← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7069–7108 · переход к 7074.

стр. 7069

بِهِ حَقِيقَةُ اللَّعْنِ بَلِ التَّنْفِيرُ فَقَطْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هُنَا الْمُرَادَ بِاللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ فِي أَحْقَرِ شَيْءٍ خَذَلَهُ اللَّهُ حَتَّى قُطِعَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: جَوَّزَ بَعْضُهُمْ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ مَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ اللَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْلَى، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ لَعْنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي كَانَ تَحْذِيرًا لَهُمْ عَنْهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَإِذَا فَعَلُوهَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَغْلَظَ لَهُ وَلَعَنَهُ تَأْدِيبًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ شَرْطِهِ حَيْثُ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَ لَعْنِي لَهُ كَفَّارَةً وَرَحْمَةً. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا صَدَرَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ كَمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِي الْحُنَيْنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ تَوْبَةِ السَّارِقِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَدْ سَلِمَ مِنْ تَدْلِيسِ الْأَعْمَشِ قُلْتُ: وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الْأَعْمَشُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنْ سَرَقَ بَيْضَةً قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ سَرَقَ حَبْلًا قُطِعَتْ يَدُهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ الْأَعْمَشُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (كَانُوا يَرَوْنَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الرَّأْيِ وَبِضَمِّهِ مِنَ الظَّنِّ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَيْضَةُ الْحَدِيدِ. قَوْلُهُ: (وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ) وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ يَسْوَى، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لَكِنْ بِقِلَّةٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ مِنَ اللَّوْمِ وَالتَّثْرِيبِ: أَخْزَى اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي مَالٍ لَهُ قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَفِي عَرَضٍ لَهُ قِيمَةٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ، هَذَا حُكْمُ الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلُهُ ذَمُّ السَّرِقَةِ وَتَهْجِينُ أَمْرِهَا وَتَحْذِيرُ سُوءِ مَغَبَّتِهَا فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنَ الْمَالِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ سَرِقَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ وَالْحَبْلِ الْخَلَقِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا تَعَاطَاهُ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَيْأَسْ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَةِ مَا فَوْقَهَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْفِعْلَ وَلْيَتَوَقَّهُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ وَيَمْرُنَ عَلَيْهَا لِيَسْلَمَ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ وَوَخِيمِ عَاقِبَتِهِ. قُلْتُ: وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ ﵊ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ: إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ، فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ، وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا: قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ; وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى. وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِيهِ: حَضَرْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ بِمَكَّةَ قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَيُعْجَبُ بِهِ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ، قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ

стр. 7070

أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ الَّذِي طَعَنَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَبَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَيْسَتْ عَلَمًا فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ وَنِهَايَةً فِي غُلُوِّ الْقِيمَةِ فَتَجْرِي مَجْرَى الْعِقْدِ مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْجِرَابِ مِنَ الْمِسْكِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا يُسَاوِيَانِ الْأُلُوفَ مِنَ الدَّنَانِيرِ، بَلِ الْبَيْضَةُ مِنَ الْحَدِيدِ رُبَّمَا اشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّارِقَ يُعَرِّضُ قَطْعَ يَدِهِ بِمَا لَا غِنَى لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَا يَسْتَغْنِي بِهَا أَحَدٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ أَنَّ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْجَلِيلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَقِيرَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، فَكَأَنَّهُ تَعْجِيزٌ لَهُ وَتَضْعِيفٌ لِاخْتِيَارِهِ لِكَوْنِهِ بَاعَ يَدَهُ بِقَلِيلِ الثَّمَنِ وَكَثِيرِهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ الْبَيْضَةَ فِي الْحَدِيثِ ببَيْضَةَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي نِصَابَ الْقَطْعِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَحِقَرِ مَا حَصَلَ، وَأَرَادَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَنَظِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه - وَسَلَّمَ -: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، فَإِنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيهِ بَيْضَهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا، قَالَ: وَمِنْهُ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ وَهُوَ مِمَّا لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْبَيْضَةَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلَ حَبْلُ السُّفُنِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي ذَمَّ مَنْ أَخَذَ الْقَلِيلَ لَا الْكَثِيرَ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَعْظِيمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَقِلُّ بِهِ قِيمَتُهُ لَا بِأَكْثَرَ، وَالصَّوَابُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيلِ أَمْرِهِ وَتَهْجِينِ فِعْلِهِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِي هَذَا الْقَدْرِ جَرَّتْهُ عَادَتُهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ. وَأَجَابَ بَعْضُ مَنِ انْتَصَرَ لِتَأْوِيلِ الْأَعْمَشِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُجْمَلَةً قَبْلَ بَيَانِ نِصَابِ الْقَطْعِ انْتَهَى. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةِ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِينَارٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَعْمَشُ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَيْضَةُ فِي اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَفِي الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ، فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فَرْدًا فِي الْعَظَمَةِ وَكَذَا فِي الِاحْتِقَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَخَاهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي مَرْثِيَّتِهَا لَهُ: لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ … مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الْآخَرِ يَهْجُو قَوْمًا: تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِيَ لَكُمْ نَسَبًا … وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ وَيُقَالُ فِي الْمَدْحِ أَيْضًا: بَيْضَةُ الْقَوْمِ، أَيْ: وَسَطُهُمْ، وَبَيْضَةُ السَّنَامِ أَيْ: شَحْمَتُهُ، فَلَّمَا كَانَتِ الْبَيْضَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ حَسُنَ التَّمْثِيلُ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: يَسْرِقُ الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ، فَيُقْطَعُ، فَرُبَّ أَنَّهُ عُذِرَ بِالْجَلِيلِ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْحَقِيرِ. وَأَمَّا الْحَبْلُ فَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِمْ: مَا تَرَكَ فُلَانٌ عِقَالًا وَلَا ذَهَبَ مِنْ فُلَانٍ عِقَالٌ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا اعْتَادَ السَّرِقَةَ، لَمْ يَتَمَالَكْ مَعَ غَلَبَةِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَأَيْضًا فَالْعَارُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْقَطْعِ لَا يُسَاوِي مَا حَصَلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ جَلِيلًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِقَوْلِهِ: صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمَعَرِّيِّ: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ

стр. 7071

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٨ - بَاب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ ٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ. قَوْلُهُ: (بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ). قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِرْيَابِيُّ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَانُ. قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَفِيهِ: وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَفَعَهُ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ نَحْوُ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِيهِ: فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ. وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلَهُ: الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا، وَأَجَابَ بِأَنَّ سَنَدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَصَحُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّانِيَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ ثُمَّ أُعْلِمَ فَقَالَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَدْ أُجِيبَ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ عَنْ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ التَّرَدُّدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ مِمَّنْ بَايَعَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَبَيْعَةُ الْعَقَبَةِ كَانَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسِتِّ سِنِينَ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْبَيْعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْآيَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: وَقَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إِلَى آخِرهَا، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، وَقَرَّرْتُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بَيِّنًا. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْكَالُ مِنْ قَوْلِهِ هُنَاكَ: إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ كَانَتْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَلْمَكْرَهِ إِلَخْ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا كَمَا أَوْضَحْتُهُ هُنَاكَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ الْمُشْرِكُ، أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا عُوقِبَ عَلَى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ بَلْ زِيَادَةً فِي نَكَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، قَالَ: وَأَمَّا الْقَتْلُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيِّ الْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ بَلْ يَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ فَيُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. قُلْتُ: وَالَّذِي قَالَهُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ، وَقَدْ نَقَلْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ

стр. 7072

تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قَوْلَ مَنْ قَالَ: يَبْقَى لِلْمَقْتُولِ حَقُّ التَّشَفِّي، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هُنَا. قَالَ: وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَتَتَوَقَّفُ بَرَاءَةُ السَّارِقِ فِيهَا عَلَى رَدِّ الْمَسْرُوقِ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَأَمَّا الزِّنَا فَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ، وَهِيَ غَفْلَةٌ؛ لِأَنَّ لِآلِ الْمزَنِيِّ بِهَا فِي ذَلِكَ حَقًّا لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ دُخُولِ الْعَارِ عَلَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَغَيْرِهِمَا. وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَصُّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. ٩ - بَاب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى، إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ حَقٍّ ٦٧٨٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ - إِلَّا بِحَقِّهَا - كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ (ثَلَاثًا)؟ كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلَا نَعَمْ، قَالَ: وَيْحَكُمْ - أَوْ وَيْلَكُمْ - لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: (بَابٌ ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى) أَيْ مَحْمِيٌّ مَعْصُومٌ مِنَ الْإِيذَاءِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ فِي حَقٍّ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَلَا يُذَلُّ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ تَأْدِيبًا، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ حِمًى إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَفِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطْمِيِّ بِلَفْظِ: ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلَّا بِحَقِّهِ وَفِي سَنَدِهِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَنْ جَرَّدَ ظَهْرَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ وَفِي سَنَدِهِ أَيْضًا مَقَالٌ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنِي، قَالَ الْحَاكِمُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ. قُلْتُ: وَعَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ فَيَكُونُ نُسِبَ لِجَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، وَقَدْ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ - بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْجِيمِ - وَعَنْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي آخِرِ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ سَقَطَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَاعْتَمَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَاصِمٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيُّ، وَشَيْخُهُ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَشَيْخُهُ وَاقِدٌ هُوَ أَخُوهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ جَدُّ الرَّاوِي عَنْهُ. قَوْلُهُ: (أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ؟) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ حَرْفُ افْتِتَاحٍ لِلتَّنْبِيهِ لِمَا يُقَالُ، وَقَدْ كُرِّرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: يَوْمُنَا هَذَا، يُعَارِضُهُ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ الْمَنَاسِكُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ يَوْمُ النَّحْرِ بِمَزِيدِ الْحُرْمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ الْمَزِيَّةِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ،

стр. 7073

وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَبْسُوطًا فِي بَابِ الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَمَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمْ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٠ - بَاب إِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالِانْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ ٦٧٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالِانْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ، وَقَوْلُهُ هُنَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا التَّخْيِيرُ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخَيِّرُ رَسُولَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا إِثْمٌ إِلَّا إِنْ كَانَ فِي الدِّينِ، وَأَحَدُهُمَا يُؤَوَّلُ إِلَى الْإِثْمِ كَالْغُلُوِّ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ، كَمَا لَوْ أَوْجَبَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا شَاقًّا مِنَ الْعِبَادَةِ فَعَجَزَ عَنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنِ التَّرَهُّبِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ التَّخْيِيرُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا أَمْرُ الْآخِرَةِ فَكُلَّمَا صَعُبَ كَانَ أَعْظَمَ ثَوَابًا، كَذَا قَالَ، وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ أَوْلَى، وَأَوْلَى مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ أُمُورِهَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْإِثْمِ كَثِيرًا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ فَاعِلَ التَّخْيِيرِ الْآدَمِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا صَدَرَ مِنَ الْكَافِرِ. ١١ - بَاب إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ ٦٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُسَامَةَ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي امْرَأَةٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَضِيعِ وَيَتْرُكُونَ على الشَّرِيفَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ فَاطِمَةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ) هُوَ مِنَ الْوَضْعِ وَهُوَ النَّقْصُ، وَوَقَعَ هُنَا بِلَفْظِ الْوَضِيعِ وَفِي الطَّرِيقِ الَّتِي تَلِيهِ بِلَفْظِ الضَّعِيفِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الْوَضِيعِ أَيْضًا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّرِيفُ يُقَابِلُ الِاثْنَيْنِ لِمَا يَسْتَلْزِمُ الشَّرَفُ مِنَ الرِّفْعَةِ وَالْقُوَّةِ، وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ لِسُفْيَانَ بِلَفْظِ الدُّونِ الضَّعِيفِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ اللَّيْثِ عِنْدَ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ رِوَايَةَ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ السِّيَاقَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ اللَّيْثِ بِلَا وَاسِطَةٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَعِنْدَهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي بِوَاسِطَةٍ، وَسَأُوَضِّحُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُرْوَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ مَضَى سِيَاقُهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (أنَّ أُسَامَةَ) هُوَ

стр. 7074

ابْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. قَوْلُهُ: (كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي امْرَأَةٍ) هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ اللَّيْثِ مُطَوَّلًا كَمَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَيَتْرُكُونَ عَلَى الشَّرِيفِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَيَتْرُكُونَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الشَّرِيفِ فَلَا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ. قَوْلُهُ: (لَوْ فَاطِمَةُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: التَّقْدِيرُ لَوْ فَعَلَتْ فَاطِمَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَوْ يَلِيهَا الْفِعْلُ دُونَ الِاسْمِ. قُلْتُ: الْأَوْلَى التَّقْدِيرُ بِمَا جَاءَ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي سَائِرِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَوْ هُنَا شَرْطِيَّةٌ وَحَذْفُ أَنَّ وَرَدَ مَعَهَا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَوْ أَهْلَ عُمَانَ أَتَاهُمْ رَسُولِي، فَالتَّقْدِيرُ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ شُيُوخِنَا عَلَى ابْنِ التِّينِ إِيرَادَهُ هُنَا بِحَذْفِ أَنَّ، وَلَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ وَهُوَ يُسَاعِدُ تَقْدِيرَ ابْنِ التِّينِ. ١٢ - بَاب كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ ٦٧٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كان قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ) كَذَا قَيَّدَ مَا أَطْلَقَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْقَيْدُ صَرِيحًا فِيهِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا، وَهُوَ فِي مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ وَفِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُسَامَةَ لَمَّا شَفَعَ فِيهَا: لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ؛ فَإِنَّ الْحُدُودَ إِذَا انْتَهَتْ إِلَيَّ فَلَيْسَ لَهَا مَتْرَكٌ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ، تَرْجَمَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ: الْعَفْوُ عَنِ الْحَدِّ مَا لَمْ يَبْلُغِ السُّلْطَانَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَسَنَدُهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَصَحَّ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَلِلْمَرْفُوعِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَقَالَ: فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُحَيَّاةِ، عَنْ أَبِي مَطَرٍ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أُتِيَ بِسَارِقٍ فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا عَفَوْتَ؟ قَالَ: ذَلِكَ سُلْطَانُ سُوءٍ الَّذِي يَعْفُو عَنِ الْحُدُودِ بَيْنَكُمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا فَشَفَعَ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْإِمَامَ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ، وَأَخْرَجَ الْمُوَطَّأُ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ مَعَ وَقْفِهِ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الزُّبَيْرِ

стр. 7075

مَوْقُوفًا وَبِسَنَدٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ كَذَلِكَ، وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعَمَّارًا، وَالزُّبَيْرَ أَخَذُوا سَارِقًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: بِئْسَمَا صَنَعْتُمْ حِينَ خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ؛ أَمَا لَوْ كُنْتَ أَنْتَ لَسَرَّكَ أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُكَ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْوَالِي فَإِذَا وَصَلَ الْوَالِيَ فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَالْمَوْقُوفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمِ فِي قِصَّةِ الَّذِي سُرِقَ رِدَاؤُهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ لَا يَقْطَعَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ. وَحَدَّيثَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَرَقَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِهِ، فَرَأَوْا مِنْهُ أَسَفًا عَلَيْهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ كَرِهْتَ قَطْعَهُ، فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي؟ لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ، إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا أُنْهِيَ إِلَيْهِ حَدٌّ أَنْ يُقِيمَهُ، وَاللَّهُ عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأُخْرِجَ مَوْقُوفًا، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ إِلَّا فِي الْحُدُودِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ فِيمَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نَدْبِ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغِ الْإِمَامَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) كَذَا قَالَ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَشَذَّ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَاصِرُ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ - فَقَالَ: ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ سَوَاءً، أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ، يَعْنِي مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: الصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ. قَوْلُهُ: (أنَّ قُرَيْشًا) أَيِ الْقَبِيلَةَ الْمَشْهُورَةَ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِقُرَيْشٍ الَّذِي انْتَسَبُوا إِلَيْهِ فِي الْمَنَاقِبِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرَ أَنَّهُ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا مَنْ أَدْرَكَ الْقِصَّةَ الَّتِي تُذْكَرُ بِمَكَّةَ. قَوْلُهُ: (أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ) أَيْ أَجَلَبَتْ إِلَيْهِمْ هَمًّا، أَوْ صَيَّرَتْهُمْ ذَوِي هَمٍّ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهَا، يُقَالُ: أَهَمَّنِي الْأَمْرُ أَيْ أَقْلَقَنِي، وَمَضَى فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا السَّنَدِ: أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ، أَيْ: أَمْرُهَا الْمُتَعَلِّقُ بِالسَّرِقَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا: لَمَّا سَرَقَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَسْعُودٌ الْمَذْكُورُ مِنْ بَطْنٍ آخَرَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَهْطِ عُمَرَ. وَسَبَبُ إِعْظَامِهِمْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُرَخِّصُ فِي الْحُدُودِ، وَكَانَ قَطْعُ السَّارِقِ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَطْعِ السَّارِقِ، فَاسْتَمَرَّ الْحَالُ فِيهِ، وَقَدْ عَقَدَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ بَابًا لِمَنْ قُطِعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ فَذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِينَ سَرَقُوا غَزَالَ الْكَعْبَةِ فَقُطِعُوا فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ مَنْ قُطِعَ فِي السَّرِقَةِ عَوْفَ بْنَ عَبْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَمِقْيَسَ بْنَ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ وَغَيْرَهُمَا، وَأَنَّ عَوْفًا السَّابِقُ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (الْمَخْزُومِيَّةُ) نِسْبَةٌ إِلَى مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْقَافِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ مُشَالَةٌ ابْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، وَمَخْزُومٌ أَخُو كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ النَّسَائِيِّ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَاسْمُ الْمَرْأَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الَّذِي كَانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، قُتِلَ أَبُوهَا كَافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً. وَقِيلَ: هِيَ أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ الْمَذْكُورَةِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ تَيْمٍ أَنَّهَا أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَهَذَا مُعْضِلٌ، وَوَقَعَ مَعَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُ قَالَهُ عَنْ ظَنٍّ

стр. 7076

وَحُسْبَانٍ وَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ؛ لِأَنَّ قِصَّتَهَا مُغَايِرَةٌ لِلْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ هِيَ الَّتِي قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهَا؛ لِأَنَّهَا سَرَقَتْ حُلِيًّا، فَكَلَّمَتْ قُرَيْشٌ أُسَامَةَ فَشَفَعَ فِيهَا وَهُوَ غُلَامٌ، الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَقَدْ سَاقَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَتِهَا فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ رَفَعَهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ سَرَقَتْ حُلِيًّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَشْفَعُوا الْحَدِيثَ. وَأَوْرَدَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي أَسَدٍ بِنْتُ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ، فَأَشْفَقَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَقْطَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ الْحَدِيثَ. وَالطَّرِيقُ الْأُولَى أَقْوَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ بِنْتُ الْأَسْوَدِ وَبِنْتُ أَبِي الْأَسْوَدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كُنْيَةُ الْأَسْوَدِ، أَبَا الْأَسْوَدِ، وَأَمَّا قِصَّةُ أُمِّ عَمْرٍو فَذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا وَابْنُ الْكَلْبِيِّ فِي الْمَثَالِبِ، وَتَبِعَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، فَذَكَرُوا أَنَّهَا خَرَجَتْ لَيْلًا فَوَقَعَتْ بِرَكْبٍ نُزُولٍ، فَأَخَذَتْ عَيْبَةً لَهُمْ، فَأَخَذَهَا الْقَوْمُ فَأَوْثَقُوهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَعَاذَتْ بِحَقْوَيْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ شِعْرًا قَالَهُ خُنَيْسُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ أَنَّ قِصَّةَ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْأَسْوَدِ كَانَتْ عَامَ الْفَتْحِ، فَظَهَرَ تَغَايُرُ الْقِصَّتَيْنِ وَأَنَّ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَيَظْهَرُ فِي ذَلِكَ خَطَأُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ عَمْرٍو كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَمَنْ رَدَّدَهَا بَيْنَ فَاطِمَةَ وَأُمِّ عَمْرٍو كَابْنِ طَاهِرٍ، وَابْنِ بَشْكُوَالَ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ تَقَلَّدَ ابْنُ حَزْمٍ مَا قَالَهُ بِشْرُ بْنُ تَيْمٍ، لَكِنَّهُ جَعَلَ قِصَّةَ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ سُفْيَانَ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ وَقِصَّةَ فَاطِمَةَ فِي السَّرِقَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ فِي قِصَّةِ أُمِّ عَمْرٍو بِأَنَّهَا سَرَقَتْ. قَوْلُهُ: (الَّتِي سَرَقَتْ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَوَقَعَ بَيَانُ الْمَسْرُوقِ فِي حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْعَجْمَاءِ. فَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهَا قَالَ: لَمَّا سَرَقَتِ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ، فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُكَلِّمُهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ، وَكَذَا عَلَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ: رَوَى مَسْعُودُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ هُنَا: وَفِي الْبَابِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْعَجْمَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السَّرِقَة مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ فَقَالَ: عَنْ خَالَتِهِ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْعَجْمَاءِ عَنْ أَبِيهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ سَمِعَهُ مِنْ أُمِّهِ وَمِنْ خَالَتِهِ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنَّهَا سَرَقَتْ حُلِيًّا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْحُلِيَّ كَانَ فِي الْقَطِيفَةِ فَالَّذِي ذَكَرَ الْقَطِيفَةَ أَرَادَ بِمَا فِيهَا، وَالَّذِي ذَكَرَ الْحُلِيَّ ذَكَرَ الْمَظْرُوفَ دُونَ الظَّرْفِ. ثُمَّ رُجِّحَ عِنْدِي أَنَّ ذِكْرَ الْحُلِيِّ فِي قِصَّةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَهْمٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ الْحَسَنَ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ ثِيَابِ الْكَعْبَةِ الْحَدِيثَ، وَسَنَدُهُ إِلَى الْحَسَنِ صَحِيحٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ أَقْوَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: اسْتَعَارَتِ امْرَأَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ نَاسٍ يُعْرَفُونَ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ حُلِيًّا فَبَاعَتْهُ وَأَخَذَتْ ثَمَنَهُ الْحَدِيثَ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ

стр. 7077

فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ امْرَأَةً فَقَالَتْ: إِنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُكِ حُلِيًّا فَأَعَارَتْهَا إِيَّاهُ، فَمَكَثَتْ لَا تَرَاهُ، فَجَاءَتْ إِلَى الَّتِي اسْتَعَارَتْ لَهَا فَسَأَلَتْهَا فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُكِ شَيْئًا، فَرَجَعَتْ إِلَى الْأُخْرَى فَأَنْكَرَتْ فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْتُ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى بَيْتِهَا تَجِدُوهُ تَحْتَ فِرَاشِهَا. فَأَتَوْهُ فَأَخَذُوهُ، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ الْحَدِيثَ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَرَقَتِ الْقَطِيفَةَ وَجَحَدَتِ الْحُلِيَّ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا فِي جَحْدِ الْحُلِيِّ فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ سَرَقَتْ مَجَازًا. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: اخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ: فَقَالَ اللَّيْثُ، وَيُونُسُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ: سَرَقَتْ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، وَشُعَيْبٌ: إِنَّهَا اسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ، قَالَ: وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ سَنَدًا وَمَتْنًا؛ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ - عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ فَصَاحَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَلَمْ يَحْفَظْهُ عَنْ أَحَدٍ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهَا سَرَقَتْ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنَّهَا سَرَقَتْ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ، وَعَنْ رِزْقِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ كَذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ، فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. وَمِثْلُهُ لِأَبِي يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَأ خْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ فِي آخِرِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ: كَانَتْ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قِيلَ: لِسُفْيَانَ مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى فَذَكَرَهُ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَقَالَ فِيهِ: سَرَقَتْ. قَالَ شَيْخُنَا: وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، إِنَّمَا وَجَدَهُ فِي كِتَابِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: لَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ مُعْمِرًا تَفَرَّدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِقَوْلِهِ: اسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ تَابَعَهُ شُعَيْبٌ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَيُونُسَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْهُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، لِلَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ شَبِيبَ بْنَ سَعِيدٍ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَيْمَنَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ، وَأَخْرَجَ أَصْلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ. وَالَّذِي اتَّضَحَ لِي أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مَحْفُوظَانِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ تَارَةً بِهَذَا وَتَارَةً بِهَذَا، فَحَدَّثَ يُونُسُ عَنْهُ بِالْحَدِيثَيْنِ، وَاقْتَصَرَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ غَيْرِ يُونُسَ عَلَى أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: اسْتَعَارَتْ حُلِيًّا. وَقَدِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ أَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ، وَانْتَصَرَ لَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى سَرَقَتْ أَرْجَحُ، وَبِالْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِجَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ، قَالَ: وَالشَّاذَّةُ لَا يُعْمَلُ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْحَاشِيَةِ وَتَبِعَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: قِيلَ: إِنَّ مَعْمَرًا انْفَرَدَ بِهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رِوَايَةُ أَنَّهَا سَرَقَتْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ رِوَايَةِ الْجَحْدِ؛ فَقَدِ انْفَرَدَ بِهَا مَعْمَرٌ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، وَتَابَعَهُ عَلَى

стр. 7078

ذَلِكَ مَنْ لَا يُقْتَدَى بِحِفْظِهِ كَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَنَمَطِهِ. هَذَا قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ. قُلْتُ: سَبَقَهُ لِبَعْضِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى رِوَايَتِهِ شُعَيْبٌ، وَيُونُسُ بِمُوَافَقَةِ مَعْمَرٍ؛ إِذْ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لَمْ يَجْزِمْ بِتَفَرُّدِ مَعْمَرٍ، وَأَنَّ مَنْ وَافَقَهُ كَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَنَمَطِهِ، وَلَا زَادَ الْقُرْطُبِيُّ نِسْبَةَ ذَلِكَ لِلْمُحَدِّثِينَ؛ إِذْ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ قَرَنَ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ، وَيُونُسَ بْنَ يَزِيدَ، وَأَيُّوبَ بْنَ مُوسَى، بِابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا، وَيُونُسَ أَرْفَعُ دَرَجَةً فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ عَنِ الزُّهْرِيِّ تَرْجِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَنْهُ إِلَّا لِكَوْنِ رِوَايَةِ سَرَقَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا وَرِوَايَةِ جَحَدَتْ انْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ تَقْدِيمَ الْجَمْعِ إِذَا أَمْكَنَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ عَكْسُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ فَقَالَ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَعْمَرٍ وَلَا عَلَى شُعَيْبٍ وَهُمَا فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ فِي الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ وَافَقَهُمَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا اللَّيْثُ، وَيُونُسُ وَإِنْ كَانَا فِي الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمَا فِيهِ، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ فَدُونَ مَعْمَرٍ، وَشُعَيْبٍ فِي الْحِفْظِ. قُلْتُ: وَكَذَا اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَادَلُ الطَّرِيقَانِ وَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِطْرَاحِ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ: هُمَا قِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ لِامْرَأَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُمُ اسْتَشْفَعُوا بِأُسَامَةَ وَأَنَّهُ شَفَعَ وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَيَبْعُدُ أَنَّ أُسَامَةَ يَسْمَعُ النَّهْيَ الْمُؤَكَّدَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى وَلَا سِيَّمَا أنِ اتَّحَدَ زَمَنُ الْقِصَّتَيْنِ، وَأَجَابَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزَّجْرُ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ تَقَدَّمَ، فَظَنَّ أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ جَائِزٌ، وَأَنْ لَا حَدَّ فِيهِ فَشَفَعَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ الْحَدَّ أَيْضًا، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقِصَّةَ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ اسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ وَسَرَقَتْ فَقُطِعَتْ لِلسَّرِقَةِ لَا لِلْعَارِيَةِ، قَالَ: وَبِذَلِكَ نَقُولُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ وَأَشَارَ إِلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الْعَارِيَةُ وَالْجَحْدُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَعْرِيفًا لَهَا بِخَاصِّ صِفَتِهَا؛ إِذْ كَانَتْ تُكْثِرُ ذَلِكَ كَمَا عُرِفَتْ بِأَنَّهَا مَخْزُومِيَّةٌ، وَكَأَنَّهَا لَمَّا كَثُرَ مِنْهَا ذَلِكَ تَرَقَّتْ إِلَى السَّرِقَةِ وَتَجَرَّأَتْ عَلَيْهَا. وَتَلَقَّفَ هَذَا الْجَوَابَ مِنَ الْخَطَّابِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ: تُحْمَلُ رِوَايَةُ مَنْ ذَكَرَ جَحْدَ الْعَارِيَةِ عَلَى تَعْرِيفِهَا بِذَلِكَ، وَالْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ نَحْوَهُ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَتَرَجَّحُ أَنَّ يَدَهَا قُطِعَتْ عَلَى السَّرِقَةِ لَا لِأَجْلِ جَحْدِ الْعَارِيَةِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ الْعَارِيَةُ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ سَرَقَتْ فَإِنَّ فِيهِ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ قُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ قَطْعُهَا لِأَجْلِ الْجَحْدِ لَكَانَ ذِكْرُ السَّرِقَةِ لَاغِيًا، وَلَقَالَ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ جَحَدَتِ الْعَارِيَةَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا. ثَانِيهَا: لَوْ كَانَتْ قُطِعَتْ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَوَجَبَ قَطْعُ كُلِّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْعَارِيَةِ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَارَضَ ذَلِكَ حَدِيثُ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ وَهُوَ حَدِيثٌ قَوِيٌّ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ، وَصَرَّحَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ بِقَوْلِهِ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ وَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؛ فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ بِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ إنَّمَا سَمِعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَسْمَعِ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: أَخْبَرَنِي، وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ. قُلْتُ: لَكِنْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ عَنْ

стр. 7079

أَبِي الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، لَكِنْ أَبُو الزُّبَيْرِ مُدَلِّسٌ أَيْضًا وَقَدْ عَنْعَنَهُ عَنْ جَابِرٍ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ بِمُتَابَعَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ فَقَوِيَ الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ إِلَّا مَنْ شَذَّ، فَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْمُخْتَلِسُ يُقْطَعُ، كَأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِالسَّارِقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأَخْذِ خُفْيَةً، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ مَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ، وَإِلَّا مَا ذَكَرَ مَنْ قَطَعَ جَاحِدَ الْعَارِيَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى الْخَائِنِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا عَلَى الْمُنْتَهِبِ إِلَّا إِنْ كَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَارَضَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ خَالَفَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْحَنْبَلِيُّ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ جَحْدِ الْعَارِيَةِ وَبَيْنَ السَّرِقَةِ؛ فَإِنَّ الْجَحْدَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّرِقَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: سُرِقَتْ، أَطْلَقُوا عَلَى الْجَحْدِ سَرِقَةً، كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. قَالَ: وَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتِّبَ عَلَى الْوَصْفِ مَعْمُولٌ بِهِ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَتَرْتِيبَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْقَطْعُ عَلَى السَّرِقَةِ، وَفِي الْأُخْرَى عَلَى الْجَحْدِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ، وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعِلْمِيَّةِ، فَكُلٌّ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ دَلَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْقَطْعِ كُلٌّ مِنَ السَّرِقَةِ وَجَحْدِ الْعَارِيَةِ عَلَى انْفِرَادِهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ سِيَاقَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلسَّرِقَةِ وَلَا لِلشَّفَاعَةِ مِنْ أُسَامَةَ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا قُطِعَتْ فِي ذَلِكَ، وَأَبْسَطُ مَا وَجَدْتُ مِنْ طُرُقِهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَعَارَتْ مِنْ ذَلِكَ حُلِيًّا فَجَمَعَتْهُ ثُمَّ أَمْسَكَتْهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لِتَتُبِ امْرَأَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتُؤَدِّ مَا عِنْدَهَا، مِرَارًا، فَلَمْ تَفْعَلْ، فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعَارَتْ حُلِيًّا عَلَى لِسَانِ أُنَاسٍ فَجَحَدَتْ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَيْضًا إِلَى سَعِيدٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتٍ عَظِيمٍ مِنْ بُيُوتِ قُرَيْشٍ قَدْ أَتَتْ أُنَاسًا فَقَالَتْ: إِنَّ آلَ فُلَانٍ يَسْتَعِيرُونَكُمْ كَذَا، فَأَعَارُوهَا، ثُمَّ أَتَوْا أُولَئِكَ فَأَنْكَرُوا، ثُمَّ أَنْكَرَتْ هِيَ، فَقَطَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: صَنِيعُ صَاحِبِ الْعُمْدَةِ حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ اللَّيْثِ، ثُمَّ قَالَ وَفِي لَفْظٍ، فَذِكْرُ لَفْظِ مَعْمَرٍ يَقْتَضِي أَنَّهَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ كَانَتْ سَارِقَةً أَوْ جَاحِدَةً، يَعْنِي لِأَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي لَفْظٍ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فِي مُسْلِمٍ فَقَطْ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَالْحُجَّةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي قَطْعِ الْمُسْتَعِيرِ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُبَتُّ الْحُكْمُ فِيهِ بِتَرْجِيحِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا جَاحِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَعْنِي وَكَذَا عَكْسُهُ فَيَصِحُّ أَنَّهَا قُطِعَتْ بِسَبَبِ الْأَمْرَيْنِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْقَطْعِ فِي الْجَحْدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ أَقْوَى الطُّرُقِ فِي نَظَرِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِامْرَأَتَيْنِ فَقُطِعَتَا فِي أَوَائِلِ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْإِلْزَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ - فِي أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَلَزِمَ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ غَيْرِ الْعَارِيَةِ - قَوِيٌّ أَيْضًا؛ فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ بِالْقَطْعِ فِي جَحْدِ الْعَارِيَةِ لَا يَقُولُ بِهِ فِي جَحْدِ غَيْرِ الْعَارِيَةِ، فَيُقَاسُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْقَطْعِ فِي الْجَحْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ جَحْدِ الْعَارِيَةِ وَجَحْدِ غَيْرِهَا أَنَّ السَّارِقَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ جَاحِدُ الْعَارِيَةِ بِخِلَافِ الْمُخْتَلِسِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَالْمُنْتَهِبِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ بَيْنَ النَّاسِ إِلَى الْعَارِيَةِ، فَلَوْ عَلِمَ الْمُعِيرُ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إِذَا جَحَدَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى سَدِّ بَابِ الْعَارِيَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ حِكْمَةُ الشَّرِيعَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْطَعُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَدْعَى إِلَى اسْتِمْرَارِ الْعَارِيَةِ. وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ لَا تَقُومُ بِمُجَرَّدِهَا حُجَّةٌ إِذَا ثَبَتَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ،

стр. 7080

وَقَدْ فَرَّ مِنْ هَذَا بَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ فَخَصَّ الْقَطْعَ بِمَنِ اسْتَعَارَ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ مُخَادِعًا لِلْمُسْتَعَارِ مِنْهُ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِي الْعَارِيَةِ وَأَنْكَرَهَا لَمَّا طُولِبَ بِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْطَعُ بِمُجَرَّدِ الْخِيَانَةِ بَلْ لِمُشَارَكَتِهِ السَّارِقَ فِي أَخْذِ الْمَالِ خُفْيَةً. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ سُفْيَانَ الْمُتَقَدِّمُ: ذَهَبْتُ أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَصَاحَ عَلَيَّ مِمَّا يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهُ وَعَنْ سَبَبِهِ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ سُفْيَانَ، فَرَأَيْنَا فِي كِتَابِ الْمُحَدِّثِ الْفَاضِلِ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: كَمْ سَمِعْتَ مِنَ الزُّهْرِيِّ؟ قَالَ: أَمَّا مَعَ النَّاسِ فَمَا أُحْصِي، وَأَمَّا وَحْدِي فَحَدِيثٌ وَاحِدٌ، دَخَلْتُ يَوْمًا مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَإِذَا أَنَا بِهِ جَالِسٌ إِلَى عَمُودٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي حَدِيثَ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهَا، قَالَ: فَضَرَبَ وَجْهِي بِالْحَصَى ثُمَّ قَالَ: قُمْ ; فَمَا يَزَالُ عَبْدٌ يَقْدَمُ عَلَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ، قَالَ: فَقُمْتُ مُنْكَسِرًا، فَمَرَّ رَجُلٌ فَدَعَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ فَرَمَاهُ بِالْحَصَى فَلَمْ يَبْلُغْهُ فَاضْطُرَّ إِلَيَّ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَأَتَاهُ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ لِي: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الَّذِي أَرَدْتَ. قُلْت: وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بِدُونِ الْقِصَّةِ. قَوْلُهُ: (فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ فِيهَا أَنْ لَا تُقْطَعَ إِمَّا عَفْوًا وَإِمَّا بِفِدَاءٍ، وَقَدْ وَقَعَ مَا يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي فِي حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ فَجِئْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ: تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَهَا وَكَأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالْفِدْيَةِ كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ مَنْ أَفْتَى وَالِدَ الْعَسِيفِ الَّذِي زَنَى بِأَنَّهُ يَفْتَدِي مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ. وَوَجَدْتُ لِحَدِيثِ مَسْعُودٍ هَذَا شَاهِدًا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَوْمُهَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا. قَوْلُهُ: (مَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ) بِسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ يَفْتَعِلُ مِنَ الْجُرْأَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مَعَ الْمَدِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّ الَّذِي اسْتَفْهَمَ بِقَوْلِهِ: مَنْ يُكَلِّمُ غَيْرُ الَّذِي أَجَابَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَجْتَرِئُ وَالْجُرْأَةُ هِيَ الْإِقْدَامُ بِإِدْلَالٍ، وَالْمَعْنَى مَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ أَحَدٌ لِمَهَابَتِهِ، لَكِنَّ أُسَامَةَ لَهُ عَلَيْهِ إِدْلَالٌ فَهُوَ يَجْسُرُ عَلَى ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَهَا فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَيْنَا أُسَامَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَاضِيَةِ فِي الْفَتْحِ: فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ أَيْ لَجَئُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى فِي الشَّهَادَاتِ: فَلَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ إِلَّا أُسَامَةُ وَكَانَ السَّبَبُ فِي اخْتِصَاصِ أُسَامَةَ بِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُسَامَةَ: لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ، وَكَانَ إِذَا شَفَعَ شَفَّعَهُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ قَبِلَ شَفَاعَتَهُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُشَفِّعُهُ. قَوْلُهُ: (حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى مَحْبُوبٍ، مِثْلَ قِسْمٍ بِمَعْنَى مَقْسُومٍ، وَفِي ذَلِكَ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ. قَوْلُهُ: (فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّصْبِ، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ وَفِي الْكَلَامِ شَيْءٌ مَطْوِيٌّ تَقْدِيرُهُ: فَجَاءُوا إِلَى أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَجَاءَ أُسَامَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ فِيهَا فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الشَّافِعَ يَشْفَعُ بِحَضْرَةِ الْمَشْفُوعِ لَهُ لِيَكُونَ أَعْذَرَ لَهُ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ. وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ: فَكَلَّمَهُ فَزَبَرَهُ بِفَتْحِ الزَّاي وَالْمُوَحَّدَةِ، أَيْ:

стр. 7081

أَغْلَظَ لَهُ فِي النَّهْيِ حَتَّى نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ؛ لِأَنَّ الزَّبْرَ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ هُوَ الْعَقْلُ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَكَلَّمَهُ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، زَادَ شُعَيْبٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: وَهُوَ يُكَلِّمُهُ، وَفِي مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: فَلَمَّا أَقْبَلَ أُسَامَةُ وَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: لَا تُكَلِّمْنِي يَا أُسَامَةُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَقَ لَهُ مَنْعُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ قَبْلَ ذَلِكَ، زَادَ يُونُسُ، وَشُعَيْبٌ فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ، أَيِ اسْتَجَارَتْ، أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ تَعْلِيقًا، وَالْحَاكِمُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: فَعَاذَتْ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَاذَتْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ مَاتَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهِيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَكَانَ مَوْتُ زَيْنَبَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا عَاذَتْ بِزَيْنَبَ رَبِيبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ فَتَصَحَّفَتْ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ. قُلْتُ: أَوْ نُسِبَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَجَازًا لِكَوْنِهَا رَبِيبَتَهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَصْحِيفٌ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَقَالَ فِيهِ: فَعَاذَتْ بِرَبِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بِرَاءٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَحَذْفِ لَفْظِ بِنْتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَكَانَ رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، وَعُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فَعَاذَتْ بِأَحَدِهِمَا. قُلْتُ: وَقَدْ ظَفِرْتُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَرَقَتِ امْرَأَةٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيْ أَبَهْ، إِنَّهَا عَمَّتِي، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الرَّاوِي عَنِ الْحَسَنِ: فَلَمْ أَشُكَّ أَنَّهَا بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا اسْتَجَارَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ بِأَوْلَادِهَا وَاخْتَصَّهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا قَرِيبَتُهَا وَزَوْجَهَا عَمُّهَا، وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَمَّتِي مِنْ جِهَةِ السِّنِّ، وَإِلَّا فَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَتْ خَدِيجَةُ لِوَرَقَةَ فِي قِصَّةِ الْمَبْعَثِ: أَيْ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا أَخِي أَبِيهَا أَيْضًا. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَعَاذَتْ بِأُسَامَةَ وَكَأَنَّهَا جَاءَتْ مَعَ قَوْمِهَا فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ بَعْدَ أَنِ اسْتَجَارَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: فَاسْتَشْفَعُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ وَاحِدٍ فَكَلَّمُوا أُسَامَةَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: فَاخْتَطَبَ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ بِحَذْفِ يَا مِنْ أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: فَقَامَ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ. قَوْلُهُ: (إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ هَلَكَ، وَكَذَا لِمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِنَّمَا هَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَصْرَ لَيْسَ عَامًّا؛ فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِيهِمْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تَقْتَضِي الْإِهْلَاكَ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَصْرٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْإِهْلَاكُ بِسَبَبِ الْمُحَابَاةِ فِي الْحُدُودِ فَلَا يَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ. قُلْتُ: يُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا أَنَّهُمْ عَطَّلُوا الْحُدُودَ عَنِ الْأَغْنِيَاءِ وَأَقَامُوهَا عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَالْأُمُورُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ سَبَقَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ

стр. 7082

بَنِي إِسْرَائِيلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ هَذَا، وَفِي التَّفْسِيرِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ مِنَ الشَّرِيفِ إِذَا قَتَلَ عَمْدًا وَالْقِصَاصِ مِنَ الضَّعِيفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، حِينَ كَانُوا إِذَا أَصَابَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ الْحَدَّ تَرَكُوهُ وَلَمْ يُقِيمُوهُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ: وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الْوَضِيعُ قَطَعُوهُ. قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ. قَوْلُهُ: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ) هَذَا مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي صَحَّ فِيهَا أَنَّ لَوْ حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ، وَقَدْ أَتْقَنَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مَاجِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ: قَدْ أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ أَنْ تَسْرِقَ وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا، وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: فَذَكَرَ عُضْوًا شَرِيفًا مِنِ امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ وَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَدَبِ الْبَالِغِ، وَإِنَّمَا خَصَّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَعَزُّ أَهْلِهِ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنَاتِهِ حِينَئِذٍ غَيْرُهَا، فَأَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي إِثْبَاتِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَتَرْكِ الْمُحَابَاةِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اسْمَ السَّارِقَةِ وَافَقَ اسْمَهَا ﵍ فَنَاسَبَ أَنْ يُضْرَبَ الْمَثَلُ بِهَا. قَوْلُهُ: (لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ وَالْأَكْثَرُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا وَفِي الْأَوَّلِ تَجْرِيدٌ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ كَمَا مَضَى فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: قُمْ يَا بِلَالُ فَخُذْ بِيَدِهَا فَاقْطَعْهَا، وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَقَطَعَهَا. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ تَعْلِيقًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْجٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ فَشَهِدَ عَلَيْهَا، وَزَادَ يُونُسُ أَيْضًا فِي رِوَايَتِهِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَفِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ وَأَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَنَكَحَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلِيمٍ وَتَابَتْ، وَكَانَتْ حَسَنَةَ التَّلَبُّسِ، وَكَانَتْ تَأْتِينِي فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَتْ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَنِ الْقَاسِمِ جَمِيعًا عَنْ عَائِشَةَ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ عَلَى الْآخَرِ، وَفِي آخِرِ حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عِنْدَ الْحَاكِمِ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْحَمُهَا وَيَصِلُهَا. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهَا قَالَتْ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمَ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَنْعُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي التَّرْجَمَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَقْيِيدِ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي ذَوِي الذُّنُوبِ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ، وَأَنَّ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يُقِيمَهَا إِذَا بَلَغَتْهُ. وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عُرِفَ بِأَذَى النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَقَالَ: لَا يُشْفَعُ لِلْأَوَّلِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَلَغَ الْإِمَامَ أَمْ لَا، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْإِمَامَ، وَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ الْبَابِ مَنْ أَوْجَبَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ وَلَوْ عَفَا الْمَقْذُوفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَيُدْرَأُ بِذَلِكَ الْحَدُّ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ عَفْوِ الْمَقْذُوفِ

стр. 7083

لَجَازَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِصِدْقِ الْقَاذِفِ فَكَانَتْ تِلْكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً. وَفِيهِ دُخُولُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَفِيهِ قَبُولُ تَوْبَةِ السَّارِقِ، وَمَنْقَبَةٌ لِأُسَامَةَ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ عِنْدَ أَبِيهَا ﷺ فِي أَعْظَمِ الْمَنَازِلِ؛ فَإِنَّ فِي الْقِصَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا الْغَايَةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مُنَاسَبَةُ اخْتِصَاصِهَا بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ رِجَالِ أَهْلِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ كَوْنَ اسْمِ صَاحِبَةِ الْقِصَّةِ وَافَقَ اسْمَهَا وَلَا تَنْتَفِي الْمُسَاوَاةُ. وَفِيهِ تَرْكُ الْمُحَابَاةِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ وَلَدًا أَوْ قَرِيبًا أَوْ كَبِيرَ الْقَدْرِ وَالتَّشْدِيدُ فِي ذَلِكَ وَالْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ رَخَّصَ فِيهِ أَوْ تَعَرَّضَ لِلشَّفَاعَةِ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِالْكَبِيرِ الْقَدْرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْفِعْلِ وَمَرَاتِبُ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا يَحِقُّ نَدْبُ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ؛ حَيْثُ لَا يَتَرَجَّحُ التَّصْرِيحُ بِحَسَبِ الْمَقَامِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنِ اللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ مُقَدَّرٍ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ لَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ لَا يَحْنَثُ كَمَنْ قَالَ لِمَنْ خَاصَمَ أَخَاهُ: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ حَاضِرًا لَهَشَّمْتُ أَنْفَكَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَفِيهِ جَوَازُ التَّوَجُّعِ لِمَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعْدَ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْكَلْبِيِّ فِي قِصَّةِ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ سُفْيَانَ أَنَّ امْرَأَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَوَتْهَا بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ وَصَنَعَتْ لَهَا طَعَامًا، وَأَنَّ أُسَيْدًا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَالْمُنْكِرِ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: رَحِمَتْهَا رَحِمَهَا اللَّهُ. وَفِيهِ الِاعْتِبَارُ بِأَحْوَالِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الشَّرْعِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى تَحْذِيرٍ مِنْ فِعْلِ الشَّيْءِ الَّذِي جَرَّ الْهَلَاكَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا لِئَلَّا نَهْلِكَ كَمَا هَلَكُوا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَرِدْ قَطْعُ السَّارِقِ فِي شَرْعِنَا، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْعَامُّ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى أَصْلًا. ١٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وَفِي كَمْ يُقْطَعُ؟ وَقَطَعَ عَلِيٌّ مِنْ الْكَفِّ وَقَالَ قَتَادَةُ فِي امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا: لَيْسَ إِلَّا ذَلِكَ. ٦٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٦٧٨٩ - طرفاه في: ٦٧٩٠، ٦٧٩١] ٦٧٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ "عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ" ٦٧٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَتْهُ "أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ" ٦٧٩٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ يَدَ السَّارِقِ

стр. 7084

لَمْ تُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ فِي ثَمَنِ مِجَنٍّ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ" حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: مِثْلَهُ [الحديث ٦٧٩٢ - طرفاه في: ٦٧٩٣، ٦٧٩٤] ٦٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي أَدْنَى مِنْ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ". رَوَاهُ وَكِيعٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ٦٧٩٤ - حدثني يوسف بن موسى حدثنا أبو أسامة قال هشام بن عروة أخبرنا عن أبيه "عن عائشة ﵂ قالت: "لم تقطع يد سارق على عهد النبي ﷺ في أدني من ثمن المجن: ترس أو حجفة، وكان كل واحد منهما ذا ثمن" ٦٧٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ" تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي "نَافِعٌ قِيمَتُهُ" [الحديث ٦٧٩٥ أطرافه في: ٦٧٩٦، ٦٧٩٧، ٦٧٩٨] ٦٧٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ" ٦٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ" ٦٧٩٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ". تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ "قِيمَتُهُ" ٦٧٩٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ "سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) كَذَا أَطْلَقَ فِي الْآيَةِ الْيَدَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْيُمْنَى إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قُطِعَتِ الشِّمَالُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً هَلْ يُجْزِئُ؟ وَقُدِّمَ السَّارِقُ عَلَى السَّارِقَةِ، وَقُدِّمَتِ الزَّانِيَةُ عَلَى الزَّانِي لِوُجُودِ السَّرِقَةِ غَالِبًا فِي الذُّكُورِيَّةِ، وَلِأَنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الْإِنَاثِ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّ الْأُنْثَى سَبَبٌ

стр. 7085

فِي وُقُوعِ الزِّنَا؛ إِذْ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إِلَّا بِطَوَاعِيَتِهَا. وَقَوْلُهُ: بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ثُمَّ التَّثْنِيَةِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ السَّارِقِ، فَلُوحِظَ فِيهِ الْمَعْنَى فَجُمِعَ، وَالتَّثْنِيَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُتَلَفَّظِ بِهِمَا، وَالسَّرِقَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ ثَانِيهِ الْأَخْذُ خُفْيَةً، وَعُرِّفَتْ فِي الشَّرْعِ بِأَخْذِ شَيْءٍ خُفْيَةً لَيْسَ لِلْآخِذِ أَخْذُهُ، وَمَنِ اشْتَرَطَ الْحِرْزَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ زَادَ فِيهِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحِرْزُ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَعْنَى السَّرِقَةِ يَعْنِي فِي اللُّغَةِ، وَيُقَالُ لِسَارِقِ الْإِبِلِ الْخَارِبُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَلِلسَّارِقِ فِي الْمِكْيَالِ مُطَفِّفٌ، وَلِلسَّارِقِ فِي الْمِيزَانِ مُخْسِرٌ، فِي أَشْيَاءَ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ لَيْسَ. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: صَانَ اللَّهُ الْأَمْوَالَ بِإِيجَابِ قَطْعِ سَارِقِهَا، وَخَصَّ السَّرِقَةَ لِقِلَّةِ مَا عَدَاهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا مِنَ الِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ وَلِسُهُولَةِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا عَدَا السَّرِقَةَ بِخِلَافِهَا وَشَدَّدَ الْعُقُوبَةَ فِيهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ وَلَمْ يَجْعَلْ دِيَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يُقْطَعُ فِيهِ حِمَايَةً لِلْيَدِ، ثُمَّ لَمَّا خَانَتْ هَانَتْ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الشُّبْهَةِ الَّتِي نُسِبَتْ إِلَى أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ فِي قَوْلِهِ: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٌ وُدِيَتْ … مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ؟ فَأَجَابَهُ الْقَاضي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ: صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنَّ الدِّيَةَ لَوْ كَانَتْ رُبْعَ دِينَارٍ لَكَثُرَتِ الْجِنَايَاتُ عَلَى الْأَيْدِي، وَلَوْ كَانَ نِصَابُ الْقَطْعِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ لَكَثُرَتِ الْجِنَايَاتُ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ فِي الْجَانِبَيْنِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صِيَانَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَقَدْ عَسُرَ فَهْمُ الْمَعْنَى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَبَيْنَ النَّهْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى بَعْضِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ فَقَالَ: الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ دُونَ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْغَصْبَ أَكْثَرُ هَتْكًا لِلْحُرْمَةِ مِنَ السَّرِقَةِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ فِي الْأَعْلَى فَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسَاوِي، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُتَكَلَّفَ لِإِيرَادِهَا، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَقَطَعَ عَلِيٌّ مِنَ الْكَفِّ) أَشَارَ بِهَذَا الْأَثَرِ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ الْيَدِ فَقِيلَ: أَوَّلُهَا مِنَ الْمَنْكِبِ ; وَقِيلَ مِنَ الْمِرْفَقِ، وَقِيلَ مِنَ الْكُوعِ، وَقِيلَ مِنْ أُصُولِ الْأَصَابِعِ، فَحُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الْأَيْدِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنَ الثَّانِي آيَةُ الْوُضُوءِ فَفِيهَا ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وَمِنَ الثَّالِثِ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَفِي الْقُرْآنِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ أَنَّهُ ﵊ مَسَحَ عَلَى كَفَّيْهِ فَقَطْ، وَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْأَوَّلِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ، وَنُقِلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَاسْتَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَالثَّانِي لَا نَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِهِ فِي السَّرِقَةِ، وَالثَّالِثُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَالرَّابِعُ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو ثَوْرٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَقْطُوعَ الْيَدِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا بَلْ مَقْطُوعُ الْأَصَابِعِ وَبِحَسَبِ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقَعَ الْخُلْفُ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ، فَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْخَوَارِجُ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ. وَأَلْزَمَ ابْنُ حَزْمٍ الْحَنَفِيَّةَ بِأَنْ يَقُولُوا بِالْقَطْعِ مِنَ الْمَرْفِقِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَكَذَا التَّيَمُّمُ عِنْدَهُمْ، قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ قَدْرَ الْمَهْرِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ، وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ قَوْلًا شَاذًّا، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لِأَنَّ الْيَدَ قَبْلَ السَّرِقَةِ كَانَتْ مُحْتَرَمَةً، فَلَمَّا جَاءَ النَّصُّ بِقَطْعِ الْيَدِ وَكَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي وَجَبَ أَنْ لَا يُتْرَكَ الْمُتَيَقَّنُ - وَهُوَ تَحْرِيمُهَا - إِلَّا بِمُتَيَقَّنٍ وَهُوَ الْقَطْعُ مِنَ الْكَفِّ. وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ

стр. 7086

عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُجَبةَ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ مِنَ الْمَفْصِلِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ مِنَ الْمَفْصِلِ، وَأَوْرَدَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ حَدِّ السَّرِقَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ رَجَاءٍ، عَنْ عَدِيٍّ رَفَعَهُ مِثْلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ وَعَلِيٌّ يَقْطَعُ مِنْ مُشْطِ الْقَدَمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حَيْوَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَهُ مِنَ الْمَفْصِلِ، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ الْيَدَ مِنَ الْأَصَابِعِ وَالرِّجْلَ مِنْ مُشْطِ الْقَدَمِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ كَانَ رِجَالُ السَّنَدِ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْطَعُ الرِّجْلَ مِنَ الْكَعْبِ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْطَعُ مِنْ يَدِ السَّارِقِ الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى خَاصَّةً وَيَقُولُ: أَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَتْرُكَهُ بِلَا عَمَلٍ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ الْإِبْهَامُ وَالسَّبَّابَةُ وَقَطَعَ الْكَفَّ وَالْأَصَابِعَ الثَّلَاثَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ الْكَفُّ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ قَطَعَ مِنَ الْكَفِّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ مِنْ بِلَفْظِ وَقَطَعَ عَلِيٌّ الْكَفَّ قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ فِي امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا: لَيْسَ إِلَّا ذَلِكَ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْهُ، هَكَذَا قَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَكَانَ سَاقَ بِسَنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَارِقٍ قُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقَدَّمَ شِمَالَهُ فَقُطِعَتْ فَقَالَ: لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِهِ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يُقْطَعُ مِنَ السَّارِقِ الْيَدُ الْيُمْنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: هِيَ قِرَاءَتُنَا يَعْنِي أَصْحَابَ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَنَقَلَ فِيهِ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ وَتُعُقِّبَ، نَعَمْ قَدْ شَذَّ مَنْ قَالَ: إِذَا قُطِعَ الشِّمَالُ أَجْزَأَتْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ قَتَادَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ عَمْدًا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ وَوَجَبَ قَطْعُ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَيُجْزِئُ عَنِ السَّارِقِ، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ قَوْلَانِ فِي السَّارِقِ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ سَرَقَ فَقُطِعَ ثُمَّ سَرَقَ ثَانِيًا فَقَالَ الْجُمْهُورُ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَالْيَدُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَالرِّجْلُ الْيُمْنَى، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَبِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَبِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنَ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَإِذَا عَادَ السَّارِقُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ثَانِيًا إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى لَهُ مَا يُقْطَعُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ عُزِّرَ وَسُجِنَ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ قَالَهُ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ، وَحُجَّتُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ قَالَ - فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ وَرَمَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، قَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ رَاوِيهِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَالشَّافِعِيِّ: إِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبُ الْقَتْلِ وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بن حَاطِبٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: إِنَّمَا سَرَقَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قَطْعِ أَطْرَافِهِ الْأَرْبَعِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ سَرَقَ الْخَامِسَةَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ: اقْتُلُوهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَتَلُوهُ. قَالَ

стр. 7087

النَّسَائِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا صَحِيحًا. قُلْتُ: نَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَقَدْ جَزَمَ الْبَاجِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ: وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ لَا يُقْتَلُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ بِهِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُصْعَبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: وَمَنْ سَرَقَ مِمَّنْ بَلَغَ الْحُلَمَ قُطِعَ يَمِينُهُ، ثُمَّ إِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ عَادَ فَيَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ إِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ قُتِلَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ انْتَهَى. وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِقَطْعِ الْيَدِ بَعْدَ الْيَدِ، ثُمَّ الرِّجْلِ بَعْدَ الرِّجْلِ، نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَلَا يَصِحُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي الثَّالِثَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ إِنَّمَا قَطَعَ رِجْلَهُ وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ، وَرِجَالُ السَّنَدَيْنِ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِمَا، وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ: تُقْطَعُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيُمْنَى ثُمَّ لَا قَطْعٌ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى أَنَّ عَلِيًّا نَحْوُهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ، وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ ابْنُ آدَمَ مِثْلَ الْبَهِيمَةِ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا، وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اضْرِبْهُ وَاحْبِسْهُ فَفَعَلَ، وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ قَالَهُ عَطَاءٌ: لَا يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنَ الرِّجْلَيْنِ أَصْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثُ الْقَتْلِ فِي الْخَامِسَةِ مُنْكَرٌ وَقَدْ ثَبَتَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، وَثَبَتَ: السَّرِقَةُ فَاحِشَةٌ وَفِيهَا عُقُوبَةٌ، وَثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ قَطْعُ الرِّجْلِ بَعْدَ الْيَدِ وَهُمْ يَقْرَءُونَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَزَاءِ فِي الصَّيْدِ، وَإِنْ قُتِلَ خَطَأً وَهُمْ يَقْرَءُونَ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وَيَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَهُمْ يَقْرَءُونَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. أَحَدُهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى: قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرَةَ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: اقْتَصَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَسَائِرُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى عَمْرَةَ، وَرَوَاهُ يُونُسُ عَنْهُ فَزَادَ مَعَ عَمْرَةَ عُرْوَةَ. قُلْتُ: وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ بَعْضَ الضُّعَفَاءِ وَهُوَ إِسْحَاقُ الْحُنَيْنِيُّ - بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ مُصَغَّرٌ - رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا رَوَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ لَيْسَا صَحِيحَيْنِ وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ تَابَعَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، وَحَمَوَيْهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَرِوَايَةُ يُونُسَ بِجَمْعِهِمَا صَحِيحَةٌ. قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عَمْرَةَ وَبِسَمَاعِ عَمْرَةَ لَهُ مِنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ. قَوْلُهُ: (تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ. قَوْلُهُ: (فَصَاعِدًا) قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: يَخْتَصُّ هَذَا بِالْفَاءِ، وَيَجُوزُ ثَمَّ بَدَلُهَا وَلَا تَجُوزُ الْوَاوُ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ أَيْ وَلَوْ زَادَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا زَادَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَاعِدًا. قُلْت: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَمَا فَوْقَهُ بَدَلَ فَصَاعِدًا وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى عَمْرَةَ ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ وَلَيْسَ فِي آخِرِهِ فَصَاعِدًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِإِثْبَاتِهَا، وَأَمَّا

стр. 7088

مُتَابَعَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ مُسَافِرٍ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْهُ نَحْوَ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَقَلَّدَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الذُّهْلِيَّ أَخْرَجَهُ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا وُجُودَ لَهُ بَلْ لَيْسَ لِرَوْحٍ وَلَا لِمُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا رِوَايَةٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ فَوَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَقَلَّدَهُ شَيْخُنَا أَيْضًا أَنَّ الذُّهْلِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَا وُجُودَ لَهُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ مَعْمَرٍ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَسَاقَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَوَصَلَهَا أَيْضًا هُوَ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي آخِرِهِ: قَالَ سَعِيدٌ: نَبَّلْنَا مَعْمَرًا رُوِّينَاهُ عَنْهُ وَهُوَ شَابٌّ، وَهُوَ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ: صَيَّرْنَاهُ نَبِيلًا. قُلْتُ: وَسَعِيدٌ أَكْبَرُ مِنْ مَعْمَرٍ وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ لَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ يُونُسَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ) هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، وَفِي طَبَقَةِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَاضِي مَرْوَ، وَهُوَ دُونَهُ فِي الْإِتْقَانِ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَوَاهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ كَذَلِكَ، وَقَالَ هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُرَارَةَ، قُلْتُ: نُسِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْقَنَّادُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، كَذَا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ صَاعِدٍ، عَنْ لُوَيْنٍ، عَنِ الْقَنَّادِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَصَحُّ وَبِهِ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ ابْنُ ثَوْبَانَ فَقَدْ غَلِطَ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَثَمَنُ الْمِجَنِّ رُبْعُ دِينَارٍ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ الْمِجَنِّ؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِينَارٍ، وَقَدْ تُوبِعَ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ هِقْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ بِلَفْظِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَتْهُ) أَيْ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ عَنْ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُمْ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِحَذْفِهَا فِي مِثْلِ هَذَا، كَمَا أَكْثَرُوا مِنْ حَذْفِ قَالَ فِي مِثْلِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَفِي مِثْلِ: سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا فُلَانٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاح أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ بِقَالَ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى حَذْفِ أَنَّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهَا. قَوْلُهُ: (تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُخْتَصَرًا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ: الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ بَيَانٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ،

стр. 7089

عَنْ يُونُسَ بِلَفْظِ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ: مَا طَالَ عَلَيَّ وَلَا نَسِيتُ، الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَفْعُهُ صَرِيحًا لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَرْفُوعِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى كَذَلِكَ، وَمِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَنْ عَمْرَةَ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَرِوَايَةُ يَحْيَى مُشْعِرَةٌ بِالرَّفْعِ، وَرِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ صَرِيحَةٌ فِيهِ وَهُوَ أَحْفَظُهُمْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْهَا الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْهَادِ بِلَفْظِ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا، وَحَاوَلَ الطَّحَاوِيُّ تَعْلِيلَ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْفُوعَةِ بِرِوَايَةِ وَلَدِهِ الْمَوْقُوفَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ أَتْقَنُ وَأَعْلَمُ مِنْ وَلَدِهِ، عَلَى أَنَّ الْمَوْقُوفَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُخَالِفُ الْمَرْفُوعَ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ مَحْمُولٌ عَلَى طَرِيقِ الْفَتْوَى، وَالْعَجَبُ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ ضَعَّفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَرَامَ هُنَا تَضْعِيفُ الطَّرِيقِ الْقَوِيمَةِ بِرِوَايَتِهِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الِاسْتِظْهَارَ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ بِمُوَافَقَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهَا لِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي لَفْظِ الْمَتْنِ: هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ فِعْلِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ غَيْرِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، وَزُرَيْقٍ صَاحِبِ أَيْلَةَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَقَالَ: الصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ: مَا طَالَ عَلَيَّ الْعَهْدُ وَلَا نَسِيتُ؛ الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الرَّفْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَجَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْحُمَيْدِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تُقْطَعُ الْيَدُ الْحَدِيثَ، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ عَوَّلَ الطَّحَاوِيُّ، فَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ: كَانَ يَقْطَعُ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَمَّا قُطِعَ فِيهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا قَوَّمَتْ مَا وَقَعَ الْقَطْعُ فِيهِ إِذْ ذَاكَ فَكَانَ عِنْدَهَا رُبْعُ دِينَارٍ فَقَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ يَوْمئِذٍ أَكْثَرَ. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ أَنْ تَجْزِمَ عَائِشَةُ بِذَلِكَ مُسْتَنِدَةً إِلَى ظَنِّهَا الْمُجَرَّدِ، وَأَيْضًا فَاخْتِلَافُ التَّقْوِيمِ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَكِنْ مُحَالٌ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَتَفَاوَتَ هَذَا التَّفَاوُتَ الْفَاحِشَ بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَ قَوْمٍ أَرْبَعَةَ أَضْعَافِ قِيمَتِهِ عِنْدَ آخَرِينَ، وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ بِزِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ نَقْصٍ قَلِيلٍ وَلَا يَبْلُغُ الْمِثْلَ غَالِبًا، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ اضْطِرَابَ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَنْهُ فِي لَفْظِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاضْطِرَابِ أَنْ تَتَسَاوَى وُجُوهُهُ، فَأَمَّا إِذَا رُجِّحَ بَعْضُهَا فَلَا، وَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ جُلَّ الرُّوَاةِ عَنُ الزُّهْرِيِّ ذَكَرُوهُ عَنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى تَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ فِي النِّصَابِ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ تَارَةً وَوَافَقَهُمْ تَارَةً، فَالْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ الْمُوَافِقَةِ لِلْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُيَيْنَةَ اضْطَرَبَ فِيهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَنْ ضَبَطَهُ. وَأَمَّا نَقْلُ الطَّحَاوِيِّ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ ابْنَ عُيَيْنَةَ فِي الزُّهْرِيِّ عَلَى يُونُسَ، فَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى الْعَكْسِ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِتَقْدِيمِ يُونُسَ عَلَى سُفْيَانَ فِي الزُّهْرِيِّ، يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّ يُونُسَ صَحِبَ الزُّهْرِيَّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ يُزَامِلُهُ فِي السَّفَرِ وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ الزُّهْرِيُّ إِذَا قَدِمَ أَيْلَةَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ مِنَ

стр. 7090

الزُّهْرِيِّ مِرَارًا. وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَرَجَعَ الزُّهْرِيُّ فَمَاتَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَرْجَحُ فِي الزُّهْرِيِّ مِنْ يُونُسَ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ رِوَايَتَيْهِمَا فَتَكُونُ عَائِشَةُ أَخْبَرَتْ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا، وَقَدْ وَافَقَ الزُّهْرِيَّ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ عَمْرَةَ جَمَاعَةٌ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ وَقَعَ الطَّحَاوِيُّ فِيمَا عَابَهُ عَلَى مَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مَعَ اضْطِرَابِهِ عَلَى رَأْيِهِ، فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ: كَانَ قِيمَةُ الْمِجَنِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَهُوَ أَشَدُّ فِي الِاضْطِرَابِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فَقِيلَ عَنْهُ هَكَذَا. وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ قِيمَةُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا، وَقِيلَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَيْمَنَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ، كَذَا قَالَ مَنْصُورٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَطَاءٍ. وَقِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ جَمِيعًا عَنْ أَيْمَنَ، وَقِيلَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ أُمِّ أَيْمَنَ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ: لَمْ يُقْطَعْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَثَمَنُهُ يَوْمئِذٍ دِينَارٌ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ: لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي حَجَفَةٍ وَقُوِّمَتْ يَوْمئِذٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَفِي لَفْظٍ لَهُ: أَدْنَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ ثَمَنُ الْمِجَنِّ، وَكَانَ يُقَوَّمُ يَوْمئِذٍ بِدِينَارٍ. وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِهِ أَيْضًا عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَوْ ثَبَتَتْ لَكَانَتْ نَصًّا فِي تَحْدِيدِ النِّصَابِ، إِلَّا أَنَّ حَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ ضَعِيفٌ وَمُدَلِّسٌ حَتَّى وَلَوْ ثَبَتَتْ رِوَايَتُهُ لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، بَلْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ شُرِعَ الْقَطْعُ فِي الثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقَهَا فَزِيدَ فِي تَغْلِيظِ الْحَدِّ كَمَا زِيدَ فِي تَغْلِيظِ حَدِّ الْخَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا إِخْبَارٌ عَنْ فِعْلٍ وَقَعَ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدُ النِّصَابِ فَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ الْآتِيَةِ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ حِكَايَةَ فِعْلٍ فَلَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّ رُبْعَ دِينَارٍ صَرْفُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا ثَمَنُ الْمِجَنِّ؟ قَالَتْ: رُبْعُ دِينَارٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: أُتِيتَ بِنَبَطِيٍّ قَدْ سَرَقَ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَمْرَةَ فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ مَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ فَلَا تَقْطَعْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَهَذَا يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَيْضًا، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا كَانَتْ تُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً وَتَارَةً تُسْتَفْتَى فَتُفْتِي، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ جَارِيَةً سَرَقَتْ، فَسُئِلَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتِ: الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ ثُمَّ قَالَ (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُثْمَانَ هَذَا قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمَعَهُمَا وَضَمَّهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا فَقَالَ: كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا هُوَ الرُّؤَاسِيُّ بِضَمِّ الرَّاءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ خَفِيفَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْهُ وَنَسَبَهُ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ إِلَخْ) وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدَةَ

стр. 7091

بْنِ سُلَيْمَانَ، فِيهِ زِيَادَةُ قِصَّةٍ فِي السَّنَدِ، وَلَفْظُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ قَدَحًا فَأُتِيَ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: قَالَ أَبِي: إِنَّ الْيَدَ لَا تُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامٍ لَكِنْ أَرْسَلَهُ كُلَّهُ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي ثَمَنِ مِجَنٍّ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ) الْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مِفْعَلٌ مِنَ الِاجْتِنَانِ، وَهُوَ الِاسْتِتَارُ مِمَّا يُحَاذِرهُ الْمُسْتَتِرُ، وَكُسِرَتْ مِيمُهُ لِأَنَّهُ آلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْحَجَفَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ثُمَّ فَاءٌ هِيَ الدَّرَقَةُ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ عَظْمٍ وَتُغَلَّفُ بِالْجِلْدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالتُّرْسُ مِثْلُهُ لَكِنْ يُطَارَقُ فِيهِ بَيْنَ جِلْدَيْنِ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَوْ فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ هِشَامٍ الَّتِي تَلِي رِوَايَةَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ: فِي أَدْنَى ثَمَنِ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ، وَالتَّنْوِينُ فِي قَوْلِهِ: ثَمَنٍ لِلتَّكْثِيرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ثَمَنٌ يُرْغَبُ فِيهِ، فَأُخْرِجَ الشَّيْءُ التَّافِهُ كَمَا فَهِمَهُ عُرْوَةُ رَاوِي الْخَبَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تُرْسًا بِعَيْنِهِ وَلَا حَجَفَةً بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْجِنْسُ وَأَنَّ الْقَطْعَ كَانَ يَقَعُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَبْلُغُ قَدْرَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، وَالِاعْتِمَادُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَقَلِّ فَيَكُونُ نِصَابًا وَلَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَهُ، وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ جَامِعَةٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوَّلًا، وَقَوْلُهُ فِيهَا: كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ كَذَا ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ، وَأَفَادَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ بِالرَّفْعِ وَخَرَّجَهُ عَلَى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي كَانَ. قَوْلُهُ: (رَوَاهُ وَكِيعٌ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا) أَمَّا رِوَايَةُ وَكِيعٍ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ السَّارِقُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُقْطَعُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَكَانَ الْمِجَنُّ يَوْمئِذٍ لَهُ ثَمَنٌ وَلَمْ يَكُنْ يُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ إِدْرِيسَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ الْكُوفِيُّ، فَأَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَرِيرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَوَكِيعٍ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ فَذَكَرَ مِثْلَ سِيَاقِ أَبِي أُسَامَةَ سَوَاءً وَزَادَ: وَلَمْ يَكُنْ يُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ إِدْرِيسَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ كَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا عَنْ هِشَامٍ، عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، وَعُثْمَانُ الْغَطَفَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَبِيصَةَ الْفَزَارِيُّ، وَأَرْسَلَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَجَرِيرٌ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْتُ رِوَايَةَ جَرِيرٍ، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحِيمِ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ؛ فَقِيلَ عَنْهُ مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (تَنْبِيهٌ): لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْمَتْنِ، وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي سَنَدِهِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي الْمَتْنِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ حَافِظٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ حَدَّثَهُ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ عُرْوَةَ هُوَ الَّذِي حَفِظَهُ هِشَامٌ عَنْهُ، وَحَمَلَ يُونُسُ حَدِيثَ عُرْوَةَ عَلَى حَدِيثِ عَمْرَةَ فَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ عَمْرَةَ، وَهَذَا يَقَعُ لَهُمْ كَثِيرًا، وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ بِهَذَا السَّنَدِ، لَكِنَّ لَفْظَ الْمَتْنِ: أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا نَافِعٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) يَعْنِي عَنْ نَافِعٍ أَيْ فِي قَوْلِهِ: ثَمَنُهُ وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ

стр. 7092

طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ ﵀ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ مِثْلَ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءً، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ أَيِ الْعُمَرِيُّ مِثْلَهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ قِيمَتُهُ) يَعْنِي أَنَّ اللَّيْثَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ كَالْجَمَاعَةِ لَكِنْ قَالَ قِيمَتُهُ بَدَلَ قَوْلِهِمْ ثَمَنُهُ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمَالِكٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: ثَمَنُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيمَتُهُ، هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُمَيِّزْ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صيغةِ النِّسَاءِ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَحْدَهُ بِلَفْظِ ثَمَنُهُ وَمِنْ طَرِيقِ مَخْلَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بِلَفْظِ قِيمَتُهُ فَوَافَقَ اللَّيْثَ فِي قَوْلِهِ: قِيمَتُهُ لَكِنْ خَالَفَ الْجَمِيعَ فَقَالَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ وَمِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ قَالَ مِثْلَهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِلَفْظِ: أُتِيَ بِرَجُلٍ سَرَقَ حَجَفَةً قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَقَطَعَهُ. (تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: قَطَعَ مَعْنَاهُ أَمَرَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُبَاشِرُ الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَطْعَ يَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي كَانَ مُوكَلًا بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: قِيمَتُهُ قِيمَةُ الشَّيْءِ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الرَّغْبَةُ فِيهِ، وَأَصْلُهُ قِوْمَةٌ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ، وَالثَّمَنُ مَا يُقَابَلُ بِهِ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْقِيمَةُ، وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الثَّمَنِ إِمَّا تَجَوُّزًا وَإِمَّا أَنَّ الْقِيمَةَ وَالثَّمَنَ كَانَا حِينَئِذٍ مُسْتَوِيَيْنِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ قَدْ يَخْتَلِفَانِ وَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ الْقِيمَةُ، وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالثَّمَنِ لِكَوْنِهِ صَادَفَ الْقِيمَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي ظَنِّ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ. وَقَدْ تَمَسَّكَ مَالِكٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ بِالْفِضَّةِ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّةُ وَسَائِرُ مَنْ خَالَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طُرُقِهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ سَعْدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلَفْظُهُ: لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلَّا فِي الْمِجَنِّ، قَالَ: فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قِيمَةُ الْمِجَنِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. قَالَ: فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إِلَّا فِيمَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآثَارُ وَهُوَ عَشَرَةٌ، وَلَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَهَا لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فِي الدَّرَاهِمِ لَمْ يُسَلَّمْ فِي النَّصِّ الصَّرِيحِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ، وَدُفِعَ مَا أَعَلَّهُ بِهِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ مُمْكِنٌ بِالْحَمْلِ عَلَى اخْتِلَافِ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ أَوْ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَجَانِّ الَّتِي قَطَعَ فِيهَا وَهُوَ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ: قَطَعَ فِي مِجَنٍّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ عَدَمُ الْقَطْعِ فِيمَا دُونَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: يُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَإِنَّهُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِيمَا إِذَا بَلَغَهُ، وَكَذَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، قَالَ: وَاعْتِمَادُ الشَّافِعِيِّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ وَهُوَ قَوْلٌ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي

стр. 7093

الْقَطْعِ فِي دُونِ الْقَدْرِ الَّذِي يَقُولُونَ بِجَوَازِ الْقَطْعِ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ فِيمَا يَقُولُونَ بِهِ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى، وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ فِي دُونِ رُبْعِ دِينَارٍ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ حَيْثُ مَنْطُوقُهُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ مَفْهُومُهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ. قُلْتُ: وَقَرَّرَ الْبَاجِيُّ طَرِيقَ الْأَخْذِ بِالْمَفْهُومِ هُنَا فَقَالَ: دَلَّ التَّقْوِيمُ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَدُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صَرِيحًا مَرْفُوعًا فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ، وَقَدْ خَالَفَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُدَمَاءِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ الْيَدَ مُحْتَرَمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، وَالْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْقَطْعِ فِيهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْقَطْعِ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي النِّصَابِ أُخِذَ بِأَصَحِّ مَا وَرَدَ فِي الْأَقَلِّ، وَلَمْ يَصِحَّ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَكَانَ اعْتِبَارُ رُبْعِ دِينَارٍ أَقْوَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْحَصْرِ حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ الذَّهَبُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَيُؤَيِّدهُ مَا نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ اسْتِدْلَالًا عَلَى أَنَّ أَصْلَ النَّقْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الدَّنَانِيرُ بِأَنَّ الصِّكَاكَ الْقَدِيمَةَ كَانَ يُكْتَبُ فِيهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ فَعُرِفَتِ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَاصِلُ الْمَذَاهِبِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُقْطَعُ السَّارِقُ فِيهِ يَقْرُبُ مِنْ عِشْرِينَ مَذْهَبًا: الْأَوَّلُ يُقْطَعُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ تَافِهًا كَانَ أَوْ غَيْرَ تَافِهٍ نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالْخَوَارِجِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ. وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الشُّذُوذِ مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي. الثَّالِثُ مِثْلُ الْأَوَّلِ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ شَيْئًا تَافِهًا لِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْمَاضِي: لَمْ يَكُنِ الْقَطْعُ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّافِهِ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ قَطَعَ فِي فَخَّارَةٍ خَسِيسَةٍ، وَقَالَ لِمَنْ يَسْرِقُ السِّيَاطَ: لَئِنْ عُدْتُمْ لَأَقْطَعَنَّ فِيهِ، وَقَطَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي نَعْلَيْنِ أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ. الرَّابِعُ: تُقْطَعُ فِي دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ - مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ وَرَبِيعَةَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَطْلَقَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. الْخَامِسُ: فِي دِرْهَمَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ. السَّادِسُ: فِيمَا زَادَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الثَّلَاثَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَطَعَ فِي شَيْءٍ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ وَفِي لَفْظٍ: لَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. السَّابِعُ: فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَيُقَوَّمُ مَا عَدَاهَا بِهَا وَلَوْ كَانَ ذَهَبًا، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، عَنْ مَالِكٍ. الثَّامِنُ مِثْلُهُ لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا فَنِصَابُهُ رُبْعُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ كَانَ نِصْفَ دِينَارٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتُجَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِي أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ قَالَتْ: وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ قِيمَتُهُ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَالْمَرْفُوعُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ وَالْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الذَّهَبُ، وَالْمَوْقُوفُ مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ الذَّهَبَ يُقَوَّمُ بِالْفِضَّةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ النَّصُّ الصَّرِيحُ. التَّاسِعُ مِثْلُهُ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ غَيْرَهُمَا قُطِعَ بِهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ. الْعَاشِرُ مِثْلُهُ

стр. 7094

لَكِنْ لَا يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَا غَالِبَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَالِبًا فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْحَادِيَ عَشَرَ. الثَّانِيَ عَشَرَ: رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَرَضٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَعَمْرَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ، وَعَنْ دَاوُدَ، وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَخَذَ السَّارِقُ رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ: أُتِيَ عُثْمَانُ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقُطِعَ، وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ؛ نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ. الرَّابِعَ عَشَرَ: ثُلُثُ دِينَارٍ؛ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، الْخَامِسَ عَشَرَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا فِي خَمْسٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَنَقَلَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ وَشَذَّ بِذَلِكَ. السَّادِسَ عَشَرَ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ عَرَضٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا. السَّابِعَ عَشَرَ: دِينَارٌ أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتَهُ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَرَضٍ. حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ طَائِفَةٍ، وَجَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ. الثَّامِنَ عَشَرَ: دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا؛ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. التَّاسِعَ عَشَرَ: رُبْعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا مِنَ الذَّهَبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَيُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَحْوَهُ عَنْ دَاوُدَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّحْدِيدَ فِي الذَّهَبِ ثَبَتَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَثْبُتِ التَّحْدِيدُ صَرِيحًا فِي غَيْرِهِ، فَبَقِيَ عُمُومُ الْآيَةِ عَلَى حَالِهِ فَيُقْطَعُ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ تَافِهًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلشَّافِعِيِّ إِلَّا فِي قِيَاسِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَقَدْ أَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الصَّرْفَ يَوْمئِذٍ كَانَ مُوَافِقًا لِذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْفِضَّةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْأُتْرُجَّةِ قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ، وَيُخَرَّجُ مِنْ تَفْصِيلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّقْوِيمَ يَكُونُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ إِنْ ذَهَبًا فَبِالذَّهَبِ وَإِنْ فِضَّةً فَبِالْفِضَّةِ تَمَامَ الْعِشْرِينَ مَذْهَبًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَثَبَتَ: لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ فِي الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَإِنَّمَا تُرِكَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ نِصَابٌ يُقْطَعُ فِيهِ مُطْلَقًا لِأَنَّ قِيمَةَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ تَخْتَلِفُ، فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ بِالذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ وَلَوْ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَأَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: الْعَامُّ إِذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِدَلِيلٍ بَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَحُجَّتُهُ سَوَاءٌ كَانَ لَفْظُهُ يُنْبِئُ عَمَّا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَمْ لَا، لِأَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ سَرَقَ، فَخَصَّ الْجُمْهُورُ مِنْهَا مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَقَالُوا: لَا يُقْطَعُ. وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُنْبِئُ عَنِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ وَطَرَدَ الْبَصْرِيُّ أَصْلَهُ فِي الِاشْتِرَاطِ الْمَذْكُورِ فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحِرْزَ لِيَسْتَمِرَّ الِاحْتِجَاجُ بِالْآيَةِ، نَعَمْ وَزَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ شَرْطَ الْحِرْزِ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى السَّرِقَةِ فَإِنْ صَحَّ مَا قَالَ سَقَطَتْ حُجَّةُ الْبَصْرِيِّ أَصْلًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ نَزَلَتْ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ أَوْ سَارِقِ الْمِجَنِّ وَعَمِلَ بِهَا الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ السَّارِقِينَ، وَاسْتُدِلَّ

стр. 7095

بِإِطْلَاقِ رُبْعِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ بِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ سَوَاءٌ كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ جَيِّدًا كَانَ أَوْ رَدِيئًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَطْلَقَ فِي السَّرِقَةِ فَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ بِالتَّعْمِيمِ هُنَا. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَا يَقَعُ إِلَّا فِي الْمَضْرُوبِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقَيَّدَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ النَّقْلَ عَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَنْقُصُ بِالطَّبْعِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْقَطْعِ فِي الْمِجَنِّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَطْعِ فِي كُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ قِيَاسًا، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادَ، وَمَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ كَالْحِجَارَةِ وَاللَّبَنِ وَالْخَشَبِ وَالْمِلْحِ وَالتُّرَابِ وَالْكَلَأِ وَالطَّيْرِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ فِي مِثْلِ السِّرْجِينِ الْقَطْعُ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ، وَفِي هَذَا تَفَارِيعُ أُخْرَى مَحَلُّ بَسْطِهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْحِدَيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي لَعْنِ السَّارِقِ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَيُقْطَعُ، خَتَمَ بِهِ الْبَابَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ أَنْ يُجْعَلَ حَدِيثُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَصْلًا، فَيُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَكَذَا فِيمَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْبَيْضَةِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَكَذَا الْحَبْلُ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَرْجِيحِ مَا سَبَقَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي نَقَلَهُ الْأَعْمَشُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ. ١٤ - بَاب تَوْبَةِ السَّارِقِ ٦٨٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا. ٦٨٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ "عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ فَقَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ". قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: "إِذَا تَابَ السَّارِقُ بَعْدَ مَا قُطِعَ يَدُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَكُلُّ مَحْدُودٍ كَذَلِكَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ" قَوْلُهُ: (بَابُ تَوْبَةِ السَّارِقِ) أَيْ هَلْ تُفِيدُهُ فِي رَفْعِ اسْمِ الْفِسْقِ عَنْهُ حَتَّى تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ أَوْ لَا؟ وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا تَابَ السَّارِقُ وَقُطِعَتْ يَدُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ الْحُدُودِ إِذَا تَابَ أَصْحَابُهَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الشَّهَادَاتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ فِي شَهَادَتِهِمَا. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ بِالتَّوْبَةِ، قَالَ: وَجَزَمَ بِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَرَوَى الرَّبِيعُ عَنْهُ أَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَسْقُطُ، وَعَنِ اللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ: لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الْحُدُودِ أَبَدًا، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يَسْقُطُ إِلَّا الشُّرْبَ، وَقَالَ

стр. 7096

الطَّحَاوِيُّ: وَلَا يَسْقُطُ إِلَّا قَطْعُ الطَّرِيقِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ مُخْتَصَرًا، وَوَقَعَ فِي آخِرِهِ: وَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قُبَيْلَ هَذَا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ وَصْفُ التَّوْبَةِ بِالْحُسْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَثْبُتُ لِلتَّائِبِ الْمَذْكُورِ فَيَعُودُ لِحَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْبَيْعَةِ، وَفِيهِ ذِكْرُ السَّرِقَةِ وَفِي آخِرِهِ: فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وُصِفَ بِالتَّطَهُّرِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَابَ فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ قَبُولَ شَهَادَتِهِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٥ - بَاب الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ ٦٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا، فقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. قَوْلُهُ: (كِتَابُ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ) كَذَا هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ثَبَتَتْ لِلْجَمِيعِ هُنَا، وَفِي كَوْنِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِشْكَالٌ، وَأَظُنُّهَا مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى الَّذِينَ نَسَخُوا كِتَابَ الْبُخَارِيِّ مِنَ الْمُسَوَّدَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَحَلَّهَا بَيْنَ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَبَيْنَ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَخَلَّلَتْ بَيْنَ أَبْوَابِ الْحُدُودِ. فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ تَرْجَمَ كِتَابَ الْحُدُودِ وَصَدَّرَهُ بِحَدِيثِ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَفِيهِ ذَكَرَ السَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ، ثُمَّ بَدَأَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِّ الْخَمْرِ فِي أَبْوَابٍ ثُمَّ بِالسَّرِقَةِ كَذَلِكَ. فَالَّذِي يَلِيقُ أَنْ يُثَلِّثَ بِأَبْوَابِ الزِّنَا عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُقَدِّمَ كِتَابَ الْمُحَارِبِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِيَعْقُبَهُ بَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّهُ يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَبْوَابِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْكِرْمَانِيَّ؛ فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ زِيَادَةٌ قَدْ يَرْتَفِعُ بِهَا الْإِشْكَالُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ فَزَادَ: وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الزِّنَا فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهُ ضَمَّ حَدَّ الزِّنَا إِلَى الْمُحَارِبِينَ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْقَتْلِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُبْدِلَ لَفْظَ كِتَابٍ بِبَابٍ، وَتَكُونَ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا دَاخِلَةً فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْمُحَارَبَةِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ، وَسَاقَ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالزَّهْرِيُّ قَالَ: وَذَهَبَ

стр. 7097

جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مُنَافِيًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ فِي الْعُرَنِيِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ لَكِنَّ لَفْظَهَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنَ الْمُحَارَبَةِ وَالْفَسَادِ. قُلْتُ: بَلْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَالْمَرْجِعُ إِلَى تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِالْمُحَارَبَةِ: فَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْكُفْرِ خَصَّ الْآيَةَ بِأَهْلِ الْكُفْرِ وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ عَمَّمَ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَمَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَقَدْ نَزَلَ فِيهِمْ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمُحَارَبَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ يَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ بِمَا ذُكِرَ بِمَا جَنَاهُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الْكَافِرِ لَنَفَعَتْهُ الْمُحَارَبَةُ، وَلَكَانَ إِذَا أَحْدَثَ الْحِرَابَةَ مَعَ كُفْرِهِ اكْتَفَيْنَا بِمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَسَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ فَتَكُونُ الْحِرَابَةُ خَفَّفَتْ عَنْهُ الْقَتْلَ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِقَامَةِ هَذِهِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُحَارِبِ الْمُرْتَدِّ مَثَلًا أَنْ تَسْقُطَ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْعَوْدِ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْقَتْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ لِلَّهِ الْكُفْرُ بِهِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي آخِرِ قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ قَالَ: فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَاكَ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قَالَ: هُمْ مِنْ عُكْلٍ. قُلْتُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ؛ فَقَدْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ الَّذِي نَفَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ أَوَّلًا فِيهِمْ، وَهِيَ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا مَنْ حَارَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، لَكِنَّ عُقُوبَةَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ: فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ إِذَا ظَفِرَ بِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ: يُنْظَرُ فِي الْجِنَايَةِ فَمَنْ قَتَلَ قُتِلَ وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ، وَجَعَلُوا أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ مَالِكٌ: بَلْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْمُحَارِبِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالنَّفْيِ فِي الْآيَةِ: فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ يُخْرَجُ مِنْ بَلَدِ الْجِنَايَةِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، زَادَ مَالِكٌ فَيُحْبَسُ فِيهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يُحْبَسُ فِي بَلَدِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَبْسِ إِقَامَةٌ فَهُوَ ضِدُّ النَّفْيِ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النَّفْيِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْبَلَدِ، وَقَدْ قُرِنَتْ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ بِالْقَتْلِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ اسْتِمْرَارُ الْمُحَارَبَةِ فِي الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى، فَانْفَصَلَ عَنْهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَكْفِيهِ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ وَالْعَشِيرَةِ خِذْلَانًا وَذُلًّا. ثم ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُصَرِّحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِهِ، فَأُمِنَ فِيهِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَالتَّسْوِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ. وَوَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا، وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ. ١٦ - بَاب لَمْ يَحْسِمْ النَّبِيُّ ﷺ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا ٦٨٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ

стр. 7098

أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. قَوْلُهُ: (بَابُ لَمْ يَحْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ الْمُحَارِبِينَ إِلَخْ) الْحَسْمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْكَيُّ بِالنَّارِ لِقَطْعِ الدَّمِ، حَسَمْتُهُ فَانْحَسَمَ كَقَطَعْتُهُ فَانْقَطَعَ، وَحَسَمْتُ الْعِرْقَ مَعْنَاهُ حَبَسْتُ دَمَ الْعِرْقِ فَمَنَعْتُهُ أَنْ يَسِيلَ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْحَسْمُ هُنَا أَنْ تُوضَعَ الْيَدُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي زَيْتٍ حَارٍّ. قُلْتُ: وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْحَسْمِ وَلَيْسَ مَحْصُورًا فِيهِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ: قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا تَرَكَ حَسْمَهُمْ لِأَنَّهُ أَرَادَ إِهْلَاكَهُمْ، فَأَمَّا مَنْ قُطِعَ فِي سَرِقَةٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ حَسْمُهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ غَالِبًا بِنَزْفِ الدَّمِ. ١٧ - بَاب لَمْ يُسْقَ الْمُرْتَدُّونَ الْمُحَارِبُونَ حَتَّى مَاتُوا ٦٨٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْغِنَا رِسْلًا، فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا، وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ، فَكَحَلَهُمْ، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَوْلُهُ: (بَابُ لَمْ يُسْقَ الْمُرْتَدُّونَ الْمُحَارِبُونَ حَتَّى مَاتُوا) كَذَا لَهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَلَوْ كَانَ بِفَتْحِهِ لَنَصَبَ الْمُحَارِبُونَ، وَكَانَ رَاجِعًا إِلَى فَاعِلٍ يَحْسِمُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَوْرَدَ فِيهِ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ تَامًّا. قَوْلُهُ: (حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ بِالْفَاءِ وَهِيَ أَوْجَهُ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَرْكِ سَقْيِهِمْ كُفْرُهُمْ نِعْمَةَ السَّقْيِ الَّتِي أَنْعَشَتْهُمْ مِنَ الْمَرَضِ الَّذِي كَانَ بِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ يُؤْخَذُ مِمَّا أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَا صَنَعُوا: عَطَّشَ اللَّهُ مَنْ عَطَّشَ آلَ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ قَالَ فَكَانَ تَرْكُ سَقْيِهِمْ إِجَابَةً لِدَعْوَتِهِ ﷺ . قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ عَاقَبَهُمْ بِذَلِكَ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ سَمَلَهُمْ لِكَوْنِهِمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا لِأَنَّهُ أَرَادَ إِهْلَاكَهُمْ كَمَا مَضَى فِي الْحَسْمِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ تَرْكَهُمْ بِلَا سَقْيٍ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ قَالُوا: أَبْغِنَا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ أَيِ اطْلُبْ لَنَا، يُقَالُ: أَبْغَاهُ كَذَا طَلَبَهُ لَهُ، وَقَوْلُهُ: رِسْلًا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ لَبَنًا، وَقَوْلُهُ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِيهِ تَجْرِيدٌ وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: بِإِبِلِي، وَلَكِنَّهُ كَقَوْلِ كَبِيرِ الْقَوْمِ: يَقُولُ لَكُمُ الْأَمِيرُ مَثَلًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَلِيفَةِ: يَقُولُ لَكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَقَدَّمَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِلَفْظِ: فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ تَرْعَى وَإِبِلُ الصَّدَقَةِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَدَلَّ كُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ عَلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ، وَقِيلَ: بَلِ الْكُلُّ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، وَإِضَافَتُهَا إِلَيْهِ إِضَافَةُ التَّبَعِيَّةِ لِكَوْنِهِ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا ذُكِرَ قَرِيبًا مِنْ تَعْطِيشِ آلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَنَاوَلُونَ الصَّدَقَةَ.

стр. 7099

١٨ - بَاب سَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْيُنَ الْمُحَارِبِينَ ٦٨٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ - أَوْ قَالَ عُرَيْنَةَ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ مِنْ عُكْلٍ - قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَشَرِبُوا، حَتَّى إِذَا بَرِئُوا قَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ غُدْوَةً، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي إِثْرِهِمْ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، فَأُلْقُوا بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (سَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي وَيَجُوزُ مُضَافًا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَعَ سُكُونِ الْمِيمِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أُتِيَ بِهِمْ. وَقَوْلُهُ: وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي أَوَّلِ الْمُحَارِبِينَ وَسَمَلَ بِاللَّامِ وَهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ عِيَاضٌ: سَمَرَ الْعَيْنَ بِالتَّخْفِيفِ كَحَلَهَا بِالْمِسْمَارِ الْمَحْمِيِّ، فَيُطَابِقُ السَّمْلَ فَإِنَّهُ فُسِّرَ بِأَنْ يُدْنَى مِنَ الْعَيْنِ حَدِيدَةٌ مُحْمَاةٌ حَتَّى يَذْهَبُ نَظَرُهَا فَيُطَابِقُ الْأَوَّلَ بِأَنْ تَكُونَ الْحَدِيدَةُ مِسْمَارًا، قَالَ: وَضَبَطْنَاهُ بِالتَّشْدِيدِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَفَسَّرُوا السَّمْلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ فَقْءُ الْعَيْنِ بِالشَّوْكِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ هُنَا. (تَنْبِيهٌ) أَشْكَلَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مَعَ حَدِيثِ عُبَادَةَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ كَفَّارَةً، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ الْمُحَارِبَ يُجْمَعُ لَهُ الْأَمْرَانِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ بِدَلِيلِ أَنَّ فِيهِ ذِكْرَ الشِّرْكِ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي، فَلَمَّا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قُتِلَ عَلَى شِرْكِهِ فَمَاتَ مُشْرِكًا أَنَّ ذَلِكَ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ قَامَ إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِإِثْمِ مَعْصِيَتِهِ، وَالَّذِي يَضْبِطُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٩ - بَاب فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ ٦٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ.

стр. 7100

٦٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ. ح. وَحَدَّثَنِي خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ) جَمْعُ فَاحِشَةٍ، وَهِيَ كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا، وَكَذَا الْفَحْشَاءُ وَالْفُحْشُ وَمِنْهُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ، وَيُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الزِّنَا فَاحِشَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وَأُطْلِقَتْ عَلَى اللِّوَاطِ بِاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ فِي قَوْلِ لُوطٍ ﵇ لِقَوْمِهِ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حَدُّهُ حَدَّ الزَّانِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَزَعَمَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْفَاحِشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ مَنْ وَقَعَ لَهُ نَحْوُهَا كَالَّذِي دَعَا شَابًّا جَمِيلًا لِأَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةً لَهُ جَمِيلَةً كَثِيرَةَ الْجِهَازِ جِدًّا لِيَنَالَ مِنْهُ الْفَاحِشَةَ، فَعَفَا الشَّابُّ عَنْ ذَلِكَ، وَتَرَكَ الْمَالَ وَالْجَمَالَ؛ وَقَدْ شَاهَدْتُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ مُقَاتِلٍ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ الْخَاصُّ عِنْدَ ابْنِ سَلَّامٍ، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَسَّانِيُّ قَاعِدَةً فِي تَفْسِيرِ مَنْ أُبْهِمَ وَاسْتَمَرَّ إِبْهَامُهُ، فَيَكُونُ كَثْرَةُ أَخْذِهِ وَمُلَازَمَتِهِ قَرِينَةً فِي تَعْيِينِهِ، أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ فَلَا. وَقَدْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، وَأَبِي الْوَقْتِ. الحديث الثاني: قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ مُقَدَّمٍ بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ، وَقَرَنَهُ هُنَا بِخَلِيفَةَ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ خَلِيفَةَ. قَوْلُهُ: (مَنْ تَوَكَّلَ لِي) أَيْ تَكَفَّلَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الرِّقَاقِ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: تَكَفَّلَ، وَبِلَفْظِ: حَفِظَ، وَهُوَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: تَضَمَّنَ، وَأَصْلُ التَّوَكُّلِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْوُثُوقُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: تَوَكَّلْتُ لَهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ، وَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَيْ فَرْجِهِ وَلَحْيَيْهِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ وَالْأَسْنَانِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ اللَّامِ، وَثُنِّيَ لِأَنَّ لَهُ أَعْلَى وَأَسْفَلَ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللِّسَانُ، وَقِيلَ: النُّطْقُ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الرِّقَاقِ حِفْظَ اللِّسَانِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ لَهُ بِالْجَنَّةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِحَذْفِ الْبَاءِ، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ كَأَنَّهُ ضَمَّنَ تَوَكَّلْتُ مَعْنَى ضَمِنْتُ. ٢٠ - بَاب إِثْمِ الزُّنَاةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ ٦٨٠٨ - حدثنا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسٌ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ - وَإِمَّا قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ - أَنْ

стр. 7101

يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ. ٦٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ : "لَا يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ هَكَذَا - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا - فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ" ٦٨١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ ذَكْوَانَ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ" ٦٨١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ". قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِثْلَهُ. قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ حَدَّثَنَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ وَوَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: دَعْهُ دَعْهُ قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ الزُّنَاةِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ زَانٍ كَرُمَاةِ وَرَامٍ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ يُشِيرُ إِلَى الْآيَةِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ وَأَوَّلُهَا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ فِي آخِرِ طَرِيقِ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، فَقَالَ: مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: حَلِيلَةَ جَارِكِ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ وَوَقَعَتْ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسَاقَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ كَمَا بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ كِلَاهُمَا عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ. وَسَاقَهُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِحَذْفِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: وَقَوْلُ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَالْمَشْهُورُ فِي الزِّنَا الْقَصْرُ، وَجَاءَ الْمَدُّ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ: أَخْبَرَنَا. قَوْلُهُ: (دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ) - بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ، هُوَ الْبَاهِلِيُّ يُكْنَى أَبَا سُلَيْمَانَ بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، قُلْتُ: وَلَمْ يُخَرِّجْ

стр. 7102

عَنْهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَيَظْهَرُ الزِّنَا، أَيْ يَشِيعُ وَيَشْتَهِرُ بِحَيْثُ لَا يُتَكَاتَمُ بِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَتَعَاطَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ قَوْلِ أَنَسٍ: لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَّلِ الْحُدُودِ، وَقَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ إِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِصِيغَةِ النَّهْيِ لَا يَزْنِيَنَّ مُؤْمِنٌ، وَأنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَسَاقَهُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ الْوَاسِطِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأَزْرَقِ، وَالْفُضَيْلُ بِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ، وَأَبُو غَزْوَانَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ زَايٍ سَاكِنَةٍ بِوَزْنِ شَعْبَانَ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: قَالَ عِكْرِمَةُ إِلَخْ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هُودٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَوَصَفَ صِفَةً لَا أَحْفَظُهَا، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْكَلَامَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَحِكَايَةُ تَأْوِيلِ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَفَّرَ أَحَدًا بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ يَعْنِي مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ يَعْنِي الْبَاقِرَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ، يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَانَ أَخَصَّ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ بَقِيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا كَمَالُهُ لَا أَصْلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ. الحديث الرابع حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الفَلَّاسُ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ الْأَعْمَشُ، وَأَبُو وَائِلٍ هُوَ شَقِيقٌ، وَأَبُو مَيْسَرَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَوَاصِلٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي هُوَ ابْنُ حَيَّانَ - بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ - هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَحْدَبِ، وَرِجَالُ السَّنَدِ مِنْ سُفْيَانَ فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ، وَقَوْلُهُ: قَالَ عَمْرٌو هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ (فَذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ (وَكَانَ حَدَّثَنَا) هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ قَدَّمَ رِوَايَةَ يَحْيَى عَلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَقَّبَهَا بِالْفَاءِ، وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، فَسَاقَ رِوَايَتَهُ، وَحَذَفَ ذِكْرَ وَاصِلٍ مِنَ السَّنَدِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَرَّةً عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَوَاصِلٍ، فَقُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، فَذَكَرَهُ مُفَصَّلًا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دَعْهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الثَّوْرِيَّ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ حَدَّثُوهُ بِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، فَأَمَّا الْأَعْمَشُ، وَمَنْصُورٌ فَأَدْخَلَا بَيْنَ أَبِي وَائِلٍ وَبَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَبَا مَيْسَرَةَ، وَأَمَّا وَاصِلٌ فَحَذَفَهُ فَضَبَطَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ هَكَذَا مُفَصَّلًا، وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَحَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَحَمَلَ رِوَايَةَ وَاصِلٍ عَلَى رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ، فَجَمَعَ الثَّلَاثَةَ، وَأَدْخَلَ أَبَا مَيْسَرَةَ فِي السَّنَدِ، فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ يَحْيَى فَصَّلَهُ كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِيهِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى التَّحْدِيثِ بِهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشِ حَسْبُ، وَتَرَكَ طَرِيقَ وَاصِلٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَقَالَ: دَعْهُ دَعْهُ أَيِ اتْرُكْهُ، وَالضَّمِيرُ لِلطَّرِيقِ الَّتِي اخْتُلِفَ فِيهَا وَهِيَ رِوَايَةُ وَاصِلٍ، وَقَدْ زَادَ الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: دَعْهُ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَاصِلًا بَعْدَ ذَلِكَ فَعُرِفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ دَعْهُ: أَيِ اتْرُكِ السَّنَدَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَبِي مَيْسَرَةَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: حَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا وَائِلٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى كَثِيرًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الطَّعْنَ عَلَيْهِ، لَكِنْ ظَهَرَ لَهُ تَرْجِيحُ الرِّوَايَةِ بِإِسْقَاطِ الْوَاسِطَةِ لِمُوَافَقَةِ الْأَكْثَرِينَ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ

стр. 7103

مَا قَدَّمْتُهُ أَنَّهُ تَرَكَهُ مِنْ أَجْلِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، لِأَنَّ ذِكْرَ أَبِي مَيْسَرَةَ إِنْ كَانَ فِي أَصْلِ رِوَايَةِ وَاصِلٍ فَتَحْدِيثُهُ بِهِ بِدُونِهِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ طَعْنٌ فِيهِ بِالتَّدْلِيسِ أَوْ بِقِلَّةِ الضَّبْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي رِوَايَتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَيَكُونُ زَادَ فِي السَّنَدِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَاكْتَفَى بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَمَّنْ لَا تَرَدُّدَ عِنْدَهُ فِيهِ وَسَكَتَ عَنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ وَاصِلٍ وَحْدَهُ بِزِيَادَةِ أَبِي مَيْسَرَةَ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ بِلَفْظِ وَاصِلٍ عَطَفَ عَلَيْهِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ طَرِيقَ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ قَالَ بِمِثْلِهِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ هَذَا السَّنَدَ مِثَالًا لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ مُدْرَجِ الْإِسْنَادِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ وَافَقَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى رِوَايَتِهِ الْأُولَى عَنْ سُفْيَانَ، فَيَصِيرُ الْحَدِيثُ عَنِ الثَّلَاثَةِ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ لَكِنِ اقْتَصَرَ من السَّنَدِ عَلَى مَنْصُورٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ فَضَمَّ الْأَعْمَشَ إِلَى مَنْصُورٍ، وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ مَعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَيُوسُفَ الْقَاضِي، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْبَرْقِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى مَنْصُورٍ وَعَلَى الْأَعْمَشِ فِي ذِكْرِ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَحَذْفِهِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَلَى وَاصِلٍ فِي إِسْقَاطِهِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ سُفْيَانَ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاصِلٍ بِحَذْفِ أَبِي مَيْسَرَةَ، لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رِوَايَةُ مَنْصُورٍ أَصَحُّ يَعْنِي بِإِثْبَاتِ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَقَالَ: رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كَقَوْلِ وَاصِلٍ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّوْرِيُّ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَفَصَّلَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ غَيْرُهُمَا يَعْنِي فَيَكُونُ الْإِدْرَاجُ مِنْ سُفْيَانَ لَا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ. قَوْلُهُ: (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ)؟ هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ، أَخْرَجَهَا الْحَارِثُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: أَيُّ الذُّنُوبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الذُّنُوبِ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ مِنَ الذَّنْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ اللِّوَاطَ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنَ الزِّنَا فَكَأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَصَدَ بِالْأَعْظَمِ هُنَا مَا تَكْثُرُ مُوَاقَعَتُهُ وَيَظْهَرُ الِاحْتِيَاجُ إِلَى بَيَانِهِ فِي الْوَقْتِ كَمَا وَقَعَ فِي حَقِّ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ حَيْثُ اقْتَصَرَ فِي مَنْهِيَّاتِهِمْ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْرِبَةِ لِفَشْوِهَا فِي بِلَادِهِمْ. قُلْتُ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا: مَا نَقَلَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ بِمَا ادَّعَاهُ عَنْ إِمَامٍ وَاحِدٍ بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْ جَمَاعَةٍ عَكْسُهُ فَإِنَّ الْحَدَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ: إِنَّمَا ثَبَتَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنَ الْمَقِيسِ أَوْ مُسَاوِيهِ، وَالْخَبَرُ الْوَارِدُ فِي قَتْلِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ رَجْمِهِمَا ضَعِيفٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَمَا مِنْ مَفْسَدَةٍ فِيهِ إِلَّا وَيُوجَدُ مِثْلُهَا فِي الزِّنَا وَأَشَدُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا قُيِّدَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ فِيهِ شَدِيدَةٌ جِدًّا، وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلُهَا فِي الذَّنْبِ الْآخَرِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَزِيدُ. وَأَمَّا ثَالِثًا: فَفِيهِ مُصَادَمَةٌ لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَى الْأَعْظَمِيَّةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا رَابِعًا: فَالَّذِي مَثَّلَ بِهِ مِنْ قِصَّةِ الْأَشْرِبَةِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ لَهُمْ عَلَى بَعْضِ الْمَنَاهِي، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ وَلَا إِشَارَةٌ بِالْحَصْرِ فِي الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى

стр. 7104

تَرْتِيبِهَا فِي الْعِظَمِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَمْ يَذْكُرْهُ شَيْءٌ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَعْظَمَ مِنْهَا لَمَا طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ، نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ يُسَاوِي مَا ذُكِرَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا بَعْدَ الْقَتْلِ الْمَوْصُوفِ، وَمَا يَكُونُ فِي الْفُحْشِ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ، لَكِنْ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ شَيْءٌ هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ عَدِّ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لَكِنَّهَا ذُكِرَتْ بِالْوَاوِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رُتْبَةً رَابِعَةً وَهِيَ أَكْبَرُ مِمَّا دُونَهَا. قَوْلُه: (حَلِيلَةَ جَارِكَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَزْنَ عَظِيمَةٍ أَيِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَقِيلَ: الَّتِي تَحُلُّ مَعَهُ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: أَجْلَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مِنْ أَجْلِ، فَحُذِفَ الْجَارُّ فَانْتَصَبَ، وَذُكِرَ الْأَكْلُ لِأَنَّهُ كَانَ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ الْعَرَبِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٢١ - بَاب رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ فحَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي ٦٨١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٦٨١٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ "سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي" [الحديث ٦٨١٣ - طرفه في: ٦٨٤٠] ٦٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ "أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ" قَوْلُهُ: (بَابُ رَجْمِ الْمُحْصَنِ) هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِحْصَانِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْعِفَّةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَمْنَعُ الْمُكَلَّفَ مِنْ عَمَلِ الْفَاحِشَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: رَجُلٌ مُحْصِنٌ بِكَسْرِ الصَّادِ عَلَى الْقِيَاسِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. قُلْتُ: يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ عَقَدَ عَلَيْهَا وَدَخَلَ بِهَا وَأَصَابَهَا، فَكَأَنَّ الَّذِي زَوَّجَهَا لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى التَّزْوِيجِ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ نَفْسَهُ أَحْصَنَهُ أَيْ جَعَلَهُ فِي حِصْنٍ مِنَ الْعِفَّةِ أَوْ مَنَعَهُ مِنْ عَمَلِ الْفَاحِشَةِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّجَةِ مُحْصَنَةٌ أَيْ أَنَّ زَوْجَهَا أَحْصَنَهَا، وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مُحْصِنٌ بِالْكَسْرِ إِذَا تُصُوِّرَ حِصْنُهَا مِنْ نَفْسِهَا، وَبِالْفَتْحِ إِذَا تُصُوِّرَ حِصْنُهَا مِنْ غَيْرِهَا. وَوَقَعَ هُنَا قَبْلَ الْبَابِ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ كِتَابُ الرَّجْمِ وَلَمْ يَقَعْ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْإِحْصَانُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلَا الشُّبْهَةِ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فَقَالَ: يَكُونُ مُحْصَنًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يُعْطَى أَحْكَامَ الصَّحِيحِ فِي تَقْدِيرِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ وَتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ، وَأُجِيبَ بِعُمُومِ ادْرَءُوا الْحُدُودَ قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مُحْصَنًا، وَاخْتَلَفُوا إِذَا دَخَلَ بِهَا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا. قَالَ: حَتَّى تَقُومُ الْبَيِّنَةُ أَوْ يُوجَدُ مِنْهُ إِقْرَارٌ أَوْ يُعْلَمُ لَهُ مِنْهَا ولد، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا زَنَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَطْءِ لَمْ يُصَدَّقِ الزَّانِي وَلَوْ لَمْ يَمْضِ لَهُمَا إِلَّا لَيْلَةٌ،

стр. 7105

وَأَمَّا قَبْلَ الزِّنَا فَلَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَلَوْ أَقَامَ مَعَهَا مَا أَقَامَ، وَاخْتَلَفَا إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَمَةً هَلْ تُحْصِنُهُ؟ فَقَالَ الْأَكْثَرُ: نَعَمْ، وَعَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: لَا. وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَطَاوُسٌ، وَالشُّعَبِيُّ: لَا تُحْصِنُهُ، وَعَنِ الْحَسَنِ: لَا تُحْصِنُهُ حَتَّى يَطَأَهَا فِي الْإِسْلَامِ، أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ تُحْصِنُهُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَ إِذَا زَنَى عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، وَدَفَعَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّجْمَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ لَقِيَهُمْ وَهُمْ مِنْ بَقَايَا الْخَوَارِجِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ، وَلِذَلِكَ أَشَارَ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ: وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ آيَةُ الرَّجْمِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ وَقَالَ مَنْصُورٌ بَدَلَ الْحَسَنِ وَزَيَّفُوهُ. قَوْلُهُ: (مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ فَحَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الزِّنَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ سَأَلْتُ عُمَرَ: مَا كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ مَحْرَمٍ وَهُوَ يَعْلَمُ؟ قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ فِيمَنْ أَتَى ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ قَالَ: تُضْرَبُ عُنُقُهُ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الزِّنَا بِمَحْرَمٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى ضَعْفِ الْخَبَرِ الَّذِي وَرَدَ فِي قَتْلِ مَنْ زَنَى بِذَاتِ مَحْرَمٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِرَجُلٍ قَدِ اغْتَصَبَ أُخْتَهُ عَلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: سَلُوا مَنْ هُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُطَرِّفِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَخَطَّى الْحُرْمَتَيْنِ فَخُطُّوا وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ، فَكَتَبُوا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِهِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ وَنَقَلَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَهُوَ هَذَا أَوْ لَا يُشِيرُ إِلَى تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي غَلِطَ فِي قَوْلِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطَرِّفٍ، وَفِي قَوْلِهِ: سَمِعْتُ. وَإِنَّمَا هُوَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا صُحْبَةَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّاوِيَ غَلِطَ فِيهِ، وَأَثَرُ مُطَرِّفٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حَاتِمٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِزِّيِّ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِرَجُلٍ قَدْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ وَعِنْدَهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَأَبُو بُرْدَةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اضْرِبْ عُنُقَهُ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. قُلْتُ: وَالرَّاوِي عَنْ صَالِحِ بْنِ رَاشِدٍ ضَعِيفٌ وَهُوَ رِفْدَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَيُوَضِّحُ ضَعْفَهُ قَوْلُهُ: فَكَتَبُوا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْحَجَّاجُ الْإِمَارَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ وَضَعَّفَ رَاوِيَهَا، وَأَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ: لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنِ اضْرِبْ عُنُقَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَفِي سَنَدِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَدْ قَالَ بِظَاهِرِهِ أَحْمَدُ. وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ بِقَرِينَةِ الْأَمْرِ بِأَخْذِ مَالِهِ وَقِسْمَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الحديث الأول. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ: عَنْ سَلَمَةَ، وَمُجَالِدٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ

стр. 7106

أَنَّ قَعْنَبَ بْنَ مُحْرِزٍ رَوَاهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ سَلَمَةُ، وَمُجَالِدٌ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ عَلِيٍّ) أَيْ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ، قَدْ طَعَنَ بَعْضُهُمْ كَالْحَازِمِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِأَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَلِيٍّ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَوَاهُ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قَعْنَبٍ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ وَهْمٌ، وَبِأَنَّ الشَّعْبِيَّ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَلِيٍّ قَالَ، وَلَمْ يَسْمَعْ عَنْهُ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِامْرَأَةٍ زَنَتْ فَضَرَبَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِشُرَاحَةَ - وَهِيَ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ الْهَمْدَانِيَّةِ بِسُكُونِ الْمِيمِ - وَقَدْ فَجَرَتْ، فَرَدَّهَا حَتَّى وَلَدَتْ وَقَالَ: ائْتُونِي بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ مِنْهَا فَأَعْطَاهَا الْوَلَدَ ثُمَّ رَجَمَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ بِالتَّصْغِيرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِمَوْلَاةٍ لِسَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ فَجَرَتْ، وَفِي لَفْظٍ: وَهِيَ حُبْلَى فَضَرَبَهَا مِائَةً ثُمَّ رَجَمَهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ فِي تَفْسِيرِ سَنَيدِ بْنِ دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى الشَّعْبِيِّ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِشُرَاحَةَ فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَكِ، قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَلَعَلَّهُ أَتَاكِ وَأَنْتِ نَائِمَةٌ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: لَعَلَّ زَوْجَكِ مِنْ عَدُوِّنَا؟ قَالَتْ: لَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُبِسَتْ، فَلَمَّا وَضَعَتْ أَخْرَجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ فَجَلَدَهَا مِائَةً ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الْحَبْسِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ حَفَرَ لَهَا وَرَجَمَهَا. وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: إنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَضَعَتْ أَمَرَ لَهَا بِحُفْرَةٍ فِي السُّوقِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ أَنْ يَرْجُمَ الْإِمَامُ إِذَا كَانَ بِالِاعْتِرَافِ، فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ فَالشُّهُودُ ثُمَّ رَمَاهَا. قَوْلُهُ: (رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) زَادَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَجَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ فِي أَوَّلِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: قِيلَ لِعَلِيٍّ: جَمَعْتَ حَدَّيْنِ فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَجْلِدُهَا بِالْقُرْآنِ وَأَرْجُمُهَا بِالسُّنَّةِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ الْحَازِمِيُّ: ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُدُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ يُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا - لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرُوا أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ مَنْسُوخٌ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالنَّفْيُ، وَالنَّاسِخُ لَهُ مَا ثَبَتَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَهُ وَلَمْ يُذْكَرِ الْجَلْدَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ عَلَى الْبِكْرِ وَسَاقِطٌ عَنِ الثَّيِّبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ مَاعِزٍ مُتَرَاخِيَةٌ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ نَاسِخٌ لِمَا شُرِعَ أَوَّلًا مِنْ حَبْسِ الزَّانِي فِي الْبُيُوتِ، فَنُسِخَ الْحَبْسُ بِالْجَلْدِ وَزِيدَ الثَّيِّبَ الرَّجْمُ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ، ثُمَّ نُسِخَ الْجَلْدُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِصَارِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ عَلَى الرَّجْمِ وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ وَالْجُهَنِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّيْنِ لَمْ يُذْكَرِ الْجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: عَارَضَ بَعْضُهُمُ الشَّافِعِيَّ فَقَالَ: الْجَلْدُ ثَابِتٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَالرَّجْمُ ثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ وَعَمِلَ بِهِ عَلِيٌّ وَوَافَقَهُ أُبَيٌّ، وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ تَصْرِيحٌ بِسُقُوطِ الْجَلْدِ عَنِ الْمَرْجُومِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تُرِكَ ذِكْرُهُ لِوُضُوحِهِ وَلِكَوْنِهِ الْأَصْلَ فَلَا يُرَدُّ مَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ بِالِاحْتِمَالِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِنَظِيرِ هَذَا حِينَ عُورِضَ إِيجَابُهُ الْعُمْرَةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَحُجَّ عَلَى أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ، فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ، قَالَ: فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ هُنَا. قُلْتُ: وَبِهَذَا أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا الشَّافِعِيَّةَ، وَلَهُمْ أَنْ يَنْفَصِلُوا لَكِنْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ،

стр. 7107

فَالتَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَاعِزٍ فَجَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَ، وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ وَالْجُهَنِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ فِي مَاعِزٍ اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَلْدَ، فَدَلَّ تَرْكُ ذِكْرِهِ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَدَلَّ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ. وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَغْرَبَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، زَادَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَمْ إِنْ أُحْصِنَ فَقَطْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَقَالَتِ: الْجَمْعُ عَلَى الشَّيْخِ الثَّيِّبِ دُونَ الشَّابِّ وَلَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، كَذَا قَالَهُ وَنَفَى أَصْلَهُ، وَوَصْفَهُ بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ طَرِيقَهُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الشَّيْخِ فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ فَلَا يَنْفَكَّانِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّةَ لَا تُنَافِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ، سَلَّمْنَا، لَكِنَّ التِّلَاوَةَ أَمَارَةُ الْحُكْمِ فَيَدُلُّ وُجُودُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَا دَلَالَةَ مِنْ مُجَرَّدِهَا عَلَى وُجُوبِ الدَّوَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ فِي طَرَفِ الدَّوَامِ انْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا نُسِخَتِ التِّلَاوَةُ وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُولُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ سُلَيْمَانُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْ بَعْدَهَا وَفَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الرَّجْمَ إِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى نَسْخُهُ بِالتَّنْصِيصِ فِيهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْجَلْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا وَأَيْضًا فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ. قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي) يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ لِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالرَّجْمُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَضَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا جَاءَ مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: أَخْبَرَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنِي. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي مُسَمًّى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ. ٢٢ - بَاب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ، لِعُمَرَ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟ ٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي

стр. 7108

زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. ٦٨١٦ - … قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ "فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ" قَوْلُهُ (بَابُ لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ) أَيْ إِذَا وَقَعَ فِي الزِّنَا فِي حَالِ الْجُنُونِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا وَقَعَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ثُمَّ طَرَأَ الْجُنُونُ هَلْ يُؤَخَّرُ إِلَى الْإِفَاقَةِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّلَفُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّأْخِيرِ، بِخِلَافِ مَنْ يُجْلَدُ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ الْإِيلَامُ فَيُؤَخَّرُ حَتَّى يُفِيقَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِعُمَرَ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَنْ وَصَلَهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَأَنَّ أَبَا دَاوُدَ، وَابْنَ حِبَّانَ، وَالنَّسَائِيَّ أَخْرَجُوهُ مَرْفُوعًا، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ الْمَوْقُوفُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَفِي أَوَّلِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ قِصَّةٌ تُنَاسِبُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ وَهُوَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُتِيَ عُمَرُ أَيْ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَهُ، هَذَا لَفْظُ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ الْمَوْقُوفُ فِي الْفَوَائِدِ الْجَعْدِيَّاتِ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِمَجْنُونَةِ بَنِي فُلَانٍ قَدْ زَنَتْ فَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجْمِهَا فَرَدَّهَا عَلِيٌّ وَقَالَ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟ قَالَ: صَدَقْتَ، فَخَلَّى عَنْهَا. هَذِهِ رِوَايَةُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ وَسَنَدُهَا مُتَّصِلٌ، لَكِنْ أَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ بِأَنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ حَدَّثَ بِمِصْرَ بِأَحَادِيثَ غَلِطَ فِيهَا، وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدِهِ: أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ، فَاسْتَشَارَ فِيهَا النَّاسَ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ، فَمَرَّ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: ارْجِعُوا بِهَا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ رُفِعَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا بَالُ هَذِهِ تُرْجَمُ؟ فَأَرْسَلَهَا، فَجَعَلَ يُكَبِّرُ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَوْقُوفًا مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَرَجَّحَهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلِيٍّ بِدُونِ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي آخِرِهِ: فَجَعَلَ عُمَرُ يُكَبِّرُ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: قَالَ أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ فَخَلَّى عَلِيٌّ سَبِيلَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي عَلِيًّا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ فَذَكَرَهُ لَكِنْ بِلَفْظِ: الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَهَذِهِ مَعْتُوهَةُ بَنِي فُلَانٍ لَعَلَّ الَّذِي أَتَاهَا وَهِيَ فِي بَلَائِهَا. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ: عَنِ الْخَرِفِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَهَذِهِ طُرُقٌ تَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَقَدْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي تَخْرِيجِهَا ثُمَّ قَالَ: لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ وَالْمَرْفُوعُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. قُلْتْ: وَلِلْمَرْفُوعِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، وَثَوْبَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ فِي الْحَدِّ عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ الْمَعْتُوهِ الْهَالِكِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَقَدْ أَخَذَ الْفُقَهَاءُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِ الْقَلَمِ تَرْكُ كِتَابَةِ الشَّرِّ عَنْهُمْ دُونَ الْخَيْرِ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: هُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّبِيِّ دُونَ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ لِأَنَّهُمَا فِي حَيِّزِ مَنْ
следующие страницы →