Полный текст (7 508 стр.). Показаны 6439–6478 · переход к 6444.
стр. 6439
وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ كَرِهَ الِاتِّكَاءَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ فِيهِ رَاحَةً كَالِاسْتِنَادِ وَالِاحْتِبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَبَّابٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ أَيْضًا هُوَ ابْنُ الْأَرَتِّ الصَّحَابِيُّ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لَهُ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ لِقولِهِ فِيهِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ، وَوَرَدَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ لَمَّا قَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالُوا: ذَلِكَ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ قَالَ الْمُهَلَّبُ: يَجُوزُ لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي وَالْإِمَامِ الِاتِّكَاءُ فِي مَجْلِسِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لِأَلَمٍ يَجِدُهُ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ، أَوْ لِرَاحَةٍ يَرْتَفِقُ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ جُلُوسِهِ.
٣٦ - بَاب مَنْ أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ قَصْدٍ
٦٢٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ لِحَاجَةٍ) أَيْ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ وَقَوْلُهُ أَوْ قَصْدٍ أَيْ لِأَجْلِ قَصْدِ شَيْءٍ مَعْرُوفٍ، وَالْقَصْدُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَقْصُودِ، أَيْ أَسْرَعَ لِأَمْرِ الْمَقْصُودِ.
ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ جَوَازُ إِسْرَاعِ الْإِمَامِ فِي حَاجَتِهِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ إِسْرَاعَهُ ﵊ فِي دُخُولِهِ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ صَدَقَةٍ أَحَبَّ أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي وَقْتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مُتَّصِلٌ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا تَامًّا، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ فِي التَّرْجَمَةِ: لِحَاجَةٍ أَوْ قَصْدٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّهُ كَانَ لِتِلْكَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّ مَشْيَهُ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ كَانَ عَلَى هِينَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ تَعَجَّبُوا مِنْ إِسْرَاعِهِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ، فَحَاصِلُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْإِسْرَاعَ فِي الْمَشْيِ إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ أَنَّ مِشْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ مِشْيَةَ السُّوقِيِّ لَا الْعَاجِزِ وَلَا الْكَسْلَانِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ، وَيَقُولُ: هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الزَّهْوِ وَأَسْرَعُ فِي الْحَاجَةِ، قَالَ غَيْرُهُ: وَفِيهِ اشْتِغَالٌ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي التَّشَاغُلُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمَشْيُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ هُوَ السُّنَّةُ إِسْرَاعًا وَبُطْئًا، لَا التَّصَنُّيعُ فِيهِ وَلَا التَّهَوُّرُ.
٣٧ - بَاب السَّرِيرِ
٦٢٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَسْطَ السَّرِيرِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَكُونُ لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ السَّرِيرِ) بِمُهْمَلَاتٍ وَزْنَ عَظِيمٍ مَعْرُوفٌ، ذَكَرَ الرَّاغِبُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّرُورِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ لِأُولِي
стр. 6440
النِّعْمَةُ. قَالَ: وَسَرِيرُ الْمَيِّتِ لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصُّورَةِ وَلِلتَّفَاؤُلِ بِالسُّرُورِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالسَّرِيرِ عَنِ الْمُلْكِ وَجَمْعُهُ أَسِرَّةٌ وَسُرُرٌ بِضَمَّتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ الرَّاءَ اسْتِثْقَالًا لِلضَّمَّتَيْنِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ السَّرِيرِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ وَنَوْمُ الْمَرْأَةِ بِحَضْرَةِ زَوْجِهَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَوْلُهُ فِيهِ وَسَطُ السَّرِيرِ، قَرَأْنَاهُ بِسُكُونِ السِّينِ وَالَّذِي فِي اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ بِفَتْحِهَا، وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَسَطُ الشَّيْءِ يُقَالُ بِالْفَتْحِ لِلْكَمِّيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ كَالْجِسْمِ الْوَاحِدِ نَحْوَ وَسَطُهُ صُلْبٌ، وَيُقَالُ: بِالسُّكُونِ لِلْكَمِّيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ بَيْنَ جِسْمَيْنِ نَحْوَ وَسْطَ الْقَوْمِ. قُلْتُ: وَهَذَا مِمَّا يُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ بِالتَّحْرِيكِ وَلَا يُمْنَعُ السُّكُونُ وَوَجْهُ إِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ يَسْتَدْعِي دُخُولَ الْمَنْزِلِ، فَذَكَرَ مُتَعَلِّقَاتِ الْمَنْزِلِ اسْتِطْرَادًا.
٣٨ - بَاب مَنْ أُلْقِيَ لَهُ وِسَادَةٌ
٦٢٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ زَيْدٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَحَدَّثَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ لِي: أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: خَمْسًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: سَبْعًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: تِسْعًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ، شَطْرَ الدَّهْرِ؛ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ.
٦٢٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَدِمَ الشَّأْمَ ح و حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ "ذَهَبَ عَلْقَمَةُ إِلَى الشَّأْمِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جَلِيسًا فَقَعَدَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتَ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي كَانَ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ يَعْنِي حُذَيْفَةَ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ كَانَ فِيكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي عَمَّارًا أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ كَيْفَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَأُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قَالَ ﴿وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى﴾ فَقَالَ مَا زَالَ هَؤُلَاءِ حَتَّى كَادُوا يُشَكِّكُونِي وَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أُلْقِي لَهُ وِسَادَةٌ. أُلْقِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَذَكَّرَهُ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا. وَيُقَالُ: وِسَادَةٌ وَوِسَادٌ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَتَقولُهَا هُذَيْلٌ بِالْهَمْزِ بَدَلَ الْوَاوِ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الرَّأْسُ، وَقَدْ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَقَوْلُهُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا
стр. 6441
بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَشَيْخُهُ هُوَ الطَّحَّانُ الْمَذْكُورُ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ الثَّانِي دَرَجَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ شَاهِينَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْمَتْنِ فِي الصِّيَامِ، وَسَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَلَى لَفْظِ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ النَّازِلِ حَتَّى لَا تَتَمَحَّضَ إِعَادَتُهُ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدِ اطَّرَدَ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ؛ إِمَّا ذُهُولًا، وَإِمَّا لِضِيقِ الْمَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، اسْمُهُ عَامِرٌ، وَقِيلَ: زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ الْهُذَلِيُّ.
قَوْلُهُ: دَخَلْتَ مَعَ أَبِيكَ زَيْدٍ. هَذَا الْخِطَابُ لِأَبِي قِلَابَةَ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَلَمْ أَرَ لِزَيْدٍ ذِكْرًا إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: ابْنُ عَامِرِ بْنِ نَاتِلٍ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ ابْنِ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدٍ الْجَرْمِيِّ.
قَوْلُهُ: فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ إِكْرَامُ الْكَبِيرِ، وَجَوَازُ زِيَارَةِ الْكَبِيرِ تِلْمِيذَهُ وَتَعْلِيمَهُ فِي مَنْزِلِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِ وَإِيثَارُ التَّوَاضُعِ، وَحَمْلُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وَجَوَازُ رَدِّ الْكَرَامَةِ، حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ مَنْ تُرَدد عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ، وَمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي مَنَاقِبِ عَمَّارٍ مَشْرُوحًا وَقَوْلُهُ فِيهِ ارْزُقْنِي جَلِيسًا فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ فِي مَنَاقِبِ عَمَّارٍ: جَلِيسًا صَالِحًا وَكَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَقَوْلُهُ: أَوَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالْوِسَادِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْوِسَادَةِ يَعْنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَتَوَلَّى أَمْرَ سِوَاكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوِسَادِهِ وَيَتَعَاهَدُ خِدْمَتَهُ فِي ذَلِكَ بِالْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ بِزِيَادَةِ: وَالْمَطْهَرَةِ وَتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَى الدَّاوُدِيِّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ التِّينِ هُنَا: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهُمَا جِهَازًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ إِيَّاهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَ أَبِي الدَّرْدَاءِ بَلِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَصْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا كَانَ اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْفَضْلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَضِيَّةُ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ هُنَاكَ وَابْنُ التِّينِ هُنَا أَنْ يَكُونَ وَصَفَهُ بِالتَّقَلُّلِ، وَتِلْكَ صِفَةٌ كَانَتْ لِغَالِبِ مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِيهِ أَلَيْسَ فِيكُمْ أَوْ كَانَ فِيكُمْ هُوَ شَكٌّ مِنْ شُعْبَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُغِيرَةَ بِلَفْظِ وَفِيكُمْ وَهِيَ فِي مَنَاقِبِ عَمَّارٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ بِلَفْظِ، أَوَ لَمْ يَكُنْ فِيكُمْ، وَهِيَ فِي مَنَاقِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ يَعْنِي عَمَّارًا) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: أَلَمْ يَكُنْ فِيكُمُ الَّذِي أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي الْمَنَاقِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عَمَّارٍ أنْ كَانَ ثَابِتًا، فَإِنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَانَ عَمَّارٌ يَقُولُ: قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، أَرْسَلَنِي إِلَى بِئْرِ بَدْرٍ، فَلَقِيتُ الشَّيْطَانَ فِي صُورَةِ إِنْسِيٍّ، فَصَارَعَنِي فَصَرَعْتُهُ. الْحَدِيثَ. وَفِي سَنَدِهِ الْحَكَمُ بْنُ عَطِيَّةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَمَّارٍ.
٣٩ - بَاب الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ
٦٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ النَّوْمُ فِي وَسَطِ النَّهَارِ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَمَا قَارَبَهُ مِنْ قَبْلُ
стр. 6442
أَوْ بَعْدُ قِيلَ لَهَا قَائِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا يَحْصُلُ فِيهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٌ مِثْلُ: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْقَيْلُولَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: اسْتَعِينُوا عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ بِالسُّحُورِ وَعَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ بِالْقَيْلُولَةِ. وَفِي سَنَدِهِ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ سَهْلٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَوُرُودَ الْأَمْرِ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ قَالَ: قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ. وَفِي سَنَدِهِ كَثِيرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَأَخْرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵁ مَوْقُوفًا، قَالَ: نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ حَرْقٌ، وَأَوْسَطِهِ خَلْقٌ، وَآخِرِهِ حُمْقٌ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
٤٠ - بَاب الْقَائِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ
٦٢٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ بِهِ، إِذَا دُعِيَ بِهَا. جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ ﵍، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ، فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَائِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَلِيٍّ فِي سَبَبِ تَكْنِيَتِهِ أَبَا تُرَابٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُ فَاطِمَةَ ﵍ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ.
قَوْلُهُ: هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ جَوَازُ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِلَى ذَلِكَ وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ.
٤١ - بَاب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَقَالَ عِنْدَهُمْ
٦٢٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نِطَعًا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطَعِ، قَالَ: فَإِذَا نَامَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ، ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ وهو نائم، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ. قَالَ: فَجُعِلَ فِي حَنُوطِهِ.
٦٢٨٢ - ٦٢٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ
стр. 6443
مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ قَالَ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ يشَكَّ إِسْحَاقُ قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَقَالَ عِنْدَهُمْ: أَيْ رَقَدَ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ، وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنْهُ وَمِنَ الْقَوْلِ مُشْتَرَكٌ بِخِلَافِ الْمُضَارِعِ، فَقَالَ يَقِيلُ مِنَ الْقَائِلَةِ، وَقَالَ يَقُولُ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَدْ تَلَطَّفَ النَّضِيرُ الْمُنَاوِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي لُغْزٍ:
قَالَ قَالَ النَّبِيُّ قَوْلًا صَحِيحًا … قُلْتُ قَالَ النَّبِيُّ قَوْلًا صَحِيحًا
فَسَّرَهُ السَّرَّاجُ الْوَرَّاقُ فِي جَوَابِهِ حَيْثُ قَالَ فَابْنِ مِنْهُ مُضَارِعًا يَظْهَرُ الْخَا
فِي وَيَبْدُو الَّذِي كَنَّيْتَ صَرِيحًا
ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا قِصَّةُ أُمِّ سُلَيْمٍ فِي الْعَرَقِ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالَّذِي هُنَا، وَثُمَامَةُ هُوَ عَمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الرَّاوِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (إنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِسْنَادَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ لَمْ يَلْحَقْ جَدَّةَ أَبِيهِ أُمَّ سُلَيْمٍ وَالِدَةَ أَنَسٍ، لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ فِي أَوَاخِرِهِ فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَيَّ عَلَى أَنَّ ثُمَامَةَ حَمَلَهُ عَنْ أَنَسٍ، فَلَيْسَ هُوَ مُرْسَلًا، وَلَا مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ سُلَيْمٍ، بَلْ هُوَ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مَعْنَى الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ وَمَنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَنَسًا إِنَّمَا حَمَلَهُ عَنْ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ: فَيَقِيلُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْقَافِ عِنْدَهَا فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقِيلَ لَهَا فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرَقَ فَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورَةِ: كَانَ يَأْتِيهَا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ لَهُ نِطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ
قَوْلُهُ (أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعْرِهِ فَجَعَلَتْهُ فِي قَارُورَةٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي قَوَارِيرَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّعْرَ وَفِي ذِكْرِ الشَّعْرِ غَرَابَةٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا يَنْتَثِرُ مِنْ شَعْرِهِ عِنْدَ التَّرَجُّلِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ مَا يُزِيلُ اللَّبْسَ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَلَقَ شَعْرَهُ بِمِنًى، أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ شَعْرَهُ، فَأَتَى بِهِ أُمَّ سُلَيْمٍ فَجَعَلَتْهُ فِي سُكِّهَا قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: وَكَانَ يَجِيءُ فَيَقِيلُ عِنْدِي عَلَى نِطْعٍ، فَجَعَلْتُ أَسْلِتُ الْعَرَقَ الْحَدِيثَ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهَا لَمَّا
стр. 6444
أَخَذَتِ الْعَرَقَ وَقْتَ قَيْلُولَتِهِ أَضَافَتْهُ إِلَى الشَّعْرِ الَّذِي عِنْدَهَا لَا أَنَّهَا أَخَذَتْ مِنْ شَعْرِهِ لَمَّا نَامَ وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا أَيْضًا أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا حَلَقَ رَأْسَهُ بِمِنًى فِيهَا.
قَوْلُهُ: (فِي سُكٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ، هُوَ طِيبٌ مُرَكَّبٌ وَفِي النِّهَايَةِ طِيبٌ مَعْرُوفٌ يُضَافُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الطِّيبِ، وَيُسْتَعْمَلُ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ: ثُمَّ تَجْعَلُهُ فِي سُكِّهَا. وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عِنْدَنَا فَعَرِقَ وَجَاءَتْ أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْمَذْكُورَةِ: عَرِقَ فَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا، فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَأَفَاقَ فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ؟ قَالَتْ: نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، فَقَالَ: أَصَبْتِ وَالْعَتِيدَةُ بِمُهْمَلَةٍ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَزْنَ عَظِيمَةٍ السَّلَّةُ أَوِ الْحُقُّ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَتَادِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُعَدُّ لِلْأَمْرِ الْمُهِمِّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورَةِ: فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالْقَوَارِيرِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: عَرَقُكَ أَذُوفُ بِهِ طِيبِي وَأَذُوفُ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ أَيْ أَخْلِطُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى فِعْلِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَتَصْوِيبُهُ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ قَوْلِهَا إِنَّهَا كَانَتْ تَجْمَعُهُ لِأَجْلِ طِيبِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهَا لِلْبَرَكَةِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقَائِلَةِ لِلْكَبِيرِ فِي بُيُوتِ مَعَارِفِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوَدَّةِ وَتَأَكُّدِ الْمَحَبَّةِ قَالَ وَفِيهِ طَهَارَةُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَعَرَقِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَلِيلُ ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ فِي الْقُوَّةِ وَلَا سِيَّمَا أنْ ثَبَتَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ طَهَارَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا
الْحَدِيثُ الثَّانِي قِصَّةُ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ. قَوْلُهُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.
قَوْلُهُ: إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ. لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَالَ وَتَابَعَ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهَا عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: أُمِّ حَرَامٍ. بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا الرُّمَيْصَاءُ وَلِأُمِّ سُلَيْمٍ الْغُمَيْصَاءُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:، الْغُمَيْصَاءُ، وَالرُّمَيْصَاءُ هِيَ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الرُّمَيْصَاءِ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ.
وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي بَيْتِ بِنْتِ مِلْحَانَ إِحْدَى خَالَاتِ أَنَسٍ، وَمَعْنَى الرَّمَصِ وَالْغَمَصِ مُتَقَارِبٌ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْقَذَى فِي مُؤَخَّرِ الْعَيْنِ وَفِي هُدْبِهَا وَقِيلَ اسْتِرْخَاؤُهَا وَانْكِسَارُ الْجَفْنِ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْهُ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ وَمِنْهُمْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ من أُمِّ حَرَامٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ وَقِصَّةُ الْمَنَامِ مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ حَرَامٍ، فَإِنَّ أَنَسًا إِنَّمَا حَمَلَ قِصَّةَ الْمَنَامِ عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ فِي بَابِ الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ، لَكِنَّهُ حَذَفَ مَا فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ وَابْتَدَأَهُ بِقَوْلِهِ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَوْمِهِ إِلَى آخِرِهِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ رُكُوبِ الْبَحْرِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ عَنْ أَنَسٍ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا فَاسْتَيْقَظَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ زَوْجَ عُبَادَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ غَزْوِ الْمَرْأَةِ فِي الْبَحْرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَتَقَدَّمَ
стр. 6445
أَيْضًا فِي بَابِ رُكُوبِ الْبَحْرِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسٍ فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْوِ.
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بَعْدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْجَمْعِ فِي بَابِ غَزْوِ الْمَرْأَةِ فِي الْبَحْرِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ هُنَا وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ الْإخْبَارُ عَمَّا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِعِيَاضٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ حَرَامٍ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، فَوَلَدَتْ لَهُ قَيْسًا، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَعَمْرَو بْنَ قَيْسٍ هَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ ابْنَهُ قَيْسَ بْنَ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ لَكَانَ مُحَمَّدٌ صَحَابِيًّا لِكَوْنِهِ وُلِدَ لِعُبَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ أُمَّ حَرَامٍ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ بِمَنْ وَلَدَتْ لَهُ قَيْسًا فَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَيَكُونُ مُحَمَّدٌ أَكْبَرَ مِنْ قَيْسِ، بْنِ عَمْرٍو إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ عُبَادَةَ سَمَّى ابْنَهُ مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا سَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَمَاتَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مُحَمَّدَ بْنَ عُبَادَةَ فِيمَنْ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ وعَلَى هَذَا فَيَكُونُ عُبَادَةُ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا، ثُمَّ فَارَقَهَا فَتَزَوَّجَتْ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، فَرَجَعَتْ إِلَى عُبَادَةَ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَمْرَ بِعَكْسِ مَا وَقَعَ فِي الطَّبَقَاتِ، وَأَنَّ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا، فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ اسْتُشْهِدَ هُوَ وَوَلَدُهُ قَيْسٌ مِنْهَا وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِعُبَادَةَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ بَيَانُ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ أُمُّ حَرَامٍ مَعَ عُبَادَةَ فِي الْغَزْوِ، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ نَازِلٌ بِسَاحِلِ حِمْصَ وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ فَذَكَرَ الْمَنَامَ
قَوْلُهُ: فَدَخَلَ يَوْمًا زَادَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَوْلُهُ: فَأَطْعَمَتْهُ. لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ مَا أَطْعَمَتْهُ يَوْمئِذٍ زَادَ فِي بَابِ الدُّعَاءِ إِلَى الْجِهَادِ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ وَتَفْلِي بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ تُفَتِّشُ مَا فِيهِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي الْجِهَادِ فَنَامَ قَرِيبًا مِنِّي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ فِي الْجِهَادِ فَاتَّكَأَ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بَيَانُ وَقْتِ النَّوْمِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ زَادَ غَيْرُهُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ الْقَائِلَةِ، فَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي الْجِهَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عِنْدَنَا.
وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِلًا فِي بَيْتِي وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى: فَنَامَ عِنْدَهَا أَوْ قَالَ بِالشَّكِّ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ. تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ وَهُوَ يَضْحَكُ وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا.
قَوْلُهُ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ؟ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ لِمَ تَضْحَكُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِهِ مِمَّ تَضْحَكُ؟ وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الرُّمَيْصَاءِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَضْحَكُ مِنْ رَأْسِي؟ قَالَ لَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ يَزِيدُ: وَيَنْقُصُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ امْرَأَةً حَدَّثَتْهُ وَسَاقَ الْمَتْنَ، وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ إِعْجَابًا بِهِمْ وَفَرَحًا لِمَا رَأَى لَهُمْ مِنَ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.
قَوْلُهُ: يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا
стр. 6446
الْبَحْرِ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالثَّبَجُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ جِيمٌ، ظَهْرُ الشَّيْءِ هَكَذَا فَسَّرَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَتْنُ الْبَحْرِ وَظَهْرُهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَبَجُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي أَمَالِيهِ: قِيلَ ظَهْرُهُ، وَقِيلَ مُعْظَمُهُ، وَقِيلَ هَوْلُهُ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ: ضَرَبَ ثَبَجَ الرَّجُلِ بِالسَّيْفِ أَيْ وَسَطَهُ. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَالرَّاجِحُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا ظَهْرُهُ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ السُّفُنَ الَّتِي تَجْرِي عَلَى ظَهْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ جَرْيُ السُّفُنِ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي وَسَطِهِ، قِيلَ الْمُرَادُ وَسَطُهُ، وَإِلَّا فَلَا اخْتِصَاصَ لِوَسَطِهِ بِالرُّكُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الْأَخْضَرَ فَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْبَحْرِ لَا مُخَصِّصَةٌ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُخَصِّصَةً؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ يُطْلَقُ عَلَى الْمِلْحِ وَالْعَذْبِ، فَجَاءَ لَفْظُ الْأَخْضَرِ لِتَخْصِيصِ الْمِلْحِ بِالْمُرَادِ، قَالَ وَالْمَاءُ فِي الْأَصْلِ لَا لَوْنَ لَهُ وَإِنَّمَا تَنْعَكِسُ الْخُضْرَةُ مِنِ انْعِكَاسِ الْهَوَاءِ وَسَائِرِ مُقَابَلَاتِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ الَّذِي يُقَابِلُهُ السَّمَاءُ، وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الْخَضْرَاءَ لِحَدِيثِ مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْأَخْضَرَ عَلَى كُلِّ لَوْنٍ لَيْسَ بِأَبْيَضَ وَلَا أَحْمَرَ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَنَا الْأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي … أَخْضَرُ الْجِلْدَةِ مَنْ نَسْلِ الْعَرَبْ
يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِأَحْمَرَ كَالْعَجَمِ وَالْأَحْمَرُ يُطْلِقُونَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ. وَمِنْهُ بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.
قَوْلُهُ: مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ مُلُوكٌ بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ يَشُكُّ إِسْحَاقُ. يَعْنِي رَاوِيَهُ عَنْ أَنَسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَحَمَّادٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِمَا قَبْلُ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ مِنْ غَيْرِ شك وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ: مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ بِغَيْرِ شَكٍّ أَيْضًا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِهِ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ وَهَذَا الشَّكُّ مِنْ إِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ يُحَافَظُ عَلَى تَأْدِيَةِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ، وَلَا يَتَوَسَّعُ فِي تَأْدِيَتِهِ بِالْمَعْنَى كَمَا تَوَسَّعَ غَيْرُهُ كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ تَظْهَرُ مِمَّا سُقْتُهُ وَأَسُوقُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ رَأَى الْغُزَاةَ فِي الْبَحْرِ مِنْ أُمَّتِهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَرُؤْيَاهُ وَحْيٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾؛ وَالْأَرَائِكُ السُّرَرُ فِي الْحِجَالِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ حَالِهِمْ فِي الْغَزْوِ مِنْ سَعَةِ أَحْوَالِهِمْ وَقِوَامِ أَمْرِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَجَوْدَةِ عَدَدِهِمْ، فَكَأَنَّهُمُ الْمُلُوكُ عَلَى الْأَسِرَّةِ، قُلْتُ: وَفِي هَذَا الِاحْتِمَالِ بُعْدٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالتَّمْثِيلِ فِي مُعْظَمِ طُرُقِهِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مَا يَؤولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ لَا أَنَّهُمْ نَالُوا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ مَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُمْ فِيمَا هُمْ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي أُثِيبُوا بِهِ عَلَى جِهَادِهِمْ مِثْلُ مُلُوكِ الدُّنْيَا عَلَى أَسِرَّتِهِمْ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْمَحْسُوسَاتِ أَبْلَغُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.
قَوْلُهُ: فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا. تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ بِلَفْظِ فَدَعَا لَهَا وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: أَنْتِ مِنْهُمْ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِنَّكِ مِنْهُمْ وَفِي رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَنْتِ مِنْهُمْ وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَعَا لَهَا، فَأُجِيبَ فَأَخْبَرَهَا جَازِمًا بِذَلِكَ
قَوْلُهُ: ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ثُمَّ قَامَ ثَانِيَةً فَفَعَلَ مِثْلَهَا فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَكَذَا فِي رِوَايَةِ
стр. 6447
أَبِي طُوَالَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رِوَايَاتُ الْجُمْهُورِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي الْأُولَى أَنْتِ مِنْهُمْ وَفِي الثَّانِيَةِ لَسْتِ مِنْهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ حَيْثُ قَالَ فِي الْأُولَى يَغْزُونَ هَذَا الْبَحْرَ وَفِي الثَّانِيَةِ يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ
قَوْلُهُ: أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ أَبِي طُوَالَةَ وَلَسْتِ مِنَ الْآخَرِينَ وَفِي رِوَايَةِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ فِي الثَّانِيَةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فَقَالَ مِثْلَهَا أَنَّ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ أَيْضًا وَلَكِنْ رِوَايَةُ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ إِنَّمَا غَزَتْ فِي الْبَرِّ لِقولِهِ: يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ وَقَدْ حَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الثَّانِيَةَ، وَرَدَتْ فِي غَزَاةِ الْبَرِّ، وَأَقَرَّهُ وَعَلَى هَذَا يُحْتَاجُ إِلَى حَمْلة الْمِثْلِيَّة فِي الْخَبَرِ عَلَى مُعْظَمِ مَا اشْتَرَكَتْ فِيهِ الطَّائِفَتَانِ لَا خُصُوصِ رُكُوبِ الْبَحْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ غَزَوْا مَدِينَةَ قَيْصَرَ رَكِبُوا الْبَحْرَ إِلَيْهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا حَكَى ابْنُ التِّينِ فَتَكُونُ الْأَوَّلِيَّةُ مَعَ كَوْنِهَا فِي الْبَرِّ مُقَيَّدَةً بِقَصْدِ مَدِينَةِ قَيْصَرَ، وَإِلَّا فَقَدْ غَزَوْا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْبَرِّ مِرَارًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأُولَى فِي أَوَّلِ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالثَّانِيَةُ: فِي أَوَّلِ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ مِنَ التَّابِعِينَ.
قُلْتُ: بَلْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، لَكِنْ مُعْظَمُ الْأُولَى مِنَ الصَّحَابَةِ. وَالثَّانِيَةُ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ عِيَاضٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ: فِي السِّيَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ الثَّانِيَةَ غَيْرُ رُؤْيَاهُ الْأُولَى، وَأَنَّ فِي كُلِّ نَوْمَةٍ عَرَضَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْغُزَاةِ، وَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ حَرَامٍ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فِي الثَّانِيَةِ، فَلِظَنِّهَا أَنَّ الثَّانِيَةَ تُسَاوِي الْأُولَى فِي الْمَرْتَبَةِ، فَسَأَلَتْ ثَانِيًا لِيَتَضَاعَفَ لَهَا الْأَجْرُ لَا أَنَّهَا شَكَّتْ فِي إِجَابَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَفِي جَزْمِهِ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إِجَابَةِ دُعَائِهِ وَجَزْمِهِ بِأَنَّهَا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَبَيْنَ سُؤَالِهَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْآخِرِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ لَهَا أَنَّهَا تَمُوتُ قَبْلَ زَمَانِ الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ، فَجَوَّزَتْ أَنَّهَا تُدْرِكُهَا فَتَغْزُو مَعَهُمْ وَيَحْصُلُ لَهَا أَجْرُ الْفَرِيقَيْنِ، فَأَعْلَمَهَا أَنَّهَا لَا تُدْرِكُ زَمَانَ الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ .
قَوْلُهُ: فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ. فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْوِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْمُهَا فِي بَابِ غَزْوَةِ الْمَرْأَةِ فِي الْبَحْرِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ يُسْرِعُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ لِلْغَزْوِ أَوَّلًا، وَأَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَمُعَاوِيَةُ يَوْمئِذٍ أَمِيرُ الشَّامِ.
وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْخَبَرِ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدِ اغْتَرَّ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ النَّاسِ فَوَهَمَ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ أَوَّلِ مَنْ يَغْزُو فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ اسْتَأْذَنَهُ مُعَاوِيَةُ فِي الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ فَأَذِنَ لَهُ، وَنَقَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ مَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَحْرِ، وَنُقِلَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ مُعَاوِيَةُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِعُثْمَانَ حَتَّى أَذِنَ لَهُ، وَقَالَ: لَا تَنْتَخِبْ أَحَدًا بَلْ مَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ فِيهِ طَائِعًا فَأَعِنْهُ فَفَعَلَ وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الْبَحْرَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَمَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَرَامٍ، وَأَرَّخَهَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَرَّخَهَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، قَالَ كَانَتْ فِيهِ غَزَاةُ قُبْرُسَ الْأُولَى.
стр. 6448
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ غَزَا الرُّومَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَصَالَحَ أَهْلَ قُبْرُسَ، وَسَمَّى امْرَأَتَهُ كَبْرَةَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ وَهُمَا أُخْتَانِ كَانَ مُعَاوِيَةُ تَزَوَّجَهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ غَزَا بِامْرَأَتِهِ إِلَى قُبْرُسَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَصَالَحَهُمْ. وَمَنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فَتَحَصَّلْنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَكُلُّهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ.
قَوْلُهُ: فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ. فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزَوِهِمْ قَافِلِينَ إِلَى الشَّامِ قُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصُرِعَتْ فَمَاتَتْ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَوَقَصَتْهَا بَغْلَةٌ لَهَا شَهْبَاءُ فَوَقَعَتْ فَمَاتَتْ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَضَتْ فِي بَابِ رُكُوبِ الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَغْلَةَ الشَّهْبَاءَ قُرِّبَتْ إِلَيْهَا لِتَرْكَبَهَا فَشَرَعَتْ لِتَرْكَبَ فَسَقَطَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ أَنَّ وَقَعَتَهَا كَانَتْ بِسَاحِلِ الشَّامِ لَمَّا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزَاةِ قُبْرُسَ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ بِالسَّنَدِ الْمَاضِي لِقِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ فِي بَابِ مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ وَفِيهِ: وَعُبَادَةُ نَازِلٌ بِسَاحِلِ حِمْصَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: رَأَيْتُ قَبْرَهَا بِسَاحِلِ حِمْصَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ قَبْرَهَا بِجَزِيرَةِ قُبْرُسَ، فَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِسَنَدِهِ قَبْرُ أُمِّ حَرَامٍ بِجَزِيرَةٍ فِي بَحْرِ الرُّومِ يُقَالُ لَهَا قُبْرُسُ بَيْنَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةِ قُبْرُسَ، قُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابُّتُهَا فَصَرَعَتْهَا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَالَحَهُمْ بَعْدَ فَتْحِهَا عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا قُرِّبَتْ لِأُمِّ حَرَامٍ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَسَقَطَتْ، فَمَاتَتْ فَقَبْرُهَا هُنَاكَ يَسْتَسْقُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ قَبْرُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ، فَعَلَى هَذَا، فَلَعَلَّ مُرَادَ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ بِقَوْلِهِ رَأَيْتُ قَبْرَهَا بِالسَّاحِلِ أَيْ سَاحِلِ جَزِيرَةِ قُبْرُسَ فَكَأَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى قُبْرُسَ لَمَّا غَزَاهَا الرَّشِيدُ فِي خِلَافَتِهِ.
وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ بَادَرَتِ الْمُقَاتِلَةُ، وَتَأَخَّرَتِ الضُّعَفَاءُ كَالنِّسَاءِ، فَلَمَّا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ وَصَالَحُوهُمْ طَلَعَتْ أُمُّ حَرَامٍ مِنَ السَّفِينَةِ قَاصِدَةً الْبَلَدَ لِتَرَاهَا، وَتَعُودَ رَاجِعَةً لِلشَّامِ، فَوَقَعَتْ حِينَئِذٍ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ فَلَمَّا رَجَعَتْ وَقَوْلُ أَبِي طُوَالَةَ فَلَمَّا قَفَلَتْ أَيْ أَرَادَتِ الرُّجُوعَ وَكَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ فِي رِوَايَتِهِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ أَيْ أَرَادُوا الِانْصِرَافَ.
ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى شَيْءٍ يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ امْرَأَةً حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: تَضْحَكُ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَخْرُجُونَ غُزَاةً فِي الْبَحْرِ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، ثُمَّ نَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً لَكِنْ قَالَ: فَيَرْجِعُونَ قَلِيلَةً غَنَائِمُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ، قَالَتْ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا.
قَالَ عَطَاءٌ: فَرَأَيْتُهَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ، فَمَاتَتْ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الرُّمَيْصَاءِ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ وَكَذَا قَالَ زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ في حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا عَنْ أُمِّ حَرَامٍ وَهْمٌ وَإِنَّمَا هِيَ الرُّمَيْصَاءُ، وَلَيْسَتْ أُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَتْ يُقَالُ لَهَا أَيْضًا الرُّمَيْصَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ; لِأَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ تَمُتْ بِأَرْضِ
стр. 6449
الرُّومِ، وَلَعَلَّهَا أُخْتُهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِلْحَانَ، فَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحَابِيَّاتِ وَقَالَ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَبَرِهَا، إِلَّا مَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ صَاحِبَةَ الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَتَكُونَ تَأَخَّرَتْ حَتَّى أَدْرَكَهَا عَطَاءٌ وَقِصَّتُهَا مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا نَامَ كَانَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، وَفِي حَدِيثِ الْأُخْرَى أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَهَا كَمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ. الثَّانِي ظَاهِرُ رِوَايَةِ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ تَغْزُو فِي الْبَرِّ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهَا تَغْزُو فِي الْبَحْرِ الثَّالِثُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الْأُولَى، وَفِي رِوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ. الرَّابِعُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّ أَمِيرَ الْغَزْوَةِ كَانَ مُعَاوِيَةَ وَفِي رِوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ أَمِيرَهَا كَانَ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ. الْخَامِسُ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ ذَكَرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ وَهُوَ يَصْغُرُ عَنْ إِدْرَاكِ أُمِّ حَرَامٍ وَعَنْ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ بَلْ وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ ; لِأَنَّ مَوْلِدَهُ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ.
وَعَلَى هَذَا، فَقَدْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ لِأُمِّ حَرَامٍ وَلِأُخْتِهَا أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَعَلَّ إِحْدَاهُمَا دُفِنَتْ بِسَاحِلِ قُبْرُسَ، وَالْأُخْرَى بِسَاحِلِ حِمْصَ وَلَمْ أَرَ مَنْ حَرَّرَ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى جَزِيلِ نِعَمِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ التَّرْغِيبُ فِي الْجِهَادِ وَالْحَضُّ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ فَضِيلَةِ الْمُجَاهِدِ. وَفِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ لِلْغَزْوِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَمْنَعُ مِنْهُ ثُمَّ أَذِنَ فِيهِ عُثْمَانُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: ثُمَّ مَنَعَ مِنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ أَذِنَ فِيهِ مَنْ بَعْدَهُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَ رُكُوبَهُ لِغَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ رُكُوبُهُ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ اتِّفَاقًا، وَكَرِهَ مَالِكٌ رُكُوبَ النِّسَاءِ مُطْلَقًا الْبَحْرَ لِمَا يُخْشَى مِنِ اطِّلَاعِهِنَّ عَلَى عَوْرَاتِ الرِّجَالِ فِيهِ إِذْ يَتَعَسَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ وَخَصَّ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ بِالسُّفُنِ الصِّغَارِ، وَأَمَّا الْكِبَارُ الَّتِي يُمْكِنُهُنَّ فِيهِنَّ الِاسْتِتَارُ بِأَمَاكِنَ تَخُصُّهُنَّ فَلَا حَرَجَ فِيهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ، وَأَنَّ مَنْ يَمُوتُ غَازِيًا يَلْحَقُ بِمَنْ يُقْتَلُ فِي الْغَزْوِ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِوَاءِ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ الِاسْتِوَاءُ فِي الدَّرَجَاتِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي بَابِ الشُّهَدَاءِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ كَثِيرًا مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ شَهِيدٌ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقَائِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَجَوَازُ إِخْرَاجِ مَا يُؤْذِي الْبَدَنَ مِنْ قَمْلٍ وَنَحْوِهِ عَنْهُ وَمَشْرُوعِيَّةُ الْجِهَادِ مَعَ كُلِّ إِمَامٍ لِتَضَمُّنِهِ الثَّنَاءَ عَلَى مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ، وَكَانَ أَمِيرُ تِلْكَ الْغَزْوَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ويزيد يزيد، وَثُبُوتُ فَضْلِ الْغَازِي إِذَا صَلُحَتْ نِيَّتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي فَضْلِ الْمُجَاهِدِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِقولِهِ فِيهِ وَلَسْتِ مِنَ الْآخِرِينَ وَلَا نِهَايَةَ لِلْآخِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآخِرِينَ فِي الْحَدِيثِ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجُمْلَةِ لَا خُصُوصُ الْفَضْلِ الْوَارِدِ فِي حَقِّ الْمَذْكُورِينَ، وَفِيهِ ضُرُوبٌ مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ وَذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ: مِنْهَا إِعْلَامُهُ بِبَقَاءِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ، وَأَنَّ فِيهِمْ أَصْحَابَ قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ وَنِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الْبِلَادِ حَتَّى يَغْزُوا الْبَحْرَ، وَأَنَّ أُمَّ حَرَامٍ تَعِيشُ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَنَّهَا تَكُونُ مَعَ مَنْ يَغْزُو الْبَحْرَ وَأَنَّهَا لَا تُدْرِكُ زَمَانَ الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ.
وَفِيهِ جَوَازُ الْفَرَحِ بِمَا يَحْدُثُ مِنَ النِّعَمِ، وَالضَّحِكُ عِنْدَ حُصُولِ السُّرُورِ لِضَحِكِهِ ﷺ إِعْجَابًا بِمَا رَأَى مِنِ امْتِثَالِ أُمَّتِهِ أَمْرَهُ لَهُمْ بِجِهَادِ الْعَدُوِّ وَمَا أَثَابَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى ذَلِكَ وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ التَّعَجُّبِ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ قَائِلَةِ الضَّيْفِ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ بِشَرْطِهِ كَالْإِذْنِ، وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ وَجَوَازُ خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِلضَّيْفِ بِإِطْعَامِهِ وَالتَّمْهِيدِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِبَاحَةُ مَا قَدَّمَتْهُ الْمَرْأَةُ لِلضَّيْفِ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الَّذِي فِي
стр. 6450
بَيْتِ الْمَرْأَةِ هُوَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ، كَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُؤْتَمَنَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسُرُّ صَاحِبَهُ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عُبَادَةَ كَانَ يَسُرُّهُ أَكْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا قَدَّمَتْهُ لَهُ امْرَأَتُهُ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ عُبَادَةَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ زَوْجَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
قُلْتُ: لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ ذَاتَ زَوْجٍ إِلَّا أَنَّ فِي كَلَامِ ابْنِ سَعْدٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ عَزَبًا، وَفِيهِ خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ الضَّيْفَ بِتَفْلِيَةِ رَأْسِهِ، وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّ أَنَّ أُمَّ حَرَامٍ أَرْضَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ أُخْتَهَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَصَارَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا أُمَّهُ أَوْ خَالَتَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَنَامُ عِنْدَهَا وَتَنَالُ مِنْهُ مَا يَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ أَنْ يَنَالَهُ مِنْ مَحَارِمِهِ، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيِّنٍ، قَالَ: إِنَّمَا اسْتَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَفْلِيَ أُمُّ حَرَامٍ رَأْسَهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْهُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْ قِبَلِ خَالَاتِهِ ; لِأَنَّ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّهِ كَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.
وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ وَهْبٍ:، أُمُّ حَرَامٍ إِحْدَى خَالَاتِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيلُ عِنْدَهَا وَيَنَامُ فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهِيَ مَحْرَمٌ لَهُ، وَجَزَمَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَوْهَرِيِّ، والدَاوُدِيُّ، وَالْمُهَلَّبُ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْهُ بِمَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا كَانَتْ خَالَةً لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْحُفَّاظِ يَقُولُ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أُخْتَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومًا يَمْلِكُ أَرَبَهُ عَنْ زَوْجَتِهِ، فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُبَرَّأُ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ وَقَوْلٍ رَفَثٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحِجَابِ، وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْحِجَابِ جَزْمًا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَرَدَّ عِيَاضٌ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَثُبُوتُ الْعِصْمَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ وَجَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ حَتَّى يَقُومَ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ دَلِيلٌ.
وَبَالَغَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنِ ادَّعَى الْمَحْرَمِيَّةَ فَقَالَ: ذَهِلَ كُلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أُمَّ حَرَامٍ إِحْدَى خَالَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللّ هُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الرَّضَاعَةِ أَوْ مِنَ النَّسَبِ وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا خُؤُولَةً تَقْتَضِي مَحْرَمِيَّةً ; لِأَنَّ أُمَّهَاتِهِ مِنَ النَّسَبِ وَاللَّاتِي أَرْضَعْنَهُ مَعْلُومَاتٌ لَيْسَ فِيهِنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ألْبَتَّةَ سِوَى أُمِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ بْنِ خِرَاشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَأُمُّ حَرَامٍ هِيَ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدَبِ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ، فَلَا تَجْتَمِعُ أُمُّ حَرَامٍ وَسَلْمَى إِلَّا فِي عَامِرِ بْنِ غَنْمٍ جَدِّهِمَا الْأَعْلَى وَهَذِهِ خُؤُولَةٌ لَا تَثْبُتُ بِهَا مَحْرَمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا خُؤُولُةٌ مَجَازِيَّةٌ وَهِيَ كَقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: هَذَا خَالِي لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَهُمْ أَقَارِبُ أُمِّهِ آمِنَةَ وَلَيْسَ سَعْدٌ أَخًا لِآمِنَةَ لَا مِنَ النَّسَبِ وَلَا مِنَ الرَّضَاعَةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ إِلَّا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي يَعْنِي حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا وَأَوْضَحْتُ هُنَاكَ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا أَفْهَمَهُ هَذَا الْحَصْرَ وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ فِي أُمِّ حَرَامٍ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُمَا أُخْتَانِ كَانَتَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُوهُمَا مَعًا، فَالْعِلَّةُ مُشْتَرِكَةٌ فِيهِمَا.
وَإِنْ ثَبَتَ قِصَّةُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ مِلْحَانَ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا قَرِيبًا، فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي أُمِّ حَرَامٍ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ كَوْنُ أَنَسٍ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِمُخَالَطَةِ الْمَخْدُومِ خَادِمَهُ وَأَهْلَ خَادِمِهِ وَرَفْعِ الْحِشْمَةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ عَنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ
стр. 6451
فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَلْوَةِ بِأُمِّ حَرَامٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مَعَ وَلَدٍ أَوْ خَادِمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ تَابِعٍ، قُلْتُ: وَهُوَ احْتِمَالٌ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ مِنْ أَصْلِهِ لِبَقَاءِ الْمُلَامَسَةِ فِي تَفْلِيَةِ الرَّأْسِ، وَكَذَا النَّوْمُ فِي الْحِجْرِ وَأَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَلَا يَرُدُّهَا كَوْنُهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٢ - بَاب الْجُلُوسِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ
٦٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ؛ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِ الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْص وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَاب الْجُلُوسِ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ) سَقَطَ لَفْظُ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ قَائِمَةٌ مِنْ دَلِيلِ الْحَدِيثِ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ حَالَتَيْنِ، فَفُهِمَ مِنْهُ إِبَاحَةُ غَيْرِهِمَا مِمَّا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَيْئَاتِ وَالْمَلَابِسِ إِذَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تُؤْخَذُ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ عَنِ النَّهْيِ عَنْ هَيْئَةِ الْجُلُوسِ إِلَى النَّهْيِ عَنْ لُبْسَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ كُلٌّ مِنْهُمَا انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ فَلَوْ كَانَتِ الْجِلْسَةُ مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ اللُّبْسِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ جِلْسَةٍ تُفْضِي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمَا لَا يُفْضِي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ يُبَاحُ فِي كُلِّ صُورَةٍ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ هَاتَيْنِ اللُّبْسَتَيْنِ خَاصٌّ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِمَا لَا يَسْتُرَانِ الْعَوْرَةَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَأَمَّا الْجَالِسُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا وَلَا يَتَصَرَّفُ بِيَدَيْهِ فَلَا تَنْكَشِفُ عَوْرَتُهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الِاحْتِبَاءِ أَنَّهُ ﷺ احْتَبَى.
قُلْتُ: وَغَفَلَ ﵀ عَمَّا وَقَعَ مِنَ التَّقْيِيدِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ، فَإِنَّ فِيهِ وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ مِنْ كِتَابِ اللِّبَاسِ وَفِيهِ وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَإِنْ تَأَكَّدَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا قَدْ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّرَبُّعَ وَيَقُولُ: هِيَ جِلْسَةُ مَمْلَكَةٍ، وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ.
قَوْلُهُ: تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَمَّا مُتَابَعَةُ مَعْمَرٍ، فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْبُيُوعِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصٍ فَهِيَ عِنْدَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ فِي نُسْخَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصٍ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ فَأَظُنُّهَا فِي الزُّهْرِيَّاتِ جَمْعُ الذُّهْلِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤٣ - بَاب مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ.
٦٢٨٥، ٦٢٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ قَالَتْ: إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵍
стр. 6452
تَمْشِي، لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا: أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي، قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ وَلَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ ﵄ إِذْ بَكَتْ لَمَّا سَارَّهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَتْ لَمَّا سَارَّهَا ثَانِيًا، فَسَأَلَتْهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ، وَفِيهِ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَفِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُسَارَرَةُ الْوَاحِدِ مَعَ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْوَاحِدِ لَا يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، قُلْتُ: وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا بَعْدَ بَابٍ، قَالَ وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِفْشَاءُ السِّرِّ إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى المسر ; لِأَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ لَحَزِنَّ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُنَّ، فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ أَخْبَرَتْ بِهِ.
قُلْتُ: أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ فَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ جَوَازُ إِفْشَاءِ السِّرِّ إِذَا زَالَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِفْشَائِهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّرِّ الْكِتْمَانُ وَإِلَّا فَمَا فَائِدَتُهُ؟ وَأَمَّا الشِّقُّ الثَّانِي، فَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَاتَتْ قَبْلَهُنَّ كُلِّهِنَّ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا؟ ثُمَّ جَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ فِي النُّسْخَةِ سَقَمٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ لَمْ يَنْزِلْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَاسْتَمَرَّ حُزْنُهُنَّ عَلَى مَا فَاتَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ جَوَازُ الْعَزْمِ بِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، وَإِنْ قَالَ: أَعْزِمُ بِاللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ. انْتَهَى. وَالَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى قَصْدِ الْحَالِفِ، فَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمِينٌ، وَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ أَوِ الشَّفَاعَةَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا.
٤٤ - بَاب الِاسْتِلْقَاءِ
٦٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
стр. 6453
قَوْلُهُ: بَابُ الِاسْتِلْقَاءِ. هُوَ الِاضْطِجَاعُ عَلَى الْقَفَا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ نَوْمٌ أَمْ لَا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُهَا فِي آخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ قُبَيْلِ كِتَابِ الْأَدَبِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى وَأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ حَيْثُ تَبْدُو الْعَوْرَةُ وَالْجَوَازُ حَيْثُ لَا تَبْدُو وَهُوَ جَوَابُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَنَقَلْتُ قَوْلَ مَنْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ وَأَوْرَدْتُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ مِنَ الصَّحِيحِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ صَحِيحُ مُسْلِمٍ وَسَبَقَ الْقَلَمُ هُنَاكَ فَكَتَبْتُ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَصْلَحْتُهُ فِي أَصْلِي وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْبَابِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٤٥ - بَاب لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
٦٢٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، ح وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: بَابُ لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ. أَيْ لَا يَتَحَدَّثَانِ سِرًّا وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ وَقَالَ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ بِتَمَامِهِمَا، وَأَشَارَ بِإِيرَادِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ إِلَى أَنَّ التَّنَاجِيَ الْجَائِزَ الْمَأْخُوذَ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ مُقَيَّدٌ، بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ أَيْضًا، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ وَإِذَا تَنَاجَيْتُمْ قَالَ: وَالتِّلَاوَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾. قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الصَّحِيحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ التِّينِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَأَخْرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ كَانَ لَا يُنَاجِي النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ إِلَّا تَصَدَّقَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ نَاجَاهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ وَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَجَاءَ مَرْفُوعًا عَلَى غَيْرِ هَذَا السِّيَاقِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَقُولُ دِينَارٌ، قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ، قَالَ فِي نِصْفِ دِينَارٍ، قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: فَكَمْ قُلْتُ شَعِيرَةٌ، قَالَ إِنَّكَ لَزَهِيدٌ قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الْآيَةَ قَالَ عَلِيٌّ: فَبِي خُفِّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَهُ شَاهِدًا.
قَوْلُهُ: عَنْ نَافِعٍ. كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَلِمَالِكٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ قِصَّةٌ سَأَذْكُرُهَا بَعْدَ بَابٍ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَصْبِ ثَلَاثَةٍ عَلَى
стр. 6454
أَنَّهُ الْخَبَرُ وَوَقعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ.
قَوْلُهُ (فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ ثَابِتَةٌ فِي الْخَطِّ صُورَةَ يَاءٍ، وَتَسْقُطُ فِي اللَّفْظِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُوَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِجِيمٍ فَقَطْ بِلَفْظِ النَّهْيِ وَبِمَعْنَاهُ، زَادَ أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلْآيَةِ الْأُولَى مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ.
٤٦ - بَاب حِفْظِ السِّرِّ
٦٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ، فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ.
قَوْلُهُ بَابُ حِفْظِ السِّرِّ) أَيْ تَرْكُ إِفْشَائِهِ
قَوْلُهُ: مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ سِرًّا. فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ، أَنَسٍ فَأَرْسَلَنِي فِي رِسَالَةٍ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَا حَبَسَكَ.
قَوْلُهُ: فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدَهُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي أُمُّ سُلَيْمٍ. فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ فَقَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: فَقَالَتِ احْفَظْ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَأَنَّ هَذَا السِّرَّ كان يَخْتَصُّ بِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مِنَ الْعِلْمِ مَا وَسِعَ أَنَسًا كِتْمَانُهُ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ السِّرَّ لَا يُبَاحُ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْهُ مَضَرَّةٌ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ إِنَّهُ إِذَا مَاتَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كِتْمَانِهِ مَا كَانَ يَلْزَمُ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ.
قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ انْقِسَامُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى مَا يُبَاحُ، وَقَدْ يُسْتَحَبُّ ذِكْرُهُ وَلَوْ كَرِهَهُ صَاحِبُ السِّرِّ، كَأَنْ يَكُونَ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لَهُ مِنْ كَرَامَةٍ أَوْ مَنْقَبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَإِلَى مَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَقَدْ يَحْرُمُ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقَدْ يَجِبُ كَأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَجِبُ ذِكْرُهُ كَحَقٍّ عَلَيْهِ كَانَ يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ بِهِ فَيُرْجَى بَعْدَهُ إِذَا ذُكِرَ لِمَنْ يَقُومُ بِهِ عَنْهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي حِفْظِ السِّرِّ حَدِيثُ أَنَسٍ: احْفَظْ سِرِّي تَكُنْ مُؤْمِنًا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالْخَرَائِطِيُّ، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْأَوْهَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَسُقْ هَذَا الْمَتْنَ بَلْ ذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ طُولٌ. وَحَدِيثُ: إِنَّمَا يَتَجَالَسُ الْمُتَجَالِسَانِ بِالْأَمَانَةِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْشِيَ عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَكْرَهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَأَخْرَجَ الْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلُهُ، وَزَادَ: إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ مَا سُفِكَ فِيهِ دَمٌ حَرَامٌ أَوْ فَرْجٌ حُرِّمَ أَوِ اقْتُطِعَ فِيهِ مَالٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى.
٤٧ - بَاب إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ وَالْمُنَاجَاةِ
٦٢٩٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قال النَّبِيُّ
стр. 6455
ﷺ : إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، أَجْلَ أَنْ ذلك يُحْزِنَهُ.
٦٢٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلَأ فَسَارَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ.
قَوْلُهُ (بَاب إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ وَالْمُنَاجَاةِ) أَيْ مَعَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَسَقَطَ بَابٌ لِأَبِي ذَرٍّ، وَعَطْفُ الْمُنَاجَاةِ عَلَى الْمُسَارَّةِ مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمُسَارَّةَ وَإِنِ اقْتَضَتِ الْمُفَاعَلَةَ لَكِنَّهَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يُلْقِي السِّرَّ، وَمَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ، وَالْمُنَاجَاةُ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْكَلَامِ سِرًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَالْمُنَاجَاةُ أَخَصُّ مِنَ الْمُسَارَّةِ فَتَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: فَلَا يَتَنَاجَ. فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِجِيمٍ لَيْسَ بَعْدَهَا يَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ أَيْ يَخْتَلِطَ الثَّلَاثَةُ بِغَيْرِهِمْ، وَالْغَيْرُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَطَابَقَتِ التَّرْجَمَةُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً لَمْ يَمْتَنِعْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتَنَاجَى الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً؟ قَالَ: لَا يَضُرُّهُ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَارِرَ رَجُلًا وَكَانُوا ثَلَاثَةً دَعَا رَابِعًا، ثُمَّ قَالَ لِلِاثْنَيْنِ: اسْتَرِيحَا شَيْئًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَ رَجُلًا دَعَا آخَرَ، ثُمَّ نَاجَى الَّذِي أَرَادَ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ دَعَا رَابِعًا وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ يَعْنِي سَوَاءً جَاءَ اتِّفَاقًا أَمْ عَنْ طَلَبٍ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: أَجْلَ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ أَيْ مِنْ أَجْلِ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِزِيَادَةِ: مِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ نَطَقُوا بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْقَاطِ مِنْ وَذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا، وَيَجُوزُ كَسْرُ هَمْزَةِ إِنَّ ذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ يُحْزِنُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجَوَاهُمَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيِهِمَا فِيهِ أَوْ لِدَسِيسَةٍ غَائِلَةٍ لَهُ.
قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنَ التَّعْلِيلِ اسْتِثْنَاءُ صُورَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ إِطْلَاقِ الْجَوَازِ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً، وَهِيَ مِمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَاحِدِ الْبَاقِي وَبَيْنَ الِاثْنَيْنِ مُقَاطَعَةٌ بِسَبَبٍ يُعْذَرَانِ بِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمُنْفَرِدِ، وَأَرْشَدَ هَذَا التَّعْلِيلُ إِلَى أَنَّ الْمُنَاجِيَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ إِذَا خَصَّ أَحَدًا بِمُنَاجَاتِهِ أَحْزَنَ الْبَاقِينَ امْتَنَاعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ لَا يَقْدَحُ فِي الدِّينِ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ أَشْهَبَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نُهِيَ أَنْ يَتْرُكَ وَاحِدًا قَالَ: وَهَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ كَتَرْكِ الِاثْنَيْنِ لِلْوَاحِدِ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ لِئَلَّا يَتَبَاغَضُوا وَيَتَقَاطَعُوا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْوَاحِدِ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ: بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَشَدُّ فَلْيَكُنِ الْمَنْعُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ
стр. 6456
يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَمَهْمَا وُجِدَ الْمَعْنَى فِيهِ أُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَكُلَّمَا كَثُرَ الْجَمَاعَةُ مَعَ الَّذِي لَا يُنَاجَى كَانَ أَبْعَدَ لِحُصُولِ الْحُزْنِ وَوُجُودِ التُّهْمَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا انْفَرَدَ جَمَاعَةٌ بِالتَّنَاجِي دُونَ جَمَاعَةٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلَأ فَسَارَرْتُهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ يَرْتَفِعُ إِذَا بَقِيَ جَمَاعَةٌ لَا يَتَأَذَّوْنَ بِالسِّرَارِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَصْلِ الْحُكْمِ مَا إِذَا أَذِنَ مَنْ يَبْقَى سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَمْ أَكْثَرَ لِلِاثْنَيْنِ فِي التَّنَاجِي دُونَهُ أَوْ دُونَهُمْ، فَإِنَّ الْمَنْعَ يَرْتَفِعُ لِكَوْنِهِ حَقَّ مَنْ يَبْقَى وَأَمَّا إِذَا انْتَجَى اثْنَانِ ابْتِدَاءً، وَثَمَّ ثَالِثٌ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا لَوْ تَكَلَّمَا جَهْرًا، فَأَتَى لِيَسْتَمِعَ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُمَا أَصْلًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ مَرَرْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَمَعَهُ رَجُلٌ يَتَحَدَّثُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمَا فَلَطَمَ صَدْرِي وَقَالَ: إِذَا وَجَدْتَ اثْنَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَلَا تَقُمْ مَعَهُمَا حَتَّى تَسْتَأْذِنَهُمَا زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ: وَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا تَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُمَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُتَنَاجِيَيْنِ فِي حَالِ تَنَاجِيهِمَا.
قُلْتُ: وَلَا يَنْبَغِي لِدَاخِلٍ الْقُعُودُ عِنْدَهُمَا، وَلَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُمَا إِلَّا بِإِذْنِهِمَا لَمَّا افْتَتَحَا حَدِيثَهُمَا سِرًّا وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمَا أَلَّا يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى كَلَامِهِمَا، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ صَوْتُ أَحَدِهِمَا جَهُورِيًّا لَا يَتَأَتَّى لَهُ إِخْفَاءُ كَلَامِهِ مِمَّنْ حَضَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةُ فَهْمٍ بِحَيْثُ إِذَا سَمِعَ بَعْضَ الْكَلَامِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بَاقِيهِ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى تَرْكِ مَا يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ مَطْلُوبَةٌ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الْمَرَاتِبُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ: أَلَا تَرَوْنَ الْقَتْلَ شَيْئًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَأَظُنُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، اسْتَنْبَطَهَا مِنَ الْحَدِيثِ فَأُدْرِجَتْ فِي الْخَبَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ لِلتَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيْ صَرِيحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ صَرِيحٍ وَالْإِذْنُ أَخَصُّ مِنَ الرِّضَا؛ لِأَنَّ الرِّضَا قَدْ يُعْلَمُ بِالْقَرِينَةِ فَيُكْتَفَى بِهَا عَنِ التَّصْرِيحِ وَالرِّضَا أَخَصُّ مِنَ الْإِذْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ يَقَعُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَنَحْوِهِ، وَالرِّضَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَكِنِ الْحُكْمُ لَا يُنَاطُ إِلَّا بِالْإِذْنِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا، وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِالسَّفَرِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ فِيهِ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَفِي الْعِمَارَةِ فَلَا بَأْسَ.
وَحَكَى عِيَاضٌ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ: قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ السَّفَرُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي لَا يَأْمَنُ فِيهَا الرَّجُلُ رَفِيقَهُ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ لَا يَثِقُ بِهِ وَيَخْشَى مِنْهُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا الْحَدِيثَ وَفِي سَنَدِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَتَقْيِيدُهُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ يَتَعَلَّقُ بِإِحْدَى عِلَّتَيِ النَّهْيِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا قَالَ يُحْزِنُهُ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ نَجَوَاهُمَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيِهِمَا فِيهِ أَوْ أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى غَائِلَةٍ تَحْصُلُ لَهُ مِنْهُمَا قُلْتُ: فَحَدِيثُ الْبَابِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَوَّلَ ابْنُ حَرْبَوَيْهِ، وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ.
قَالَ عِيَاضٌ: قِيلَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَأَمِنَ النَّاسُ سَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ
стр. 6457
بِأَنَّ هَذَا تَحَكُّمٌ وَتَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخَبَرُ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَالْعِلَّةُ الْحُزْنُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَعُمَّهُمَا النَّهْيُ جَمِيعًا.
٤٨ - بَاب طُولِ النَّجْوَى وَقَوْلُهُ ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِهَا وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ
٦٢٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يُنَاجِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا زَالَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
قَوْلُهُ (بَاب طُولِ النَّجْوَى ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتَ فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ هَذَا التَّفْسِيرُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ، وَتَقَدَّمَ مِنْهُ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يُنَاجِي النَّبِيَّ ﷺ . الْحَدِيثَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ عَنْ أَنَسٍ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ وَهُوَ قُبَيْلَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ حَتَّى نَامَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى ذَلِكَ.
٤٩ - بَاب لَا تُتْرَكُ النَّارُ فِي الْبَيْتِ عِنْدَ النَّوْمِ
٦٢٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ.
٦٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ "عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ"
٦٢٩٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ كَثِيرٍ هُوَ ابْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ "عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "خَمِّرُوا الْآنِيَةَ وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ"
قَوْلُهُ: بَابُ لَا تُتْرَكُ النَّارُ فِي الْبَيْتِ عِنْدَ النَّوْمِ. بِضَمِّ أَوَّلِ تُتْرَكُ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَبِفَتْحَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ بِصِيغَةِ النَّهْيِ الْمُفْرَدِ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَفِيهِ بَيَانُ حِكْمَةِ النَّهْيِ، وَهِيَ خَشْيَةُ الِاحْتِرَاقِ. الثَّالِثُ: حَدِيثُ جَابِرٍ وَفِيهِ بَيَانُ عِلَّةِ الْخَشْيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ
стр. 6458
وَقَوْلُهُ: حِينَ يَنَامُونَ قَيَّدَهُ بِالنَّوْمِ لِحُصُولِ الْغَفْلَةِ بِهِ غَالِبًا، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَتِ الْغَفْلَةُ حَصَلَ النَّهْيُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَقَوْلُهُ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى سَبَبُ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ فَنٌّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلَوْ تُتُبِّعَ لَحَصَلَ مِنْهُ فَوَائِدُ.
قُلْتُ: قَدْ أَفْرَدَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ مِنْ شُيُوخِ أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ بِالتَّصْنِيفِ، وَهُوَ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ، وَوَقَفْتُ عَلَى مُخْتَصَرٍ مِنْهُ، وَكَأَنَّ الشَّيْخَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ تَمَنَّى أَنْ لَوْ تُتُبِّعَ وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ مُبَالَغَةً فِي تَأْكِيدِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَى كَوْنِ النَّارِ عَدُوًّا لَنَا أَنَّهَا تُنَافِي أَبْدَانَنَا وَأَمْوَالَنَا مُنَافَاةَ الْعَدُوِّ، وَإِنْ كَانَتْ لَنَا بِهَا مَنْفَعَةٌ، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ لَنَا مِنْهَا إِلَّا بِوَاسِطَةٍ فَأَطْلَقَ أَنَّهَا عَدُوٌّ لَنَا لِوُجُودِ مَعْنَى الْعَدَاوَةِ فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ كَثِيرٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ ابْنُ شِنْظِيرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَشِنْظِيرٌ بِكَسْرِ الشِّينِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ مِنْ كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ وَشَرْحُ حَدِيثِهِ هَذَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي رِجَالِ الصَّحِيحِ لِلْكَلَابَاذِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ أَيْضًا فِي بَابِ اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ، فَرَاجَعْتُ الْبَابَ الْمَذْكُورَ مِنَ الصَّحِيحِ، وَهُوَ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، فَمَا وَجَدْتُ لَهُ هُنَاكَ ذِكْرًا، ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ بَعْدَ الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِأَحَدَ عَشَرَ بَابًا حَدِيثًا آخَرَ بِسَنَدِهِ هَذَا، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ وَالشِّنْظِيرُ فِي اللُّغَةِ السَّيِّئُ الْخُلُقِ وَكَثِيرٌ الْمَذْكُورُ يُكَنَى أَبَا قُرَّةَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِرْشَادِ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لِكَوْنِهِ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، وَهِيَ حِفْظُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهَا وَالْمَالِ الْمُحَرَّمِ تَبْذِيرُهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا بَاتَ بِبَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَفِيهِ نَارٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْفِئَهَا قَبْلَ نَوْمِهِ أَوْ يَفْعَلَ بِهَا مَا يُؤْمَنُ مَعَهُ الِاحْتِرَاقُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ جَمَاعَةٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعْضِهِمْ وَأَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ آخِرُهُمْ نَوْمًا فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ كَانَ لِلسُّنَّةِ مُخَالِفًا وَلِأَدَائِهَا تَارِكًا.
ثُمَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَجَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سِرَاجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَيُحْرِقُكُمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ سَبَبِ الْأَمْرِ أَيْضًا، وَبَيَانُ الْحَامِلِ لِلْفُوَيْسِقَةِ - وَهِيَ الْفَأْرَةُ - عَلَى جَرِّ الْفَتِيلَةِ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَعِينُ وَهُوَ - عَدُوُّ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِ - بَعْدُوٍّ آخَرَ وَهِيَ النَّارُ - أَعَاذَنَا اللَّهُ بِكَرَمِهِ مِنْ كَيَدِ الْأَعْدَاءِ إِنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي إِطْفَاءِ السِّرَاجِ الْحَذَرَ مِنْ جَرِّ الْفُوَيْسِقَةِ الْفَتِيلَةَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ السِّرَاجَ إِذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا الْفَأْرَةُ لَا يُمْنَعُ إِيقَادُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ مِنْ نُحَاسٍ أَمْلَسَ لَا يُمَكِّنُ الْفَأْرَةَ الصُّعُودَ إِلَيْهِ أَوْ يَكُونُ مَكَانَهُ بَعِيدًا عَنْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَثِبَ مِنْهُ إِلَى السِّرَاجِ. قَالَ: وَأَمَّا وُرُودُ الْأَمْرِ بِإِطْفَاءِ النَّارِ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى - وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ نَارِ السِّرَاجِ - فَقَدْ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى غَيْرُ جَرِّ الْفَتِيلَةِ كَسُقُوطِ شَيْءٍ مِنَ السِّرَاجِ عَلَى بَعْضِ مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَكَسُقُوطِ الْمَنَارَةِ فَيُنْثَرُ السِّرَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَتَاعِ فَيُحْرِقُهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِيثَاقِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا اسْتَوْثَقَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْإِحْرَاقُ فَيَزُولُ الْحُكْمُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِذَلِكَ فِي الْقِنْدِيلِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الضَّرَرُ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي السِّرَاجِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا:
стр. 6459
هَذِهِ الْأَوَامِرُ لَمْ يَحْمِلْهَا الْأَكْثَرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَيَلْزَمُ أَهْلَ الظَّاهِرِ حَمْلُهَا عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالظَّاهِرِيِّ بَلِ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا لِمُعَارِضٍ ظَاهِرٍ يَقُولُ بِهِ أَهْلُ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ بِهِ لِكَوْنِهِمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْمَفْهُومَاتِ وَالْمُنَاسَبَاتِ، وَهَذِهِ الْأَوَامِرُ تَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ مَقَاصِدِهَا فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَهُوَ التَّسْمِيَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ مَعًا كَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ مِنْ أَجْلِ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ مُخَالَطَةِ الشَّيْطَانِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مَصَالِحُ دُنْيَوِيَّةٌ كَالْحِرَاسَةِ، وَكَذَا إِيكَاءُ السِّقَاءِ وَتَخْمِيرُ الْإِنَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٠ - بَاب غلق الْأَبْوَابِ بِاللَّيْلِ
٦٢٩٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عن عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَأغلقُوا الْأَبْوَابَ، وَأَوْكُئوا الْأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ، قَالَ هَمَّامٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ بِعُودٍ يَعْرُصهُ.
قَوْلُهُ (بَاب غَلْقِ الْأَبْوَابِ بِاللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَالجُّرْجَانِيِّ وَكَذَا لِكَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِغْلَاقُ وَهُوَ الْفَصِيحُ وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ الصَّوَابُ قُلْتُ لَكِنِ الْأَوَّلُ ثَبَتَ فِي لُغَةٍ نَادِرَةٍ.
قَوْلُهُ: هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ.
قَوْلُهُ: أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ. تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ. فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَغَلِّقُوا بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ أَجِيفُوا بِالْجِيمِ وَالْفَاءِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَغْلِقُوا وَتَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي الْأَمْرِ بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ حِرَاسَةُ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ أَهْلِ الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ وَلَا سِيَّمَا الشَّيَاطِينُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا. فَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِغْلَاقِ لِمَصْلَحَةِ إِبْعَادِ الشَّيْطَانِ عَنِ الِاخْتِلَاطِ بِالْإِنْسَانِ، وَخَصَّهُ بِالتَّعْلِيلِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَخْفَى مِمَّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جَانِبِ النُّبُوَّةِ.
قَالَ: وَاللَّامُ فِي الشَّيْطَانِ لِلْجِنْسِ، إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ فَرْدًا بِعَيْنِهِ وَقَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ هَمَّامٌ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ وَلَوْ بِعُودٍ يَعْرُضُهُ وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَزْمُ بِذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ، وَلَفْظُهُ: وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ، وَزَادَ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَوَامِرِ الْمَذْكُورَةِ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ شُرْبِ اللَّبَنِ مِنْ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ حَمَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى عُمُومِهِ، وَأَشَارَ إِلَى اسْتِشْكَالِهِ فَقَالَ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يُعْطَ قُوَّةً عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أُعْطِيَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَهُوَ وُلُوجُهُ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْآدَمِيُّ أَنْ يَلِجَ فِيهَا.
قُلْتُ: وَالزِّيَادَةُ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا قَبْلُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَهُوَ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ.
وَقَدْ تَرَدَّدَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِمَامِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا عَلَى عُمُومِهِ،
стр. 6460
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّ بِمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِجِسْمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ مِنَ اللَّهِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ جِسْمِهِ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ دُخُولِ الشَّيْطَانِ الْخَارِجِ، فَأَمَّا الشَّيْطَانُ الَّذِي كَانَ دَاخِلًا فَلَا يَدُلُّ الْخَبَرُ عَلَى خُرُوجِهِ، قَالَ: فَيَكُونُ ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الْمَفْسَدَةِ لَا رَفْعِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ تَقْتَضِي طَرْدَ مَنْ فِي الْبَيْتِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنِ ابْتِدَاءِ الْإِغْلَاقِ إِلَى تَمَامِهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَشْرُوعِيَّةَ غَلْقِ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَبْوَابِ مَجَازًا.
٥١ - بَاب الْخِتَانِ بَعْدَ الْكِبَرِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ
٦٢٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ.
٦٢٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ: بِالْقَدُّومِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشَدَّدٌ.
٦٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ "سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ قَالَ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ "
[الحديث ٦٢٩٩ - طرفه في: ٦٣٠٠]
٦٣٠٠ - وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا خَتِينٌ"
قَوْلُهُ: بَابُ الْخِتَانِ بَعْدَ الْكِبَرِ. بِكَسْرِ الْكَافِ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِكِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ: أَنَّ الْخِتَانَ يَسْتَدْعِي الِاجْتِمَاعَ فِي الْمَنَازِلِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْخِتَانِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بِأَنَّ سَلْمَانَ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالِاخْتِتَانِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تُرِكَ لِعُذْرٍ، أَوْ لِأَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ قَبْلَ إِيجَابِ الْخِتَانِ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُخْتَتِنًا، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ النَّقْلِ عَدَمُ الْوُقُوعِ وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ لِغَيْرِهِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ في الحديث الثاني: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَالِاخْتِلَافُ فِي سِنِّهِ حِينَ اخْتَتَنَ وَبَيَانُ قَدْرِ عُمْرِهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً. وَرُوِّينَاهُ
стр. 6461
فِي فَوَائِدِ ابْنِ السِّمَاكِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا السَّنَدِ مَرْفُوعًا، وَأَبُو أُوَيْسٍ فِيهِ لِينٌ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ ﵇ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَقَدْ حَاوَلَ الْكَمَالُ بْنُ طَلْحَةَ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي الْخِتَانِ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ: نُقِلَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ اخْتَتَنَ لِثَمَانِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَنَّهُ اخْتَتَنَ لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ مِنْهَا ثَمَانُونَ سَنَةً غَيْرَ مَخْتُونٍ وَمِنْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُينَ، وَهُوَ مَخْتُونٌ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: اخْتَتَنَ لِثَمَانِينَ مَضَتْ مِنْ عُمُرِهِ. وَالثَّانِي: لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ بَقِيَتْ مِنْ عُمُرِهِ، وَتَعَقَّبَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْعَدِيمِ فِي جُزْءٍ سَمَّاهُ الْمُلْحَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ طَلْحَةَ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ وَهَمًا مِنْ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: تَصْحِيحُهُ لِرِوَايَةِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، ثُمَّ أَوْرَدَهَا مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعَةً، وَتَعَقَّبَهُ بِتَدْلِيسِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ مِنْ فَوَائِدِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ مَوْقُوفًا، وَمَنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَعِكْرِمَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَذَلِكَ.
ثَانِيهَا: قَوْلُهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِثَمَانِينَ لِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَلَمْ يَرِدْ فِي طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ بِاللَّامِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظِ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ، وَفِي الْأُخْرَى وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَوَرَدَ الْأَوَّلُ أَيْضًا بِلَفْظِ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ صَرَّحَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَلَا يُوَافِقُ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ أَنَّ الْمِائَةَ وَعِشْرِينَ هِيَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ عُمُرِهِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَزَالُ تَقُولُ خَلَوْنَ إِلَى النِّصْفِ فَإِذَا تَجَاوَزَتِ النِّصْفَ قَالُوا: بَقِينَ وَالَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ طَلْحَةَ يَقَعُ بِالْعَكْسِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ فِيمَا إِذَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ لِعِشْرِينَ بَقِينَ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي سِنِّ إِبْرَاهِيمَ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهَا قَوْلُ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَعَا إِبْرَاهِيمُ النَّاسَ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ بِهِ وَهُوَ ابْنُ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَذَكَرَ أَبُو حُذَيْفَةَ الْبُخَارِيُّ أَحَدَ الضُّعَفَاءِ فِي الْمُبْتَدَأِ بِسَنَدٍ لَهُ ضَعِيفٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَاشَ مِائَةً وَخَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ وَقِصَّتِهِ مَعَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَدُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ شَيْخٍ فَأَضَافَهُ، فَجَعَلَ يَضَعُ اللُّقْمَةَ فِي فِيهِ فَتَتَنَاثَرُ، وَلَا تَثْبُتُ فِي فِيهِ، فَقَالَ لَهُ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: مِائَةٌ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ سِتِّينَ وَمِائَةٍ: مَا بَقِيَ أَنْ أَصِيرَ هَكَذَا إِلَّا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَكَرِهَ الْحَيَاةَ، فَقَبَضَ مَلَكُ الْمَوْتِ حِينَئِذٍ رُوحَهُ بِرِضَاهُ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ يَتَعَسَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، لَكِنْ أَرْجَحُهَا الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، وَخَطَرَ لِي بَعْدُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ أَنَّهُ مِنْ وَقْتِ فَارَقَ قَوْمَهُ وَهَاجَرَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَيْ مِنْ مَوْلِدِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَأَى مِائَةً وَعِشْرِينَ فَظَنَّهَا إِلَّا عِشْرِينَ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَيْسَ اخْتِتَانُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بَعْدَ ثَمَانِينَ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْنَا مِثْلَ فِعْلِهِ، إِذْ عَامَّةُ مَنْ يَمُوتُ مِنَ النَّاسِ لَا يَبْلُغُ الثَّمَانِينَ، وَإِنَّمَا اخْتَتَنَ وَقْتَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِهِ، قَالَ: وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاخْتِتَانُ إِلَّا قُرْبَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِاسْتِعْمَالِ الْعُضْوِ فِي الْجِمَاعِ، كَمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَالَ كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ ثُمَّ قَالَ: وَالِاخْتِتَانُ فِي الصِّغَرِ لِتَسْهِيلِ الْأَمْرِ عَلَى الصَّغِيرِ لِضَعْفِ عُضْوِهِ وَقِلَّةِ فَهْمِهِ.
قُلْتُ: يُسْتَدَلُّ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْخِتَانِ، حَتَّى لَوْ أُخِّرَ لِمَانِعٍ حَتَّى بَلَغَ السِّنَّ الْمَذْكُورَ لَمْ يَسْقُطْ طَلَبُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْخِتَانَ يُشْرَعُ تَأْخِيرُهُ إِلَى الْكِبَرِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْهُ، وَأَمَّا التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ حِكْمَةَ الْخِتَانِ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي تَكْمِيلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ بَلْ،
стр. 6462
وَلِمَا يُخْشَى مِنِ انْحِبَاسِ بَقِيَّةِ الْبَوْلِ فِي الْغُرْلَةِ وَلَا سِيَّمَا لِلْمُسْتَجْمِرِ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسِيلَ فَيُنَجِّسَ الثَّوْبَ أَوِ الْبَدَنَ، فَكَانَتِ الْمُبَادَرَةُ لِقَطْعِهَا عِنْدَ بُلُوغِ السِّنِّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ أَلْيَقَ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُشْرَعُ فِيهِ فِيمَا مَضَى.
قَوْلُهُ: وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُشَدَّدَةً، وَزَادَ وَهُوَ مَوْضِعٌ وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ اللِّبَاسِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: الْقَدُومُ بِالتَّخْفِيفِ الْآلَةُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ
عَلَى خُطُوبٍ مِثْلِ نَحْتِ الْقَدُومِ
وَبِالتَّشْدِيدِ الْمَوْضِعُ، قَالَ: وَقَدْ يَتَّفِقُ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ الْأَمْرَانِ يَعْنِي أَنَّهُ اخْتَتَنَ بِالْآلَةِ وَفِي الْمَوْضِعِ.
قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْتُ الرَّاجِحَ مِنْ ذَلِكَ هُنَاكَ وَفِي الْمُتَّفَقِ لِلجَّوْزَقِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: الْقَدُّومُ الْقَرْيَةُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ فَقُلْتُ لِيَحْيَى: مَا الْقَدُومُ؟ قَالَ الْفَأْسُ.
قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْعَدِيمِ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْقَدُومَ الَّذِي اخْتَتَنَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ هُوَ الْآلَةُ، يُقَالُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْأَفْصَحُ التَّخْفِيفُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَتَيِ الْبُخَارِيِّ بِالْوَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَّهُ اخْتَتَنَ بِالْآلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقِيلَ لَهُ يَقُولُونَ قَدُومٌ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَثَبَتَ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ الْقَدُومُ الْآلَةُ، وَالْمَوْضِعُ بِالتَّخْفِيفِ مَعًا، وَأَنْكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ التَّشْدِيدَ مُطْلَقًا، وَوَقَعَ فِي مُتَّفِقِ الْبُلْدَانِ لِلْحَازِمِيِّ قَدُومٌ قَرْيَةٌ كَانَتْ عِنْدَ حَلَبَ وَكَانَتْ مَجْلِسَ إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ. هُوَ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ، وَشَيْخُهُ عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، هُوَ الْخُتَّلِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَفَتْحِهَا بَعْدَهَا لَامٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَةً بِالنِّسْبَةِ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْكَثِيرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ كَقُتَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ وَنَزَلَ فِيهِ دَرَجَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِإِسْرَائِيلَ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ.
قَوْلُهُ: أَنَا يومئذ مَخْتُونٌ، أَيْ وَقَعَ لَهُ الْخِتَانُ يُقَالُ: صَبِيٌّ مَخْتُونٌ وَمُخْتَتَنٌ وَخَتِينٌ بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ، أَيْ حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا أَدْرِي مَنِ الْقَائِلُ وَكَانُوا يَخْتِنُونَ أَهُوَ أَبُو إِسْحَاقَ أَوْ إِسْرَائِيلُ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِنًى وَأَنَا قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ قَالَ: وَالْأَحَادِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مُضْطَرِبَةٌ.
قُلْتُ: وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الَّذِي يَثْبُتُ فِي الْحَدِيثِ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَلَامَ السَّابِقَ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِدْرَاجُ بِالِاحْتِمَالِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَى الِاضْطِرَابِ مَرْدُودَةٌ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ أَوِ التَّرْجِيحِ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ الصَّحِيحَ أَنَّهُ وُلِدَ بِالشِّعْبِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِذَلِكَ قَطَعَ أَهْلُ السِّيَرِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَوْرَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدْتُ وَبَنُو هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ أَيْ قَارَبْتُهُ، وَلَا قَوْلَهُ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ، فَخُتِنَ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ وَبَعْدِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى رِوَايَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَشَيْءٍ وَوُلِدَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، فَجَبْرُ الْكَسْرَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ وُلِدَ مَثَلًا فِي شَوَّالٍ فَلَهُ مِنَ السَّنَةِ الْأُولَى ثَلَاثَةُ
стр. 6463
أَشْهُرٍ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا سَنَةً وَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَبِيعٍ فَلَهُ مِنَ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ ثَلَاثَةٌ أُخْرَى، وَأَكْمَلَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَمَنْ قَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَلْغَى الْكَسْرَيْنِ، وَمَنْ قَالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ جَبَرَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٣٠٠ - وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا خَتِينٌ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ. هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُوهُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ، وَشَيْخُهُ أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ.
قَوْلُهُ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا خَتِينٌ أَيْ مَخْتُونٌ، كَقَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ، وَهَذَا الطَّرِيقُ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ.
٥٢ - بَاب كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
٦٣٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ.
قَوْلُهُ (بَاب كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ) أَيْ شَغَلَ اللَّاهِيَ بِهِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، أَيْ كَمَنِ الْتَهَى بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا فِي فِعْلِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَمَنِ اشْتَغَلَ بِصَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ بِتِلَاوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ تَفَكُّرٍ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ مَثَلًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الضَّابِطِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْأَشْيَاءِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا الْمَطْلُوبِ فِعْلُهَا، فَكَيْفَ حَالُ مَا دُونَهَا وَأَوَّلُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ. لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ: كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتُهَ أَهْلَهُ. الْحَدِيثَ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ، اسْتَعْمَلَه لَفْظَ تَرْجَمَةٍ وَاسْتَنْبَطَ مِنَ الْمَعْنَى مَا قَيَّدَ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ.
وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَى الرَّمْيِ أَنَّهُ لَهْوٌ؛ لِإِمَالَةِ الرَّغَبَاتِ إِلَى تَعْلِيمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ اللَّهْوِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَعَلُّمِهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْجِهَادِ وَتَأْدِيبُ الْفَرَسِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُسَابَقَةِ عَلَيْهَا وَمُلَاعَبَةُ الْأَهْلِ لِلتَّأْنِيسِ، وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَى مَا عَدَاهَا الْبُطْلَانَ مِنْ طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ لَا أَنَّ جَمِيعَهَا مِنَ الْبَاطِلِ الْمُحَرَّمِ.
قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، أَيْ مَا يَكُونُ حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الْآيَةَ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَكْثَرُ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَنْبَطَ تَقْيِيدَ اللَّهْوِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهُ لَا لِيُضِلَّ لَا يَكُونُ مَذْمُومًا، وَكَذَا مَفْهُومُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْغَلْهُ اللَّهْوُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَا يَكُونُ بَاطِلًا. لَكِنْ عُمُومُ هَذَا الْمَفْهُومِ يُخَصُّ بِالْمَنْطُوقِ، فَكُلُّ شَيْءٍ نُصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِمَّا يُلْهِي يَكُونُ بَاطِلًا، سَوَاءٌ شَغَلَ أَوْ لَمْ يَشْغَلْ، وَكَأَنَّهُ رَمَزَ إِلَى ضَعْفِ مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ اللَّهْوِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْغِنَاءِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَفِيهِنَّ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الْآيَةَ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا أَنَّهُ فَسَّرَ اللَّهْوَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْغِنَاءِ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا.
ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ الْحَدِيثَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْقِمَارَ مِنْ جُمْلَةِ اللَّهْوِ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ دَعَا إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالتَّصَدُّقِ لِيُكَفِّرَ عَنْهُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ دَعَا إِلَى مَعْصِيَةٍ وَقَعَ بِدُعَائِهِ إِلَيْهَا فِي
стр. 6464
مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَةِ بِالِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْقِمَارِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ لِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ وَمُنَاسَبَةُ بَقِيَّةِ حَدِيثِ الْبَابِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّاتِ لَهْوٌ يَشْغَلُ عَنِ الْحَقِّ بِالْخَلْقِ، فَهُوَ بَاطِلٌ. انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَدَّمَ تَرْجَمَةَ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا أَشَارَ إِلَى تَرْكِ الْإِذْنِ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِاللَّهْوِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالنَّجْمِ قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا الْحَرْفُ تَعَالَ أُقَامِرْكَ لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ إِلَّا الزُّهْرِيُّ، وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوُ تِسْعِينَ حَرْفًا لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّفَرُّدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ لِأَنَّ لِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، يُسْتَفَادُ مِنْهُ سَبَبُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، قَالَ: كُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكِ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَى آخِرِ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ إِلَى قَوْلِهِ: قَدِيرٌ وَيَحْتَمِلُ الِاكْتِفَاءُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ تَأْكِيدٌ.
٥٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاة الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَان
٦٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنْ الْمَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنْ الشَّمْسِ مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
٦٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى بيتا، قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ أَيْ مِنْ مَنْعٍ وَإِبَاحَةٍ، وَالْبِنَاءُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِطِينٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ بِخَشَبٍ أَوْ مِنْ قَصَبٍ أَوْ مِنْ شَعْرٍ.
قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الرَّاءُ وَبِهَاءِ تَأْنِيثٍ فِي آخِرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رِعَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءُ وَبِالْهَمْزِ مَعَ الْمَدِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَأَشَارَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ إِلَى ذَمِّ التَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ تَطْوِيلِ الْبِنَاءِ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرٍ: إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ بِنَاءً فَوْقَ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ نُودِيَ يَا فَاسِقُ إِلَى أَيْنَ؟ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا.
وَفِي ذَمِّ الْبِنَاءِ مُطْلَقًا حَدِيثُ خَبَّابٍ رَفَعَهُ قَالَ: يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا التُّرَابَ أَوْ قَالَ الْبِنَاءَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ إِلَّا الْبِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ
стр. 6465
بِعَبْدٍ شَرًّا خَضَّرَ لَهُ فِي اللَّبِنِ وَالطِّينِ حَتَّى يَبْنِيَ وَمَعْنَى خَضَّرَ بِمُعْجَمَتَيْنِ حَسَّنَ وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ الْأَنْصَارِيِّ بِلَفْظِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ سُوءًا أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْبُنْيَانِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: مَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا، فَقَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلتَّوَطُّنِ، وَمَا يَقِي الْبَرْدَ وَالْحَرَّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَمَا أنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا إِلَّا مَا لَا أَيْ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا الرَّاوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَسَدِيُّ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ وَاثِلَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ. كَذَا فِي الْأَصْلِ وَسَعِيدٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، وَنُسِبَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ يُقَالُ لَهُ السَّعِيدِيُّ، سَكَنَ مَكَّةَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَالِدِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: عَنْ سَعِيدٍ
قَوْلُهُ (رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ كَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ الْحَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَصَارَ لِشِدَّةِ عِلْمِهِ بِهَا كَأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ يَفْعَلُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ (يُكِنُّنِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ أَكَنَّ إِذَا وَقَى وَجَاءَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ كَنَّ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: كَنَنْتُهُ وَأَكْنَنْتُهُ بِمَعْنًى أَيْ سَتَرْتُهُ وَأَسْرَرْتُهُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كَنَنْتُهُ صُنْتُهُ، وَأَكْنَنْتُهُ أَسْرَرْتُهُ.
قَوْلُهُ: مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ تَأْكِيدٌ لِقولِهِ بَنَيْتُ بِيَدِي وَإِشَارَةٌ إِلَى خِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ السَّعِيدِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَيْنِ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبِنَاءِ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي بَيْتِ الشَّعْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَاوِيَ الزِّيَادَةِ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ تَقْيِيدٌ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ.
قَوْلُهُ: قَالَ عَمْرٌو، هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: لَبِنَةً بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِثْلِ كَلِمَةٍ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ الْغَرْسُ كَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ غَرَسَ وَنِيَّتُهُ طَلَبُ الْكَفَافِ، أَوْ لِفَضْلِ مَا يَنَالُ مِنْهُ فَفِي ذَلِكَ الْفَضْلُ لَا الْإِثْمُ قُلْتُ: لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْإِثْمِ فِي الْخَبَرِ ذِكْرٌ حَتَّى يُعْتَرَضَ بِهِ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ فِي الْبِنَاءِ كُلِّهِ الْإِثْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا زَادَ مِنْهُ عَلَى الْحَاجَةِ يَسْتَلْزِمُ الْإِثْمَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْغَرْسِ مِنَ الْأَجْرِ مِنْ أَجْلِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْبِنَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَجْرُ مِثْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ لِغَيْرِ الْبَانِي، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِلْبَانِي بِهِ الثَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَالْقَائِلُ هُوَ سُفْيَانُ.
قَوْلُهُ: قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى، زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْتًا
قَوْلُهُ: قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَيْ، قَالَ: مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً إِلَخْ. قَيلَ أَنْ يُبْنَى الَّذِي ذَكَرْتُ، وَهَذَا اعْتِذَارٌ حَسَنٌ مِنْ سُفْيَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ نَفَى أَنْ يَكُونَ بَنَى بِيَدِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ فِعْلُ ذَلِكَ، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ كَانَ بَنَى بِأَمْرِهِ فَنَسَبَهُ إِلَى فِعْلِهِ مَجَازًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهُ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ أَوْ شَعْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نَفَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِنَاءُ بَيْتٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، أَوْ إِصْلَاحُ مَا وَهَى مِنْ بَيْتِهِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ سُفْيَانَ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا جَاءَ عَنْهُ قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِسَامِعِهِمَا أَنْ يَتَأَوَّلَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُمَا التَّنَاقُضَ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الْكَذِبِ انْتَهَى، وَلَعَلَّ سُفْيَانَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ ابْنِ
стр. 6466
عُمَرَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَا رَوَاهُ لَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَبَادَرَ سُفْيَانُ إِلَى الِانْتِصَارِ لِشَيْخِهِ وَلِنَفْسِهِ وَسَلَكَ الْأَدَبَ مَعَ الَّذِي خَاطَبَهُ بِالْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَة):
اشْتَمَلَ كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ حَدِيثًا الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ عِشْرُونَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: رَسُولُ الرَّجُلِ إِذْنُهُ وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْمُصَافَحَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاحْتِبَاءِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْبِنَاءِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي خِتَانِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٠ - كِتَاب الدَّعَوَاتِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ دَعْوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْوَاحِدَةُ وَالدُّعَاءُ الطَّلَبُ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الشَّيْءِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ، وَدَعَوْتُ فُلَانًا سَأَلْتُهُ وَدَعَوْتُهُ اسْتَغَثْتُهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى رِفْعَةِ الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ كَذَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَيُطْلَقُ الدُّعَاءُ أَيْضًا عَلَى الْعِبَادَةِ.
وَالدَّعْوَى بِالْقَصْرِ الدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ وَالِادِّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الدُّعَاءُ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ وَاحِدٌ، لَكِنْ قَدْ يَتَجَرَّدُ النِّدَاءُ عَنْ الِاسْمِ، وَالدُّعَاءُ لَا يَكَادُ يَتَجَرَّدُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مَا مُلَخَّصُهُ: جَاءَ الدُّعَاءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْعِبَادَةُ، ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وَمِنْهَا الِاسْتِغَاثَةُ ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ وَمِنْهَا السُّؤَالُ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَمِنْهَا الْقَوْلُ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَالنِّدَاءُ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وَالثَّنَاءُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي تَرْجِيحِ الدُّعَاءِ عَلَى التَّفْوِيضِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْقَضَاءِ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ آخِرَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ. وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ تَرْكُ الذُّنُوبِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَرُكْنُهُ الْأَكْبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ.
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،
стр. 6467
وَالْحَاكِمُ وَحَدِيثُهُ رَفَعَهُ: مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، ثُمَّ زَايٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْخُوزِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَظَنَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، فَجَزَمَ بِأَنَّ أَحْمَدَ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَقَدْ جَزَمَ شَيْخُهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِمَا قُلْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يُبْغِضْهُ، وَالْمَبْغُوضُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ انْتَهَى، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ. وَفِي سَنَدِهِ لِينٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَعَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّةٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ: الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فَوَجْهُ الرَّبْطِ أَنَّ الدُّعَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْعِبَادَةِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الدُّعَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَعِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ اسْتِكْبَارًا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِمَقْصَدٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ، فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ أَرْجَحُ مِنَ التَّرْكِ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ الْآتِيَةُ قَرِيبًا فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْإِجَابَةَ مُشْتَرَطَةٌ بِالْإِخْلَاصِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ: أَنْ تُحْمَلَ الْعِبَادَةُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِذِ الدُّعَاءُ هُوَ إِظْهَارُ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِكَانَةُ لَهُ وَمَا شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ إِلَّا لِلْخُضُوعِ لِلْبَارِي وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ بِالِاسْتِكْبَارِ، وَوَضَعَ عِبَادَتِي مَوْضِعَ دُعَائِي وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ الصَّغَارُ وَالْهَوَانُ.
وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ اخْتُلِفَ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى: الدُّعَاءُ أَوِ السُّكُوتُ وَالرِّضَا؟ فَقِيلَ: الدُّعَاءُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ، وَقِيلَ السُّكُوتُ وَالرِّضَا أَوْلَى لِمَا فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الْفَضْلِ.
قُلْتُ: وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَعْرِفُ مَا قُدِّرَ لَهُ، فَدُعَاؤُهُ إِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ الْمَقْدُورِ، فَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ، فَهُوَ مُعَانَدَةٌ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ إِذْعَانًا لَا مُعَانَدَةً وَفَائِدَةُ الدُّعَاءِ تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، قَالَ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا بِلِسَانِهِ رَاضِيًا بِقَلْبِهِ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ إِشَارَةَ الدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَبِالْعَكْسِ.
قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ أَنْ يَدْعُوَ بِلِسَانِهِ وَيَرْضَى بِقَلْبِهِ، وَالثَّانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْكُمَّلُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَصِيبٌ فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَمَا كَانَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ فَالسُّكُوتُ أَفْضَلُ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لِمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِغَيْرِهِ وَيَتْرُكَ لِنَفْسِهِ، وَعُمْدَةُ مَنْ أَوَّلَ الدُّعَاءَ فِي الْآيَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا لَمْ يَتَخَلَّفْ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ لَكِنْ تَتَنَوَّعُ
стр. 6468
الْإِجَابَةُ فَتَارَةً تَقَعُ بِعَيْنِ مَا دَعَا بِهِ وَتَارَةً بِعِوَضِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعَوْتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
وَهَذَا شَرْطٌ ثَانٍ لِلْإِجَابَةِ، وَلَهَا شُرُوطٌ أُخْرَى مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ طَيِّبُ الْمَطْعَمِ، وَالْمَلْبَسِ، لِحَدِيثِ: فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ عِشْرِينَ بَابًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْهَا أَلَّا يَكُونَ يَسْتَعْجِلُ لِحَدِيثِ: يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَقُلْ دَعَوْتُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ.
١ - بَاب لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ
٦٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ.
[الحديث ٦٣٠٤ - طرفه في: ٧٤٧٤]
٦٣٠٥ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: قَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لكُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا، أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ (بَاب لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ لِغَيْرِهِ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الدُّعَاءِ لَا يُسْتَجَابُ عَيْنًا.
قَوْلُهُ: إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.
قَوْلُهُ (مُسْتَجَابَة) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلَمْ أَرَهَا عِنْدَ الْبَاقِينَ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ
قَوْلُهُ يَدْعُو بِهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُعَجِّلُ كُلُّ نَبِيٍّ دَعَوْتَهُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ
قَوْلُهُ وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِئَ وَزِيَادَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذَا لِلتَّبَرُّكِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي وَزَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزَادَ أَبُو صَالِحٍ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ: مَنْ مَاتَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ولَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ وَالتَّقْدِيرُ شَفَاعَتِي نَائِلَةٌ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ وَكَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَهَا ثُمَّ عَزَمَ فَفَعَلَ وَرَجَا وُقُوعَ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ فَجَزَمَ بِهِ وَسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الْكَلَامِ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَأَنْوَاعِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرِّقَاقِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ بِمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُجَابَةِ، وَلَا سِيَّمَا نَبِيُّنَا ﷺ وَظَاهِرُهُ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً فَقَطْ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجَابَةِ فِي الدَّعْوَةِ الْمَذْكُورَةِ الْقَطْعُ بِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ دَعَوَاتِهِمْ، فَهُوَ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ أَيْ أَفْضَلُ دَعَوَاتِهِ وَلَهُمْ دَعَوَاتٌ أُخْرَى وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِمَّا بِإِهْلَاكِهِمْ، وَإِمَّا بِنَجَاتِهِمْ وَأَمَّا الدَّعَوَاتُ الْخَاصَّةُ، فَمِنْهَا
стр. 6469
مَا يُسْتَجَابُ وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَجَابُ، وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ تَخُصُّهُ لِدُنْيَاهُ أَوْ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِ نُوحٍ ﴿لا تَذَرْ عَلَى﴾ الْأَرْضِ، وَقَوْلِ زَكَرِيَّا ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ وَقَوْلِ سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ.
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مَا لَفْظُهُ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ دَعَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَجَابَةٌ وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ دَعَا عَلَى أُمَّتِهِ بِالْإِهْلَاكِ إِلَّا أَنَا فَلَمْ أَدْعُ فَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لِلصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ لَا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ (١) بِأَنَّهُ ﷺ دَعَا عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَدَعَا عَلَى أُنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسْمَائِهِمْ وَدَعَا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَدَعَا عَلَى مُضَرَ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً تُسْتَجَابُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، فَنَالَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا نَبِيُّنَا، فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا عَلَى بَعْضِ أُمَّتِهِ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَبَقِيَ تِلْكَ الدَّعْوَةُ الْمُسْتَجَابَةُ مُدَّخَرَةً لِلْآخِرَةِ وَغَالِبُ مَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لَمْ يُرِدْ إِهْلَاكَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدْعَهُمْ لِيَتُوبُوا.
وَأَمَّا جَزْمُهُ أَوَّلًا بِأَنَّ جَمِيعَ أَدْعِيَتِهِمْ مُسْتَجَابَةٌ فَفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً. الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِدَعْوَتِهِ الْمُجَابَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أَيْضًا دُعَاءً عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ ﷺ لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّعْوَةَ فِيمَا يَنْبَغِي، وَمِنْ كَثْرَةِ كَرَمِهِ لِأَنَّهُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْ صِحَّةِ نَظَرِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِمْ أَحْوَجَ إِلَيْهَا مِنَ الطَّائِعِينَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ، فَجَعَلَ دَعَوْتَهُ فِي أَهَمِّ أَوْقَاتِ حَاجَتِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَهِيَ نَائِلَةٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَلَوْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْحُمَيْدِيُّ، لَكِنْ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ فَعَلَى هَذَا هُوَ مُتَّصِلٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مُعْتَمِرٍ.
قَوْلُهُ: لِكُلِّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤَلًا، أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، هَكَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ، بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بِهِ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَمُسَدَّدٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ مُعْتَمِرٍ بِالشَّكِّ. وَلَفْظُهُ كُلُّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ سُؤَلًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا الْحَدِيثَ وَلَفْظُ قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ لِأُمَّتِهِ فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَشُكَّ.
٢ - بَاب أَفْضَلِ الِاسْتِغْفَارِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى و ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ * وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
٦٣٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ الْعَدَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يقُولَ: اللَّهُمَّ стр. 6470
أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
[الحديث ٦٣٠٦ - طرفه في ٦٣٢٣]
قَوْلُهُ: بَابُ أَفْضَلِ الِاسْتِغْفَارِ. سَقَطَ لَفْظُ بَابُ لِأَبِي ذَرٍّ. وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ بِلَفْظِ فَضْلُ الِاسْتِغْفَارِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْآيَتَيْنِ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ وَهُمَا دَالَّتَانِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، ظَنَّ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ يُؤَيِّدُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إِثْبَاتَ مَشْرُوعِيَّةِ الْحَثِّ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بِذِكْرِ الْآيَتَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَتَرْجَمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ.
وَوَقَعَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ السِّيَادَةِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّيَادَةِ الْأَفْضَلِيَّةُ وَمَعْنَاهَا الْأَكْثَرُ نَفْعًا لِمُسْتَعْمِلِهِ، وَمِنْ أَوْضَحِ مَا وَقَعَ فِي فَضْلِ الِاسْتِغْفَارِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبِهَانِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْكَبَائِرِ تُغْفَرُ بِبَعْضِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَضَابِطُهُ الذُّنُوبُ الَّتِي لَا تُوجِبُ عَلَى مُرْتَكِبِهَا حُكْمًا فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ مَثَّلَ بِالْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ يُغْفَرُ إِذَا كَانَ مِثْلَ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ عَلَى مُرْتَكِبِهِ حُكْمًا فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ.
قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الْآيَةَ كَذَا رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّ التِّلَاوَةَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وَسَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَنْهَارًا، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَثَرِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا شَكَى إِلَيْهِ الْجَدْبَ فَقَالَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَشَكَى إِلَيْهِ آخَرُ فَقَالَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَشَكَى إِلَيْهِ آخَرُ جَفَافَ بُسْتَانِهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَشَكَى إِلَيْهِ آخَرُ عَدَمَ الْوَلَدِ فَقَالَ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ، وَفِي الْآيَةِ حَثٌّ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ وَإِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ
لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ مَا أَرْجُو وَأَطْلُبُهُ … مِنْ جُودِ كَفَّيْكَ مَا عَلَّمْتَنِي الطَّلَبَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى قَوْلِهِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ذَكَرُوا اللَّهَ فَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ فَاسْتَغْفَرُوا تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِالذِّكْرِ وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ تَقْدِيرِهِ، ذَكَرُوا عِقَابَ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى تَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أَيْ لِأَجْلِ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ صِفَةُ الِاسْتِغْفَارِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵄ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ لَهُ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا
стр. 6471
فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ قَبُولِ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يُقْلِعَ الْمُسْتَغْفِرُ عَنِ الذَّنْبِ، وَإِلَّا فَالِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالذَّنْبِ كَالتَّلَاعُبِ.
وَوَرَدَ فِي فَضْلِ الِاسْتِغْفَارِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ لَا أَزَالُ أُغْوِيهِمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: وَعِزَّتِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَفَعَهُ: مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ وَإِلَّا فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي التَّوْحِيدِ مَرْفُوعًا: أَنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ. الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ أَيِ ابْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا بُشَيْرٌ، بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ، وَقَدْ تَابَعَ حُسَيْنًا عَلَى ذَلِكَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَأَبُو الْعَوَّامِ، عَنْ بُرَيْدَةَ، وَلَكِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ بَلْ قَالَا عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ شَدَّادٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَخَالَفَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ أَوَّلُ الْحَدِيثِ، قَالَ النَّسَائِيُّ: حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ أَثْبَتُ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَأَعْلَمُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ.
قُلْتُ: كَأَنَّ الْوَلِيدَ سَلَكَ الْجَادَّةَ؛ لِأَنَّ جُلَّ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَأَنَّ مَنْ صَحَّحَهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، أَيِ ابْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأَنْصَارِيُّ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الشَّاعِرِ، وَشَدَّادٌ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ نَزَلَ الشَّامَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو يَعْلَى. وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَةِ أَبِيهِ، وَلَيْسَ لِشَدَّادٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ.
قَوْلُهُ: سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْبَةِ كُلِّهَا اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ السَّيِّدِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرَّئِيسُ الَّذِي يُقْصَدُ فِي الْحَوَائِجِ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ.
قَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ أَيِ الْعَبْدُ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ إِنَّ سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ شَدَّادٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: تَعَلَّمُوا سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ.
قَوْلُهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أنت خَلَقْتَنِي، كَذَا فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ بِتَكْرِيرِ أَنْتَ وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ مِنْ مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَالْبَاقِي نَحْوُ حَدِيثِ شَدَّادٍ وَزَادَ فِيهِ: آمَنْتُ لَكَ مُخْلِصًا لَكَ دِينِي.
قَوْلُهُ وَأَنَا عَبْدُكَ قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُؤَكَّدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً أَيْ أَنَا عَابِدٌ لَكَ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ قَوْلِهِ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ.
قَوْلُهُ: وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ سَقَطَتِ الْوَاوُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَا عَلَى مَا عَهِدْتُكَ عَلَيْهِ وَوَاعَدْتُكَ مِنَ الْإِيمَانِ بِكَ وَإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ لَكَ مَا اسْتَطَعْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى مَا عَهِدْتَ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ وَمُتَمَسِّكٌ بِهِ وَمُنْتَجِزٌ وَعْدَكَ فِي الْمَثُوبَةِ وَالْأَجْرِ، وَاشْتِرَاطُ الِاسْتِطَاعَةِ فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ الِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ كُنْهِ الْوَاجِبِ مِنْ حَقِّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ يُرِيدُ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَبِالْوَعْدِ مَا قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ:
стр. 6472
أنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَأَدَّى مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ.
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ وَأَدَّى مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُرَادَ بِالْعَهْدِ الْمِيثَاقَ الْمَأْخُوذَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ خَاصَّةً، فَالْوَعْدُ هُوَ إِدْخَالُ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ مَا اسْتَطَعْتُ إِعْلَامٌ لِأُمَّتِهِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِلَّهِ وَلَا الْوَفَاءِ بِكَمَالِ الطَّاعَاتِ وَالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ فَرَفَقَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وُسْعَهُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَهْدِ وَالْوَعْدِ مَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ كَذَا قَالَ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعَهْدِ وَالْوَعْدِ أَوْضَحُ.
قَوْلُهُ: أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ سَقَطَ، لَفْظُ لَكَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَأَبُوءُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْهَمْزِ مَمْدُودٌ مَعْنَاهُ أَعْتَرِفُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ شَدَّادٍ: وَأَعْتَرِفُ بِذُنُوبِي وَأَصْلُهُ الْبَوَاءُ وَمَعْنَاهُ اللُّزُومُ وَمِنْهُ بَوَّأَهُ اللَّهُ مَنْزِلًا إِذَا أَسْكَنَهُ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي أَيْ أَعْتَرِفُ أَيْضًا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَحْمِلُهُ بِرَغْمِي لَا أَسْتَطِيعُ صَرْفَهُ عَنِّي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اعْتَرَفَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَنْوَاعَ الْإِنْعَامِ ثُمَّ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِأَدَاءِ شُكْرِهَا ثُمَّ بَالَغَ فَعَدَّهُ ذَنْبًا مُبَالَغَةً فِي التَّقْصِيرِ وَهَضْمِ النَّفْسِ قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي أَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ الذَّنْبِ مُطْلَقًا لِيَصِحَّ الِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ لَا أَنَّهُ عَدَّ مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنْ أَدَاءِ شُكْرِ النِّعَمِ ذَنْبًا.
قَوْلُهُ: فَاغْفِرْ لِي لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ غُفِرَ لَهُ وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ الْعَبْدُ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وَتَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا بِهَا أَيْ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ مُصَدِّقًا بِثَوَابِهَا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وَمِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ بُشِّرَ بِالثَّوَابِ ثُمَّ بُشِّرَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ، فَثَبَتَ الْأَوَّلُ وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يُبَشِّرُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ يُبَشِّرُ بِأَقَلَّ مِنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَاسِخًا، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَنْ قَالَهَا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَغْفِرُ لَهُ بِهِ ذُنُوبَهُ أَوْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ مِنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْهُ بِوَجْهٍ مَا وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ وَبَعْضُهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ.
قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ لَا يَقُولُهَا أَحَدُكُمْ حِينَ يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ أَوْ حِينَ يُصْبِحُ فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ.
قَوْلُهُ: فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: جَمَعَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَدِيعِ الْمَعَانِي وَحُسْنِ الْأَلْفَاظِ مَا يَحِقُّ لَهُ أَنَّهُ يُسَمَّى سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ فَفِيهِ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَالِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ، وَالرَّجَاءُ بِمَا وَعَدَهُ بِهِ وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ مَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِضَافَةُ النَّعْمَاءِ إِلَى مُوجِدِهَا وَإِضَافَةُ الذَّنْبِ إِلَى نَفْسِهِ، وَرَغْبَتُهُ فِي الْمَغْفِرَةِ، وَاعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا هُوَ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ تَكَالِيفَ الشَّرِيعَةِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى وَهَذَا الْقَدَرُ الَّذِي يُكَنَّى عَنْهُ بِالْحَقِيقَةِ فَلَوِ اتَّفَقَ أَنَّ الْعَبْدَ خَالَفَ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ بِبَيَانِ الْمُخَالَفَةِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَحَدُ أَمْرَيْنِ إِمَّا الْعُقُوبَةُ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ أَوِ الْعَفْوُ بِمُقْتَضَى الْفَضْلِ انْتَهَى مُلَخَّصًا. أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِغْفَارِ: صِحَّةُ النِّيَّةِ وَالتَّوَجُّهُ وَالْأَدَبُ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا حَصَّلَ الشُّرُوطَ وَاسْتَغْفَرَ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ الْوَارِدِ وَاسْتَغْفَرَ آخَرُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْوَارِدِ لَكِنْ أَخَلَّ بِالشُّرُوطِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَكُونُ سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ إِذَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6473
٣ - بَاب اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ
٦٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: بَابُ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، أَوِ التَّقْدِيرُ مِقْدَارُ اسْتِغْفَارِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ لِتَقَدُّمِ بَيَانِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ لَا يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ.
قَوْلُهُ: قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فِيهِ الْقَسَمُ عَلَى الشَّيْءِ تَأْكِيدًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ السَّامِعِ فِيهِ شَكٌّ.
قَوْلُهُ: لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَيَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَقُولُ هَذَا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، وَيُرَجِّحُ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إ لَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: إِنَّا كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ مِائَةَ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُبَالَغَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: أَكْثَرَ مُبْهَمٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمِائَةَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَكِنْ خَالَفَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ. وَلَهُ فِي حَدِيثِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رَفَعَهُ مِثْلَهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنَّهُ لَيُغَانُّ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِالْغَيْنِ فَتَرَاتٌ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ فَإِذَا فَتَرَ عَنْهُ لِأَمْرٍ مَا عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرَ عَنْهُ، وَقِيلَ هُوَ شَيْءٌ يَعْتَرِي الْقَلْبَ مِمَّا يَقَعُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: هُوَ السَّكِينَةُ الَّتِي تَغْشَى قَلْبَهُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ لِمَا أَوْلَاهُ، وَقِيلَ: هِيَ حَالَةُ خَشْيَةٍ وَإِعْظَامٍ وَالِاسْتِغْفَارُ شُكْرُهَا. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: خَوْفُ الْمُتَقَرِّبِينَ خَوْفُ إِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ: لَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الْغَيْنَ فِي حَالَةِ نَقْصٍ بَلْ هُوَ كَمَالٌ أَوْ تَتِمَّةُ كَمَالٍ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِجَفْنِ الْعَيْنِ حِينَ يُسْبَلُ لِيَدْفَعَ الْقَذَى عَنِ الْعَيْنِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْعَيْنَ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ نَقْصٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ كَمَالُ هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ بِعِبَارَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَ: فَهَكَذَا بَصِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ مُتَعَرِّضَةٌ لِلْأَغْيِرَةِ الثَّائِرَةِ مِنْ أَنْفَاسِ الْأَغْيَارِ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى السَّتْرِ عَلَى حَدَقَةِ بَصِيرَتِهِ صِيَانَةً لَهَا وَوِقَايَةً عَنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَالِاسْتِغْفَارُ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ مَعْصِيَةٍ، وَأُجِيبَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْغَيْنِ، وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: هَفَوَاتُ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ وَالْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ عُصِمُوا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يُعْصَمُوا مِنَ الصَّغَائِرِ. كَذَا قَالَ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ، وَالرَّاجِحُ عِصْمَتُهُمْ مِنَ الصَّغَائِرِ أَيْضًا وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: الْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنَ الْمَعْرِفَةِ
стр. 6474
فَهُمْ دَائِبُونَ فِي شُكْرِهِ مُعْتَرِفُونَ لَهُ بِالتَّقْصِيرِ، انْتَهَى وَمُحَصَّلُ جَوَابِهِ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي أَدَاءِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لِلَّهِ - تَعَالَى -، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ رَاحَةٍ أَوْ لِمُخَاطَبَةِ النَّاسِ وَالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَمُحَارَبَةِ عَدُوِّهِمْ تَارَةً وَمُدَارَاتِهِ أُخْرَى وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْجُبُهُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، فَيَرَى ذَلِكَ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقَامِ الْعَلِيِّ وَهُوَ الْحُضُورُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ.
وَمِنْهَا أَنَّ اسْتِغْفَارَهُ تَشْرِيعٌ لِأُمَّتِهِ أَوْ مِنْ ذُنُوبِ الْأُمَّةِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ كَانَ ﷺ دَائِمَ التَّرَقِّي، فَإِذَا ارْتَقَى إِلَى حَالٍ رَأَى مَا قَبْلَهَا دُونَهَا فَاسْتَغْفَرَ مِنَ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ، وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ فِي اسْتِغْفَارِهِ كَانَ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْأَحْوَالِ وَظَاهِرُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ السُّهْرَوَرْدِيُّ: لَمَّا كَانَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَزَلْ فِي التَّرَقِّي إِلَى مَقَامَاتِ الْقُرْبِ يَسْتَتْبِعُ الْقَلْبَ، وَالْقَلْبُ يَسْتَتْبِعُ النَّفْسَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ حَرَكَةَ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ أَسْرَعُ مِنْ نَهْضَةِ النَّفْسِ، فَكَانَتْ خُطَا النَّفْسِ تَقْصُرُ عَنْ مَدَاهُمَا فِي الْعُرُوجِ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِبْطَاءَ حَرَكَةِ الْقَلْبِ لِئَلَّا تَنْقَطِعَ عَلَاقَةُ النَّفْسِ عَنْهُ فَيَبْقَى الْعِبَادُ مَحْرُومِينَ فَكَانَ ﷺ يَفْزَعُ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ لِقُصُورِ النَّفْسِ عَنْ شَأْوِ تَرَقِّي الْقَلْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب التَّوْبَةِ قَالَ قَتَادَةُ ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ
٦٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ العبد مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَجَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، سَمِعْتُ الْحَارِثَ بن سويد، وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
٦٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح و حَدَّثَنَا هُدْبَةُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ "عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ"
قَوْلُهُ: بَابُ التَّوْبَةِ، أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِإِيرَادِ هَذَيْنَ الْبَابَيْنِ - وَهُمَا الِاسْتِغْفَارُ ثُمَّ التَّوْبَةُ - فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدُّعَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِجَابَةَ تُسْرِعُ إِلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا قَدَّمَ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ قَبْلَ الدُّعَاءِ، كَانَ أَمْكَنَ لِإِجَابَتِهِ،
стр. 6475
وَمَا أَلْطَفِ قَوْلِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِذْ سُئِلَ أَأُسَبِّحُ أَوْ أَسْتَغْفِرُ، فَقَالَ: الثَّوْبُ الْوَسِخُ أَحْوَجُ إِلَى الصَّابُونِ مِنَ الْبَخُورِ، وَالِاسْتِغْفَارُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْغُفْرَانِ، وَأَصْلُهُ الْغَفْرُ وَهُوَ إِلْبَاسُ الشَّيْءِ مَا يَصُونُهُ عَمَّا يُدَنِّسُهُ، وَتَدْنِيسُ كُلِّ شَيْءٍ يحَسَبِهِ، وَالْغُفْرَانُ مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَصُونَهُ عَنِ الْعَذَابِ وَالتَّوْبَةُ تَرْكُ الذَّنْبِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ.
وَفِي الشَّرْعِ: تَرْكُ الذَّنْبِ لِقُبْحِهِ، وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ إِنْ كَانَتْ أَوْ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ صَاحِبِهَا، وَهِيَ أَبْلَغُ ضُرُوبِ الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَذِرَ إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَفْعَلُ فَلَا يَقَعُ الْمَوْقِعُ عِنْدَ مَنِ اعْتَذَرَ لَهُ لِقِيَامِ احْتِمَالِ أَنَّهُ فَعَلَ لَا سِيَّمَا إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنْهُ، أَوْ يَقُولَ فَعَلْتُ لِأَجْلِ كَذَا وَيَذْكُرُ شَيْئًا يُقِيمُ عُذْرَهُ، وَهُوَ فَوْقَ الْأَوَّلِ أَوْ يَقُولَ فَعَلْتُ، وَلَكِنْ أَسَأْتُ وَقَدْ أَقْلَعْتُ، وَهَذَا أَعْلَاهُ. انْتَهَى مِنْ كَلَامِ الرَّاغِبِ مُلَخَّصًا.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ فِيهَا فَقَائِلٌ يَقُولُ: إِنَّهَا النَّدَمُ، وَآخَرُ يَقُولُ: إِنَّهَا الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَآخَرُ يَقُولُ: الْإِقْلَاعُ عَنِ الذَّنْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَكْمَلُهَا غَيْرَ أَنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ غَيْرُ مَانِعٍ وَلَا جَامِعٍ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ قَدْ يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ وَلَا يَكُونُ تَائِبًا شَرْعًا إِذْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ شُحًّا عَلَى مَالِهِ أَوْ لِئَلَّا يُعَيِّرَهُ النَّاسُ بِهِ، وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ، وَمَنْ تَرَكَ الذَّنْبَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَكُونُ تَائِبًا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَنْ زَنَى مَثَلًا ثُمَّ جُبَّ ذَكَرُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ غَيْرُ النَّدَمِ عَلَى مَا مَضَى، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ، قَالَ: وَبِهَذَا اغْتَرَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّدَمَ يَكْفِي فِي حَدِّ التَّوْبَةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَدِمَ وَلَمْ يُقْلِعْ، وَعَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ لَمْ يَكُنْ تَائِبًا اتِّفَاقًا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ اخْتِيَارُ تَرْكِ ذَنْبٍ سَبَقَ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا لِأَجْلِ اللَّهِ، قَالَ: وَهَذَا أَسَدُّ الْعِبَارَاتِ وَأَجْمَعُهَا ; لِأَنَّ التَّائِبَ لَا يَكُونُ تَارِكًا لِلذَّنْبِ الَّذِي فَرَغَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ عَيْنِهِ لَا تَرْكًا وَلَا فِعْلًا وَإِنَّمَا هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مِثْلِهِ حَقِيقَةً، وَكَذَا مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَنْبٌ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ اتِّقَاءُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَا تَرْكُ مِثْلِ مَا وَقَعَ فَيَكُونُ مُتَّقِيًا لَا تَائِبًا.
قَالَ: وَالْبَاعِثُ عَلَى هَذَا تَنْبِيهٌ إِلَهِيٌّ لِمَنْ أَرَادَ سَعَادَتَهُ لِقُبْحِ الذَّنْبِ وَضَرَرِهِ ; لِأَنَّهُ سُمٌّ مُهْلِكٌ يُفَوِّتُ عَلَى الْإِنْسَانِ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَحْجُبُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الدُّنْيَا وَعَنْ تَقْرِيبِهِ فِي الْآخِرَةِ قَالَ: وَمَنْ تَفَقَّدَ نَفْسَهُ وَجَدَهَا مَشْحُونَةً بِهَذَا السُّمِّ فَإِذَا وُفِّقَ انْبَعَثَ مِنْهُ خَوْفُ هُجُومِ الْهَلَاكِ عَلَيْهِ فَيُبَادِرُ بِطَلَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْبَعِثُ مِنْهُ النَّدَمُ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ عَلَيْهِ.
قَالَ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّوْبَةَ، إِمَّا مِنَ الْكُفْرِ، وَإِمَّا مِنَ الذَّنْبِ، فَتَوْبَةُ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا، وَتَوْبَةُ الْعَاصِي مَقْبُولَةٌ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ، وَمَعْنَى الْقَبُولِ الْخَلَاصُ مِنْ ضَرَرِ الذُّنُوبِ حَتَّى يَرْجِعَ كَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ ثُمَّ تَوْبَةُ الْعَاصِي إِمَّا مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَإِمَّا مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَكْفِي فِي التَّوْبَةِ مِنْهُ التَّرْكُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ غَيْرَ أَنَّ مِنْهُ مَا لَمْ يَكْتَفِ الشَّرْعُ فِيهِ بِالتَّرْكِ فَقَطْ، بَلْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْقَضَاءَ أَوِ الْكَفَّارَةَ وَحَقُّ غَيْرِ اللَّهِ يَحْتَاجُ إِلَى إِيصَالِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلِ الْخَلَاصُ مِنْ ضَرَرِ ذَلِكَ الذَّنْبِ لَكِنْ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيصَالِ بَعْدَ بَذْلِهِ الْوُسْعَ فِي ذَلِكَ فَعَفْوُ اللَّهِ مَأْمُولٌ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ التَّبِعَاتِ وَيُبَدِّلُ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: حَكَى غَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فِي شُرُوطِ التَّوْبَةِ زِيَادَةٌ، فَقَالَ: النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ وَأَدَاءُ مَا ضَيَّعَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَأَنْ يَعْمِدَ إِلَى الْبَدَنِ الَّذِي رَبَّاهُ بِالسُّحْتِ فَيُذِيبُهُ بِالْهَمِّ وَالْحَزَنِ حَتَّى يَنْشَأَ لَهُ لَحْمٌ طَيِّبٌ وَأَنْ يُذِيقَ نَفْسَهُ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَاقَهَا لَذَّةَ الْمَعْصِيَةِ. قُلْتُ: وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُكَمِّلَاتٌ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ فَسَّرَ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ النَّدَمُ تَوْبَةٌ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَضُّ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي التَّوْبَةِ لَا أَنَّهُ التَّوْبَةُ نَفْسُهَا وَمَا يُؤَيِّدُ
стр. 6476
اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا لِلَّهِ - تَعَالَى - وُجُودُ النَّدَمِ عَلَى الْفِعْلِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ الْإِقْلَاعَ عَنْ أَصْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ كَمَنْ قَتَلَ وَلَدَهُ مَثَلًا وَنَدِمَ لِكَوْنِهِ وَلَدَهُ، وَكَمَنَ بَذَلَ مَالًا فِي مَعْصِيَةٍ ثُمَّ نَدِمَ عَلَى نَقْصِ ذَلِكَ الْمَالِ مِمَّا عِنْدَهُ، وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَنْ يَرُدَّ تِلْكَ الْمَظْلِمَةَ بِأَنَّ مَنْ غَصَبَ أَمَةً فَزَنَى بِهَا لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِرَدِّهَا لِمَالِكِهَا، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا عَمْدًا لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِتَمْكِينِ نَفْسِهِ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ.
قُلْتُ: وَهَذَا مِنْ جِهَةِ التَّوْبَةِ مِنَ الْغَصْبِ وَمِنْ حَقِّ الْمَقْتُولِ وَاضِحٌ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَصِحَّ التَّوْبَةُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الزِّنَا، وَإِنِ اسْتَمَرَّتِ الْأَمَةُ فِي يَدِهِ وَمِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْقَتْلِ، وَإِنْ لَمْ يُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهِ، وَزَادَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ فِي شُرُوطِ التَّوْبَةِ أُمُورًا أُخْرَى مِنْهَا أَنْ يُفَارِقَ مَوْضِعَ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنْ لَا يَصِلَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ إِلَى الْغَرْغَرَةِ، وَأَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَأَنْ لَا يَعُودَ إِلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ بَان أَنَّ تَوْبَتَهُ بَاطِلَةٌ.
قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ دَاخِلَانِ فِي حَدِّ التَّكْلِيفِ، وَالرَّابِعُ الْأَخِيرُ عُزِيَ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ. وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْآتِي بَعْدَ عِشْرِينَ بَابًا وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي بَابِ فَضْلِ الِاسْتِغْفَارِ وَقَدْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي تَفْسِيرِ التَّوَّابِ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَنَّهُ الْعَائِدُ عَلَى عَبْدِهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ كُلَّمَا رَجَعَ لِطَاعَتِهِ وَنَدِمَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَلَا يُحْبِطُ عَنْهُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ خَيْرٍ وَلَا يَحْرِمُهُ مَا وَعَدَ بِهِ الطَّائِعَ مِنَ الْإِحْسَانِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: التَّوَّابُ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الْقَبُولِ كُلَّمَا عَادَ الْعَبْدُ إِلَى الذَّنْبِ وَتَابَ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ قَتَادَةُ تَوْبَةً نَصُوحًا الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ وَقِيلَ: سُمِّيَتْ نَاصِحَةً؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْصَحُ نَفْسَهُ فِيهَا فَذُكِرَتْ بِلَفْظِ الْمُبَالَغَةِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ نُصُوحًا بِضَمِّ النُّونِ أَيْ ذَاتَ نُصْحٍ وَقَالَ الرَّاغِبُ: النُّصْحُ تَحَرِّي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فِيهِ صَلَاحٌ، تَقُولُ: نَصَحْتُ لَكَ الْوُدَّ أَيْ أَخْلَصْتُهُ وَنَصَحْتُ الْجِلْدَ أَيْ خِطْتُهُ، وَالنَّاصِحُ الْخَيَّاطُ وَالنِّصَاحُ الْخَيْطُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَوْبَةً نَصُوحًا مَأْخُوذًا مِنَ الْإِخْلَاصِ أَوْ مِنَ الْإِحْكَامِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ قَوْلًا: الْأَوَّلُ قَوْلُ عُمَرَ أَنْ يُذْنِبَ الذَّنْبَ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ وَفِي لَفْظٍ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَنْ يَنْدَمَ إِذَا أَذْنَبَ، فَيَسْتَغْفِرَ ثُمَّ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا.
الثَّانِي: أَنْ يُبْغِضَ الذَّنْبَ وَيَسْتَغْفِرَ مِنْهُ كُلَّمَا ذَكَرَهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، الثَّالِثُ: قَوْلُ قَتَادَةَ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، الرَّابِعُ: أَنْ يُخْلِصَ فِيهَا، الْخَامِسُ: أَنْ يَصِيرَ مِنْ عَدَمِ قَبُولِهَا عَلَى وَجَلٍ، السَّادِسُ: أَنْ لَا يَحْتَاجَ مَعَهَا إِلَى تَوْبَةٍ أُخْرَى، السَّابِعُ: أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى خَوْفٍ وَرَجَاءٍ وَيُدْمِنَ الطَّاعَةَ.
الثَّامِنُ مِثْلُهُ، وَزَادَ وَأَنْ يُهَاجِرَ مَنْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ، التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ ذَنْبُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ وَجْهًا بِلَا قَفًا كَمَا كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ قَفًا بِلَا وَجْهٍ، ثُمَّ سَرَدَ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ مِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعَانٍ مُجْتَمِعَةٍ تَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ لَا مِنْ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَاشْتُهِرَ بِذَلِكَ وَأَبُو شِهَابٍ شَيْخُهُ اسْمُهُ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ الْحَنَّاطُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ الصَّغِيرُ، وَأَمَّا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ الْكَبِيرُ، فَهُوَ فِي طَبَقَةِ شُيُوخِ هَذَا، وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، وَلَيْسَا أَخَوَيْنِ، وَهُمَا كُوفِيَّانِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ رِجَالِ هَذَا السَّنَدِ.
قَوْلُهُ: عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَصْرِيحَ الْأَعْمَشِ بِالتَّحْدِيثِ وَتَصْرِيحَ شَيْخِهِ عُمَارَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الْمُعَلَّقَةِ بَعْدَ هَذَا وَعُمَارَةُ تَيْمِيٌّ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ ابْنِ ثَعْلَبَةَ، كُوفِيٌّ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَشَيْخُهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ تَيْمِيٌّ أَيْضًا، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ،
стр. 6477
أَوَّلُهُمُ الْأَعْمَشُ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَعُمَارَةُ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ، وَالْحَارِثُ مِنْ كِبَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: حَدِيثَيْنِ أَحَدَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ ثُمَّ قَالَ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ هَكَذَا، وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِرَفْعِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا الْمَرْفُوعُ لَلَّهُ أَفْرَحُ إِلَخْ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَوْقُوفُ، وَالثَّانِيَ هُوَ الْمَرْفُوعُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَقِفِ ابْنُ التِّينِ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ فَقَالَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْآخَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَزِدْ فِي الشَّرْحِ عَلَى الْأَصْلِ شَيْئًا.
وَأَغْرَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ فَأَفْرَدَ أَحَدَ الْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْآخَرِ، وَعَبَّرَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَلَا التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ كُتُبِ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا قَرَأْتُ فِي شَرْحِ مُغْلَطَايْ أَنَّهُ رُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقٍ وَهَّاهَا أَبُو أَحْمَدَ الجُّرْجَانِيُّ يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ.
وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ، وَكَذَا وَقَعَ الْبَيَانُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسُقْ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَوْقُوفَ، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَارِثِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَعُودُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ، حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ، وَحَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مُنَوَّرٌ، فَإِذَا رَأَى مِنْ نَفْسِهِ مَا يُخَالِفُ مَا يُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَهُ عَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّمْثِيلِ بِالْجَبَلِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ قَدْ يَحْصُلُ التَّسَبُّبُ إِلَى النَّجَاةِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْجَبَلِ إِذَا سَقَطَ عَلَى الشَّخْصِ لَا يَنْجُو مِنْهُ عَادَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ لِقُوَّةِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْإِيمَانِ، فَلَا يَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ بِسَبَبِهَا، وَهَذَا شَأْنُ الْمُسْلِمِ: أَنَّهُ دَائِمُ الْخَوْفِ وَالْمُرَاقَبَةِ يَسْتَصْغِرُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ، وَيَخْشَى مِنْ صَغِيرِ عَمَلِهِ السَّيِّئِ.
قَوْلُهُ (وَأنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهَا ذُبَابٌ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ أَيْ ذَنْبُهُ سَهْلٌ عِنْدَهُ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِهِ كَبِيرُ ضَرَرٍ، كَمَا أَنَّ ضَرَرَ الذُّبَابِ عِنْدَهُ سَهْلٌ وَكَذَا دَفْعُهُ عَنْهُ، وَالذُّبَابُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ؛ الْأُولَى خَفِيفَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ جَمْعُ ذُبَابَةٍ، وَهِيَ الطَّيْرُ الْمَعْرُوفُ.
قَوْلُهُ: فَقَالَ بِهِ هَكَذَا أَيْ نَحَّاهُ بِيَدِهِ أَوْ دَفَعَهُ هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ قَالُوا وَهُوَ أَبْلَغُ.
قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو شِهَابٍ، هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ هُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِقَوْلِهِ فَقَالَ بِهِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَةَ الْمُؤْمِنِ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ عُقُوبَتِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٌ مِنَ الذَّنْبِ وَلَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالْفَاجِرُ قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، فَلِذَلِكَ قَلَّ خَوْفُهُ وَاسْتَهَانَ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْبَ الْفَاجِرِ مُظْلِمٌ فَوُقُوعُ الذَّنْبُ خَفِيفٌ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا تَجِدُ مَنْ يَقَعُ فِي الْمَعْصِيَةِ إِذَا وُعِظَ يَقُولُ هَذَا سَهْلٌ، قَالَ: وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ قِلَّةَ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ ذُنُوبَهُ وَخِفَّتَهُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى فُجُورِهِ، قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَشْبِيهِ ذُنُوبِ الْفَاجِرِ بِالذُّبَابِ كَوْنُ الذُّبَابِ أَخَفَّ الطَّيْرِ وَأَحْقَرَهُ، وَهُوَ مِمَّا يُعَايَنُ وَيُدْفَعُ بِأَقَلِّ الْأَشْيَاءِ، قَالَ وَفِي ذِكْرِ الْأَنْفِ مُبَالَغَةٌ فِي اعْتِقَادِهِ خِفَّةَ الذَّنْبِ عِنْدَهُ ; لِأَنَّ الذُّبَابَ قَلَّمَا يَنْزِلُ عَلَى الْأَنْفِ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ غَالِبًا الْعَيْنَ، قَالَ: وَفِي إِشَارَتِهِ بِيَدِهِ تَأْكِيدٌ لِلْخِفَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْيَسِيرِ يُدْفَعُ ضَرَرَهُ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْمِثْلِ بِمَا يُمْكِنُ وَإِرْشَادٌ إِلَى الْحَضِّ عَلَى مُحَاسِبَةِ النَّفْسِ وَاعْتِبَارِ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى بَقَاءِ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ أَنَّ الْفُجُورَ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ كَالْإِيمَانِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَرَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ.
стр. 6478
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ عَظِيمَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُعَذِّبُ عَلَى الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ .
قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا، فِي رِوَايَةِ أَبِي الرَّبِيعِ الْمَذْكُورَةِ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِطْلَاقُ الْفَرَحِ فِي حَقِّ اللَّهِ مَجَازٌ عَنْ رِضَاهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ أَرْضَى بِالتَّوْبَةِ، وَأَقْبَلُ لَهَا، وَالْفَرَحُ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أَيْ رَاضُونَ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: الْفَرَحُ فِي اللُّغَةِ السُّرُورُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْبَطَرِ، وَمِنْهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وَعَلَى الرِّضَا، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُسَرُّ بِشَيْءٍ وَيَرْضَى بِهِ يُقَالُ فِي حَقِّهِ فَرِحَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُلُّ صِفَةٍ تَقْتَضِي التَّغَيُّرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِحَقِيقَتِهَا فَإِنْ وَرَدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِسَبَبِهِ أَوْ ثَمَرَتِهِ الْحَاصِلَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ مَنْ فَرِحَ بِشَيْءٍ جَادَ لِفَاعِلِهِ بِمَا سَأَلَ وَبَذَلَ لَهُ مَا طَلَبَ فَعَبَّرَ عَنْ عَطَاءِ الْبَارِي وَوَاسِعِ كَرَمِهِ بِالْفَرَحِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: كَنَّى عَنْ إِحْسَانِ اللَّهِ لِلتَّائِبِ، وَتَجَاوُزِهِ عَنْهُ بِالْفَرَحِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْمَلِكِ إِذَا فَرِحَ بِفِعْلِ أَحَدٍ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ هَذَا مَثَلٌ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ سُرْعَةِ قَبُولِ اللَّهِ تَوْبَةَ عَبْدِهِ التَّائِبِ، وَأَنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ وَيُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَفْرَحُ بِعَمَلِهِ، وَوَجْهُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ الْعَاصِيَ حَصَلَ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ فِي قَبْضَةِ الشَّيْطَانِ وَأَسْرِهِ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ، فَإِذَا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ وَوَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ خَرَجَ مِنْ شُؤْمِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ، وَتَخَلَّصَ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ وَمَنَ الْمَهْلَكَةِ الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا، فَأَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ وَبِرَحْمَتِهِ، وَإِلَّا فَالْفَرَحُ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ اهْتِزَازٌ وَطَرَبٌ يَجِدُهُ الشَّخْصُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ ظَفَرِهِ بِغَرَضٍ يَسْتَكْمِلُ بِهِ نُقْصَانَهُ، وَيَسُدُّ بِهِ خُلَّتَهُ أَوْ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا أَوْ نَقْصًا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى -؛ فَإِنَّهُ الْكَامِلُ بِذَاتِهِ الْغَنِيُّ بِوُجُودِهِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ وَلَا قُصُورٌ، لَكِنَّ هَذَا الْفَرَحَ لَهُ عِنْدَنَا ثَمَرَةٌ وَفَائِدَةٌ، وَهُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَفْرُوحِ بِهِ، وَإِحْلَالُهُ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصِحُّ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى -، فَعَبَّرَ عَنْ ثَمَرَةِ الْفَرَحِ بِالْفَرَحِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ، أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، وَهَذَا الْقَانُونُ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ، وَكَذَا مَا ثَبَتَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاءِ ضَمِيرٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِدَوِّيَةٍ بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَدَالٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ وَاوٍ ثَقِيلَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَاءِ تَأْنِيثٍ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ خَارِجَ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَبِيئَةٍ وَزْنَ فَعِيلَةٍ مِنَ الْوَبَاءِ، وَلَمْ أَقِفْ أَنَا عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ وَصْفُ الْمُذَكَّرِ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ بِصِفَةِ الْمُؤَنَّثِ فِي قَوْلِهِ: وَبِيئَةٍ مَهْلَكَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى إِرَادَةِ الْبُقْعَةِ وَالدَّوِّيَّةُ هِيَ الْقَفْرُ وَالْمَفَازَةُ، وَهِيَ الدَّاوِيَّةُ بِإِشْبَاعِ الدَّالِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَجَمْعُهَا دَاوِيٌّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرْوَعُ خَرَاجٍ مِنَ الدَّاوِيِّ.
قَوْلُهُ: مَهْلَكَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ بَيْنَهُمَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ يَهْلِكُ مَنْ حَصَلَ بِهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ تُهْلِكُ، هِيَ مَنْ يَحْصُلُ بِهَا.
قَوْلُهُ: عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَا يُصْلِحُهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَهَبَتْ
следующие страницы →