Полный текст (7 508 стр.). Показаны 6159–6198 · переход к 6164.
стр. 6159
اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ.
قَوْلُهُ (بَابُ إِرْدَافِ الرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، وَأُحِيلَ بِشَرْحِهِ عَلَى هَذَا الْمَكَانِ وَاللَّائِقُ بِهِ كِتَابُ الرِّقَاقِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِيهِ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ تَامًّا فَلْيُشْرَحْ هُنَاكَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا مِنَ الْإِرْدَافِ وَاضِحٌ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُورِدَهُ مَعَ حَدِيثِ أُسَامَةَ فِي بَابِ الِارْتِدَافِ وَقَدْ عُرِفَ جَوَابُهُ، وَقَوْلُهُ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ الرِّدْفُ وَالرَّدِيفُ الرَّاكِبُ خَلْفَ الرَّاكِبِ بِإِذْنِهِ، وَرِدْفُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ مُؤَخَّرُهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الرُّكُوبِ عَلَى الرِّدْفِ وَهُوَ الْعَجُزُ، وَلِهَذَا قِيلَ لِلرَّاكِبِ الْأَصْلِيِّ رَكِبَ صَدْرَ الدَّابَّةِ، وَرَدِفْتَ الرَّجُلَ إِذَا رَكِبْتَ وَرَاءَهُ وَأَرْدَفْتَهُ إِذَا أَرْكَبْتَهُ وَرَاءَكَ. وَقَدْ أَفْرَدَ ابْنُ مَنْدَهْ أَسْمَاءَ مَنْ أَرْدَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ فَبَلَغُوا ثَلَاثِينَ نَفْسًا.
١٠٢ - بَاب إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الرَّجُلِ ذا محرم
٥٩٦٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، وَإِنِّي لَرَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ يَسِيرُ وَبَعْضُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَثَرَتْ النَّاقَةُ، فَقُلْتُ: الْمَرْأَةَ، فَنَزَلْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا أُمُّكُمْ، فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا دَنَا - أَوْ رَأَى الْمَدِينَةَ - قَالَ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الرَّجُلِ ذَا مَحْرَمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ وَلِبَعْضِهِمْ ذِي مَحْرَمٍ عَلَى الصِّفَةِ. وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى خَلْفَ الرَّجُلِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، وَإِنِّي لَرَدِيفِ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ يَسِيرُ وَبَعْضُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ عَثَرَتِ النَّاقَةُ فَقُلْتُ: الْمَرْأَةَ، فَنَزَلَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا أُمُّكُمْ، فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ هُوَ أَنَسٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَّ الَّذِي قَالَ: الْمَرْأَةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةُ يُرْدِفُهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ الدَّابَّةُ فَصُرِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ، وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَحْسَبُهُ قَالَ اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكَ الْمَرْأَةَ. فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا الْحَدِيثَ. وَفِي أُخْرَى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَيْضًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ فَسَاقَهُ نَحْوَهُ.
فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ تَسْمِيَةُ الْمَرْأَةِ، وَأَنَّ الَّذِي تَوَلَّى شَدَّ الرَّحْلِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ لَا أَنَسٌ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي
стр. 6160
إِسْحَاقَ رِوَايَةً عَنْ أَنَسٍ، فَقَالَ شُعْبَةُ عَنْهُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ كِلَاهُمَا عَنْهُ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَمَخْرَجُ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ وَاتِّفَاقُ اثْنَيْنِ أَوْلَى مِنَ انْفِرَادِ وَاحِدٍ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ أَنَسًا كَانَ إِذْ ذَاكَ يَصْغُرُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسَاعِدَ عَمَّهُ أَبَا طَلْحَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَقَدْ يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ بِهَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَدَارَكَ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ إِذَا سَقَطَتْ أَوْ كَادَتْ تَسْقُطُ فَيُعِينُهَا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا يُخْشَى عَلَيْهَا.
١٠٣ - بَاب الِاسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى الْأُخْرَى
٥٩٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَضْطَجِعُ فِي الْمَسْجِدِ رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِلْقَاءِ وَوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى الْأُخْرَى) وَجْهُ دُخُولِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا يَأْمَنُ مِنَ الِانْكِشَافِ، وَلَا سِيَّمَا الِاسْتِلْقَاءُ يَسْتَدْعِي النَّوْمَ، وَالنَّائِمُ لَا يَتَحَفَّظُ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ ` لِئَلَّا يَنْكَشِفَ.
وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَفِيهِ ثُبُوتُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَزَادَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَتِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَأنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ ثَبَتَ لَكِنَّهُ رَآهُ مَنْسُوخًا، وَسَيَأْتِي شَرْحَهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ اللِّبَاسِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا أَشْبَهَهُ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ أَرْبَعُونَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ وَحَدِيثِ الزُّبَيْرِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي لَعْنِ الْوَاصِلَةِ، وَحَدِيثِهِ لَا تَشِمْنَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي وَعْدِ جِبْرِيلَ وَمِنْهُ: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِصَدْرِهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِرَفْعِهِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى مَا بَيَّنْتُهُ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6161
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٨ - كِتَاب الْأَدَبِ
١ - بَاب البر والصلة، وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾
٥٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثم بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
قَوْله: (بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم - كِتابُ الْأَدَب)
قَوْلُهُ (بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَقَوْلُهُ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَحَذَفَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَبَعْضُهُمُ الْبَسْمَلَةَ، وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى قَوْلِهِ كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ إِلَخْ. وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وَكِتَابُ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَحَادِيثَ زَائِدَةٍ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ وَفِيهِ قَلِيلٌ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ (١). وَالْأَدَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقِيلَ: الْوُقُوفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَكَ وَالرِّفْقُ بِمَنْ دُونَكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الطَّعَامِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ ; وَهَذِهِ الْآيَةُ وَقَعَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْعَنْكَبُوتِ وَفِي الْأَحْقَافِ لَكِنِ الْمُرَادُ هُنَا الَّتِي فِي الْعَنْكَبُوتِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ نَزَلَتْ فِي سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، كَذَا قَالَ إِنَّهَا الَّتِي فِي لُقْمَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ لَا تُكَلِّمُهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ.
قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَوْصَاكَ بِوَالِدَيْكَ، فَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، فَنَزَلَتْ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ، وَفِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ آيَةٍ إِلَى آيَةٍ، فَإِنَّ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ - إِلَى - ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ وَالْمَذْكُورُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى﴾ إِلَخْ إِنَّمَا هُوَ فِي لُقْمَانَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حُسْنًا﴾ الْآيَةَ، فَقَطْ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ الْآيَةَ، وَوَقَعَ فِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ - وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ - ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَهَذَا الْقَدْرُ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَأَوَّلُهُ مِنْ آيَةِ لُقْمَانَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْآيَتَيْنِ معا كَانَتَا فِي الْأَصْلِ ثَابِتَتَيْنِ فَسَقَطَ بَعْضُهُمَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْمُ أُمِّ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَمْنَةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ - بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ стр. 6162
الْأَخْبَارِ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ. وَاقْتَضَتِ الْآيَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْأَمْرَ بِطَاعَتِهِمَا وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، إِلَّا إِذَا أَمَرَا بِالشِّرْكِ فَتَجِبُ مَعْصِيَتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَفِيهَا بَيَانُ مَا أُجْمِلَ فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، مِنَ الْأَمْرِ بِبِرِّهِمَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرًا، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ الْعَيْزَارُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي أَوَّلِهِ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: تَقْدِيمُ الْبِرِّ عَلَى الْجِهَادِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّعْدِيَةُ إِلَى نَفْعِ الْغَيْرِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ يَرَى أَنَّهُ مُكَافَأَةٌ عَلَى فِعْلِهِمَا، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَنَبَّهَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِتَوَقُّفِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ، إِذْ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ اسْتِئْذَانُهُمَا فِي الْجِهَادِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
٢ - بَاب مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟
٥٩٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ) الصُّحْبَةُ وَالصَّحَابَةُ مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى، وَهُوَ الْمُصَاحَبَةُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.
قَوْلُهُ: (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ رِوَايَةِ عُمَارَةَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَارَةَ حَسْبَ.
قَوْلِهِ: (جَاءَ رَجُلٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمُّكَ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي)؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ عُمَارَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ مِثْلَ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فَقَالَ نَعَمْ وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا وَزَادَ فِيهِ حَدِيثَ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَبِّئْنِي بِأَحَقِّ النَّاسِ مِنِّي صُحْبَةً وَوَجَدْتُهُ فِي النُّسْخَةِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ بَدَلَ وَأَبِيكَ فَلَعَلَّهَا تَصَحَّفَتْ، وَقَوْلُهُ: وَأَبِيكَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقَسَمَ وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ تَجْرِي لِإِرَادَةِ تَثْبِيتِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالنَّصْبِ، وَفِي آخَرِهِ ثُمَّ أَبَاكَ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَيَخْرُجُ الثَّانِي عَلَى
стр. 6163
إِضْمَارِ فِعْلٍ. وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا وَقَعَ تَكْرَارُ الْأُمِّ ثَلَاثًا وَذِكْرُ الْأَبِ فِي الرَّابِعَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ ثُمَّ عَادَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: بِرَّ أَبَاكَ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ خِدَاشٍ أَبِي سَلَامَةَ رَفَعَهُ أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأَبِيهِ، أُوصِي امْرَءًا بِمَوْلَاهُ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ أَذًى يُؤْذِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ مَا لِلْأَبِ مِنَ الْبِرِّ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْلِ ثُمَّ الْوَضْعِ ثُمَّ الرَّضَاعِ، فَهَذِهِ تَنْفَرِدُ بِه الْأُمُّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِكُ الْأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْوِصَايَةِ، وَخَصَّ الْأُمَّ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّ الْأُمَّ تَسْتَحِقُّ عَلَى الْوَلَدِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنَ الْبِرِّ، وَتُقَدَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْأَبِ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ تَفْضُلُ الْبِرِّ عَلَى الْأَبِ، وَقِيلَ: يَكُونُ بِرُّهُمَا سَوَاءً، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: إِلَى الثَّانِي ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ نَقَلَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ طَلَبَنِي أَبِي فَمَنَعَتْنِي أُمِّي، قَالَ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى بِرَّهُمَا سَوَاءً، كَذَا قَالَ. وَلَيْسَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بِوَاضِحَةٍ، قَالَ: وَسُئِلَ اللَّيْثُ يَعْنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا فَقَالَ: أَطِعْ أُمَّكَ فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّتِي لَمْ يَتَكَرَّرْ ذِكْرُ الْأُمِّ فِيهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ.
وَقَدْ وَقْعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الْبَابِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا وقع فِي آخِرِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةً انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، ثُمَّ أُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ هَكَذَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْمُرَادُ بِالدُّنُوِّ الْقُرْبُ إِلَى الْبَارِّ. قَالَ عِيَاضٌ: تَرَدَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَدِّ وَالْأَخِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَقْدِيمِ الْجَدِّ. قُلْتُ: وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ، قَالُوا: يُقَدَّمُ الْجَدُّ ثُمَّ الْأَخُ، ثُمَّ يُقَدَّمُ مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِوَاحِدٍ، ثُمَّ تُقَدَّمُ الْقَرَابَةُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْمَحَارِمُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَاتِ، ثُمَّ الْمُصَاهَرَةُ ثُمَّ الْوَلَاءُ، ثُمَّ الْجَارُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدُ.
وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِيصَالُ الْبِرِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَهُوَ وَاضِحٌ، وَجَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: زَوْجُهَا. قُلْتُ: فَعَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: أُمُّهُ وَيؤَيِّدُ تَقْدِيمِ الْأُمِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي كَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَأَبُو دَاوُدَ. فَتَوَصَّلَتْ لِاخْتِصَاصِهَا بِهِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهَا فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ) أَمَّا ابْنُ شُبْرُمَةَ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ
стр. 6164
الْكُوفِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ فَذَكَرَ بِلَفْظِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ وَالْبَاقِي مِثْلُ رِوَايَةِ جَرِيرٍ سَوَاءٌ لَكِنْ عَلَى سِيَاقِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ فَهُوَ حَفِيدُ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُ الْجُرَيْرِيُّ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ وكِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: بِرَّ أُمَّكَ ثُمَّ عَادَ الْحَدِيثَ وَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَنَقَلَ الْمُحَاسِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الْأَبِ.
٣ - بَاب لَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ
٥٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُجَاهِدُ. قَالَ: لَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
وَحَبِيبٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَسُفْيَانُ فِي الطَّرِيقَيْنِ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَتَرْجَمَ لَهُ هُنَاكَ فِي الْجِهَادِ بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَاجَرَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ بِالْيَمَنِ أَبَوَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَذِنَا لَكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا وَقَوْلُهُ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ أَيْ إِنْ كَانَ لَكَ أَبَوَانِ فَابْلُغْ جَهْدَكَ فِي بِرِّهِمَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقُومُ لَكَ مَقَامَ قِتَالِ الْعَدُوِّ.
٤ - بَاب لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ
٥٩٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فيسب أمه.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) أَيْ وَلَا أَحَدَهُمَا، أَيْ لَا يَتَسَبَّبُ إِلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) سَيَأْتِي بَعْدَ بَابِ عَدِّ الْعُقُوقِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَالْمَذْكُورُ هُنَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعُقُوقِ، وَإِنْ كَانَ التَّسَبُّبُ إِلَى لَعْنِ الْوَالِدِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَالتَّصْرِيحُ بِلَعْنِهِ أَشَدُّ، وَتَرْجَمَ بِلَفْظِ السَّبِّ وَسَاقَهُ بِلَفْظِ اللَّعْنِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: مِنَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِلَفْظِ مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَفِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ)؟ هُوَ اسْتِبْعَادٌ مِنَ السَّائِلِ ; لِأَنَّ الطَّبْعَ الْمُسْتَقِيمَ يَأْبَى ذَلِكَ، فَبَيَّنَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَ السَّبَّ بِنَفْسِهِ فِي الْأَغْلَبِ
стр. 6165
الْأَكْثَرِ لَكِنْ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ التَّسَبُّبُ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ وُقُوعَهُ كَثِيرًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ آلَ فِعْلُهُ إِلَى مُحَرَّمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى مَا يَحْرُمُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْعَ بَيْعِ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ الْفَاحِشَةَ، وَالْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْأَبَوَيْنِ. وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْغَالِبِ لِأَنَّ الَّذِي يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ يَجُوزُ أَنْ يَسُبَّ الْآخَرُ أَبَاهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُجِيبَهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الطَّالِبِ لِشَيْخِهِ فِيمَا يَقُولُهُ مِمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْكَبَائِرِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا، وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ يَفْضُلُ الْفَرْعَ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَلَوْ فَضَلَهُ الْفَرْعُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ.
٥ - بَاب إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ
٥٩٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ.
وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إلا بحقه، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي وقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تلكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
стр. 6166
قَوْلُهُ: (بَابُ إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ) ذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَمُ الْغَارِ حَتَّى ذَكَرُوا أَعْمَالَهُمُ الصَّالِحَةَ فَفُرِّجَ عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
وقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: عَلَى فَمِ غَارِهِمْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَابٌ بَدَلَ فَمٍ وَقَوْلُهُ: فَأَطْبَقَتْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي أَوَاخِرِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَطَابَقَتْ. وَقَوْلُهُ: نَأَى أَيْ بَعُدَ، وَالشَّجَرُ بِمُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ لِلْأَكْثَرِ. وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ نَامَا يَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا إِلَى الصَّبَاحِ حَتَّى انْتَبَهَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: بَعُدَ بِي الشَّجَرُ أَيْ لِطَلَبِ الْمَرْعَى. وَقَوْلُهُ: فُرْجَةٌ يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ فِي رِوَايته حَتَّى رَأَوْا وَوَقَعَ هُنَا لِلْحَمَوِيِّ: وَقَصَّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَسَاقَهُ الْبَاقُونَ. وَقَوْلُهُ: يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الرَّجُلُ بِالْإِفْرَادِ. وَقَوْلُهُ: تِلْكَ الْبَقَرُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ذَلِكَ الْبَقَرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْإِشَارَةُ فِيهِ إِلَى الْجِنْسِ.
٦ - بَاب عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ. قَالَهُ ابْنُ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -
٥٩٧٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْمُسَيَّبِ، عَنْ وَرَّادٍ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ.
٥٩٧٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ".
٥٩٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ".
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ.
قَوْلُهُ: (عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْكَبَائِرِ، قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عُمَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ، عَمْرٌو بِفَتْحِهَا، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَلِابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ فِي الْعَاقِّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَيْضًا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا لَكِنْ
стр. 6167
قَالَ: الدَّيُّوثُ بَدَلَ الْمَنَّانِ وَالدَّيُّوثُ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ بِوَزْنِ فَرُّوجٍ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَنَّهُ الَّذِي يُقِرُّ الْخُبْثَ فِي أَهْلِهِ، وَالْعُقُوقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَالْمُرَادُ بِهِ صُدُورُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ إِلَّا فِي شِرْكٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ مَا لَمْ يَتَعَنَّتِ الْوَالِدُ، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحَاتِ فِعْلًا وَتَرْكًا وَاسْتِحْبَابُهَا فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ، وَمِنْهُ تَقْدِيمُهُمَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ كَمَنْ دَعَتْهُ أُمُّهُ لِيُمَرِّضَهَا مَثَلًا بِحَيْثُ يَفُوتُ عَلَيْهِ فِعْلُ وَاجِبٍ إِنِ
اسْتَمَرَّ عِنْدَهَا وَيَفُوتُ مَا قَصَدَتْهُ مِنْ تَأْنِيسِهِ لَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ لَوْ تَرَكَهَا وَفَعَلَهُ وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ مَعَ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ كَالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ فِي الْجَمَاعَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ أيْضًا: أَوَّلُهَا: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَالْمُسَيِّبُ هُوَ ابْنُ رَافِعٍ، وَوَرَّادٌ هُوَ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ. وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ مَنْصُورٍ لَهُ مِنَ الْمُسَيَّبِ فِي الدَّعَوَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ كَالَّذِي هُنَا، وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ذِكْرَ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ بِتَمَامِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; لَكِنَّهُ فِي الْأَصْلِ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٌ سَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَفِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ وَرَّادٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي التَّهْلِيلِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى، فَذَكَرَ مَا هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ أَوَّلُهُ فَقَطْ مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ دُونَ مَا فِي آخِرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فَرَّقَهُ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ شَيْخِهِ هَكَذَا، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الشَّعْبِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَى الَّذِي هُنَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ) تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِقْرَاضِ الْإِشَارَةُ إِلَى حِكْمَةِ اخْتِصَاصِ الْأُمِّ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ إِظْهَارًا لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ. وَالْأُمَّهَاتُ جَمْعُ أُمَّهَةٍ وَهِيَ لِمَنْ يَعْقِلُ، بِخِلَافِ لَفْظِ الْأُمِّ فَإِنَّهُ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْعًا وَهَاتِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَفِي الِاسْتِقْرَاضِ وَمَنْعَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهِيَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ النُّونِ مَصْدَرٌ مَنَعَ يَمْنَعُ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قِيلَ وَقَالَ وَأَمَّا هَاتِ فَبِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْإِيتَاءِ قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُ هَاتِ آتِ فَقُلِبَتِ الْأَلِفُ هَاءً. وَالْحَاصِلُ مِنَ النَّهْيِ مَنْعُ مَا أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ وَطَلَبُ مَا لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ قَرِيبًا، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنَا مَعَ ضِدِّهِ ثُمَّ أُعِيدَ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنْهُ، ثُمَّ هُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّهْيِ مَا يَكُونُ خِطَابًا لِاثْنَيْنِ كَمَا يُنْهَى الطَّالِبُ عَنْ طَلَبِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُنْهَى الْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَنْ إِعْطَاءِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ الطَّالِبُ لِئَلَّا يُعِينَهُ عَلَى الْإِثْمِ.
قَوْلُهُ: (وَوَأْدُ الْبَنَاتِ) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ هُوَ دَفْنُ الْبَنَاتِ بِالْحَيَاةِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَرَاهَةً فِيهِنَّ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ بَعْضُ أَعْدَائِهِ أَغَارَ عَلَيْهِ فَأَسَرَ بِنْتَهُ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ حَصَلَ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ فَخَيَّرَ ابْنَتَهُ فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَآلَى قَيْسٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا تُولَدَ لَهُ بِنْتٌ إِلَّا دَفَنَهَا حَيَّةً، فَتَبِعَهُ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ مِنَ الْعَرَبِ فَرِيقٌ ثَانٍ يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ مُطْلَقًا، إِمَّا نَفَاسَةً مِنْهُ عَلَى مَا يَنْقُصُهُ مِنْ مَالِهِ، وَإِمَّا مِنْ عَدَمِ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَكَانَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ التَّمِيمِيِّ أَيْضًا وَهُوَ جَدُّ الْفَرَزْدَقِ، هَمَّامُ بْنُ غَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَوَّلُ مَنْ فَدَى الْمَوْءُودَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْمِدُ إِلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَيَفْدِيَ الْوَلَدَ مِنْهُ بِمَالٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْفَرَزْدَقُ بِقَوْلِهِ:
стр. 6168
وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ … وَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ يُوأَدِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَقَدْ بَقِيَ كُلٌّ مِنْ قَيْسٍ، وَصَعْصَعَةَ إِلَى أَنْ أَدْرَكَا الْإِسْلَامَ وَلَهُمَا صُحْبَةٌ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْبَنَاتَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِمْ، لِأَنَّ الذُّكُورَ مَظِنَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِسَابِ. وَكَانُوا فِي صِفَةِ الْوَأْدِ عَلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْمُرَ امْرَأَتَهُ إِذَا قَرُبَ وَضْعُهَا أَنْ تُطْلِقَ بِجَانِبِ حَفِيرَةٍ، فَإِذَا وَضَعَتْ ذَكَرًا أَبْقَتْهُ وَإِذَا وَضَعَتْ أُنْثَى طَرَحَتْهَا فِي الْحَفِيرَةِ، وَهَذَا أَلْيَقِ بِالْفَرِيقِ الْأَوَّلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ إِذَا صَارَتِ الْبِنْتُ سُدَاسِيَّةً قَالَ لِأُمِّهَا: طَيِّبِيهَا وَزَيِّنِيهَا لِأَزُورَ بِهَا أَقَارِبَهَا، ثُمَّ يَبْعُدُ بِهَا فِي الصَّحْرَاءِ حَتَّى يَأْتِيَ الْبِئْرِ فَيَقُولُ لَهَا انْظُرِي فِيهَا وَيَدْفَعُهَا مِنْ خَلْفِهَا وَيَطِمُّهَا، وَهَذَا اللَّائِقُ بِالْفَرِيقِ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ) فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا قِيلًا وَقَالًا وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَمْ تَقَعْ بِهِ الرِّوَايَةُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِيلَ وَقَالَ اسْمَانِ، يُقَالُ: كَثِيرُ الْقِيلِ وَالْقَالِ، كَذَا جَزَمَ بِأَنَّهُمَا اسْمَانِ، وَأَشَارَ إِلَى الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَوْ كَانَا اسْمَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لِعَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَائِدَةٌ، فَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي قِيلَ وَقَالَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَما: أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ لِلْقَوْلِ، تَقُولُ: قُلْتُ قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا، وَالْمُرَادُ فِي الْأَحَادِيثِ: الْإِشَارَةُ إِلَى كَرَاهَةِ كَثْرَةِ الْكَلَامِ لِأَنَّهَا تُئَوِّلُ إِلَى الْخَطَأِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ، ثَانِيهَا: إِرَادَةُ حِكَايَةِ أَقَاوِيلِ النَّاسِ وَالْبَحْثُ عَنْهَا لِيُخْبِرَ عَنْهَا فَيَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَقِيلَ كَذَا، وَالنَّهْيُ عَنْهُ إِمَّا لِلزَّجْرِ عَنِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَكْرَهُهُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ. ثَالِثُهَا: أَنَّ ذَلِكَ فِي حِكَايَةِ الِاخْتِلَافِ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْإِكْثَارِ مِنَ الزَّلَلِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ يَنْقُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ، وَلَكِنْ يُقَلِّدُ مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَحْتَاطُ لَهُ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ قَوْلُهُ: قِيلَ وَقَالَ مِنْ قَوْلِهِمْ قِيلَ كَذَا وَقَالَ كَذَا، وَبِنَاؤُهُمَا عَلَى كَوْنِهِمَا فِعْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ مُتَضَمِّنَيْنِ لِلضَّمِيرِ وَالْإِعْرَابِ عَلَى إِجْرَائِهِمَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ خِلْوَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا قِيلَ وَقَالَ وَإِدْخَالُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ: مَا يُعْرَفُ الْقَالُ والْقِيلُ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ مِنْهُ وَهَلْ هُوَ سُؤَالُ الْمَالِ، أَوِ السُّؤَالُ عَنِ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمُعْضِلَاتِ، أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؟ وَأَنَّ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَثْرَةُ السُّؤَالِ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَأَحْدَاثِ الزَّمَانِ، أَوْ كَثْرَةُ سُؤَالِ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ عَنْ تَفَاصِيلِ حَالِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ الْمَسْئُولُ غَالِبًا. وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَثَبَتَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ كَرَاهَةَ تَكَلُّفِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهَا عَادَةً أَوْ يَنْدُرُ جِدًّا، وَإِنَّمَا كَرِهُوا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَطُّعِ وَالْقَوْلِ بِالظَّنِّ، إِذْ لَا يَخْلُوا صَاحِب مِنَ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، وَكَذَا فِي التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فَذَلِكَ خَاصٌّ بِزَمَانِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثِ أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْمًا عِنْدَ اللَّهِ مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِه مَسْأَلَتِهِ وَثَبَتَ أَيْضًا ذَمُّ السُّؤَالِ لِلْمَالِ وَمَدْحُ مَنْ لَا يُلْحِفُ فِيهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ حَدِيثُ لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي
стр. 6169
فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ جَائِحَةٍ وَفِي السُّنَنِ قَوْلُهُ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ سَائِلًا فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ جَائِزٌ لِأَنَّهُ طَلَبُ مُبَاحٍ فَأَشْبَهَ الْعَارِيَةَ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ عَلَى مَنْ سَأَلَ مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي سُؤَالِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ لَا يُلِحَّ وَلَا يُذِلَّ نَفْسَهُ زِيَادَةً عَلَى ذُلِّ نَفْسِ السُّؤَالِ، وَلَا يُؤْذِي الْمَسْئُولَ. فإذا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ السُّؤَالِ مُطْلَقًا مَعَ وُجُودِ السُّؤَالِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَالشَّارِعُ لَا يُقِرُّ عَلَى مَكْرُوهٍ. قُلْتُ: لَعَلَّ مَنْ كَرِهَ مُطْلَقًا أَرَادَ أَنَّهُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهُ وَلَا مِنْ تَقْرِيرِهِ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي حَمْلُ حَالِ أُولَئِكَ عَلَى السَّدَادِ، وَأَنَّ السَّائِلَ مِنْهُمْ غَالِبًا مَا كَانَ يَسْأَلُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ نَظَرٌ فَفِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَمِّ السُّؤَالِ كِفَايَةٌ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا سَأَلَ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا سَأَلَ لِغَيْرِهِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: (وَإِضَاعَةُ الْمَالِ) تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِقْرَاضِ أَنَّ الْأَكْثَرَ حَمَلُوهُ عَلَى الْإِسْرَافِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْحَرَامِ، وَالْأَقْوَى أَنَّهُ مَا أُنْفِقَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا سَوَاءٌ كَانَتْ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً فَمَنَعَ مِنْهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ الْمَالَ قِيَامًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَفِي تَبْذِيرِهَا تَفْوِيتُ تِلْكَ الْمَصَالِحِ، إِمَّا فِي حَقِّ مُضَيِّعِهَا وَإِمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كَثْرَةُ إِنْفَاقِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ مَا لَمْ يُفَوِّتْ حَقًّا أُخْرَوِيًّا أَهَمَّ مِنْهُ. وَالْحَاصِلُ فِي كَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: إِنْفَاقُهُ فِي الْوُجُوهِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا فَلَا شَكَّ فِي مَنْعِهِ، وَالثَّانِي: إِنْفَاقُهُ فِي الْوُجُوهِ الْمَحْمُودَةِ شَرْعًا فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَطْلُوبًا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَالثَّالِثُ: إِنْفَاقُهُ فِي الْمُبَاحَاتِ بِالْأَصَالَةِ كَمَلَاذِّ النَّفْسِ، فَهَذَا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِحَالِ الْمُنْفِقِ وَبِقَدْرِ مَالِهِ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِسْرَافٍ. وَالثَّانِي: مَا لَا يَلِيقُ بِهِ عُرْفًا، وَهُوَ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ إِمَّا نَاجِزَةٍ أَوْ مُتَوَقَّعَةٍ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِسْرَافٍ، وَالثَّانِي: مَا لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إِسْرَافٌ، وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِسْرَافٍ قَالَ: لِأَنَّهُ تَقُومُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْبَدَنِ وَهُوَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَمْنَعُ مَا قَالَ اهـ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ فِي كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ: هُوَ حَرَامٌ، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَغَارِمِ، وَصَحَّحَ فِي بَابِ الْحَجْرِ مِنَ الشَّرْحِ وَفِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ لَيْسَ مَذْمُومًا لِذَاتِهِ ; لَكِنَّهُ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى ارْتِكَابِ الْمَحْذُورِ كَسُؤَالِ النَّاسِ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْمَحْذُورِ فَهُوَ مَحْذُورٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ الْبَحْثُ فِي جَوَازِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِمَنْ عُرِفَ مَنْ نَفْسِهِ الصَّبْرُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَجَزَمَ الْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِمَنْعِ اسْتِيعَابِ جَمِيعِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ قَالَ: وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ إِنْفَاقِهِ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا وَقَعَ نَادِرًا لِحَادِثٍ يَحْدُثُ كَضَيْفٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ وَلِيمَةٍ. وَمِمَّا لَا خِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الزَّخْرَفَةِ وَمِنْهُ احْتِمَالُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي الْبِيَاعَاتِ بِغَيْرِ سَبَبٍ. وَأَمَّا إِضَاعَةُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَخْتَصُّ بِارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهَا سُوءُ الْقِيَامِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالْبَهَائِمِ حَتَّى يَهْلِكُوا، وَدَفْعُ مَالِ مَنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ إِلَيْهِ، وَقَسْمة مَا لَا
стр. 6170
يُنْتَفَعُ بِجُزْئِهِ كَالْجَوْهَرَةِ النَّفِيسَةِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ فِي الْحَلَبِيَّاتِ: الضَّابِطُ فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ وَلَا دُنْيَوِيٍّ، فَإِنِ انْتَفَيَا حَرُمَ قَطْعًا، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا وُجُودًا لَهُ بَالٌ وَكَانَ الْإِنْفَاقُ لَائِقًا بِالْحَالِ وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ جَازَ قَطْعًا، وَبَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ وَسَائِطُ كَثِيرَةٌ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ ضَابِطٍ. فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَرَى فِيمَا تَيَسَّرَ مِنْهَا رَأْيَهُ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَيَسَّرُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ; فَالْإِنْفَاقُ فِي الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ كُلُّهُ، وَلَا نَظَرَ إِلَى مَا يَحْصُلُ فِي مَطْلُوبِهِ مِنْ قَضَاءِ شَهْوَةٍ وَلَذَّةٍ حَسَنَةٍ. وَأَمَّا إِنْفَاقُهُ فِي الْمَلَاذِّ الْمُبَاحَةِ فَهُوَ مَوْضِعُ الِاخْتِلَافِ، فَظَاهِرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَنَّ الزَّائِدَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُنْفِقِ إِسْرَافٌ. ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ بَذَلَ مَالًا كَثِيرًا فِي غَرَضٍ يَسِيرٍ تَافِهٍ عَدَّهُ الْعُقَلَاءُ مُضَيِّعًا، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَهُوَ تَتَبُّعُ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْخِلَالِ الْجَمِيلَةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ شَاهِينٍ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَالْجُرَيْرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ، وَهُوَ مِمَّنِ اخْتَلَطَ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ سَمَاعَ خَالِدٍ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ وَلَا بَعْدَهُ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَيَأْتِي فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، وَإِسْمَاعِيلُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنَ الْجُرَيْرِيِّ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، وَبَيَّنَ فِي الشَّهَادَاتِ تَصْرِيحَ الْجُرَيْرِيِّ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ بِتَحْدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ) فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَلَا أُخْبِركُمْ.
قَوْلُهُ: (بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا) أَيْ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَكْرِيرِ الشَّيْءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَأْكِيدًا لِيُنَبِّهَ السَّامِعَ عَلَى إِحْضَارِ قَلْبِهِ وَفَهْمِهِ لِلْخَبَرِ الَّذِي يَذْكُرُهُ وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثًا عَدَدُ الْكَبَائِرِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ أَوَّلَ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ثَلَاثًا وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كَبَائِرَ، وَمِنْهَا صَغَائِرَ، وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفَرَايِنِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ بَلْ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ كُلَّ مُخَالَفَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِهِ كَبِيرَةٌ اهـ.
وَنَسَبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى الْأَشْعَرِيَّةِ فَقَالَ: انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَخَالَفَهُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: الْمَعَاصِي كُلُّهَا كَبَائِرُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَعْضِهَا صَغِيرَةٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا، كَمَا يُقَالُ الْقُبْلَةُ الْمُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى الزِّنَا وَكُلُّهَا كَبَائِرُ، قَالُوا: وَلَا ذَنْبَ عِنْدَنَا يُغْفَرُ وَاجِبًا بِاجْتِنَابِ ذَنْبٍ آخَرَ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، وَمُرْتَكِبُهُ فِي الْمَشِيئَةِ غَيْرَ الْكُفْرِ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أَنَّ الْمُرَادَ الشِّرْكُ. وَقَدْ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ كَبَائِرَ فَالْمُرَادُ بِهَا كَبِيرٌ، وَكَبِيرُ الْإِثْمِ هُوَ الشِّرْكُ، وَقَدْ يَأْتِي لَفْظُ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وَلَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ غَيْرُ نُوحٍ، قَالُوا: وَجَوَازُ الْعِقَابِ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَجَوَازِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ اهـ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ.
قُلْتُ: قَدْ حَقَّقَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَنْقُولَ عَنِ الْأَشَاعِرَةِ وَاخْتَارَهُ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، فَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ: الْمَرْضِيُّ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يُعْصَى اللَّهُ بِهِ كَبِيرَةٌ، فَرُبَّ شَيْءٍ يُعَدُّ صَغِيرَةً بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَقْرَانِ وَلَوْ كَانَ فِي حَقِّ الْمَلِكِ لَكَانَ كَبِيرَةً، وَالرَّبُّ أَعْظَمُ مَنْ عُصِيَ، فَكُلُّ ذَنْبٍ
стр. 6171
بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُخَالَفَتِهِ عَظِيمٌ ; وَلَكِنَّ الذُّنُوبَ وَإِنْ عَظُمَتْ فَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي رُتَبِهَا. وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ فَقَالَ: التَّحْقِيقُ أَنَّ لِلْكَبِيرَةِ اعْتِبَارَيْنِ: فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَايَسَةِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ فَهِيَ تَخْتَلِفُ قَطْعًا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآمِرِ النَّاهِيِ فَكُلُّهَا كَبَائِرُ اهـ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ، وَإِنَّمَا جَرَى إِلَيْهِ الْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْحَدِيثُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فَجَعَلَ فِي الْمَنْهِيَّاتِ صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ إِذْ جَعَلَ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ فِي الْآيَةِ مَشْرُوطًا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَاسْتَثْنَى اللَّمَمَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْفَوَاحِشِ، فَكَيْفَ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى حَبْرِ الْقُرْآنِ؟ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ، لَكِنَّ النَّقْلَ الْمَذْكُورَ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَالطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مَحْمُولًا عَلَى نَهْيٍ خَاصٍّ وَهُوَ الَّذِي قُرِنَ بِهِ وَعِيدٌ كَمَا قَيَّدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى مُقَيَّدِهِ جَمْعًا بَيْنَ كَلَامَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ يُضَافَانِ إِلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الطَّاعَةُ أَوِ الْمَعْصِيَةُ أَوِ الثَّوَابُ. فَأَمَّا الطَّاعَةُ فَكُلُّ مَا تُكَفِّرُهُ الصَّلَاةُ مَثَلًا هُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَكُلُّ مَا يُكَفِّرُهُ الْإِسْلَامُ أَوِ الْهِجْرَةُ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا بِسَبَبِهَا وَعِيدًا أَوْ عِقَابًا أَزْيَدَ مِنَ الْوَعِيدِ أَوِ الْعِقَابِ الْمُسْتَحَقِّ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ أُخْرَى فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَأَمَّا الثَّوَابُ فَفَاعِلُ الْمَعْصِيَةِ إِذَا كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَالصَّغِيرَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَبِيرَةٌ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْمُعَاتَبَةُ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمُورٍ لَمْ تُعَدَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مَعْصِيَةً اهـ. وَكَلَامُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ يُخَصِّصُ عُمُومَ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ عَلَامَةَ الْكَبِيرَةِ وُرُودُ الْوَعِيدِ أَوِ الْعِقَابِ فِي حَقِّ فَاعِلِهَا، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مُطْلَقَ قَتْلِ النَّفْسِ مَثَلًا لَيْسَ كَبِيرَةً، كَأَنَّهُ وَإِنْ وَرَدَ الْوَعِيدُ فِيهِ أَوِ الْعِقَابُ لَكِنْ وَرَدَ الْوَعِيدُ وَالْعِقَابُ فِي حَقِّ قَاتِلِ وَلَدِهِ أَشَدُّ، فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَأَنَّ الْمِثَالَ الْمَذْكُورَ وَمَا أَشْبَهَهُ يَنْقَسِمُ إِلَى كَبِيرَةٍ وَأَكْبَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِ الْكَبِيرَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ فِي الْآخِرَةِ أَوْ أَوْجَبَ فِيهِ حَدًّا فِي الدُّنْيَا، قُلْتُ: وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَفْظُهُ: الْكَبِيرَةُ ومَا وَجَبَتْ فِيهِ الْحُدُودُ، أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْوَعِيدُ. وَالْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا. وَأُخْرِجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ لَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ كَبِيرَةٌ.
وَقَدْ ضَبَطَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْكَبَائِرَ بِضَوَابِطَ أُخْرَى، مِنْهَا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْثِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ. وَقَوْلُ الْحَلِيمِيُّ: كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: هِيَ مَا أَوْجَبَ الْحَدَّ. وَقِيلَ: مَا يُلْحِقُ الْوَعِيدَ بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. هَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لِلْأَصْحَابِ وَهُمْ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ أَمْيَلُ ; لَكِنَّ الثَّانِي أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْصِيلِ الْكَبَائِرِ اهـ كَلَامُهُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً لَا حَدَّ فِيهِ كَالْعُقُوقِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ مُرَادَ قَائِلِهِ ضَبْطَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ: لَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَابِطٍ لِلْكَبِيرَةِ لَا يَسْلَمُ مِنَ
стр. 6172
الِاعْتِرَاضِ، وَالْأَوْلَى ضَبْطُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا بِدِينِهِ إِشْعَارًا دُونَ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. قُلْتُ: وَهُوَ ضَابِطٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: الرَّاجِحُ أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ نُصَّ عَلَى كِبَرِهِ أَوْ عِظَمِهِ أَوْ تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ أَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ شُدِّدَ النَّكِيرُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَكَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ يُوَافِقُ مَا نُقِلَ أَوَّلًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ إِيجَابُ الْحَدِّ، وَعَلَى هَذَا يَكْثُرُ عَدَدُ الْكَبَائِرِ.
فَأَمَّا مَا وَرَدَ النَّصُّ الصَّرِيحُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ زِيَادَةً عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَاتِ مِمَّا نَصَّ عَلَى كَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ مُوبِقَةً. وَقَدْ ذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي لَمْ يُنَصَّ عَلَى كَوْنِهَا كَبِيرَةً مَعَ كَوْنِهَا كَبِيرَةً لَا ضَابِطَ لَهَا، فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: مَا لَمْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى كَوْنِهِ كَبِيرَةً فَالْحِكْمَةُ فِي إِخْفَائِهِ أَنْ يَمْتَنِعَ الْعَبْدُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً، كَإِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَسَاعَةِ الْجُمُعَةِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) قَوْلُهُ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْحَصْرِ بَلْ مِنْ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَشْيَاءَ أُخَرَ أَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قَتْلِ النَّفْسِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيِ الذَّنْبِ أَعْظَمُ فَذَكَرَ فِيهِ الزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَارِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ: مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - فَذَكَرَ مِنْهَا - الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - فَذَكَرَ مِنْهَا - مَنْعَ فَضْلِ الْمَاءِ وَمَنْعَ الْفَحْلِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَيَقْرَبُ مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي الْحَدِيثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَلَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعُقُوقِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ فِي الذُّنُوبِ صَغَائِرَ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مَنْ قَالَ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ فَالْكَبَائِرُ
وَالذُّنُوبُ عِنْدَهُ مُتَوَارِدَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ اسْتِوَاؤُهَا فَإِنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْكُفْرِ، وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ، لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَصْنَافِ الْكُفْرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُهُ إِلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا، وَذَكَرَ قَبْلَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي بَعْدَهُ قَتْلَ النَّفْسِ وَالْمُرَادُ قَتْلُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ) فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ فِي الشَّهَادَاتِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا وَأَمَّا فِي الِاسْتِئْذَانِ فَكَالْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ أَيْ تَمَنَّيْنَاهُ يَسْكُتُ إِشْفَاقًا عَلَيْهِ لِمَا رَأَوْا مِنَ انْزِعَاجِهِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اهْتِمَامُهُ ﷺ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنُ
стр. 6173
بِهَا أَكْثَرُ، وَمَفْسَدَتُهَا أَيْسَرُ وُقُوعًا ; لِأَنَّ الشِّرْكَ يَنْبُو عَنْهُ الْمُسْلِمُ، وَالْعُقُوقُ يَنْبُو عَنْهُ الطَّبْعُ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّورِ فَإِنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ فَحَسُنَ الِاهْتِمَامُ بِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا. قَالَ: وَأَمَّا عَطْفُ الشَّهَادَةِ عَلَى اقَوْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلشَّهَادَةِ لِأَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْكَذِبِ مَنْصُوصًا عَلَى عِظَمِهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وَفِي الْجُمْلَةِ فَمَرَاتِبُ الْكَذِبِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ، قَالَ: وَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ كَبِيرَةٌ، وَالْغِيبَةُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْقَوْلِ الْمُغْتَابِ بِهِ، فَالْغِيبَةُ بِالْقَذْفِ كَبِيرَةٌ وَلَا تُسَاوِيهَا الْغِيبَةُ بِقُبْحِ الْخِلْقَةِ أَوِ الْهَيْئَةِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةِ زُورٍ قَوْلُ زُورٍ بِغَيْرِ عَكْسٍ، وَيُحْتَمَلُ قَوْلُ الزُّورِ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْهُ. قُلْتُ: وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ، وَيُؤَيِّدُهُ وُقُوعُ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: شَهَادَةُ الزُّورِ هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْكَذِبِ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى الْبَاطِلِ مِنْ إِتْلَافِ نَفْسٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ تَحْلِيلِ حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ، فَلَا شَيْءَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْهَا وَلَا أَكْثَرُ فَسَادًا بَعْدَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكُفْرُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ شَاهِدٌ بِالزُّورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ يَسْتَحِلُّ شَهَادَةَ الزُّورِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالشَّكِّ، وَجَزَمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الشَّهَادَاتِ بِالثَّانِي قَالَ: سُئِلَ إِلَخْ، وَقَعَ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عُمَرَ وَهُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ الْحَدِيثَ وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ وَفِي كِتَابِ الْقُضَاةِ لِلنَّقَّاشِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ طَرِيقَ أَبِي عَامِرٍ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي أَنَّ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لَا مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُطْلَقَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ إِلَخْ) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ خَصَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ بِقَوْلِ الزُّورِ ; وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا قَبْلُ تُؤْذِنَ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَاتِ مُشْتَرِكَاتٌ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ، قَالَ شُعْبَةُ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ) قُلْتُ: وَوَقَعَ الْجَزْمُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الشَّهَادَاتِ، قَالَ قُتَيْبَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَلَمْ يَشُكَّ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَلَمْ يَشُكَّ أَيْضًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ اسْتِحْبَابُ إِعَادَةِ الْمَوْعِظَةِ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ، وَانْزِعَاجِ الْوَاعِظِ فِي وَعْظِهِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْوَعْيِ عَنْهُ وَالزَّجْرِ عَنْ فِعْلِ مَا يَنْهَى عَنْهُ، وَفِيهِ غِلَظُ أَمْرِ شَهَادَةِ الزُّورِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ وَإِنْ كَانَتْ مَرَاتِبُهَا مُتَفَاوِتَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَضَابِطُ الزُّورِ وَصْفُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَقَدْ يُضَافُ إِلَى الْقَوْلِ فَيَشْمَلُ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ، وَقَدْ يُضَافُ إِلَى الشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِهَا، وَقَدْ يُضَافُ إِلَى الْفِعْلِ وَمِنْهُ لَابِسُ ثَوْبَيْ زُورٍ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الشَّعْرِ الْمَوْصُولِ زُورًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْبَاطِلُ وَالْمُرَادُ لَا يَحْضُرُونَهُ، وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى مُجَانَبَةِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ لِيَحْصُلَ تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ بِذَلِكَ كَمَا وَعَدَ اللَّهُ ، وَفِيهِ إِشْفَاقُ التِّلْمِيذِ عَلَى شَيْخِهِ إِذَا رَآهُ مُنْزَعِجًا وَتَمَنِّي عَدَمَ غَضَبِهِ لِمَا
стр. 6174
يَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ مِنْ تَغَيُّرِ مِزَاجِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧ - بَاب صِلَةِ الْوَالِدِ الْمُشْرِكِ
٥٩٧٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي أَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
قَوْلُهُ: (بَابُ صِلَةِ الْوَالِدِ الْمُشْرِكِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَتَتْنِي أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.
وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِهِ: رَاغِبَةٌ هَلْ هُوَ بِالْمِيمِ أَوِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهَا: رَاغِبَةٌ إِنْ كَانَ بِلَا قَيْدٍ فَالْمُرَادُ رَاغِبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا غَيْرَ، وَإِذَا قُرِنَتْ بِقَوْلِهِ مُشْرِكَةً أَوْ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ فَالْمُرَادُ رَاغِبَةٌ فِي صِلَتِي، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ رَاغِمَةٌ بِالْمِيمِ فَمَعْنَاهَا كَارِهَةٌ لِلْإِسْلَامِ. قُلْتُ: أَمَّا الَّتِي بِالْمُوَحَّدَةِ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ فِيهِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَتَعَيَّنُ الْقَيْدُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ رَاغِبَةً فِي الْإِسْلَامِ لَمْ تَحْتَجْ أَسْمَاءُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فِي صِلَتِهَا لِشُيُوعِ التَّأَلُّفِ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمْرِهِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانِهِ فِي ذَلِكَ.
٨ - بَاب صِلَةِ الْمَرْأَةِ أُمَّهَا وَلَهَا زَوْجٌ
٥٩٧٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَت: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ - فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أبيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ.
٥٩٨٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ".
قَوْلُهُ: (بَابُ صِلَةِ الْمَرْأَةِ أُمَّهَا وَلَهَا زَوْجٌ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا:
حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَوْرَدَهُ مُعَلَّقًا فَقَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ إِلَى اللَّيْثِ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى عَنِ اللَّيْثِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِقْهُ التَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَ لِأَسْمَاءَ أَنْ تَصِلَ أُمَّهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ مُشَاوَرَةَ زَوْجِهَا، قَالَ: وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي مَالِهَا بِدُونِ إِذْنِ
стр. 6175
زَوْجِهَا. كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاشْتِرَاطِ إِنْ ثَبَتَ فِيهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّقْيِيدِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ.
الثاني: حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ، أَوْرَدَ مِنْهَا طَرَفًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ، وَذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ الصِّلَةِ فَيُؤْخَذُ حُكْمُ التَّرْجَمَةِ مِنْ عُمُومِهَا.
٩ - بَاب صِلَةِ الْأَخِ الْمُشْرِكِ
٥٩٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ حُلَّةَ سِيَرَاءَ تُبَاعُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ وَالْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْوُفُودُ. قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنْ تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. قَوْلُهُ (بَابُ صِلَةِ الْأَخِ الْمُشْرِكِ).
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ رَأَى عُمَرُ حُلَّةً سِيَرَاءَ تُبَاعُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَلَكِنْ تَبِيعُهَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِتَبِيعَهَا.
١٠ - باب فَضْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ
٥٩٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُثْمَانَ سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ … ح.
٥٩٨٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا لَهُ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَبٌ مَا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. ذَرْهَا. قَالَ: كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، يُطْلَقُ عَلَى الْأَقَارِبِ وَهُمْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ نَسَبٌ، سَوَاءٌ كَانَ يَرِثُهُ أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ أَمْ لَا. وَقِيلَ: هُمُ الْمَحَارِمُ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَجَّحُ لِأَنَّ الثَّانِي يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ أَوْلَادِ الْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِ الْأَخْوَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وذكر فيه حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : أَرَبٌ مَا لَهُ وَفِيهِ تُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
١١ - باب إِثْمِ الْقَاطِعِ
стр. 6176
٥٩٨٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: إِنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ الْقَاطِعِ) أَيْ قَاطِعُ الرَّحِمِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ) كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ: وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَمَعْمَرٍ كُلِّهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ وَقَالَ فِيهِ: قَاطِعُ رَحِمٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ سُفْيَانَ رَوَاهُ عَنْهُ كَرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ فَأَدْرَجَ التَّفْسِيرَ، وَقَدْ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَرِيزٍ بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ قَاضِي سِجِسْتَانَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مُصَدِّقٌ بِسِحْرٍ، وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْر رَفَعَهُ مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ عَشِيَّةِ خَمِيسٍ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُغْلَقَةٌ دُونَ قَاطِعِ الرَّحِمِ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ إِنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِمِ وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْمَطَرُ وَأَنَّهُ يُحْبَسُ عَنِ النَّاسِ عُمُومًا الرِّزْقُ بِشُؤْمِ التَّقَاطُعِ.
١٢ - باب مَنْ بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ
٥٩٨٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ.
٥٩٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ. وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ لِصِلَةِ الرَّحِمِ) أَيْ لِأَجْلِ صِلَةِ رَحِمِهِ.
قَوْلُهُ: (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ) أَيِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ نَضْلَةَ - بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ - ابْنِ عَمْرٍو، وَلِنَضْلَةَ جَدِّهِ الْأَعْلَى صُحْبَةٌ، وَهُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ مُوَثَّقٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَا أَبُوهُ لَكِنْ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ أَوْ مَوْضِعَانِ.
قَوْلُهُ: (سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الْمَقْبُرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَنْ أَحَبَّ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ يُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ وَأَخْرَجَ
стр. 6177
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ نَحْوَ حَدِيثَيِ الْبَابِ قَالَ: وَيَدْفَعُ عَنْهُ مِيتَةَ السُّوءِ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ يَزِيدُ اللَّهُ بِهِمَا الْعُمُرَ، وَيَدْفَعُ بِهِمَا مِيتَةَ السُّوءِ فَجَمَعَ الْأَمْرَيْنِ، لَكِنْ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظٍ مَنِ اتَّقَى رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ نُسِئَ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَثَرِيَ مَالُهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْسَأُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، ثُمَّ هَمْزَةٌ أَيْ: يُؤَخَّرُ.
قَوْلُهُ: (فِي أَثَرِهِ) أَيْ فِي أَجَلِهِ، وَسُمِّيَ الْأَجَلُ أَثَرًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمُرَ، قَالَ زُهَيْرٌ:
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ … لَا يَنْقَضِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مَشْيِهِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ حَرَكَةٌ فَلَا يَبْقَى لِقَدَمِهِ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعَارِضُ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ تَضْيِيعِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَيَبْقَى بَعْدَهُ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّوْفِيقِ الْعِلْمُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ثَانِيهمَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِالْعُمُرِ، أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى -، كَأَنْ يُقَالَ لِلْمَلَكِ مَثَلًا: إِنَّ عُمُرَ فُلَانٍ مِائَةٌ مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا.
وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَصِلُ أَوْ يَقْطَعُ، فَالَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَالَّذِي فِي عِلْمِ الْمَلَكِ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فَالْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلْمِ الْمَلَكِ، وَمَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ هُوَ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا مَحْوَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. وَيُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ، وَيُقَالُ لِلْأَوَّلِ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ الْأَثَرَ مَا يَتْبَعُ الشَّيْءَ، فَإِذَا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الذِّكْرِ الْحَسَنِ بَعْدَ فَقْدِ الْمَذْكُورِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ صَاحِبِ الْفَائِقِ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُبْقِي أَثَرَ وَاصِلِ الرَّحِمِ فِي الدُّنْيَا طَوِيلًا فَلَا يَضْمَحِلُّ سَرِيعًا كَمَا يَضْمَحِلُّ أَثَرُ قَاطِعِ الرَّحِمِ. وَلَمَّا أَنْشَدَ أَبُو تَمَّامٍ قَوْلَهُ فِي بَعْضِ الْمَرَاثِي:
تُوُفِّيَتِ الْآمَالُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ … وَأَصْبَحَ فِي شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ
قَالَ لَهُ أَبُو دُلَفٍ: لَمْ يَمُتْ مَنْ قِيلَ فِيهِ هَذَا الشِّعْرُ. وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ قَوْلُ الْخَلِيلِ ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ زِيَادَةً فِي عُمُرِهِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الْآيَةَ ; وَلَكِنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَي مُشَجِّعَةَ الْجُهَنِيِّ رَفَعَهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَةُ الْعُمُرِ ذُرِّيَّةٌ صَالِحَةٌ الْحَدِيثَ. وَجَزَمَ ابْنُ فورَكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِزِيَادَةِ الْعُمُرِ نَفْيُ الْآفَاتِ عَنْ صَاحِبِ الْبِرِّ فِي فَهْمِهِ وَعَقْلِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ فِي أَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي وُجُودِ الْبَرَكَةِ فِي رِزْقِهِ وَعِلْمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 6178
١٣ - بَاب مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ
٥٩٨٧ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهُوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾
٥٩٨٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ.
٥٩٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ) أَيْ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا دال مُهْمَلَةٌ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَسْمِيَتُهُ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ، وَلِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ) تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ فَرَغَ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَلْقِ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُكَلَّفِينَ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِبْرَازِهَا فِي الْوُجُودِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ خَلْقِهَا كَتْبًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَلَمْ يَبْرُزْ بَعْدُ إِلَّا اللَّوْحُ وَالْقَلَمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْتِهَاءِ خَلْقِ أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ لَمَّا أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ﵇ مِثْلَ الذَّرِّ.
قَوْلُهُ: (قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ. وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ تَتَكَلَّمُ كَمَا هِيَ أَوْ يَخْلُقُ اللَّهُ لَهَا عِنْدَ كَلَامِهَا حَيَاةً وَعَقْلًا؟ قَوْلَانِ أَيْضًا مَشْهُورَانِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ، وَلِمَا فِي الْأَوَّلَيْنِ مِنْ تَخْصِيصِ عُمُومِ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ حَصْرِ قُدْرَةِ الْقَادِرِ الَّتِي لَا يَحْصُرُهَا شَيْءٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ حَمْلُ عِيَاضٍ لَهُ عَلَى الْمَجَازِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ ضَرْبِ الْمَثَلِ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْقَوْلُ مَلَكًا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الرَّحِمِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ إِنَّ الرَّحِمَ أَخَذَتْ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ وَحَكَى
стр. 6179
شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُجْزَةِ هُنَا قَائِمَةُ الْعَرْشِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ إِنَّ الرَّحِمَ أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِلَفْظٍ هَذَا مَكَانُ بَدَلَ مَقَامُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَصِلُ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعُ مَنْ قَطَعَكِ) فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْوَصْلُ مِنَ اللَّهِ كِنَايَةٌ عَنْ عَظِيمِ إِحْسَانِهِ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ، وَلَمَّا كَانَ أَعْظَمُ مَا يُعْطِيهِ الْمَحْبُوبُ لِمُحِبِّهِ الْوِصَالَ وَهُوَ الْقُرْبُ مِنْهُ وَإِسْعَافُهُ بِمَا يُرِيدُ وَمُسَاعَدَتُهُ عَلَى مَا يُرْضِيهِ، وَكَانَتْ حَقِيقَةُ ذَلِكَ مُسْتَحِيلَةً فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -، عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ عَظِيمِ إِحْسَانِهِ لِعَبْدِهِ. قَالَ: وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْقَطْعِ، هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حِرْمَانِ الْإِحْسَانِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَسَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّهُ يَعْنِي الْقَوْلَ الْمَنْسُوبَ إِلَى الرَّحِمِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ أَوِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إِنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّمْثِيلِ كَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ كَذَا، وَمِثْلُهُ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾ الْآيَةَ، وَفِي آخِرِهَا ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ فَمَقْصُودُ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِتَأَكُّدِ أَمْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّهُ - تَعَالَى - أَنْزَلَهَا مَنْزِلَةَ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي حِمَايَتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْذُولٍ، وَقَدْ قَالَ: مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، وَإِنَّ مَنْ يَطْلُبْهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) لِسُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: هَذَا، وَالْآخَرُ: الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ - وَقَدْ سَبَقَ مِنْ طَرِيقِهِ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ - والثالث حديثه عن معاوية بن أبي مزرد أيضا عن يزيد بن رومان وهو ثالث أحاديث الباب.
قَوْلُهُ: (الرَّحِمُ شِجْنَةٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَجَاءَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ رِوَايَةً وَلُغَةً. وَأَصْلُ الشِّجْنَةِ عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، وَالشَّجَنُ بِالتَّحْرِيكِ وَاحِدُ الشُّجُونِ وَهِيَ طُرُقُ الْأَوْدِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْحَدِيثُ ذُو شُجُونٍ أَيْ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: مِنَ الرَّحْمَنِ أَيْ أُخِذَ اسْمُهَا مِنْ هَذَا الِاسْمِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي السُّنَنِ مَرْفُوعًا أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ مُشْتَبِكَةٌ بِهَا ; فَالْقَاطِعُ لَهَا مُنْقَطِعٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّحِمَ اشْتُقَّ اسْمُهَا مِنَ اسْمِ الرَّحْمَنِ فَلَهَا بِهِ عَلَقَةٌ، وَلَيْسَ مضاه أَنَّهَا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ الرَّحِمَ الَّتِي تُوصَلُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدِّينِ وَتَجِبُ مُوَاصَلَتُهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُحِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ. وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ فَتَزِيدُ النَّفَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَالتَّغَافُلِ عَنْ زَلَّاتِهِمْ. وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ اسْتِحْقَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: تَكُونُ صِلَةُ الرَّحِمِ بِالْمَالِ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَةِ، وَبِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ، وَبِالدُّعَاءِ.
وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ إِيصَالُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الْخَيْرِ، وَدَفْعُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الشَّرِّ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ إِذَا كَانَ أَهْلُ الرَّحِمِ أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتُهُمْ فِي اللَّهِ هِيَ صِلَتُهُمْ، بِشَرْطِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي وَعْظِهِمْ، ثُمَّ إِعْلَامِهِمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ ذَلِكَ صِلَتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْبِ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيقِ الْمُثْلَى.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ اللَّهُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لَهَا وَهَذِهِ الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، وَأَحْسَنُ مَا يُقَدَّرُ لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، فَقَالَ اللَّهُ إِلَخْ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَهُوَ
стр. 6180
بِلَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ. وَفِي الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الرَّحِمِ، وَأَنَّ صِلَتَهَا مَنْدُوبٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَأَنَّ قَطْعَهَا مِنَ الْكَبَائِرِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِيهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَعَلَى رُجْحَانِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الذَّوَاتِ أَوْ مِنَ الصِّفَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٤ - بَاب تُبَلُّ الرَّحِمُ بِبَلَالِهَا
٥٩٩٠ - حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ - يَقُولُ: إِنَّ آلَ أَبِي - قَالَ عَمْرٌو فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: بَيَاضٌ - لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَاهَا، يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ بِالتَّنْوِينِ (تُبَلُّ الرَّحِمُ بِبَلَالِهَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِالْمُثَنَّاةِ، وَيَجُوزُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالْمُرَادُ الْمُكَلَّفُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا وَعَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ هُوَ أَبُو عُثْمَانُ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ وَيُقَالُ لَهُ: الْأَهْوَازِيُّ، أَصْلُهُ مِنْ إِحْدَاهُمَا وَسَكَنَ الْأُخْرَى، وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَنِ السِّتَّةِ. وَحَدِيثُ الْبَابِ قَدْ حَدَّثَ بِهِ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، لَكِنْ نَاسَبَ تَخْرِيجُهُ عَنْهُ كَوْنَ صَحَابِيِّهِ سَمِيَّة وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ شَيْخُهُ هُوَ غُنْدَرٌ وَهُوَ بَصْرِيٌّ، وَلَمْ أَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ إِلَّا عِنْدَهُ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَدِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَوَهْبِ بْنِ حَفْصٍ كَذَّبُوهُ.
قَوْلُهُ: (أنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ) عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ بِلَفْظٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُعَلَّقَةِ، وَلَيْسَ لِقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلِعَمْرٍو فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثَانِ آخَرَانِ حَدِيثُ أَيُّ الرِّجَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ وَقَدْ مَضَى فِي الْمَنَاقِبِ، وَحَدِيثُ إِذَا اجْتَهَدَو الْحَاكِمُ وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ، وَلَهُ آخَرُ مُعَلَّقٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَضَى فِي الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ، وَآخَرُ مَضَى فِي التَّيَمُّمِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ حَدِيثٌ آخَرُ فِي السَّحُورِ، وَهَذَا جَمِيعُ مَا لَهُ عِنْدَهُمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَارًا) يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَفْعُولِ أَيْ كَانَ الْمَسْمُوعُ فِي حَالَةِ الْجَهْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفَاعِلِ أَيْ أَقُولُ ذَلِكَ جِهَارًا، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ سِرٍّ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ جَهَرَ بِهِ مَرَّةً وَأَخْفَاهُ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ خُفْيَةً بَلْ جَهَرَ بِهِ وَأَشَاعَهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ آلَ أَبِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَا يُضَافُ إِلَى أَدَاةِ الْكُنْيَةِ، وَأَثْبَتَهُ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَتِهِ لَكِنْ كَنَّى عَنْهُ فَقَالَ: آلَ أَبِي فُلَانٍ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتَيْ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ مُسْلِمٍ مَوْضِعَ فُلَانٍ بَيَاضٌ ثُمَّ كَتَبَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ فُلَانٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ، وَفُلَانٌ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ عَلَمٍ، وَلِهَذَا وَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاتِهِ أنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَان وَلِبَعْضِهِمْ
стр. 6181
أنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ بِالْجَزْمِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) أَيْ غُنْدَرٌ شَيْخُ عَمْرٍو فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَيَاضٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: إِنَّ الصَّوَابَ فِي ضَبْطِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِالرَّفْعِ، أَيْ وَقَعَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مَوْضِعٌ أَبْيَضُ يَعْنِي بِغَيْرِ كِتَابَةٍ، وَفَهِمَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الِاسْمُ الْمُكَنَّى عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ فَقَرَأَهُ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أنَّ آلَ أَبِي بَيَاضٍ، وَهُوَ فَهْمٌ سَيِّئٌ مِمَّنْ فَهِمَهُ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ يُقَالُ لَهَا آلُ أَبِي بَيَاضٍ، فَضْلًا عَنْ قُرَيْشٍ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ مِنْ قَبِيلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ قُرَيْشٌ، بَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: إِنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَأَبْعَدَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى بَنِي بَيَاضَةَ وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْيِيرِ أَوِ التَّرْخِيمِ عَلَى رَأْيٍ، وَلَا يُنَاسِبُ السِّيَاقَ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: حُذِفَتِ التَّسْمِيَةُ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ الْكِنَايَةُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، خَشِيَ أَنْ يُصَرِّحَ بِالِاسْمِ فَيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ إِمَّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَإِمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَإِمَّا مَعًا. وَقَالَ عِيَاضٌ: إِنَّ الْمَكْنِيَّ عَنْهُ هُنَا هُوَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَذَا وَقَعَ مُبْهَمًا فِي السِّيَاقِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ آلَ أَبِي، فَلَوْ كَانَ آلَ بَنِي لَأَمْكَنَ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ آلِ أَبِي الْعَاصِ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَالْعَامُّ لَا يُفَسَّرُ بِالْخَاصِّ.
قُلْتُ: لَعَلَّ مُرَادَ الْقَائِلِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْعَامَّ وَأَرَادَ الْخَاصَّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ حَفْصٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا أَنَّ آلَ بَنِي لَكِنْ وَهْبٌ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي حَوَاشِيهِ بِأَنَّهُ آلُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ رَأَى فِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي هَذَا شَيْئًا يُرَاجَعُ مِنْهُ. قُلْتُ: قَالَ أَبُوُ بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ: كَانَ فِي أَصْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إنَّ آلَ أَبِي طَالِبٍ فَغَيَّرَ آلَ أَبِي فُلَانٍ كَذَا جَزَمَ بِهِ، وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَالَغَ فِي التَّشْنِيعِ وَنَسَبَهُ إِلَى التَّحَامُلِ عَلَى آلِ أَبِي طَالِبٍ، وَلَمْ يُصِبْ هَذَا الْمُنْكِرُ فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَوْجُودَةٌ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُوَفَّقِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَفَعَهُ إِنَّ لِبَنِي أَبِي طَالِبٍ رَحِمًا أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا لَكِنْ أَبْهَمَ لَفْظَ طَالِبٍ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لِمَنْ أَبْهَمَ هَذَا الْمَوْضِعَ ظَنُّهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي نَقْصًا فِي آلِ أَبِي طَالِبٍ ; وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوهُ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
قَوْلُهُ: (لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِأَوْلِيَاءَ فَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا النَّفْيِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ، أَيْ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ، وَالْمَنْفِيُّ عَلَى هَذَا الْمَجْمُوعُ لَا الْجَمِيعُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْوِلَايَةُ الْمَنْفِيَّةُ وِلَايَةُ الْقُرْبِ وَالِاخْتِصَاصِ لَا وِلَايَةُ الدِّينِ، وَرَجَّحَ ابْنُ التِّينِ الْأَوَّلَ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ آلِ أَبِي طَالِبٍ عَلِيًّا، وَجَعْفَرًا أو هُمَا مِنْ أَخَصِّ النَّاسِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا لَهُمَا مِنَ السَّابِقَةِ وَالْقِدَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَنَصْرِ الدِّينِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ النَّاسِ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا نُسِبَ إِلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ مِنَ النَّصْبِ وَهُوَ الِانْحِرَافُ عَنْ عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ، قُلْتُ: أَمَّا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ فَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ تَكَلَّمَ أَصْحَابُنَا فِي قَيْسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ قَدْرَهُ وَعَظَّمَهُ وَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْهُ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ حَتَّى قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: هُوَ أَوْثَقُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ، وَأَجَابَ مَنْ أَطْرَاهُ بِأَنَّهَا غَرَائِبُ وَإِفْرَادُهُ لَا يَقْدَحُ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِهِ وَقَالَ: كَانَ يَحْمِلُ عَلَى عَلِيٍّ وَلِذَلِكَ تَجَنَّبَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَأَجَابَ مَنْ أَطْرَاهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ فقط.
قُلْتُ: وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ
стр. 6182
التَّابِعِينَ، سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَمَنْ دُونَهُ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ حَدِيثَ الْبَابِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَبَيَانُ بْنُ بِشْرٍ وَهُمَا كُوفِيَّانِ وَلَمْ يُنْسَبَا إِلَى النَّصْبِ، لَكِنَّ الرَّاوِي عَنْ بَيَانٍ وَهُوَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ أُمَوِيٌّ قَدْ نُسِبَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّصْبِ، أَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ مَا كَانَ فَحَاشَاهُ أَنْ يُتَّهَمَ، وَلِلْحَدِيثِ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا فِي مُؤْمِنِي آلِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ الْمَجْمُوعُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ بِآلِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو طَالِبٍ نَفْسُهُ وَهُوَ إِطْلَاقٌ سَائِغٌ كَقَوْلِهِ فِي أَبِي مُوسَى: إِنَّهُ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَقَوْلُهُ ﷺ : آلُ أَبِي أَوْفَى وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ مُبَالَغَةً فِي الِانْتِفَاءِ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ لِكَوْنِهِ عَنهُ، وَشَقِيقَ أَبِيهِ، وَكَانَ الْقَيِّمَ بِأَمْرِهِ وَنَصْرِهِ وَحِمَايَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمَّا لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى دِينِهِ انْتَفَى مِنْ مُوَالَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ وَإِرَادَةِ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَرْقَانِيِّ وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي التَّحْرِيمِ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ لَكِنْ حُذِفَتِ الْوَاوُ مِنَ الْخَطِّ عَلَى وَفْقِ النُّطْقِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ وَلِيِّيَ مَنْ كَانَ صَالِحًا وَأنْ بَعُدَ مِنِّي نَسَبُهُ، وَلَيْسَ وَلِيِّيَ مَنْ كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ وَإِنْ قَرُبَ مِنِّي نَسَبُهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَائِدَةُ الْحَدِيثِ انْقِطَاعُ الْوِلَايَةِ فِي الدِّينِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا حَمِيمًا.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَوْجَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوِلَايَةَ بِالدِّينِ وَنَفَاهَا عَنْ أَهْلِ رَحِمِهِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَحْتَاجُ إِلَى الْوِلَايَةِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْمُوَارَثَةُ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبِينَ، وَأَنَّ الْأَقَارِبَ إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ تَوَارُثٌ وَلَا وِلَايَةٌ، قَالَ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّحِمَ الْمَأْمُورَ بِصِلَتِهَا وَالْمُتَوَعَّدَ عَلَى قَطْعِهَا هِيَ الَّتِي شُرِعَ لَهَا ذَلِكَ، فَأَمَّا مَنْ أُمِرَ بِقَطْعِهِ مِنْ أَجْلِ الدِّينِ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَلْحَقُ بِالْوَعِيدِ مَنْ قَطَعَهُ لِأَنَّهُ قَطَعَ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِقَطْعِهِ، لَكِنْ لَوْ وَصَلُوا بِمَا يُبَاحُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا لَكَانَ فَضْلًا، كَمَا دَعَا ﷺ لِقُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا كَذَّبُوهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِالْقَحْطِ، ثُمَّ اسْتَشْفَعُوا بِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ بِرَحِمِهِمْ، فَرَحِمَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ.
قُلْتُ: وَيُتَعَقَّبُ كَلَامُهُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُشَارِكُهُ فِيهِ كَلَامُ غَيْرِهِ وَهُوَ قَصْرُهُ النَّفْيَ عَلَى مَنْ لَيْسَ عَلَى الدِّينِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ فِي أَعْمَالِ الدِّينِ دَخَلَ فِي النَّفْيِ أَيْضًا لِتَقْيِيدِهِ الْوِلَايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَالثَّانِي: أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ الْكَافِرِ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهَا بِمَا إِذَا أَيِسَ مِنْهُ رُجُوعًا عَنِ الْكُفْرِ، أَوْ رَجَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صُلْبِهِ مُسْلِمٌ، كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي اسْتُدِلَّ بِهَا وَهِيَ دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِقُرَيْشٍ بِالْخِصْبِ وَعُلِّلَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَحْتَاجُ مَنْ يَتَرَخَّصُ فِي صِلَةِ رَحِمِهِ الْكَافِرِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى الدِّينِ وَلَكِنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي الْأَعْمَالِ مَثَلًا فَلَا يُشَارِكُ الْكَافِرَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ: الْمَعْنَى أَنِّي لَا أُوَالِي أَحَدًا بِالْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا أُحِبُّ اللَّهَ - تَعَالَى - لِمَا لَهُ مِنَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْعِبَادِ، وَأُحِبُّ صَالِحَ الْمُؤْمِنِينَ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَأُوَالِي مَنْ أُوَالِي بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَوِيِ رَحِمٍ أَوْ لَا، وَلَكِنْ أَرْعَى لِذَوِي الرَّحِمِ حَقَّهُمْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ، انْتَهَى.
وَهُوَ كَلَامٌ مُنَقَّحٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَما: الْأَنْبِيَاءُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ النَّقَّاشُ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ.
الثَّانِي: الصَّحَابَةُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَنَحْوُهُ فِي تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: هُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَأَشْبَاهُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُنَافِقٍ.
الثَّالِثُ: خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ.
الرَّابِعُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
الْخَامِسُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ،
стр. 6183
أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ أَيْضًا، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ عبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ أَحَدِ الضُّعَفَاءِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْهُ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ كَذَلِكَ.
السَّادِسُ: أَبُو بَكْرٍ خَاصَّةً، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ.
السَّابِعُ: عُمَرُ خَاصَّةً، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الثَّامِنُ: عَلِيٌّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ عَلِيٍّ نَفْسِهِ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ مَرْفُوعًا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا وَفِي سَنَدِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ النَّقَّاشُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ وَابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ. قُلْتُ: فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ تَوَهُّمَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ نَقْصًا مِنْ قَدْرِ عَلِيٍّ ﵁ وَيَكُونُ الْمَنْفِيُّ أَبَا طَالِبٍ وَمَنْ مَاتَ مِنَ آلِهِ كَافِرًا، وَالْمُثْبَتُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُؤْمِنًا، وَخُصَّ عَلِيٌّ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ رَأْسَهُمْ، وَأُشِيرَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ إِلَى لَفْظِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنُصَّ فِيهَا عَلَى عَلِيٍّ تَنْوِيهًا بِقَدْرِهِ وَدَفْعًا لِظَنِّ مَنْ يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ غَضَاضَةً، وَلَوْ تَفَطَّنَ مَنْ كَنَّى عَنْ أَبِي طَالِبٍ لِذَلِكَ لَاسْتَغْنَى عَمَّا صَنَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) أَيِ ابْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أَبِي أُحَيْحَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ; وَهُوَ مَوَثَّقٌ عِنْدَهُمْ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَنْبَسَةَ حَدَّثَنَا جَدِّي فَذَكَرَهُ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ نَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَذْكُورِ وَسَاقَهُ بِلَفْظٍ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي جَهْرًا غَيْرَ سِرٍّ: إِنَّ بَنِي أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ الْحَدِيثَ وَقَدْ قَدَّمْتُ لَفْظَ رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُوَفَّقِ، عَنْ عَنْبَسَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَنَّهَا أَخَصُّ مِنْ هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ لَهَا رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا، يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا) كَذَا لَهُمْ، لَكِنْ سَقَطَ التَّفْسِيرُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَهُ أَبُلُّهَا بِبَلَائِهَا وَبَعْد فِي الْأَصْلِ: كَذَا وَقَعَ، وَبِبَلَالِهَا أَجْوَدُ وَأَصَحُّ. وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا، انْتَهَى. وَأَظُنُّهُ مِنْ قَوْلِهِ كَذَا وَقَعَ إِلَخْ مِنْ كَلَامِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَجَّهَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا أَوْصَلَهُ إِلَيْهَا مِنَ الْأَذَى عَلَى تَرْكِهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْأَذَى أَبُلُّهُ، وَوَجَّهَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْبَلَاءَ بِالْمَدِّ يَجِيءُ بِمَعْنَى الْمَعْرُوفِ وَالْإِنْعَامِ، وَلَمَّا كَانَت الرَّحِمُ مِمَّا يَسْتَحِقُّ الْمَعْرُوفَ أُضِيفَ إِلَيْهَا ذَلِكَ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَصِلُهَا بِالْمَعْرُوفِ اللَّائِقِ بِهَا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ بِبَلَالِهَا مُشْتَقٌ مِنَ أَبُلُّهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَا قَوْلَهُ: بِبَلَالِهَا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِكَسْرِهَا وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: رُوِّينَاهُ بِالْكَسْرِ، وَرَأَيْتُهُ لِلْخَطَّابِيِّ بِالْفَتْحِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُوَ بِالْفَتْحِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْكَسْرِ. قُلْتُ: بِالْكَسْرِ أَوْجَهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْبِلَالِ جَمْعُ بَلَلٍ مِثْلَ جَمَلٍ وَجِمَالٍ، وَمَنْ قَالَهُ بِالْفَتْحِ بَنَاهُ عَلَى الْكَسْرِ مِثْلَ قَطَامِ وَحَذَامِ. وَالْبَلَالُ بِمَعْنَى الْبَلَلِ وَهُوَ النَّدَاوَةُ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الصِّلَةِ كَمَا أُطْلِقَ الْيُبْسُ عَلَى الْقَطِيعَةِ، لِأَنَّ النَّدَاوَةَ مِنْ شَأْنِهَا تَجْمِيعُ مَا يَحْصُلُ فِيهَا وَتَأْلِيفُهُ، بِخِلَافِ الْيُبْسِ فَمِنْ شَأْنِهِ التَّفْرِيقُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: بَلَلْتُ الرَّحِمَ بَلًّا وَبَلَلًا وَبِلَالًا أَيْ نَدَّيْتُهَا بِالصِّلَةِ. وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَى الْإِعْطَاءِ النَّدَى وَقَالُوا فِي الْبَخِيلِ مَا تَنْدَى كَفُّهُ
стр. 6184
بِخَيْرٍ، فَشُبِّهَتْ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلُهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يُطْفِئُ بِبَرْدِهِ الْحَرَارَةَ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: شَبَّهَ الرَّحِمَ بِالْأَرْضِ الَّتِي إِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْمَاءُ وَسَقَاهَا حَقَّ سُقْيِهَا أَزْهَرَتْ وَرُؤِيَتْ فِيهَا النَّضَارَةُ فَأَثْمَرَتِ الْمَحَبَّةَ وَالصَّفَاءَ، وَإِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ سَقْيٍ يَبِسَتْ وَبَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا فَلَا تُثْمِرُ إِلَّا الْبَغْضَاءَ وَالْجَفَاءَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ سَنَةٌ جَمَادٌ أَيْ لَا مَطَرَ فِيهَا، وَنَاقَةٌ جَمَادٌ أَيْ لَا لَبَنَ فِيهَا. وَجَوَّزَ الْخَطَّابِيُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا فِي الْآخِرَةِ أَيْ أَشْفَعُ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَتَعَقَّبَهُ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يَصِلُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ - إِلَى أَنْ قَالَ - يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْلِهِ: بِبَلَالِهَا مُبَالَغَةٌ بَدِيعَةٌ وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ أَيْ زِلْزَالَهَا الشَّدِيدَ الَّذِي لَا شَيْءَ فَوْقَهُ، فَالْمَعْنَى أَبُلُّهَا بِمَا اشْتُهِرَ وَشَاعَ بِحَيْثُ لَا أَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا.
١٥ - بَاب لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ
٥٩٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الْأَعْمَشُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرَفَعَهُ حَسَنٌ، وَفِطْرٌ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ) التَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ; وَالْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ بِفَاءٍ وَقَافٍ مُصَغَّرٌ، وَفِطْرٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ رَاءٌ هُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) أَيِ الثَّلَاثَةُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الْعَاصِ، وَقَوْلُهُ: قَالَ سُفْيَانُ هُوَ الرَّاوِي، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الْأَعْمَشُ وَرَفْعُهُ حَسَنٌ وَفِطْرٌ وهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَحْدَهُ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وَعَنِ الْأَعْمَشِ مَرْفُوعًا، وَتَابَعَهُ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَلَى رَفْعِ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَخَالَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ فَرَفَعَ رِوَايَةَ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ رِوَايَةَ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ مَرْفُوعَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِطْرٍ، وَبَشِيرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِهِ عَنْ فِطْرٍ مَرْفُوعًا وَزَادَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: إِنَّ الرَّحِمَ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، وَلَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ) أَيِ الَّذِي يُعْطِي لِغَيْرِهِ نَظِيرَ مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا لَيْسَ الْوَصْلُ أَنْ تَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، ذَلِكَ الْقِصَاصُ، وَلَكِنَّ الْوَصْلَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ، وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ.
قَوْلُهُ: (الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمَهُ وَصَلَهَا) أَيِ الَّذِي إِذَا مُنِعَ أَعْطَى، وَقُطِعَتْ ضُبِطَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي أَكْثَرِهَا بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنَى لَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْوَاصِلِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِصِلَتِهِ مَنْ يُكَافِئُ صَاحِبَهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَتَفَضَّلُ عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْمُرَادُ
стр. 6185
بِالْوَاصِلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَامِلِ، فَإِنَّ فِي الْمُكَافَأَةِ نَوْعَ صِلَةٍ، بِخِلَافِ مَنْ إِذَا وَصَلَهُ قَرِيبُهُ لَمْ يُكَافِئْهُ فَإِنَّ فِيهِ قَطْعًا بِإِعْرَاضِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، وَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ انْتَهَى. وَأَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْي الْوَصْلِ ثُبُوتُ الْقَطْعِ فَهُمْ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: مواصِلٌ وَمُكَافِئٌ وَقَاطِعٌ، فَالْوَاصِلُ: مَنْ يَتَفَضَّلُ وَلَا يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وَالْمُكَافِئُ: الَّذِي لَا يَزِيدُ فِي الْإِعْطَاءِ عَلَى مَا يَأْخُذُ، وَالْقَاطِعُ: الَّذِي يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّلُ. وَكَمَا تَقَعُ الْمُكَافَأَةُ بِالصِّلَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، كَذَلِكَ تقَعُ بِالْمُقَاطَعَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَمَنْ بَدَأَ حِينَئِذٍ فَهُوَ الْوَاصِلُ، فَإِنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جَازَاهُ مُكَافِئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٦ - بَاب مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
٥٩٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ. وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَانِ: أَتَحَنَّثُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ وَصَالِحٌ وَابْنُ الْمُسَافِرِ أَتَحَنَّثُ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: التَّحَنُّثُ التَّبَرُّرُ. وَتَابَعَه هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ) أَيْ هَلْ يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ؟ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (هَلْ كَانَ لِي فِيهَا أَجْرٍ)؟ وَهُوَ تَفْسِيرُ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَفِيهَا أَجْرٌ؟ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَانِ أَتَحَنَّثُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَقَالَ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ الْبُخَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْيَمَانِ أَتَحَنَّتُ) يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الْمُثَلَّثَةِ، يُشِيرُ إِلَى مَا أَوْرَدَهُ هُوَ فِي بَابِ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِلَفْظِ كُنْتُ أَتَحَنَّتُ أَوْ أَتَحَنَّثُ بِالشَّكِّ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ بِالْوَجْهَيْنِ ; وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَا صَوَّبَهُ عِيَاضٌ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَتَحَنَّتُ بِالْمُثَنَّاةِ لَا أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا، انْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَتَجَنَّبُ بِجِيمٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ فَقَالَ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: أَتَجَنَّبُ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَالتَّجَنُّبُ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّحَنُّثُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِنْثِ وَهُوَ الْإِثْمُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتَوَقَّى مَا يُؤَثِّمُ. قُلْتُ: وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ تَقْوَى رِوَايَةُ أَتَجَنَّبُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَيَكُونُ التَّرَدُّدُ فِي اللَّفْظَتَيْنِ وَهْمًا أَتَحَنَّثُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ وَأَتَجَنَّبُ بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَهُوَ تَوَقِّي مَا يُوقِعُ فِي الْإِثْمِ، لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَوَقِّي الْإِثْمَ فقط بَلْ أَعْلَى مِنْهُ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْبِرِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ، وَصَالِحٌ، وَابْنُ الْمُسَافِرِ: أَتَحَنَّثُ) يَعْنِي بِالْمُثَلَّثَةِ، أَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الزَّكَاةِ، وَهِيَ فِي بَابِ فَمَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَعَزَاهَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ لِلصَّلَاةِ، وَلَمْ أَرَهَا فِيهَا، وَأَمَّا رِوَايَةُ صَالِحٍ وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ فَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنُ الْمُسَافِرِ فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ بِحَذْفِهِمَا، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ
стр. 6186
الْفَهْمِيُّ الْمِصْرِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ، فَوَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ التَّحَنُّثُ التَّبَرُّرُ) هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ بَدْءُ النُّبُوَّةِ؟ قَالَ: فَقَالَ عُبَيْدٌ وَأَنَا حَاضِرٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَحَنَّثُ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالتَّحَنُّثُ التَّبَرُّرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى: فَكَانَ يَتَحَنَّثُ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ. وَمَضَى التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَتَابَع هُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَةِ خُصُوصُ تَفْسِيرِ التَّحَنُّثِ بِالتَّبَرُّرِ، وَرِوَايَةُ هِشَامٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا يَعْنِي أَتَبَرَّرُ.
١٧ - بَاب مَنْ تَرَكَ صَبِيَّةَ غَيْرِهِ حَتَّى تَلْعَبَ بِهِ، أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ مَازَحَهَا
٥٩٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَهْ سَنَهْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ .. يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَرَكَ صَبِيَّةَ غَيْرِهِ حَتَّى تَلْعَبَ بِهِ) أَيْ بِبَعْضِ جَسَدِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ مَازَحَهَا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَيْسَ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ لِلتَّقْبِيلِ ذِكْرٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا لَمْ يَنْهَهَا عَنْ مَسِّ جَسَدِهِ صَارَ كَالتَّقْبِيلِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذِكْرَ الْمَزْحِ بَعْدَ التَّقْبِيلِ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ; وَأَنَّ الْمُمَازَحَةَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعَ الصَّغِيرَةِ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّأْنِيسُ، وَالتَّقْبِيلُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ،
وحَدِيثُ الْبَابِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ مِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ فِي هَذَا السَّنَدِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي) أَيْ نَهَرَنِي، وَالزَّبْرُ بِزَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ هُوَ الزَّجْرُ وَالْمَنْعُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) قَالَ الدَّاوُدِيُّ يُسْتَفَادُ مِنْهُ مَجِيءُ ثُمَّ لِلْمُقَارَنَةِ، وَأَبَى ذَلِكَ بَعْضُ النُّحَاةِ فَقَالُوا: لَا تَأْتِي إِلَّا لِلتَّرَاخِي، كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنْ قَالَ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ: إِنَّ ثُمَّ لِلْمُقَارَنَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّرْتِيبِ بِالْمُهْلَةِ، وَقَالَ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْمُقَارَنَةِ لِأَنَّ الْإِبْلَاءَ يَقَعُ بَعْدَ الْخَلْقِ أَوِ الْخَلْفِ. قُلْتُ: لَعَلَّ الدَّاوُدِيَّ أَرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ الْمُعَاقَبَةَ فَيَتَّجِهُ كَلَامُهُ بَعْضَ اتِّجَاهٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَبَقِيَ) أَيِ الثَّوْبُ الْمَذْكُورُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَبَقِيَتْ وَالْمُرَادُ أُمُّ خَالِدٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ذَكَرَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ كَافٍ خَفِيفَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ رَاءٍ وَفِيهِ اكْتِفَاءٌ، وَالتَّقْدِيرُ ذَكَرَ الرَّاوِي زَمَنًا طَوِيلًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَعْنَى صَارَ شَيْئًا مَذْكُورًا عِنْدَ النَّاسِ بِخُرُوجِ بَقَائِهِ عَنِ الْعَادَةِ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ قَرَأَهُ ذُكِرَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ
стр. 6187
لَكِنْ لَمْ يَقَعْ عِنْدَنَا فِي الرِّوَايَةِ إِلَّا بِالْفَتْحُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ حَتَّى ذَكَرَ دَهْرًا وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى دَكِنَ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَكَافٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ أَيْ صَارَ أَدْكَنَ أَيْ أَسْوَدَ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ، الدُّكْنُ لَوْنٌ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ، وَقَدْ دَكِنَ الثَّوْبُ بِالْكَسْرِ يَدْكَنُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْفَتْحِ، وَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَصْحِيفٌ.
قَوْلُهُ: (يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَالضَّمِيرُ لِلْخَمِيصَةِ أَوْ لِأُمِّ خَالِدٍ بِحَسَبِ التَّوْجِيهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
١٨ - بَاب رَحْمَةِ الْوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ. وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ
٥٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لِابْنِ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ . وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا.
٥٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ.
٥٩٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: "خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا".
٥٩٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ".
٥٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقال النبي ﷺ : "أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ".
٥٩٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ "قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا
стр. 6188
قَوْلُهُ: (بَابُ رَحْمَةِ الْوَلَدِ وَقُبْلَتُهُ وَمُعَانَقَتُهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَجُوزُ تَقْبِيلُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ وَكَذَا الْكَبِيرُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً، وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ ﵍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا، وَكَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُقَبِّلُ ابْنَتَهُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ قُرَيْشِ بْنِ حِبَّانَ، عَنْ ثَابِتٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ. ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (مَهْدِيٌّ) هُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي نُعْمٍ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَاسْمُ أَبِيهِ لَا يُعْرَفُ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا بَصْرِيُّونَ، وَهُوَ كُوفِيُّ عَابِدٌ اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فَحَكَى عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ شَاهِدًا لِابْنِ عُمَرَ) أَيْ حَاضِرًا عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَاسْمُ الرَّجُلِ السَّائِلِ مَا عَرَفْتُهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ) تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ بِلَفْظِ الذُّبَابِ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ لَعَلَّهُ سَأَلَ عَنْهُمَا مَعًا. قُلْتُ: أَوْ أَطْلَقَ الرَّاوِي الذُّبَابَ عَلَى الْبَعُوضِ لِقُرْبِ شَبَهِهِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَعُوضِ مَعْنًى زَائِدٌ، قَالَ الْجَاحِظُ: الْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى النَّحْلِ وَالدَّبْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ذُبَابًا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ ) يَعْنِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (رَيْحَانَتَايَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ رَيْحَانِي بِكَسْرِ النُّونِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى الْإِفْرَادِ وَكَذَا عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رَيْحَانَتِي بِزِيَادَةِ تَاءِ التَّأْنِيثِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ رَيْحَانَتَايَ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ عَلَى التَّثْنِيَةِ فَجَعَلَهُ وَهْمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَالتَّخْفِيفِ فَلَا يَكُونُ وَهْمًا، وَالْمُرَادُ بِالرَّيْحَانِ هُنَا الرِّزْقُ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: أَيْ هُمَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الَّذِي رَزَقَنِيهِ، يُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَرَيْحَانَهُ أَيْ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَسْتَرْزِقَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الرَّيْحَانِ الْمَشْمُومَ، يُقَالُ: حَبَانِي بِطَاقَةِ رَيْحَانٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مِمَّا أَكْرَمَنِي اللَّهُ وَحَبَانِي بِهِ، لِأَنَّ الْأَوْلَادَ يُشَمُّونَ وَيُقَبَّلُونَ فَكَأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الرَّيَاحِينِ.
وَقَوْلُهُ: مِنَ الدُّنْيَا أَيْ نَصِيبِي مِنَ الرَّيْحَانِ الدُّنْيَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا هُوَ أَوْكَدُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ لِإِنْكَارِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ مَعَ تَرْكِهِ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الْكَبِيرَةِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا بِالْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ فَوَبَّخَهُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِعِظَمِ قَدْرِ الْحُسَيْنِ وَمَكَانِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ بَلْ أَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى جَفَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْحِجَازِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْتَى السَّائِلَ عَنْ خُصُوصِ مَا سَأَلَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ كِتْمَانُ الْعِلْمِ إِلَّا إِنْ حُمِلَ السَّائِلَ مُتَعَنِّتًا. وَيُؤَكدُ مَا قُلْتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ الْمَذْكُورَ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمَضَى فِي الزَّكَاةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ فَنَسَبَ أَبَاهُ لِجَدِّ أَبِيهِ وَإِدْخَالُ الزُّهْرِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُرْوَةَ رَجُلًا مِمَّا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ قَلِيلُ التَّدْلِيسِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ مَعْمَرٍ بِإِسْقَاطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ السَّنَدِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ سَمِعَهُ مِنْ عُرْوَةَ مُخْتَصَرًا
стр. 6189
وَسَمِعَهُ عَنْهُ مُطَوَّلًا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا بِنْتَانِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِنَّ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَعَهَا وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا) زَادَ مَعْمَرٌ وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَائِشَةَ جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ تَمْرَةً إِلَى فمهَا لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَنَشِقَتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوِهِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مُرَادَهَا بِقَوْلِهِا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْ أَخُصُّهَا بِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا فِي أَوَّلِ الْحَالِ سِوَى وَاحِدَةٍ فَأَعْطَتْهَا ثُمَّ وَجَدَتْ ثِنْتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ الْبَلَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْضًا بِشَيْءٍ وَقَوَّاهُ عِيَاضٌ وَأَيَّدَهُ بِرِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ مَنِ ابْتُلِيَ وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالِابْتِلَاءِ هَلْ هُوَ نَفْسُ وُجُودِهِنَّ أَوِ ابْتُلِيَ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُنَّ، وَكَذَلِكَ هَلْ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْبَنَاتِ، أَوِ الْمُرَادُ مَنِ اتَّصَفَ مِنْهُنَّ بِالْحَاجَةِ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: مِنْ هَذِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ذَاتَيْ قَرَابَةٍ يَحْتَسِبُ عَلَيْهِمَا، الَّذِي يَقَعُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ الْإِحْسَانِ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَكَذَا وَقَعَ فِي ابْنِ مَاجَهْ وَزَادَ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ أَدَبَهُنَّ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ زَادَ الطَّبَرِيُّ فِيهِ وَيُزَوِّجُهُنَّ وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ يَجْمَعُهَا لَفْظُ الْإِحْسَانِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِحْسَانِ هَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ أَوْ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، فَإِنَّ عَائِشَةَ أَعْطَتِ الْمَرْأَةَ التَّمْرَةَ فَآثَرَتْ بِهَا ابْنَتَيْهَا فَوَصَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْإِحْسَانِ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَعْرُوفًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ عُدَّ مُحْسِنًا، وَالَّذِي يَقْتَصِرُ عَلَى الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُحْسِنًا لَكِنِ الْمُرَادَ مِنَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ قَدْرٌ
زَائِدٌ، وَشَرْطُ الْإِحْسَانِ أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ لَا مَا خَالَفَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِهِ إِذَا اسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ اسْتِغْنَاؤُهُنَّ عَنْهُ بِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ يَحْصُلُ لِمَنْ أَحْسَنَ لِوَاحِدَةٍ فَقَطْ، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ: أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَقِيلَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْنَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَرَأَى بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْ لَوْ قَالَ وَوَاحِدَةٌ لَقَالَ وَوَاحِدَةٌ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْنَا: وَثِنْتَيْنِ؟ قَالَ: وَثِنْتَيْنِ. قُلْنَا: وَوَاحِدَةٌ؟ قَالَ: وَوَاحِدَةٌ، وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَأَدَّبَهَا وَأَحْسَنَ أَدَبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمِهَا وَأَوْسَعَ عَلَيْهَا مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَوْسَعَ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ وَاهٍ.
قَوْلُهُ:
стр. 6190
(كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ حِجَابًا وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَفِي الْحَدِيثِ تَأْكِيدُ حَقِّ الْبَنَاتِ لِمَا فِيهِنَّ مِنَ الضَّعْفِ غَالِبًا عَنِ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِنَّ، بِخِلَافِ الذُّكُورِ لِمَا فِيهِمْ مِنْ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَجَزَالَةِ الرَّأْي وَإِمْكَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ جَوَازُ سُؤَالِ الْمُحْتَاجِ، وَسَخَاءِ عَائِشَةَ لِكَوْنِهَا لَمْ تَجِدْ إِلَّا تَمْرَةً فَآثَرَتْ بِهَا، وَأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَمْتَنِعُ التَّصَدُّقُ بِهِ لِحَقَارَتِهِ، بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمَعْرُوفِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ وَلَا الْمِنَّةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ: إِنَّمَا سَمَّاهُ ابْتِلَاءً لِأَنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَ الْبَنَاتَ، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِزَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَرَغَّبَ فِي إِبْقَائِهِنَّ وَتَرْكِ قَتْلِهِنَّ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ بِهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهِنَّ. وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ هُنَا الِاخْتِبَارَ، أَيْ مَنِ اخْتُبِرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ لِيُنْظَرَ مَا يَفْعَلُ أَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ أَوْ يُسِيءُ، وَلِهَذَا قَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِالتَّقْوَى، فَإِنَّ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَضَجَّرَ بِمَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ يُقْصِرُ عَمَّا أُمِرَ بِفِعْلِهِ، أَوْ لَا يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَتَحْصِيلَ ثَوَابِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الحديث الثالث، قَوْلُهُ (وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ) أَيِ ابْنُ الرَّبِيعِ، وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَضَعَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، وَوَقَعَ هُنَا بِلَفْظِ رَكَعَ وَهُنَاكَ بِلَفْظِ سَجَدَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَهُوَ رَحْمَةُ الْوَلَدِ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ وَلَدٌ. وَمِنْ شَفَقَتِهِ ﷺ وَرَحْمَتُهُ لِأُمَامَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ يَخْشَى عَلَيْهَا أَنْ تَسْقُطَ فَيَضَعُهَا بِالْأَرْضِ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ لَا تَصبرُ فِي الْأَرْضِ فَتَجْزَعُ مِنْ مُفَارَقَتِهِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَحْمِلَهَا إِذَا قَامَ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ عِظَمَ قَدْرِ رَحْمَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ تُعَارِضُ حِينَئِذٍ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْخُشُوعِ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى مُرَاعَاةِ خَاطِرِ الْوَلَدِ فَقَدَّمَ الثَّانِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٍ فَرَّقَهُمَا كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُ الْأَقْرَعِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ، وَهُوَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، وَمِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مَا قَبَّلْتُ إِنْسَانًا قَطُّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ) هُوَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْخَبَرِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ لِلْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ مَنْ مَوْصُولَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً فَيُقْرَأُ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: جَعْلُهُ عَلَى الْخَبَرِ أَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ إِلَخْ أَيِ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ لَا يُرْحَمُ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً لَكَانَ فِي الْكَلَامِ بَعْضُ انْقِطَاعٍ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَجَوَابُهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ. قُلْتُ: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ نَوْعِ ضَرْبِ الْمَثَلِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهَا مَوْصُولَةً لِكَوْنِ الشَّرْطِ إِذَا أَعْقَبَهُ نَفْيٌ يُنْفَى غَالِبًا بِلَمْ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحًا إِذَا كَانَ الْمَقَامُ لَائِقًا بِكَوْنِهَا شَرْطِيَّةً. وَأَجَازَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَشَارِقِ الرَّفْعَ فِي الْجُزْءيْنِ وَالْجَزْمَ فِيهِمَا وَالرَّفْعَ فِي الْأُولَى وَالْجَزْمَ فِي الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ فَيَحْصُلُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَاسْتُبْعِدَ الثَّالِثُ، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الثَّانِي بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ لَا تَرْحَمُوا مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَظَاهِرٌ وَتَقْدِيرُهُ مَنْ لَا يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرْحَمُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَقُلْتُ لَهُ احْمِلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إِنَّهَا … مُطَوَّقَةٌ مَنْ يَأْتِهَا لَا يَضِيرُهَا
стр. 6191
وَفِي جَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَقْرَعِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَقْبِيلَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَهْلِ والْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَجَانِبِ إِنَّمَا يَكُونُ لِلشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا لِلَّذَّةِ وَالشَّهْوَةِ، وَكَذَا الضَّمُّ وَالشَّمُّ وَالْمُعَانَقَةُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَقْرَعَ الْمَذْكُورَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ التَّمِيمِيَّ ثُمَّ السَّعْدِيَّ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي الْأَغَانِي مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا فَهَلْ إِلَّا أَنْ تُنْزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْكَ فَهَذَا أَشْبَهُ بِلَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَوَقَعَ نَحْوَ ذَلِكَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْفَزَارِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنُ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ إِنَّ لِي عَشْرَةً فَمَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمِيعِهِمْ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالُوا.
قَوْلُهُ: (تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَمَا نُقَبِّلُهُمْ) وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَوَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُهُمْ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ.
قَوْلُهُ: (أَوَ أَمْلِكُ) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْهَمْزَةِ الْأُولَى لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ، أَيْ لَا أَمْلِكُ، أَيْ لَا أَقْدِرُ أَنْ أَجْعَلَ الرَّحْمَةَ فِي قَلْبِكَ بَعْدَ أَنْ نَزَعَ
هَا اللَّهُ مِنْهُ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُرَادَةٌ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَمَا أَمْلِكُ وَلَهُ فِي أُخْرَى مَا ذَنْبِي إِنْ كَانَ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَزَعَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا مَفْعُولُ أَمْلِكَ وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ كَسْرَ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا تَقَدَّمَ، أَيْ إِنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ لَا أَمْلِكُ لَكَ رَدَّهَا إِلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي قِصَّةِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَيْهِ. وَأَبُو غَسَّانَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، وَالْإِسْنَادُ مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (قُدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسَبْيٍ وَبِضَمِّ قَافِ قُدِمَ وَهَذَا السَّبْيُ هُوَ سَبْيُ هَوَازِنَ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ تَحْلُبُ وَضَمِّ اللَّامِ وَثَدْيَهَا بِالنَّصْبِ وَتَسْقِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَبِقَافٍ مَكْسُورَةٍ، وَلِلْبَاقِينَ قَدْ تَحَلَّبَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَهَيَّأَ لِأَنْ يُحْلَبَ، وَثَدْيُهَا بِالرَّفْعِ فَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ وَلِلْبَاقِينَ ثَدْيَاهَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِسَقْيِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَتَنْوِينِ التَّحْتَانِيَّةِ وَلِلْبَاقِينَ تَسْعَى بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ السَّعْيِ وَهُوَ الْمَشْيُ بِسُرْعَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ، وَابْنِ عَسْكَرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْن أَبِي مَرْيَمَ تَبْتَغِي بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مِنَ الِابْتِغَاءِ وَهُوَ الطَّلَبُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ صَوَابٌ، فَهِيَ سَاعِيَةٌ وَطَالِبَةٌ لِوَلَدِهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لإخَفَاءَ بِحُسْنِ رِوَايَةِ تَسْعَى وَوُضُوحِهَا، وَلَكِنْ لِرِوَايَةِ تَبْتَغِي وَجْهًا وَهُوَ تَطْلُبُ وَلَدَهَا، وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ، فَلَا يُغَلَّطُ الرَّاوِي مَعَ هَذَا التَّوْجِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا) كَذَا لِلْجَمِيعِ وَلِمُسْلِمٍ، وَحُذِفَ مِنْهُ شَيْءٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَلَفْظُهُ إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا أَخَذَتْهُ فَأَرْضَعَتْهُ فَوَجَدَتْ صَبِيًّا فَأَخَذَتْهُ فَأَلْزَمَتْهُ بَطْنَهَا وَعُرِفَ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّهَا كَانَتْ فَقَدَتْ صَبِيَّهَا وَتَضَرَّرَتْ بِاجْتِمَاعِ اللَّبَنِ فِي ثَدْيهَا، فَكَانَتْ إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا أَرْضَعَتْهُ لِيَخِفَّ عَنْهَا، فَلَمَّا وَجَدَتْ صَبِيَّهَا بِعَيْنِهِ أَخَذَتْهُ فَالْتَزَمَتْهُ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى اسْمِ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (أَتُرَوْنَ)؟
стр. 6192
بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ أَتَظُنُّونَ؟
قَوْلُهُ: (قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أَيْ لَا تَطْرَحُهُ طَائِعَةً أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَلَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ لَامُ تَأْكِيدٍ، وَصَرَّحَ بِالْقَسَمِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِعِبَادِهِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادِ هُنَا مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَصَبِيٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ الْقَوْمَ خَشِيَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَنْ يُوطَأَ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، وَسَعَتْ فَأَخَذَتْهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِي ابْنَهَا فِي النَّارِ، فَقَالَ: وَلَا اللَّهِ بِطَارِحٍ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ فَالتَّعْبِيرُ بِحَبِيبِهِ يُخْرِجُ الْكَافِرَ. وَكَذَا مَنْ شَاءَ إِدْخَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَفْظُ الْعَبادِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَهِيَ عَامَّةٌ مِنْ جِهَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَخَاصَّةٌ بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ لِمَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِنْ أَيِّ الْعِبَادِ كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْعَلَ تَعَلُّقَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحْمَةً مَا حَتَّى يُقْصَدَ لِأَجْلِهَا فَاللَّهُ أَرْحَمُ مِنْهُ، فَلْيَقْصِدِ الْعَاقِلُ لِحَاجَتِهِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ لَهُ رَحْمَةً، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمَسْبِيَّاتِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي إِذْنَهُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا.
وَفِيهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ لِمَا لَا يُدْرَكُ بِهَا لِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ لَا يُحَاطُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَرَّبَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّامِعِينَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ الْمَرْأَةَ عَنْ إِرْضَاعِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ أَرْضَعَتْهُمْ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكْبُرَ بَعْضُهُمْ فَيَتَزَوَّجُ بَعْضَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مَعَهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْإِرْضَاعِ نَاجِزَةً، وَمَا يُخْشَى مِنَ الْمَحْرَمِيَّةِ مُتَوَهَّمٌ اغْتُفِرَ. قُلْتُ: وَلَفْظُ الصَّبِيِّ بِالتَّذْكِيرِ فِي الْخَبَرِ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانَ بِهِمْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْإِرْضَاعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَا تَرَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ تُرْضِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَقْوَى فَلِأَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى إِرْضَاعِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَتَبَيَّنَ الضَّرُورَةَ اهـ. مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
١٩ - بَاب جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ في مِائَةَ جُزْءٍ
٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.
[الحديث ٦٠٠٠ - طرفه في: ٦٤٦٩]
قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) هَكَذَا تُرْجِمَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ.
قَوْلُهُ: (الْبَهْرَانِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ
стр. 6193
يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى بَهْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، نَزَلَ أَكْثَرُهُمْ حِمْصَ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ كَانَ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِ الظَّرْفِ فَلَعَلَّ فِي زَائِدَةٌ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَفِيهِ نَوْعُ مُبَالَغَةٍ إِذْ جَعَلَهَا مَظْرُوفًا لَهَا مَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا مَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِالرَّحْمَةِ جَعَلَهَا فِي مِائَةِ وِعَاءٍ فَأَهْبَطَ مِنْهَا وَاحِدًا لِلْأَرْضِ. قُلْتُ: خَلَتْ أَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنِ الظرف كَرِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَلَقَ اخْتَرَعَ وَأَوْجَدَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، وَقَدْ وَرَدَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَهُ لِذَلِكَ يَوْمَ أَظْهَرَ تَقْدِيرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: كُلُّ رَحْمَةٍ تَسَعُ طِبَاقَ الْأَرْضِ الْمُرَادُ بِهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّكْثِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّعْظِيمُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَأَخَّرَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّحْمَةَ يُرَادُ بِهَا مُتَعَلِّقُ الْإِرَادَةِ لَا نَفْسُ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّعَمِ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ فَبهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِيهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: خُصَّ الْفَرَسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانِ الْمَأْلُوفِ الَّذِي يُعَايِنُ الْمُخَاطَبُونَ حَرَكَتَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَلِمَا فِي الْفَرَسِ مِنَ الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ فِي التَّنَقُّلِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَتَجَنَّبُ أَنْ يَصِلَ الضَّرَرُ مِنْهَا إِلَى وَالَدِهَا.
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْيمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مِائَةً وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْخَلْقِ تَكُونُ فِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسِهِمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ التَّبَعَاتِ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ فِيهِمْ فَيَرْحَمَهُمْ بِهَا سِوَى رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمُهُمْ بِهَا زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَةِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسِهِ هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لَهُمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسِهِمُ الرَّحْمَةَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ رَحْمَتَانِ، رَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ وَهِيَ لَا تَتَعَدَّدُ، وَرَحْمَةٌ مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هُنَا. وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ بَلِ اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الطُّرُقِ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَن يُكْمِلُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةً بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ أَنْوَاعَ النِّعَمِ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ مِائَةُ نَوْعٍ، فَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِنَوْعٍ وَاحِدٍ انْتَظَمَتْ بِهِ مَصَالِحُهُمْ وَحَصَلَتْ بِهِ مَرَافِقُهُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَّلَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ فَبَلَغَتْ مِائَةً وَكُلُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَإِنَّ رَحِيمًا
стр. 6194
مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ الَّتِي لَا شَيْءَ فَوْقَهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَبْقَى لَهُمْ حَظٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ لَا مِنْ جِنْسِ رَحَمَاتِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا إِذَا كَمَّلَ كُلُّ مَا كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الرَّحَمَاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الرَّحْمَةُ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِيصَالِ الْخَيْرِ، وَالْقُدْرَةُ فِي نَفْسِهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالتَّعْلقُ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، لَكِنْ حَصْرُهُ فِي مِائَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ تَسْهِيلًا لِلْفَهْمِ وَتَقْلِيلًا لِمَا عِنْدَ الْخَلْقِ وَتَكْثِيرًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ هَذَا الْعَدَدِ الْخَاصِّ فَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ الْخَاصَّ أُطْلِقَ لِإِرَادَةِ التَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْعَرَبِ بِذَلِكَ فِي الْمِائَةِ وَإِنَّمَا جَرَى فِي السَّبْعِينَ، كَذَا قَالَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: ثَبَتَ أَنَّ نَارَ الْآخِرَةِ تَفْضُلُ نَارَ الدُّنْيَا بِتِسْعٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، فَإِذَا قُوبِلَ كُلُّ جُزْءٍ بِرَحْمَةٍ زَادَتِ الرَّحَمَاتُ ثَلَاثِينَ جُزْءًا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرُ مِنَ النِّقْمَةِ فِيهَا. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. قُلْتُ: لَكِنْ تَبْقَى مُنَاسَبَةُ خُصُوصِ هَذَا الْعَدَدِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُنَاسَبَةُ هَذَا الْعَدَدِ الْخَاصِّ لِكَوْنِهِ مِثْلُ عَدَدِ دَرَجِ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ هِيَ مَحَلُّ الرَّحْمَةِ، فَكَأَنَّ كُلَّ رَحْمَةٍ بِإِزَاءِ دَرَجَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَمَنْ نَالَتْهُ مِنْهَا رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً مَنْ حَصَلَتْ لَهُ جَمِيعُ الْأَنْوَاعِ مِنَ الرَّحْمَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي الْحَدِيثِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ النَّفْسَ يَكْمُلُ فَرَحُهَا بِمَا وُهِبَ لَهَا إِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِمَّا يَكُونُ مَوْعُودًا. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِيمَانِ، وَاتِّسَاعُ الرَّجَاءِ فِي رَحَمَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُدَّخَرَةُ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فِي الرِّقَاقِ فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَفْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
٢٠ - بَاب قَتْلِ الْوَلَدِ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ
٦٠٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ الْوَلَدِ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: قَتْلُ الْمَرْءِ وَلَدَهُ إِلَخْ فَالضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ قَتْلُ الْوَلَدِ. وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بَابُ أَيِّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ بَابُ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ الْحَدِيثَ، سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
٢١ - بَاب وَضْعِ الصَّبِيِّ فِي الْحِجْرِ
٦٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ
стр. 6195
ﷺ وَضَعَ صَبِيًّا فِي حَجْرِهِ يُحَنِّكُهُ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ وَضْعُ الصَّبِيِّ فِي الْحِجْرِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ صَبِيًّا فِي حِجْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا قَرِيبًا فِي الْعَقِيقَةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الرِّفْقُ بِالْأَطْفَالِ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُمْ وَعَدَمُ مُؤَاخَذَتِهِمْ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ.
٢٢ - بَاب وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الْفَخِذِ
٦٠٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ يُحَدِّثُهُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأخر ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ التَّيْمِيُّ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ قُلْتُ: حَدَّثْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ، فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهُ عِنْدِي مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْتُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الْفَخِذِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَصُّ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو تَمِيمَةَ هُوَ طَرِيفٌ ; بِمُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ ابْنُ مُجَالِدٍ بِالْجِيمِ الْهُجَيْمِيُّ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الْآخَرِ) اسْتَشْكَلَهُ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ؛ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ذَلِكَ وَقَعَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ أُسَامَةَ أَكْبَرُ مِنَ الْحَسَنِ، ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ فِيهِ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا قِيلَ فِي عُمْرِ الْحَسَنِ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِ سِنِينَ، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَكَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا، وَقَدْ أَمَّرَهُ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِ الْمُسْلِمِينَ كَعُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الْمَنَاقِبِ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَهْلِهِ؛ قَالُوا: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُسَامَةُ ابْنُ تِسْعَ عَشَرَةَ سَنَةً؛ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُسَامَةُ مُرَاهِقٌ وَالْحَسَنُ ابْنُ سَنَتَيْنِ مَثَلًا وَيَكُونُ إِقْعَادُهُ أُسَامَةَ فِي حِجْرِهِ لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ كَمَرَضٍ مَثَلًا أَصَابَ أُسَامَةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَحَبَّتِهِ فِيهِ وَمَعَزَّتِهِ عِنْدَهُ يُمَرِّضُهُ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقْعَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَجَاءَ الْحَسَنُ ابْنُ ابْنَتِهِ فَأَقْعَدَهُ عَلَى الْفَخِذِ الْأُخْرَى، وَقَالَ مُعْتَذِرًا عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي أُحِبُّهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) أَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ فَهُوَ التَّيْمِيُّ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، ثُمَّ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ فَيَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ عَنْ؛ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَخْ، وَعَنْ عَلِيٍّ إِلَخْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ؛ فَيَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ الْب خَارِيِّ عَنْ شَيْخِهِ بِوَاسِطَةِ قَرِينِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَلَا يُسْتَغْرَبُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ وَلَا مِنَ الْبُخَارِيِّ فَقَدْ حَدَّثَ بِالْكَثِيرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ وَيُدْخِلُ أَحْيَانًا بَيْنَهُمُ الْوَاسِطَةَ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ عَارِمٍ بِالْكَثِيرِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ مِنْهَا، مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا في بَابِ قَوْلِ النَّبِيِّ
стр. 6196
ﷺ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَأَدْخَلَ هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ عَنْ عَلِيٍّ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى؛ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا صَحَّ الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ التَّيْمِيُّ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ) يَعْنِي شَكَّ هَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَفِي السَّنَدِ عَلَى الْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ بَصْرِيُّونَ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَصَاعِدًا، وَلَيْسَ لِأَبِي تَمِيمَةَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ جُنْدُبٍ الْبَجَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَوَجَدْتُهُ عِنْدِي مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْتُ) أَيْ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ، فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ثُمَّ لَقِيَ أَبَا عُثْمَانَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ فَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُو تَمِيمَةَ، وَانْتَزَعَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الِاعْتِمَادِ فِي تَحْدِيثِهِمْ عَلَى خَطِّهِ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرِ السَّمَاعَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ التَّذَكُّرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْمَسْأَلَةَ وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِيهَا، وَالرَّاجِحُ فِي الرِّوَايَةِ الِاعْتِمَادُ.
٢٣ - بَاب حُسْنُ الْعَهْدِ مِنْ الْإِيمَانِ
٦٠٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا. وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ حُسْنِ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعَهْدُ هُنَا رِعَايَةُ الْحُرْمَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ الِاحْتِفَاظُ بِالشَّيْءِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: حِفْظُ الشَّيْءِ وَمُرَاعَاتُهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ. وَعَهْدُ اللَّهِ تَارَةً يَكُونُ بِمَا رَكَزَهُ فِي الْعَقْلِ وَتَارَةً بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَتَارَةً بِمَا يَلْتَزِمُهُ الْمُكَلَّفُ ابْتِدَاءً كَالنَّذْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ وَأَمَّا لَفْظُ الْعَهْدِ فَيُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ بِإِزَاءِ مَعَانٍ أُخْرَى، مِنْهَا الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَالْيَمِينُ وَالذِّمَّةُ وَالصِّحَّةُ وَالْمِيثَاقُ وَالْإِيمَانُ وَالنَّصِيحَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْمَطَرُ، وَيُقَالُ لَهُ الْعِهَادُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَرْجَمَةِ خَدِيجَةَ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى خَدِيجَةَ يُرِيدُ مِنْ خَدِيجَةَ، فَأَقَامَ عَلَى مَقَامَ مِنْ وَحُرُوفُ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ فِي رَأْيٍ. أَوْ عَلَى سَبَبِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ خَدِيجَةَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ إِلَخْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ أَيْضًا، وَلَكِنْ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ لِيُهْدِيَ فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا أَيْ مِنَ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ هِشَامٍ فِي فَضْلِ خَدِيجَةَ مَا يَسَعُهُنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَخُلَّتُهَا بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خَلَائِلُهَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْخُلَّةُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ، تَقُولُ: رَجُلٌ خُلَّةٌ وَامْرَأَةٌ خُلَّةٌ وَقَوْمٌ خُلَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِلَى أَهْلِ خُلَّتِهَا، أَيْ أَهْلِ صَدَاقَتِهَا، وَالْخُلَّةُ الصَّدَاقَةُ وَالْخَلِيلُ الصَّدِيقُ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ثُمَّ نُهْدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا، وَسَبَقَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَإِلَى أَصْدِقَائِهَا، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ
стр. 6197
بِالشَّيْءِ يَقُولُ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى فُلَانَةَ فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ.
(تَنْبِيهٌ): جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْإِشَارَةِ دُونَ التَّصْرِيحِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّرْجَمَةِ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ يَتَعَلَّقُ بِخَدِيجَةَ ﵂ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ، كَيْفَ حَالُكُمْ، كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَانَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ جُنَادَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ بِمَعْنَى الْقِصَّةِ وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
٢٤ - بَاب فَضْلِ مَنْ يَعُولُ يَتِيمًا
٦٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا. وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ يَعُولُ يَتِيمًا) أَيْ يُرَبِّيهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) أَيْ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ) أَيِ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِ وَمَصَالِحِهِ، زَادَ مَالِكٌ مِنْ مُرْسَلِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ: كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَعِيدٍ بِنْتُ مُرَّةَ الْفِهْرِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ جَدًّا أَوْ عَمًّا أَوْ أَخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَارِبِ، أَوْ يَكُونَ أَبُو الْمَوْلُودِ قَدْ مَاتَ فَتَقُومُ أُمُّهُ مَقَامَهُ أَوْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَامَ أَبُوهُ فِي التَّرْبِيَةِ مَقَامَهَا. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا: مَنْ كَفَلَ يَتِيمًا ذَا قَرَابَةٍ أَوْ لَا قَرَابَةَ لَهُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ السَّبَّاحَةُ بِمُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ، وَالسَّبَّاحَةُ هِيَ الْإصْبُعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يُسَبَّحُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَيُشَارُ بِهَا فِي التَّشَهُّدِ لِذَلِكَ، وَهِيَ السَّبَّابَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا يُسَبُّ بِهَا الشَّيْطَانُ حِينَئِذٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَقٌّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ وَفِيهِ وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَيْنَ دَرَجَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَافِلِ الْيَتِيمِ قَدْرَ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَهُوَ نَظِيرُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ الْحَدِيثَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ اسْتَوَتْ إِصْبَعَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ثُمَّ عَادَتَا إِلَى حَالِهِمَا الطَّبِيعِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ تَأْكِيدًا لِأَمْرِ كَفَالَةِ الْيَتِيمِ.
قُلْتُ: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَيَكْفِي فِي إِثْبَاتِ قُرْبِ الْمَنْزِلَةِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ إِصْبَعٌ أُخْرَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأُمِّ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: مَعِي فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ يَعْنِي الْمُسَبِّحَةَ وَالْوُسْطَى إِذَا اتَّقَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قُرْبُ الْمَنْزِلَةِ حَالَةَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ تَأَيَّمْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي. وَرُوَاتُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَقَوْلُهُ: تُبَادِرُنِي أَيْ لِتَدْخُلَ مَعِي أَوْ تَدْخُلَ فِي أَثَرِي، وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ: سُرْعَةَ الدُّخُولِ، وَعُلُوَّ الْمَنْزِلَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَفَعَهُ: أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى مَاتُوا أَوْ بَانُوا؛ فَهَذَا
стр. 6198
فِيهِ قَيْدٌ زَائِدٌ وَتَقْيِيده فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: اتَّقِي اللَّهَ؛ أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَتِيمِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ أَضْرِبُ مِنْهُ يَتِيمِي؟ قَالَ: مِمَّ كُنْتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ غَيْرَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ، وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ: حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ؛ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ لِلْكَفَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمَدًا.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِ كَافِلِ الْيَتِيمِ يُشْبِهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ شُبِّهَتْ مَنْزِلَتُهُ فِي الْجَنَّةِ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ لِكَوْنِ النَّبِيِّ شَأْنهُ أَنْ يُبْعَثَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْقِلُونَ أَمْرَ دِينَهُمْ فَيَكُونُ كَافِلًا لَهُمْ وَمُعَلِّمًا وَمُرْشِدًا، وَكَذَلِكَ كَافِلُ الْيَتِيمِ يَقُومُ بِكَفَالَةِ مَنْ لَا يَعْقِلُ أَمْرَ دِينَهُ بَلْ وَلَا دُنْيَاهُ، وَيُرْشِدُهُ وَيُعَلِّمُهُ وَيُحْسِنُ أَدَبَهُ، فَظَهَرَتْ مُنَاسَبَةُ ذَلِكَ اهـ مُلَخَّصًا.
٢٥ - بَاب السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ
٦٠٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ) أَيْ فِي مَصَالِحِهَا.
ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا وَحَدِيثَ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مُرْسَلًا كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ.
٢٦ - بَاب السَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ
٦٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ - يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ -: كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ دُونَ الْمُرْسَلِ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ: كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ: كَالْمُجَاهِدِ أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ. . الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ.
٢٧ - بَاب رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ
٦٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ؛ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ
следующие страницы →