← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 6019–6058 · переход к 6024.

стр. 6019

اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا. ٥٧٨٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ٥٧٩٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ إِذْ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلجلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. تَابَعَهُ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعَيْبٌ عَنْ أبي هريرة. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى بَابِ دَارِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ . . نَحْوَهُ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ يُونُسُ) يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَرِوَايَتُهُ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي أَوَاخِرِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ٥٧٩١ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: لَقِيتُ مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَأْتِي مَكَانَهُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِي فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مَخِيلَةً لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقُلْتُ لِمُحَارِبٍ: أَذَكَرَ إِزَارَهُ؟ قَالَ: مَا خَصَّ إِزَارًا وَلَا قَمِيصًا. تَابَعَهُ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَتَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَقُدَامَةُ بْنُ مُوسَى عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خيلاء. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ) أَيْ بِسَبَبِ الْخُيَلَاءِ، أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا وَمِثْلُهُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا. وَالْبَطَرُ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ قَالَ عِيَاضٌ: جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ بَطَرًا بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ جَرَّ أَيْ جَرَّهُ تَكَبُّرًا وَطُغْيَانًا، وَأَصْلُ الْبَطَرِ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، وَاسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْبَطَرِ دَهْشٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عِنْدَ هُجُومِ النِّعْمَةِ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا. قَوْلُهُ: (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ) أَيْ لَا يَرْحَمُهُ، فَالنَّظَرُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ كَانَ مَجَازًا، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمَخْلُوقِ كَانَ كِنَايَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَبَّرَ عَنِ الْمَعْنَى الْكَائِنِ عِنْدَ النَّظَرِ بِالنَّظَرِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَوَاضِعٍ رَحِمَهُ وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَكَبِّرٍ مَقَتَهُ، فَالرَّحْمَةُ وَالْمَقْتُ مُتَسَبِّبَانِ عَنِ النَّظَرِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: نِسْبَةُ النَّظَرِ لِمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ كِنَايَةً، لِأَنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِالشَّخْصِ التَفَتَ إِلَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ عِبَارَةً عَنِ الْإِحْسَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَظَرٌ، وَلِمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ النَّظَرِ وَهُوَ تَقْلِيبُ الْحَدَقَةِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِحْسَانِ مَجَازٌ عَمَّا وَقَعَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كِنَايَةً، وَقَوْلُهُ:

стр. 6020

يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ مَحَلُّ الرَّحْمَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، بِخِلَافِ رَحْمَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا قَدْ تَنْقَطِعُ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنَ الْحَوَادِثِ. وَيُؤَيِّدُ مَا ذُكِرَ مِنْ حَمْلِ النَّظَرِ عَلَى الرَّحْمَةِ أَوِ الْمَقْتِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ: إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَةً فَتَبَخْتَرَ فِيهَا، فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَقَتَهُ، فَأَمَرَ الْأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (مَنْ) يَتَنَاوَلُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ، وَقَدْ فَهِمَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُتَّصِلًا بِحَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ فَقَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ ; قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ. وَقَدْ عَزَا بَعْضُهُمْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِمُسْلِمٍ فَوَهِمَ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَكَأَنَّ مُسْلِمًا أَعْرَضَ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا عَلَى نَافِعٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَفْسِهَا وَفِيهِ اخْتِلَافَاتٌ أُخْرَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا، فَكُنَّ يُرْسِلْنَ إِلَيْنَا فَنَذْرَعُ لَهُنَّ ذِرَاعًا وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَدْرَ الذِّرَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَأَنَّهُ شِبْرَانِ بِشِبْرِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْفَهْمِ التَّعَقُّبُ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُطْلَقَةَ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْإِسْبَالِ مُقَيَّدَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى الْمُصَرِّحَةِ بِمَنْ فَعَلَهُ خُيَلَاءَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْيِيدِهَا بِالْجَرِّ خُيَلَاءُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِالْخُيَلَاءِ، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِي اسْتِفْسَارِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي جَرِّ ذُيُولِهِنَّ مَعْنًى، بَلْ فَهِمَتِ الزَّجْرَ عَنِ الْإِسْبَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَنْ مَخِيلَةٍ أَمْ لَا، فَسَأَلَتْ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِنَّ إِلَى الْإِسْبَالِ مِنْ أَجْلِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِأَنَّ جَمِيعَ قَدَمِهَا عَوْرَةٌ، فَبَيَّنَ لَهَا أَنَّ حُكْمَهُنَّ فِي ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الرِّجَالِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَمُرَادُهُ مَنْعُ الْإِسْبَالِ لِتَقْرِيرِهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ عَلَى فَهْمِهَا. إِلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ لَهَا أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ لِتَفْرِقَتِهِ فِي الْجَوَابِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْإِسْبَالِ، وَتَبْيِينِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ فِي حَقِّهِنَّ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلرِّجَالِ حَالَيْنِ: حَالُ اسْتِحْبَابٍ، وَهُوَ أَنْ يَقْتَصِرَ بِالْإِزَارِ عَلَى نِصْفِ السَّاقِ وَحَالُ جَوَازٍ وَهُوَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَكَذَلِكَ لِلنِّسَاءِ حَالَانِ حَالُ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ مَا يَزِيدُ عَلَى مَا هُوَ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ بِقَدْرِ الشِّبْرِ وَحَالُ جَوَازٍ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَرَ لِفَاطِمَةَ مِنْ عَقِبِهَا شِبْرًا وَقَالَ: هَذَا ذَيْلُ الْمَرْأَةِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِلَفْظِ شَبَرَ مِنْ ذَيْلِهَا شِبْرًا أَوْ شِبْرَيْنِ وَقَالَ: لَا تَزِدْنَ عَلَى هَذَا وَلَمْ يُسَمِّ فَاطِمَةَ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ مُعْتَمِرٌ عَنْ حُمَيْدٍ. قُلْتُ: وَأَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالَّذِي جَزَمَ بِالشِّبْرِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَرَ لِفَاطِمَةَ شِبْرًا وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْجَرِّ خَرَجَ لِلْغَالِبِ، وَأَنَّ الْبَطَرَ وَالتَّبَخْتُرَ مَذْمُومٌ وَلَوْ لِمَنْ شَمَّرَ ثَوْبَهُ، وَالَّذِي يَجْتَمِعُ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ بِالْمَلْبُوسِ الْحَسَنِ إِظْهَارَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ مُسْتَحْضِرًا لَهَا شَاكِرًا عَلَيْهَا غَيْرَ مُحْتَقِرٍ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ لَا يَضُرُّهُ مَا لَبِسَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَلَوْ كَانَ فِي غَايَةِ النَّفَاسَةِ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ

стр. 6021

مِنْ كِبْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ. وَقَوْلُهُ: وَغَمْطُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ: الِاحْتِقَارُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إِنَّ الرَّجُلَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ شِرَاكُ نَعْلِهِ أَجْوَدَ مِنْ شِرَاكِ صَاحِبِهِ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾ الْآيَةَ فَقَدْ جَمَعَ الطَّبَرِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ لِيَتَعَظَّمَ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، لَا مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ ابْتِهَاجًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ وَرَآهُ رَثَّ الثِّيَابِ: إِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيَرَ أَثَرَهُ عَلَيْكَ أَيْ بِأَنْ يَلْبَسَ ثِيَابًا تَلِيقُ بِحَالِهِ مِنَ النَّفَاسَةِ وَالنَّظَافَةِ لِيَعْرِفَهُ الْمُحْتَاجُونَ لِلطَّلَبِ مِنْهُ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْقَصْدِ وَتَرْكِ الْإِسْرَافِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. (تَكْمِلَةٌ): الرَّجُلُ الَّذِي أُبْهِمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هُوَ سَوَادُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي، قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ ) شَكٌّ مِنْ آدَمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ شُعْبَةَ فَقَالُوا: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا مَضَى، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِي رِوَايَتِهِمَا أَيْضًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ الْحَدِيثَ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ، أَوِ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَانَ قَبْلَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو يَعْلَى وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَتَى أَبَا هُرَيْرَةَ فِي حُلَّةٍ يَتَبَخْتَرُ فِيهَا فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّكَ تُكْثِرُ الْحَدِيثَ، فَهَلْ سَمِعْتَهُ يَقُولُ فِي حُلَّتِي هَذِهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُؤْذُونَنَا، وَلَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ، سَمِعْتُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمِكَ وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي مُبْهَمَاتِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ وَالصَّافَّاتِ عَنِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ الْهَيْزَنُ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْرَابِ فَارِسٍ. قُلْتُ: وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَيَّانِيِّ وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ بِأَنَّهُ قَارُونُ، وَكَذَا ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَكَأَنَّ الْمُسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا قَالَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ وَفِيهِ وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَاخْتَالَ فِيهِ خُسِفَ بِهِ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَيَتَجَلْجَلُ فِيهَا لِأَنَّ قَارُونَ لَبِسَ حُلَّةً فَاخْتَالَ فِيهَا فَخُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ يُخْسَفُ بِقَارُونَ كُلَّ يَوْمٍ قَامَةً، وَأَنَّهُ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا لَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ: (يَمْشِي فِي حُلَّةٍ) الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ، وَقِيلَ: إِزَارٌ وَرِدَاءٌ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، وَهَمَّامٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْهِ. قَوْلُهُ:

стр. 6022

(تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ) فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ فَأَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ وَمِثْلُهُ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ هَكَذَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِزِيَادَةِ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِزَارِ لَا يَدْفَعُ وُجُودَ الرِّدَاءِ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْإِزَارُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الْخُيَلَاءُ غَالِبًا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَنَسٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى خَرَجَ فِي بُرْدَيْنِ يَخْتَالُ فِيهِمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ هُوَ مُلَاحَظَتُهُ لَهَا بِعَيْنِ الْكَمَالِ مَعَ نِسْيَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَإِنِ احْتَقَرَ غَيْرَهُ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ الْكِبْرُ الْمَذْمُومُ. قَوْلُهُ: (مُرَجِّلٌ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ (جُمَّتَهُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ هِيَ مُجْتَمَعُ الشَّعْرِ إِذَا تَدَلَّى مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَإِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَتَجَاوَزُ الْأُذُنَيْنِ فَهُوَ الْوَفْرَةُ، وَتَرْجِيلُ الشَّعْرِ تَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ. قَوْلُهُ: (إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي سُرْعَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ بِهِ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ حَتَّى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالتَّجَلْجُلُ بِجِيمَيْنِ التَّحَرُّكُ، وَقِيلَ: الْجَلْجَلَةُ الْحَرَكَةُ مَعَ صَوْتٍ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَقَدْ جَلْجَلْتَهُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: التَّجَلْجُلُ أَنْ يَسُوخَ فِي الْأَرْضِ مَعَ اضْطِرَابٍ شَدِيدٍ وَيَنْدَفِعُ مِنْ شِقٍّ إِلَى شِقٍّ، فَالْمَعْنَى يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ أَيْ يَنْزِلُ فِيهَا مُضْطَرِبًا مُتَدَافِعًا. وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ رُوِيَ يَتَجَلَّلُ بِجِيمٍ وَاحِدَةٍ وَلَامٍ ثَقِيلَةٍ وَهُوَ بِمَعْنَى يَتَغَطَّى، أَيْ تُغَطِّيهِ الْأَرْضُ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا يَتَخَلْخَلُ بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَاسْتَبْعَدَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ خَلْخَلْتُ الْعَظْمَ إِذَا أَخَذْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّحْمِ، وَجَاءَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ يَتَحَلْحَلُ بِحَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ. قُلْتُ: وَالْكُلُّ تَصْحِيفٌ إِلَّا الْأَوَّلَ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ جَسَدَ هَذَا الرَّجُلِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُلْغَزَ بِهِ فَيُقَالُ: كَافِرٌ لَا يَبْلَى جَسَدُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ عَنْهُ بِتَمَامِهِ وَلَفْظُهُ جَرَّ إِزَارَهُ مُسْبِلًا مِنَ الْخُيَلَاءِ. الحديث الثالث: قَوْلُهُ: (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي) هُوَ جَرِيرُ بْنُ أَبِي حَازِمِ بْنِ زَيْدٍ الْأَزْدِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ) هُوَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَلَيْسَ لِجَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالزُّهْرِيِّ يَقُولُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ لَكِنْ قَوِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا لِشِدَّةِ إِتْقَانِ الزُّهْرِيِّ وَمَعْرِفَتِهِ بِحَدِيثِ سَالِمٍ وَلِقَوْلِ جَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ كُنْتُ مَعَ سَالِمٍ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَإِنَّهَا قَرِينَةٌ فِي أَنَّهُ حَفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ فَمَرَّ بِهِ شَابٌّ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّ إِزَارَهُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُقَوِّيِ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ زَيْدٍ ضَبَطَهُ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَاهَا أَبُو رَافِعٍ عَنْهُ كَمَا قَدَّمْتُ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهَا كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ مِنْ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ بِهَذَا السَّنَدِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ تَصْحِيفُ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَصَارَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ

стр. 6023

الْقِيَامَةِ. ذَكَرَ طرق أُخْرَى لِلْحَدِيثِ الثاني: قَوْلُهُ: (مُحَارِبٌ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَزْنُ مُقَاتِلٍ، وَدِثَارٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ. قَوْلُهُ: (مَكَانَهُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ) كَانَ مُحَارِبٌ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ أَبِيهِ رَأَيْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ فِي الرَّجُلِ سِتُّ خِصَالٍ سَوَّدُوهُ: الْحِلْمُ وَالْعَقْلُ وَالسَّخَاءُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْبَيَانُ وَالتَّوَاضُعُ، وَلَا يَكْمُلْنَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِالْعَفَافِ، وَقَدِ اجْتَمَعْنَ فِي هَذَا الرَّجُلِ يَعْنِي مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَعَلَّ رُكُوبَهُ الْفَرَسَ كَانَ لِيَغِيظَ بِهِ الْكُفَّارَ وَيُرْهِبَ بِهِ الْعَدُوَّ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ رُكُوبَ الْخَيْلِ جَائِزٌ فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِذَارِ عَنْهُ. قُلْتُ: لَكِنَّ الْمَشْيَ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْزِلَهُ كَانَ بَعِيدًا عَنْ مَنْزِلِ حُكْمِهِ. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِمُحَارِبٍ: أَذْكُرُ إِزَارَهُ؟ قَالَ: مَا خَصَّ إِزَارًا وَلَا قَمِيصًا) كَانَ سَبَبُ سُؤَالِ شُعْبَةَ عَنِ الْإِزَارِ أَنَّ أَكْثَرَ الطُّرُقِ جَاءَتْ بِلَفْظِ الْإِزَارِ، وَجَوَابُ مُحَارَبٍ حَاصِلُهُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالثَّوْبِ يَشْمَلُ الْإِزَارَ وَغَيْرَهُ، وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِمَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ وَاسْتَغْرَبَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ الْحَدِيثَ كَحَدِيثِ الْبَابِ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِيهِ مَقَالٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُمَيَّةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِلَفْظِ الْإِزَارِ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي عَهْدِهِ كَانُوا يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ، فَلَمَّا لَبِسَ النَّاسُ الْقَمِيصَ وَالدَّرَارِيعَ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْإِزَارِ فِي النَّهْيِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِالثَّوْبِ، فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَفِي تَصْوِيرِ جَرِّ الْعِمَامَةِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ إِرْخَاءِ الْعَذْبَاتِ، فَمَهْمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْإِسْبَالِ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ السَّاعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الزَّجْرِ عَنْ جَرِّ الثَّوْبِ تَطْوِيلُ أَكْمَامِ الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ أَطَالَهَا حَتَّى خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْحِجَازِيِّينَ دَخَلَ فِي ذَلِكَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مَا مَسَّ الْأَرْضَ مِنْهَا خُيَلَاءَ لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ. قَالَ: وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَلَكِنْ حَدَثَ لِلنَّاسِ اصْطِلَاحٌ بِتَطْوِيلِهَا، وَصَارَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ النَّاسِ شِعَارٌ يُعْرَفُونَ بِهِ، وَمَهْمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخُيَلَاءِ فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ فَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى جَرِّ الذَّيْلِ الْمَمْنُوعِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ وَعَلَى الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ مِنَ الطُّولِ وَالسَّعَةِ. قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ الْبَحْثَ فِيهِ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ جَبَلَةُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ (ابْنُ سُحَيْمٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّر، وَقَدْ وَصَلَ رِوَايَتَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ مَنْ جَرَّ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِهِ مِنْ مَخِيلَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَجَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. قَوْلُهُ: (وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ اللِّبَاسِ. قَوْلُهُ: (وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ يَعْنِي تَابَعُوا مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ الثَّوْبِ لَا بِلَفْظِ الْإِزَارِ، جَزَمَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ تَقَعْ لِي رِوَايَةُ زَيْدٍ مَوْصُولَةً بَعْدُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثِيَابَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيَأْتِي لِمُسْلِمٍ مَقْرُونًا بِسَالِمٍ، وَنَافِعٍ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ حَدِيثًا آخَرَ. فَلَعَلَّ مُرَادَهُ

стр. 6024

بِقَوْلِهِ هُنَا عَنْ أَبِيهِ جَدُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ يعني:، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْهُ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الثَّوْبِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ. قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَقُدَامَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) أَمَّا رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ وَسَالِمٍ، وَنَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ الَّذِي يَجُرُّ ثِيَابَهُ مِنَ الْمَخِيلَةِ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيُّ وَهُوَ مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ وَكَانَ إِمَامَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَوَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الثَّقَفِيَّاتِ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ كِتَابِ اللِّبَاسِ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمُ بْنُ يَنَّاقَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَآخِرُهُ قَافٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَطِيَّةُ الْعُوفِيُّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ بِلَفْظِ الْإِزَارِ وَالرِّوَايَةُ بِلَفْظِ الثَّوْبِ أَشْمَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ لِلْخُيَلَاءِ كَبِيرَةٌ، وَأَمَّا الْإِسْبَالُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ فَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُهُ أَيْضًا، لَكِنِ اسْتُدِلَّ بِالتَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالْخُيَلَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الزَّجْرِ الْوَارِدِ فِي ذَمِّ الْإِسْبَالِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا، فَلَا يَحْرُم الْجَرُّ وَالْإِسْبَالُ إِذَا سَلِمَ مِنَ الْخُيَلَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَفْهُومُهُ أَنَّ الْجَرَّ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ، إِلَّا أَنَّ جَرَّ الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ مِنَ الثِّيَابِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِسْبَالُ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ لِلْخُيَلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَهَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَرِّ لِلْخُيَلَاءِ وَلِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ، قَالَ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِزَارُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَمَا نَزَلَ عَنِ الْكَعْبَيْنِ مَمْنُوعٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ وَإِلَّا فَمَنْعُ تَنْزِيهٍ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْإِسْبَالِ مُطْلَقَةٌ فَيَجِبُ تَقْيِيدُهَا بِالْإِسْبَالِ لِلْخُيَلَاءِ انْتَهَى. وَالنَّصُّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ذَكَرَهُ الْبُوَيْطِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لَا يَجُوزُ السَّدْلُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا لِلْخُيَلَاءِ، وَلِغَيْرِهَا خَفِيفٌ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ اهـ، وَقَوْلُهُ: خَفِيفٌ لَيْسَ صَرِيحًا فِي نَفْيِ التَّحْرِيمِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَرِّ خُيَلَاءُ، فَأَمَّا لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ عَلَى قَدْرِ لَابِسِهِ لَكِنَّهُ يَسْدُلُهُ فَهَذَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ تَحْرِيمٌ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَالَّذِي وَقَعَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ لَابِسِهِ فَهَذَا قَدْ يُتَّجَهُ الْمَنْعُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْرَافِ فَيَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ يُتَّجَهُ الْمَنْعُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ وَهُوَ أَمْكَنُ فِيهِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ صَحَّحَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لُعِنَ الرَّجُلُ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ يُتَّجَهُ الْمَنْعُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَابِسَهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ تَعَلُّقِ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ - وَاسْمُ أَبِيهِ سُلَيْمٌ - الْمُحَارِبِيُّ عَنْ عَمَّتِهِ وَاسْمُهَا رُهْمٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ عَمِّهَا وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي وَعَلَيَّ بُرْدٌ أَجُرُّهُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: ارْفَعْ ثَوْبَكَ فَإِنَّهُ

стр. 6025

أَنْقَى وَأَبْقَى، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، فَقَالَ: أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَسَنَدُهُ قَبْلَهَا جَيِّدٌ، وَقَوْلُهُ: مَلْحَاءُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِمُهْمَلَةٍ قَبْلَهَا سُكُونٌ مَمْدُودَةٌ أَيْ فِيهَا خُطُوطٌ سُودٌ وَبِيضٌ، وَفِي قِصَّةِ قَتْلِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِلشَّابِّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ ارْفَعْ ثَوْبَكَ فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ، وَيُتَّجَهُ الْمَنْعُ أَيْضًا فِي الْإِسْبَالِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كَوْنُهُ مَظِنَّةَ الْخُيَلَاءِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَهُ، وَيَقُولُ لَا أَجُرُّهُ خُيَلَاءَ، لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ حُكْمًا أَنْ يَقُولَ لَا أَمْتَثِلُهُ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِيَّ، فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، بَلْ إِطَالَتُهُ ذَيْلَهُ دَالَّةٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْبَالَ يَسْتَلْزِمُ جَرَّ الثَّوْبِ وَجَرُّ الثَّوْبِ يَسْتَلْزِمُ الْخُيَلَاءَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ اللَّابِسُ الْخُيَلَاءَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ رَفَعَهُ وَإِيَّاكَ وَجَرَّ الْإِزَارِ فَإِنَّ جَرَّ الْإِزَارِ مِنَ الْمَخِيلَةِ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ لَحِقَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي حُلَّةٍ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ قَدْ أَسْبَلَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ وَيَتَوَاضَعُ لِلَّهِ وَيَقُولُ: عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَأَمَتِكَ، حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرٌو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَمْشُ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، يَا عَمْرُو إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرٍو نَفْسِهِ لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ فُلَانٍ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا فَقَالَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ وَفِيهِ وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ تَحْتَ رُكْبَةِ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا عَمْرُو هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ تَحْتَ الْأَرْبَعِ فَقَالَ: يَا عَمْرُو هَذَا مَوْضِعُ الْإِزَارِ الْحَدِيثَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَمْرًا الْمَذْكُورَ لَمْ يَقْصِدْ بِإِسْبَالِهِ الْخُيَلَاءَ، وَقَدْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الشَّرِيدِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: أَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا قَدْ أَسْبَلَ إِزَارَهُ فَقَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْنَفُ تَصْطَكُّ رُكْبَتَايَ، قَالَ: ارْفَعْ إِزَارَكَ، فَكُلُّ خَلْقِ اللَّهِ حَسَنٌ وَأَخْرَجَ مُسَدَّدٌ، وَأَبُو بِكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إنَّهُ كَانَ يُسْبِلُ إِزَارَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: مِمَّا بِسَاقِكَ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إنَّهُ كَانَ يُسْبِلُ إِزَارَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي حَمْشُ السَّاقَيْنِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَسْبَلَهُ زِيَادَةً عَلَى الْمُسْتَحَبِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ جَاوَزَ بِهِ الْكَعْبَيْنِ وَالتَّعْلِيلُ يُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِرِدَاءِ سُفْيَانَ بْنِ سُهَيْلٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا سُفْيَانُ لَا تُسْبِلْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلِينَ. ٦ - بَاب الْإِزَارِ الْمُهَدَّبِ وَيُذْكَرُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَحَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُمْ لَبِسُوا ثِيَابًا مُهَدَّبَةً ٥٧٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسَةٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ - وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جِلْبَابِهَا - فَسَمِعَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَوْلَهَا وَهُوَ بِالْبَابِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ. قَالَتْ: فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَنْهَى هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَلَا وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا، حَتَّى

стр. 6026

يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، فَصَارَ سُنَّةً بَعْده. قَوْلُهُ: (بَابُ الْإِزَارِ الْمُهَدَّبِ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ ثَقِيلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيِ الَّذِي لَهُ هُدْبٌ ; وَهِيَ أَطْرَافٌ مِنْ سُدًى بِغَيْرِ لُحْمَةٍ رُبَّمَا قُصِدَ بِهَا التَّجَمُّلُ، وَقَدْ تُفْتَلُ صِيَانَةً لَهَا مِنَ الْفَسَادِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الْخُيُوطِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْدِيَةِ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَحَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُمْ لَبِسُوا ثِيَابًا مُهَدَّبَةً) قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: إنَّهَا غَيْرُ مَكْفُوفَةِ الْأَسْفَلِ، وَهَذِهِ الْآثَارُ لَمْ يَقَعْ لِي أَكْثَرُهَا مَوْصُولًا. أَمَّا الزُّهْرِيُّ فَهُوَ ابْنُ شِهَابٍ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا حَمْزَةُ بْنُ أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ فَوَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ مَيْمُونٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ حَمْزَةَ بْنَ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَفْتُولُ الْهُدْبِ. وَسَلَمَةُ هَذَا لَمْ يَزِدْ الْبُخَارِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ عَلَى مَا فِي هَذَا السَّنَدِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَيِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فَهُوَ مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهَا: مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ بِالْهُدْبَةِ الْخُصْلَةُ مِنَ الْهُدْبِ وَوَقَعَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَةٍ، وَقَدْ وَقَعَ هُدْبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ: فَصَارَ سُنَّةً بَعْدَهُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَعْدُ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا أَحْسَبُ. ٧ - بَاب الْأَرْدِيَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: جَبَذَ أَعْرَابِيٌّ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ٥٧٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا ﵃ قَالَ. . فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ، فارتدى به، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنُوا لَهُمْ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَرْدِيَةِ) جَمْعُ رِدَاءٍ بِالْمَدِّ وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى الْعَاتِقِ أَوْ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ مِنَ الثِّيَابِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ جَبَذَ أَعْرَابِيٌّ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ) بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ. وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ أَبْوَابٍ فِي بَابِ الْبُرُودِ وَالْحَبَرَةِ. ثم ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَى وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ وَالشَّارِفِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي فَرْضِ الْخَمْسِ، وَقَوْلُهُ: فَدَعَا عَطْفٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ كَانَ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَوْلُهُ هُنَا: فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ حَمْزَةُ وَمَنْ مَعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَأَذِنَ بِالْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ حَمْزَةُ لِكَوْنِهِ كَانَ كَبِيرَ الْقَوْمِ. ٨ - بَاب لُبْسِ الْقَمِيصِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾

стр. 6027

٥٧٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. ٥٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥٧٩٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن عمر، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ فَآذِنَّا، فَلَمَّا فَرَغَ آذَنَهُ بِهِ، فَجَاءَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَجَذَبَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾؛ فَنَزَلَتْ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾؛ فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: (بَابُ لُبْسِ الْقَمِيصِ، وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لُبْسَ الْقَمِيصِ لَيْسَ حَادِثًا، وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْعَرَبِ لُبْسَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي الْحَجِّ مُسْتَوْفًى، وَفِيهِ لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُودِ الْقُمْصَانِ حِينَئِذٍ. وَالثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مَوْتِ عَبْدِ الله ابْنِ أُبَيٍّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) هُوَ الْمَرْوَزِيُّ الْمُلَقَّبُ عَبْدَانُ، زَادَ الْقَابِسِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَلَيْسَ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مَنِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ إِلَّا عَبْدَانُ، وَجَدُّهُ هُوَ جَبَلَةُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَعَلَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى الْبُخَارِيِّ، وَفِي شُيُوخِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ أَشْهَرُهُمْ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ أَبُوهُ عِنْدَهُ غَيْرَ مُسَمًّى، وَابْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ كَذَلِكَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عِنْدَهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ كَذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ أَوْرَدَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا إِلَى قَوْلِهِ: وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ قَالَهَا جَابِرٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي كَلَامِ عُمَرَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٍ. الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا. (تَكْمِلَةٌ): قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ أَرَ لِلْقَمِيصِ ذِكْرًا صَحِيحًا إِلَّا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقِصَّةُ ابْنِ أُبَيِّ وَلَمْ أَرَ لَهُمَا ثَالِثًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ هَذَا فِي كِتَابِهِ سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ وَكَأَنَّهُ صَنَّفَهُ قَبْلَ شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ وَلَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ وَلَا حَدِيثَ أَسْمَاءَ

стр. 6028

بِنْتِ يَزِيدَ كَانَتْ يَدُ كُمِّ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الرُّسْغِ وَلَا حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَبَايَعْنَاهُ وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ، فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ وَلَا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ الحديث وَكُلُّهَا فِي السُّنَنِ، وَأَكْثَرُهَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ عَائِشَةَ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ الْحَدِيثَ وَغَيْرَ ذَلِكَ. ٩ - بَاب جَيْبِ الْقَمِيصِ مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ وَغَيْرِهِ ٥٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تَغْشَى أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ. تَابَعَهُ ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ فِي الْجُبَّتَيْنِ. وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: جُبَّتَانِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ ربيعة عَنْ الْأَعْرَجِ: جُبَّتَانِ. قَوْلُهُ: (بَابُ جَيْبِ الْقَمِيصِ مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ وَغَيْرِهِ) الْجَيْبُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هُوَ مَا يُقْطَعُ مِنَ الثَّوْبِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الرَّأْسُ أَوِ الْيَدُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: الْجَيْبُ الَّذِي يُحِيطُ بِالْعُنُقِ، جَيْبُ الثَّوْبِ أَيْ جُعِلَ فِيهِ ثَقْبٌ، وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَا يُجْعَلُ فِي الصَّدْرِ لِيُوضَعَ فِيهِ الشَّيْءُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَإِنَّمَا الْجَيْبُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْأَوَّلُ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَقُولُ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ لَابِسَ قَمِيصٍ، وَكَانَ فِي طَوْقِهِ فَتْحَةٌ إِلَى صَدْرِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، بَلِ اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْجَيْبَ فِي ثِيَابِ السَّلَفِ كَانَ عِنْدَ الصَّدْرِ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ بِالْأَنْدَلُسِ. وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الْبَخِيلَ إِذَا أَرَادَ إِخْرَاجَ يَدِهِ أَمْسَكَتْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَاقَ عَلَيْهَا وَهُوَ الثَّدْيُ وَالتَّرَاقِي، وَذَلِكَ فِي الصَّدْرِ، قَالَ: فَبَانَ أَنَّ جَيْبَهُ كَانَ فِي صَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ لَمْ تَضْطَرَّ يَدَاهُ إِلَى ثَدْيَيْهِ وَتَرَاقِيهِ. قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ جَيْبَ قَمِيصِهِ كَانَ فِي صَدْرِهِ لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَآهُ مُطْلَقَ الْقَمِيصِ أَيْ غَيْرَ مَزْرُورٍ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَادَتْ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ مَالَتْ، وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ مَارَتْ بِالرَّاءِ بَدَلَ الدَّالِ أَيْ سَالَتْ. وَقَوْلُهُ: ثُدَيهِمَا بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْجَمْعِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّثْنِيَةِ،

стр. 6029

وَقَوْلُهُ: يُغْشَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ وَيَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ ثَانِيهِ بِمَعْنًى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ اسْمِ جَدِّهِ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (وَتَرَاقِيهِمَا) جَمْعُ تَرْقُوَةٍ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَضَمِّ الْقَافِ هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ فِي الدَّلَائِلِ التَّرْقُوَتَانِ الْعَظْمَانِ الْمُشْرِفَانِ فِي أَعْلَى الصَّدْرِ إِلَى طَرَفِ ثُغْرَةِ النَّحْرِ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ رَأَيْتَهُ) جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ لَتَعَجَّبْتَ مِنْهُ، أَوْ هُوَ لِلتَّمَنِّي. وَالْأَوَّلُ أَوْضَحُ. قَوْلُهُ: (يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ثُمَّ ضَمِيرٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَوْضِعِ بِخُصُوصِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ طَاوُسٍ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ (عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الزَّكَاةِ، وَلَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ فِيهِ بَلْ سَاقَهُ فِي الْجِهَادِ. قَوْلُهُ: (وَأَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ) يَعْنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (فِي الْجُبَّتَيْنِ) يَعْنِي بِالْمُوَحَّدَةِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ أَوِ النُّونِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَرِوَايَةُ أَبِي الزِّنَادِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الزَّكَاةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَنْظَلَةُ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ أَيْضًا فِي الزَّكَاةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ حيانَ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ وَهُوَ خَطَأٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الزَّكَاةِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِزِيَادَةٍ فَقَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ لِلَّيْثِ فِيهِ إِسْنَادًا آخَرَ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. ١٠ - بَاب مَنْ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ ٥٧٩٨ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الضُّحَى، قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ، فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ بدنه، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ) تَرْجَمَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَفِي الْجِهَادِ الْجُبَّةُ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لُبْسَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُبَّةَ الضَّيِّقَةَ إِنَّمَا كَانَ لِحَالِ السَّفَرِ لِاحْتِيَاجِ الْمُسَافِرِ إِلَى ذَلِكَ وَأَنَّ السَّفَرَ يُغْتَفَرُ فِيهِ لُبْسُ غَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي الْحَضَرِ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَحَادِيثُ عَمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّ كُمَّيْهِ ضَاقَا عَنْ إِخْرَاجِ يَدَيْهِ مِنْهُمَا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ. وَأَوْرَدَ فيه حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، وقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَفِيهِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهِ: وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَذْكُورُ فِي سَنَدِهِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ بَدَنِهِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ جُبَّتِهِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، وَالْبَدَنُ دِرْعٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ. ١١ - بَاب لُبْسِ جُبَّةِ الصُّوفِ فِي الْغَزْوِ ٥٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ:

стр. 6030

كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الْإِدَاوَةَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. قَوْلُهُ: (بَابُ لُبْسِ جُبَّةِ الصُّوفِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وَسَاقَهُ عَنْهُ أَتَمَّ. وزَكَرِيَّا الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَرِهَ مَالِكٌ لُبْسَ الصُّوفِ لِمَنْ يَجِدُ غَيْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ بِالزُّهْدِ لِأَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ أَوْلَى، قَالَ وَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّوَاضُعُ فِي لُبْسِهِ بَلْ فِي الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ مَا هُوَ بِدُونِ ثَمَنِهِ. ١٢ - بَاب الْقَبَاءِ وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ وَهُوَ الْقَبَاءُ، وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي لَهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ ٥٨٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا. فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيِّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي. فقَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. ٥٨٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعاً شَدِيداً كَالْكَارِهِ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ". قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَبَاءِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْقَبْوِ وَهُوَ الضَّمُّ. قَوْلُهُ: (وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْقَبَاءُ) قُلْتُ وَوَقَعَ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي لَهُ شِقٌّ مِنْ خَلْفِهِ) أَيْ فَهُوَ قَبَاءٌ مَخْصُوصٌ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ نَظَرًا لِاشْتِقَاقِهِ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ قَمِيصُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْقَبَاءُ وَالْفَرُّوجُ كِلَاهُمَا ثَوْبٌ ضَيِّقُ الْكُمَّيْنِ وَالْوَسَطِ مَشْقُوقٌ مِنْ خَلْفٍ يُلْبَسُ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْحَرَكَةِ. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمٍ، عَنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي بَابِ الْمَزْرُورِ بِالذَّهَبِ مُعَلَّقًا. قَوْلُهُ: (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) هَكَذَا أَسْنَدَهُ اللَّيْثُ، وَتَابَعَهُ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَلَى وَصْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ، وَأَرْسَلَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْسِ، وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ قِسْمَةِ الْإِمَامِ مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْخَمْسِ. قَوْلُهُ: (قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبِيَةً) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ وَفِي

стр. 6031

رِوَايَةِ حَمَّادٍ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مَزْرُورَةٍ بِالذَّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا) أَيْ فِي حَالِ تِلْكَ الْقِسْمَةِ. وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ وَمَخْرَمَةُ هُوَ وَالِدُ الْمِسْوَرِ، وَهُوَ ابْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، كَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَمِنَ الْعَارِفِينَ بِالنَّسَبِ وَأَنْصَابِ الْحَرَمِ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى الْفَت حِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَأُعْطِيَ مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (انْطَلَقَ بِنَا) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا. قَوْلُهُ: (ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ مَخْرَمَةَ صَادَفَ دُخُولَ الْمِسْوَرِ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا) ظَاهِرُهُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَشَرَهُ عَلَى أَكْتَافِهِ لِيَرَاهُ مَخْرَمَةُ كُلَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ لُبْسَهُ. قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ عَلَى أَكْتَافِهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مَنْشُورًا عَلَى يَدَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِإِزَارِهِ. قَوْلُهُ: (خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ تَكْرَارُ ذَلِكَ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ يَا أَبَا الْمِسْوَرِ هَكَذَا دَعَاهُ أَبَا الْمِسْوَرِ وَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ لَهُ بِذِكْرِ وَلَدِهِ الَّذِي جَاءَ صُحْبَتَهُ، وَإِلَّا فَكُنْيَتُهُ فِي الْأَصْلِ أَبُو صَفْوَانَ وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ مَخْرَمَةُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هَاشِمٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَجَزَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ رَجَّحْتُ فِي الْهِبَةِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مَخْرَمَةَ، زَادَ حَمَّادٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِئْلَافُ أَهْلِ اللَّسَنِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ بِالْعَطِيَّةِ وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ، وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَفَ صَوْتَ مَخْرَمَةَ فَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْقَبَاءُ الَّذِي خَبَّأَهُ لَهُ، وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْهُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخُطُوطَ تَشْتَبِهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَشْتَبِهُ الْأَصْوَاتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِسْوَرَ لَا صُحْبَةَ لَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ اللَّيْثِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَرُّوجٌ حَرِيرٌ. الْحَدِيثُ الثَّانِي، قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجٍ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، وَهَاشِمٍ هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) هُوَ الْجُهَنِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ. قَوْلُهُ: (فَرُّوجُ حَرِيرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَرُّوجٌ مِنْ حَرِيرٍ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى فِيهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ أَحْمَدَ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالِانْصِرَافِ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ. قَوْلُهُ: (فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَجَّاجٍ، وَهَاشِمٍ عَنِيفًا أَيْ بِقُوَّةٍ وَمُبَادَرَةٍ لِذَلِكَ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ فِي الرِّفْقِ وَالتَّأَنِّي، وَهُوَ مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَقَعَ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: (كَالْكَارِهِ لَهُ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ لَبِسْتُهُ وَصَلَّيْتُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ لِلُّبْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يكُونَ لِلْحَرِيرِ فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَ اللُّبْسِ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ كَالِافْتِرَاشِ. قَوْلُهُ: (لِلْمُتَقَيِّنِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ حَرِيرًا صِرْفًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ لِبَاسِ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ ابْنِ

стр. 6032

عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. وَهَذَا التَّرَدُّدُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِالْمُتَّقِينَ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقَ الْمُؤْمِنِ حُمِلَ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: اسْمُ التَّقْوَى يَعُمُّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى دَرَجَاتٍ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الْآيَةَ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَدِ اتَّقَى، أَيْ وَقَى نَفْسَهُ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَهَذَا مَقَامُ الْعُمُومِ، وَأَمَّا مَقَامُ الْخُصُوصِ فَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ كَمَا قَالَ ﷺ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ انْتَهَى. وَقَدْ رَجَّحَ عِيَاضٌ أَنَّ الْمَنْعَ فِيهِ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ مُبْتَدَأَ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الْمُرَادُ بِالْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنُونَ، لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ - تَعَالَى - وَاتَّقَوْهُ بِإِيمَانِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ لَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَعَلَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى الْأَخْذِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ غَيْرَ مُتَّقٍ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْمُسْتَخِفُّ فَيَأْنَفُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ لِئَلَّا يُوصَفَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّقٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ عَلَى الرَّاجِحِ، وَدُخُولُهُنَّ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ مَجَازٌ يَمْنَعُ مِنْهُ وُرُودُ الْأَدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ عَلَى إِبَاحَتِهِ لَهُنَّ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ بَعْدَ قَرِيبٍ مِنْ عِشْرِينَ بَابًا، وَعَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ لُبْسُهُ لِأَنَّهُمْ لَا يُوصَفُونَ بِالتَّقْوَى. وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ إِلْبَاسِهِمْ ذَلِكَ فِي نَحْو الْعِيدِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَكْسُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ يُمْنَعُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ وَالْمُفَرَّجَةُ لِمَنِ اعْتَادَهَا أَوِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ قَرِيبًا فِي بَابِ لُبْسِ الْجُبَّةِ الضَّيِّقَةِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ (فَرُّوجُ حَرِيرٍ). أَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ ﵀ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ غَيْرِهِ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهَاشِمٍ وَهُوَ أَبُو النَّضْرِ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَالْحَارِثُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ كُلِّهِمْ عَنِ اللَّيْثِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا التَّنْوِينُ وَالْإِضَافَةُ كَمَا يُقَالُ ثَوْبُ خَزٍّ بِالْإِضَافَةِ وَثَوْبٌ خَزٌّ بِتَنْوِينِ ثَوْبٍ قَالَهُ ابْنُ التِّينِ احْتِمَالًا. ثَانِيهَا: ضَمُّ أَوَّلِهِ وَفَتْحُهُ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ رِوَايَةً، قَالَ: وَالْفَتْحُ أَوْجَهُ لِأَنَّ فَعُّولًا لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي سُبُّوحٍ وَقُدُّوسٍ وَفَرُّوخٍ يَعْنِي الْفَرْخَ مِنَ الدَّجَاجِ انْتَهَى، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ حِكَايَةَ جَوَازِ الضَّمِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ حُكِيَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ وَالضَّمُّ هُوَ الْمَعْرُوفُ. ثَالِثُهَا: تَشْدِيدُ الرَّاءِ وَتَخْفِيفُهَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ. رَابِعُهَا: هَلْ هُوَ بِجِيمٍ آخِرَهُ أَوْ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ حَكَاهُ عِيَاضٌ أَيْضًا. خَامِسُهَا: حَكَاهُ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ: الْأَوَّلُ فَرُّوجٌ مِنْ حَرِيرٍ بِزِيَادَةِ مِنْ وَالثَّانِي بِحَذْفِهَا. قُلْتُ: وَزِيَادَةُ مِنْ لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ. ١٣ - بَاب الْبَرَانِسِ ٥٨٠٢ - وَقَالَ لِي مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ: قال: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسٍ بُرْنُسًا أَصْفَرَ مِنْ خَزٍّ ٥٨٠٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا

стр. 6033

الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَرَانِسِ) جَمْعُ بُرْنُسٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَكَذَا شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) يَعْنِي ابْنَ سليمان التَّيْمِيِّ، وَقَوْلُهُ: مِنْ خَزٍّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ هُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ وَأَصْلُهُ مِنْ وَبَرِ الْأَرْنَبِ، وَيُقَالُ لِذَكَرِ الْأَرْنَبِ خُزَزٌ بِوَزْنِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ وَحُكْمُهُ فِي بَابِ لُبْسِ الْقَسِّيِّ بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَابًا. وَهَذَا الْأَثَرُ مَوْصُولٌ لِتَصْرِيحِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: قَالَ لِي لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ لَفْظٌ لِي فَهُوَ تَعْلِيقٌ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى أَنَسٍ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ لُبْسَ الْبُرْنُسِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ لِبَاسِ الرُّهْبَانِ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ: فَإِنَّهُ مِنْ لَبُوسِ النَّصَارَى. قَالَ: كَانَ يُلْبَسُ هَاهُنَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: مَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَّا لَهُ بُرْنُسٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِرْصَافَةَ قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُرْنُسًا فَقَالَ: الْبَسْهُ وَفِي سَنَدِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. وَلَعَلَّ مَنْ كَرِهَهُ أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ إِيَّاكُمْ وَلَبُوسَ الرُّهْبَانِ، فَإِنَّهُ مَنْ تَزَيَّا بِهِمْ أَوْ تَشَبَّهَ فَلَيْسَ مِنِّي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. ١٤ - بَاب السَّرَاوِيلِ ٥٨٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ عن زَيْدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ. ٥٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ قَالَ: لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْعَمَائِمَ وَالْبَرَانِسَ وَالْخِفَافَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ السَّرَاوِيلِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَا وَشَرَحَهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَ الدُّعَاءِ لِلْمُتَسَرْوِلَاتِ للْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ اشْتَرَى رِجْلٌ سَرَاوِيلَ مِنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ قَبْلَ مُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَى مِنِّي سَرَاوِيلَ فَأَرْجَحَ لِي وَمَا كَانَ لِيَشْتَرِيَهُ عَبَثًا وَإِنْ كَانَ غَالِبُ لُبْسِهِ الْإِزَارَ، وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ دَخَلْتُ يَوْمًا السُّوقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ إِلَى الْبَزَّازِ فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 6034

وَإِنَّكَ لَتَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ؟ قَالَ: أَجَلْ، فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِنِّي أُمِرْتُ بِالتَّسَتُّرِ وَفِيهِ يُونُسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهُدَى: اشْتَرَى ﷺ السَّرَاوِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَاهُ لِيَلْبَسَهُ ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَهُ فِي زَمَانِهِ وَبِإِذْنِهِ. قُلْتُ: وَتُؤْخَذُ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِمَّا ذَكَرْتُهُ. وَوَقَعَ فِي الْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الثَّمَنَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَالَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ أَوْلَى. ١٥ - بَاب الْعَمَائِمِ ٥٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمَا فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَمَائِمِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجِّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِهِ فِي الْعِمَامَةِ شَيْءٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي آخِرِ بَابِ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي الْمُلَيْحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ اعْتَمُّوا تَزْدَادُوا حِلْمًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ ; وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَلَمْ يُصِبْ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَعَنْ رُكَانَةَ رَفَعَهُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٦ - بَاب التَّقَنُّعِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ. قَالَ أَنَسٌ: وعَصَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ ٥٨٠٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ رجال مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَتَرْجُوهُ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِصُحْبَتِهِ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَما نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًا لَكَ بأَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، قَالَ: فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَخُذْ بِأَبِي

стр. 6035

أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِالثَّمَنِ، قَالَتْ فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ ووَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَأَتْ بِهِ الْجِرَابَ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقين ثُمَّ لَحِقَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكُثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ قَوْلُهُ: (بَابُ التَّقَنُّعِ) بِقَافٍ وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَأَكْثَرِ الْوَجْهِ بِرِدَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُسْنَدٍ عِنْدَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ فِي بَابِ اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ الْحَدِيثَ، وَالدَّسْمَاءُ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمَدِّ ضِدُّ النَّظِيفَةِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْنَهَا فِي الْأَصْلِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِصَابَةٌ سَوْدَاءُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: عَصَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ) هُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ بِطُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَتَمَّ مِنْهُ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ. هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا وَقَوْلُهُ فِيهِ: فِدًا لَكَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِدًا لُهْ وَقَوْلُهُ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَأَمْرٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِالتَّنْوِينِ مَرْفُوعًا وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ إِنِ السَّاكِنَةَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِأَمْرٍ وَإِنْ عَلَى هَذَا نَافِيَةٌ. وَقَوْلُهُ: أَحَثَّ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ثَقِيلَةٍ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَحَبَّ بِمُوَحَّدَةٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا. وَقَوْلُهُ: وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهُ أَيْ يُرِيحُ الَّذِي يَرْعَاهُ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَيُرِيحُهَا وَقَوْلُهُ: فِي رِسْلِهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي رِسْلِهَا وَكَذَا الْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا عِنْدَهُ بِهَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: مَا ذكرَه مِنَ الْعِصَابَةِ لَا يَدْخُلُ فِي التَّقَنُّعِ، فَالتَّقَنُّعُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالْعِصَابَةُ شَدُّ الْخِرْقَةِ عَلَى مَا أَحَاطَ بِالْعِمَامَةِ. قُلْتُ: الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَضْعُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الرَّأْسِ فَوْقَ الْعِمَامَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَازَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الْهَدْي مَنِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ التَّقَنُّعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ بِأَنَّ التَّقَنُّعَ غَيْرُ التَّطَيْلُسِ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَلْبَسِ الطَّيْلَسَانَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ التَّقَنُّعِ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَقَنَّعْ إِلَّا لِحَاجَةٍ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ ﷺ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مُعَلَّقًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عمرو، وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فِي قِصَّةِ الدَّجَّالِ يَتْبَعُهُ الْيَهُودُ وَعَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ فَقَالَ: كَأَنَّهُمْ يَهُودُ خَيْبَرَ وَعُورِضَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ وُصِفَ لِرَسُولِ

стр. 6036

اللَّهِ ﷺ الطَّيْلَسَانُ فَقَالَ: هَذَا ثَوْبٌ لَا يُؤَدَّى شُكْرُهُ أَخْرَجَهُ (١). . . وَإِنَّمَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ الْيَهُودِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ الطَّيَالِسَةُ مِنْ شِعَارِهِمْ، وَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ فَصَارَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْمُبَاحِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمْثِلَةِ الْبِدْعَةِ الْمُبَاحَةِ، وَقَدْ يَصِيرُ مِنْ شَعَائِرِ قَوْمٍ فَيَصِيرُ تَرْكُهُ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْمُرُوءَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ. . . لِقَوْمٍ وَتَرَكَهُ بِالْعَكْسِ، وَمَثَّلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ذَلِكَ بِالسُّوقِيِّ وَالْفَقِيهِ فِي الطَّيْلَسَانِ. ١٧ - بَاب الْمِغْفَرِ ٥٨٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْمِغْفَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ بَعْدَهَا رَاءٌ. تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَالْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي فِي الْبَابِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي مُسْتَوْفًى، وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَعَسِّفِينَ أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ قَالَ: وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ دَعْوَى التَّفَرُّدِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ تَصْنِيفَ النَّسَائِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِأَنَّهُ دَخَلَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ وَكَانَتِ الْعِمَامَةُ السَّوْدَاءُ فَوْقَ الْمِغْفَرِ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ أَنَّ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مَالِكٍ، وَبَيَّنْتُ مَخَارِجَهَا وَعِلَلَهَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. ١٨ - بَاب الْبُرُودِ وَالْحِبَرَ وَالشَّمْلَةِ وَقَالَ خَبَّابٌ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ ٥٨٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. ٥٨١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: هَلْ تَدْرون مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لَإِزَارُهُ، فَجَسَّهَا رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أكْسنِيهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي

стр. 6037

الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. ٥٨١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هِيَ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ، فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ قَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَقَكَ عُكَاشَةُ. [الحديث ٥٨١١ - طرفه في: ٦٥٤٢] ٥٨١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَيُّ الثِّيَابِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا؟ قَالَ: الْحِبَرَةُ". [الحديث ٥٨١٢ - طرفه في: ٥٨١٣] ٥٨١٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ. ٥٨١٤ - حَدَّثَني أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْبُرُودِ) جَمْعُ بُرْدَةٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ فِيهِ صُوَرٌ تَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ. قَوْلُهُ: (وَالْحِبَرُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ جَمْعُ حَبَرَةٍ، يَأْتِي شَرْحُهَا فِي خَامِسِ أَحَادِيثِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَالشَّمْلَةُ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَا يُشْتَمَلُ بِهِ مِنَ الْأَكْسِيَةِ أَيْ يُلْتَحَفُ، وَذَكَرَ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَبَّابٌ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَتَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بُرْدَةً لَهُ وَهَذَا طَرَفُ من حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ فِي بَابِ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ. الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ. الثَّالِثُ: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ مَنِ اسْتَعَدَّ لِلْكَفَنِ. الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِيهِ: يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ وَالنَّمِرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ هِيَ الشَّمْلَةُ الَّتِي فِيهَا خُطُوطٌ مُلَوَّنَةٌ كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ جِلْدِ النَّمِرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّلَوُّنِ. الْخَامِسُ: حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ

стр. 6038

أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ أَنَسًا قَالَهُ جَوَابَ سُؤَالِ قَتَادَةَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَتَضَمَّنَ السَّلَامَةَ مِنْ تَدْلِيسِ قَتَادَةَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحِبَرَةُ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ بُرْدٌ يَمَانٍ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: مُوَشِّيَةٌ مُخَطَّطَةٌ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَوْنُهَا أَخْضَرُ لِأَنَّهَا لِبَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. كَذَا قَالَ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هِيَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ تُصْنَعُ مِنْ قُطْنٍ وَكَانَتْ أَشْرَفَ الثِّيَابِ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سُمِّيَتْ حِبَرَةً لِأَنَّهَا تُحَبِّرُ أَيْ تُزَيِّنُ، وَالتَّحْبِيرُ التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ. قَوْلُهُ: (سُجِّيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ الثَّقِيلَةِ أَيْ غُطِّيَ وَزْنًا وَمَعْنًى، يُقَالُ سَجَّيْتُ الْمَيِّتَ إِذَا مَدَدْتُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ رَمَزَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ حُلَلِ الْحِبَرَةِ لِأَنَّهَا تُصْبَغُ بِالْبَوْلِ، فَقَالَ لَهُ أُبَيٌّ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، فَقَدْ لَبِسَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَبَسْنَاهُنَّ فِي عَهْدِهِ وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ. ١٩ - باب الْأَكْسِيَةِ وَالْخَمَائِصِ ٥٨١٥، ٥٨١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَكْسِيَةِ وَالْخَمَائِصِ) جَمْعُ خَمِيصَةٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَسْوَدَ أَوْ خَزٍّ مُرَبَّعَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، وَلَا يُسَمَّى الْكِسَاءُ خَمِيصَةً إِلَّا إِنْ كَانَ لَهَا عَلَمٌ. ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا لَمَّا نُزِلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْمُرَادُ نُزُولُ الْمَوْتِ، وَقَوْلُهُ: طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ يَجْعَلُهَا عَلَى وَجْهِهِ مِنَ الْحُمَّى فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. (تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ وَهَمٌ وَهِيَ زِيَادَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا. ٥٨١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ لَهُ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي، وَائتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. ٥٨١٨ - حَدَّثَني مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَيْنِ. الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَوَائِلِ الْخَمْسِ،

стр. 6039

وَذَكَرَ لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى تَعْلِيقًا زَادَ فِيهَا وَصْفَ الْإِزَارِ وَالْكِسَاءِ إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِالْيَمَنِ وَكِسَاءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْمُلَبَّدَةَ، وَالْمُلَبَّدَةُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّلْبِيدِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يُقَالُ لِلرُّقْعَةِ الَّتِي يُرَقَّعُ بِهَا الْقَمِيصُ لُبْدَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ الَّتِي ضُرِبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ حَتَّى تَتَرَاكَبَ وَتَجْتَمِعَ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ الثَّوْبُ الضَّيِّقُ وَلَمْ يُوَافِقْ. الرَّابِعُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ وَفِي آخره وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ انْتَهَى آخِرُ الْحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ وَبَقِيَّةُ نَسَبِهِ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. ٢٠ - بَاب اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ٥٨١٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشمس، وَأَنْ يَحْتَبِيَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ. ٥٨٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إِلَّا بِذَاكَ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الْآخَرُ ثَوْبَهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ، وَاللِّبْسَتَانِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَالصَّمَّاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللِّبْسَةُ الْأُخْرَى: احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ وَشَرْحُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاشْتِمَالِ وَالِاحْتِبَاءِ فِي بَابِ مَا يُسْتَرُ مِنَ الْعَوْرَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ فِي اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ أَنْ يَرْمِيَ بِطَرَفَيِ الثَّوْبِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَصِيرُ جَانِبُهُ الْأَيْسَرُ مَكْشُوفًا لَيْسَ عَلَيْهِ مِنَ الْغِطَاءِ شَيْءٌ فَتَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ آخَرُ، فَإِذَا خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ الَّذِي اشْتَمَلَ بِهِ لَمْ يَكُنْ صَمَّاءَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ أَيْضًا عَلَى اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي شَيْخِهِ فِيهِ وَعَلَى اللَّيْثِ أَيْضًا، وَأَمَّا شَرْحُ الْبَيْعَتَيْنِ فَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْبُيُوعِ، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ فَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ابْنَ عَطَاءٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَطَاءٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ أَيْضًا وَهُوَ الثَّقَفِيُّ بِلَا رَيْبٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ نَظِيرُ هَذَا، وَجَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ الثَّقَفِيُّ. وَقَوْلُهُ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ

стр. 6040

عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ أَيْ يَظْهَرُ. ٢١ - بَاب الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ٥٨٢١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَعَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. ٥٨٢٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا أَيْضًا فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ الثاني حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَنْسُوبٍ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ، وَشَيْخُهُ مَخْلَدٍ بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. ٢٢ - بَاب الْخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ ٥٨٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ فُلَانٍ - هُوَ عَمْرُو - بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ، قالت: أُتِيَ النَّبِيُّ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، قَالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ، فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ، فَأَلْبَسَهَا وَقَالَ: أَبْلِي وَأَخْلِقِي، وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ، فَقَالَ يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَاهْ، وَسَنَاهْ بِالْحَبَشِيَّةِ. ٥٨٢٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ انْظُرْ هَذَا الْغُلَامَ فَلَا يُصِيبَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ، فَغَدَوْتُ بِهِ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُرَيْثِيَّةٌ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْخَمِيصَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْخَمَائِصُ ثِيَابُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعَلَّمَةٍ وَهِيَ سُودٌ كَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ، وَقِيلَ: هِيَ كِسَاءٌ رَقِيقٌ مِنْ أَيِّ لَوْنٍ كَانَ، وَقِيلَ: لَا تُسَمَّى خَمِيصَةً حَتَّى تَكُونَ سَوْدَاءَ مُعَلَّمَةً. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ ابْنِ فُلَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) كَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ فَأُبْهِمَ وَالِدُ سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ وَهُوَ أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ فِي بَابِ مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا

стр. 6041

جَدِيدًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ إِسْحَاقَ وَفِيهِ سِيَاقُ نَسَبِ إِسْحَاقَ إِلَى الْعَاصِ مِثْلُ هَذَا، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ مِنْ أَبِيهِ وَبِتَحْدِيثِ أُمِّ خَالِدٍ أَيْضًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبِي الْوَلِيدِ جَمِيعًا عَنْ إِسْحَاقَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ خَالِدِ بِنْتِ خَالِدٍ) هِيَ أَمَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ مُخَفَّفًا كُنِّيَتْ بِوَلَدِهَا خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ تَزَوَّجَهَا فَكَانَ لَهَا مِنْهُ خَالِدٌ، وَعَمْرٌو ابْنَا الزُّبَيْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَقَدِمَتْ مَعَ أَبِيهَا بَعْدَ خَيْبَرَ وَهِيَ تَعْقِلُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَدَنِيِّ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ مِمَّنْ أَقْرَأَ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ النَّجَاشِيِّ السَّلَامَ وَأَبُوهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ أَسْلَمَ قَدِيمًا ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ أَوْ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ وَاسْتُشْهِدَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ اسْمِ الْجِهَةِ الَّتِي حَضَرَتْ مِنْهَا الثِّيَابُ الْمَذْكُورَةُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: مَنْ تَرَوْنَ أَنْ نَكْسُوَ هَذِهِ فَسَكَتَ الْقَوْمُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ أَسْمَائِهِمْ. قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ) كَذَا فِيهِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ فَأُتِيَ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى صِغَرِ سِنِّهَا إِذْ ذَاكَ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ مُمَيِّزَةً. وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الْمَاضِيَةِ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ قَدِمْتُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأَنَا جُوَيْرِيَةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حِينَ طَلَبَهَا أَتَتْهُ مَعَ أَبِيهَا. قَوْلُهُ: (فَأَلْبَسَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ فَأَلْبَسَنِيهَا عَلَى مِنْوَالِ مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ وَقَالَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ قَبْلَ قَالَ، وَقَوْلُهُ: أَبْلِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَمْرٌ بِالْإِبْلَاءِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَخْلِقِي بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَمْرٌ بِالْإِخْلَاقِ وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ ذَلِكَ وَتُرِيدُ الدُّعَاءَ بِطُولِ الْبَقَاءِ لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ، أَيْ أَنَّهَا تَطُولُ حَيَاتُهَا حَتَّى يَبْلَى الثَّوْبُ وَيَخْلَقَ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَبْلِ وَأَخْلِقْ مَعْنَاهُ: عِشْ وَخَرِّقْ ثِيَابَكَ وَارْقَعْهَا، وَأَخْلَقْتُ الثَّوْبَ أَخْرَجْتُ بَالِيَهُ وَلَفَّقْتُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَأَخْلِفِي بِالْفَاءِ وَهِيَ أَوْجَهُ مِنَ الَّتِي بِالْقَافِ لِأَنَّ الْأُولَى تَسْتَلْزِمُ التَّأْكِيدَ إِذِ الْإِبْلَاءُ وَالْإِخْلَاقُ بِمَعْنًى، لَكِنْ جَازَ الْعَطْفُ لِتَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا أَبْلَتْهُ أَخْلَفَتْ غَيْرَهُ، وَعَلَى مَا قَالَ الْخَلِيلُ لَا تَكُونُ الَّتِي بِالْقَافِ لِلتَّأْكِيدِ، لَكِنِ الَّتِي بِالْفَاءِ أَيْضًا أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللَّهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَحْمَرُ بَدَلَ أَخْضَرُ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سناه، وَسناه بِالْحَبَشِيَّةِ) كَذَا هُنَا أَيْ وَسناه لَفْظَةٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ; وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سنا وَيَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سنا، وَالسنا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ سنه سنه وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا وَشَرْحُهَا هُنَاكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَةِ وَيَقُولُ سناه سناه قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: يَعْنِي حَسَنٌ حَسَنٌ. وَتَقَدَّمَ - فِي الْجِهَادِ - أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ أُمِّ خَالِدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فِي الْجِهَادِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَبَقِيَّةُ شَرْحِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ، قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا الْإِسْنَادِ فِي آخِرِ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ مِنْ كِتَابِ الْعَقِيقَةِ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ

стр. 6042

أَنَسٍ فِي تَسْمِيَةِ الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ وَتَحْنِيكِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ إِسْحَاقَ أَتَمَّ مِنْهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُرَيْثِيَّةٌ) بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ وَمُثَلَّثَةٍ مُصَغَّر وَآخِرُها هَاءُ تَأْنِيثٍ قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا لِرُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى حُرَيْثٍ رَجُلٍ مِنْ قُضَاعَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي السَّكَنِ خَيْبَرِيَّةٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةً إِلَى خَيْبَرَ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ، قَالَ: وَاخْتَلَفَ رُوَاةُ مُسْلِمٍ فَقِيلَ كَالْأَوَّلِ ; وَلِبَعْضِهِمْ مِثْلَهُ لَكِنْ بِوَاوٍ بَدَلَ الرَّاءِ وَلَا مَعْنَى لَهَا، وَلِبَعْضِهِمْ جَوْنِيَّةٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا نُونٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْجَوْنِ أَوْ إِلَى لَوْنِهَا مِنَ السَّوَادِ أَوِ الْحُمْرَةِ أَوِ الْبَيَاضِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ لَوْنٍ مِنْ هَذِهِ جَوْنًا، وَلِبَعْضِهِمْ بِالتَّصْغِيرِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاقِي مِثْلَهُ وَلَا مَعْنَى لَهُ، وَلِبَعْضِهِمْ كَذَلِكَ لَكِنْ بِمُثَنَّاةٍ نِسْبَةً إِلَى الْحُوَيْتِ فَقِيلَ هِيَ قَبِيلَةٌ، وَقِيلَ: شُبِّهَتْ بِحَسَبِ الْخُطُوطِ الْمُمْتَدَّةِ الَّتِي فِي الْحُوتِ. قُلْتُ: وَالَّذِي يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْجَوْنِيَّةُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ فَإِنَّ الْأَشْهَرَ فِيهِ أَنَّهُ الْأَسْوَدُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُرُودُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ الْحُرَيْثِيَّةِ لِأَنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَكُونُ لَوْنُهَا أَسْوَدَ وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى صَانِعِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ سَوْدَاءَ فَلَبِسَهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَحْفُوظُ الْمَشْهُورُ جَوْنِيَّةٌ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ أَيْ سَوْدَاءُ، وَأَمَّا حُرَيْثِيَّةٌ فَلَا أَعْرِفُهَا وَطَالَمَا بَحَثْتُ عَنْهَا فَلَمْ أَقِفْ لَهَا عَلَى مَعْنًى، وَفِي رِوَايَةِ حَوْتَكِيَّةٌ وَلَعَلَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْقَصْرِ فَإِنَّ الْحَوْتَكِيَّ الرَّجُلُ الْقَصِيرُ الْخَطْوِ، أَوْ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى رَجُلٍ يُسَمَّى حَوْتَكًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ حَوْنَبِيَّةٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثَقِيلَةٌ ; وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَسَاقَ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ، وَنُقِلَ عَنْ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ شَارِحِ مُسْلِمٍ حَوْتِيَّةٌ نِسْبَةً إِلَى الْحُوتِ وَهِيَ قَبِيلَةٌ أَوْ مَوْضِعٌ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا تَصْحِيفٌ إِلَّا الْجَوْنِيَّةَ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ فَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بَنِي الْجَوْنِ قَبِيلَةٍ مِنَ الْأَزْدِ، أَوْ إِلَى لَوْنِهَا مِنَ السَّوَادِ، وَإِلَّا الْحُرَيْثِيَّةَ بِالرَّاءِ وَالْمُثَلَّثَةِ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ فِي الْحَاشِيَةِ مُقَابِلَ حُرَيْثِيَّةٍ: هَذَا تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ حَوْتَكِيَّةٌ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْ قَصِيرَةٌ وَهِيَ فِي مَعْنَى الشَّمْلَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ كَانَ يَخْرُجُ عَلَيْنَا فِي الصُّفَّةِ وَعَلَيْهِ حَوْتَكِيَّةٌ. ٢٣ - بَاب الثِيَابِ الْخُضْرِ ٥٨٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ الْقُرَظِيُّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَخْضَرُ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا، وَأَرَتْهَا خُضْرَةً بِجِلْدِهَا، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا - قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا يَلْقَى الْمُؤْمِنَاتُ، لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا، قَالَ: وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ هَذِهِ - وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهَا - فَقَالَ: كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ، وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ، تُرِيدُ رِفَاعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنْ

стр. 6043

كَانَ ذَلِكِ لَمْ تَحِلِّي لَهُ أَوْ تَصْلُحِي لَهُ حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ، قَالَ: وَأَبْصَرَ مَعَهُ ابْنَيْنِ لَهُ، فَقَالَ: بَنُوكَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ؟ فَوَاللَّهِ لَهُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الثِّيَابِ الْخُضْرِ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ ثِيَابُ الْخُضْرِ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدُ الْجَامِعِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الثِّيَابُ الْخُضْرُ مِنْ لِبَاسِ الْجَنَّةِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَرَفًا لَهَا. قُلْتُ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَنَّهُ رَأَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ الثَّقَفِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ عِكْرِمَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ بِسَنَدِهِ وَزَادَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْقُرَظِيُّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أخضر فَشَكَتْ إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى عَائِشَةَ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ وَتَجْرِيدٌ، وَفِي قَوْلِهِ: قَالَتْ عَائِشَةُ مَا يُبَيِّنُ وَهَمَ رِوَايَةِ سُوَيْدٍ وَأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ روَايةِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ: (وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا) جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ، وَهِيَ مِنْ كَلَامِ عِكْرِمَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ خِمَارِهَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي عَمْرِو بْنِ السَّمَّاكِ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ، عَنْ وُهَيْبٍ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: خُضْرَةُ جِلْدِهَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِهُزَالِهَا أَوْ مِنْ ضَرْبِ زَوْجِهَا لَهَا. قُلْتُ: وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ رَجَّحَ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (قَالَ وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ) فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ زَوْجُهَا. قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ ابْنَانِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ بِنُونٍ لَهُ. قَوْلُهُ: (لَمْ تَحِلِّي أَوْ لَمْ تَصْلُحِي لَهُ) كَذَا بِالشَّكِّ، وَهُوَ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَحِلِّينَ لَهُ وَلَا تَصْلُحِينَ وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَمْ تَحِلِّينَ ثُمَّ أَخَذَ فِي تَوْجِيهِهِ، وَعُرِفَ بِهَذَا الْجَوَابِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهَا مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهَا دَعْوَاهَا، أَمَّا أَوَّلًا فَعَلَى طَرِيقِ صَدَقَ زَوْجُهَا فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ يَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِدْقِهِ بِوَلَدَيْهِ اللَّذَيْنِ كَانَا مَعَهُ. قَوْلُهُ: (وَأَبْصَرَ مَعَهُ ابْنَيْنِ لَهُ فَقَالَ: بَنُوكَ هَؤُلَاءِ) فِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَقَالَ: بَنُونَ لَهُ. قَوْلُهُ: (تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ) فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا ادَّعَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُنَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ قِصَّةِ رِفَاعَةَ وَامْرَأَتِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ كِنَايَةً بَلِيغَةً فِي الْغَايَةِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنَ التَّصْرِيحِ، لِأَنَّ الَّذِي يَنْفُضُ الْأَدِيمَ يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةِ سَاعِدٍ وَمُلَازَمَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُحْتَمَلُ تَشْبِيهُهَا بِالْهُدْبَةِ انْكِسَارُهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ وَأَنَّ شِدَّتَهُ لَا تَشْتَدُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ نَحَافَتِهِ، أَوْ وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ، قَالَ: وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ نِكَاحُ الْبِكْرِ لِأَنَّهَا تَظُنُّ الرِّجَالَ سَوَاءً، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ. ٢٤ - بَاب الثِّيَابِ الْبِيضِ ٥٨٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا

стр. 6044

قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. ٥٨٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدّيلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ ﵁ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدْ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، غُفِرَ لَهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ الثِّيَابِ الْبِيضِ) كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِهِ فِيهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ، فَاكْتَفَى بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ عَلَيْكُمْ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ فَالْبَسُوهَا فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ: فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ حَدِيثُ سَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الرَّجُلَيْنِ وَأَنَّهُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إِسْرَافِيلُ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْهُ. قَوْلُهُ (عَنِ الْحُسَيْنِ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ الْبَصْرِيُّ. قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَشَيْخُهُ تَابِعِيٌّ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ أَيْضًا تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ كَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا. قَوْلُهُ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ فِي هَذَا الْقَدْرِ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَقِيَّتِهِ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الرِّقَاقِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَفَائِدَةُ وَصْفِهِ الثَّوْبَ، وَقَوْلُهُ أَتَيْتُهُ وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِحْضَارِهِ الْقِصَّةَ بِمَا فِيهَا لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى إِتْقَانِهِ لَهَا. وَقَوْلُهُ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ وَيَجُوزُ فِي الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ أَيْ ذُلَّ، كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالرِّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَقَوْلُهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ. قَوْلُهُ (هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ أَيْ مِنَ الْكُفْرِ (وَنَدِمَ) يُرِيدُ شَرْحَ قَوْلِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَحَّدَ رَبَّهُ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ تَائِبًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أُشِيرَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مَوْعُودٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً ; وَهَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَيُشْتَرَطُ رَدُّهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ كَالْأَوَّلِ وَيُثِيبُ اللَّهُ صَاحِبَ الْحَقِّ بِمَا شَاءَ، وَأَمَّا مَنْ تَلَبَّسَ بِالذُّنُوبِ الْمَذْكُورَةِ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَاضِي فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ فِيهِ وَمَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُعَاقَبْ بِهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ. وَهَذَا الْمُفَسِّرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُبْهَمِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرُدُّ عَلَى الْمُبْتَدَعَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ

стр. 6045

الَّذِينَ يَدَّعُونَ وُجُوبَ خُلُودِ مَنْ مَاتَ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي النَّارِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ التَّوْبَةُ مُشْتَرِطَةً لَمْ يَقُلْ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بَعْدَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٥ - بَاب لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ، وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ ٥٨٢٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قال: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَأَشَارَ بِأصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ. قَالَ فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَامَ. [الحديث ٥٨٢٨ - أطرافه في: ٥٨٢٩، ٥٨٣٠، ٥٨٣٤، ٥٨٣٥] ٥٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلاَّ هَكَذَا وَصَفَّ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِصْبَعَيْهِ وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ". ٥٨٣٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لَمْ يُلْبَسْ منه شيءٌ فِي الْآخِرَةِ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَانَ بِإِصْبَعَيْهِ: الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى". ٥٨٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: "كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَايِنِ فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلاَّ أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ". ٥٨٣٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ شُعْبَةُ فَقُلْتُ أَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ شَدِيداً عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ". ٥٨٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ يَقُولُ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ". ٥٨٣٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي ذِبْيَانَ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ قال النبي ﷺ : "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ" وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ يَزِيدَ قَالَتْ مُعَاذَةُ أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ عُمَرَ سَمِعَ

стр. 6046

النَّبِيَّ ﷺ … نَحْوَهُ". ٥٨٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْحَرِيرِ فَقَالَتْ ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَلْ ابْنَ عُمَرَ قَالَ فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ" فَقُلْتُ صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". قَوْلُهُ: (بَابُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ، وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ) أَيْ فِي بَعْضِ الثِّيَابِ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ وَمُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ زِيَادَةُ افْتِرَاشِهِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْأَوْلَى مَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لِلِافْتِرَاشِ مُسْتَقِلًّا كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَالْحَرِيرُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِهِ يُقَالُ لِكُلِّ خَالِصٍ مُحَرَّرٌ، وَحَرَّرْتُ الشَّيْءَ خَلَّصْتُهُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِالرِّجَالِ يُخْرِجُ النِّسَاءَ، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ فَقَالَ قَوْمٌ: يَحْرُمُ لُبْسُهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ حَتَّى عَلَى النِّسَاءِ، نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ لُبْسُهُ مُطْلَقًا وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسِهِ عَلَى مَنْ لَبِسَهُ خُيَلَاءَ أَوْ عَلَى التَّنْزِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّانِي سَاقِطٌ لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَى لُبْسِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ عِيَاضٍ: حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ الْعَامَّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: قَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآتِيَ فِي الْبَابِ، قَالَ: فَإِثْبَاتُ قَوْلٍ بِالْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ إِمَّا أَنْ يَنْقُضَ مَا نَقَلَهُ الْإِجْمَاعِ وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الْحُكْمَ الْعَامَّ قَبْلَ التَّحْرِيمِ عَلَى الرِّجَالِ كَانَ هُوَ الْكَرَاهَةَ ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّحْرِيمِ عَلَى الرِّجَالِ وَالْإِبَاحَةِ لِلنِّسَاءِ، وَمُقْتَضَاهُ نَسْخُ الْكَرَاهَةِ السَّابِقَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقِيَ عُمَرُ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَنَهَاهُ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ فَقَالَ: لَوْ أَطَعْتَنَا لَلَبِسْتَهُ مَعَنَا، وَهُوَ يَضْحَكُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَهِمَ مِنْ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ نَسْخَ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَرَ تَقْيِيدَ الْإِبَاحَةِ بِالْحَاجَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى رَأْيَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ، وَالثَّانِي: لِكَوْنِهِ ثَوْبَ رَفَاهِيَةٍ وزينة فَيَلِيقُ بِزِيِّ النِّسَاءِ دُونَ شَهَامَةِ الرِّجَالِ. وَيَحْتَمِلُ عِلَّةً ثَالِثَةً وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالْمُشْرِكِينَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مِنْ سِمَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَيَانِ مُعْتَبَرَيْنِ إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْأُمِّ: وَلَا أَكْرَهُ لِبَاسَ اللُّؤْلُؤِ إِلَّا لِلْأَدَبِ فَإِنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ. وَاسْتَشْكَلَ بِثُبُوتِ اللَّعْنِ لِلْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَنْعَ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِالنِّسَاءِ فِي جِنْسِهِ وَهَيْئَتِهِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عِلَّةً أُخْرَى وَهِيَ السَّرَفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ عُمَرَ ذَكَرَهُ مِنْ طُرُقٍ: الْأُولَى: قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ وَشَذَّ عُمَرُ بْنُ

стр. 6047

عَامِرٍ فَقَالَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِهِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ ضَابِطًا لَقُلْنَا سَمِعَهُ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ كِتَابِ عُمَرَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، لَكِنْ طُرُقُ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَرَ لَا عَنْ عُثْمَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ سَمِعَ الْكِتَابَ يُقْرَأُ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ لَهُ عَنْ عُمَرَ بِطَرِيقِ الْوِجَادَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَهُوَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُتْبَةَ، وَقَدْ نَبَّهَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا، وَفِي ذَلِكَ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنِ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ سُمِّيَ أَبُوهُ بِاسْمِ النَّجْمِ، وَاسْمُ جَدِّهِ يَرْبُوعُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ مَالِكٍ السُّلَمِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّ يَرْبُوعَ هُوَ فَرْقَدٌ وَإنَّهُ لَقَبٌ لَهُ، وَكَانَ عُتْبَةُ أَمِيرًا لِعُمَرَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ. قَوْلُهُ: (بِأَذْرَبِيجَانَ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَذَكَرَ الْمُعَافَى فِي تَارِيخِ الْمَوْصِلِ أَنَّ عُتْبَةَ هُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أُمِّ عَاصِمٍ امْرَأَةِ عُتْبَةَ أَنَّ عُتْبَةَ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَتَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُعَافَى إِنَّهُ شَهِدَ خَيْبَرَ وَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا فَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ حُنَيْنٌ، ورُوِّينَا فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ لِلطَبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ عَاصِمٍ امْرَأَةِ عُتْبَةَ عَنْ عُتْبَةَ قَالَ: أَخَذَنِي الشَّرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَمَرَنِي فَتَجَرَّدْتُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِي وَظَهْرِي فَعَبِقَ بِي الطِّيبُ مِنْ يَوْمئِذٍ قَالَتْ أُمُّ عَاصِمٍ: كُنَّا عِنْدَهُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فَكُنَّا نَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ وَمَا كَانَ هُوَ يَمَسُّهُ وَإِنَّهُ كَانَ لَأَطْيَبَنَا رِيحًا. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ أَمَّا بَعْدُ فَاتَّزِرُوا وَارْتَدُوا وَانْتَعِلُوا وَأَلْقُوا الْخِفَافَ وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَعَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ، وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ، وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاخْلَوْلَقُوا وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ وَانْزُوا نَزْوًا وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ) أَيْ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا هَكَذَا) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَهَكَذَا. قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ بِأصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ) الْمُشِيرُ بِذَلِكَ يَأْتِي فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. قَوْلُهُ: اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ يَعْنِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ. قَوْلُهُ: (فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَامَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عَلَمٍ بِالتَّحْرِيكِ أَيِ الَّذِي حَصَلَ فِي عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى الْأَعْلَامُ وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي الثِّيَابِ مِنْ تَطْرِيفٍ وَتَطْرِيزٍ وَنَحْوِهِمَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فَمَا بِفَتْحِ الْفَاءِ بَعْدَهَا حَرْفُ نَفْيٍ عَتَّمْنَا بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ اللَّامِ أَيْ مَا أَبْطَأْنَا فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لِمَا سَمِعْنَاهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدة: الْعَاتِمُ الْبَطِيءُ، يُقَالُ: عَتَّمَ الرَّجُلُ الْقِرَى إِذَا أَخَّرَهُ. الطَّرِيقُ الثَّانِيةُ. الطَّرِيقُ الثَّانِيةُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ لِجَدِّهِ وَهُوَ بِذَلِكَ أَشْهَرُ، وَشَيْخُهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ هَذَا، فَبَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِهِ. قَوْلُهُ: (كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَتَبَ إِلَيْهِ أَيْ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَوَابٌ فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْأَمِيرِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَاطِبُهُ وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كُلِّهِمْ بِالْحُكْمِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ) زَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ قَبْلَ هَذَا يَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ ; إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ وَلَا كَدِّ أَبِيكَ، فَأَشْبِعِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلُبْسَ الْحَرِيرِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى فَذَكَرَ

стр. 6048

الْحَدِيثَ، وَبَيَّنَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ سَبَبَ قَوْلِ عُمَرَ ذَلِكَ فَعِنْدَهُ فِي أَوَّلِهِ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ مَعَ غُلَامٍ لَهُ بِسِلَالٍ فِيهَا خَبِيصٌ عَلَيْهَا اللُّبُودُ فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: أَيَشْبَعُ الْمُسْلِمُونَ فِي رِحَالِهِمْ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا أُرِيدُهُ. وَكَتَبَ إِلَى عُتْبَةَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ وَضَمَّهُمَا. الطَّرِيقُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. قَوْلُهُ: (عَنِ التَّيْمِيِّ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ. قَوْلُهُ: (لَا يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يُلْبَسْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ يُلْبَسُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ: فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا من لَمْ يَلْبَسْ مِنْهُ شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرَّجُلُ الْمُكَلَّفُ، وَأَوْرَدَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِلَفْظِ إِلَّا مَنْ لَمْ يَلْبَسْهُ قَالَ وَفِي أُخْرَى إِلَّا مَنْ لَيْسَ يَلْبَسُ مِنْهُ اهـ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَانَ بِأصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَهُوَ لَا يُخَالِفُ مَا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشَارَ أَوَّلًا ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُ عُمَرُ فَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضُ رُوَاتِهِ صِفَةَ الْإِشَارَةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ) أَيِ ابْنُ شَقِيقٍ الْجَرْمِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَلْخِيُّ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ وَآخَرُونَ، وَشَذَّ ابْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ. قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ لِهَذَا الْعَبْدِيِّ عَلَى تَرْجَمَةٍ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ قَالَ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الثِّقَاتِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رَوَى عَنْ شُعْبَةَ، فَلَعَلَّهُ هَذَا. وَقَدْ جَزَمَ صَاحِبُ الْمُزْهِرِ أَنَّهُ يُكَنَّى أَبَا بَصِيرٍ وَأَنَّهُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُ حَدِيثَيْنِ وَأَنَّهُ أَخْرَجَ لِلْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةً وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَ فِي جَمِيعِ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إِلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ؛ أَحَدُهَا: فِي بَابِ الطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَهَذَا وَآخَرُ مِثْلُ هَذَا فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَالرَّابِعُ: فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فَسَاقَهُ كَمَا فِي سِيَاقِ الْحَجِّ سَوَاءً فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ. وَأَمَّا هَذَا وَالَّذِي فِي الِاسْتِئْذَانِ فَعَلَى الِاحْتِمَالِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ الْأَكْثَرُ. قَوْلُهُ: (مُعْتَمِرٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ. قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ أَبُو عُثْمَانَ بِأصْبَعَيْهِ الْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى) يُرِيدُ أَنَّ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ كِتَابِ عُمَرَ وَزَادَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي قَبْلَهَا الَّتِي خَلَتْ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الَّتِي أَوْرَدَهَا فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ زَادَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الَّذِي زَادَهُ مُعْتَمِرٌ تَفْسِيرَ الْأصْبَعَيْنِ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَقَالَ فِي سِيَاقِهِ كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يُحَدِّثُهُ بِأَشْيَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ وَفِيمَا كَتَبَهُ إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَلَا لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا، وَأَشَارَ بِأصْبَعَيْهِ فَعُرِفَ أَنَّ زِيَادَةَ مُعْتَمِرٍ تَسْمِيَةُ الْأصْبَعَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَقَالَ فِيهِ بِأصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ فَرَأَيْنَاهَا أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيْنَا الطَّيَالِسَةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَزْرَارُ جَمْعُ زِرٍّ بِتَقْدِيمِ الزَّايِ: مَا يُزَرَّرُ بِهِ الثَّوْبُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَطْرَافُ الطَّيَالِسَةِ، وَالطَّيَالِسَةُ جَمْعُ طَيْلَسَانِ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي لَهُ عَلَمٌ وَقَدْ يَكُونُ كِسَاءً، وَكَانَ لِلطَّيَالِسَةِ الَّتِي رَآهَا أَعْلَامٌ حَرِيرٌ فِي أَطْرَافِهَا. قُلْتُ: وَقَدْ أَغْفَلَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ فِي مَادَّةِ ط ل س ذِكْرَ الطَّيَالِسَةِ

стр. 6049

وَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ، لَكِنِ الْمَعْهُودُ الْآنَ لَيْسَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمُرَادُ بِأَزْرَارِ الطَّيَالِسَةِ أَطْرَافُهَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرِوَانِيَّةٍ فَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيَالِسَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُلْبَسُ فَيَشْمَلُ الْجَسَدَ، لَا الْمَعْهُودُ الْآنَ. وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي اسْتِثْنَاءٍ مَا يَجُوزُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا ذِكْرُ الْأصْبَعَيْنِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا وَهَكَذَا إِصْبَعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ الْخَفِيفَتَيْنِ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَأَوْ هُنَا لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّخْيِيرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ إِنَّ الْحَرِيرَ لَا يَصْلُحُ مِنْهُ إِلَّا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي إصْبُعَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَجَنَحَ الْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ كُمٍّ قَدْرُ إِصْبَعَيْنِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ سُوَيْدٍ لَمْ يُرَخَّصْ فِي الدِّيبَاجِ إِلَّا فِي مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ. الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (الْحَكَمُ) هُوَ ابْنُ عُتبَةَ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّر ; وَابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ غَلَطٌ لَكِنْ كَتَبَ فِي الْهَامِشِ: الصَّوَابُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. قَوْلُهُ: (كَانَ حُذَيْفَةُ) هُوَ ابْنُ الْيَمَانِ وَقَدْ مَضَى شَرْحُ حَدِيثِهِ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ. قَوْلُهُ: (الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ النِّسَاءِ لِلْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، لِأَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا فَيَكُونُ الْحَرِيرُ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ بِلَفْظِ لَكُمْ لِلْمُذَكَّرِ، وَدُخُولُ الْمُؤَنَّثِ فِيهِ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ ; وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عَدَمُ دُخُولِهِنَّ. وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ إِبَاحَةُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ قَرِيبًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُخْتَصَرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخِطَابُ فِي ذَلِكَ لِلذُّكُورِ، وَحُكْمُ النِّسَاءِ فِي الِافْتِرَاشِ سَيَأْتِي فِي بَابِ افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ: هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالْفُرُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هِيَ شِعَارُهُمْ وَزِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْإِذْنِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ شَرْعًا. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، قَوْلُهُ: (قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ أَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: شَدِيدًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ سَأَلْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صُهَيْبٍ عَنْ الْحَرِيرِ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا. فَقُلْتُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: شَدِيدًا وَهَذَا الْجَوَابُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا إِنَّمَا حَفِظَهُ حِفْظًا شَدِيدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارًا أَيْ جَزْمِي بِرَفْعِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقَعُ شَدِيدًا عَلَيَّ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ رَفَعَ صَوْتَهُ رَفْعًا شَدِيدًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَفْظَةُ شَدِيدًا صِفَةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ الْغَضَبُ أَيْ غَضِبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنْ سُؤَالِ شُعْبَةَ غَضَبًا شَدِيدًا، كَذَا قَالَ وَوَجْهُهُ غَيْرُ وَجِيهٍ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْجَهُ، وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُ الثَّانِي أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِيهِ: سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ هَذَا. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ) زَادَ النَّسَائِيُّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ ابْنِ زَيْدٍ بِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ بِلَفْظِ

стр. 6050

يَخْطُبُنَا. قَوْلُهُ: (قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ ) هَذَا مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ مُحْتَجٌّ بِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمَرَاسِيلِ، لِأَنَّهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا عَنْ تَابِعِيٍّ - لِوُجُودِ رِوَايَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ - نَادِرٌ، لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ هَذِهِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَاسِطَةِ عُمَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمُتَّفِقَةِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ لَنْ بَلِ الْحَدِيثُ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ لَمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ حَفِظَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا حَدِيثُهُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَمِنْهَا حَدِيثُهُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو هَكَذَا وَعَقَدَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَمِنْهَا حَدِيثُهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (لَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ ثَابِتٍ، وَهُوَ أَوْضَحُ فِي النَّفْيِ. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ، قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذِبْيَانَ) - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ - هُوَ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ بِظَاءٍ مُشَالَةٍ بَدَلَ الذَّالِ وَهُوَ خَطَأٌ، وَأَشَدُّ خَطَأٍ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ عَنْ أَبِي دِينَارٍ بِمُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَنُونٌ ثُمَّ رَاءٌ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بْنُ كَعْبٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ فَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ فِي إِسْنَادِهِ، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ. قَوْلُهُ: (مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَنْ يَلْبَسَهُ وَالْمَحْفُوظُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ فِي آخِرِهِ وَمَنْ لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ، وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، بَيَّنَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ فَذَكَرَ مِثْلَ سَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ وَفِي آخِرِهِ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَذَكَرَ الزِّيَادَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ رَأْيِهِ: وَمَنْ لَمْ يَلْبَسِ الْحَرِيرَ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ وَزَادَ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ إِذًا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ السَّرَّاجِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِثْلَ حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا فِي الْبَابِ وَزَادَ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا مُدْرَجًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِالْمُكَلَّفِينَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْأَدِلَّةِ الْأُخْرَى بِجَوَازِهِ لِلنِّسَاءِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى مَعْنَى الْوَعِيدِ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى لِرِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَنْهُ بِالتَّحْدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مُعَلَّى الرَّازِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ. قَوْلُهُ: (حَدِّثَنَّا عَبْدُ الْوَارِثِ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ هُوَ الضُّبَعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالرِّشْكِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَمُعَاذَةُ هِيَ الْعَدَوِيَّةُ، وَالْإِسْنَادُ مِنْ مُبْتَدَئِهِ إِلَى مُعَاذَةَ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عَمْرِو بِنْتِ

стр. 6051

عَبْدِ اللَّهِ) جَزَمَ أَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهَا بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ أَرَهَا مَنْسُوبَةً فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ عُمَرَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ سَمِعْتُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَوْلُهُ: (نَحْوُهُ) سَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ فَإِنَّهُ لَا يُكْسَاهُ فِي الْآخِرَةِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ فَلَا كَسَاهُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي عِمْرَانُ. . وَقَصَّ الْحَدِيثَ. طَرِيقٌ أُخْرَى لِحَدِيثِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هُوَ بُنْدَارٌ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ إِلَى عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ بَصْرِيُّونَ، وَعِمْرَانُ هُوَ السَّدُوسِيُّ كَانَ أَحَدَ الْخَوَارِجِ مِنَ الْعَقَدِيَّةِ بَلْ هُوَ رَئِيسُهُمْ وَشَاعِرُهُمْ، وَهُوَ الَّذِي مَدَحَ ابْنَ مُلْجِمٍ قَاتِلَ عَلِيٍّ بِالْأَبْيَاتِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَبُوهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُبْتَدِعِ إِذَا كَانَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ مُتَدَيِّنًا ; وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عِمْرَانَ تَابَ مِنْ بِدْعَتِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقِيلَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ حَمَلَهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِعَ، فَإِنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَقَارِبِهِ تَعْتَقِدُ رَأْيَ الْخَوَارِجِ لِيَنْقُلَهَا عَنْ مُعْتَقَدِهَا فَنَقَلَتْهُ هِيَ إِلَى مُعْتَقَدِهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ مُتَابَعَةٌ، وَآخَرُ فِي بَابِ نَقْضِ الصُّوَرِ. قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْحَرِيرِ فَقَالَتِ: ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ، قَالَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَلِ ابْنَ عُمَرَ) كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ الَّتِي تُذْكَرُ عَقِبَ هَذِهِ بِالْعَكْسِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: سَلْ عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: سَلِ ابْنَ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ) هُوَ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) هُوَ الْغُدَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي هَذَا بِتَحْدِيثِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) هُوَ ابْنُ شَدَّادٍ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ ابْنُ مَيْمُونٍ، وَنَسَبَهُ لِصَاحِبِ الْكَاشِفِ وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الْكَاشِفِ لَمْ يَرْقُمْ لِحَرْبِ بْنِ مَيْمُونٍ عَلَامَةَ الْبُخَارِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ رَوَى عَنْ حَرْبِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ رَوَى عَنْهُ أَنْ لَا يَرْوِي عَنْ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ، بَلْ رِوَايَتُهُ عَنْ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ مَوْجُودَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحَ يَحْيَى بِتَحْدِيثِ عِمْرَانَ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (وَقَصَّ الْحَدِيثَ) سَاقَهُ النَّسَائِيُّ مَوْصُولًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ بِلَفْظِ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ خَطَأٌ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَسُقِ اللَّفْظَ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانٌ وَاضِحٌ لِمَنْ قَالَ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَعْنَاهُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فِي شَرْحِ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ اللُّبْسِ وَنَفْيُ الشُّرْبِ فِي الْآخِرَةِ وَفِي الْجَنَّةِ. وَحَاصِلُ أَعْدَلِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ مُقْتَضٍ لِلْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ لِمَانِعٍ كَالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتُ الَّتِي تُوَازِنُ وَالْمَصَائِبُ الَّتِي تُكَفِّرُ، وَكَدُعَاءِ الْوَلَدِ بِشَرَائِطَ، وَكَذَا شَفَاعَةُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ، وَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَفْوُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ. وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ لُبْسَ الْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ، وَخَصَّهُ بِالْقَدْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ مُطْلَقًا وَلَوْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مَنَعُوهُ وَرَعًا وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ، وَكَذَا مَذْهَبُ مَنْ أَجَازَ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُطَرَّزِ بِالْحَرِيرِ، وَهُوَ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ طِرَازُ حَرِيرٍ مُرَكَّبٍ،

стр. 6052

وَكَذَلِكَ الْمُطَرَّفُ وَهُوَ مَا سُجِفَتْ أَطْرَافُهُ بِسَجَفٍ مِنْ حَرِيرٍ بِالتَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّطْرِيزُ فِي نَفْسِ الثَّوْبِ بَعْدَ النَّسْجِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي يُخَالِطُهُ مِنَ الْحَرِيرِ مِقْدَارُ الْعَلَمِ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مَجْمُوعًا أَوْ مُفَرَّقًا وَهُوَ قَوِيٌّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَسِّيِّ بَعْدَ بَابَيْنِ. ٢٦ - بَاب مَسِّ الْحَرِيرِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٥٨٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَوْبُ حَرِيرٍ فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ. فَقال النبي ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا قُلْنَا نَعَمْ قَالَ مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا". قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَسَّ الْحَرِيرَ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ، وَيُرْوَى فِيهِ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ بُرْدًا سِيَرَاءَ كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الْبُخَارِيِّ، وَالرُّؤْيَةُ لَا يُقَالُ لَهَا مَسٌّ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُرَادَهُ لَجَزَمَ بِهِ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي بَابِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَبَرَانِيِّ وَفِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةٌ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَجَعَلَ نَاسٌ يَلْمِسُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تُعْجِبُكُمْ هَذِهِ؟ فَوَاللَّهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ. وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا قُلْتُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا أَخْرَجَ فِي الْمَنَاقِبِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَوْصُولًا قَالَ بَعْدَهُ: رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ وَلَمَّا صَدَّرَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ - الْمُعَلَّقِ هُنَا - عَقَّبَهُ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمَوْصُولِ بِعَيْنِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فَجَعَلْنَا نَلْمُسُهُ جَزَمَ فِي الْمُحْكَمِ بِأَنَّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْمُضَارِعِ، وَقَوْلُهُ: مَنَادِيلُ سَعْدٍ. قِيلَ: خَصَّ الْمَنَادِيلَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا تُمْتَهَنُ فَيَكُونُ مَا فَوْقَهَا أَعْلَى مِنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ نَجَاسَةِ عَيْنِهِ بَلْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِ الْمُتَّقِينَ، وَعَيْنُهُ مَعَ ذَلِكَ طَاهِرَةٌ فَيَجُوزُ مَسُّهُ وَبَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ. ٢٧ - بَاب افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ. وَقَالَ عَبِيدَةُ: هُوَ كَلُبْسِهِ ٥٨٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ". قَوْلُهُ: (بَابُ افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ) أَيْ حُكْمُهُ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدَةُ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ بِسُكُونِ

стр. 6053

اللَّامِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. قَوْلُهُ: (هُوَ كَلُبْسِهِ) وَصَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) أَيِ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ. قَوْلُهُ: (أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْأَطْعِمَةِ. قَوْلُهُ: (وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ) وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ لَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ وَهِيَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْكُوفِيِّينَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ لَفْظَ نَهَى لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيمِ، وَبَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ وَرَدَ عَنْ مَجْمُوعِ اللُّبْسِ وَالْجُلُوسِ لَا عَنِ الْجُلُوسِ بِمُفْرَدِهِ وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ دَعْوَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَأَنْ أَقْعُدَ عَلَى جَمْرِ الْغَضَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْعُدَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ حَرِيرٍ. وَأَدَارَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازَ وَالْمَنْعَ عَلَى اللُّبْسِ لِصِحَّةِ الْإخْبَارِ فِيهِ، قَالُوا: وَالْجُلُوسُ لَيْسَ بِلُبْسٍ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ. وَلِأَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنَ افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ خِطَابَ الذُّكُورِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَعَلَّ الَّذِي قَالَ بِالْمَنْعِ تَمَسَّكَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْعِ اسْتِعْمَالِهِنَّ آنِيَةَ الذَّهَبِ مَعَ جَوَازِ لُبْسِهِنَّ الْحُلِيَّ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لُبْسُهُنَّ الْحَرِيرَ وَيُمْنَعْنَ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْجَوَازَ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ افْتِرَاشِ الرَّجُلِ الْحَرِيرَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي فِرَاشِهَا، وَوَجْهُهُ الْمُجِيزُ لِذَلِكَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِرَاشُ الرَّجُلِ فَكَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَفْتَرِشَهَا وَعَلَيْهَا الْحُلِيُّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ كَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ وَيَنَامَ مَعَهَا عَلَى فِرَاشِهَا الْمُبَاحِ لَهَا. (تَنْبِيهٌ): الَّذِي يُمْنَعُ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ هُوَ مَا مُنِعَ مِنْ لُبْسِهِ وَهُوَ مَا صُنِعَ مِنْ حَرِيرٍ صِرْفٍ أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ فِيهِ أَزْيَدَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. ٢٨ - بَاب لُبْسِ الْقَسِّيِّ. وَقَالَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ قُلْتُ لِعَلِيٍّ: مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ - أَوْ مِنْ مِصْرَ - مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَفِيهَا أَمْثَالُ الْأُتْرُنْجِ وَالْمِيثَرَةُ، كَانَتْ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ الْقَطَائِفِ يُصَفّونَهَا. وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ: الْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا الْحَرِيرُ، وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي الْمِيثَرَةِ ٥٨٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنْ ابْنِ عَازِبٍ قَالَ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَعن الْقَسِّيِّ. قَوْلُهُ: (بَابُ لُبْسِ الْقَسِّيِّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءُ نِسْبَةٍ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَأَهْلَ مِصْرَ يَفْتَحُونَهَا، وَهِيَ نِسْبَةٌ إِلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهَا الْقَسُّ رَأَيْتُهَا وَلَمْ يَعْرِفْهَا الْأَصْمَعِيُّ، وَكَذَا قَالَ الْأَكْثَرُ هِيَ نِسْبَةٌ لِلْقَسِّ قرية بِمِصْرَ مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ سِيدَهْ، وَقَالَ الْحَازِمِيُّ وهِيَ مِنْ بِلَادِ السَّاحِلِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ هِيَ عَلَى سَاحِلِ مِصْرَ وَهِيَ حِصْنٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْفَرَمَا مِنْ جِهَةِ الشَّامِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا تَلِي الْفَرَمَا، وَالْفَرَمَا بِالْفَاءِ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ بِقُرْبِ تِنِّيسَ وَهُوَ مُتَقَارِبٌ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ

стр. 6054

الْهَرَوِيُّ، عَنْ شَمِرٍ اللُّغَوِيِّ أَنَّهَا بِالزَّايِ لَا بِالسِّينِ نِسْبَةً إِلَى الْقَزِّ وَهُوَ الْحَرِيرُ فَأُبْدِلَتِ الزَّايُ سِينًا. وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْقَسَّ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ الصَّقِيعُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبَيَاضِهِ، وَهُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْقَسَّ الْقَرْيَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيٍّ مَا الْقَسِّيَّةُ؟ إِلَخْ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، قَالَ فَأَمَّا الْقَسِّيُّ فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ النَّهْيَ عَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَفْسِيرُهُ. قَوْلُهُ: (ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنَ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ. قَوْلُهُ: (مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ) أَيْ فِيهَا خُطُوطٌ عَرِيضَةٌ كَالْأَضْلَاعِ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُضَلَّعِ مَا نُسِجَ بَعْضُهُ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، وَقَوْلُهُ: فِيهَا حَرِيرٌ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرِيرًا صِرْفًا، وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا ثِيَابٌ مَخْلُوطَةٌ بِالْحَرِيرِ، وَقِيلَ: مِنَ الْخَزِّ وَهُوَ رَدِيءُ الْحَرِيرِ. قَوْلُهُ: (وَفِيهَا أَمْثَالُ الْأُتْرُنْجِ) أَيْ أَنَّ الْأَضْلَاعَ الَّتِي فِيهَا غَلِيظَةٌ مُعْوَجَّةٌ ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِيهَا شِبْهُ كَذَا عَلَى الْإِبْهَامِ، وَقَدْ فَسَّرَتْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الْمُعَلَّقَةُ. وَوَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي أَمَالِي الْمَحَامِلِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ. قَوْلُهُ: (وَالْمِيثَرَةُ) هو بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدهَا رَاءٌ ثُمَّ هَاءٌ وَلَا هَمْزَ فِيهَا، وَأَصْلُهَا مِنَ الْوَثَارَةِ أَوِ الْوَثِرَةِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْوَثِيرُ هُوَ الْفِرَاشُ الْوَطِيءُ وَامْرَأَةٌ وَثِيرَةٌ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ. قَوْلُهُ: (كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ الْقَطَائِفِ يَصِفُونَهَا) أَيْ يَجْعَلُونَهَا كَالصِّفَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ فِي رِوَايَةِ يُصَفِّرْنَهَا بِكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ رَاءٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا وَإِنَّمَا قَالَ يَصِفُونَهَا بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ وَالرِّجَالُ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ اللُّغَوِيُّ: وَالْمِيثَرَةُ مُرْفَقَةٌ كَصِفَةِ السَّرْجِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ وِطَاءٌ يُوضَعُ عَلَى سَرْجِ الْفَرَسِ أَوْ رَحْلِ الْبَعِيرِ كَانَتِ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْأُرْجُوَانِ الْأَحْمَرِ وَمِنَ الدِّيبَاجِ، وَكَانَتْ مَرَاكِبَ الْعَجَمِ، وَقِيلَ: هِيَ أَغْشِيَةٌ لِلسُّرُوجِ مِنَ الْحَرِيرِ، وَقِيلَ هِيَ سُرُوجٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، فَحَصَلْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَرَةِ هَلْ هِيَ وِطَاءٌ لِلدَّابَّةِ، أَوْ لِرَاكِبِهَا، أَوْ هِيَ السَّرْجُ نَفْسُهُ، أَوْ غِشَاوَةٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَيَاثِرُ الْحُمُرُ كَانَتْ مِنْ مَرَاكِبِ الْعَجَمِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ دِيبَاجٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ: الْقَسِّيَّةُ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ قَالَ: الْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ الْحَدِيثَ. وَوَهِمَ الدِّمْيَاطِيُّ فَضَبَطَ يَزِيدُ فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ مُصَغَّر، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى التَّعْلِيقَ الْأَوَّلَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ظَنَّ أَنَّ التَّعْلِيقَ الثَّانِيَ مِنْ رِوَايَةِ حَفِيدِهِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ - وَتَبِعَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ - أَنَّ يَزِيدَ هَذَا هُوَ ابْنُ رُومَانَ، قَالَ وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَالْفَيْصَلُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الْمُقَدَّمُ. قَالَ يَزِيدُ قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ: مَا الْمُقَدَّمُ؟ قَالَ الْمُسْبَغُ بِالْعُصْفُرِ هَذَا الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ وَبَقِيَّتُهُ هُوَ هَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سُهَيْلٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ قَالَ جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ يَزِيدَ بَلْ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ هُوَ بِبَاطِلٍ، بَلْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتِ الْمِيثَرَةُ وِطَاءً

стр. 6055

صُنِعَتْ مِنْ جِلْدٍ ثُمَّ حُشِيَتْ، وَالنَّهْيُ حِينَئِذٍ عَنْهَا إِمَّا لِأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْكُفَّارِ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تُذَكَّى غَالِبًا فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ لُبْسَ ذَلِكَ وَلَوْ دُبِغَ، لَكِنِ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَنَّ الْجِلْدَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الشَّعْرِ هَلْ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ؟ لَكِنِ الْغَالِبُ عَلَى الْمَيَاثِرِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا شَعْرٌ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ النُّمُورِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَاصِمٌ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فِي الْمِيثَرَةِ) يَعْنِي رِوَايَةَ عَاصِمٍ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَرَةِ أَكْثَرُ طُرُقًا وَأَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَلَا النَّسَفِيِّ، وَأُطْلِقَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَيَاثِرُ وَقَيَّدَهَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِالْحُمُرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وقَوْلُهُ في الحديث الثاني: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَقَوْلُهُ: نَهَانَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَهَى، وَقَوْلُهُ: عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمُرِ وَعَنِ الْقَسِّيِّ هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ أَمَرَنَا بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي بَابِ الْمَيَاثِرِ الْحُمُرِ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَاسْتُدِلَّ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ مِنَ الثِّيَابِ لِتَفْسِيرِ الْقَسِّيِّ بِأَنَّهُ مَا خَالَطَ غَيْرُ الْحَرِيرِ فِيهِ الْحَرِيرَ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ الْحَرِيرِ عَلَى الْقَسِّيِّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَانِي النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْقَسِّيِّ وَالْحَرِيرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُغَايَرَةُ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ فَيَكُونُ الْكُلُّ مِنَ الْحَرِيرِ كَمَا وَقَعَ عَطْفُ الدِّيبَاجِ عَلَى الْحَرِيرِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْمَاضِي قَرِيبًا، وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ الْقَسِّيِّ أَنَّهُ الَّذِي يُخَالِطُ الْحَرِيرَ لَا أَنَّهُ الْحَرِيرُ الصِّرْفُ، فَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي خَالَطَهُ الْحَرِيرُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عُمَرَ وَالتَّابِعِينَ كَابْنِ سِيرِينَ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا خَالَطَهُ الْحَرِيرُ إِذَا كَانَ غَيْرُ الْحَرِيرِ الْأَغْلَبِ، وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ وَمَا انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي الْعِلْمِ فِي الثَّوْبِ إِذَا كَانَ مِنْ حَرِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُ كُلِّ مُخْتَلِطٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْهُ مَا كَانَ مَجْمُوعُ الْحَرِيرِ فِيهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ شَامِلًا لِلْخَالِصِ وَالْمُخْتَلِطِ، وَبَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ أَرْبَعُ أَصَابِعَ إِذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً، وَيَلْتَحِقُ بِهَا فِي الْمَعْنَى مَا إِذَا كَانَتْ مُخْتَلِطَةً، قَالَ: وَقَدْ تَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ، وَلَهُمْ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الرَّاجِحُ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ، فَإِنْ كَانَ الْحَرِيرُ أَقَلَّ وَزْنًا لَمْ يَحْرُمْ أَوْ أَكْثَرَ حَرُمَ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِيهِمَا عِنْدَهُمْ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أن الِاعْتِبَار بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِالظُّهُورِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُخْتَلِطِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا الْكَرَاهَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَزِّ وَبَيْنَ الْمُخْتَلِطِ بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ فَأَجَازَ الْخَزَّ وَمَنَعَ الْآخَرَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخَزِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ تَفَاسِيرِ الْقَسِّيِّ أَنَّهُ الْخَزُّ ; فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ رَدِيءُ الْحَرِيرِ فَهُوَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ؛ وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ وَبَرٍ فَخُلِطَ بِحَرِيرٍ لَمْ يُتَّجَهُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ أَجَازَ لُبْسَ الْمُخْتَلِطِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيرِ وَسُدَى الثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ هَكَذَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْمُصْمَتِ إِذَا كَانَ حَرِيرًا وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ نَهَى عَنْ مُصْمَتِ الْحَرِيرِ فَأَمَّا مَا كَانَ سُدَاهُ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ

стр. 6056

وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِلْجَوَازِ أَيْضًا بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَرِيرِ حَقِيقَةً فِي الْخَالِصِ، وَالْإِذْنُ فِي الْقُطْنِ وَنَحْوِهِ صَرِيحٌ، فَإِذَا خُلِطَا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى حَرِيرًا بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَلَا تَشْمَلُهُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ خَرَجَ عَنِ الْمَمْنُوعِ فَجَازَ، وَقَدْ ثَبَتَ لُبْسُ الْخَزِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَبِسَهُ عِشْرُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرُ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمْعٍ مِنْهُمْ وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الدَّشْتَكِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ وَهُوَ يَقُولُ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: أَتَتْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ مَطَارِفُ خَزٍّ، فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ الْخَزِّ أَنَّهُ ثِيَابٌ سُدَاهَا مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ. تُنْسَجُ مَخْلُوطَةً مِنْ حَرِيرٍ وَصُوفٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ اسْمُ دَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْخَزُّ سُمِّيَ الثَّوْبُ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهِ خَزًّا لِنُعُومَتِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا يُخْلَطُ بِالْحَرِيرِ لِنُعُومَةِ الْحَرِيرِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِلُبْسِهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ مَا يُخَالِطُهُ الْحَرِيرُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ الْخَزَّ الَّذِي لَبِسَهُ السَّلَفُ كَانَ مِنَ الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لُبْسَ الْخَزِّ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُهْرَةٌ، وعَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخَزِّ. وَأَمَّا الْقَزُّ بِالْقَافِ بَدَلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: عَدَّ الْأَئِمَّةُ الْقَزَّ مِنَ الْحَرِيرِ وَحَرَّمُوهُ عَلَى الرِّجَالِ وَلَوْ كَانَ كَمِدَ اللَّوْنِ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ لَكِنْ حَكَى الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالْقَزِّ مَا نُطْلِقُهُ نَحْنُ الْآنَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَخْرُجُ عَنِ اسْمِ الْحَرِيرِ فَيَحْرُمُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِكُمُودَةِ اللَّوْنِ وَلَا بِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ ثِيَابِ الزِّينَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَعْلِيلٌ ضَعِيفٌ لَا أَثَرَ لَهُ بَعْدَ انْطِلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ اهـ كَلَامُهُ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُقَابِلِ التَّقْسِيمِ؛ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ شَيْئًا آخَرَ فَيُتَّجَهُ كَلَامُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ رَدِيءُ الْحَرِيرِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَزِّ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ وَصَفَهُ بِكُمُودَةِ اللَّوْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٩ - بَاب مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ ٥٨٣٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا. قَوْلُهُ (بَابُ مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ: نَوْعٌ مِنَ الْجَرَبِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَذَكَرَ الْحَكَّةَ مِثَالًا لَا قَيْدًا، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْحَرِيرُ لِلْجَرَبِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَادِ. قَوْلُهُ: (لِلزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةِ بِهِمَا) أَيْ لِأَجْلِ الْحَكَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُمَا شَكَيَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي الْجِهَادِ، وَكَأَنَّ الْحَكَّةَ نَشَأَتْ مِنْ أَثَرِ الْقَمْلِ، وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ يُخَفِّفُهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ انْتَهَى. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا بقِي مِنَ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ خَصَّ الْجَوَازَ بِالسَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ

стр. 6057

الصَّلَاحِ، وَخَصَّهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مَعَ ذَلِكَ بِالْحَكَّةِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْقَمْلِ أَيْضًا. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي الْوَسِيطِ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الَّذِي رُخِّصَ لَهُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، وَغَلَّطُوهُ. وَفِي وَجْهٍ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الرُّخْصَةَ خَاصَّةٌ بِالزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ عَنْ عُمَرَ مَا يُوَافِقُهُ. ٣٠ - بَاب الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ ٥٨٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. ٥٨٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تُبَاعُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ ابْتَعْتَهَا تَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ وَالْجُمُعَةِ. قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةَ سِيَرَاءَ حَرِيرا كَسَاهَا إِيَّاهُ فَقَالَ عُمَرُ: كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ. فَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُ بها إِلَيْكَ لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا. ٥٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ ﵍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ. قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ) كَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْحَدِيثَانِ الْمَشْهُورَانِ فِي تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالرِّجَالِ صَرِيحًا فَاكْتَفَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا وَذَهَبًا فَقَالَ: هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى وَأَعَلَّهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ بِالِانْقِطَاعِ وَأَنَّ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ لَمْ تُسْمَعْ مِنْ أَبِي مُوسَى، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّحَاوِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قُمْ فَحَدِّثْ بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ تَخْصِيصَ النَّهْيِ لِلرِّجَالِ لِحِكْمَةٍ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلِمَ قِلَّةَ صَبْرِهِنَّ عَنِ التَّزَيُّنِ فَلَطَفَ بِهِنَّ فِي إِبَاحَتِهِ، وَلِأَنَّ تَزْيِينَهُنَّ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ لِلْأَزْوَاجِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حُسْنَ التَّبَعُّلِ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَحْلَ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُبَالِغَ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَلْذُوذَاتِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنَاثِ. وَذَكَرَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْهِلَالِيُّ أَبُو زَيْدٍ الزَّرَّادُ بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ ثَقِيلَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ. قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَتَقَدَّمَ كَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ وَالنَّفَقَاتِ. وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ هُنَا وَحْدَهُ عَنِ النِّزَالِ بْنِ سَبْرَةَ بَدَلَ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَهُوَ وَهْمٌ، كَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ لِأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ النِّزَالِ، عَنْ عَلِيٍّ

стр. 6058

إِنَّمَا هِيَ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَقَدْ وَافَقَ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ هُوَ الْجُهَنِيُّ الثِّقَةُ الْمَشْهُورُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ بِلَفْظِ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: (أَهْدَى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (إِلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (١) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْمَذْكُورَةِ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ إنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّحَاوِيِّ أَهْدَى أَمِيرُ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حُلَّةً مُسَيَّرَةً بِحَرِيرٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (حُلَّةً سِيَرَاءَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحُلَلُ بُرُودُ الْيَمَنِ، وَالْحُلَّةُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَزَادَ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ الْحُلَّةُ بُرْدٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ أَصْلَ تَسْمِيَةِ الثَّوْبَيْنِ حُلَّةً أَنَّهُمَا يَكُونَانِ جَدِيدَيْنِ كَمَا حَلَّ طَيُّهُمَا، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ الثَّوْبَانِ حُلَّةً حَتَّى يُلْبَسَ أَحَدَهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ، فَإِذَا كَانَ فَوْقَهُ فَقَدْ حَلَّ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالسِّيَرَاءُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالرَّاءِ مَعَ الْمَدِّ، قَالَ الْخَلِيلُ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعَلَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ سِوَى سِيَرَاءَ، وَحِوَلَاءَ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ، وَعِنَبَاءُ لُغَةٌ فِي الْعِنَبِ، قَالَ مَالِكٌ: هُوَ الْوَشْيُ مِنَ الْحَرِيرِ، كَذَا قَالَ، وَالْوَشْيُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ ثِيَابٌ فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ قَزٍّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا سِيَرَاءُ لِتَسْيِيرِ الْخُطُوطِ فِيهَا. وَقَالَ الْخَلِيلُ: ثَوْبٌ مُضَلَّعٌ بِالْحَرِيرِ وَقِيلَ: مُخْتَلِفُ الْأَلْوَانِ فِيهِ خُطُوطٌ مُمْتَدَّةٌ كَأَنَّهَا السُّيُورُ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ حُلَّةً سِيَرَاءَ وَالسِّيَرَاءُ الْمُضَلَّعُ بِالْقَزِّ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ، وَقِيلَ ثَوْبٌ مُسَيَّرٌ فِيهِ خُطُوطٌ يُعْمَلُ مِنَ الْقَزِّ، وَقِيلَ: ثِيَابٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: بُرْدٌ فِيهِ خُطُوطٌ صُفْرٌ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ، عَنْ سِيبَوَيْهِ قَالَ لَمْ يَأْتِ فِعَلَاءُ صِفَةً لَكِنِ اسْمًا، وَهُوَ الْحَرِيرُ الصَّافِي وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ حُلَّةً سِيَرَاءَ هَلْ هُوَ بِالْإِضَافَةِ أَوْ لَا، فَوَقَعَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَنْوِينِ حُلَّةٍ عَلَى أَنَّ سِيَرَاءَ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ نَعْتٌ، وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ الرِّوَايَةُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالُوا حُلَّةً سِيَرَاءَ كَمَا قَالُوا نَاقَةً عُشْرَاءَ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ، عَنْ أَبِي مَرْوَانَ بْنِ السَّرَّاجِ أَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِنَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ وَمُتْقِنِي الْعَرَبِيَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ لِصِفَتِهِ كَمَا قَالُوا ثَوْبُ خَزٍّ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجْتُ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ فَلَبِسْتُهَا. قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَهُ فِي أُخْرَى شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ. قَوْلُهُ: (فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) أَيْ قَطَعْتُهَا فَفَرَّقْتُهَا عَلَيْهِنَّ خُمُرًا، وَالْخُمُرُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ جَمْعُ خِمَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ: مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: نِسَائِي مَا فَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ حَيْثُ قَالَ: بَيْنَ الْفَوَاطِمِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ حَيْثُ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى فَاطِمَةَ فَشَقَقْتُهَا، فَقَالَتْ: مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟ قُلْتُ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِهَا فَالْبَسِيهَا وَأكْسِي نِسَاءَكِ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا شَقَّقَهَا بِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِالْفَوَاطِمِ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ وَالِدَةُ عَلِيٍّ وَلَا أَعْرِفُ الثَّالِثَةَ. وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْهَدَايَا وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ
следующие страницы →