← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 6929–6968 · переход к 6934.

стр. 6929

الْحُدُودِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنْتُ ضَابِطَ الْكَبِيرَةِ وَالْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَأَكْبَرَ، فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ، وَذَكَرْتُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ لَهُ شَاهِدًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَذَكَرَ فِيهِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَيْضًا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ وَالْعُقُوقَ وَالْقَتْلَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَفَّارَتُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا، وَالتَّمْكِينُ مِنَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا ذُكِرَتْ مَعَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحْكَامِ جَائِزٌ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: - ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَاهِينَ بِسَنَدِهِ إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَظَاهِرُ سَنَدِهِ الصِّحَّةُ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ ; لِأَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَقَالَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَنِ الْمُتَوَكِّلِ أَوْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّاجِيَ الثِّقَةَ بَلْ آخَرُ مَجْهُولٌ، وَأَيْضًا فَالْمَتْنُ مُخْتَصَرٌ وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهَا كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَذَكَرَ فِي آخِرِهَا: وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَرَوَى آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي مُسْنَدِ شُعْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ قَالَ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَفَّارَةِ كَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَعْمَرٍ، وَالشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ أَحْوَجُ لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَزِيدُهُ إِلَّا خَيْرًا، وَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَكَفَّرَ فَالْكَفَّارَةُ لَا تَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ التَّعَدِّي بَلْ تَنْفَعُهُ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ طَعَنَ ابْنُ حَزْمٍ فِي صِحَّةِ الْأَثَرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاحْتَجَّ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ الْجِمَاعَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَفِيمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، قَالَ: وَلَعَلَّهُمَا أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ بَعْضِ مَنْ حَلَفَ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَزْنِيَ ثُمَّ زَنَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ: فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ فَأَمَرَ مَنْ تَعَمَّدَ الْحِنْثَ أَنْ يُكَفِّرَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ لِمَنْ حَلَفَ حَانِثًا. ١٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾

стр. 6930

٦٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. ٦٦٧٧ - "فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ قُلْتُ إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقال رسول الله ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ "لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الْعَهْدِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْعَهْدَ غَيْرُ الْيَمِينِ لِعَطْفِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ احْتَجَّ بِهَا بِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْعُرْفَ جَرَى عَلَى أَنَّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَالْكَفَالَةَ وَالْأَمَانَةَ أَيْمَانٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ خَصَّ الْعَهْدَ بِالتَّقْدِمَةِ عَلَى سَائِرِ الْأَيْمَانِ فَدَلَّ عَلَى تَأَكُّدِ الْحَلِفِ بِهِ ; لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ مَا أَخَذَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا أَعْطَاهُ عِبَادُهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الْآيَةَ لِأَنَّهُ قُدِّمَ عَلَى تَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ. قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَا تُكْثِرُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ وَإِنْ كُنْتُمْ بَرَرَةً، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ إِثْبَاتُ الْهَيْبَةِ فِي الْقُلُوبِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَصِلَ رَحِمَهُ مَثَلًا فَيُقَالُ لَهُ صِلْ، فَيَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ تَبَرُّوا كَرَاهَةَ أَنْ تَبَرُّوا فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيُكَفِّرَ انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ لَا تَجْعَلِ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أَنْ لَا تَصْنَعَ الْخَيْرَ وَلَكِنْ كَفِّرْ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ يَفْعَلَ نَوْعًا مِنَ الْخَيْرِ تَأْكِيدًا لَهُ بِيَمِينِهِ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ شَبِيهُ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ لَا، قَالَ الرَّاغِبُ وَغَيْرُهُ: الْعُرْضَةُ مَا يُجْعَلُ مُعَرَّضًا لِشَيْءٍ آخَرَ كَمَا قَالُوا بَعِيرٌ عُرْضَةٌ لِلسَّفَرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَلَا تَجْعَلُنِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ وَيَقُولُونَ فُلَانٌ عُرْضَةٌ لِلنَّاسِ أَيْ يَقَعُونَ فِيهِ، وَفُلَانَةٌ عُرْضَةٌ لِلنِّكَاحِ إِذَا صَلُحَتْ لَهُ وَقَوِيَتْ عَلَيْهِ، وَجَعَلْتُ فُلَانًا عُرْضَةً فِي كَذَا أَيْ أَقَمْتُهُ فِيهِ، وَتُطْلَقُ الْعُرْضَةُ أَيْضًا عَلَى الْهِمَّةِ كَقَوْلِ حَسَّانَ هِيَ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ ذَلِكَ لِجَمِيعِهِمْ، وَوَقَعَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالصَّوَابُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ مَا نَصُّهُ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ الْآيَةَ وَقَدْ مَشَى شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ

стр. 6931

بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ غَيْرُ ذَلِكَ الْعَهْدِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يَمِينٌ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ أَرَادَ مَا وَقَعَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا﴾ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَطْفِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَهْدِ أَنْ يَكُونَ الْعَهْدُ يَمِينًا بَلْ هُوَ كَالْآيَةِ السَّابِقَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ فَالْآيَاتُ كُلُّهَا دَالَّاتٌ عَلَى تَأْكِيدِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَمِينًا فَشَيْءٌ آخَرُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ مَنْ حَلَفَ بِعَهْدِ اللَّهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ أَيْ شَهِيدًا فِي الْعَهْدِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: يَعْنِي وَكِيلًا، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَهَا بِأَنَّ الرَّجُلَ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَصِلَ قَرَابَتَهُ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا فِي التَّكْفِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِحَالِفِ الْغَمُوسِ مَخْرَجًا كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، بَلْ قَدْ يَدُلُّ لِمَشْرُوعِيَّتِهَا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ التَّبُوذَكِيُّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) هُوَ الْوَضَّاحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ مُوسَى هَذَا بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ بِدُونِ قِصَّةِ الْأَشْعَثِ فِي الشَّهَادَاتِ لَكِنْ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ بَدَلَ أَبِي عَوَانَةَ فَالْحَدِيثُ عِنْدَ مُوسَى الْمَذْكُورُ عَنْهُمَا جَمِيعًا. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ وَهُوَ السُّكَّرِيُّ، وَفِي الْأَشْخَاصِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَعْمَشُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مِمَّا لَمْ يُدَلِّسْ فِيهِ الْأَعْمَشُ فَلَا يَضُرُّ مَجِيئُهُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا السَّنَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) كَذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ الْمَاضِيَةِ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي الرَّهْنِ، وَوَقَعَ مَرْفُوعًا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيَمِينُ الصَّبْرِ هِيَ الَّتِي تَلْزَمُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا حَالِفُهَا يُقَالُ أَصَبَرَهُ الْيَمِينُ أَحْلَفَهُ بِهَا فِي مقَاطَعِ الْحَقِّ، زَادَ أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ هُوَ بِهَا فَاجِرٌ وَكَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ وَكَأَنَّ فِيهَا حَذْفًا تَقْدِيرُهُ هُوَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالْفُجُورِ لَازِمُهُ وَهُوَ الْكَذِبُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ. قَوْلُهُ: (يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا بِزِيَادَةِ لَامِ تَعْلِيلٍ وَيَقْتَطِعُ يَفْتَعِلُ مِنَ الْقَطْعِ كَأَنَّهُ قَطَعَهُ عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَخْذَ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ بِالْحَلِفِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ وَفِي رِوَايَةِ كُرْدُوسٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَلَوْلَا التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ لَكَانَ ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ كَاذِبًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ

стр. 6932

أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَعَلَّ الْآيَةَ لَمْ تَبْلُغِ ابْنَ أَبِي أَوْفَى إِلَّا عِنْدَ إِقَامَتِهِ السِّلْعَةَ، فَظَنَّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَقَعَتَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، وَاللَّفْظُ عَامٌّ مُتَنَاوِلٌ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: (فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ)؟ كَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ كُنْيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فِي الرَّهْنِ ثُمَّ إِنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَانٍ كَانَ فِيهِ فَدَخَلَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ جَمِيعًا - كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ - فَجَاءَ الْأَشْعَثُ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ وَقَعَ وَعَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُهُمْ، فَلَعَلَّ الْأَشْعَثَ تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ فَلَمْ يُدْرِكْ تَحْدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ عَمَّا حَدَّثَهُمْ بِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ فَحَدَّثْنَاهُ وَبَيَّنَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ أَبُو وَائِلٍ الرَّاوِي، وَلَفْظُهُ فِي الْأَشْخَاصِ قَالَ: فَلَقِيَنِي الْأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ الْيَوْمَ؟ قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ بَيْنَ قَوْلِهِ فَلَقِيَنِي، وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ مُنَافَاةٌ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِكَوْنِهِ الْمُجِيبَ. قَوْلُهُ: (قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ) رِوَايَةُ جَرِيرٍ قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ وَاللَّامُ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ دَخَلْتْ عَلَى فِيَّ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبِ خُصُومَتِهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ وَزَادَ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ صَدَقَ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: لَفِيَّ وَاللَّهِ نَزَلَتْ شَاهِدٌ عَلَى جَوَازِ تَوَسُّطِ الْقَسَمِ بَيْنَ جُزْأَيِ الْجَوَابِ، وَعَلَى أَنَّ اللَّامَ يَجِبُ وَصْلُهَا بِمَعْمُولَيِ الْفِعْلِ الْجَوَابِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لَا بِالْفِعْلِ. قَوْلُهُ: (كَانَ لِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَانَتْ. قَوْلُهُ: (بِئْرٌ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَرْضٌ وَادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الشُّرْبِ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ: فِي بِئْرٍ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَافَقَهُ أَبُو عَوَانَةَ كَمَا تَرَى، وَكَذَا يَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ جَمِيعًا، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا عَنْهُمْ لَكِنْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي شَيْءٍ وَلِبَعْضِهِمْ فِي بِئْرٍ وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ أَيْضًا فِي بِئْرٍ. قَوْلُهُ: (فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَنَّ الْخُصُومَةَ كَانَتْ فِي بِئْرٍ يَدَّعِيهَا الْأَشْعَثُ فِي أَرْضٍ لِخَصْمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَرْضُ الْبِئْرِ لَا جَمِيعَ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ أَرْضُ الْبِئْرِ وَالْبِئْرُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ ابْنُ عَمٍّ لِي، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: مِنَ الْيَهُودِ ; لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَمَنِ كَانُوا تَهَوَّدُوا لَمَّا غَلَبَ يُوسُفُ ذُو نُوَاسٍ عَلَى الْيَمَنِ فَطَرَدَ عَنْهَا الْحَبَشَةَ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ مَبْسُوطًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ أَنَّ اسْمَ ابْنِ عَمِّهِ الْمَذْكُورِ الْخَفْشِيشُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، وَبَيَّنْتُ الْخِلَافَ فِي ضَبْطِ الْخَفْشِيشِ وَأَنَّهُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ جَرِيرٌ، وَقِيلَ: مُعَدَّانُ حَكَاهُ ابْنُ طَاهِرٍ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ اسْمُ وَكَنْيَتُهُ أَبُو الْخَيْرِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْأَشْعَثِ قَالَ: خَاصَمَ رَجُلٌ مِنَ الْحَضْرَمِيِّينَ رَجُلًا مِنَّا يُقَالُ لَهُ الْخَفْشِيشُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ جِئْ بِشُهُودِكَ عَلَى حَقِّكَ وَإِلَّا حَلَفَ لَكَ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَهَذَا يُخَالِفُ السِّيَاقَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: خَاصَمَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ فِي أَرْضٍ فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الْأَشْعَثِ، وَفِيهِ: إِنْ مَكَّنْتُهُ مِنَ الْيَمِينِ ذَهَبَتْ أَرْضِي، وَقَالَ: مَنْ حَلَفَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَتَلَا الْآيَةَ، وَمَعْدِ يكَرِبَ جَدُّ الْخَفْشِيشِ وَهُوَ جَدُّ

стр. 6933

الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ حَقِيقَةً. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ كُرْدُوسٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ فَذَكَرَ قِصَّةً تُشْبِهُ قِصَّةَ الْبَابِ إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافًا فِي السِّيَاقِ، وَأَظُنُّهَا قِصَّةً أُخْرَى فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي وَإِنَّمَا جَوَّزْتُ التَّعَدُّدَ ; لِأَنَّ الْحَضْرَمِيَّ يُغَايِرُ الْكِنْدِيَّ ; لِأَنَّ الْمُدَّعِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ هُوَ الْأَشْعَثُ وَهُوَ الْكِنْدِيُّ جَزْمًا، وَالْمُدَّعِي فِي حَدِيثِ وَائِلٍ هُوَ الْحَضْرَمِيُّ فَافْتَرَقَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَضْرَمِيُّ: نُسِبَ إِلَى الْبَلَدِ لَا إِلَى الْقَبِيلَةِ فَإِنَّ أَصْلَ نِسْبَةِ الْقَبِيلَةِ كَانَتْ إِلَى الْبَلَدِ، ثُمَّ اشْتُهِرَتِ النِّسْبَةُ إِلَى الْقَبِيلَةِ، فَلَعَلَّ الْكِنْدِيَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ يَسْكُنُ حَضْرَمَوْتَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَالْكِنْدِيُّ لَمْ يَسْكُنْهَا فَاسْتَمَرَّ عَلَى نِسْبَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرُوا الْخَفْشِيشَ فِي الصَّحَابَةِ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَسْلَمَ. قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا وَصَفَهُ الْأَشْعَثُ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَيُؤَيِّدُ إِسْلَامَهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كُرْدُوسٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ قَالَ: هِيَ أَرْضُهُ، فَتَرَكَ الْيَمِينَ تَوَرُّعًا، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِإِسْلَامِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَهُودِيًّا مَا بَالَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَى ذَلِكَ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْهُمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أَيْ حَرَجٌ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مُسْلِمًا أَيْضًا رِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ الْآتِيَةُ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ خَاصَمْتُهُ وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (فَقَالَ: بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ فَقَالَ لِي: شُهُودُكَ. قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ. قَالَ: فَيَمِينُهُ وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَلَكَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ تَوْجِيهُ الرَّفْعِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ النَّصْبُ، وَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي لَفْظِ رِوَايَةِ الْبَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوْجِيهُ الرَّفْعِ: لَكَ إِقَامَةُ شَاهِدَيْكَ أَوْ طَلَبُ يَمِينِهِ، فَحُذِفَ فِيهِمَا الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامُهُ فَرُفِعَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ الْمُثْبَتُ لَكَ مَا تَدَّعِيهِ شَاهِدَاكَ، وَتَأْوِيلُهُ الْمُثْبَتُ لَكَ هُوَ شَهَادَةُ شَاهِدَيْكَ إِلَخْ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ يَحْلِفُ وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ أَنْ يَحْلِفَ بِالنَّصِّ لِوُجُودِ شَرَائِطِهِ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الرَّفْعُ وَذَكَرَ فِيهِ تَوْجِيهَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَبُ بِمَالِي وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ وَائِلٍ مِنَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ، قَالَ: إِنَّهُ فَاجِرٌ لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ

стр. 6934

الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْأَشْعَثِ قَالَ: أَرْضِي أَعْظَمُ شَأْنًا أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّ يَمِينَ الْمُسْلِمِ يُدْرَأُ بِهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ حَلَفَ) فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَوَاءً وَزَادَ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ، وَزَادَ أَبُو حَمْزَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ أَيْ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ حَدِيثُ مَنْ حَلَفَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَشْعَثِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَسَاقَ الْآيَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كُرْدُوسٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ وَفِي حَدِيثِ وَائِلٍ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْأَشْعَثِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ هُوَ حَلَفَ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ. فَذَهَبَ الْأَشْعَثُ فَأَخْبَرَهُ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: أَصْلِحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ: فَقَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: مَا لِمَنْ تَرَكَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُهَا لَهُ كُلَّهَا وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ سَمَاعُ الْحَاكِمِ الدَّعْوَى فِيمَا لَمْ يَرَهُ إِذَا وُصِفَ وَحُدِّدَ وَعَرَفَهُ الْمُتَدَاعِيَانِ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِوَصْفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ، فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ وَالتَّحْدِيدَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِذَاتِهِ بَلْ يَكْفِي فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى تَمْيِيزُ الْمُدَّعَى بِهِ تَمْيِيزًا يَنْضَبِطُ بِهِ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ التَّحْدِيدِ وَالْوَصْفِ فِي الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِسُكُوتِ الرَّاوِي عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَلْ يُطَالَبُ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا بِدَلِيلِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي. وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعِي هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ؟ وَقَدْ تَرْجَمَ بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ وَأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَنْ رَضِيَ بِيَمِينِ غَرِيمِهِ، ثُمَّ أَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ إِلَّا إِنْ أَتَى بِعُذْرٍ يَتَوَجَّهُ لَهُ فِي تَرْكِ إِقَامَتِهَا قَبْلَ اسْتِحْلَافِهِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَوَجْهُهُ أَنَّ أَوْ تَقْتَضِي أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ. فَلَوْ جَازَ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ لَكَانَ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا، وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَحَدَهُمَا. قَالَ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ نَفْيُ طَرِيقٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ فَيَعُودُ الْمَعْنَى إِلَى حَصْرِ الْحُجَّةِ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ النَّظَرَ إِلَى اعْتِبَارِ مَقَاصِدِ الْكَلَامِ وَفَهْمِهِ يُضْعِفُ هَذَا الْجَوَابَ، قَالَ: وَقَدْ يَسْتَدِلُّ الْحَنَفِيَّةُ بِهِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ. قُلْتُ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ بَعْدَ ثُبُوتِ دَلِيلِ الْعَمَلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَنَّهَا زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالْمَنْطُوقِ، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ نَفْيُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِالْمَفْهُومِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْجِيهِ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوِي كُلِّهَا عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ. وَفِيهِ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُبْطِلًا. وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُبِيحُ لِلْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَكُنْ حَلَالًا لَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَذَا أَطْلَقَهُ النَّوَوِيُّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُحِلُّ حَرَامًا فِي الْبَاطِنِ فِي الْأَمْوَالِ. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي حِلِّ عِصْمَةِ نِكَاحِ مَنْ عُقِدَ عَلَيْهَا بِظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْفُرُوجُ كَالْأَمْوَالِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْفُرُوجِ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ اللِّعَانُ انْتَهَى. وَقَدْ طَرَدَ ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ فِي الْأَمْوَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ التَّشْدِيدُ عَلَى مَنْ حَلَفَ بَاطِلًا لِيَأْخُذَ حَقَّ مُسْلِمٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ، وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرَارًا وَآخِرُهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ عَلَيْهِ النَّظَرَ، مَجَازٌ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ، وَالْمُرَادُ بِتَرْكِ التَّزْكِيَةِ تَرْكُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَبِالْغَضَبِ إِيصَالُ الشَّرِّ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَوْلَى بِالْمُدَّعَى فِيهِ. وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى صُورَةِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالطَّالِبِ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكَ إِلَّا يَمِينُ الْآخَرِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ، بَلْ إِنَّمَا جَعَلَ الْيَمِينَ تَصْرِفُ دَعْوَى الْمُدَّعِي لَا غَيْرُ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إِذَا حَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ لَهُ بِمِلْكِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَلَا بِحِيَازَتِهِ، بَلْ يُقِرُّهُ عَلَى حُكْمِ يَمِينِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَاطٌ أَوْ يَكُونَا مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ وَيَلِيقُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُنَا بِالْحَلِفِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ الدَّعْوَى وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ حَالِهِمَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ

стр. 6935

لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ مَا أَغْنَاهُ عَنِ السُّؤَالِ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ خَصْمُهُ عَنْهُ: إِنَّهُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي وَلَا يَتَوَرَّعُ عَنْ شَيْءٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ بَرِيئًا مِمَّا قَالَ لَبَادَرَ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، بَلْ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ الْمُدَّعَى بِهِ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِيَمِينِهِ فِيهِ عِنْدَهُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ يَمِينَ الْفَاجِرِ تُسْقِطُ عَنْهُ الدَّعْوَى، وَأَنَّ فُجُورَهُ فِي دِينِهِ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ وَلَا إِبْطَالَ إِقْرَارِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْيَمِينِ مَعْنًى، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ أَنَّ أَصْلَ الْمُدَّعِي لِغَيْرِهِ لَا يُكَلَّفُ لِبَيَانِ وَجْهِ مَصِيرِهِ إِلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ إِنْكَارُهُ لِذَلِكَ يَعْنِي تَسْلِيمَ الْمَطْلُوبِ لَهُ مَا قَالَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ قُضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنِ الْبَيِّنَةِ دُونَ مَا يَجِبُ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ مِنْ تَمَامِ الْحُكْمِ لَهُ لَقَالَ لَهُ: بَيِّنَتُكَ وَيَمِينُكَ عَلَى صِدْقِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَتِهِ عَلَى صِدْقِهَا فِيمَا شَهِدَتْ أَنَّ الْحُكْمَ لَهُ لَا يَتَوَقَّفُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى حَلِفِهِ بِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا وَهَبَهُ مَثَلًا وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَنْفِيهِ، بَلْ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ وَسَلَّمَ الْمُدَّعَى بِهِ لِلْمُدَّعِي فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ طَلَبِهِ يَمِينَهُ، وَالْغَرَضُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ فَلَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ إِلَّا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَطْ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا الْبُدَاءَةُ بِالسَّمَاعِ مِنَ الطَّالِبِ، ثُمَّ مِنَ الْمَطْلُوبِ هَلْ يُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ، ثُمَّ طَلَبُ الْبَيِّنَةِ مِنَ الطَّالِبِ إِنْ أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ تَوْجِيهُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَطْلُوبِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ، وَأَنَّ الطَّالِبَ إِذَا ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ فَاعْتَرَفَ اسْتَغْنَى عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ يَدَ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ تَسَابٍّ بِخِيَانَةٍ وَفُجُورٍ هَدَرٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى الْغَصْبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى الْفُجُورِ وَعَدَمِ التَّوَقِّي فِي الْأَيْمَانِ فِي حَالِ الْيَهُودِيَّةِ فَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ. وَفِيهِ مَوْعِظَةُ الْحَاكِمِ الْمَطْلُوبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْلِفَ بَاطِلًا فَيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ بِالْمَوْعِظَةِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ فِي سُؤَالِ أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنَ صَاحِبَهُ عَنْ مَذْهَبِهِ فَيَقُولُ لَهُ: أَلَكَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَا يَقُولُ لَهُ ابْتِدَاءً مَا دَلِيلُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلطَّالِبِ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ. وَلَمْ يَقُلْ لَهُ قَرِّبْ بَيِّنَتَكَ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْيَمِينِ مَكَانًا يَخْتَصُّ بِهِ لِقَوْلِهِ: فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ وَقَدْ عَهِدَ فِي عَهْدِهِ ﷺ الْحَلِفَ عِنْدَ مِنْبَرِهِ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: كَانَتِ الْمُحَاكَمَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَانْطَلَقَ الْمَطْلُوبُ لِيَحْلِفَ فَلَمْ يَكُنِ انْطِلَاقُهُ إِلَّا إِلَى الْمِنْبَرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ انْطِلَاقُهُ إِلَى مَوْضِعٍ أَخَصَّ مِنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَالِفَ يَحْلِفُ قَائِمًا لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَامَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ انْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَبِيَدِهِ مَالٌ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَالِكِهِ إِذَا أَثْبَتَهُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ اخْتِصَاصُهُ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَالُ لِكَافِرٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ وَأَسْلَمَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يُقَرُّ بِيَدِهِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَزَلَتْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، وَأَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ; لِأَنَّ نَقْضَ الْعَهْدِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ كَذَا قَالَ، وَغَايَتُهُ أَنَّهَا دَلَالَةُ اقْتِرَانٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالسِّرْجِينِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الْحُقُوقِ كَنَصِيبِ الزَّوْجَةِ بِالْقَسْمِ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ حَقِّ الذِّمِّيِّ بَلْ هُوَ حَرَامٌ أَيْضًا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ الْعَظِيمَةُ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ حَقِّ الذِّمِّيِّ بَلْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ

стр. 6936

لَا يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِي الْأَمْرِ فِيهِمَا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَالْوَعِيدِ عَلَيْهَا، وَفِي أَخْذِ حَقِّهِمَا بَاطِلًا، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ قَدْرُ الْعُقُوبَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، قَالَ: وَفِيهِ غِلَظُ تَحْرِيمِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْحَقِّ وَكَثِيرِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَأَنَّ مُرَادَهُ عَدَمُ الْفَرْقِ فِي غِلَظِ التَّحْرِيمِ لَا فِي مَرَاتِبِ الْغِلَظِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَكَذَا بَيْنَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَثِيرُ الْمَفْسَدَةِ وَحَقِيرُهَا، وَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ فِي الْحَالِفِ الْكَاذِبِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ مُطْلَقًا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ الْحَدِيثُ، وَفِيهِ: وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ كَاذِبًا. ١٨ - بَاب الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ، وَفِي الْغَضَبِ ٦٦٧٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ. ٦٦٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح و حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ "عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ الْحَدِيثِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَرَاءَتِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الْآيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَاحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا" ٦٦٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ "كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" قَوْلُهُ: (بَابُ الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِي الْمَعْصِيَةِ وَالْغَضَبِ) ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ يُؤْخَذُ مِنْهَا حُكْمُ مَا فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَقَدْ تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا وَلَوْ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ عَلَى غَيْرِ

стр. 6937

شَرْطِهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَرُوَاتُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَنَدِهِ عَلَى عَمْرٍو، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ لَا يَمِينَ فِي غَضَبٍ الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّةِ طَلَبِهِمُ الْحُمْلَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، اقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ، وَفِيهِ فَقَالَ: لَا أَحْمِلُكُمْ وَقَدْ سَاقَهُ تَامًّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَفِيهِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: فِيمَا لَا يَمْلِكُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ وَقَدْ أَحَلْتُ بِشَرْحِ الْحَدِيثِ عَلَى الْبَابِ الْمَذْكُورِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فَهِمَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ نَحَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِجِهَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ قَبْلَ مِلْكِ الْعِصْمَةِ أَوِ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، فَنَقَلَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِيهِ وَالْحُجَجَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَهُمْ، فَلَمَّا حَمَلَهُمْ رَاجَعُوهُ فِي يَمِينِهِ فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، فَبَيَّنَ أَنَّ يَمِينَهُ إِنَّمَا انْعَقَدَتْ فِيمَا يَمْلِكُ فَلَوْ حَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَمْلِكُ لَحَنِثَ وَكَفَّرَ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ مِلْكًا خَاصًّا، وَهُوَ مَالُ اللَّهِ وَبِهَذَا لَا يَكُونُ قَدْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَهُوَ تَأْسِيسُ قَاعِدَةٍ مُبْتَدَأَةٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَلَوْ كُنْتُ حَلَفْتُ ثُمَّ رَأَيْتُ تَرْكَ مَا حَلَفْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْهُ لَأَحْنَثْتُ نَفْسِي وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، قَالَ: وَهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ ظَنًّا أَنَّهُ يَمْلِكُ حُمْلَانًا فَحَلَفَ لَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى شَيْءٍ يَمْلِكُهُ لِكَوْنِهِ كَانَ حِينَئِذٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا مُعَلَّقًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِثْلُ قَوْلِهِ وَاللَّهِ لَإِنْ رَكِبْتَ مَثَلًا هَذَا الْبَعِيرَ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا لِبَعِيرٍ لَا يَمْلِكُهُ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ وَرَكِبَهُ حَنِثَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَعْلِيقِ الْيَمِينِ عَلَى الْمِلْكِ. قُلْتُ: وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَيْسَ مَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا بِبَعِيدٍ بَلْ هُوَ أَظْهَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَأَلُوا الْحُمْلَانَ فَهِمُوا أَنَّهُ حَلَفَ وَأَنَّهُ فَعَلَ خِلَافَ مَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ لَهُمْ بِالْحُمْلَانِ بَعْدُ قَالُوا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُ نَسِيَ حَلِفَهُ الْمَاضِيَ، فَأَجَابَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ خَيْرٌ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ فَرَأَى خَيْرًا مِنْ يَمِينِهِ فَعَلَ الَّذِي حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَسَيَأْتِي وَاضِحًا فِي بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ فِي بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. الْحَدِيثُ الثَّانِي ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَحَجَّاجٌ شَيْخُهُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي هُوَ ابْنُ الْمِنْهَالِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِطُولِهِ فِي الْمَغَازِي، وَأَوْرَدَ عَنْ حَجَّاجٍ بِهَذَا السَّنَدِ أَيْضًا مِنْهُ قِطْعَةً فِي الشَّهَادَاتِ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِ بَرِيرَةَ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا وَقِطْعَةً فِي الْجِهَادِ فِيمَنْ أَرَادَ سَفَرًا فَأَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَقِطْعَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ مَقْرُونًا أَيْضًا بِرِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وَقِطْعَةً فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ مِسْطَحٍ وَقَوْلِ عَائِشَةَ لَهَا تَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا وَقِطْعَةً فِي التَّوْحِيدِ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى وَمَجْمُوعُ مَا أَوْرَدَهُ عَنْهُ لَا يَجِيءُ قَدْرَ عُشْرِ الْحَدِيثِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِتَرْكِ الْيَمِينِ فِي الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا لِكَلَامِهِ فِي عَائِشَةَ، فَكَانَ حَالِفًا عَلَى تَرْكِ طَاعَةٍ فَنَهَى عَنِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ عِنْدَ الْحَلِفِ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَضِبَ عَلَى مِسْطَحٍ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ الَّذِي قَالَهُ.

стр. 6938

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَا مُنَاسَبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِالْجُزْأَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَاسَهُمَا عَلَى الْغَضَبِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَفِي الْمَعْصِيَةِ وَفِي شَأْنِ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ الصِّدِّيقَ حَلَفَ بِسَبَبِ إِفْكِ مِسْطَحٍ وَالْإِفْكُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ; وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يَمْلِكُ الشَّخْصُ فَالْحَلِفُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ لِلتَّصَرُّفِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ شَرْعًا انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ خَبَرٍ فِي الْبَابِ يُطَابِقُ جَمِيعَ مَا فِي التَّرْجَمَةِ. ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النَّقَلَةِ مِنْ أَصْلِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ مَاتَ وَفِيهِ مَوَاضِعُ مُبَيَّضَةٌ مِنْ تَرَاجِمَ بِلَا حَدِيثٍ، وَأَحَادِيثَ بِلَا تَرْجَمَةٍ فَأَضَافُوا بَعْضًا إِلَى بَعْضٍ. قُلْتُ: وَهَذَا إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ تَتَّجِهُ الْمُنَاسَبَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَوْجِيهَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَأَيُّوبُ وَهُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ، وَزَهْدَمٌ هُوَ ابْنُ مِضْرَبٍ الْجَرْمِيُّ وَالْجَمِيعُ بَصْرِيُّونَ، وَقَوْلُهُ: فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ مُطَابِقٌ لِبَعْضِ التَّرْجَمَةِ، وَفِي الْقِصَّةِ نَحْوُ مَا فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ طَاعَةٍ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ حَلِفَ النَّبِيِّ ﷺ وَافَقَ أَنْ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ حَلِفِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ حَلَفَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ مَا يُنَاسِبُ تَرْجَمَةَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِيَمِينِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى قَطِيعَةِ مِسْطَحٍ وَلَيْسَتْ بِقَطِيعَةٍ بَلْ هِيَ عُقُوبَةٌ لَهُ عَلَى مَا ارْتَكَبَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِالْقَذْفِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ حَلَفَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، فَإِذَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَحْنَثَ نَفْسَهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، فَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ يَكُونُ أَوْلَى. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَأَرَى خَيْرًا مِنْهَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحِنْثَ لِفِعْلِ مَا هُوَ الْأَوْلَى يَقْتَضِي الْحِنْثَ لِتَرْكِ مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، قَالَ: وَلِهَذَا يُقْضَى بِحِنْثِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْعَلَهَا انْتَهَى. وَالْقَضَاءُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي بَابُ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ يَمِينَ الْغَضْبَانِ لَغْوٌ. ١٩ - بَاب إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ فَصَلَّى أَوْ قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ حَمِدَ أَوْ هَلَّلَ فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَلِمَةُ التَّقْوَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ٦٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ "قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ" ٦٦٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ" ٦٦٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 6939

﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ : كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى "مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ" وَقُلْتُ أُخْرَى "مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ" قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ فَصَلَّى أَوْ قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ - إِلَى أَنْ قَالَ - فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ) أَيْ إِنْ أَرَادَ إِدْخَالَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ حَنِثَ إِذَا قَرَأَ أَوْ ذَكَرَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِذَا أَطْلَقَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يَحْنَثُ، وَفَرَّقَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْقُرْآنِ فَلَا يَحْنَثُ بِهِ وَيَحْنَثُ بِالذِّكْرِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ يَنْصَرِفُ إِلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ خَارِجَهَا، وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقُرَّاءَةُ الْقُرْآنِ فَحَكَمَ لِلذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ بِغَيْرِ حُكْمِ كَلَامِ النَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعْنَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ هُوَ عَلَى نِيَّتِهِ أَيِ الْعُرْفِيَّةِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ إِلَّا إِنْ نَوَى إِدْخَالَهُ فِي نِيَّتِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ ; قَالَ: وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَلَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَصَلَّى خَلْفَهُ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ الْمَأْمُومُ التَّسْلِيمَةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنَ الصَّلَاةِ فَلَا يَحْنَثُ بِهَا جَزْمًا بِخِلَافِ التَّسْلِيمَةِ الَّتِي يَرُدُّ بِهَا عَلَى الْإِمَامِ فَلَا يَحْنَثُ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَنْوِيهِ النَّاسُ عُرْفًا، وَفِيهِ الْخِلَافُ انْتَهَى. وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، وَيَأْتِي نَظِيرُهُ عِنْدَنَا فِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا كَانَ مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَحْنَثُ إِلَّا إِنْ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَخْ) هَذَا مِنَ الْأَحَادِيث الَّتِي لَمْ يَصِلْهَا الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ لَكِنْ بِلَفْظِ أَحَبُّ بَدَلَ أَفْضَلَ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ بِلَفْظِ أَفْضَلَ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: خَيْرِ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَأَبْهَمَ الصَّحَابِيَّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ فِي بَابُ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ هَذَا طَرَفٌ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وَقَدْ شَرَحْتُهُ بِطُولِهِ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ وَفِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَمِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ وَإِطْلَاقَ كَلِمَةٍ عَلَى مِثْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَلِمَةُ التَّقْوَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا مَوْقُوفًا عَلَى مُجَاهِدٍ، وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا مِنْ أَحَادِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَابْنُ عُمَرَ أَخْرَجَهَا كُلَّهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَحَدِيثُ أُبَيٍّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا زُرْعَةَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبُرَيْقِيُّ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ مَوْقُوفًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ وَشَرْحِهِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ، وَأَصْلُهُ

стр. 6940

أُحَاجِجُ، وَالْمُرَادُ أُظْهِرُ لَكَ بِهَا الْحُجَّةَ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي آخِرِ الْكِتَابِ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى الْحَدِيثَ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَذَكَرْتُ مَا وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ الْكَلِمَةِ الْمَرْفُوعَةِ مِنَ الْكَلِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ ; قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْمُتَّجِهُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا لَا يَدْخُلُ النَّارَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ دُخُولُ الْجَنَّةِ مُحَقَّقًا لِلْمُوَحِّدِ جَزَمَ بِهِ وَلَوْ كَانَ آخِرًا. ٢٠ - بَاب مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا، وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ٦٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. قَوْلُهُ بَابُ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، أَيْ: ثُمَّ دَخَلَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، هَذَا يُتَصَوَّرُ إِذَا وَقَعَ الْحَلِفُ أَوَّلَ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ اتِّفَاقًا، فَإِنْ وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَنَقَصَ، هَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُلَفِّقَ ثَلَاثِينَ أَوْ يَكْتَفِيَ بِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ؟ فَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِالثَّانِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي آخِرِ شَرْحِ حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ فِي آخِرِ النِّكَاحِ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ الْإِيلَاءِ وَعَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْجُمْهُورِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَاضِي فِي الصِّيَامِ بِلَفْظِ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِذَا غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ. قَالَ: فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِذَا أُغْمِيَ ثَلَاثِينَ وَجَعَلَهُ عَلَى الْكَمَالِ حَتَّى يَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ يَمِينُهُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ، وَقَدْ نَقَلَ هُوَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ قَوْمٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّمَا يَصْلُحُ تَعَقُّبُهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنَّمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ فِي ذَلِكَ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ هَجَرَنَا لَأَهْجُرَنَّكُنَّ شَهْرًا، ثُمَّ جَاءَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ شَهْرَنَا هَذَا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: يُعْرَفُ بِذَلِكَ أَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ مَعَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، كَذَا قَالَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢١ - بَاب إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا فَشَرِبَ طِلَاءً أَوْ سَكَرًا أَوْ عَصِيرًا لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ ٦٦٨٥ - حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَسَ فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتْ الْعَرُوسُ خَادِمَهُمْ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِي تَوْرٍ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ.

стр. 6941

٦٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا. قَوْلُهُ: بَابُ إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا فَشَرِبَ طِلَاءً) فِي رِوَايَةٍ: الطِّلَاءَ بِزِيَادَةِ لَامٍ قَوْلُهُ: أَوْ سَكَرًا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ قَوْلُهُ: أَوْ عَصِيرًا لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَيْسَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطِّلَاءِ وَالسَّكَرِ وَالنَّبِيذِ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ النَّبِيذَ بِعَيْنِهِ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ غَيْرِهِ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا لِمَا يَخْشَى مِنَ السُّكْرِ بِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يَشْرَبُهُ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ؛ فَإِنَّ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ مِنَ الطَّبِيخِ وَالْعَصِيرِ تُسَمَّى نَبِيذًا لِمُشَابَهَتِهَا لَهُ فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَرَابٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِبَعْضِ النَّاسِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الطِّلَاءَ وَالْعَصِيرَ لَيْسَ بِنَبِيذٍ ; لِأَنَّ النَّبِيذَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا نُبِذَ فِي الْمَاءِ وَنُقِعَ فِيهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَنْبُوذُ مَنْبُوذًا ; لِأَنَّهُ نُبِذَ أَيْ طُرِحَ، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ وَتَوْجِيهُهُ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّ حَدِيثَ سَهْلٍ يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ مَا قَرُبَ عَهْدُهُ بِالِانْتِبَاذِ نَبِيذًا، وَإِنْ حَلَّ شُرْبُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ لَيْلًا فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً، وَيُنْبَذُ لَهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَحَدِيثُ سَوْدَةَ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُمْ صَارُوا يَنْتَبِذُونَ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الَّتِي مَاتَتْ، وَمَا كَانُوا يَنْبِذُونَ إِلَّا مَا يَحِلُّ شُرْبُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمَ نَبِيذٍ، فَالنَّقِيعُ فِي حُكْمِ النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ وَالْعَصِيرُ مِنَ الْعِنَبِ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِي مَعْنَى النَّبِيذِ مِنَ التَّمْرِ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ الشَّارِحَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْصُودِ الْبُخَارِيِّ هُنَا، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ تَصْوِيبَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: لَمْ يَحْنَثْ وَلَا يَضُرُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ خِلَافَهُ لَتَرْجَمَ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ، وكَيْفَ يُتَرْجِمُ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبٍ ثُمَّ يُخَالِفُهُ انْتَهَى. وَالَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَوْجَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى مُرَادِ الْبُخَارِيِّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ نَبِيذًا يَحْنَثُ بِهِ إِلَّا إِنْ نَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَالطِّلَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَطْبُوخِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَهَذَا قَدْ يَنْعَقِدُ فَيَكُونُ دِبْسًا وَرُبًّا فَلَا يُسَمَّى نَبِيذًا أَصْلًا، وَقَدْ يَسْتَمِرُّ مَائِعًا وَيُسْكِرُ كَثِيرُهُ، فَيُسَمَّى فِي الْعُرْفِ نَبِيذًا، بَلْ نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ التِّينِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الطِّلَاءَ جِنْسٌ مِنَ الشَّرَابِ، وَعَنِ ابْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ السَّكَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْعَصِيرِ قَبْلَ أَنْ يَتَخَمَّرَ، وَقِيلَ: هُوَ مَا أَسْكَرَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ وَالْعَصِيرِ مَا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ، فَيُسَمَّى بِذَلِكَ وَلَوْ تَخَمَّرَ. وَقَدْ مَضَى شَرْحُ حَدِيثِ سَهْلٍ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَعَلِيٌّ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَوْدَةَ فَهِيَ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْعَامِرِيَّةُ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ الْقُرَشِيَّةِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَدَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَوْلُهُ: فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْمُهْمَلَةِ، أَيْ: جِلْدَهَا قَوْلُهُ: حَتَّى صَارَ شَنًّا، بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، أَيْ: بَالِيًا، وَالشَّنَّةُ الْقِرْبَةُ الْعَتِيقَةُ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا فِي دِبَاغِ جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ غَيْرَ هَذَا، وَأَشَارَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ الَّتِي فِي الْبَابِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ مُتَغَايِرَانِ فِي السِّيَاقِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةِ مُغِيرَةَ هَذِهِ تُوَافِقُ لَفْظَ

стр. 6942

رِوَايَةِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَيْمُونَةَ، وَلَا ذَكَرَ الدِّبَاغَ فِيهِ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي حَدِيثِ سَوْدَةَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزُّهْدَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ جَمِيعِ مَا يُتَمَلَّكُ ; لِأَنَّ مَوْتَ الشَّاةِ يَتَضَمَّنُ سَبْقَ مِلْكِهَا وَاقْتِنَائِهَا، وَفِيهِ جَوَازُ تَنْمِيَةِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا جِلْدَ الْمَيْتَةِ فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَطْرُوحًا، وَفِيهِ جَوَازُ تَنَاوُلِ مَا يَهْضِمُ الطَّعَامَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِانْتِبَاذُ، وَفِيهِ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ بَاشَرَهُ غَيْرُهُ كَالْخَادِمِ، اهـ. مُلَخَّصًا ٢٢ - بَاب إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأُدْمِ ٦٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ بِهَذَا. ٦٦٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ "سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقال رسول الله ﷺ : "أأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ" فَقُلْتُ نَعَمْ فَقال رسول الله ﷺ : "لِمَنْ مَعَهُ "قُومُوا فَانْطَلَقُوا" وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ حَتَّى دَخَلَا فَقال رسول الله ﷺ : "هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ" فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا" قَوْلُهُ: بَابُ إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ)، أَيْ: هَلْ يَكُونُ مُؤْتَدِمًا فَيَحْنَثُ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ: وَمَا يَكُونُ مِنْهُ الْأُدْمُ، هِيَ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، أَيْ: وَبَابُ بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِائْتِدَامُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَضَى فِي الْأَطْعِمَةِ بِتَمَامِهِ، وَكَذَا التَّعْلِيقُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ مَضَى ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ. وَعَابِسٌ بِمُهْمَلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ، وَقَوْلُهُ

стр. 6943

فِي آخِرِهِ: قَالَ لِعَائِشَةَ بِهَذَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَيْ رَوَى عَنْهَا، أَوْ قَالَ لَهَا مُسْتَفْهِمًا: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَالْوَاقِعُ خِلَافُ هَذَا التَّقْدِيرِ ; وَهُوَ بَيِّنٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ عَابِسًا قَالَ لِعَائِشَةَ: أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي آخِرِهِ: مَا شَبِعَ إِلَخْ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عَابِسًا لَقِيَ عَائِشَةَ وَسَأَلَهَا لِرَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ فِي الْعَنْعَنَةِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ. قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. وَالثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أَقْرَاصِ الشَّعِيرِ وَأَكْلِ الْقَوْمِ وَهُمْ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا حَتَّى شَبِعُوا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَأَمَرَ بِالْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، أَيْ: خَلَطَتْ مَا حَصَلَ مِنَ السَّمْنِ بِالْخُبْزِ الْمَفْتُوتِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: ائْتَدَمَ إِلَّا إِذَا أَكَلَ بِمَا اصْطَبَغَ بِهِ، قَالَ: وَمُنَاسَبَتُهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ الْإِدَامِ مُطْلَقًا بِقَرِينَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ شَظَفِ عَيْشِهِمْ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّمْرُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ التَّمْرَ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ غَالِبُ أَقْوَاتِهِمْ وَكَانُوا شَبَاعَى مِنْهُ عُلِمَ أَنَّ أَكْلَ الْخُبْزِ بِهِ لَيْسَ ائْتِدَامًا، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، وَهُوَ لَفْظُ الْمَأْدُومِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا عَلَى شَرْطِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ مُبَايِنٌ لِمُرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ، لَكِنْ بِأَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالثَّالِثُ بَعِيدٌ جِدًّا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَأَمَّا قِصَّةُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَظَاهِرَةُ الْمُنَاسَبَةِ ; لِأَنَّ السَّمِنَ الْيَسِيرَ الَّذِي فَضَلَ فِي قَعْرِ الْعَكَّةِ لَا يُصْطَبَغُ بِهِ الْأَقْرَاصُ الَّتِي فَتَّتْهَا، وَإِنَّمَا غَابتُهُ أَنْ يَصِيرَ فِي الْخُبْزِ مِنْ طَعْمِ السَّمْنِ فَأَشْبَهَ مَا إِذَا خَالَطَ التَّمْرَ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَمَّى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِدَامًا، فَإِنَّ الْحَالِفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ يَحْنَثُ إِذَا أَكَلَهُ مَعَ الْخُبْزِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، سَوَاءً كَانَ يُصْطَبَغُ بِهِ أَمْ لَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَحْنَثُ إِذَا ائْتَدَمَ بِالْجُبْنِ وَالْبَيْضِ، وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ مِمَّا الْغَالِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَاللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ وَالْجُبْنِ أُدْمٌ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا هُوَ عِنْدَ الْحَالِفِ أُدْمٌ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ عَادَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى الْمِلْحَ جَرِيشًا كَانَ أَوْ مُطَيَّبًا (تَنْبِيهٌ): مِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بُرَيْدَةَ: فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَإِدَامٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَكَانِهِ، وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ: بَابُ الْأُدْمُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَيْتِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِائْتِدَامِ بِهِ يُسَمَّى أُدْمًا مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا. وَكَذَا حَدِيثُ: تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، وَإِدَامُهُمْ زَائِدَةُ كَبِدِ الْحُوتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَفِي خُصُوصِ الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً، وَقَالَ: هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا بِلَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَنَّهُ ائْتَدَمَ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: أَكَلْتُ خُبْزًا بِلَا إِدَامٍ كَذَبَ، وَإِنْ قَالَ: أَكَلْتُ خُبْزًا بِإِدَامٍ صَدَقَ، وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ: الْإِدَامُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُسْتَهْلَكَ الْخُبْزَ فِيهِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَابِعًا لَهُ، بِأَنْ تَتَدَاخَلَ أَجْزَاؤُهُ فِي أَجْزَائِهِ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يُصْطَبَغُ بِهِ، فَقَدْ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ دَعْوَى التَّدَاخُلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّنَاوُلِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاسْتِهْلَاكُ بِالْأَكْلِ فَيَتَدَاخَلَانِ حِينَئِذٍ ٢٣ - بَاب النِّيَّةِ فِي الْأَيْمَانِ

стр. 6944

٦٦٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: بَابُ النِّيَّةِ فِي الْأَيْمَانِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلْجَمِيعِ وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ، قُلْتُ: وَقَرِينَةُ تَرْجَمَةِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ كَافِيَةٌ فِي تَوْهِينِ الْكَسْرِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْيَمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِالنِّيَّةِ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ وَأَرَادَ فِي شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مَثَلًا أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ زَيْدًا مَثَلًا، وَأَرَادَ فِي مَنْزِلِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلَا يَحْنَثُ إِذَا دَخَلَ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فِي الْأُولَى، وَلَا إِذَا كَلَّمَهُ فِي دَارٍ أُخْرَى فِي الثَّانِيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى عَدَدًا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنْتِ بَائِنٌ إِنْ نَوَى ثَلَاثًا بَانَتْ، وَإِنْ نَوَى مَا دُونَهَا وَقَعَ مَا نَوَى رَجْعِيًّا، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ لَكِنْ فِيمَا عَدَا حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَهِيَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِالتَّوْرِيَةِ فِي ذَلِكَ إِذَا اقْتَطَعَ بِهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا إِذَا تَحَاكَمَا وَمَا فِي غَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ، فَقَالَ: الْأَكْثَرُ نِيَّةُ الْحَالِفِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ: نِيَّةُ الْمَحْلُوفِ لَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَنِ ادَّعَى حَقًّا عَلَى رَجُلٍ فَأَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ الْحَاكِمُ وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ اتِّفَاقًا فَإِنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اسْتِحْلَافِ الْحَاكِمِ نَفَعَتِ التَّوْرِيَةُ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ أَبْطَلَ بِهَا حَقًّا أَثِمَ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْعَتَاقِ نَفَعَتْهُ التَّوْرِيَةُ وَلَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِذَلِكَ كَذَا أَطْلَقَ، وَيَنْبَغِي فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى جَوَازَ التَّحْلِيفِ بِذَلِكَ أَنْ لَا تَنْفَعَهُ التَّوْرِيَةُ ٢٤ - بَاب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ ٦٦٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بن مالك، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَوْلُهُ: بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ)، كَذَا للْجَمِيعُ إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَعِنْدَهُ الْقُرْبَةُ بَدَلُ التَّوْبَةِ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَقَوْلُهُ أَهْدَى أَيْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ أَوْ جَعَلَهُ هَدِيَّةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْبَابُ هُوَ أَوَّلُ أَبْوَابِ النُّذُورِ، وَالنَّذْرُ فِي اللُّغَةِ الْتِزَامُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَفِي الشَّرْعِ الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ

стр. 6945

مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَهُوَ قِسْمَانِ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ وَنَذْرُ لَجَاجٍ، وَنَذْرُ التَّبَرُّرِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ ابْتِدَاءً كَـ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا، وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ شِفَاءِ مَرِيضِي مَثَلًا، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّتِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ. وَالثَّانِي: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ إِذَا حَصَلَ لَهُ كَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ كَفَانِي شَرَّ عَدُوِّي فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا مَثَلًا. وَالْمُعَلَّقُ لَازِمٌ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْمُنَجَّزُ فِي الرَّاجِحِ. وَنَذْرُ اللَّجَاجِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ فِي الرَّاجِحِ إِلَّا إِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ كَانَ فِي فِعْلِهِ مَشَقَّةٌ فَيَلْزَمُهُ وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ. وَالثَّانِي: مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ خِلَافِ الْأُولَى أَوْ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِ مُسْتَحَبٍّ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ: الْوَفَاءُ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوِ التَّخَيُّيرُ بَيْنَهُمَا، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَجَزَمَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي الْجَمِيعِ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ)، هُوَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَوْلُهُ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، أَيِ: الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ رَفِيقَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ، بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، أَيْ: أَعْرَى مِنْ مَالِي كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ قَوْلُهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا السَّنَدِ: فَقُلْتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلَّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً، قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَنِصْفَهُ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَثُلُثَهُ. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي كُلِّهُ صَدَقَةً، قَالَ: يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى عَشَرَةِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَنُوزِعَ فِي أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمَعْنَاهُ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَجَّزَ النَّذْرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ فَاسْتَأْذَنَ، وَالِانْخِلَاعُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُورِ النَّذْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ أَمْرَ تَوْبَتِهِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: كَانَ الْأَوْلَى لكَعْبٍ أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَا يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ، لَكِنْ كَأَنَّهُ قَامَتْ عِنْدَهُ حَالٌ لِفَرَحِهِ بِتَوْبَتِهِ ظَهَرَ لَهُ فِيهَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِي الشُّكْرِ، فَأَوْرَدَ الِاسْتِشَارَةَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ فِي كَوْنِهِ جَزَمَ بِأَنَّ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا، أَنَّهُ نَجَّزَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَبُتَّ كَعْبٌ الِانْخِلَاعَ بَلِ اسْتَشَارَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا؟ قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ وَحُذِفَتْ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ لِمَنِ الْتَزَمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ،

стр. 6946

وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكَاةِ مَالِهِ، وَالْأَخِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لُبَابَةَ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَعَنْ قَتَادَةَ يَلْزَمُ الْغَنِيَّ الْعُشْرُ وَالْمُتَوَسِّطَ السُّبُعُ وَالْمُمْلَقَ الْخُمُسُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْكُلُّ إِلَّا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ، فَكَفَّارَتُهُ يَمِينٌ، وَعَنْ سَحْنُونٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ يَلْزَمُهُ الْكُلُّ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ كَعْبٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ أَهْدَى أَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ إِذَا نَذَرَ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ؟ وَقِصَّةُ كَعْبٍ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّنْجِيزُ، لَكِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تَنْجِيزٌ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ الْبَعْضِ، فَيَكُونُ الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، أَوْ يُعَلِّقَهُ أَنْ يُمْسِكَ بَعْضَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إِلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَمَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى ذَلِكَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ لَمْ يُمْنَعْ وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَإِيثَارُ الْأَنْصَارِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَفِي لَفْظِ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي مَحْوِ الذُّنُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ الْمَالِيَّةُ، وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فَقَالَ: التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَظَاهِرُ حَالِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشُّكْرِ. قُلْتُ: مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَخْ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِحُصُولِهَا مَحْوُ الذُّنُوبِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ ٢٥ - بَاب إِذَا حَرَّمَ طَعَامَهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ٦٦٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ: وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَرَّمَ طَعَامًا). فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: طَعَامَهُ، وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ نَذْرِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: طَعَامُ كَذَا أَوْ شَرَابُ كَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ: نَذَرْتُ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا آكُلَ كَذَا، أَوْ لَا أَشْرَبَ كَذَا، وَالرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا إِنْ قَرَنَهُ بِحَلِفٍ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ

стр. 6947

اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. وَزَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَهَلْ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ أَوْ فِي تَحْرِيمِ شُرْبِ الْعَسَلِ، وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ سَاقَهُ فِي الْبَابِ. وَيُؤْخَذُ حُكْمُ الطَّعَامِ مِنْ حُكْمِ الشَّرَابِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتُلِفَ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا يَحِلُّ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَبِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إِلَّا إِنْ حَلَفَ، وَإِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الْقَوْلِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ: وَقَدْ حَلَفْتُ وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، لَكِنِ اسْتَثْنَى مَالِكٌ الْمَرْأَةَ، فَقَالَ: تَطْلُقُ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ فِرَاقٌ الْتَزَمَهُ فَتَطْلُقُ، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْلِفَ فَإِنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَلْزَمْهُ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمَتُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ إِلَّا إِذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَتَطْلُقُ أَوِ الْعِتْقَ فَتُعْتَقُ وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ جِيءَ عِنْدَهُ بِطَعَامٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي حَرَّمْتُهُ أَنْ لَا آكُلَهُ، فَقَالَ: إِذَنْ فَكُلْ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: لَا تَعْتَدُوا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَلَوْ لَمْ يَحْلِفْ بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الْجَرْمِيِّ وَالدَّجَاجِ، وَتِلْكَ رِوَايَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ: حَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمِصِّيصِيُّ. قَوْلُهُ: (زَعَمَ عَطَاءٌ)، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: فِي آخِرِ الْبَابِ: فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ - ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ - لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا، قُلْتُ: أَشْكَلَ هَذَا السِّيَاقُ عَلَى بَعْضِ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ طَرِيقَةَ الْبُخَارِيِّ فِي الِاخْتِصَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ عِنْدَهُ بِتَمَامِهِ كَمَا تَقَدَّمَ [فِي التَّفْسِيرِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ]، فَلَمَّا أَرَادَ اخْتِصَارَهُ هُنَا اقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ مِنَ الْآيَاتِ مُضِيفًا لَهَا تَسْمِيَةَ مَنْ أُبْهِمَ فِيهَا مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ فَسَّرَهُمَا بِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَلَمَّا ذَكَرَ: أَسَرَّ حَدِيثًا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَوْلُهُ: عَنْ هِشَامٍ، هُوَ ابْنُ يُوسُفَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَقَدِ اخْتَصَرَ هُنَا بَعْضَ السَّنَدِ وَمُرَادُهُ أَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْنُ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَنْ أَعُودَ، فَزَادَ لَهُ: وَقَدْ حَلَفْتُ فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا ٢٦ - بَاب الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ٦٦٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ.

стр. 6948

٦٦٩٣ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ" ٦٦٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي ﷺ : "لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ" قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ)، أَيْ: حُكْمُهُ أَوْ فَضْلُهُ قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَفَاءَ بِهِ قُرْبَةٌ لِلثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قَالَ: إِذَا نَذَرُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: النَّذْرُ مِنَ الْعُقُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوَفَاءِ بِهَا الْمُثْنَى عَلَى فَاعِلِهَا، وَأَعْلَى أَنْوَاعِهِ مَا كَانَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ عَلَى شَيْءٍ كَمَنْ يُعَافَى مِنْ مَرَضٍ، فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا أَوْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَلِيهِ الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ، كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْتُ كَذَا أَوْ صَلَّيْتُ كَذَا، وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ أَنْوَاعِهِ كَنَذْرِ اللَّجَاجِ كَمَنْ يَسْتَثْقِلُ عَبْدَهُ فَيَنْذُرُ أَنْ يُعْتِقَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ صُحْبَتِهِ فَلَا يَقْصِدُ الْقُرْبَةَ بِذَلِكَ، أَوْ يَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْذُرُ صَلَاةً كَثِيرَةً أَوْ صَوْمًا مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَيَتَضَرَّرُ بِفِعْلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ، وَقَدْ يَبْلُغُ بَعْضُهُ التَّحْرِيمَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) هُوَ الْوُحَاظِيُّ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ. قَوْلُهُ (سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. قَوْلُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ كَذَا فِيهِ، وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَ السُّؤَالَ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَابِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَا: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَأَتَاهُ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ بِأَرْضِ فَارِسٍ فَوَقَعَ فِيهَا وَبَاءٌ وَطَاعُونٌ شَدِيدٌ، فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي، لَئِنْ سَلَّمَ اللَّهُ ابْنِي لَيَمْشِيَنَّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَدِمَ عَلَيْنَا وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ مَاتَ فَمَا تَقُولُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ، وَزَادَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا نَذَرْتُ أَنْ يَمْشِيَ ابْنِي، فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ: فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْرِفُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخْبِرْنِي مَا قَالَ لَكَ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَالَ لَهُ: امْشِ عَنِ ابْنِكَ. قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَتَرَى ذَلِكَ مَقْبُولًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى ابْنِكَ دَيْنٌ لَا قَضَاءَ لَهُ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَذَا مِثْلُ هَذَا انْتَهَى. وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ كُنْيَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ مُتَابِعًا لِفُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِتَمَامِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ، وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّمَا نَذَرْتُ أَنْ يَمْشِيَ ابْنِي وَإِنَّ ابْنِي قَدْ مَاتَ، فَقَالَ لَهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، كَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسِيَاقُ الْحَاكِمِ نَحْوُهُ وَأَخْصَرُ مِنْهُ

стр. 6949

وَقَدْ وَهِمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ كَمَا تَرَى لَكِنِ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ لِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً. وَهَذَا الْفَرْعُ غَرِيبٌ، وَهُوَ أَنْ يَنْذُرَ عَنْ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ الْغَيْرَ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا تَعَذَّرَ لَزِمَ النَّاذِرُ. وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الِابْنَ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَالْتَزَمَ بِهِ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَمَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدٌ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِهِ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرَ الْقُرَبِ عَنْهُ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا عِنْدَهُمَا بِمَا يَقَعُ مِنَ الْوَالِدِ فِي حَقِّ وَلَدِهِ فَيُعْقَدُ لِوُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَوَلَمْ تُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَرْفُوعَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ، لَكِنْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ التَّصْرِيحُ، فَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ النَّذْرِ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ الصَّرِيحَةِ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: لَا تَنْذُرُوا. قَوْلُهُ: لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ: لَا يَرُدُّ شَيْئًا. وَهِيَ أَعَمُّ وَنَحْوُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا: فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا. وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَهُ: لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَمَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ مُتَقَارِبَةٌ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى تَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا النَّهْيِ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: تَكَرَّرَ النَّهْيُ عَنِ النَّذْرِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرٌ عَنِ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ حَتَّى لَا يَفْعَلَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذْ كَانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَمُ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجُرُّ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضُرًّا وَلَا يُغَيِّرُ قَضَاءً، فَقَالَ: لَا تَنْذُرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ، أَوْ تَصْرِفُوا بِهِ عَنْكُمْ مَا قَدَّرَهُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا نَذَرْتُمْ فَاخْرُجُوا بِالْوَفَاءِ؛ فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَنَسَبَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ لِلْخَطَّابِيِّ، وَأَصْلُهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ، فَقَالَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ: وَجْهُ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ وَالتَّشْدِيدِ فِيهِ لَيْسَ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَأْثَمًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُوَفَّى بِهِ وَلَا حَمِدَ فَاعِلَهُ، وَلَكِنَّ وَجْهَهُ عِنْدِي تَعْظِيمُ شَأْنِ النَّذْرِ وَتَغْلِيظُ أَمْرِهِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِهِ، فَيُفَرَّطَ فِي الْوَفَاءِ بِهِ وَيُتْرَكَ الْقِيَامُ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمَازِرِيُّ بِقَوْلِهِ: ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ الْغَرَضَ بِهَذَا الْحَدِيثِ التَّحَفُّظُ فِي النَّذْرِ وَالْحَضُّ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاذِرَ يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ مُسْتَثْقِلًا لَهَا لَمَّا صَارَتْ عَلَيْهِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ، وَكُلُّ مَلْزُومٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْشَطُ لِلْفِعْلِ نَشَاطَ مُطْلَقِ الِاخْتِيَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَنَّ النَّاذِرَ لَمَّا لَمْ يَنْذُرِ الْقُرْبَةَ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ لَهُ مَا يُرِيدُ صَارَ كَالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي نِيَّةِ الْمُتَقَرِّبِ. قَالَ: وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ، اهـ. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَعُمُّ أَنْوَاعَ النَّذْرِ، وَالثَّانِي يَخُصُّ نَوْعَ الْمَجَازَاتِ. وَزَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُقَالُ: إِنَّ الْإِخْبَارَ بِذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَالِبُ الْقَدَرَ، وَلَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِسَبَبِهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ اعْتِقَادِ خِلَافِ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي ظَنِّ بَعْضِ الْجَهَلَةِ. قَالَ: وَمُحَصَّلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مُبَاحٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مُؤَبَّدًا لِتَكَرُّرِهِ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتٍ، فَقَدْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَيَفْعَلُهُ بِالتَّكَلُّفِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ

стр. 6950

وَغَيْرِ خَالِصِ النِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ. قَالَ: وَهَذَا أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِ قَوْلِهِ: لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، أَيْ: إِنَّ عُقْبَاهُ لَا تُحْمَدُ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِخَيْرٍ لَمْ يُقَدَّرْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ صَدَّرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَلَامَهُ فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَأْتِي بِسَبَبِ خَيْرٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ وَطَبْعِهِ فِي طَلَبِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَيْرٌ وَهُوَ فِعْلُ الطَّاعَةِ الَّتِي نَذَرَهَا، لَكِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْخَيْرِ حُصُولُ غَرَضِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ الْقَدَرِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: لَا يَأْتِي، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا يَأْتِ بِغَيْرِ يَاءٍ وَلَيْسَ بِلَحْنٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ سُمِعَ نَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْأَعْلَامِ: هَذَا بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ غَرِيبٌ، وَهُوَ أَنْ يُنْهَى عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فُعِلَ كَانَ وَاجِبًا، وَقَدْ ذَكَرَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ - وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - أَنَّ النَّذْرَ مَكْرُوهٌ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُمُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى الْخِلَافِ عَنْهُمْ وَالْجَزْمِ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ، قَالَ: وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَيْسَ طَاعَةً مَحْضَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ خَالِصُ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا ضَرَرًا بِمَا الْتَزَمَهُ وَجَزَمَ الْحَنَابِلَةُ بِالْكَرَاهَةِ، وَعِنْدَهُمْ رِوَايَةٌ فِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّتِهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ كَرَاهَةَ النَّذْرِ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، كَرِهُوا النَّذْرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَعْنَى الْكَرَاهَةِ فِي النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ وَفِي الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ نَذَرَ الرَّجُلُ فِي الطَّاعَةِ فَوَفَّى بِهِ فَلَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَيُكْرَهُ لَهُ النَّذْرُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَفِيهِ إِشْكَالٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الطَّاعَةِ طَاعَةٌ، كَمَا أَنَّ الْوَسِيلَةَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالنَّذْرُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْتِزَامِ الْقُرْبَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، فَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ نَذْرِ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ: الْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، كَذَا قَالَ، وَنُوزِعَ بِأَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى مَا انْدَرَجَ فِي عُمُومِ نَهْيٍ، وَالْمَكْرُوهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ النَّذْرِ بِخُصُوصِهِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِمَّنِ انْطَلَقَ لِسَانُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مَعَ ثُبُوتِ الصَّرِيحِ عَنْهُ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَمِمَّنْ بَنَى عَلَى اسْتِحْبَابِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنَّذْرِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ فَأَشْبَهَ الدُّعَاءَ، اهـ. وَإِذَا ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ مُطْلَقًا فَتَرْكُ فِعْلِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْلَى فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَأَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ هَؤُلَاءِ نَذْرُ التَّبَرُّرِ الْمَحْضِ بِأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ عَلَى الْمُجَازَاةِ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْقِيَامِ بِمَا الْتَزَمَهُ، حَكَاهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، وَلِمَا نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَةَ النَّذْرِ وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْمُتَوَلِّي بَعْدَهُ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى مَنْ وَفَّى بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْقُرْبَةِ فَيَكُونُ قُرْبَةً، قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُقَالُ: الَّذِي دَلَّ الْخَبَرُ عَلَى كَرَاهَتِهِ نَذْرُ الْمُجَازَاةِ، وَأَمَّا نَذْرُ التَّبَرُّرِ فَهُوَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ ; لِأَنَّ لِلنَّاذِرِ فِيهِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَهُوَ فَوْقَ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ، اهـ. وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِحَمْلِ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ النَّهْيِ عَلَى نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، فَقَالَ: هَذَا النَّهْيُ مَحَلُّهُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَدَقَةُ كَذَا، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعْلَ الْقُرْبَةِ الْمَذْكُورَ عَلَى حُصُولِ الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ لَهُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِمَا صَدَرَ مِنْهُ، بَلْ سَلَكَ فِيهَا مَسْلَكَ الْمُعَارضَةِ، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْفِ مَرِيضَهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِمَا عَلَّقَهُ

стр. 6951

عَلَى شِفَائِهِ، وَهَذِهِ حَالَةُ الْبَخِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا إِلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ يَزِيدُ عَلَى مَا أَخْرَجَ غَالِبًا، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ: إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُخْرِجُهُ، قَالَ: وَقَدْ يَنْضَمُّ إِلَى هَذَا اعْتِقَادُ جَاهِلٍ يَظُنُّ أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ حُصُولَ ذَلِكَ الْغَرَضِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَعَهُ ذَلِكَ الْغَرَضَ لِأَجْلِ ذَلِكَ النَّذْرِ، وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا، وَالْحَالَةُ الْأُولَى تُقَارِبُ الْكُفْرَ، وَالثَّانِيَةُ خَطَأٌ صَرِيحٌ. قُلْتُ: بَلْ تَقْرُبُ مِنَ الْكُفْرِ أَيْضًا. ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ حَمْلَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ، فَيَكُونُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ، اهـ. وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ، فَإِنَّهَا فِي نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قَالَ: كَانُوا يَنْذُرُونَ طَاعَةَ اللَّهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ أَبْرَارًا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ وَقَعَ فِي غَيْرِ نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِذَلِكَ، وَقَدْ يُشْعِرُ التَّعْبِيرَ بِالْبَخِيلِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنَ النَّذْرِ مَا فِيهِ مَالٌ فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ الْمُجَازَاةِ، لَكِنْ قَدْ يُوصَفُ بِالْبُخْلِ مَنْ تَكَاسَلَ عَنِ الطَّاعَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ. ثُمَّ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِ الْمُجَازَاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ - تَعَالَى - فَلْيُطِعْهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُعَلَّقِ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى. وَالِاتِّفَاقُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ الْمُعَلَّقِ نَظَرٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ بَابٍ قوله: وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ، يَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَ بَيَانِ الْمُرَادِ بِالِاسْتِخْرَاجِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (مِنَ الْبَخِيلِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مِنَ الشَّحِيحِ. وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: مِنَ اللَّئِيمِ، وَمَدَارُ الْجَمِيعِ عَلَى مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، فَالِاخْتِلَافُ فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ ; لِأَنَّ الشُّحَّ أَخَصُّ وَاللُّؤْمَ أَعَمُّ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْبُخْلُ إِمْسَاكُ مَا يُقْتَضَى عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ، وَالشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ، وَاللُّؤْمُ فِعْلُ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ) ابْنَ آدَمَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وَالنَّذْرُ بِالرَّفْعِ هُوَ الْفَاعِلُ. قَوْلُهُ: لَمْ أَكُنْ قَدَّرْتُهُ، هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدُسِيَّةِ لَكِنْ سَقَطَ مِنْهُ التَّصْرِيحُ بِنِسْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أُبَيٍّ، وَعُمَرُ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: لَمْ يَكُنْ قَدَّرْتُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ، وَلَكِنْ يَغْلِبُهُ النَّذْرُ فَأُقَدِّرُ لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدَّرْتُهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَكَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي قَوْلِهِ: فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، فَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَيُسْتَخْرَجُ بِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعَبْدَةَ: وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ. وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ، وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَلَكِنَّ النَّذْرَ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ. قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ، تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابُ إِلْقَاءِ الْعَبْدِ النَّذْرَ إِلَى الْقَدَرِ، وَأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ

стр. 6952

مُطَابِقَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِيهِ إِلَى النَّذْرِ. قُلْنَا: تَقْدِيرُ النَّذْرِ غَيْرُ تَقْدِيرِ الْإِلْقَاءِ، فَالْأَوَّلُ يُلْجِئُهُ إِلَى النَّذْرِ، وَالنَّذْرُ يُلْجِئُهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ. قَوْلُهُ: (فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَنَسَقُ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: فَأَسْتَخْرِجُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ أَوَّلًا: قَدَّرْتُهُ، وَثَانِيًا: فَيُؤْتِينِي. قَوْلُهُ: فَيُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، أَيْ: يُعْطِينِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: يُؤْتِنِي بِالْجَزْمِ، وَوُجِّهَتْ بِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَكُنْ، فَجُزِمَتْ بِلَمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: يُؤْتِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: فَيُيَسَّرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُيَسَّرُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ الرِّوَايَاتِ: قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: عَادَةُ النَّاسِ تَعْلِيقُ النَّذْرِ عَلَى تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبُخَلَاءِ ; إِذِ السَّخِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَرَّبَ بَادَرَ إِلَيْهِ، وَالْبَخِيلُ لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ يَسْتَوْفِيهِ أَوَّلًا، فَيَلْتَزِمُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، فَلَا يَسُوقُ إِلَيْهِ خَيْرًا، لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَلَا يَرُدُّ عَنْهُ شَرًّا قُضِيَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ النَّذْرَ قَدْ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرِجُ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْرِجَهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ النَّاذِرُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يُسْتَخْرَجُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُهُ لَمَا تَمَّ الْمُرَادُ مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُخْلِ مِنْ صُدُورِ النَّذْرِ عَنْهُ ; إِذْ لَوْ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْوَفَاءِ لَاسْتَمَرَّ لِبُخْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْإِخْرَاجِ. وَفِي الْحَدِيثِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ فَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ قَوْلَهُ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ سَبَبًا لِدَفْعِ مِيتَةِ السُّوءِ، وَالْأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَالْمُسَبَّبَاتِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ الرُّقَى: هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ عُمَرَ: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النَّذْرُ شَبِيهٌ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْقَدَرِ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نُهِيَ عَنِ النَّذْرِ وَنُدِبَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ عَاجِلَةٌ وَيَظْهَرُ بِهِ التَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ وَالتَّضَرُّعُ لَهُ وَالْخُضُوعُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ إِلَى حِينِ الْحُصُولِ وَتَرْكَ الْعَمَلِ إِلَى حِينِ الضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَبْتَدِئُهُ الْمُكَلَّفَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَفْضَلُ مِمَّا يَلْتَزِمُهُ بِالنَّذْرِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَذَمِّ الْبُخْلِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتَنَبَ الْمَنْهِيَّاتِ لَا يُعَدُّ بَخِيلًا. (تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ أَحَادِيثِ الْبَابِ لِتَرْجَمَةِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ قَوْلُهُ: يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُ الْبَخِيلُ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِذْ لَوْ أَخْرَجَ مَا يَتَبَرَّعُ بِهِ لَكَانَ جَوَادًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُؤْخَذُ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ مِنْ لَفْظِ: يُسْتَخْرَجُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى تَخْصِيصِ النَّذْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِنَذْرِ الْمُعَاوَضَةِ وَاللَّجَاجِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الثَّنَاءَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَذْرِ الْقُرْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ النَّذْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ٢٧ - بَاب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ ٦٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ:

стр. 6953

لَا أَدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ". قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ)، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ: إِثْمِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي خَيْرُ الْقُرُونِ، وَفِي سَنَدِهِ أَبُو جَمْرَةَ، وَهُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، وَاسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، وَزَهْدَمٌ - بِمُعْجَمَةٍ أَوَّلُهُ وَزْنَ جَعْفَرٍ - ابْنُ مُضَرِّبٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الشَّهَادَاتِ، وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: يَنْذُرُونَ بِكَسْرِ الذَّالِ وَبِضَمِّهَا لُغَتَانِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَفُونَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَا يُوفُونَ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَفِي أُخْرَى لَهُ كَالْأُولَى، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْتَمَنُونَ)، أَيْ: إِنَّهَا خِيَانَةٌ ظَاهِرَةٌ بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُهُمْ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا مُلَخَّصُهُ: سَوَّى بَيْنَ مَنْ يَخُونُ أَمَانَتَهُ، وَمَنْ لَا يَفِي بِنَذْرِهِ، وَالْخِيَانَةُ مَذْمُومَةٌ فَيَكُونُ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مَذْمُومًا، وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: سَاقَ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ مَسَاقَ الْعَيْبِ وَالْجَائِزُ لَا يُعَابُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. ٢٨ - بَاب النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٦٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ. [الحديث ٦٦٩٦ - ظرفه في ٦٧٠٠] قَوْلُهُ: (بَابُ النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ)، أَيْ: حُكْمُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَابٌ بِالتَّنْوِينِ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ: النَّذْرُ فِي الطَّاعَةِ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، فَلَا يَكُونُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ نَذْرًا شَرْعًا. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ سَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ أَنْصَارٍ. وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ الثَّنَاءُ عَلَى فَاعِلِهِ نَذْرُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ)، هُوَ الْأَيْلِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ طَبَقَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ طَلْحَةَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى رِوَايَةِ يَحْيَى وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ فَرَجَعَتْ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى طَلْحَةَ وَرِوَايَةُ يَحْيَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ وَسَلِمَتْ رِوَايَةُ أَيُّوبَ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي رَدِّ دَعْوَى انْفِرَادِ طَلْحَةَ بِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُجَبَّرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ عَنِ الْقَاسِمِ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَوْلُهُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ إِلَخْ، الطَّاعَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، وَيُتَصَوَّرُ النَّذْرُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ بِأَنْ يُؤَقِّتَهُ، كَمَنْ يَنْذُرُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَقَّتَهُ، وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّذْرِ وَاجِبًا وَيَتَقَيَّدُ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ

стр. 6954

النَّاذِرُ وَالْخَبَرُ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِوَفَاءِ النَّذْرِ إِذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَهَلْ يَجِبُ فِي الثَّانِي كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا بَعْدَ بَابَيْنِ، وَيَأْتِي أَيْضًا بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَا سَكَتَ عَنْهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ نَذْرُ الْمُبَاحِ، وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الطَّاعَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ: وَاجِبٌ عَيْنًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا وَصِفَةً فِيهِ، فَيَنْعَقِدُ كَإِيقَاعِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ فَيَنْعَقِدُ، وَمَنْدُوبٌ عِبَادَةً عَيْنًا كَانَ أَوْ كِفَايَةً فَيَنْعَقِدُ، وَمَنْدُوبٌ لَا يُسَمَّى عِبَادَةً كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةِ الْقَادِمِ فَفِي انْعِقَادِهِ وَجْهَانِ وَالْأَرْجَحُ انْعِقَادُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَالْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ إِلَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ ٢٩ - بَاب إِذَا نَذَرَ أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ ٦٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا نَذَرَ أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ)، أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ أَوْ لَا؟ وَالْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ جَاهِلِيَّةُ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ حَالُهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَأَصْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الطَّحَاوِيُّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَنْ نَذَرَ وَهُوَ مُشْرِكٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَأَوْضَحَ الْمُرَادَ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي نَذْرِ عُمَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُ يَعْتَكِفُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَاسَ الْبُخَارِيُّ الْيَمِينَ عَلَى النَّذْرِ، وَتَرَكَ الْكَلَامَ عَلَى الِاعْتِكَافِ، فَمَنْ نَذَرَ أَوْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَلَى شَيْءٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ يَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ قِصَّةِ عُمَرَ، قَالَ: وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، كَذَا قَالَ، وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ وَجْهٌ لِبَعْضِهِمْ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَجُلَّ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَكَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ: يَجِبُ وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْبُخَارِيُّ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ. قُلْتُ: إِنْ وُجِدَ عَنِ الْبُخَارِيِّ التَّصْرِيحُ بِالْوُجُوبِ قُبِلَ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ تَرْجَمَتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يَقُولَ بِالنَّدْبِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: لَمْ يَأْمُرْ عُمَرَ عَلَى جِهَةِ الْإِيجَابِ بَلْ عَلَى جِهَةِ الْمَشُورَةِ، كَذَا قَالَ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ مِنْ آكَدِ الْأُمُورِ فَغَلَّظَ أَمْرَهُ بِأَنْ أَمَرَ عُمَرَ بِالْوَفَاءِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَالْكَافِرُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ بِالْعِبَادَةِ، وَأَجَابَ عَنْ قِصَّةِ عُمَرَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﷺ فَهِمَ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمَحَ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا كَانَ نَذَرَهُ، فَأَمَرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ حِينَئِذٍ طَاعَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَكَانَ ذَلِكَ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُخَالِفُ هَذَا، فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ قَوِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ وَإِلَّا فَلَا قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ. قَوْلُهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، هُوَ الْعُمَرِيُّ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، فَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، وَأَوَّلُ حَدِيثِهِ: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ سَأَلَ عُمَرُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَفَادَ تَعْيِينَ زَمَانِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ عَلَى نَافِعٍ ثُمَّ عَلَى أَيُّوبَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ هُنَاكَ، وَكَذَا ذَكَرْتُ فِيهِ فَوَائِدَ زَوَائِدَ تَتَعَلَّقُ بِسِيَاقِهِ، وَكَذَلِكَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الِاعْتِكَافِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ

стр. 6955

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا نَذَرَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَعَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اعْتِكَافَ عُمَرَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الصِّيَامِ فِي اللَّيْلِ، وَبَقِيَ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّذْرِ إِذَا صَدَرَ مِنْ شَخْصٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَ هَلْ يَلْزَمُهُ؟ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ. وَقَوْلُهُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى اعْتَكَفَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ سُؤَالَهُ كَانَ بَعْدَ قَسْمِ النَّبِيِّ ﷺ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالطَّائِفِ، وَتَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ عُمَرُ: فَلَمْ أَعْتَكِفْ حَتَّى كَانَ بَعْدَ حُنَيْنٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، فَبَيْنَا أَنَا مُعْتَكِفٌ إِذْ سَمِعْتُ تَكْبِيرًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مَنِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى هَوَازِنَ بِإِطْلَاقِ سَبْيِهِمْ، وَفِي الْحَدِيثِ لُزُومُ النَّذْرِ لِلْقُرْبَةِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، أَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا أَرَادَهُ وَنَوَاهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَزِمَهُ، قَالَ: وَكُلُّ عِبَادَةٍ يَنْفَرِدُ بِهَا الْعَبْدُ عَنْ غَيْرِهِ تَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ الْعَازِمَةِ الدَّائِمَةِ، كَالنَّذْرِ فِي الْعِبَادَةِ وَالطَّلَاقِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ نَقَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَلْزَمُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الْقَوْلِ أَوِ الشُّرُوعِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَظَاهِرُ كَلَامِ عُمَرَ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ بِمَا وَقَعَ مَعَ الِاسْتِخْبَارِ عَنْ حُكْمِهِ هَلْ لَزِمَ أَوْ لَا؟ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ مِنْهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قِصَّةُ عُمَرَ هِيَ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكَذَا، إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ بَعْدَ شَهْرٍ فَمَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ قُدُومِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ النَّاذِرَ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ، فَلَمَّا نَذَرَ عُمَرُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِوَفَائِهِ اسْتِحْبَابًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ فِي حَالَةٍ لَا يَنْعَقِدُ فِيهَا. وَنَقَلَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُسْلِمُوا لِأَمْرِ عُمَرَ بِوَفَاءِ مَا الْتَزَمَهُ فِي الشِّرْكِ، وَنَقَلَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَضَاؤُهَا، فَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ بِقَضَاءِ مَا لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ؟ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، وَقَدْ خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ، فَفَاتَ وَقْتُ أَدَائِهِ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِقَضَائِهِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُؤَقِّتْ نَذْرَهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ وَقْتٌ حَتَّى أَسْلَمَ، فَإِيقَاعُهُ لَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ يَكُونُ أَدَاءً لِاتِّسَاعِ ذَلِكَ بِاتِّسَاعِ الْعُمْرِ، قُلْتُ: وَهَذَا الْبَحْثُ يُقَوِّي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو ثَوْرٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ النَّقْلُ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقُولُهُ أَوَّلًا، فَأَخَذَهُ عَنْهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ؛ لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ، بِخِلَافِ مَا فَاتَ وَقْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): الْمُرَادُ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ جَاهِلِيَّةَ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: الْجَاهِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ زَمَنُ فَتْرَةِ النُّبُوَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا ﷺ ؛ فَإِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَذَرَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَبَيْنَ الْبَعْثَةِ وَإِسْلَامِهِ مُدَّةٌ. ٣٠ - بَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ، فَقَالَ: صَلِّي عَنْهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ٦٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ.

стр. 6956

٦٦٩٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ إِنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقال النبي ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاقْضِ اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ)، أَيْ: هَلْ يُقْضَى عَنْهُ أَوْ لَا؟ وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ، لَكِنْ هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، خِلَافٌ يَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ) يَعْنِي: فَمَاتَتْ، (فَقَالَ: صَلِّي عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ) وَصَلَهُ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَيِ: ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فَمَاتَتْ، وَلَمْ تَقْضِهِ، فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ مَرَّةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَعْتَكِفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَكِفْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّكَ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ قَالَ: وَالنَّقْلُ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُضْطَرِبٌ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْإِثْبَاتِ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ وَالنَّفْيِ فِي حَقِّ الْحَيِّ، ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بِمَا إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ شَيْءٌ وَاجِبٌ، فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ فَقَالَ: يُصَامُ عَنْهُ النَّذْرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: صَلِّي عَنْهَا الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، فَعَدَّ مِنْهَا الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ، فَأَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ مَكْتُوبَةٌ لِلْوَالِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ، فَمَعْنَى: صَلِّي عَنْهَا، أَنَّ صَلَاتَكِ مُكْتَتَبَةٌ لَهَا، وَلَوْ كُنْتِ إِنَّمَا تَنْوِي عَنْ نَفْسِكِ كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِالْوَلَدِ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَبُو مُصْعَبٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَام مَالِكٍ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً لَا عَنْ حَيٍّ وَلَا عَنْ مَيِّتٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ لَجَازَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَلَكَانَ الشَّارِعُ أَحَقَّ بِذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ أَبَوَيْهِ، وَلَمَا نُهِيَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِعَمِّهِ، وَلَبَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ انْتَهَى. وَجَمِيعُ مَا قَالَ لَا يَخْفَى وَجْهُ تَعَقُّبِهِ خُصُوصًا مَا ذَكَرَهُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَعُمُومُهَا مَخْصُوصٌ اتِّفَاقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: قَالَ صَلِّي عَلَيْهَا، وُجِّهَ بِأَنَّ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ عَلَى رَأْيٍ قَالَ: أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى قُبَاءٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَذَكَرْتُ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ. قَوْلُهُ: فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: (فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ)، أَيْ: صَارَ قَضَاءُ الْوَارِثِ مَا عَلَى الْمُوَرِّثِ طَرِيقَةً شَرْعِيَّةً أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَيُونُسَ وَمَعْمَرٍ، وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ

стр. 6957

رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا، وَأَظُنُّهَا مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَيَحْتَمِلُ مِنْ شَيْخِهِ، وَفِيهَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْهِجْرَةِ مُنْذُ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ حَجَّ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا أَذِنَ فِيهِ، فَيُقَالُ لِمَنْ قَلَّدَ، قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ غَيْرَهُ ; وَهَذَا الزُّهْرِيُّ مَعْدُودٌ فِي فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ شَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ابْنُ حَزْمٍ لِلظَّاهِرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَنَّ الْوَارِثَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ النَّذْرِ عَنْ مُوَرِّثِهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُهَيْلٍ فِي اللِّعَانِ لَمَّا فَارَقَهَا الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِرَاقِهَا، قَالَ: فَكَانَتْ سُنَّةً. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ نَذْرِ أُمِّ سَعْدٍ، فَقِيلَ: كَانَ صَوْمًا لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْبَطِينُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. الْحَدِيثَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَقِيلَ: كَانَ عِتْقًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَ إِرْسَالِهِ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ نَذَرَتْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: كَانَ نَذْرُهَا صَدَقَةً، وَقَدْ ذَكَرْتُ دَلِيلَهُ مِنَ الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّ سَعْدًا خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقِيلَ لِأُمِّهِ: أَوْصِ، قَالَتِ الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ; فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَحْوُهُ، وَزَادَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْمَاءُ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا نَذَرَتْ ذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ نَذْرُهَا فِي الْمَالِ أَوْ مُبْهَمًا. قُلْتُ: بَلْ ظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ مُعَيَّنًا عِنْدَ سَعْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ قَضَاءُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مَالِيٌّ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ إِلَّا إِنْ وَقَعَ النَّذْرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَيَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ، وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِقِصَّةِ أُمِّ سَعْدٍ هَذِهِ، وَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّهَا صَارَتْ سُنَّةً بَعْدُ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ قَضَاهُ مِنْ تَرِكَتِهَا أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ. وَفِيهِ اسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ، وَفِيهِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ الْوَفَاةِ وَالتَّوَصُّلُ إِلَى بَرَاءَةِ مَا فِي ذِمَّتِهِمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ: هَلْ يَكُونُ كَالْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ لَا؟ فَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ أَنَّهُ مِثْلُهُ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا رَجَّحَ جَمَاعَةٌ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَاقْضِ دَيْنَ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ، وَذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي السَّائِلِ أَهُوَ رَجُلٌ كَمَا وَقَعَ هُنَا أَوِ امْرَأَةٌ كَمَا وَقَعَ هُنَاكَ؟ وَأَنَّهُ الرَّاجِحُ وَذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي اسْمِهَا وَأَنَّهَا حَمْنَةُ، وَبَيَّنْتُ أَنَّهَا هِيَ السَّائِلَةُ عَنِ الصِّيَامِ أَيْضًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ٣١ - بَاب النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِي مَعْصِيَةٍ ٦٧٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ. ٦٧٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ

стр. 6958

تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ وَرَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ" وَقَالَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ ٦٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ" ٦٧٠٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ فَقَطَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ" ٦٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ. فَقال النبي ﷺ : "مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ: (بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكَ وَفِي مَعْصِيَةٍ) وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ: وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَقَالَ: ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، الْحَدِيثَ. وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي الَّذِي رَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ فَنَهَاهُ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي طَافَ وَفِي أَنْفِهِ خِزَامَةٌ فَنَهَاهُ، وَحَدِيثَهُ فِي الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ فَنَهَاهُ، قَالَ: وَلَا مَدْخَلَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ تَلَقَّى عَدَمَ لُزُومِ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِهِ فِي الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ نَذْرَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ: بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ، بَلْ قَالَ: النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، فَأَشَارَ إِلَى انْدِرَاجِ نَذْرِ مَالِ الْغَيْرِ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فَتَأَمَّلْهُ، انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ ثَابِتٌ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ بِغَيْرِ لَامٍ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنِ التَّقْرِيرِ الَّذِي قَرَّرَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَحُكْمِ النَّذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِذَا ثَبَتَ نَفْيُ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ الْتُحِقَ بِهِ النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمَعْصِيَةَ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الدَّلَالَةُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَمْلِكُ تَعْذِيبَ نَفْسِهِ وَلَا الْتِزَامَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُهُ حَيْثُ لَا قُرْبَةَ فِيهَا، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ فَسَّرُوا مَا لَا يَمْلِكُ بِمِثْلِ النَّذْرِ بِإِعْتَاقِ عَبْدِ فُلَانٍ، انْتَهَى. وَمَا وَجَّهَهُ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ أَقْرَبُ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَخْصِيصُ مَا لَا يَمْلِكُ بِمَا إِذَا نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا كَعِتْقِ عَبْدِ فُلَانٍ إِذَا مَلَكَهُ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إِذَا نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَيُجَابُ بِأَنَّ دَلِيلَ التَّخْصِيصِ الِاتِّفَاقُ عَلَى انْعِقَادِ النَّذْرِ فِي الْمُبْهَمِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُعَيَّنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ فِي بَابُ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بِلَفْظِ: وَلَيْسَ عَلَى

стр. 6959

ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ بِبَوَانَةَ - يَعْنِي مَوْضِعًا وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَبِنُونٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ أَسِيرَةً فَهَرَبَتْ عَلَى نَاقَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ الَّذِينَ أَسَرُوا الْمَرْأَةَ انْتَهَبُوهَا، فَنَذَرَتْ إِنْ سَلِمَتْ أَنْ تَنْحَرَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ بِنَحْوِهِ، وَوَقَعَتْ مُطَابِقَةً جَمِيعَ التَّرْجَمَةِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ، مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بِلَفْظِ لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مِثْلَهُ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وَقَعَ مِنْهُ النَّذْرُ فِي ذَلِكَ: هَلْ تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ: نَعَمْ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلَيْنِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَاخْتِلَافُهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ ; فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَدَلَّسَهُ بِإِسْقَاطِ اثْنَيْنِ وَحَسَّنَ الظَّنَّ بِسُلَيْمَانَ وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصِحُّ، وَلَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَضَعَّفَهُ وَشَوَاهِدُ أُخْرَى ذَكَرْتُهَا آنِفًا، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ نَحْوَهُ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عُمُومُ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، لَكِنْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ عُقْبَةَ بِلَفْظِ: كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ الْحَدِيثَ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ: وَمَنْ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَشْبَهُ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّ النَّاذِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ أَوَّلَ الْبَابِ قَرِيبًا، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَوْ ثَبَتَتِ الزِّيَادَةُ لَكَانَتْ مُبِيِّنَةً لِمَا أُجْمِلَ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ صَحَابِيٍّ خِلَافُهُ قَالَ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ لَمَّا نَذَرَتْ أُخْتُهُ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً لِتُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهَا، فَسَمَّى النَّذْرَ يَمِينًا، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرِ هُوَ عُقْدَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِالْتِزَامِ شَيْءٍ، وَالْحَالِفُ عَقَدَ يَمِينَهُ بِاللَّهِ مُلْتَزِمًا بِشَيْءٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ النَّذْرَ آكَدُ مِنَ الْيَمِينِ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً فَفَعَلَهَا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ الْحَالِفِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلْحَنَابِلَةِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَأَمَرَ بِالْكَفَّارَةِ فَتَعَيَّنَتْ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ لِصِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْيَ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ ثَابِتًا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُشْرَعُ فِي الْمُبَاحِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأَسِكَ بِالدُّفِّ، فَقَالَ:

стр. 6960

أَوْفِ بِنَذْرِكِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ خُرُوجِهِ فِي غَزْوَةٍ، فَنَذَرَتْ إِنْ رَدَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - سَالِمًا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْفَرَحِ بِالسَّلَامَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِ النَّذْرِ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَنْعَقِدُ فِي الْمُبَاحِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ النَّاذِرَ بِأَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَيَصُومَ وَلَا يُفْطِرَ، بِأَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ وَيَتَكَلَّمَ وَيَسْتَظِلَّ، وَيَقْعُدَ، فَأَمَرَهُ بِفِعْلِ الطَّاعَةِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ الْمُبَاحَ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَيْضًا: إِنَّمَا النَّذْرُ مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ الَّتِي نَذَرَتِ الضَّرْبَ بِالدُّفِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ مَا قَدْ يَصِيُرُ بِالْقَصْدِ مَنْدُوبًا كَالنَّوْمِ فِي الْقَائِلَةِ لِلتَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَأَكْلَةِ السَّحَرِ لِلتَّقَوِّي عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِظْهَارَ الْفَرَحِ بِعَوْدِ النَّبِيِّ ﷺ سَالِمًا مَعْنًى مَقْصُودٌ يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ وَالْخِتَانِ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَبِعَهُ فِي الْمِنْهَاجِ الْإِبَاحَةَ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ إِذْنَهُ لَهَا فِي الضَّرْبِ بِالدُّفِّ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، لَا عَلَى خُصُوصِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: نَذَرْتِ: حَلَفْتِ، وَالْإِذْنُ فِيهِ لِلْبِرِّ بِفِعْلِ الْمُبَاحِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي آخَرِ الْحَدِيثِ: أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ فَتَرَكَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ. فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ مَا قَالَ ذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا بِعَيْنِهِ يُشْكِلُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لِكَوْنِهِ نَسَبَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ حَضَرَ لِمَحَبَّتِهِ فِي سَمَاعِ ذَلِكَ لِمَا يَرْجُوهُ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْفِتْنَةِ بِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عُمَرُ فَرَّ مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِمُبَادَرَتِهِ إِلَى إِنْكَارِ مِثْلِ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَحْضُرْ أَصْلًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِثَالًا لِصُورَةِ مَا صَدَرَ مِنَ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ إِنَّمَا شَرَعَتْ فِي شَيْءٍ أَصْلُهُ مِنَ اللَّهْوِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُمَرُ خَشِيَتْ مِنْ مُبَادَرَتِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِخُصُوصِ النَّذْرِ أَوِ الْيَمِينِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهَا، فَشَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ حَالَهَا بِحَالَةِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ حُضُورِ عُمَرَ وَالشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ، وَقَرُبَ مِنْ قِصَّتِهَا قِصَّةُ الْقَيْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَأَنْكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِبَاحَةِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ. فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَقَالَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ وَهُوَ الثَّانِي مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ فَذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ قُبَيْلَ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ بِتَمَامِهِ، وَأَوَّلُهُ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ، وَقَوْلُهُ: قَالَ الْفَزَارِيُّ، يَعْنِي: مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ (عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ تَصْرِيحَ حُمَيْدٍ بِالتَّحْدِيثِ، وَقَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَجِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ، عَنِ الْفَزَارِيِّ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ مُوَافِقًا لِلْفَزَارِيِّ، وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ بِدُونِ ذِكْرِ ثَابِتٍ فِيهِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَدَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: لِتَمْشِي وَلْتَرْكَبْ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ثَمَّ، وَوَقَعَ لِلْمِزِّيِّ فِي الْأَطْرَافِ فِيهِ وَهْمٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ فِي الْحَجِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، وَفِي النُّذُورِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَالْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَعًا فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْحَجِّ، وَلَيْسَ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ فِي النُّذُورِ ذِكْرٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّاذِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنْ يَرْكَبَ جَزْمًا، وَأَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ أَنْ تَمْشِيَ، وَأَنْ تَرْكَبَ ; لِأَنَّ النَّاذِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ شَيْخًا ظَاهِرَ الْعَجْزِ وَأُخْتَ عُقْبَةَ لَمْ تُوصَفْ بِالْعَجْزِ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْشِيَ إِنْ قَدَرَتْ وَتَرْكَبَ إِنْ عَجَزَتْ، وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ لِلْحَدِيثِ، وَأَوْرَدَ فِي

стр. 6961

بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً. وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَلْتُهْدِ هَدْيًا، وَوَهِمَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: وَلْتُهْدِ بَدَنَةً، وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَةَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْهَدْيِ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي حَلَفَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ، وَأنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا الْمَشْيُ، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَمْشِيَ فَمَا أَغْنَى اللَّهَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُخْتِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، لِتَحُجَّ رَاكِبَةً ثُمَّ لِتُكَفِّرْ يَمِينَهَا، وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْهَدْيُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ حَافِيَةً حَاسِرَةً، وَفِيهِ: لِتَرْكَبْ وَلْتَلْبَسْ وَلْتَصُمْ، وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمِنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ إِذْ بَصُرَ بِخَيَالٍ نَفَرَتْ مِنْهُ الْإِبِلُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ نَافِضَةٌ شَعْرَهَا، فَقَالَتْ: نَذَرْتُ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيَةً عُرْيَانَةً نَافِضَةً شَعْرِي، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَلْبَسْ ثِيَابَهَا وَلْتُهْرِقْ دَمًا، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ رَفَعَهُ: إِذَا نَذَرَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَلْيَرْكَبْ، وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، وَفِي الْحَدِيثِ صِحَّةُ النَّذْرِ بِإِتْيَانِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا لَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَا يَنْعَقِدُ، ثُمَّ إِنْ نَذَرَهُ رَاكِبًا لَزِمَهُ، فَلَوْ مَشَى لَزِمَهُ دَمٌ لِتَرَفُّهِهِ بِتَوَفُّرِ مُؤْنَةِ الرُّكُوبِ، وَإِنْ نَذَرَهُ مَاشِيًا لَزِمَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْعُمْرَةُ أَوِ الْحَجُّ، وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ رَكِبَ بِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَزِمَهُ دَمٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ؟ وَإِنْ رَكِبَ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْعَاجِزِ يَرْجِعُ مِنْ قَابِلٍ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ إِلَّا إِنْ عَجَزَ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، وَلَيْسَ فِي طُرُقِ حَدِيثِ عُقْبَةَ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مُطْلَقًا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: زِيَادَةُ الْأَمْرِ بِالْهَدْيِ رُوَاتُهَا ثِقَاتٌ وَلَا تُرَدُّ، وَلَيْسَ سُكُوتُ مَنْ سَكَتَ عَنْهَا بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهَا وَذَكَرَهَا، قَالَ: وَالتَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ فِي عَدَمِ إِيجَابِ الرُّجُوعِ ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ عُمْدَةَ مَالِكٍ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. (تَنْبِيهٌ) يُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَعْدَ الْبَابِ، كَذَا نَقَلَهُ مُغَلْطَايْ، عَنِ الْخَطِيبِ وَهُوَ تَرْكِيبٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ آخِرَ الْبَابِ، وَتَغَايُرُ الْقِصَّتَيْنِ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُتَكَلَّفَ لِبَيَانِهِ. وَأَمَّاَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي طَافَ بِزِمَامٍ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فَأَوْرَدَهُ بِعُلُوٍّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَفْظُهُ: رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ بِنُزُولٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ، فَقَطَعَهَا ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ، وَالْخِزَامَةُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ حَلْقَةٌ مِنْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ تُجْعَلُ فِي الْحَاجِزِ الَّذِي بَيْنَ مَنْخِرَيِ الْبَعِيرِ يُشَدُّ فِيهَا الزِّمَامُ لِيَسْهُلَ انْقِيَادُهُ إِذَا كَانَ صَعْبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي اسْمِ الْقَائِدِ وَالْمَقُودِ، وَوَجْهَ إِدْخَالِهِ فِي أَبْوَابِ النَّذْرِ وَأَنَّهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ نَذَرَ ذَلِكَ،

стр. 6962

وَأَنَّ الدَّاوُدِيَّ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَا لَا طَاعَةَ لِلَّهِ فِيهِ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَتَعَقُّبَ ابْنِ التِّينِ لَهُ، وَالْجَوَابَ عَنِ الدَّاوُدِيِّ وَتَصْوِيبَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ أيضًا وهو الحديث الرابع، فَ وُهَيْبٌ فِي سَنَدِهِ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الَّذِي عَلَّقَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ آخِرَ الْبَابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا مَنْ يَرَى أَنَّ الثِّقَاتِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَصْلِ وَالْإِرْسَالِ يُرَجَّحُ قَوْلُ مَنْ وَصَلَ لِمَا مَعَهُ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ وُهَيْبًا، وَعَبْدَ الْوَهَّابِ ثِقَتَانِ، وَقَدْ وَصَلَهُ وُهَيْبٌ وَأَرْسَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَ ذَلِكَ، وَالَّذِي عَرَفْنَاهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ، بَلْ يَدُورُ مَعَ التَّرْجِيحِ إِلَّا إِنِ اسْتَوَوْا، فَيُقَدِّمُ الْوَصْلَ وَالْوَاقِعُ هُنَا أَنَّ مَنْ وَصَلَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَصَلَهُ مَعَ وُهَيْبٍ عَاصِمُ بْنُ هِلَالٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَرْسَلَهُ مَعَ عَبْدِ الْوَهَّابِ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ. قُلْتُ: وَخَالِدٌ مُتْقِنٌ، وَفِي عَاصِمٍ، وَالْحَسَنِ مَقَالٌ، فَيَسْتَوِي الطَّرَفَانِ فَيَتَرَجَّحُ الْوَصْلُ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَازْدَادَ قُوَّةً أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْرَائِيلَ. قَوْلُهُ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، زَادَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَوْلُهُ: إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ وُهَيْبٍ: إِذِ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَوْلُهُ: (قَائِمٌ)، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: فِي الشَّمْسِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى وَفِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ: وَأَبُو إِسْرَائِيلَ يُصَلِّي قَوْلُهُ: (فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ)، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: فَقَالُوا: هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ، زَادَ الْخَطِيبُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَوْلُهُ: نَذَرَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: ظَاهِرُ اللَّفْظِ السُّؤَالُ عَنِ اسْمِهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرُوهُ وَزَادُوا فِعْلَهُ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ عَنْ حَالِهِ فَذَكَرُوهُ وَزَادُوا التَّعْرِيفَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمَلًا ذَكَرُوا الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَظِلَّ، فِي رِوَايَةِ الْخَطِيبِ: وَيَقُومُ فِي الشَّمْسِ. قَوْلُهُ: (مُرْهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: مُرُوهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ: لِيَقْعُدْ وَلْيَتَكَلَّمْ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي كُنْيَتِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَقِيلَ: قُشَيْرٌ بِقَافٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ، وَقِيلَ: يُسَيْرٌ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: قَيْصَرُ بِاسْمِ مَلِكِ الرُّومِ، وَقِيلَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الصَّادِ، وَقِيلَ: بِغَيْرِ رَاءٍ فِي آخِرِهِ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ ثُمَّ عَامِرِيٌّ، وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصَّحَابَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، فَقَالَ: أَبُو إِسْرَائِيلَ الْأَنْصَارِيُّ. وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي حَدِيثِهِ أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْمُبَاحِ لَيْسَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: وَلَا صُمْتُ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَتَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلْمَرْأَةِ إِنَّ هَذَا - يَعْنِي الصَّمْتَ - مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ وَلَوْ مَآلًا مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ، كَالْمَشْيِ حَافِيًا، وَالْجُلُوسِ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ هُوَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، فَإِنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَبَا إِسْرَائِيلَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْعُدَ وَيَتَكَلَّمَ وَيَسْتَظِلَّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ هَذِهِ أَوْضَحُ الْحُجَجِ لِلْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَمَّا ذَكَرَهُ وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ ٣٢ - بَاب مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوْ الْفِطْرَ ٦٧٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ

стр. 6963

أَبِي حُرَّةَ الْأَسْلَمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا صَامَ، فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَلَا يَرَى صِيَامَهُمَا. ٦٧٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ "كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ مِثْلَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ" قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا)، أَيْ: (مُعَيَّنَةً فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوِ الْفِطْرَ)، أَيْ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ، أَوِ الْبَدَلُ أَوِ الْكَفَّارَةُ؟ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ النَّحْرِ لَا تَطَوُّعًا وَلَا عَنْ نَذْرٍ سَوَاءٌ عَيَّنَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا بِالنَّذْرِ، أَوْ وَقَعَا مَعًا أَوْ أَحَدُهمَا اتِّفَاقًا، فَلَوْ نَذَرَ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَوْ أَقْدَمَ فَصَامَ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ نَذْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي تَعْيِينِ الْيَوْمِ الَّذِي نَذَرَهُ الرَّجُلُ، وَهَلْ وَافَقَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ أَوِ النَّحْرِ، وَإنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ مَعَ بَيَانِ الْكَثِيرِ مِنْ طُرُقِهِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي ثِقَاتِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ كَرِيمَةَ بِنْتِ سِيرِينَ أَنَّهَا سَأَلَتِ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَتْ: جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَصُومَ كُلَّ أَرْبِعَاءَ وَالْيَوْمَ يَوْمُ أَرْبِعَاءَ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَقَالَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، فَلَوْلَا تَوَارُدُ الرُّوَاةِ بِأَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ لَفَسَّرْتُ الْمُبْهَمَ بِكَرِيمَةَ، وَلَا سِيَّمَا فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: سُئِلَ - بِضَمِّ أَوَّلِهِ - يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ السَّائِلُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ، أَنَّهَا امْرَأَةٌ فَيُفَسَّرُ بِهَا الْمُبْهَمُ فِي رِوَايَةِ حَكِيمٍ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ حَيْثُ قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ وَجَدْتُ الْخَبَرَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لِيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ، وَلَفْظُهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفُضَيْلٌ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ بِالتَّصْغِيرِ، وَحَكِيمٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَأَبُو حُرَّةَ أَبُوهُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُتَابِعًا لِرِوَايَةِ زِيَادَةِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى إِشْعَارٌ بِرُجْحَانِ الْمَنْعِ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ لَفْظَهُ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَلَا يَرَى صِيَامَهُمَا، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ، قَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقَالَ: يَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ: وَلَا نَرَى بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَقُولِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْغَائِبِ، وَفَاعِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَائِلُهُ حَكِيمٌ، قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَلَا يَوْمَ الْفِطْرِ. وَلَا يَأْمُرُ بِصِيَامِهِمَا وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ - بِنَاءً عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَجَزَمَ بِالْمَنْعِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَتَرَدَّدُ. اهـ،

стр. 6964

وَلَيْسَ فِيمَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ أَوَّلًا وَآخِرًا مَا يُصَرِّحُ بِالْمَنْعِ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي بَابُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَوْلُهُ: يُونُسُ، هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ. قَوْلُهُ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ، زَادَ ابْنُ الْمِنْهَالِ فِي رِوَايَتِهِ: فَخُيِّلَ إِلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ ثَانِيَةً. ٣٣ - بَاب هَلْ يَدْخُلُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الْأَرْضُ وَالْغَنَمُ وَالزُّرُعُ وَالْأَمْتِعَةُ؟ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، لِحَائِطٍ لَهُ مُسْتَقْبِلَةِ الْمَسْجِدِ. ٦٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِي الْقُرَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادِي الْقُرَى بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ. قَوْلُهُ: بَابُ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الْأَرْضُ وَالْغَنَمُ وَالزَّرْعُ وَالْأَمْتِعَةُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: الْمَالُ فِي لُغَةِ دَوْسٍ قَبِيلَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ الْعَيْنِ كَالْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ، وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ الْمَالُ هُوَ الْعَيْنُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ كُلَّ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُمْلَكُ فَهُوَ مَالٌ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى رُجْحَانِ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ كَقَوْلِ عُمَرَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ. وَقَوْلِ أَبِي طَلْحَةَ: أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ. وَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْعَرَبُ لَا تُوقِعُ اسْمَ الْمَالِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ لِشَرَفِهَا عِنْدَهُمْ فَلَا يَدْفَعُ إِطْلَاقَهُمُ الْمَالَ عَلَى غَيْرِ الْإِبِلِ، فَقَدْ أَطْلَقُوهُ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ الْإِبِلِ مِنَ الْمَوَاشِي، وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ: فَسَلَكَ فِي الْأَمْوَالِ، يَعْنِي الْحَوَائِطَ، وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْأَرِقَّاءُ، وَقِيلَ: الْحَيَوَانُ كُلُّهُ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: مَا جَاءَكَ مِنَ الرِّزْقِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ فَخُذْهُ وَتَمَوَّلْهُ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأِ، وَحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ: الْمَالُ كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَمَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَالٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَالُ فِي الْأَصْلِ الْعَيْنُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَا يُتَمَلَّكُ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ عَلَى مَذَاهِبَ تَقَدَّمَ نَقْلُهَا فِي بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ وَمَنْ قَالَ كَأَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَقَعُ نَذْرُهُ إِلَّا عَلَى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ قَالَ كَمَالِكٍ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ، قَالَ ابْنُ

стр. 6965

بَطَّالٍ: وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: هَلْ يَدْخُلُ، أَيْ: هَلْ يَصِحُّ الْيَمِينُ أَوِ النَّذْرُ عَلَى الْأَعْيَانِ، مِثْلُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ هَذِهِ الشَّمْلَةَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْأَرْضُ لِلَّهِ وَنَحْوِهُ. قُلْتُ: وَالَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَوْلَى، فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ اخْتُصَّ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الزَّكَاةُ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ: يَتَصَدَّقُ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَوَاشِي لَا فِيمَا مَلَكَهُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِينَ وَالدُّورِ وَمَتَاعِ الْبَيْتِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَمِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ، ثُمَّ نَقَلَ بَقِيَّةَ الْمَذَاهِبِ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْتُهُ فِي بَابُ مَنْ أَهْدَى مَالَهُ فَعَلَى هَذَا فَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الْمَالَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ إِنَّمَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَى أَوْ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى عُرْفِهِ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ أَعْرَابِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِ عُمَرَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا أَيْضًا هُنَاكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَبْوَابِ الْوَقْفِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالْمَتَاعَ وَالثِّيَابَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقَعْنَبِيِّ وَالْمَتَاعُ بِالْعَطْفِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي تَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلَى لُغَةِ دَوْسٍ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَمْوَالَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْقَطِعًا فَتَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ نَغْنَمْ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَوا غَنِمُوا الْعَيْنَ، وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ غَنِمُوا الْمَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَالَ عِنْدَهُ غَيْرُ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقَوْلُهُ: الضُّبَيْبُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُكَرَّرَةٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وَمِدْعَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: سَهْمٌ عَائِرٌ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، وَالشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ كَافٌ مِنْ سُيُورِ النَّعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِإِعَانَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨٤ - كِتَاب كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ ١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ: أَوْ أَوْ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ. ٦٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْنُ فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟

стр. 6966

قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ. قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، كِتَابُ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: بَابُ، وَلَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: كِتَابُ الْكَفَّارَاتِ، وَسُمِّيَتْ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الذَّنْبَ، أَيْ: تَسْتُرُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلزَّارِعِ كَافِرٌ ; لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْبَذْرَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْكَفَّارَةُ مَا يُعْطِي الْحَانِثُ فِي الْيَمِينِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، وَهُوَ مِنَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ سَتْرُ الْفِعْلِ وَتَغْطِيَتُهُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُعْمَلْ، قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ إِزَالَةَ الْكُفْرِ نَحْوَ التَّمْرِيضِ فِي إِزَالَةِ الْمَرَضِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أَيْ: أَزَلْنَاهَا، وَأَصْلُ الْكُفْرِ السَّتْرُ، يُقَالُ: كَفَرَتِ الشَّمْسُ النُّجُومَ: سَتَرَتْهَا، وَيُسَمَّى السَّحَابُ الَّذِي يَسْتُرُ الشَّمْسَ كَافِرًا، وَيُسَمَّى اللَّيْلُ كَافِرًا ; لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ عَنِ الْعُيُونِ، وَتَكَفَّرَ الرَّجُلُ بِالسِّلَاحِ إِذَا تَسَتَّرَ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يُرِيدُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: بِتَعَيُّنِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَوْ أَعْطَى مَا يَجِبُ لِلْعَشَرَةِ وَاحِدًا كَفَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلِمَنْ قَالَ كَذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْعَشَرَةَ. قَوْلُهُ: (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمَوْصُولِ فِي الْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ) يَعْنِي كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ، وَمَا كَانَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فَهُوَ عَلَى الْوَلَاءِ، أَيْ: عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا أَثَرُ عَطَاءٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُ شَاءَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ نَحْوَهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ الْأَصْلِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا. وَأَمَّا أَثَرُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلْيَتَخَيَّرْ، أَيَّ: الْكَفَّارَاتِ شَاءَ، فَإِذَا كَانَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فَالْأَوَّلَ الْأَوَّلَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْإِطْعَامِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ بِمُدِّ الشَّارِعِ ﷺ وَفَرَّقَ مَالِكٌ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَاعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ ; لِأَنَّهُ وَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْصَارِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا هُوَ وَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِطْعَامُ نِصْفِ صَاعٍ، وَالْحُجَّةُ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ فِي كَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ فِي رَمَضَانَ بِإِطْعَامِ مُدٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ كَعْبٍ هُنَا مِنْ أَجْلِ آيَةِ التَّخْيِيرِ فَإِنَّهَا وَرَدَتْ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَمَا وَرَدَتْ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ وَافَقَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَوْرَدَ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّنْصِيصُ فِي خَبَرِ كَعْبٍ عَلَى نِصْفِ صَاعٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي قَدْرِ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ فَحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. قُلْتُ:

стр. 6967

وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُوَاقِعِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَرَدَ النَّصُّ فِيهَا بِالتَّرْتِيبِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْأَذَى فَإِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهَا بِالتَّخْيِيرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي قَدْرِ الصِّيَامِ بِخِلَافِ الظِّهَارِ، فَكَانَ حَمْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَيْهَا لِمُوَافَقَتِهَا لَهَا فِي التَّخْيِيرِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى كَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَفَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ; لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَجَازَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ تُبَعَّضَ الْخَصْلَةُ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا كَمَنْ أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَاهُمْ أَوْ كَسَا خَمْسَةً غَيْرَهُمْ أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ. وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَقَدِ احْتَجَّ مِنْ أَلْحَقَهَا بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِأَنَّ شَرْطَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ مُقَيَّدٌ آخَرُ، فَلَمَّا عَارَضَهُ هُنَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ أُخِذَ بِالْأَقَلِّ، وَأَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ بِأَنَّهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وُصِفَ بِالْأَوْسَطِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ وَأَوْسَطُ مَا يُشْبِعُ الشَّخْصَ رِطْلَانِ مِنَ الْخُبْزِ، وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ مِنَ الْحَبِّ فَإِذَا خُبِزَ كَانَ قَدْرَ رِطْلَيْنِ وَأَيْضًا فَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَإِنْ وَافَقَتْ كَفَّارَةَ الْأَذَى فِي التَّخْيِيرِ لَكِنَّهَا زَادَتْ عَلَيْهَا بِأَنَّ فِيهَا تَرْتِيبًا ; لِأَنَّ التَّخْيِيرَ وَقَعَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّرْتِيبَ وَقَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَفَّارَةُ الْأَذَى وَقَعَ التَّخْيِيرُ فِيهَا بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ وَالذَّبْحِ حَسْبُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَيْسَ فِي الْكَفَّارَاتِ مَا فِيهِ تَخْيِيرٌ وَتَرْتِيبٌ إِلَّا كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا. قَوْلُهُ (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَأَبُو شِهَابٍ هُوَ الْأَصْغَرُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ، وَابْنُ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (أَتَيْتُهُ، يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: نَزَلَتْ فِيَّ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: فَرَآنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: ادْنُ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَوْنٍ) هُوَ مَقُولُ أَبِي شِهَابٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْأَوَّلِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَزْهَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَسَّرَهُ لِي مُجَاهِدٌ فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَسَأَلْتُ أَيُّوبَ، فَقَالَ: الصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَالنُّسُكُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ، وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَفِي الطِّبِّ وَالْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَسِيَاقُهَا أَتَمُّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحَجِّ. ٢ - بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ مَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ؟ ٦٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ

стр. 6968

الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ، قَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. قَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وَسَاقُوا الْآيَةَ، وَبَعْدَهَا: مَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ؟ وَسَقَطَ لِبَعْضِهِمْ ذِكْرُ الْآيَةِ ; وَأَشَارَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى تَصْوِيبِهِ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أَيْ: تَحْلِيلُهَا بِالْكَفَّارَةِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ لَا يَجِدُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَقْصُودُهُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالْحِنْثِ كَمَا أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُوَاقِعِ إِنَّمَا تَجِبُ بِاقْتِحَامِ الذَّنْبِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ فَقْرَهُ وَأَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَى الْفَقِيرَ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، قَالَ: وَلَيْتَهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَى احْتِجَاجِ الْكُوفِيِّينَ بِالْفِدْيَةِ نَبَّهَ هُنَا عَلَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ إِلْحَاقهَا بِكَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ، وَأَنَّهُ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. ٣ - بَاب مَنْ أَعَانَ الْمُعْسِرَ فِي الْكَفَّارَةِ ٦٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: تَجِدُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. قَالَ: أَعَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَعَانَ الْمُعْسِرَ فِي الْكَفَّارَةِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ قَبْلُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ، فَكَمَا جَازَ إِعَانَةُ الْمُعْسِرِ بِالْكَفَّارَةِ عَنْ وِقَاعِهِ فِي رَمَضَانَ، كَذَلِكَ تَجُوزُ إِعَانَةُ الْمُعْسِرِ بِالْكَفَّارَةِ عَنْ يَمِينِهِ إِذَا حَنِثَ فِيهِ ٤ - بَاب يُعْطِي فِي الْكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ٦٧١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ
следующие страницы →