← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 7139–7178 · переход к 7144.

стр. 7139

زَيْدٍ: خَزَلْتُهُ عَنْ حَاجَتِهِ عَوَّقْتُهُ عَنْهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْأَصْلِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْأَمْرِ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَحْضُنُونَا) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: أَيْ يُخْرِجُونَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ حَضَنَهُ وَاحْتَضَنَهُ عَنِ الْأَمْرِ: أَخْرَجَهُ فِي نَاحِيَةٍ عَنْهُ وَاسْتَبَدَّ بِهِ أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ: يَخْتَصُّونَا بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِهَا، وَمِثْلُهُ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَكِنْ بِضَمِّ الْخَاءِ بِغَيْرِ تَاءٍ وَهِيَ بِمَعْنَى الِاقْتِطَاعِ وَالِاسْتِئْصَالِ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَانَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَيَخْتَصُّونَ بِالْأَمْرِ أَوْ يَسْتَأْثِرُونَ بِالْأَمْرِ دُونَنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: وَيَخْطَفُونَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ. وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا هُمْ إِلَخْ بَقِيَّةُ كَلَامِ خَطِيبِ الْأَنْصَارِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ: قَالَ عُمَرُ فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ إِلَخْ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ هُنَا قَالَ عُمَرُ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ كُلُّهُ كَلَامُ الْأَنْصَارِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ عُمَرَ: فَلَمَّا سَكَتَ، وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ: رَهْطٌ أَيْ أَنَّ عَدَدَكُمْ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ لِلْأَنْصَارِ، وَقَوْلُهُ: دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ يُرِيدُ أَنَّكُمْ قَوْمٌ طُرَأَةٌ غُرَبَاءُ أَقْبَلْتُمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَيْنَا ثُمَّ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنَا. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا سَكَتَ) أَيْ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَرَادُوا أَنْ يَمْنَعُوا الْأَنْصَارَ مِنْ أَمْرٍ تَعْتَقِدُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمَا. قَوْلُهُ: (أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ) بِزَايٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ هَيَّأْتُ وَحَسَّنْتُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: رَوَّيْتُ بِرَاءٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الرِّوَايَةِ ضِدَّ الْبَدِيهَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ بَعْد فَمَا تَرَكَ كَلِمَةً، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي رَوِيَّتِي إِلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ لِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَوْلُهُ: (عَلَى رِسْلِكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ أَيْ عَلَى مَهَلِكَ بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الِاعْتِكَافِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ: فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَوْلُهُ: (أَنْ أُغْضِبَهُ) بِغَيْنٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ يَاءٍ آخِرِ الْحُرُوفِ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْقَرَ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَتَكَلَّمَ أَبْلَغُ النَّاسِ. قَوْلُهُ: (مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّا وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا نُنْكِرُ فَضْلَكُمْ وَلَا بَلَاءَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا حَقَّكُمُ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا. قَوْلُهُ: (وَلَنْ يُعْرَفَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: وَلَمْ تَعْرِفِ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: قَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ لَيْسَ بِهَا غَيْرُهُمْ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَا تُصَدِّعُوا الْإِسْلَامَ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُوَ بَدَلَ هُمْ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَئِذٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَسُقْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ هُنَاكَ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حُكْمِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ) زَادَ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ هُنَا: فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَفَاخِرَهُ، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ قَائِلُ الْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَقَدْ سَمَّاهُ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْبَزَّارِ فَقَالَ: حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَكِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مُدْرَجٌ، فَقَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ

стр. 7140

أَنَّ الَّذِي سَمَّاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ هُوَ الَّذِي قَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ. فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُرَجَّبِ وَالْمُحَكَّكِ هُنَاكَ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَتَعَلَّقَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورَةِ مَشْرُوحًا، وَزَادَ إِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ هُنَاكَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا دَاهِيَتُهَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، زَادَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ هُنَا: وَإِلَّا أَعَدْنَا الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ خَدْعَةً، فَقُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَيْفَان فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مَعْمَرٍ أَنَّ رَاوِيَ ذَلِكَ قَتَادَةُ، فَقَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عُمَرُ: لَا يَصْلُحُ سَيْفَان فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ مِنَّا الْأُمَرَاءُ وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَنْفَسُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَمْرَ، وَلَكِنَّا نَخَافُ أَنْ يَلِيَهَا أَقْوَامٌ قَتَلْنَا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَتَهُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمُتْ إِنِ اسْتَطَعْتَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَامِلُ لِلْقَائِلِ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ السِّيَادَةَ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ مِنْهُمْ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُهُ حُكْمُ الْإِمَارَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِقُرَيْشٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَمْسَكَ عَنْ قَوْلِهِ وَبَايَعَ هُوَ وَقَوْمُهُ أَبَا بَكْرٍ. قَوْلُهُ: (حَتَّى فَرِقْتُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ مِنَ الْفَرَقِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْخَوْفُ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: حَتَّى خِفْتُ وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ: حَتَّى أَشْفَقْنَا الِاخْتِلَافَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا أَخْرَجَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِنَبِيِّ اللَّهِ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ بِالنَّاسِ، فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الطَّائِيِّ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بِلَفْظِ: فَأَيُّكُمْ يَجْتَرِئُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا أَيُّنَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَسْتُ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ؟ أَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؟ أَلَسْتُ صَاحِبَ كَذَا. قَوْلُهُ: (فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ حَيْثُ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حِينَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا عُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَأَنَّهُ اسْتَصْحَبَ الْحَالَ الْمَنْقُولَةَ فِي تَوَجُّهِهِمْ، لَكِنْ ظَهَرَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بَايَعْتهُ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَهُمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَأَنَّهُمْ تَلَاحَقُوا بِهِمْ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا بَايَعَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرٍ وَبَايَعَهُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ حِينَ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا: ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ وَبَدَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَضَرَبَ عَلَى يَدِهِ قَبْلَ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبْتُ عَلَى يَدِهِ فَتَتَابَعَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَالِدُ النُّعْمَانِ. قَوْلُهُ: (وَنَزَوْنَا) بِنُونٍ وَزَايٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيْ وَثَبْنَا. قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ مِنَ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ

стр. 7141

تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَصَّ قِصَّةَ الْبَيْعَةِ الْعَامَّةِ، وَيَأْتِي شَرْحُهَا هُنَاكَ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي. قَوْلُهُ: (مِنْ أَمْرٍ) فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ أَيْ حَضَرْنَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أُمُورًا فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا أَقْوَى مِنْ سَابِقَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْأُمُورُ الَّتِي حُضِرَتْ حِينَئِذٍ الِاشْتِغَالُ بِالْمُشَاوَرَةِ وَاسْتِيعَابُ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَجَعَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحُ مِنْهَا الِاشْتِغَالَ بِتَجْهِيزِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَفْنِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ إِشْعَارٌ بِهِ، بَلْ تَعْلِيلُ عُمَرَ يُرْشِدُ إِلَى الْحَصْرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِخْلَافِ. قَوْلُهُ: (فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُثَنَّاةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ. قَوْلُهُ: (عَلَى مَا نَرْضَى) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَهُوَ الْوَجْهُ، وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ تُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَمَنْ تَابَعَ رَجُلًا. قَوْلُهُ: (فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ: مَنْ دُعِيَ إِلَى إِمَارَةٍ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: أَخْذُ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ وَإِنْ صَغُرَتْ سِنُّ الْمَأْخُوذِ عَنْهُ عَنِ الْآخِذِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ قَدْرُهُ عَنْ قَدْرِهِ. وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُودَعُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَلَا يُحَدَّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يَعْقِلُهُ، وَلَا يُحَدَّثُ الْقَلِيلُ الْفَهْمِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ إِخْبَارِ السُّلْطَانِ بِكَلَامِ مَنْ يُخْشَى مِنْهُ وُقُوعُ أَمْرٍ فِيهِ إِفْسَادٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ النَّمِيمَةِ الْمَذْمُومَةِ، لَكِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ أَنْ يُبْهِمَهُ صَوْنًا لَهُ وَجَمْعًا لَهُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَلَعَلَّ الْوَاقِعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ كَذَلِكَ، وَاكْتَفَى عُمَرُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ وَلَا مَنْ قِيلَ عَنْهُ. وَبَنَى الْمُهَلَّبُ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مُبَايَعَةُ شَخْصٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ. قُلْتُ: وَالَّذِي يظهَرَ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ أَنَّ إِنْكَارَ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مُبَايَعَةَ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ قُرَشِيًّا أَوْ لَا، وَفِيهِ أَنَّ الْعَظِيمَ يُحْتَمَلُ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُمَدُّ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ أَيْ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ احْتِمَالِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى بَيْعَتِهِ عَنْ غَيْرِ تَشَاوُرٍ عَامٍّ أَنْ يُبَاحَ ذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لَا يَتَّصِفُ بِمِثْلِ صِفَةِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَفِيهِ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى مَنْ وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْصَارِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْخِلَافَةِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ شَرْحِ بَابِ الْأُمَرَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا وُجِدَتْ حَامِلًا وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْحَمْلِ أَوْ الِاسْتِكْرَاهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِقَامَةُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ إِذَا ظَهَرَ وَلَدٌ لَمْ يَسْبِقْهُ سَبَبٌ جَائِزٌ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ مِنْ حَرَامٍ، وَيُسَمَّى قِيَاسَ الدَّلَالَةِ كَالدُّخَانِ عَلَى النَّارِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ مِنْ شُبْهَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنِ ادَّعَتْ الِاسْتِكْرَاهَ وَكَانَتْ غَرِيبَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْلُ عُمَرَ فِي خُطْبَتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ، وَكَذَا لَوْ قَامَتِ الْقَرِينَةُ عَلَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْخَطَأِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: فِي تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ الْخَلِيَّةِ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَادَّعَتِ الْإِكْرَاهَ خِلَافٌ؛ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً أَمْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ لِحَدِيثِ عُمَرَ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ فِي عِدَّةِ قَضَايَا أَنَّهُ دَرَأَ الْحَدَّ بِدَعْوَى الْإِكْرَاهِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: إِنَّا لَمَعَ عُمَرَ بِمِنًى، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ حُبْلَى ضَخْمَةٍ تَبْكِي، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ فَقُمْتُ بِاللَّيْلِ أُصَلِّي ثُمَّ نِمْتُ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ إِلَّا وَرَجُلٌ قَدْ رَكِبَنِي وَمَضَى، فَمَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، قَالَ: فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْهَا مَخَايِلُ الصِّدْقِ فِي دَعْوَى الْإِكْرَاهِ قُبِلَ مِنْهَا، وَأَمَّا

стр. 7142

الْمَعْرُوفَةُ فِي الْبَلَدِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ بِالدِّينِ وَلَا الصِّدْقِ، وَلَا قَرِينَةَ مَعَهَا عَلَى الْإِكْرَاهِ فَلَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مُتَّهَمَةً، وَعَلَى الثَّانِي يَدُلُّ قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْبَاجِيُّ أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَدَخَلَ مَاؤُهُ فِيهِ فَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ لَا يُقْبَلُ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِهِ لَمَا وَجَبَ الرَّجْمُ عَلَى حُبْلَى لِجَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْحُبْلَى بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ حَدٌّ لِاحْتِمَالِ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى أَنَّ الْحَبَلَ إِذَا كَانَ مِنْ زِنًا وَجَبَ فِيهِ الرَّجْمُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْ زِنًى، وَلَا تُرْجَمُ بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ فِيهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا أُتِيَ بِالْمَرْأَةِ الْحُبْلَى وَقَالُوا: إِنَّهَا زَنَتْ وَهِيَ تَبْكِي، فَسَأَلَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَأَخْبَرَتْ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ؛ فَإِنَّ عُمَرَ قَابَلَ الْحَبَلَ بِالِاعْتِرَافِ، وَقَسِيمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ قِسْمَهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ مَنْ لَا يَرَى الْحَدَّ بِمُجَرَّدِ الْحَبَلِ قِيَامَ الِاحْتِمَالِ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ زِنًى مُحَقَّقٍ، وَأَنَّ الْحَدَّ يُدْفَعُ بِالشُّبْهَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَمْرٍ يُرِيدُ الْإِمَامُ أَنْ يُحْدِثَهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ إِجْمَالًا لِيَكُونَ إِذَا سَمِعَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، كَمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ سَعِيدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ أُمُورَ الشَّرْعِ قَدِ اسْتَقَرَّتْ، فَمَهْمَا أُحْدِثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ تَفْرِيعًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا سَكَتَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ بَيَانِ ذَلِكَ لَهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ عَلَى الْفَوْرِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْإِمَامِ فِي الرَّأْيِ إِذَا خَشِيَ أَمْرًا وَكَانَ فِيمَا أَشَارَ بِهِ رُجْحَانٌ عَلَى مَا أَرَادَهُ الْإِمَامُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مَخْصُوصُونَ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ لِاتِّفَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعُمَرَ عَلَى ذَلِكَ، كَذَا قَالَ الْمُهَلَّبُ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَأَقَرَّهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ مَنْ ضَاهَاهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ بَلْ وَلَا فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَبْلِيغِ الْعِلْمِ مِمَّنْ حَفِظَهُ وَفَهِمَهُ وَحَثُّ مَنْ لَا يَفْهَمُ عَلَى عَدَمِ التَّبْلِيغِ إِلَّا إِنْ كَانَ يُورِدُهُ بِلَفْظِهِ وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ. وَأَشَارَ الْمُهَلَّبُ إِلَى أَنَّ مُنَاسَبَةَ إِيرَادِ عُمَرَ حَدِيثَ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ وَحَدِيثَ الرَّجْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْطَعَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ، وَلَا يَتَسَوَّرُ بِرَأْيِهِ فِيهِ فَيَقُولُ أَوْ يَعْمَلُ بِمَا تُزَيِّنُ لَهُ نَفْسُهُ، كَمَا يَقْطَعُ الَّذِي قَالَ لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا لَمَّا لَمْ يَجِدْ شَرْطَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ، فَقَاسَ مَا أَرَادَ أَنْ يَقَعَ لَهُ بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ فَأَخْطَأَ الْقِيَاسَ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَنْهُ وَيَعْمَلَ بِمَا يَدُلُّونَهُ عَلَيْهِ، فَقَدَّمَ عُمَرُ قِصَّةَ الرَّجْمِ وَقِصَّةَ النَّهْيِ عَنِ الرَّغْبَةِ عَنِ الْآبَاءِ وَلَيْسَا مَنْصُوصَيْنِ فِي الْكِتَابِ الْمَتْلُوِّ وَإِنْ كَانَا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ وَاسْتَمَرَّ حُكْمُهُمَا وَنُسِخَتْ تِلَاوَتُهُمَا، لَكِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ نُسِخَ حُكْمُهُ. وَفِي قَوْلِهِ: أَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ إِشَارَةٌ إِلَى دُرُوسِ الْعِلْمِ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ فَيَجِدُ الْجُهَّالُ السَّبِيلَ إِلَى التَّأْوِيلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ وَهُوَ لَا تُطْرُونِي فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ مَا يُخْشَى عَلَيْهِمْ جَهْلُهُ، قَالَ: وَفِيهِ اهْتِمَامُ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ بِالْقُرْآنِ وَالْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْمُصْحَفِ، وَكَذَا مَنْعُ النَّقْصِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إِنَّمَا تُمْنَعُ لِئَلَّا يُضَافَ إِلَى الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَإِطْرَاحُ بَعْضِهِ أَشَدُّ. قَالَ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ مَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ زِيَادَةٍ لَيْسَتْ فِي الْإِمَامِ، إِنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ وَنَحْوِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا فِي الْإِمَامِ، وَبَقِيَتْ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ تُنْقَلُ لَا عَلَى أَنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُصْحَفِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ

стр. 7143

عَلَى أَنَّ مَنْ خَشِيَ مِنْ قَوْمٍ فِتْنَةً وَأَنْ لَا يُجِيبُوا إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ الْحَقِّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ وَيُنَاظِرَهُمْ وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ فَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: فَسَيْفَانِ فِي غِمْدٍ؟ إِذًا لَا يَصْلُحَانِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؟ مَنْ صَاحِبُهُ؟ ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ مَنْ هُمَا؟ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ أَحْسَنَ بَيْعَةٍ وَأَجْمَلَهَا. وَفِيهِ أَنَّ لِلْكَبِيرِ الْقَدْرِ أَنْ يَتَوَاضَعَ وَيُفَضِّلَ مَنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَدَبًا وَفِرَارًا مِنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ ابْسُطْ يَدَكَ لَمْ يَمْتَنِعْ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ إِمَامٍ. وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ يُخْشَى فِي بَقَائِهِ فِتْنَةٌ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ غَيْرَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ حَتَّى يَطْلُبَهُ الْمَقْذُوفُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاذِفِهِ أَوْ يُرِيدُ السَّتْرَ. وَفِيهِ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ إِنْ خَشِيَ مِنْ قَوْمٍ الْوُقُوعَ فِي مَحْذُورٍ أَنْ يَأْتِيَهِمْ فَيَعِظَهُمْ وَيُحَذِّرَهُمْ قَبْلَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ. وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشِّيعَةِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ إِمَامَتِهِ وَلَا اسْتِحْقَاقَهُ لِلْخِلَافَةِ. وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَوَاضُعًا مِنْهُ، وَالثَّانِي: لِتَجْوِيزِهِ إِمَامَةَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَقِّ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِغَيْرِهِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَرْضَى أَنْ يَتَقَدَّمَهُ فَأَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ الْأَمْرُ مُنْحَصِرًا فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَانَ إِذْ ذَاكَ غَائِبًا فِي جِهَادِ أَهْلِ الشَّامِ مُتَشَاغِلًا بِفَتْحِهَا، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ عُمَرَ: لَأَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي إِلَخْ، عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ. وَفِيهِ إِشَارَةُ ذِي الرَّأْيِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ بِمَا يَنْفَعُ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ، وَرُجُوعُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ وُضُوحِ الصَّوَابِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، أَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، وَقَدْ ثَبَتَ النَّصُّ الصَّرِيحُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ إِذَا بَايَعُوا الْخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوَّلَهُ بِالْخَلْعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فَيَصِيرُ كَمَنْ قُتِلَ. وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِ عُمَرَ فِي حَقِّ سَعْدٍ: اقْتُلُوهُ أَيِ اجْعَلُوهُ كَمَنْ قُتِلَ. ٣٢ - بَاب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ. ٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ "عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ" ٦٨٣٢ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ "وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ" ٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ "عَنْ أَبِي

стр. 7144

هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ" قَوْلُهُ: (بَابُ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ خَبَرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الزِّيَادَةَ بِلَفْظِ: وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَاللَّذَانِ بَلَغَا سِنًّا يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَسْرُوقٍ: الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ، وَالثَّيِّبَانِ يُرْجَمَانِ وَلَا يُجْلَدَانِ، وَالشَّيْخَانِ يُجْلَدَانِ ثُمَّ يُرْجَمَانِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقَ عَلَى نَفْيِ الزَّانِي إِلَّا عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنْهُمُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَسَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا تُنْفَى. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْرِيبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَدَاوُدُ، وَالطَّبَرِيُّ بِالتَّعْمِيمِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: لَا يُنْفَى الرَّقِيقُ، وَخَصَّ الْأَوْزَاعِيُّ النَّفْيَ بِالذُّكُورِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَيَّدَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ بِأَنَّ فِي نَفْيِ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ؛ لِمَنْعِهِ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةَ نَفْيِهِ، وَتَصَرُّفُ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ إِلَّا الْجَانِي، وَمِنْ ثَمَّ سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنِ الْعَبْدِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ أَنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَخَطَبَ عُمَرُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُنْفَى إِلَيْهَا: فَقِيلَ هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ إِلَى يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقِيلَ مِنْ عَمَلٍ إِلَى عَمَلٍ، وَقِيلَ إِلَى مِيلٍ، وَقِيلَ إِلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ نَفْيٍ. وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَبْسَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ لَا تَغْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا نَفْيَ وَمِنْ عَجِيبِ الِاسْتِدْلَالِ احْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ لِسُقُوطِ النَّفْيِ أَصْلًا بِأَنَّ نَفْيَ الْأَمَةِ سَاقِطٌ بِقَوْلِهِ: بِيعُوهَا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ عَنِ الْأَمَةِ سَقَطَ عَنِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَيَتَأَكَّدُ بِحَدِيثِ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ قَالَ: وَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى النِّسَاءِ نَفْيٌ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّجَالِ، كَذَا قَالَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا سَقَطَ خُصَّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا. قَوْلُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْبِكْرِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُحْصَنِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ؛ فَعَنْ مَالِكٍ: يَخْتَصُّ بِالظَّهْرِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا جَلْدٌ فِي ظَهْرِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيُتَّقَى الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ، وَيُجْلَدُ فِي الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا مُجَرَّدًا، وَالْمَرْأَةَ قَاعِدَةً، وَفِي الْقَذْفِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجَرَّدُ أَحَدٌ فِي الْحَدِّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ لِلنَّفْيِ ذِكْرٌ فَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يُزَادُ عَلَى الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ عَمِلُوا بِمِثْلِهِ بَلْ بِدُونِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ وَجَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّ يُحْبَسْنَ فِي الْبُيُوتِ إِنْ مَاتَتْ مَاتَتْ وَإِنْ عَاشَتْ عَاشَتْ: لَمَّا نَزَلَ ﴿وَاللاتِي

стр. 7145

يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ فِي لِبَعْضِهِمْ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنُ عُلَيَّةَ بِلَامٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ ذَكَرَ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ رَآهُ فِي تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. قُلْتُ: وَوَقَعَ نَظِيرُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ: يُقَامُ وَلَا يُعَطَّلُ وَالْمُرَادُ بِتَعْطِيلِ الْحَدِّ تَرْكُهُ أَصْلًا أَوْ نَقْصُهُ عَدَدًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ الِاجْتِزَاءَ بِوَاحِدٍ، وَعَنْ إِسْحَاقَ اثْنَيْنِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيٍّ أَرْبَعَةٍ، وَعَنْ رَبِيعَةَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَعَنِ الْحَسَنِ عَشَرَةٍ. وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَدْنَاهَا رَجُلٌ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ اثْنَانِ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ثَلَاثَةٌ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ. قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) هَكَذَا اخْتَصَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ السَّنَدِ ذِكْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنَ الْمَتْنِ سِيَاقَ قِصَّةِ الْعَسِيفِ كُلِّهَا، وَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلِهِ: يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ اخْتَصَرَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَوْلُهُ: جَلْدَ مِائَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ وَقَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ أَخْرَجُوهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْهُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَوَوْهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. قَوْلُهُ: (غَرَّبَ ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ: حَتَّى غَرَّبَ مَرْوَانُ ثُمَّ تَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ (عَنْ عُقَيْلٍ) وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) هَكَذَا خَالَفَ عُقَيْلٌ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَتْنُ مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ الْعَسِيفِ، فَقَدْ وَافَقَ عَبْدُ الْعَزِيزِ جَمِيعَ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّ شَيْخَهُ عِنْدَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا آخَرَ فَالرَّاجِحُ قَوْلُ عُقَيْلٍ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَكِنْ قَدْ رَوَى عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ مُوَافِقًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُجَيْنٍ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُصَغَّرٌ - ابْنُ الْمُثَنَّى، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْوِلَاءِ: حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْهُ، وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ. وَابْنُ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ لَا يُسْتَنْكَرُ مِنْهُ حَمْلُهُ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. قَوْلُهُ: (بِنَفْيٍّ عَامٍّ وَبِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنْ يُنْفَى عَامًا مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَعُرِفَ أَنَّ الْبَاءَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِمَعْنَى مَعَ. وَالْمُرَادُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَلْدُ الْمِائَةِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا الْجَلْدُ لِكَوْنِهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ

стр. 7146

الْحَدِّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ الْكُلِّ حَدَّهُ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى رَاوِيهِ فِي لَفْظِهِ فَهُوَ أَرْجَحُ مِنْ حِكَايَةِ الصَّحَابِيِّ مَعَ الِاخْتِلَافِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ وَاحِدًا مَعَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي تَابِعِيِّهِ وَصَحَابِيِّهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي عَنْ عُمَرَ عِنْدَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَقَعَتْ عِنْدَ عُقَيْلٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَفِي آخِرِ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُمَرُ يَنْفِي مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ وَإِلَى خَيْبَرَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَقُرْبِهَا فِي النَّفْيِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ. وَالَّذِي تَحَرَّرَ لِي مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ اخْتِصَارًا مِنْ قِصَّةِ الْعَسِيفِ وَأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ كَانَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعًا، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْهُمَا بِتَمَامِهِ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ بِاخْتِصَارٍ، وَكَانَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ بِاخْتِصَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ - خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ - إِنْ أُخِذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَجَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ فِي حَقِّ الزَّانِي الَّذِي لَمْ يُحْصَنْ خِلَافًا لَهُمْ أَيْضًا إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْجَمِيعَ حَدٌّ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ الَّذِي فِيهِ النَّفْيُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ النُّورِ؛ لِأَنَّ فِيهَا الْجَلْدَ بِغَيْرِ نَفْيٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ التَّارِيخِ، وَبِأَنَّ الْعَكْسَ أَقْرَبُ؛ فَإِنَّ آيَةَ الْجَلْدِ مُطْلَقَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ زَانٍ فَخُصَّ مِنْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ الثَّيِّبُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُلُوِّ آيَةِ النُّورِ عَنِ النَّفْيِ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّتِهِ كَمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ خُلُوِّهَا مِنَ الرَّجْمِ ذَلِكَ. وَمِنَ الْحُجَجِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ قِصَّةَ الْعَسِيفِ كَانَتْ بَعْدَ آيَةِ النُّورِ؛ لِأَنَّها كَانَتْ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى قِصَّةِ الْعَسِيِفِ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَضَرَهَا وَإِنَّمَا هَاجَرَ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ بِزَمَانٍ. ٣٣ - بَاب نَفْيِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَنَّثِينَ ٦٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ. وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، وَأَخْرَجَ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا. قَوْلُهُ: (بَابُ نَفْيِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْمُخَنَّثِينَ) كَأَنَّهُ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ النَّفْيَ عَلَى غَيْرِ الْمُحَارِبِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحَارِبِ. وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ كَبِيرَةٌ فَوُقُوعُهُ فِيمَنْ أَتَى كَبِيرَةً بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمُخَنَّثِ فِي بَابِ مَا يَنْهَى مِنْ دُخُولِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ. قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى هِشَامٍ فِي سَنَدِهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فِي بَابِ إِخْرَاجِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الْبُيُوتِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: (وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا) سَقَطَ لَفْظُ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيثَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ وَأَخْرِجُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، يَعْنِي الْمُخَنَّثِينَ، وَتَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ عَنْ مَعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ اسْمَ مَنْ نَفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَمْ أَذْكُرِ اسْمَ الَّذِي نَفَاهُ عُمَرُ. ثُمَّ وَقَفْتُ فِي كِتَابِ الْمُغْرِبِينَ لِأَبِي الْحَسَنِ الْمَدَايِنِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ قَوْمًا يَقُولُونَ: أَبُو ذُؤَيْبٍ أَحْسَنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَدَعَا بِهِ فَقَالَ: أَنْتَ لَعَمْرِي، فَاخْرُجْ عَنِ الْمَدِينَةِ

стр. 7147

فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنِي فَإِلَى الْبَصْرَةِ حَيْثُ أَخْرَجْتَ يَا عُمَرُ، نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ، وَذَكَرَ قِصَّةَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، وَسَاقَ قِصَّةَ جَعْدَةَ السُّلَمِيِّ وَأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مَعَ النِّسَاءِ إِلَى الْبَقِيعِ وَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِنَّ حَتَّى كَتَبَ بَعْضُ الْغُزَاةِ إِلَى عُمَرَ يَشْكُو ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ. وَعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ يَزِيدَ الْأَسَدِيَّ وَمَوْلَى مُزَيْنَةَ كَانَا يَحْتَكِرَانِ الطَّعَامَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْرَجَهُمَا عُمَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ قِصَصٍ لِمُبْهَمٍ وَمُعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ التَّفْسِيرُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِبَعْضِ هَؤُلَاءِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ تَرْجَمَةِ الزَّانِي إِلَى أَنَّ النَّفْيَ إِذَا شُرِعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا فَلَأَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْلَى، فَتَتَأَكَّدُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْقِيَاسِ لِيُرَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ عَارَضَ السُّنَّةَ بِالْقِيَاسِ، فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ بَقِيَتِ السُّنَّةُ بِلَا مُعَارِضٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَنَّثِينَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ لَا مَنْ يُؤْتَى، فَإِنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ الرَّجْمُ، وَمَنْ وَجَبَ رَجْمُهُ لَا يُنْفَى، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزَّانِي، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ جُلِدَ وَنُفِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِحْصَانُ، وَإِنْ كَانَ يَتَشَبَّهُ فَقَطْ نُفِيَ فَقَطْ. وَقِيلَ: إِنَّ فِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى رَجْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ لَمْ يَأْتِ فِيهِ إِلَّا النَّفْيُ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ أَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا بَالُ هَذَا؟ قِيلَ: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ يَعْنِي بِالنُّونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣٤ - بَاب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ ٦٨٣٥، ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ. فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا أُنَيْسٌ، فَرَجَمَهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي هَذَا التَّرْكِيبِ قَلَقٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُبْدِلَ لَفْظَ غَيْرَ بِالضَّمِيرِ فَيَقُولَ: مَنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ إِلَخْ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَدْ تَرْجَمَ بَعْدُ، يَعْنِي فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْحُدُودِ: هَلْ يَأْمُرُ الْإِمَامُ رَجُلًا فَيَضْرِبُ الْحَدَّ غَائِبًا عَنْهُ وَمَعْنَى التَّرْجَمَتَيْنِ وَاحِدٌ، كَذَا قَالَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ بَيْنَهُمَا تَغَايُرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَوَّلِ غَائِبًا عَنْهُ حَالٌ مِنَ الْمَأْمُورِ وَهُوَ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ، وَفِي الْآخَرِ حَالٌ مِنَ الَّذِي يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي … ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْقَائِلُ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ لَا خَصْمُهُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ وَقَالَ: صَدَقَ؛ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا. قُلْتُ: بَلِ الَّذِي قَالَ اقْضِ بَيْنَنَا هُوَ

стр. 7148

وَالِدُ الْعَسِيفِ، فَفِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَا: فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي إِلَخْ هَذِهِ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَافَقَهُ الْجُمْهُورُ، فَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ فِي الشُّرُوطِ وَتَأْتِي رِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَمَعْمَرٍ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ اللَّيْثِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ هُنَا وَفِي الصُّلْحِ، فَالرَّاوِي لَهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ وَهُنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَوَافَقَ عَاصِمَ بْنَ عَلِيٍّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ آدَمَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ زِيَادَةٌ إِلَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قُرِئَ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْقُرْآنِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَبِالْفَتْحِ جَزْمًا، وَقُرِئَ فَإِذَا أُحْصِنَّ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ، فَبِالضَّمِّ مَعْنَاهُ التَّزْوِيجُ وَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: اخْتُلِفَ فِي إِحْصَانِ الْأَمَةِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ: إِحْصَانُهَا التَّزْوِيجُ، وَقِيلَ الْعِتْقُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ: إِحْصَانُهَا التَّزْوِيجُ، وَنَصَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَيَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ فَإِذَا أَسْلَمْنَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّزْوِيجَ كَانَ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِذَا زَنَتْ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ عَلَى الْأَمَةِ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالْأَرْجَحُ وَقْفُهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ. وَادَّعَى ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّارِيخِ وَهُوَ لَمْ يُعْلَمْ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ؛ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ فِي مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِ فَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَقْوَى، وَإِذَا حُمِلَ الْإِحْصَانُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّزْوِيجِ وَفِي الْآيَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَصَلَ الْجَمْعُ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ قَبْلَ الْإِحْصَانِ تُجْلَدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّقْيِيدُ بِالْإِحْصَانِ يُفِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي حَقِّهَا الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، فَأُخِذَ حُكْمُ زِنَاهَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ مِنَ الْكِتَابِ وَحُكْمُ زِنَاهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّجْمَ لَا يَتَنَصَّفُ فَاسْتَمَرَّ حُكْمُ الْجَلْدِ فِي حَقِّهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُصَّ عَلَى الْجَلْدِ فِي أَكْمَلِ حَالَيْهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الرَّجْمِ عَنْهَا لَا عَلَى إِرَادَةِ إِسْقَاطِ الْجَلْدِ عَنْهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ عَلَيْهَا الْجَلْدَ

стр. 7149

وَإِنْ لَمْ تُحْصَنْ. قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ: زَوَانِي، وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ: أَخِلَّاءَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّشْدِيدِ، جَمْعُ خَلِيلٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَالْمُسَافِحَاتُ جَمْعُ مُسَافِحَةٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ السِّفَاحِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الزِّنَا، وَالْأَخْدَانُ جَمْعُ خِدْنٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَهُوَ الْخَدِينُ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّاحِبُ، قَالَ الرَّاغِبُ: وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يُصَاحِبُ غَيْرَهُ بِشَهْوَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي الْمَدْحِ: خَدِينُ الْمَعَالِي فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ. قُلْت: وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَهُ يَشْتَهِي مَعَالِيَ الْأُمُورِ كَمَا يَشْتَهِي غَيْرُهُ الصُّورَةَ الْجَمِيلَةَ فَجَعَلَهُ خَدِينًا لَهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْخَدِينُ الْخَلِيلُ فِي السِّرِّ. ٣٦ - بَاب إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ ٦٨٣٧، ٦٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ) أَيْ مَا يَكُونُ حُكْمُهَا؟ وَسَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْأَصِيلِيِّ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ وَصَارَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِيهَا حَدِيثَ الْبَابِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهَا، وَلَكِنَّ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ الْبَابَ الَّذِي قَبْلَهَا لَا حَدِيثَ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ نَظِيرِهِ وَأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَخْلَى بَيَاضًا فِي الْمُسَوَّدَةِ فَسَدَّهُ النُّسَّاخُ بَعْدَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْآيَةِ وَتَأْوِيلِهَا فِي الْحَديثِ الْمَرْفُوعِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِكَثْرَةِ وُجُودِ مِثْلِهِ فِي الْكِتَابِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) سَبَقَ التَّنْبِيهُ فِي شَرْحِ قِصَّةِ الْعَسِيفِ عَلَى أَنَّ الزُّبَيْدِيَّ، وَيُونُسَ زَادَا فِي رِوَايَتِهِمَا لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، شِبْلَ بْنَ خَلِيلٍ أَوِ ابْنَ حَامِدٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا. قَوْلُهُ: (سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ جَارِيَتِي زَنَتْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، قَالَ: اجْلِدْهَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ. قَوْلُهُ: (إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنِ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْإِحْصَانِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: زَعَمَ مَنْ قَالَ لَا جَلْدَ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ تُحْصَنْ غَيْرُ مَالِكٍ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا فَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَا رَوَاهُ طَائِفَةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. قُلْتُ: رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ تَقَدَّمَتْ فِي الْبُيُوعِ لَيْسَ فِيهَا وَلَمْ تُحْصَنْ، وَزَادَهَا النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ: سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ تُحْصَنَ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هُنَاكَ بِدُونِهَا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا فَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ وَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْ مَفْهُومِهَا. قَوْلُهُ: (قَالَ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا) قِيلَ أَعَادَ الزِّنَا فِي الْجَوَابِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْإِحْصَانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَأَنَّ مُوجِبَ الْحَدِّ فِي الْأَمَةِ مُطْلَقُ الزِّنَا، وَمَعْنَى اجْلِدُوهَا الْحَدُّ اللَّائِقُ بِهَا الْمُبَيَّنُ فِي الْآيَةِ وَهُوَ نِصْفُ مَا عَلَى الْحُرَّة، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ،

стр. 7150

وَالْخِطَابُ فِي اجْلِدُوهَا لِمَنْ يَمْلِكُ الْأَمَةَ، فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهُ مِنْ جَارِيَةٍ وَعَبْدٍ، أَمَّا الْجَارِيَةُ فَبِالنَّصِّ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَبِالْإِلْحَاقِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْأَرِقَّاءِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقِيمُهَا إِلَّا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ يَأْذَنُ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ: لَا يُقِيمُ السَّيِّدُ إِلَّا حَدَّ الزِّنَا، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِمَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - يَقُولُ: الزَّكَاةُ وَالْحُدُودُ وَالْفَيْءُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى السُّلْطَانِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: بَلْ خَالَفَهُ اثْنَا عَشَرَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُقِيمُهَا السَّيِّدُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَا زَوْجَ لَهَا يَحُدُّهَا سَيِّدُهَا، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَأَمْرُهَا إِلَى الْإِمَامِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا لِسَيِّدِهَا فَأَمْرُهَا إِلَى السَّيِّدِ. وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَفِي آخَرَ: يُسْتَثْنَى حَدُّ الشُّرْبِ، وَاحْتُجَّ لِلْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ فِي الْقَطْعِ مُثْلَةً فَلَا يُؤْمَنُ السَّيِّدُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يُمَثِّلَ بِعدِهِ فَيُخْشَى أَنْ يَتَّصِلَ الْأَمْرُ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَعْتِقُ بِذَلِكَ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ السَّرِقَةَ لِئَلَّا يَعْتِقَ، فَيُمْنَعَ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ الْقَطْعَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَأَخَذَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ مُسْتَنَدُ السَّرِقَةِ عِلْمَ السَّيِّدِ أَوِ الْإِقْرَارَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ قَبْلُ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالثَّلَاثَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ فِي اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ السَّيِّدِ لِذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ بِأَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الِاسْتِصْلَاحِ فَلَا يَفْتَقِرُ لِلْأَهْلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُقِيمُهُ السَّيِّدُ إِلَّا إِنْ كَانَ كَافِرًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ إِلَّا بِالصَّغَارِ، وَفِي تَسْلِيطِهِ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ مُنَافَاةٌ لِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي قَوْلِ مَالِكٍ إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ ذَاتَ زَوْجٍ لَمْ يَحُدَّهَا الْإِمَامُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ لِلزَّوْجِ تَعَلُّقًا بِالْفَرْجِ فِي حِفْظِهِ عَنِ النَّسَبِ الْبَاطِلِ وَالْمَاءِ الْفَاسِدِ، لَكِنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ، يَعْنِي حَدِيثَ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ الدَّالَّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي ذَاتِ الزَّوْجِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ غَيْرِ الْمُشَالَةِ ثُمَّ فَاءٍ، أَيِ الْمَضْفُورُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، زَادَ يُونُسُ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ. وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ وَزَادَهَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، لَكِنْ خَالَفَ فِي الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَوْ بِضَفِيرٍ، وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ، وَقَوْلُهُ: وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ مُدْرَجٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِه الزُّهْرِيِّ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ مَنْسُوبًا لِجَمِيعِ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ إِلَّا ابْنَ مَهْدِيٍّ فَإِنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ أَدْرَجَهُ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ) لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَالزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَدْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَلَفْظُهُ: ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. وَعَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَأَدْرَجَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ. وَأَمَّا

стр. 7151

الشَّكُّ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ فَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَلْيَجْلِدْهَا ثَلَاثًا فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَبِعْهَا، وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ أَبِي قُرَّةَ بِلَفْظِ وَإِذَا زَنَتِ الرَّابِعَةَ فَبِيعُوهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَمُحَصَّلُ الِاخْتِلَافِ هَلْ يَجْلِدُهَا فِي الرَّابِعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ يَبِيعُهَا بِلَا جَلْدٍ؟ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ، وَيَكُونُ سُكُوتُ مَنْ سَكَتَ عَنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْجَلْدَ لَا يُتْرَكُ وَلَا يَقُومُ الْبَيْعُ مَقَامَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي الْجَلْدِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ فَيُلْغَى الشَّكُّ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِضَفِيرٍ أَيْ: حَبْلٍ مَضْفُورٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ: وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ وَأَصْلُ الضَّفْرِ نَسْجُ الشَّعْرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ وَمِنْهُ ضَفَائِرُ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلْمَرْأَةِ وَلِلرَّجُلِ، قِيلَ: لَا يَكُونُ مَضْفُورًا إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ عَرِيضًا وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الزِّنَا عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الرَّقِيقُ لِلْأَمْرِ بِالْحَطِّ مِنْ قِيمَةِ الْمَرْقُوقِ إِذَا وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَا، كَذَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ وَلَوِ انْحَطَّتِ الْقِيمَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَا إِخْبَارًا عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ مِنْ حَطِّ الْقِيمَةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ زَنَى فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ثُمَّ عَادَ أُعِيدَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ زَنَى مِرَارًا فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الرَّاجِحِ. وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنْ مُخَالَطَةِ الْفُسَّاقِ وَمُعَاشَرَتِهِمْ وَلَوْ كَانُوا مِنَ الْأَلْزَامِ إِذَا تَكَرَّرَ زَجْرُهُمْ وَلَمْ يَرْتَدِعُوا وَيَقَعُ الزَّجْرُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْحَدُّ وَبِالتَّعْزِيرِ فِيمَا لَا حَدَّ فِيهِ. وَفِيهِ جَوَازُ عَطْفِ الْأَمْرِ الْمُقْتَضِي لِلنَّدْبِ عَلَى الْأَمْرِ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْجَلْدِ وَاجِبٌ وَالْأَمْرَ بِالْبَيْعِ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَادَّعَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ سَبَبَ صَرْفِ الْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتٍ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَمَلَ الْفُقَهَاءُ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ عَلَى الْحَضِّ عَلَى مُسَاعَدَةِ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَا لِئَلَّا يُظَنَّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْوَسِيلَةِ إِلَى تَكْثِيرِ أَوْلَادِ الزِّنَا، قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا سَلَفَ لَهُ مِنَ الْأُمَّةِ فَلَا يُسْتَقَلُّ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ فَكَيْفَ يَجِبُ بَيْعُ الْأَمَةِ ذَاتِ الْقِيمَةِ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ لَا قِيمَةَ لَهُ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الزَّجْرُ عَنْ مُعَاشَرَةِ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى بَيْعِ الثَّمِينِ بِالْحَقِيرِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مَالَهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ بِمَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ لَا يُرَادُ بِهِ ظَاهِرُهُ وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ عَلَى أَحَدِ الْأَجْوِبَةِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْمَفْحَصِ لَا يَسَعُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا حَقِيقَةً، فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَيْن مَمْلُوكَةٍ لِلمَحْجُور فَلَا يَبِيعُهَا وَلِيُّهُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَطَّرِدَ؛ لِأَنَّ عَيْبَ الزِّنَا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، فَيَكُونُ بَيْعُهَا بِالنُّقْصَانِ بَيْعًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُرَادُ مِنَ الْحدِيثِ الْإِسْرَاعُ بِالْبَيْعِ وَإِمْضَاؤُهُ وَلَا يُتَرَبَّصُ بِهِ طَلَبُ الرَّاغِبِ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَيْعَهُ بِقِيمَةِ الْحَبْلِ حَقِيقَةً، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِعَيْبِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا إِنَّمَا تَنْقُصُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، حَكَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْعَيْبَ لَوْ لَمْ يُعْلَمْ لَم تَنْقُصُ الْقِيمَةُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِعْلَامِ، وَاسْتُشْكِلَ الْأَمْرُ بِبَيْعِ الرَّقِيقِ إِذَا زَنَى مَعَ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَأْمُورٌ أَنْ يَرَى لِأَخِيهِ مَا يَرَى لِنَفْسِهِ، وَمِنْ لَزِمِ الْبَيْعِ أَنْ يُوَافِقَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى أَنْ يَقْتَنِيَ مَا لَا يَرْضَى اقْتِنَاءَهُ لِنَفْسِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي بَاعَهُ لِأَجْلِهِ لَيْسَ مُحَقَّقَ الْوُقُوعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِجَوَازِ أَنْ يَرْتَدِعَ الرَّقِيقُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى عَادَ أُخْرِجَ فَإِنَّ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْوَطَنِ الْمَأْلُوفِ شَاقٌّ، وَلِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ الْإِعْفَافُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.

стр. 7152

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُرْجَى عِنْدَ تَبْدِيلِ الْمَحَلِّ تَبْدِيلُ الْحَالِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لِلْمُجَاوَرَةِ تَأْثِيرًا فِي الطَّاعَةِ وَفِي الْمَعْصِيَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الزَّانِيَ إِذَا حُدَّ ثُمَّ زَنَى لَزِمَهُ حَدٌّ آخَرُ ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا، فَإِذَا زَنَى مَرَّاتٍ وَلَمْ يُحَدَّ فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ. قُلْتُ: مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا زَنَى ابْتِدَاءُ كَلَامٍ قَالَهُ لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا بِخِلَافِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ فِي التَّعْزِيرَاتِ إِذَا لَمْ يُفِدْ مَقْصُودُهَا مِنَ الزَّجْرِ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ وَاجِبَةٌ، فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُفِدْ عَدَلَ إِلَى تَرْكِ شَرْطِ إِقَامَتِهِ عَلَى السَّيِّدِ وَهُوَ الْمَلِكُ، وَلِذَلِكَ قَالَ بِيعُوهَا وَلَمْ يَقُلِ: اجْلِدُوهَا كُلَّمَا زَنَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَالَ قَدْ تَعَرَّضَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِذَا عَلِمَ الْمُعَزِّرُ فِي أَنَّ التَّأْدِيبَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ فَلْيَتْرُكْهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَرِّحَ يُهْلِكُ وَلَيْسَ لَهُ الْإِهْلَاكُ، وَغَيْرَ الْمُبَرِّحِ لَا يُفِيدُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْزِيرُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ، الْتَحَقَ بِالْحَدِّ، فَلْيُعَزِّرْهُ بِغَيْرِ الْمُبَرِّحِ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ. وَفِيهِ أَنَّ السَّيِّدَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ السُّلْطَانَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ. ٣٦ - بَاب لَا يُثَرَّبُ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ، وَلَا تُنْفَى ٦٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُثَرَّبُ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَا تُنْفَى) أَمَّا التَّثْرِيبُ - بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - فَهُوَ التَّعْنِيفُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ. وَقَدْ جَاءَ بِلَفْظِ: وَلَا يُعَنِّفُهَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَأَمَّا النَّفْيُ فَاسْتَنْبَطُوهُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَبِعْهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّفْيِ الْإِبْعَادُ عَنِ الْوَطَنِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمَعْصِيَةُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْبَيْعِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ قَالَ: فَلْيَجْلِدْهَا وَقَالَ: فَلْيَبِعْهَا، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُنْفَى لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَأَشْبَهَ الْآبِقَ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَتَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ النَّفْيِ، أَوْ يَتَّفِقُ بَيْعُهُ لِمَنْ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ وُجُودُ النَّفْيِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: تُسْتَثْنَى الْأَمَةُ لِثُبُوتِ حَقِّ السَّيِّدِ فَيُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالنَّفْيُ فَرْعٌ. قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: رُوعِيَ حَقُّ السَّيِّدِ فِيهِ أَيْضًا بِتَرْكِ الرَّجْمِ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمَنْفَعَةَ مِنْ أَصْلِهَا بِخِلَافِ الْجَلْدِ، وَاسْتَمَرَّ نَفْيُ الْعَبْدِ إِذْ لَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، وَاسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَثْنَى نَفْيَ الرَّقِيقِ بِأَنَّهُ لَا وَطَنَ لَهُ وَفِي نَفْيِهِ قَطْعُ حَقِّ السَّيِّدِ لِأَنَّ عُمُومَ الْأَمْرِ بِنَفْيِ الزَّانِي عَارَضَهُ عُمُومُ نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ بِغَيْرِ الْمَحْرَمِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْإِمَاءِ مِنَ الرَّقِيقِ دُونَ الذُّكُورِ، وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: لَا يُشْرَعُ نَفْيُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِنَفْيِ الرَّقِيقِ، فَالصَّحِيحُ نِصْفُ سَنَةٍ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي ثَالِثٍ لَا نَفْيَ عَلَى رَقِيقٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ. قَوْلُهُ: (إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا) أَيْ ظَهَرَ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَظْهَرَ بِالْبَيِّنَةِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ تَبَيَّنَ، وَقِيلَ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِعِلْمِ السَّيِّدِ. قَوْلُهُ: (فَلْيَجْلِدْهَا) أَيِ الْحَدَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا الْمَعْرُوفُ مِنْ صَرِيحِ الْآيَةِ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلْيَجْلِدْهَا بِكِتَابِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا

стр. 7153

يُثَرِّبُ) أَيْ لَا يَجْمَعُ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةَ بِالْجَلْدِ وَبِالتَّعْيِيرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ لَا يَقْتَنِعُ بِالتَّوْبِيخِ دُونَ الْجَلْدِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: وَلَا يُعَيِّرُهَا وَلَا يُفَنِّدُهَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُعَزَّرُ بِالتَّعْنِيفِ وَاللَّوْمِ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ لِلتَّحْذِيرِ وَالتَّخْوِيفِ، فَإِذَا رُفِعَ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَفَاهُ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا نَهْيُهُ ﷺ عَنْ سَبِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ وَقَالَ: لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يُرِيدُ فِي الْمَتْنِ لَا فِي السَّنَدِ، لِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْهُ قَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ وَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ وَلَفْظُهُ مِثْلُ اللَّيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ عَادَتْ فَزَنَتْ فَلْيَبِعْهَا وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَوَافَقَ اللَّيْثَ عَلَى زِيَادَةِ قَوْلِهِ: عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى حَذْفِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ عِنْدَهُمْ وَأَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ عَنْ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَلِإِسْمَاعِيلَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ هَذِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: جَارِيَتِي زَنَتْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، قَالَ: اجْلِدْهَا خَمْسِينَ الْحَدِيثَ. ٣٧ - بَاب أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِحْصَانِهِمْ إِذَا زَنَوْا وَرُفِعُوا إِلَى الْإِمَامِ ٦٨٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ الرَّجْمِ فَقَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَقَبْلَ النُّورِ أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُحَارِبِيُّ، وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَائِدَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ٦٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ"؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ" قَوْلُهُ: (بَابُ أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) أَيِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. قَوْلُهُ: (وَإِحْصَانُهُمْ إِذَا زَنَوْا) يَعْنِي خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامَ. قَوْلُهُ: (وَرُفِعُوا إِلَى الْإِمَامِ) أَيْ سَوَاءٌ جَاءُوا إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ لِيُحَكِّمُوهُ أَوْ رَفَعَهُمْ إِلَيْهِ غَيْرُهُمْ مُتَعَدِّيًا عَلَيْهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ كَالْحَنَفِيَّةِ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: الْحَدِيثُ الأول: قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ سُلَيْمَانُ. قَوْلُهُ: (عَنِ الرَّجْمِ) أَيْ رَجْمِ مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا أَطْلَقَ،

стр. 7154

فَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ، قُلْتُ: وَالَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ: هَلْ رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً، وَسِيَاقُ أَحْمَدَ مُخْتَصَرٌ. قَوْلُهُ: (أَقَبْلَ النُّورِ؟) أَيْ سُورَةُ النُّورِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَبْلِيَّةِ النُّزُولُ. قَوْلُهُ (أَمْ بَعْدُ)؟ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي) فِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ قَدْ تَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ، وَأَنَّ الْجَوَابَ مِنَ الْفَاضِلِ بِلَا أَدْرِي لَا عَيْبَ عَلَيْهِ فِيهِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى تَحَرِّيهِ وَتَثَبُّتِهِ فَيُمْدَحُ بِهِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) قُلْتُ: وَصَلَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِلَفْظِ: قُلْتُ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ. قَوْلُهُ: (وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الطَّحَّانُ وَهِيَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْمُحَارِبِيُّ) يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيَّ. قَوْلُهُ: (وَعَبِيدَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَأَبُوهُ حُمَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَمُتَابَعَتُهُ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنَ مَنِيعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَجَرِيرٌ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ -، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَلَفْظُهُ: قُلْتُ قَبْلَ النُّورِ أَوْ بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ عَبِيَدَةُ، فَإِنَّ لَفْظَهُ فِي مُستنَدِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَقُلْتُ بَعْدَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَوْ قَبْلَهَا؟ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا قَبْلُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) أَيْ فِي ذِكْرِ النُّورِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ تَوَهَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ سُورَةُ الْمَائِدَةِ لِأَنَّ فِيهَا الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤَالِ الْيَهُودِ عَنْ حُكْمِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا مِنْهُمْ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنْ نَافِعٍ) فِي مُوَطَّأ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَحْدَهُ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ. قَوْلُهُ: (إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا) ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ (١) أَنَّ اسْمَ الْمَرْأَةِ بُسْرَةُ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ تَبِعَ الْعِلْمَ - وَكَانَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ. قَالَ: فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا مِنْهُمْ … . وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنِ الطَّبَرِيِّ، وَالثَّعْلَبِيِّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: انْطَلَقَ قَوْمٌ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَيُوسُفُ ابْنُ عَازُورَاءَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا، وَاسْمُ الْمَرْأَةِ بُسْرَةُ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ حِينَئِذٍ حَرْبًا فَقَالَ لَهُمُ: اسْأَلُوهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ابْنَ صُورِيَّا فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً. وَلَفْظُ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ الْمَذْكُورَةِ: إِنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ، وَقَدْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ قَدْ أُحْصِنَتْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا: فَقَالَ اخْرُجُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا الْأَعْوَرِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَيُقَالُ إِنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَعَهُ أَبَا يَاسِرِ بْنَ أَحْطَبَ، وَوَهْبَ بْنَ يَهُودَا، فَخَلَا النَّبِيُّ ﷺ ، بِابْنِ صُورِيَّا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ أَنَّهُمُ ابْتَدَءُوا السُّؤَالَ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَفِي هَذَا أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحَدَّ قَبْلَ السُّؤَالِ.

стр. 7155

وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالتَّعَدُّدِ بِأَنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْهُمَا غَيْرَ الَّذِي جَلَدُوهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ: بَادَرُوا فَجَلَدُوهُ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَسَأَلُوا، فَاتَّفَقَ الْمُرُورُ بِالْمَجْلُودِ فِي حَالِ سُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِهِمَا، فَوَقَعَ مَا وَقَعَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. وَيُؤَيِّدُ الْجَمْعَ مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُمُ امْرَأَةٌ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ فِي الزِّنَا؟، فَيُتَّجَهُ أَنَّهُمْ جَلَدُوا الرَّجُلَ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنِ الْحُكْمِ فَأَحْضَرُوا الْمَرْأَةَ وَذَكَرُوا الْقِصَّةَ وَالسُّؤَالَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ زَنَيَا، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا وَلَفْظُهُ: أَحْدَثَا، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عِنْدَ الْبَزَّارِ: أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا بِيَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَقَدْ أُحْصِنَا. قَوْلُهُ: (مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟) قَالَ الْبَاجِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ فِيهَا ثَابِتٌ عَلَى مَا شُرِعَ لَمْ يَلْحَقْهُ تَبديلٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ حَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ نَقْلِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا عِنْدَهُمْ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَلَّمَ صِحَّةَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ مِنَ الْفَضِيحَةِ. قَوْلُهُ: (وَيُجْلَدُونَ) وَقَعَ بَيَانُ الْفَضِيحَةِ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ بِلَفْظِ: قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا، وَنُخْزِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّمُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُحَمَّمُ وَيُجَبَّهُ وَيُجْلَدُ، وَالتَّجْبِيهُ أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ وَتُقَابَلَ أَقْفِيَتُهُمَا وَيُطَافَ بِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرَّجْمِ بِالْبَلَاطِ النَّقْلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ تَفْسِيرَ التَّجْبِيهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، فَكَأَنَّهُ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَتِهِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ الْهَمْزَةَ وَأَنَّهُ التَّجْبِئَةُ وَهِيَ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ، يُقَالُ جَبَّأْتُهُ تَجْبِيئًا أَيْ رَدَعْتُهُ، وَالتَّجْبِيه أَنْ يُنَكِّسَ رَأْسُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ يُنَكِّسُ رَأْسَهُ اسْتِحْيَاءً فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْفِعْلُ تَجْبِيه، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَبْهِ وَهُوَ الِاسْتِقْبَالُ بِالْمَكْرُوهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ إِصَابَةِ الْجَبْهَةِ، تَقُولُ: جَبَهْتُهُ إِذَا أَصَبْتُ جَبْهَتَهُ كَرَأَسْتُهُ إِذَا أَصَبْتُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ قَصَدُوا فِي جَوَابِهِمْ تَحْرِيفَ حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ، إِمَّا رَجَاءً أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِتَحْكِيمِهِ التَّخْفِيفَ عَنِ الزَّانِيَيْنِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُمْ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ قَصَدُوا اخْتِبَارَ أَمْرِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مَنْ كَانَ نَبِيًّا لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، فَظَهَرَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ نَبِيَّهُ - كَذِبُهُمْ وَصِدْقُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ) رِوَايَةُ أَيُّوبَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قَالَ: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ، قَالَ: فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَوْلُهُ: (فَأَتَوْا) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: فَجَاءُوا. وَزَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: بِهَا فَقَرَءُوهَا، وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: فَأَتَى بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ فَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: آمَنْتُ بِكَ وَبِمَنْ أَنْزَلَكَ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ وَبِمَنْ أَنْزَلَهُ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فَقَالَ: ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ، فَأُتِيَ بِابْنِ صُورِيَّا، زَادَ الطَّبَرِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ائْتُونِي بِرَجُلَيْنِ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتَوْهُ بِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا شَابٌّ وَالْآخَرُ شَيْخٌ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: أَنَّ الْيَهُودَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الزَّانِيَيْنِ فَأَفْتَاهُمْ بِالرَّجْمِ، فَأَنْكَرُوهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَحْبَارِهِمْ فَنَاشَدَهُمْ فَكَتَمُوهُ، إِلَّا رَجُلًا مِنْ أَصَاغِرِهِمْ أَعْوَرَ، فَقَالَ: كَذَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ. قَوْلُهُ: (فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا

стр. 7156

وَمَا بَعْدَهَا) وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَوَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ، فَقَرَأَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ النَّقَّاشِ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ، لَكِنْ ذَكَرَ مَكِّيٌّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ، كَذَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَاشَدَهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيَّا وَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الْآيَةَ. قوَلْهُ: (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيعَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، وَوَقَعَ بَيَانُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ آيَةِ الرَّجْمِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ إِذَا زَنَيَا فَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ رُجِمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: قَالَا: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا، زَادَ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِنْ وَجَدُوا الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي ثَوْبِهَا أَوْ عَلَى بَطْنِهَا فَهِيَ رِيبَةٌ وَفِيهَا عُقُوبَةٌ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ قَالَا: ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ؟ قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةٍ مِنَ الْمَلِكِ فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ شَرِيفٌ فَأَرَادُوا رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا: ابْدَأْ بِصَاحِبِكَ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: إِنَّا كُنَّا شَبَبَةً وَكَانَ فِي نِسَائِنَا حُسْنُ وَجْهٍ، فَكَثُرَ فِينَا، فَلَمْ يُقَمْ لَهُ، فَصِرْنَا نَجْلِدُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أُحْيِي أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ أَيْضًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا. قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَعَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِجِيمٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ: يُجَانِئُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَجِيمٍ مَهْمُوزٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كَالسَّرَخْسِيِّ وَالصَّوَابُ: يَحْنِي أَيْ يَمِيلُ. وَجُمْلَةُ مَا حَصَلَ لَنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلَانِ وَالثَّالِثُ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَبِالْهَمْزَةِ. الرَّابِعُ: كَالْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ. الْخَامِسُ: كَالثَّانِي إِلَّا أَنَّهُ بِوَاوٍ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ. السَّادِسُ: كَالْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ بِالْجِيمِ. السَّابِعُ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ. الثَّامِنُ: يُجَانِي بِالنُّونِ. التَّاسِعُ: مِثْلُهُ لَكِنْ بِالْحَاءِ. الْعَاشِرُ: مِثْلُهُ لَكِنَّهُ بِالْفَاءِ بَدَلَ النُّونِ وَبِالْجِيمِ أَيْضًا. وَرَأَيْتُ فِي الزُّهْرِيَّاتِ الذُّهْلِيِّ بِخَطِّ الضِّيَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: يُجَافِي بِجِيمٍ وَفَاءٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَعَلَى الْفَاءِ صح صح. قَوْلُهُ: (يَقِيهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ قَافٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَحْنِي، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: يَسْتُرُهَا، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ قَامَ عَلَى صَاحِبَتِهِ يَحْنِي عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَةَ

стр. 7157

حَتَّى قُتِلَا جَمِيعًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي تَحْقِيقِ الزِّنَا مِنْهُمَا. وَفِي هَذَا الْحَديثِ مِنَ الْفَوَائِدِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ إِذَا زَنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ ذَهِلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ الْمُوجِبَ لِلرَّجْمِ الْإِسْلَامُ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَأَحْمَدَ لَا يَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُمَا وُقُوعُ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُجِمَا كَانَا قَدْ أُحْصِنَا كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ وَرَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ: شَرْطُ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامُ. وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ؛ فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ، قَالُوا: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَالْعَمَلِ بِهَا حَتَّى يُنْسَخَ ذَلِكَ فِي شَرْعِهِ، فَرَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ أُحْصِنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ كَمَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى. وَفِي دَعْوَى الرَّجْمِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحْصَنْ نَظَرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ لِأَنَّ الْيَهُودَ يَوْمئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا فَعَلَهُ، قَالَ: وَإِذَا أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ فَلَأَنْ يُقِيمَهُ عَلَى مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ أَوْلَى. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يُعْتَرَضُ عَلَى جَوَابِ مَالِكٍ بِكَوْنِهِ رَجَمَ الْمَرْأَةَ وَهُوَ يَقُولُ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ، إِلَّا إِنْ أَجَابَ: ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَأَيَّدَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُمَا كَانَا حَرْبِيَّيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنْ مَجِيئَهُمْ سَائِلِينَ يُوجِبُ لَهُمْ عَهْدًا كَمَا لَوْ دَخَلُوا لِغَرَضٍ كَتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ فِي أَمَانٍ إِلَى أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ. قُلْتُ: وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يَقُولَ: إِنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: دَعْوَى أَنَّهُمَا كَانَ حَرْبِيَّيْنِ بَاطِلَةٌ بَلْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، كَذَا قَالَ: وَسَلَّمَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، فَاخْتَارَ ﷺ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ عِنْدَهُ الْإِسْلَامُ وَهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ، وَانْفَصَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا كَانَا مُحَكِّمَيْنِ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَمُخْتَبِرَيْنِ مَا عِنْدَهُ فِي الْبَاطِنِ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ حَقٌّ أَوْ مُسَامِحٌ فِي الْحَقِّ، وَهَذَا لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَلَا يَخْلُصُ عَنِ الْإِيرَادِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي الْحَدِيثِ أنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ فِيمَا حَكَّمُوهُ فِيهِ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ كَيْفَ يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَرَاهُ فِي شَرْعِهِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَدْعَى شُهُودَهُمْ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَلَوْ جَاءُونِي لَحَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، وَلَمْ أَعْتَبِرِ الْإِسْلَامَ فِي الْإِحْصَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدُّ الزَّانِي حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَعَلَى الْحَاكِمِ إِقَامَتُهُ، وَقَدْ كَانَ لِلْيَهُودِ حَاكِمٌ وَهُوَ الَّذِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الزَّانِيَيْنِ حَكَّمَاهُ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّحْكِيمَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِغَيْرِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَحُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ لَا بِطَرِيقِ التَّحْكِيمِ، وَأَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَرَدَّهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْمُ سَائِلِينَ عَنِ الْحُكْمِ عِنْدَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمَنْسُوخِ، فَدَلَّ

стр. 7158

عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالنَّاسِخِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مَعْنَاهُ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِشَرِيعَتِهِ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الرَّجْمَ جَاءَ نَاسِخًا لِلْجَلْدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الرَّجْمَ شُرِعَ ثُمَّ نُسِخَ بِالْجَلْدِ ثُمَّ نُسِخَ الْجَلْدُ بِالرَّجْمِ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الرَّجْمِ بَاقِيًا مُنْذُ شُرِعَ، فَمَا حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ بِمُجَرَّدِ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ بِشَرْعِهِ الَّذِي اسْتَمَرَّ حُكْمُ التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَدَّرْ أَنَّهُمْ بَدَّلُوهُ فِيمَا بَدَّلُوا. وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَهُمَا أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْقِصَّةِ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْيَهُودُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْفَوْرُ، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَالْمَسْجِدُ لَمْ يَكْمُلْ بِنَاؤُهُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ دُخُولِهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَبَطَلَ الْفَوْرُ. وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ، وَعَبْدُ اللَّهِ إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ مُسْلِمًا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ تَكُونُ قَاعِدَةً، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومَةِ، فَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يُحْفَرُ لَهَا تَكُونُ فِي الْغَالِبِ قَاعِدَةً فِي الْحُفْرَةِ. وَاخْتِلَافُهُمْ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا قَاعِدَةً أَوْ قَائِمَةً إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَلْدِ، فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِصُورَةِ الْجَلْدِ عَلَى صُورَةِ الرَّجْمِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. وَفِيهِ قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَدَعَا بِالشُّهُودِ أَيْ شُهُودِ الْإِسْلَامِ عَلَى اعْتِرَافِهِمَا، وَقَوْلُهُ: فَرَجَمَهُمَا بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ أَيِ الْبَيِّنَةِ عَلَى اعْتِرَافِهِمَا، وَرُدَّ هَذَا التَّأْوِيلُ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالِاعْتِرَافِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ، لَا فِي حَدٍّ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي ذَلِكَ. وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ حَالَةَ السَّفَرِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ، وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ عَنْ وَاقِعَةِ الْيَهُودِ بِأَنَّهُ ﷺ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَ أَنَّهُ حُكْمُ التَّوْرَاةِ وَأَلْزَمَهُمُ الْعَمَلَ بِهِ إِظْهَارًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتَابَهُمْ وَتَغْيِيرِهِمْ حُكْمَهُ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَذَا قَالَ، وَالثَّانِي مَرْدُودٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَجَمَهُمَا بِالِاعْتِرَافِ، فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ جَابِرٍ فَلَعَلَّ الشُّهُودَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالزِّنَا. قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَيَحْتَمِلَ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ لِسُؤَالِ بَقِيَّةِ الْيَهُودِ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ كَلَامَهُمْ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ إِلَّا مُسْتَنِدًا لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وَأَنَّ شُهُودَهُمْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ عِنْدَ أَحْبَارِهِمْ بِمَا ذُكِرَ فَلَمَّا رَفَعُوا الْأَمْرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعْلَمَ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهِهَا فَذَكَرَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الرُّوَاةِ مَا حَفِظَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَجْلُودَ يُجْلَدُ قَائِمًا إِنْ كَانَ رَجُلًا وَالْمَرْأَةُ قَاعِدَةً؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَهِيَ قَاعِدَةٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ قِيَامَ الرَّجُلِ كَانَ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَجْمِ الْمُحْصَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُسْتَوْفًى، وَعَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الرَّجْمِ وَلَا يُضَمُّ إِلَيْهِ الْجَلْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَكَذَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَلَوِ احْتُجَّ بِهِ لِعَكْسِهِ لَكَانَ أَقْرَبَ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ الزَّانِيَ جُلِدَ أَوَّلًا ثُمَّ رُجِمَ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ بِأَنَّ الْجَلْدَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ لَمْ يَكُنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ. وَفِيهِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِحْصَانِ فَرْعُ ثُبُوتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي أَخْذِهِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ

стр. 7159

بُعْدٌ. وَفِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ مَا لَيْسَ فِيهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا أَقْدَمُوا عَلَى تَبْدِيلِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْجَوَابِ حَيْدَةٌ عَنِ السُّؤَالِ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَمَّا يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فَعَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِمَا يَفْعَلُونَهُ وَأَوْهَمُوا أَنَّ فِعْلَهُمْ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، فَأَكْذَبَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُسْقِطُوا شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهَا كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِذَلِكَ غَيْرُ وَاضِحٍ لِاحْتِمَالِ خُصُوصِ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ، وَكَذَا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي أُحْضِرَتْ حِينَئِذٍ كَانَتْ كُلُّهَا صَحِيحَةً سَالِمَةً مِنَ التَّبْدِيلِ لِأَنَّهُ يَطْرُقُهُ هَذَا الِاحْتِمَالَ بِعَيْنِهِ وَلَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: آمَنْتُ بِكَ وَبِمَنْ أَنْزَلَكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَصْلُ التَّوْرَاةُ. وَفِيهِ اكْتِفَاءُ الْحَاكِمِ بِتُرْجُمَانٍ وَاحِدٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَنَا بِدَلِيلِ قُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا أَوْ نَبِيِّهِمْ أَوْ شَرِيعَتِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَمْ يُنْسَخْ مِنَ التَّوْرَاةِ أَصْلًا. ٣٨ - بَاب إِذَا رَمَى امْرَأَتَهُ أَوْ امْرَأَةَ غَيْرِهِ بِالزِّنَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّاسِ، هَلْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهَا فَيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ؟ ٦٨٤٢، ٦٨٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا -: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ: تَكَلَّمْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا - قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَسِيفُ: الْأَجِيرُ - فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِيَ الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ. وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ، فَارْجُمْهَا. فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا رَمَى امْرَأَتَهُ أَوِ امْرَأَةَ غَيْرِهِ بِالزِّنَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّاسِ، هَلْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهَا فَيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ؟) ذَكَرَ قِصَّةَ الْعَسِيفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى، وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ ظَاهِرٌ فِيمَنْ قَذَفَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ زَوْجِ الْمَرْأَةِ كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: هَلْ عَلَى الْإِمَامِ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ عِنْدَنَا وُجُوبُهُ وَالْحُجَّةُ فِيهِ بَعْثُ أُنَيْسٍ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِعْلٌ وَقَعَ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ، لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْبَعْثِ مَا وَقَعَ بَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَالِدِ الْعَسِيفِ مِنَ الْخِصَامِ وَالْمُصَالَحَةِ عَلَى الْحَدِّ وَاشْتِهَارِ الْقِصَّةِ حَتَّى صَرَّحَ وَالِدُ الْعَسِيفِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ زَوْجُهَا، فَالْإِرْسَالُ إِلَى هَذِهِ يَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهَا مِنَ التُّهْمَةِ الْقَوِيَّةِ بِالْفُجُورِ، وَإِنَّمَا عُلِّقَ عَلَى اعْتِرَافِهَا؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ فِي مِثْلِهَا إِلَّا بِالْإِقْرَارِ لِتَعَذُّرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ،

стр. 7160

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَديثِ مُسْتَوْفًى، وَذَكَرْتُ مَا قِيلَ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي إِرْسَالِ أُنَيْسٍ إِلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا أَبَا وَاقِدٍ، فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ زَوْجُهَا، وَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَرُجِمَتْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ أَوِ امْرَأَةَ غَيْرِهِ بِالزِّنَا فَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، إِلَّا إِنْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ، فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى الْمَرْأَةِ يَسْأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تَعْتَرِفِ الْمَرْأَةُ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ لَوَجَبَ عَلَى وَالِدِ الْعَسِيفِ حَدُّ الْقَذْفِ. وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَنْ ذَلِكَ لَوِ اعْتَرَفَ رَجُلٌ بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَأَنْكَرَتْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ الْقَذْفِ أَوْ حَدُّ الْقَذْفِ فَقَطْ؟ قَالَ بِالْأَوَّلِ مَالِكٌ، وَبِالثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا فَقَطْ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ صَدَقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِقَذْفِهَا، وَإِنْ كَانَ كَذَبَ فَلَيْسَ بِزَانٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مُدَّعٍ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ. ٣٩ - بَاب مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ أَوْ غَيْرَهُ دُونَ السُّلْطَانِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا صَلَّى فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ. وَفَعَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ. ٦٨٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي - فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ. فَعَاتَبَنِي، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. ٦٨٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْجَعَنِي … نَحْوَهُ. لَكَزَ وَوَكَزَ: وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ أَوْ غَيْرَهُ دُونَ السُّلْطَانِ) أَيْ دُونَ إِذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ. هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ الْخِلَافِ هَلْ يَحْتَاجُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِنَ الْأَرِقَّاءِ إِلَى أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدُهُ الْإِمَامَ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَشُورَةٍ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا صَلَّى فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ وَفَعَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ) هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَفْظُهُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَفَعَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَهُوَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ يُصَلِّي وَأَرَادَ شَابٌّ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ بِالْإِذْنِ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُجْتَازَ بِالدَّفْعِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَفَعَلَهُ أَبُو

стр. 7161

سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مَرْوَانُ، بَلِ اسْتَفْهَمَهُ عَنِ السَّبَبِ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ لَهُ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيقُ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَطَرِيقُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَقِبَهَا. قَوْلُهُ: (لَكَزَ وَوَكَزَ وَاحِدٌ) أَيْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: الْوَكْزُ فِي الصَّدْرِ بِجُمْعِ الْكَفِّ، وَلَهَزَهُ مِثْلُهُ وَهُوَ اللَّكْزُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَأْدِيبِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَغَيْرَ أَهْلِهِ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقٍّ، وَفِي مَعْنَى تَأْدِيبِ الْأَهْلِ تَأْدِيبُ الرَّقِيقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ لَا تَثْرِيبَ عَلَى الْأَمَةِ. ٤٠ - بَاب مَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ ٦٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي. [الحديث ٦٨٤٦ - طرفه في: ٧٤١٦] قَوْلُهُ (بَابُ مَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ) كَذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُكْمَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَقَالَ الْجُمْهُورُ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ هُدِرَ دَمُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ قَتْلُ الرَّجُلِ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا وَعَلِمَ أَنَّهُ نَالَ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَوَدُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى هَانِئِ بْنِ حِزَامٍ: أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُمَا، فَكَتَبَ عُمَرُ كِتَابًا فِي الْعَلَانِيَةِ أَنْ يُقِيدُوهُ بِهِ وَكِتَابًا فِي السِّرِّ أَنْ يُعْطُوهُ الدِّيَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةً، وَعَامَّةُ أَسَانِيدِهَا مُنْقَطِعَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَإِلَّا فَلْيُغَطَّ بِرُمَّتِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَلَا نَعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَوَرَّادٌ هُوَ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ. قَوْلُهُ: (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْجَزْمِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أُمْهِلُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ الْحَدِيثَ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَقَالَ سَعْدٌ: كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لِأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَجِدُ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَقَالَ أُنَاسٌ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: يَا أَبَا ثَابِتٍ قَدْ نَزَلَتِ الْحُدُودُ، أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتَ مَعَ امْرَأَتِكَ رَجُلًا كَيْفَ كُنْتَ صَانِعًا؟ قَالَ: كُنْتُ ضَارِبَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَسْكُنَا، فَأَنَا أَذْهَبُ وَأَجْمَعُ أَرْبَعَةً؟ فَإِلَى ذَلِكَ قَدْ قَضَى الْخَائِبُ حَاجَتَهُ فَانطَلق، وَأَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا فَيَجْلِدُونِي وَلَا يَقْبَلُونَ لِي شَهَادَةً أَبَدًا، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَفَى بِالسَّيْفِ شَاهِدًا. ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَتَابَعَ فِيهَا السَّكْرَانُ وَالْغَيْرَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْغَيْرَةِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُعَارَضُ بِالرَّأْيِ.

стр. 7162

٤١ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ ٦٨٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ كَلَامٌ لَهُ وَجْهَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَيَقْصِدُ قَائِلُهُ الْبَاطِنَ وَيُظْهِرُ إِرَادَةَ الظَّاهِرِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ التَّعْرِيضِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ كِتَابِ اللِّعَانِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ الْحَدِيثَ. وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ وَبَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيضِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّصْرِيحِ، فَتَبِعَهُ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هُنَاكَ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إِنَّمَا تَكُونُ الْمُلَاعَنَةُ إِذَا قَالَ رَأَيْتُ الْفَاحِشَةَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ فِي خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ جَائِزٌ مَعَ تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَتِهَا، فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ حُكْمِهَا، قَالَ: وَأَجَابَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ وَقَعَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِيجَابِ أَوِ الْوَعْدُ فَمُنِعَ، وَإِذَا عَرَّضَ فَأَفْهَمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ حَاجَتِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى جَوَابٍ، وَالتَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ يَقَعُ مِنَ الْوَاحِدِ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى جَوَابٍ، فَهُوَ قَاذِفٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْفِيَهُ عَنْ أَحَدٍ فَقَامَ مَقَامَ الصَّرِيحِ، كَذَا فَرَّقَ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدَّ يُدْفَعُ بِالشُّبْهَةِ وَالتَّعْرِيضُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، بَلْ عَدَمُ الْقَذْفِ فِيهِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَعْرِيضًا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْحَدِّ فِي التَّعْرِيضِ يَقُولُ بِالتَّأْدِيبِ فِيهِ لِأَنَّ فِي التَّعْرِيضِ أَذَى الْمُسْلِمِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَأْدِيبِ مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي بَيْتٍ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي التَّعْرِيضِ عُقُوبَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَالتَّعْرِيضُ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ، قَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِيهِ نَكَالٌ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ مُعْتَدِلٍ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ مَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ عِنْدَمَا يَرَى مَا يُنْكِرُهُ لَكَانَ صَوَابًا. قُلْتُ: وَلَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا لَكَانَ هُوَ الصَّوَابَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَدِ انْفَصَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ إِنَّمَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ يُرِدْ بِتَعْرِيضِهِ قَذْفًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَذْفَ فِي التَّعْرِيضِ إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى مَنْ عُرِفَ مِنْ إِرَادَتِهِ الْقَذْفُ، وَهَذَا يُقَوِّي أَنْ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ لِتَعَذُّرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤٢ - بَاب كَمْ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ؟ ٦٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 7163

يَقُولُ: لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. ٦٨٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. ٦٨٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، إِذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. ٦٨٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ فَقال رسول الله ﷺ : "أَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ. فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ، كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ حِينَ أَبَوْا". تَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَيُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ: عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٦٨٥٢ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ - عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ" ٦٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ "عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ" قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (كَمِ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ) التَّعْزِيرُ مَصْدَرُ عَزَّرَهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَزْرِ وَهُوَ الرَّدُّ وَالْمَنْعُ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الدَّفْعِ عَنِ الشَّخْصِ كَدَفْعِ أَعْدَائِهِ عَنْهُ وَمَنْعِهِمْ مِنْ إِضْرَارِهِ، وَمِنْهُ ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ وَكَدَفْعِهِ عَنْ إِتْيَانِ الْقَبِيحِ، وَمِنْهُ عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَيْ أَدَّبَهُ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى الْقَبِيحِ، وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْأَدَبِ فِي التَّرْجَمَةِ التَّأْدِيبُ، وَعَطَفَهُ عَلَى التَّعْزِيرِ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ يَكُونُ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ، وَالتَّأْدِيبَ أَعَمُّ مِنْهُ، وَمِنْهُ تَأْدِيبُ الْوَلَدِ وَتَأْدِيبُ الْمُعَلِّمِ، وَأَوْرَدَ الْكَمِّيَّةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ إِشَارَةً إِلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ الْأَشَجِّ. قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ فَحَدَّثَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ

стр. 7164

الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ: ثُمَّ خَطَّ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ جَابِرٍ فَصَارَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ صَوَابٌ، وَأَصْوَبُ مِنْهُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِلَفْظِ ابْنٍ بَدَلَ عَنْ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ:، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ: هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مِنْ رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ سَمَّاهُ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَهُوَ أَوْثَقُ مِنْ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مِثْلَ رِوَايَةِ فُضَيْلٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُعَيِّنُ أَحَدَ التَّفْسِيرَيْنِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ جَابِرٍ، وَأَبِي بُرْدَةَ أَنْصَارِيٌّ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَمْ يُدْخِلِ اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي بُرْدَةَ أَحَدًا، وَقَدْ وَافَقَهُ سَعِيدُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ كَذَلِكَ، وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ: هَلْ هُوَ عَنْ صَحَابِيٍّ مُبْهَمٍ أَوْ مُسَمًّى؟ الرَّاجِحُ الثَّانِي، ثُمَّ الرَّاجِحُ أَنَّهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، وَهَلْ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي بُرْدَةَ وَاسِطَةٌ وَهُوَ جَابِرٌ أَوْ لَا؟ الرَّاجِحُ الثَّانِي أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الِاخْتِلَافَ ثُمَّ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ اللَّيْثِ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَخَالَفَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ التَّتَبُّعِ فَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَقَدْ تَابَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. قُلْتُ: وَلَمْ يَقْدَحْ هَذَا الِاخْتِلَافُ عَنِ الشَّيْخَيْنِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ كَيْفَمَا دَارَ يَدُورُ عَلَى ثِقَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَعَ لَهُ فِيهِ مَا وَقَعَ لِبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فِي تَحْدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، لِسُلَيْمَانَ بِحَضْرَةِ بُكَيْرٍ ثُمَّ تَحْدِيثِ سُلَيْمَانَ، بُكَيْرًا بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ أَبَاهُ وَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ وَتَارَةً بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِاضْطِرَابِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ فَقَدْ صُرِّحَ بِسَمَاعِهِ، وَإِبْهَامُ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَهُمَا الْعُمْدَةُ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا بِسَنَدٍ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ رَفَعَهُ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُجْلَدَ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لَا يُجْلَدُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ النَّفْيِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْجَزْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِصِيغَةِ النَّهْيِ لَا تَجْلِدُوا. قَوْلُهُ: (فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، وَحَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا: لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ. قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ عَدَدٌ مِنَ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ مَخْصُوصٌ أَوْ عُقُوبَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ وَالْحِرَابَةُ وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا وَالْقَتْلُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْقَتْلُ فِي الِارْتِدَادِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ الْأَخِيرَيْنِ حَدًّا، وَاخْتُلِفَ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَسْتَحِقُّ مُرْتَكِبُهَا الْعُقُوبَةَ هَلْ تُسَمَّى عُقُوبَتُهُ حَدًّا أَوْ لَا، وَهِيَ جَحْدُ الْعَارِيَةِ وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَتَحْمِيلُ الْمَرْأَةِ الْفَحْلَ مِنَ الْبَهَائِمِ عَلَيْهَا وَالسِّحَاقُ وَأَكْلُ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ،

стр. 7165

وَكَذَا السِّحْرُ وَالْقَذْفُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَالتَّعْرِيضُ بِالزِّنَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَقُّ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْعَصْرِيِّينَ قَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْحَدِّ بِالْمُقَدَّرَاتِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ أَوَّلَ الْأَمْرِ كَانَ يُطْلِقُ الْحَدَّ عَلَى كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ وَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، قَالَ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّا إِذَا أَجَزْنَا فِي كُلِّ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْعَشْرِ لَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَا الْحُرُمَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الزِّيَادَةُ هُوَ مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَأَصْلُ التَّعْزِيرِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِيمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فَلَا يَبْقَى لِخُصُوصِ الزِّيَادَةِ مَعْنًى. قُلْتُ: وَالْعَصْرِيُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَظُنُّهُ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وَقَدْ تَقَلَّدَ صَاحِبُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْمَقَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَقَالَ: الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُدُودِ هُنَا الْحُقُوقُ الَّتِي هِيَ أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقولِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَفِي أُخْرَى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ قَالَ: فَلَا يُزَادُ عَلَى الْعَشْرِ فِي التَّأْدِيبَاتِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِمَعْصِيَةٍ كَتَأْدِيبِ الْأَبِ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْمَعَاصِي، فَمَا وَرَدَ فِيهِ تَقْدِيرٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْأَصْلِ، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ فَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً جَازَتِ الزِّيَادَةُ فِيهِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَدِّ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَالْتَحَقَ بِالْمُسْتَثْنَى، وَإِنْ كَانَ صَغِيرَةً فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِمَنْعِ الزِّيَادَةِ، فَهَذَا يَدْفَعُ إِيرَادَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَى الْعَصْرِيِّ الْمَذْكُورِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالتَّعْزِيرِ بِلَفْظِ: لَا تُعَزِّرُوا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ، وَهَلِ الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ؟ قَوْلَانِ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ يُسْتَنْبَطُ كُلُّ تَعْزِيرٍ مِنْ جِنْسِ حَدِّهِ وَلَا يُجَاوِزُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ: لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدُّ وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي ثَوْرٍ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: لَا تَجْلِدْ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ، وَعَنْ عُثْمَانَ ثَلَاثِينَ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَلَغَ بِالسَّوْطِ مِائَةً، وَكَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعَطَاءٍ: لَا يُعَزَّرُ إِلَّا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا فَلَا يُعَزَّرُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعِينَ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي يُوسُفَ لَا يُزَادُ عَلَى خَمْسٍ وَتِسْعِينَ جَلْدَةً، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ: لَا يَبْلُغُ ثَمَانِينَ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا قَصْرُهُ عَلَى الْجَلْدِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْعَصَا مَثَلًا وَبِالْيَدِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ لَكِنْ لَا يُجَاوِزُ أَدْنَى الْحُدُودِ، وَهَذَا رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ الضَّرْبِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ بَعْضُ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَمِنْهَا مُعَارَضَةُ الْحَدِيثِ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يُخَالِفُ الْحُدُودَ. وَحَدِيثُ الْبَابِ يَقْتَضِي تَحْدِيدَهُ بِالْعَشْرِ فَمَا دُونَهَا فَيَصِيرُ مِثْلَ الْحَدِّ، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ شُرِعَ لِلرَّدْعِ؛ فَفِي النَّاسِ مَنْ يَرْدَعُهُ الْكَلَامُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ، فَلِذَلِكَ كَانَ تَعْزِيرُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُزَادُ فِيهِ، وَلَا يُنْقَصُ فَاخْتَلَفَا، وَبِأَنَّ التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَبِأَنَّ الرَّدْعَ لَا يُرَاعَى فِي الْأَفْرَادِ بِدَلِيلِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ الْحَدُّ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُجْمَعُ

стр. 7166

عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، فَلَوْ نُظِرَ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ لَقِيلَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ. وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَعَكَسَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْقَوْلُ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاعْتَذَرَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ فَكَانَ يَرَى الْعُقُوبَةَ بِقَدْرِ الذَّنْبِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ مَا عَدَلَ عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: فَوَاصَلَ بِهِمْ كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: فِيهِ أَنَّ التَّعْزِيرَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ: لَوِ امْتَدَّ الشَّهْرُ لَزِدْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ مَا يَرَاهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي عَدَدٍ مِنَ الضَّرْبِ أَوِ الْجَلْدِ، فَيَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مَتْرُوكٍ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، وَالْأَلَمُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى التَّجْوِيعِ وَالتَّعْطِيشِ، وَتَأْثِيرُهُمَا فِي الْأَشْخَاصِ مُتَفَاوِتٌ جِدًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ وَاصَلَ بِهِمْ كَانَ لَهُمُ اقْتِدَارٌ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ تَمَادَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى عَجْزِهِمْ عَنْهُ لَكَانَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي زَجْرِهِمْ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّعْزِيرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الرَّدْعُ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْعَشْرِ بِأَنْ يَخْتَلِفَ الْحَالُ فِي صِفَةِ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ تَخْفِيفًا وَتَشْدِيدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّعْزِيرِ بِالتَّجْوِيعِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ شُعَيْبٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَيُونُسُ عن الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) أَيْ تَابَعُوا عُقَيْلًا فِي قَوْلِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ فَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. قُلْتُ: فَأَمَّا مُتَابَعَةُ شُعَيْبٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي خَالِدٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ فَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ كَذَلِكَ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي عَيَّاشٌ) بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْبَصْرِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ: سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِلَخْ فَصَارَتْ صُورَةُ الْإِسْنَادِ الْإِرْسَالَ، وَالصَّوَابُ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَتَصَحَّفَتْ عَنْ فَصَارَتْ ابْنِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ: عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَديثِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مُسْتَوْفًى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ تَأْدِيبِ مَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ فَتَعَاطَى الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ بِالضَّرْبِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ إِقَامَةِ الْمُحْتَسِبِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالضَّرْبُ الْمَذْكُورُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِهِ. الحديث الرابع قَوْلُهُ: (عَبْدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. قَوْلُهُ: (مَا انْتَقَمَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي أَوَائِلِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.

стр. 7167

٤٣ - بَاب مَنْ أَظْهَرَ الْفَاحِشَةَ وَاللَّطْخَ وَالتُّهَمَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ٦٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ:، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَة عَشْرَةَ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا. قَالَ: فَحَفِظْتُ ذَاكَ مِنَ الزُّهْرِيِّ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا - كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ - فَهُوَ. وَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: جَاءَتْ بِهِ لِلَّذِي يُكْرَهُ. ٦٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً عَنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ قَالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. ٦٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: ذُكِرَ المتلَاعنان عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ خَدِلًا كَثِيرَ اللَّحْمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَظْهَرَ الْفَاحِشَةَ وَاللَّطْخَ وَالتُّهَمَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) أَيْ مَا حُكْمُهُ؟ وَالْمُرَادُ بِإِظْهَارِ الْفَاحِشَةِ أَنْ يَتَعَاطَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا عَادَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَاللَّطْخُ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ: الرَّمْيُ بِالشَّرِّ، يُقَالُ لُطِخَ فُلَانٌ بِكَذَا أَيْ رُمِيَ بِشَرٍّ، وَلَطَخَهُ بِكَذَا مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا لَوَّثَهُ بِهِ، وَبِالتُّهَمَةِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مَنْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَحَقَّقَ فِيهِ وَلَوْ عَادَةً، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَفِي آخِرِهِ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ حَيْثُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ مُسْتَوْفًى. وَقَوْلُهُ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ كَذَا وَقَعَ بِالْكِنَايَةِ وَبِالِاكْتِفَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَتَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ بَيَانُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَفْظُهُ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهَا إِلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا وَكَذَبَتْ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الْأُولَى فَهُوَ صَادِقٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلزَّوْجِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ فَزَوْجُهَا كَاذِبٌ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ فَزَوْجُهَا صَادِقٌ.

стр. 7168

ثَانِيهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي اللِّعَانِ أَيْضًا؛ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مُخْتَصَرَةٍ ثُمَّ مُطَوَّلَةٍ كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ بِإِسْقَاطِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنَ السَّنَدِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى أَيْضًا فِي كِتَابِ اللِّعَانِ وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَنْ بَدَلَ مِنْ، وَقَوْلُهُ: فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ذَكَرَ التَّلَاعُنَ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. قَوْلُهُ: (تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلَانَةً، فَقَدْ ظَهَرَ فِيهَا الرِّيبَةَ فِي مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَكَأَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا إِبْهَامَهَا سَتْرًا عَلَيْهَا. قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ وَلَوْ كَانَ مُتَّهَمًا بِالْفَاحِشَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى تُظْهِرُ السُّوءَ أَنَّهُ اشْتَهَرَ عَنْهَا وَشَاعَ وَلَكِنْ لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ وَلَا اعْتَرَفَتْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَقْعَدَ جَارِيَتَهُ - وَقَدِ اتَّهَمَهَا بِالْفَاحِشَةِ - عَلَى النَّارِ حَتَّى احْتَرَقَ فَرْجُهَا هَلْ رَأَيْتَ ذَلِكَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاعْتَرَفَتْ لَكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَضَرَبَهُ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكِهِ لَأَقَدْتُهَا مِنْكَ، قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَمْرَو بْنَ عِيسَى شَيْخَ اللَّيْثِ وَفِيهِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، كَذَا قَالَ فَأَوْهَمَ أَنَّ لِغَيْرِهِ كَلَامًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمِيزَانِ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ، لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِيمَا رَوَاهُ بَلْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ. ٤٤ - بَاب رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٦٨٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ. قَوْلُهُ: (بَابُ رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ) أَيْ قَذْفِهِنَّ، وَالْمُرَادُ الْحَرَائِرُ الْعَفِيفَاتُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمُزَوَّجَاتِ، بَلْ حُكْمُ الْبِكْرِ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَسَاقُوا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ: (وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا﴾، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ إِلَى قَوْلِهِ: عَظِيمٌ، وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ الْآيَةَ. وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْأُولَى بَيَانَ حَدِّ الْقَذْفِ وَالثَّانِيَةُ بَيَانَ كَوْنِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِاللَّعْنِ أَوِ الْعَذَابِ أَوْ شُرِعَ فِيهِ حَدٌّ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِذَلِكَ يُطَابِقُ حَدِيثُ الْبَابِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ قَذْفِ الْمُحْصَنِ مِنَ الرِّجَالِ حُكْمُ قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ مِنَ النِّسَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ قَذْفِ الْأَرِقَّاءِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

стр. 7169

قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا، الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ وَهْمٌ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي إِيرَادِهَا هُنَا تَكْرَارٌ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا بَابُ مَنْ رَمَى امْرَأَتَهُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا، وَأَبُو الْغَيْثِ هُوَ سَالِمٌ. قَوْلُه (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ: أَيِ الْمُهْلِكَاتِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِإِهْلَاكِ مُرْتَكِبِهَا. قُلْتُ: وَالْمُرَادُ بِالْمُوبِقَةِ هُنَا الْكَبِيرَةُ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الْكَبَائِرُ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ. . الْحَدِيثَ مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي الْغَيْثِ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ بَدَلَ السِّحْرِ الِانْتِقَالَ إِلَى الْأَعْرَابِيَّةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ صُهَيْبٍ مَوْلَى الْعَتْوَارِيِّينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الْخَمْسَ وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ. وَلَكِنْ لَمْ يُفَسِّرْهَا، وَالْمُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِهَا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ، وَقَدْ وَافَقَهُ كِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ الْفَرَائِضِ وَالدِّيَاتِ وَالسُّنَنِ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى الْيَمَنِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: وَإِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ سَالِمٍ سَوَاءً. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: اجْتَنَبِ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ فَذَكَرَهَا، لَكِنْ ذَكَرَ التَّعَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بَدَلَ السِّحْرِ وَلَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَقَالَ: الرُّجُوعُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلِإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرُوا؛ مَنْ صَلَّى الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَلِيٍّ سَوَاءً. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْأُصُولِ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ بَدَلَ السِّحْرِ، وَلِابْنِ عَمْرٍو فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَد وَالطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَ: الْكَبَائِرُ تِسْعٌ فَذَكَرَ السَّبْعَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَزَادَ: الْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ وَمَنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ، قَالُوا: مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هُنَّ تِسْعٌ، أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءً إِلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْإِلْحَادِ فِي الْحَرَمِ بِاسْتِحْلَالِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: هُنَّ عَشْرٌ فَذَكَرَ السَّبْعَةَ الَّتِي فِي الْأَصْلِ وَزَادَ: وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْكَبَائِرُ فَذَكَرَ التِّسْعَةَ إِلَّا مَالَ الْيَتِيمِ، وَزَادَ الْعُقُوقَ وَالتَّغَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَفِرَاقَ الْجَمَاعَةِ وَنَكْثَ الصَّفْقَةِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا الْكَبَائِرَ فَقَالُوا: الشِّرْكُ وَمَالُ الْيَتِيمِ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَالسِّحْرُ وَالْعُقُوقُ وَقَوْلُ الزُّورِ وَالْغُلُولُ وَالزِّنَا (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَدُّ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَكَذَا شَهَادَةِ الزُّورِ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَعِنْدَ

стр. 7170

عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِثْلَ حَدِيثِ الْأَصْلِ، لَكِنْ قَالَ: الْبُهْتَانُ بَدَلَ السِّحْرِ وَالْقَذْفِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: الْبُهْتَانُ يَجْمَعُ، وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ مُرْسَلًا: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ فَوَاحِشُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي النَّمِيمَةِ وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الْغِيبَةِ وَتَرْكِ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ كُلُّ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ. وَلِإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ ذَكَرَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَلَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَهُوَ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ قَوْلِ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَعَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ رَفَعَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ. وَعِنْدَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَ النُّهْبَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ مَنْعَ فَضْلِ الْمَاءِ وَمَنْعَ طُرُوقِ الْفَحْلِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ: الصَّلَوَاتُ كَفَّارَاتٌ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَنَكْثِ الصَّفْقَةِ وَتَرْكِ السُّنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ نَكْثَ الصَّفْقَةِ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَتَرْكَ السُّنَّةِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَمِنَ الضَّعِيفِ فِي ذَلِكَ نِسْيَانُ الْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: نَظَرْتُ فِي الذُّنُوبِ فَلَمْ أَرَ أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ فَنَسِيَهَا، وَحَدِيثِ: مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. فَهَذَا جَمِيعُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِمَّا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ أَوْ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، صَحِيحًا وَضَعِيفًا، مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَقَدْ تَتَبَّعْتُهُ غَايَةَ التَّتَبُّعِ، وَفِي بَعْضِهِ مَا وَرَدَ خَاصًّا وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ غَيْرِهِ كَالتَّسَبُّبِ فِي لَعْنِ الْوَالِدَيْنِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْعُقُوقِ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَتْلِ النَّفْسِ، وَالزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَارِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الزِّنَا، وَالنُّهْبَةِ وَالْغُلُولِ وَاسْمِ الْخِيَانَةِ يَشْمَلُهُ، وَيَدْخُلُ الْجَمِيعُ فِي السَّرِقَةِ، وَتَعَلُّمِ السِّحْرِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي السِّحْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الزُّورِ، وَيَمِينِ الْغَمُوسِ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَالْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ تَدَاخُلٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ وَهِيَ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَالِانْتِقَالُ عَنِ الْهِجْرَةِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالْعُقُوقُ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالنَّمِيمَةُ وَتَرْكُ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغُلُولُ وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ. فَتِلْكَ عِشْرُونَ خَصْلَةً وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهَا، وَالْمُجْمَعُ عَلَى عَدِّهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْوَى مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إِلَّا مَا عَضَّدَهُ الْقُرْآنُ أَوِ الْإِجْمَاعُ فَيَلْتَحِقُ بِمَا فَوْقَهُ وَيَجْتَمِعُ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَمِنَ الْمَوْقُوفِ مَا يُقَارِبُهَا. وَيُحْتَاجُ عِنْدَ هَذَا إِلَى الْجَوَابِ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَبْعٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ، وَبِأَنَّهُ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالْمَذْكُورَاتِ ثُمَّ أَعْلَمَ بِمَا زَادَ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ، أَوْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ وَقَعَ بِحَسَبِ الْمَقَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّائِلِ أَوْ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ فَقَالَ: هُنَّ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ، وَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَبْعٍ، وَكَأَنَّ الْمُقْتَصِرَ عَلَيْهَا اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُرِفَ فَسَادُ مَنْ عَرَّفَ الْكَبِيرَةَ بِأَنَّهَا مَا وَجَبَ فِيهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: الْكَبِيرَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ، وَقِيلَ مَا يَلْحَقُ الْوَعِيدُ بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، هَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لِلْأَصْحَابِ وَهُمْ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ أَمْيَلُ، لَكِنَّ

стр. 7171

الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْصِيلِ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ أَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: هِيَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْوَعِيدُ، وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَكَيْفَ يَقُولُ عَالِمٌ: إِنَّ الْكَبِيرَةَ مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدُّ مَعَ التَّصْرِيحِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْعُقُوقِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيبِ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: فَكُلُّ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنَ الْمَعَاصِي فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَقِيلَ مَا يَلْحَقُ الْوَعِيدَ بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، انْتَهَى. وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى ضَابِطِ الْكَبِيرَةِ يَعْنِي يَسْلَمُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ، قَالَ: وَالْأَوْلَى ضَبْطُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا إِشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، قَالَ: وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِكُلِّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وَعِيدٌ أَوْ لَعْنٌ. قُلْتُ: وَهَذَا أَشْمَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِخْلَالُهُ بِمَا فِيهِ حَدٌّ، لِأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِيهِ الْحَدُّ لَا يَخْلُو مِنْ وُرُودِ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةِ مِنْهَا مُطْلَقًا وَالْمُتَرَاخِيَةِ إِذَا تَضَيَّقَتْ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَهَا أَمَارَاتٌ مِنْهَا إِيجَابُ الْحَدِّ، وَمِنْهَا الْإِيعَادُ عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوُهَا فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وَمِنْهَا وَصْفُ صَاحِبهَا بِالْفِسْقِ، وَمِنْهَا اللَّعْنُ، قُلْتُ: وَهَذَا أَوْسَعُ مِمَّا قَبْلَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ أَدْخَلَ صَاحِبَهُ النَّارَ، وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كُلُّ ذَنْبٍ نَسَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّارِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَمِنْ أَحْسَنِ التَّعَارِيفِ قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي الْمُفْهِمِ: كُلُّ ذَنْبٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ أَوْ عَظِيمٌ أَوْ أُخْبِرَ فِيهِ بِشِدَّةِ الْعِقَابِ أَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ شُدِّدَ النَّكِيرُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي تَتَبُّعُ مَا وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ أَوِ اللَّعْنُ أَوِ الْفِسْقُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ، وَيُضَمُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ التَّنْصِيصُ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، فَمَهْمَا بَلَغَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ عُرِفَ مِنْهُ تَحرير عَدِّهَا، وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ ذَلِكَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْإِعَانَةَ عَلَى تَحْرِيرِهِ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ. وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: مَا مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَفِيهِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، وَقَدْ تَنْقَلِبُ الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمُّ إِلَيْهَا، وَتَنْقَلِبُ الْكَبِيرَةُ فَاحِشَةً كَذَلِكَ إِلَّا الْكُفْرَ بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهُ أَفْحَشُ الْكَبَائِرِ وَلَيْسَ مِنْ نَوْعِهِ صَغِيرَةٌ. قُلْتُ: وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَاحِشٍ وَأَفْحَشَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ أَمْثِلَةً لِمَا قَالَ؛ فَالثَّانِي كَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ قَتَلَ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا أَوْ ذَا رَحِمٍ أَوْ بِالْحَرَمِ أَوْ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ. وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ، فَإِنْ كَانَ بِحَلِيلَةِ الْجَارِ أَوْ بِذَاتِ رَحِمٍ أَوْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا أَوْ فِي الْحَرَمِ أَوْ جَاهَرَ بِهِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ. وَالْأَوَّلُ كَالْمُفَاخَذَةِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ صَغِيرَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَ امْرَأَةِ الْأَبِ أَوْ حَلِيلَةِ الِابْنِ أَوْ ذَاتِ رَحِمٍ فَكَبِيرَةٌ، وَسَرِقَةُ مَا دُونَ النِّصَابِ صَغِيرَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَفْضَى بِهِ عَدَمُهُ إِلَى الضَّعْفِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَأَطَالَ فِي أَمْثِلَةِ ذَلِكَ. وَفِي الْكَثِيرِ مِنْهُ مَا يُتَعَقَّبُ، لَكِنَّ هَذَا عُنْوَانُهُ، وَهُوَ مَنْهَجٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِاعْتِبَارِهِ، وَمَدَارُهُ عَلَى شِدَّةِ الْمَفْسَدَةِ وَخِفَّتِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ): يَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَعْظِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى السِّحْرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ، وَعَلَى أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَعَلَى أَكْلِ الرِّبَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَعَلَى التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَذَكَرَ هُنَا قَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ. وَقَدْ شَرَطَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِ غَصْبِ الْمَالِ كَبِيرَةً أَنْ يَبْلُغَ

стр. 7172

نِصَابًا، وَيَطَّرِدَ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَطْلَقَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَيَطَّرِدُ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْجِنَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٤٥ - بَاب قَذْفِ الْعَبِيدِ ٦٨٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ. قَوْلُهُ: (بَابُ قَذْفِ الْعَبِيدِ) أَيِ الْأَرِقَّاءِ، عَبَّرَ بِالْعَبِيدِ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَحُكْمُ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْمُرَادُ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ الْإِضَافَةُ لِلْمَفْعُولِ بِدَلِيلِ مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ، وَيَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْإِضَافَةِ لِلْفَاعِلِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا قَذَفَ نِصْفَ مَا عَلَى الْحُرِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزَّهْرِيِّ وَطَائِفَةٍ يَسِيرَةٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: حَدُّهُ ثَمَانُونَ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ حَزْمٍ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْقَطَّانُ بِهَذَا السَّنَدِ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ نَبِيُّ التَّوْبَةِ. قَوْلُهُ: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: مَنْ قَذَفَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ بَرِئٌ مِمَّا قَالَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ أَيْ فَلَا يُجْلَدُ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ كَانَ لِلَّهِ فِي ظَهْرِهِ حَدٌّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إِذَا قَذَفَ عَبْدًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُجْلَدَ فِي قَذْفِ عَبْدِهِ فِي الدُّنْيَا لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا خُصَّ ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ تَمْيِيزًا لِلْأَحْرَارِ مِنَ الْمَمْلُوكِينَ، فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ مُلْكَهُمْ يَزُولُ عَنْهُمْ وَيَتَكَافَئُونَ فِي الْحُدُودِ، وَيُقْتَصُّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَلَا مُفَاضَلَةَ حِينَئِذٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى. قُلْتُ: فِي نَقْلِهِ الْإِجْمَاعَ نَظَرٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَمَّنْ قَذَفَ أُمَّ وَلَدٍ لِآخَرَ، فَقَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ صَاغِرًا، وَهَذَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَذَفَ أُمَّ وَلَدٍ، فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا عُتِقَتْ بِمَوْتِ السَّيِّدِ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَدَّ مِنْ قَاذِفِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: مَنْ قَذَفَ حُرًّا يَظُنُّهُ عَبْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. ٤٦ - بَاب هَلْ يَأْمُرُ الْإِمَامُ رَجُلًا فَيَضْرِبُ الْحَدَّ غَائِبًا عَنْهُ؟ وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ ٦٨٥٩، ٦٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ،

стр. 7173

فَقَامَ خَصْمُهُ - وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ - فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُلْ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا فِي أَهْلِ هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ؛ الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَيَا أُنَيْسُ، اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا. قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَأْمُرُ الْإِمَامُ رَجُلًا فَيَضْرِبُ الْحَدَّ غَائِبًا عَنْهُ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ لَا قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ) ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ فِي عِدَّةِ آثَارٍ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ إِنْ عَادَ فَحُدُّوهُ ذَكَرَهُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ النَّرْسِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كُنْتُ أَحْسَبُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ مِنَ الْعِلْمِ، فَلَمَّا لَقِيتُ عُبَيْدَ اللَّهِ كَأَنَّمَا كُنْتُ أَفْجُرُ بِهِ بَحْرًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ هَذَا الْحَدِيثَ تَامًّا إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. (خَاتِمَةٌ) اشْتَمَلَ كِتَابُ الْحُدُودِ وَالْمُحَارِبِينَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ، الْمَوْصُولُ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ وَالْبَقِيَّةُ مُتَابَعَاتٌ وَتَعَالِيقُ، الْمُكَرَّرَ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى ثَمَانِيَةِ أَحَادِيثَ وَهِيَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَفِيهِ: لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ. وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ فِي ضَرْبِ الشَّارِبِ، وَحَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الشَّارِبِ الْمُلَقَّبِ حِمَارًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي رَجْمِ الْمَرْأَةِ وَجَلْدِهَا، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِي رَفْعِ الْقَلَمِ وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، وَحَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ السَّقِيفَةِ الْمُطَوَّلُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وَقَدِ اتَّفَقَا مِنْهُ عَلَى أَوَّلِهِ فِي قِصَّةِ الرَّجْمِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عِشْرُونَ أَثَرًا بَعْضُهَا مَوْصُولٌ فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُنْزَعُ نُورُ الْإِيمَانِ مِنَ الزَّانِي، وَمِثْلَ إِخْرَاجِ عُمَرَ الْمُخَنَّثِينَ، وَمِثْلُ كَلَامِ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ.

стр. 7174

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨٧ - كِتَاب الدِّيَاتِ ١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٦٨٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الْآيَةَ ٦٨٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا" [الحديث ٦٨٦٢ - طرفه في: ٦٨٦٣] ٦٨٦٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" ٦٨٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قال النبي ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ" ٦٨٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ حَدَّثَهُ "أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ - حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ - حَدَّثَهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قال رسول الله ﷺ : "لَا تَقْتُلْهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا آقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ" ٦٨٦٦ - وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال النبي ﷺ "لِلْمِقْدَادِ: إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ" قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الدِّيَاتِ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ، جَمْعُ دِيَةٍ مِثْلُ عِدَاتٍ وَعِدَةٍ، وَأَصْلُهَا وَدْيَةٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الدَّالِ تَقُولُ: وَدَى الْقَتلَ يَدِيهِ إِذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ دِيَتَهُ، وَهِيَ مَا جُعِلَ فِي مُقَابَلَةِ النَّفْسِ، وَسُمِّيَ دِيَةً تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ وَفَاؤُهَا مَحْذُوفَةٌ وَالْهَاءُ عِوَضٌ وَفِي الْأَمْرِ: دِ الْقَتِيلَ، بِدَالٍ مَكْسُورَةٍ حَسْبُ فَإِنْ وَقَفْتَ قُلْتَ: دِهْ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ عَلَى مَالٍ فَتَكُونُ الدِّيَةُ أَشْمَلَ، وَتَرْجَمَ غَيْرُهُ كِتَابَ الْقِصَاصِ وَأَدْخَلَ تَحْتَهُ الدِّيَاتِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْأَصْلُ فِي

стр. 7175

الْعَمْدِ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ، لَكِنْ سَقَطَتِ الْوَاوُ الْأُولَى لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ. وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَجَبَتْ، حَتَّى نَزَلَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قُلْتُ: وَعَلَى ذَلِكَ عَوَّلَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَتْلَ وَالزِّنَا وَغَيْرَهُمَا وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ قَتَلَ الْمُكَمِّلَ مِائَةً وَقَدْ مَضَى فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ، وَقَوْلُهُ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا مَفْهُومَ لَهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ مُطْلَقًا أَعْظَمُ. قُلْتُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الذَّنْبُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَبَعْضُ أَفْرَادِهِ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَجْهُ كَوْنِهِ أَعْظَمَ أَنَّهُ جَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ ضَعْفَ الِاعْتِقَادِ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) كَذَا لِلْجَمِيعِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِهِ وَلَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْكَلَابَاذِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ لَمْ يُدْرِكْ إِسْحَاقَ بْنَ سَعِيدٍ. قَوْلُهُ: (لَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَنْ. قَوْلُهُ: (فِي فُسْحَةٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ سَعَةٍ. قَوْلُهُ: (مِنْ دِينِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الدِّينِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنْ ذَنْبِهِ، فَمَفْهُومُ الْأَوَّلِ أَنْ يَضِيقَ عَلَيْهِ دِينُهُ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْوَعِيدِ عَلَى قَتْلِ الْمُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا بِمَا يُتَوَعَّدُ بِهِ الْكَافِرُ، وَمَفْهُومُ الثَّانِي أَنَّهُ يَصِيرُ فِي ضِيقٍ بِسَبَبِ ذَنْبِهِ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِبْعَادِ الْعَفْوِ عَنْهُ لِاسْتِمْرَارِهِ فِي الضِّيقِ الْمَذْكُورِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْفُسْحَةُ فِي الدِّينِ سَعَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ضَاقَتْ لِأَنَّهَا لَا تَفِي بِوِزْرِهِ، وَالْفُسْحَةُ فِي الذَّنْبِ قَبُولُهُ الْغُفْرَانَ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ ارْتَفَعَ الْقَبُولُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ فَسَّرَهُ عَلَى رَأْيِ ابْنِ عُمَرَ فِي عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: مَا لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ حَرَامٍ، وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ دَالٍ ثَقِيلَةٍ، وَمَعْنَاهُ الْإِصَابَةُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَالَطَةِ وَلَوْ قَلَّتْ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَيْضًا وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا نُزِعَ مِنْهُ الْحَيَاءُ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْمَسْعُودِيُّ الْكُوفِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالرَّاءِ، وَحَكَى ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قُيِّدَ فِي الرِّوَايَةِ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَالصَّوَابُ التَّحْرِيكُ، وَهِيَ جَمْعُ وَرْطَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَهِيَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: وَقَعَ فُلَانٌ فِي وَرْطَةٍ أَيْ فِي شَيْءٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا. قَوْلُهُ: (سَفْكُ الدَّمِ) أَيْ إِرَاقَتُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ إِرَاقَةَ الدَّمِ عَبَّرَ بِهِ. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ حِلِّهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: بِغَيْرِ حَقِّهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ الْآيَةِ، وَهَلِ الْمَوْقُوفُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْمَرْفُوعِ فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ كَوْنِ الْقَاتِلِ لَا يَكُونُ فِي فُسْحَةٍ أَنَّهُ وَرَّطَ نَفْسَهُ فَأَهْلَكَهَا، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِقَوْلِهِ: مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَشَدُّ فِي الْوَعِيدِ، وَزَعَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ غَلَطٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْغَلَطِ،

стр. 7176

وَأَظُنُّهُ مِنْ جِهَةِ انْفِرَادِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بِهَا فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ، أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ وَغَيْرُهُمَا بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَتَلَ عَامِدًا بِغَيْرِ حَقٍّ: تَزَوَّدْ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ فَإِنَّكَ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: زَوَالُ الدُّنْيَا كُلِّهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: لَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْبَهِيمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْوَعِيدُ فِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِقَتْلِ الْآدَمِيِّ، فَكَيْفَ بالمسلم، فكيف بِالتَّقِيِّ الصَّالِحِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ) هَذَا السَّنَدُ يَلْتَحِقُ بِالثُّلَاثِيَّاتِ، وَهِيَ أَعْلَى مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ، وَهَذَا فِي حُكْمِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَعْمَشَ تَابِعِيٌّ وَإِنْ كَانَ رَوَى هَذَا عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّابِعِيَّ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ صُحْبَةٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقِصَاصِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ الْمَذْكُورُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَطَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْمَرْءُ صَلَاتُهُ. وَنُنَبِّهُ هُنَا عَلَى أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أورده مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ، وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولَةٌ، وَهُوَ مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ، وَيَتَعَلَّقُ الْجَارُّ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ أَوَّلُ الْقَضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَضَاءُ فِي الدِّمَاءِ أَيْ فِي الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّمَاءِ، وَفِيهِ عِظَمُ أَمْرِ الْقَتْلِ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ إِنَّمَا يَقَعُ بِالْأَهَمِّ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ يَخْتَصُّ بِالنَّاسِ وَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْبَهَائِمِ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ مَفَادَهُ حَصْرُ الْأَوَّلِيَّةِ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ مثلا بَعْدَ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ اللَّيْثِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَدِيٍّ، أَيِ ابْنُ الْخِيَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ النَّوْفَلِيُّ، لَهُ إِدْرَاكٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْمَعْرُوفُ: ابْنِ الْأَسْوَدِ. قَوْلُهُ (إِنْ لَقِيتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي فَقَطَعَهَا، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ، وَالَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمِقْدَادَ عَنِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ الْحَدِيثَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ) أَيِ الْتَجَأَ إِلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، وَالشَّجَرَةُ مِثَالٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ) أَيْ دَخَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْقَتْلُ لَيْسَ سَبَبًا لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآخَرِ، لَكِنْ عِنْدَ النُّحَاةِ مُؤَوَّلٌ بِالْإِخْبَارِ، أَيْ هُوَ سَبَبٌ لِإِخْبَارِي لَكَ بِذَلِكَ، وَعِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ الْمُرَادُ لَازِمُهُ كَقَوْلِهِ: يُبَاحُ دَمُكَ إِنْ عَصَيْتَ. قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِرَ مُبَاحُ الدَّمِ بِحُكْمِ الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِذَا أَسْلَمَ صَارَ مُصَانَ الدَّمِ كَالْمُسْلِمِ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ دَمُهُ مُبَاحًا بِحَقِّ الْقِصَاصِ كَالْكَافِرِ بِحَقِّ الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِلْحَاقَهُ فِي الْكُفْرِ كَمَا تَقَوَّلَهُ الْخَوَارِجُ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ بِالْكَبِيرَةِ، وَحَاصِلُهُ اتِّحَادُ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ، فَالْأَوَّلُ أَنَّهُ مِثْلُكَ فِي صَوْنِ الدَّمِ، وَالثَّانِي أَنَّكَ مِثْلُهُ فِي الْهَدَرِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: مَعْنَاهُ أنَّكَ صِرْتَ قَاتِلًا كَمَا كَانَ هُوَ قَاتِلًا، قَالَ: وَهَذَا مِنَ الْمَعَارِيضِ، لِأَنَّهُ

стр. 7177

أَرَادَ الْإِغْلَاظَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ بَاطِنِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَاتِلٌ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ صَارَ كَافِرًا بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَعْنَاهُ فَقَالَ: أَيْ أَنَّكَ بِقَصْدِكَ لِقَتْلِهِ عَمْدًا آثِمٌ كَمَا كَانَ هُوَ بِقَصْدِهِ لِقَتْلِكَ آثِمًا، فَأَنْتُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِصْيَانِ. وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنْتَ عِنْدَهُ حَلَالُ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ وَكُنْتَ مِثْلَهُ فِي الْكُفْرِ كَمَا كَانَ عِنْدَكَ حَلَالَ الدَّمِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ كَمَا أَنَّكَ مَغْفُورٌ لَكَ بِشُهُودِ بَدْرٍ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ أَيْ فِي إِبَاحَةِ الدَّمِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ رَدْعَهُ وَزَجْرَهُ عَنْ قَتْلِهِ لَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قَالَ: أَسْلَمْتُ حَرُمَ قَتْلُهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَافِرَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالْمُسْلِمَ الَّذِي قَتَلَهُ إِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّمَا قَتَلَهُ مُتَأَوِّلًا فَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي إِبَاحَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي مُخَالَفَةِ الْحَقِّ وَارْتِكَابِ الْإِثْمِ وَإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا كُفْرًا وَالْآخَرِ مَعْصِيَةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِنْ قَتَلْتَهُ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ فَأَنْتَ مِثْلُهُ فِي الْكُفْرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ وَأَنْتَ مَغْفُورٌ لَكَ بِشُهُودِ بَدْرٍ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَيْضًا عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِي آخِرِ الْبَابِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّائِذُ بِالشَّجَرَةِ الْقَاطِعُ لِلْيَدِ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ غَلَبُوهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَأَنْتَ شَاكٌّ فِي قَتْلِكَ إِيَّاهُ أَنَّى يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأ كَمَا كَانَ هُوَ مَشْكُوكًا فِي إِيمَانِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَطَعَ يَدَ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ مِمَّنْ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَإِنَّ دَمَهُ يَكُونُ هَدَرًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقِدِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ يَدِ الْمِقْدَادِ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَأَوِّلًا. قُلْتُ: وَعَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٌ: مِنْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِهَذَا التَّكَلُّفِ مَعَ ظُهُورِ اخْتِلَافِهِمَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِصَّةُ أُسَامَةَ الْآتِيَةُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ حَيْثُ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ أَرَادَ قَتْلَهُ فَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الْأَصْلِ مُسْلِمًا، فَالَّذِي وَقَعَ لِلْمِقْدَادِ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ وَأَمَّا قِصَّةُ قَطْعِ الْيَدِ فَإِنَّمَا قَالَهَا مُسْتَفْتِيًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ وَقَعَتْ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْجَوَابُ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَارَ مَا وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَفْوًا. وَمِنْهَا أَنَّ فِي جَوَابِهِ عَنْ الِاسْتِشْكَالِ نَظَرًا لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَ بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْمُسْلِمِ قَتْلَهُ إِنِّي مُسْلِمٌ فَيَكُفُّ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَادِرَ لِقَطْعِ يَدِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَنَحْوِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ مَنْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي الْكَفِّ، عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السُّؤَالِ عَنِ النَّوَازِلِ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُهُ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ، وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَادَةً فَيُشْرَعُ السُّؤَالُ عَنْهُ لِيُعْلَمَ. ٦٨٦٦ وقال حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمِقْدَادِ: إِذَا كَانَ رَجُلٌ ممن يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ. الحديث الخامس، قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) هُوَ الْقَصَّابُ الْكُوفِيُّ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ وَالِدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ وَفِي أَوَّلِهِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فِيهَا الْمِقْدَادُ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ وَجَدُوهُمْ تَفَرَّقُوا وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ الْمِقْدَادُ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مِقْدَادُ قَتَلْتَ رَجُلًا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمِقْدَادِ: كَانَ رَجُلًا مُؤْمِنًا يُخْفِي إِيمَانَهُ إِلَخْ، قَالَ

стр. 7178

الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ حَبِيبٌ وَتَفَرَّدَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ. قُلْتُ: قَدْ تَابَعَ أَبَا بَكْرٍ، سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ كَذَلِكَ، وَلَفْظُ وَكِيعٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: خَرَجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فِي سَرِيَّةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا إِلَى قَوْلِهِ: فَنَزَلَتْ وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَرَ الْمُعَلَّقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَبَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَطَرِيقَ الْجَمْعِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. ٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقٍّ ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٦٨٦٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا. ٦٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ "سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ٦٨٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ "عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتْ النَّاسَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " ٦٨٧٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - أَوْ قَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، شَكَّ شُعْبَةُ - وَقَالَ مُعَاذٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - أَوْ قَالَ: وَقَتْلُ النَّفْسِ" ٦٨٧١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ "سَمِعَ أَنَساً ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْكَبَائِرُ .. " وحَدَّثَنَا عَمْرٌ وحَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ وَشَهَادَةُ الزُّورِ" ٦٨٧٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ "قَالَ سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵄ يُحَدِّثُ قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ. قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ فَقَالَ لِي: يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟
следующие страницы →