاجَتَكَ، وَإِنِّي فِي جُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا أَجِدُ بِنَفْسِي رَغْبَةً عَنْهُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ نَزَلْتَ بِالْمُسْلِمِينَ أَرْضًا غَمِيقَةً، فَارْفَعْهُمُ إِلَى أَرْضِ نُزْهَةٍ. فَدَعَا أَبُو عُبَيْدَةَ، أَبَا مُوسَى فَقَالَ. اخْرُجْ فَارْتَدْ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْزِلًا حَتَّى أَنْتَقِلَ لَهُمْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي اشْتِغَالِ أَبِي مُوسَى بِأَهْلِهِ.
وَوُقُوعِ الطَّاعُونِ بِأَبِي عُبَيْدَةَ لَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ مُتَوَجِّهًا، وَأَنَّهُ نَزَلَ بِالنَّاسِ فِي مَكَانٍ آخَرَ فَارْتَفَعَ الطَّاعُونُ، وَقَوْلُهُ: غَمِيقَةً بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ أَيْ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمِيَاهِ وَالنُّزُوزِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَفْسُدُ غَالِبًا بِهِ الْهَوَاءُ لِفَسَادِ الْمِيَاهِ،
стр. 5950
وَالنُّزْهَةُ الْفَسِيحَةُ الْبَعِيدَةُ عَنِ الْوَخْمِ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخُرُوجِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَصَدَ الْفِرَارَ مُتَمَحِّضًا، وَلَعَلَّهُ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلِذَلِكَ اسْتَدْعَاهُ، وَظَنَّ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَهُ لِيَسْلَمَ مِنْ وُقُوعِ الطَّاعُونِ بِهِ فَاعْتَذَرَ عَنْ إِجَابَتِهِ لِذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَمْرُ عُمَرَ، لِأَبِي عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ بَعْدَ سَمَاعِهِمَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَتَأَوَّلَ عُمَرُ فِيهِ مَا تَأَوَّلَ، وَاسْتَمَرَّ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِهِ، وَأَيَّدَ الطَّحَاوِيُّ صَنِيعَ عُمَرَ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، فَإِنَّ خُرُوجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ لِلْعِلَاجِ لَا لِلْفِرَارِ، وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ قِصَّتِهِمْ لِأَنَّهُمْ شَكَوْا وَخَمَ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا لَمْ تُوَافِقْ أَجْسَامَهُمْ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ لِأَنَّ الْإِبِلَ الَّتِي أُمِرُوا أَنْ يَتَدَاوَوْا بِأَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا وَاسْتِنْشَاقِ رَوَائِحِهَا مَا كَانَتْ تَتَهَيَّأُ إِقَامَتُهَا بِالْبَلَدِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي مَرَاعِيهَا فَلِذَلِكَ خَرَجُوا، وَقَدْ لَحَظَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ فَتَرْجَمَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الطَّاعُونِ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي لَا تُلَائِمُهُ، وَسَاقَ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ بِمُهْمَلَةٍ وَكَافٍ مُصَغَّر، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: أَبْيَنُ هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا وَهِيَ وَبِئَةٌ، فَقَالَ: دَعْهَا عَنْكَ، فَإِنَّ مِنَ الْقَرَفِ التَّلَفَ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْقَرَفُ الْقُرْبُ مِنَ الْوَبَاءِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ.
لَيْسَ فِي هَذَا إِثْبَاتُ الْعَدْوَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّدَاوِي، فَإِنَّ اسْتِصْلَاحَ الْأَهْوِيَةِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ فِي تَصْحِيحِ الْبَدَنِ وَبِالْعَكْسِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَالْمَجْذُومُ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ مِنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجُذَامِ مِنْ بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ حِكَمًا: مِنْهَا أَنَّ الطَّاعُونَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ عَامًّا فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ، فَإِذَا وَقَعَ فَالظَّاهِرُ مُدَاخَلَةُ سَبَبِهِ لِمَنْ بِهَا فَلَا يُفِيدُهُ الْفِرَارُ، لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ إِذَا تَعَيَّنَتْ - حَتَّى لَا يَقَعَ الِانْفِكَاكُ عَنْهَا - كَانَ الْفِرَارُ عَبَثًا فَلَا يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ، وَمِنْهَا أَنَّ النَّاسَ لَوْ تَوَارَدُوا عَلَى الْخُرُوجِ لَصَارَ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ - بِالْمَرَضِ الْمَذْكُورِ أَوْ بِغَيْرِهِ - ضَائِعَ الْمَصْلَحَةِ لِفَقْدِ مَنْ يَتَعَهَّدُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَأَيْضًا فَلَوْ شُرِعَ الْخُرُوجُ فَخَرَجَ الْأَقْوِيَاءُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ كَسْرُ قُلُوبِ الضُّعَفَاءِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ حِكْمَةَ الْوَعِيدِ فِي الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ مَنْ لَمْ يَفِرَّ وَإِدْخَالِ الرُّعْبِ عَلَيْهِ بِخِذْلَانِهِ، وَقَدْ جَمَعَ الْغَزَالِيُّ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ: الْهَوَاءُ لَا يَضُرُّ مِنْ حَيْثُ مُلَاقَاتِهِ ظَاهِرَ الْبَدَنِ، بَلْ مِنْ حَيْثُ دَوَامِ الِاسْتِنْشَاقِ فَيَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ وَالرِّئَةِ فَيُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَظْهَرُ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا بَعْدَ التَّأْثِيرِ فِي الْبَاطِنِ، فَالْخَارِجُ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ لَا يَخْلُصُ غَالِبًا مِمَّا اسْتَحْكَمَ بِهِ. وَيَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ رُخِّصَ لِلْأَصِحَّاءِ فِي الْخُرُوجِ لَبَقِيَ الْمَرْضَى لَا يَجِدُونَ مَنْ يَتَعَاهَدُهُمْ فَتَضِيعُ مَصَالِحُهُمْ.
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْوَبَاءُ تَتَكَيَّفُ أَمْزِجَةُ أَهْلِهِ بِهَوَاءِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَتَأْلَفُهَا وَتَصِيرُ لَهُمْ كَالْأَهْوِيَةِ الصَّحِيحَةِ لِغَيْرِهِمْ، فَلَوِ انْتَقِلُوا إِلَى الْأَمَاكِنِ الصَّحِيحَةِ لَمْ يُوَافِقْهُمْ، بَلْ رُبَّمَا إِذَا اسْتَنْشَقُوا هَوَاءَهَا اسْتَصْحَبَ مَعَهُ إِلَى الْقَلْبِ مِنَ الْأَبْخِرَةِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي حَصَلَ تَكَيُّفُ بَدَنِهِ بِهَا فَأَفْسَدَتْهُ، فَمُنِعَ مِنَ الْخُرُوجِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ. وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَارِجَ يَقُولُ: لَوْ أَقَمْتُ لَأُصِبْتُ، وَالْمُقِيمُ يَقُولُ: لَوْ خَرَجْتُ لَسَلِمْتُ، فَيَقَعُ فِي اللَّوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي قَوْلِهِ: فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ: فِيهِ مَنْعُ مُعَارَضَةِ مُتَضَمِّنِ الْحِكْمَةِ بِالْقَدَرِ، وَهُوَ مِنْ مَادَّةِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَفِي قَوْلِهِ: فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ إِشَارَةً إِلَى الْوُقُوفِ مَعَ الْمَقْدُورِ وَالرِّضَا بِهِ، قَالَ: وَأَيْضًا فَالْبَلَاءُ إِذَا نَزَلَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ أَهْلُ الْبُقْعَةِ لَا الْبُقْعَةُ نَفْسُهَا، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ إِنْزَالَ الْبَلَاءِ بِهِ فَهُوَ وَاقِعٌ بِهِ وَلَا مَحَالَةَ، فَأَيْنَمَا تَوَجَّهَ يُدْرِكْهُ، فَأَرْشَدَهُ الشَّارِعُ إِلَى عَدَمِ النَّصْبِ
стр. 5951
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الْمَحْذُورَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْبَلَاءِ، وَلَعَلَّهَا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الدَّعْوَى لِمَقَامِ الصَّبْرِ أَوِ التَّوَكُّلِ فَمُنِعَ ذَلِكَ حَذَرًا مِنَ اغْتِرَارِ النَّفْسِ وَدَعْوَاهَا مَا لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاخْتِبَارِ، وَأَمَّا الْفِرَارُ فَقَدْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي التَّوَغُّلِ فِي الْأَسْبَابِ بِصُورَةِ مَنْ يُحَاوَلُ النَّجَاةَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَنَا الشَّارِعُ بِتَرْكِ التَّكَلُّفِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا فَأَمَرَ بِتَرْكِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ، وَخَوْفِ اغْتِرَارِ النَّفْسِ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ غَدْرُهَا عِنْدَ الْوُقُوعِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْوُقُوعِ تَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَفِي قِصَّةِ عُمَرَ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُنَاظَرَةِ، وَالِاسْتِشَارَةُ فِي النَّوَازِلِ، وَفِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافِ لَا يُوجِبُ حُكْمًا، وَأَنَّ الِاتِّفَاقَ هُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إِلَى النَّصِّ، وَأَنَّ النَّصَّ يُسَمَّى عِلْمًا، وَأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ، وَأَنَّ الْعَالِمَ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ مَا لَا يَكُونُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. وَفِيهِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَبِلُوهُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَمْ يَطْلُبُوا مَعَهُ مُقَوِّيًا.
وَفِيهِ التَّرْجِيحُ بِالْأَكْثَرِ عَدَدًا وَالْأَكْثَرِ تَجْرِبَةً لِرُجُوعِ عُمَرَ لِقَوْلِ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِمَّنْ وَافَقَ رَأْيَهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَوَازَنَ مَا عِنْدَ الَّذِينَ خَالَفُوا ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الْفَضْلِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مَا عِنْدَ الْمَشْيَخَةِ مِنَ السِّنِّ وَالتَّجَارِبِ، فَلَمَّا تَعَادَلُوا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ رُجِّحَ بِالْكَثْرَةِ وَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ النَّصَّ، فَلِذَلِكَ حَمِدَ اللَّهَ - تَعَالَى - عَلَى تَوْفِيقِهِ لِذَلِكَ. وَفِيهِ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ ظُلْمِ الْمَظْلُومِ وَكَشْفِ كُرْبَةِ الْمَكْرُوبِ وَرَدْعِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَإِظْهَارِ الشَّرَائِعِ وَالشَّعَائِرِ وَتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ الْمَسِيحُ وَلَا الطَّحبك برصاعُونُ. كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْحَجِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ أَتَمَّ مِنْ هَذَا بِلَفْظِ: عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ، وَقَدَّمْتُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ، وَأَخْرَجَهُ فِي الْفِتَنِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: الْمَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ فَلَا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ عَدَمُ دُخُولِ الطَّاعُونِ الْمَدِينَةَ مَعَ كَوْنِ الطَّاعُونِ شَهَادَةً، وَكَيْفَ قُرِنَ بِالدَّجَّالِ وَمُدِحَتِ الْمَدِينَةُ بِعَدَمِ دُخُولِهِمَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ كَوْنَ الطَّاعُونِ شَهَادَةً لَيْسَ الْمُرَادُ بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ ذَاتَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ، فَإِذَا استحضره مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ طَعْنُ الْجِنِّ حَسُنَ مَدْحُ الْمَدِينَةِ بِع دَمِ دُخُولِهِ إِيَّاهَا، فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كُفَّارَ الْجِنِّ وَشَيَاطِينَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ، وَمَنِ اتَّفَقَ دُخُولُهُ إِلَيْهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ طَعْنِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: طَعْنُ الْجِنِّ لَا يَخْتَصُّ بِكُفَّارِهِمْ، بَلْ قَدْ يَقَعُ مِنْ مُؤْمِنِيهِمْ، قُلْنَا: دُخُولُ كُفَّارِ الْإنْسِ الْمَدِينَةَ مَمْنُوعٌ، فَإِذَا لَمْ يَسْكُنِ الْمَدِينَةَ إِلَّا مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَالِصَ الْإِسْلَامِ، فَحَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ وُصُولِ الْجِنِّ إِلَى طَعْنِهِمْ بِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْهَا الطَّاعُونُ أَصْلًا.
وَقَدْ أَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْمَعْنَى لَا يَدْخُلُهَا مِنَ الطَّاعُونِ مِثْلُ الَّذِي وَقَعَ فِي غَيْرِهَا كَطَاعُونِ عَمَوَاسَ وَالْجَارِفِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ جَمٌّ مِنْ آخِرِهِمُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ بِأَنَّ الطَّاعُونَ لَمْ يَدْخُلِ الْمَدِينَةَ أَصْلًا وَلَا مَكَّةَ أَيْضًا، لَكِنْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ فِي الطَّاعُونِ الْعَامِّ الَّذِي كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، بِخِلَافِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَذْكُرِ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ أَصْلًا،
стр. 5952
وَلَعَلَّ الْقُرْطُبِيُّ بَنَى عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ أَعَمُّ مِنَ الْوَبَاءِ، أَوْ أَنَّهُ هُوَ وَأَنَّهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ فَيَقَعُ بِهِ الْمَوْتُ الْكَثِيرُ، وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِزِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُ أَبِي الْأَسْوَدِ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَمُوتُونَ بِهَا مَوْتًا ذَرِيعًا، فَهَذَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ وَبَاءٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَكِنِ الشَّأْنُ فِي تَسْمِيَتِهِ طَاعُونًا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّاعُونِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَنْفِيِّ دُخُولُهُ الْمَدِينَةَ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ طَعْنِ الْجِنِّ فَيُهَيِّجُ بِذَلِكَ الطَّعْنِ الدَّمَ فِي الْبَدَنِ فَيَقْتُلُ فَهَذَا لَمْ يَدْخُلِ الْمَدِينَةَ قَطُّ، فَلَمْ يَتَّضِحْ جَوَابُ الْقُرْطُبِيِّ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ سَبَبَ التَّرْجَمَةِ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي الطَّاعُونِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، فَكَانَ مَنْعُ دُخُولِ الطَّاعُونِ الْمَدِينَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَدِينَةِ وَلَوَازِمِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا بِالصِّحَّةِ.
وَقَالَ آخَرُ: هَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، لِأَنَّ الْأَطِبَّاءَ مِنْ أَوَّلِهِمُ إِلَى آخِرِهِمْ عَجَزُوا أَنْ يَدْفَعُوا الطَّاعُونَ عَنْ بَلَدٍ بَلْ عَنْ قَرْيَةٍ، وَقَدِ امْتَنَعَ الطَّاعُونُ عَنِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ جَوَابًا عَنِ الْإِشْكَالِ.
وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهُ ﷺ عَوَّضَهُمْ عَنِ الطَّاعُونِ بِالْحُمَّ لِأَنَّ الطَّاعُونَ يَأْتِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَالْحُمَّى تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ حِينٍ فَيَتَعَادَلَانِ فِي الْأَجْرِ، وَيَتِمُّ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ دُخُولِ الطَّاعُونِ لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَيَظْهَرُ لِي جَوَابٌ آخَرُ بَعْدَ اسْتِحْضَارِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَسِيبٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ وَزْنُ عَظِيمٍ رَفَعَهُ: أَتَانِي جِبْرِيلُ بِالْحُمَّى وَالطَّاعُونِ، فَأَمْسَكْتُ الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ وَأَرْسَلْتُ الطَّاعُونَ إِلَى الشَّامِ، وَهُوَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ كَانَ فِي قِلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَدَدًا وَمَدَدًا، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ وَبِئَةً كَمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، ثُمَّ خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَمْرَيْنِ يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْأَجْرُ الْجَزِيلُ، فَاخْتَارَ الْحُمَّى حِينَئِذٍ لِقِلَّةِ الْمَوْتِ بِهَا غَالِبًا، بِخِلَافِ الطَّاعُونِ، ثُمَّ لَمَّا احْتَاجَ إِلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ وَأُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ كَانَتْ قَضِيَّةُ اسْتِمْرَارِ الْحُمَّى بالمدينة أَنْ تُضْعِفَ أَجْسَادَ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّقْوِيَةِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ، فَدَعَا بِنَقْلِ الْحُمَّى مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْجُحْفَةِ، فَعَادَتِ الْمَدِينَةُ أَصَحَّ بِلَادِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانُوا مِنْ حِينَئِذٍ مَنْ فَاتَتْهُ الشَّهَادَةُ بِالطَّاعُونِ رُبَّمَا حَصَلَتْ لَهُ بِالْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ حَصَلَتْ لَهُ الْحُمَّى الَّتِي هِيَ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ غَيْرِهَا لِتَحَقُّقِ إِجَابَةِ دَعَوْتِهِ وَظُهُورِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ
الْعَظِيمَةِ بِتَصْدِيقِ خَبَرِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ الْمُتَطَاوِلَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ):
سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْفِتَنِ حَدِيثُ أَنَسٍ وَفِيهِ: فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَقِيلَ: هُوَ لِلتَّبَرُّكِ فَيَشْمَلُهُمَا، وَقِيلَ: هُوَ لِلتَّعْلِيقِ وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالطَّاعُونِ وَأَنَّ مُقْتَضَاهُ جَوَازُ دُخُولِ الطَّاعُونِ الْمَدِينَةَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمدينةُ وَمَكَّةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهُمَا مَلَكٌ لَا يَدْخُلُهُمَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ شُرَيْحٍ، عَنْ فُلَيْحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي نُقِلَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنْهُ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ، أَوْ يُجَابُ إِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِجَوَابِ الْقُرْطُبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسٌ) لَيْسَ لِحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى بِمَ مَاتَ)؟ أَيْ بِأَيِّ شيء مَاتَ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ: بِمَا مَاتَ؟ بِإِشْبَاعِ الْمِيمِ وَهُوَ لِلْأَصِيلِيِّ وَهِيَ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ، لَكِنِ اشْتُهِرَ حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْهَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ جَرٍّ، وَيَحْيَى الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ أَخُو حَفْصَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ لِأَنَّهَا كُنْيَةُ سِيرِينَ، وَكَانَتْ وَفَاةُ يَحْيَى فِي حُدُودِ التِّسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَا يُورَدُ
стр. 5953
مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَتَذَاكَرَانِ السَّاعَةَ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ، نَقَلَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَرَادَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سِيرِينَ مَاتَ بَعْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَيَكُونُ حَدِيثُ حَفْصَةَ خَطَأً، انْتَهَى. وَتَخْرِيجُهُ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ فِي الصَّحِيحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ خَطَأٌ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ: حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ حَفْصَةَ خَطَأٌ، فَإِذَا جُوِّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَفْصَةَ جَازَ تَجْوِيزُهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يَحْيَى بْنُ سِيرِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ يَقَعُ بِهِ، هَكَذَا جَاءَ مُطْلَقًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَسَيَأْتِي مُقَيَّدًا بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ عَقِبَهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مُقْتَصِرًا عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ مُطَوَّلًا بِلَفْظِ: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَطْعُونِ: مَنْ طَعَنَهُ الْجِنُّ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
٣١ - بَاب أَجْرِ الصَّابِرِ على الطَّاعُونِ
٥٧٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْه أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ.
تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ دَاوُدَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ الصَّابِرِ عَلَى الطَّاعُونِ) أَيْ سَوَاءً وَقَعَ بِهِ أَوْ وَقَعَ فِي بَلَدٍ هُوَ مُقِيمٌ بِهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَحَبَّانُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ سَأَلْتُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَى مَنْ شَاءَ، أَيْ: مِنْ كَافِرٍ أَوْ عَاصٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ مُوسَى مَعَ بَلْعَامَ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَسِيبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لَهُمْ، وَرِجْسٌ عَلَى الْكَافِرِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَوْنَ الطَّاعُونِ رَحْمَةً إِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وَقَعَ بِالْكَفَّارِ فَإِنَّمَا هُوَ عَذَابٌ عَلَيْهِمْ يُعَجَّلُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْعَاصِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهَلْ يَكُونُ الطَّاعُونُ لَهُ شَهَادَةً أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْمُرَادُ بِالْعَاصِي: مَنْ يَكُونُ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُصِرٌّ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُكَرَّمُ بِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ لِشُؤْمِ مَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؟ وَأَيْضًا فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ يَنْشَأُ عَنْ ظُهُورِ الْفَاحِشَةِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ
следующие страницы →