← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1673

فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (7 508 стр.). Показаны 944–983 · переход к 949.

стр. 944

وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ بَرَاعَةِ الْخِتَامِ الْوَاقِعَةِ لِلْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ خَتْمُهُ كِتَابَ التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكِفَايَةِ بِمَا أَوْرَدَهُ تَحْصُلُ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَتَفَهَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨ - كِتَاب الصَّلَاةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الصَّلَاةِ) تَقَدَّمَ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ ذِكْرُ مُنَاسَبَةِ كَتْبِ هَذَا الصَّحِيحِ فِي التَّرْتِيبِ مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ، وَفِي أَوَائِلهَا مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَالْوَسِيلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَقَدْ تَأَمَّلْت. كِتَابَ الصَّلَاةِ مِنْهُ فَوَجَدْتُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَنْوَاعٍ تَزِيدُ عَلَى الْعِشْرِينَ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَ مُنَاسَبَتَهَا فِي تَرْتِيبِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي شَرْحِهَا، فَأَقُولُ: بَدَأَ أَوَّلًا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَدُخُولُ الْوَقْتِ، وَلَمَّا كَانَتِ الطَّهَارَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ أَفْرَدَهَا بِكِتَابٍ، وَاسْتَفْتَحَ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِذِكْرِ فَرْضِيَّتِهَا لِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ فَبَدَأَ بِهِ لِعُمُومِهِ ثُمَّ ثَنَّى بِالِاسْتِقْبَالِ لِلُزُومِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى كَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَنَافِلَةِ السَّفَرِ، وَكَانَ الِاسْتِقْبَالُ يَسْتَدْعِي مَكَانًا فَذَكَرَ الْمَسَاجِدَ، وَمِنْ تَوَابِعِ الِاسْتِقْبَالِ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَذَكَرَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّرْطَ الْبَاقِيَ وَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْفَرِيضَةِ، وَكَانَ الْوَقْتُ يُشْرَعُ الْإِعْلَامُ بِهِ فَذَكَرَ الْأَذَانَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَقُّ الْوَقْتِ، وَكَانَ الْأَذَانُ إِعْلَامًا بِالِاجْتِمَاعِ إِلَى الصَّلَاةِ فَذَكَرَ الْجَمَاعَةَ، وَكَانَ أَقَلُّهَا إِمَامًا وَمَأْمُومًا فَذَكَرَ الْإِمَامَةَ. وَلَمَّا انْقَضَتِ الشُّرُوطُ وَتَوَابِعُهَا ذَكَرَ صِفَةَ الصَّلَاةِ وَلَمَّا كَانَتِ الْفَرَائِضُ فِي الْجَمَاعَةِ قَدْ تَخْتَصُّ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ ذَكَرَ الْجُمُعَةَ وَالْخَوْفَ، وَقَدَّمَ الْجُمُعَةَ لِأَكْثَرِيَّتِهَا. ثُمَّ تَلَا ذَلِكَ بِمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّوَافِلِ فَذَكَرَ الْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرَ وَالِاسْتِسْقَاءَ وَالْكُسُوفَ وَأَخَّرَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِهَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ زِيَادَةُ الرُّكُوعِ، ثُمَّ تَلَاهُ بِمَا فِيهِ زِيَادَةُ سُجُودٍ فَذَكَرَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ إِذَا وَقَعَ اشْتَمَلَتِ الصَّلَاةُ عَلَى زِيَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَلَاهُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ عَدَدِهَا وَهُوَ قَصْرُ الصَّلَاةِ، وَلَمَّا انْقَضَى مَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ذَكَرَ مَا لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ وَهُوَ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ. ثُمَّ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ تَرْكُ الْكَلَامِ وَتَرْكُ الْأَفْعَالِ الزَّائِدَةِ وَتَرْكُ الْمُفْطِرِ فَتَرْجَمَ لِذَلِكَ، ثُمَّ بُطْلَانُهَا يَخْتَصُّ بِمَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ ذِكْرَ أَحْكَامِ السَّهْوِ، ثُمَّ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِصَلَاةٍ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ وَهِيَ الْجِنَازَةُ. هَذَا آخِرُ مَا ظَهَرَ مِنْ مُنَاسَبَةِ تَرْتِيبِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَّاحِ لِذَلِكَ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ. ١ - بَاب كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَوات فِي الْإِسْرَاءِ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ ٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي،

стр. 945

ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ. وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ، فَفَتَحَ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعني فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ. [الحديث ٣٤٩ - طرفاه في ٣٣٤٢، ١٦٣٦] قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ)، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِيِّ الصَّلَوَاتُ. (فِي الْإِسْرَاءِ) أَيْ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَهَذَا مَصِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ: كَانَا فِي لَيْلَةٍ

стр. 946

وَاحِدَةٍ فِي يَقَظَتِهِ ﷺ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: كَانَا جَمِيعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَنَامِهِ، وَقِيلَ: وَقَعَا جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ فِي لَيْلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا يَقَظَةً وَالْأُخْرَى مَنَامًا، وَقِيلَ كَانَ الْإِسْرَاءُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً فِي الْيَقَظَةِ وَكَانَ الْمِعْرَاجُ مَنَامًا إِمَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَلِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَذَّبَتْهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ تُكَذِّبْهُ فِيهِ وَلَا فِي أَبْعَدَ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَكِنَّ طُرُقَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ تَدُورُ عَلَى أَنَسٍ مَعَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَرَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَفِي سِيَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ. وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِهِ هُنَا ذِكْرُ فَرْضِ الصَّلَاةِ فَلْيَقَعِ الِاقْتِصَارُ هُنَا عَلَى شَرْحِهِ، وَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ وَتَغَايُرِ أَلْفَاظِهَا وَكَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ بِهِ وَهُوَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قُبَيْلَ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْحِكْمَةُ فِي وُقُوعِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ لَمَّا قُدِّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حِينَ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ بِالْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ، وَمِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا الطَّهُورُ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلِيَظْهَرَ شَرَفُهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَيُصَلِّي بِمَنْ سَكَنَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبِالْمَلَائِكَةِ، وَلِيُنَاجِيَ رَبَّهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ الْمُتَقَدِّمِ مَوْصُولًا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَالْقَائِلُ يَأْمُرنَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ; لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ بِهِرَقْلَ لِقَاءً يَتَهَيَّأُ لَهُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ آمِرًا لَهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَبَيَانُ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُقَدِّمَاتِهَا كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ وَسَاقَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ. قَوْلُهُ: (فُرِجَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ أَيْ فُتِحَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ انْصَبَّ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ انْصِبَابَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ مُبَالَغَةً فِي الْمُنَاجَاةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الطَّلَبَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ التَّمْهِيدَ لِمَا وَقَعَ مِنْ شَقِّ صَدْرِهِ، فَكَأَنَّ الْمَلَكَ أَرَاهُ بِانْفِرَاجِ السَّقْفِ وَالْتِئَامِهِ فِي الْحَالِ كَيْفِيَّةَ مَا سَيَصْنَعُ بِهِ لُطْفًا بِهِ وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَفَرَجَ صَدْرِي) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ أَيْضًا أَيْ شَقَّهُ، وَرَجَّحَ عِيَاضٌ أَنَّ شَقَّ الصَّدْرِ كَانَ وَهُوَ صَغِيرٌ عِنْدَ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ، وَتَعَقَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ شَرِيكٍ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الشَّقَّ الْأَوَّلَ كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِنَزْعِ الْعَلَقَةِ الَّتِي قِيلَ لَهُ عِنْدَهَا هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. وَالشَّقُّ الثَّانِي كَانَ لِاسْتِعْدَادِهِ لِلتَّلَقِّي الْحَاصِلِ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَدْ رَوَى الطَّيَالِسِيُّ، وَالْحَارِثُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الشَّقَّ وَقَعَ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ مَجِيءِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْوَحْيِ فِي غَارِ حِرَاءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ. وَرُوِيَ الشَّقُّ أَيْضًا وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ. وَرُوِيَ مَرَّةً أُخْرَى خَامِسَةً وَلَا تَثْبُتُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا إِنَاءٌ مَعْرُوفٌ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَخُصَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ آلَةُ الْغَسْلِ عُرْفًا وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ ; لِأَنَّهُ أَعْلَى أَوَانِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ بِالذَّهَبِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لَهُ الْمَلَكُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ كَانَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الذَّهْبِ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي اللِّبَاسِ. قَوْلُهُ: (مُمْتَلِئٌ) كَذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى مَعْنَى الْإِنَاءِ

стр. 947

لَا عَلَى لَفْظِ الطَّسْتِ ; لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، وَ (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الطَّسْتَ جُعِلَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ فَسُمِّيَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا مَجَازًا، أَوْ مَثَلًا لَهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَمْثِيلِ الْمَعَانِي كَمَا يُمَثَّلُ الْمَوْتُ كَبْشًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ صَفَا لَنَا مِنْهَا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْعِلْمُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ مَعَ نَفَاذِ الْبَصِيرَةِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ وَتَحْقِيقِ الْحَقِّ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالْكَفِّ عَنْ ضِدِّهِ، وَالْحَكِيمُ مَنْ حَازَ ذَلِكَ. اهـ مُلَخَّصًا. وَقَدْ تُطْلَقُ الْحِكْمَةُ عَلَى الْقُرْآنِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَى النُّبُوَّةِ كَذَلِكَ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ فَقَطْ، وَعَلَى الْمَعْرِفَةِ فَقَطْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ وَقَعَ غَيْرَ مَرَّةٍ لِكَوْنِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنِ اخْتِصَارِ الرَّاوِي، وَالْإِتْيَانُ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي لَا يُنَافِي وُقُوعَ أَمْرِ الْإِسْرَاءِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا الْإطْبَاقُ وَالْعُرُوجُ بَلْ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَعَرَجَ) بِالْفَتْحِ أَيِ الْمَلَكُ (بِي) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهِ عَلَى الِالْتِفَاتِ أَوِ التَّجْرِيدِ. قَوْلُهُ: (افْتَحْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَابَ كَانَ مُغْلَقًا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ حِكْمَتُهُ التَّحَقُّقُ أَنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُفْتَحْ إِلَّا مِنْ أَجْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَفْتُوحًا. قَوْلُهُ: (قَالَ جِبْرِيلُ) فِيهِ مِنْ أَدَبِ الِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ يُسَمِّي نَفْسَهُ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (أَأُرْسِلَ إِلَيْهِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَأُرْسِلَ إِلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ أَصْلُ إِرْسَالِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ عَنِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِ لِلْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ إِلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ رَسُولَ الرَّجُلِ يَقُومُ مَقَامَ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ الْخَازِنَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ الْفَتْحِ لَهُ عَلَى الْوَحْيِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ عَمِلَ بِلَازِمِ الْإِرْسَالِ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ أَوَقَدْ بُعِثَ لَكِنَّهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُعُقِّبَتْ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (أَسْوِدَةٌ) وَزْنُ أَزْمِنَةٍ وَهِيَ الْأَشْخَاصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَنْ هَذَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ آدَمُ مَرْحَبًا، وَرِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ بِعَكْسِ ذَلِكَ وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فَتُحْمَلُ هَذِهِ عَلَيْهَا إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ أَدَاةُ تَرْتِيبٍ. قَوْلُهُ: (نَسَمُ بَنِيهِ) النَّسَمُ بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَهِيَ الرُّوحُ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا مِيمٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَعْنِي فَكَيْفَ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى آدَمَ أَوْقَاتًا فَصَادَفَ وَقْتَ عَرْضِهَا مُرُورُ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدُلُّ - عَلَى أَنَّ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوْقَاتٍ دُونَ أَوْقَاتٍ - قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ لَا تُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا أَبْدَاهُ هُوَ احْتِمَالًا أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ وَالنَّارَ فِي جِهَةِ شِمَالِهِ، وَكَانَ يُكْشَفُ لَهُ عَنْهُمَا، اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّسَمَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلِ الْأَجْسَادَ بَعْدُ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْأَجْسَادِ وَمُسْتَقَرُّهَا عَنْ يَمِينِ آدَمَ وَشِمَالِهِ. وَقَدْ أُعْلِمَ بِمَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَسْتَبْشِرُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَحْزَنُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ عَنْ يَسَارِهِ، بِخِلَافِ الَّتِي فِي الْأَجْسَادِ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً قَطْعًا، وَبِخِلَافِ الَّتِي انْتَقَلَتْ مِنَ الْأَجْسَادِ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ فَلَيْسَتْ مُرَادَةً أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ وَيُعْرَفُ أَنَّ قَوْلَهُ نَسَمُ بَنِيهِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَإِذَا بِآدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ

стр. 948

ذُرِّيَّتِهُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ اجْعَلُوهَا فِي عِلِّيِّينَ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارِ فَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَزَّارِ فَإِذَا عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، إِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ حَزِنَ فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ فَذَكَرَ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ (أَنَّهُ وَجَدَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُثْبِتْ) أَيْ أَبُو ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (وَإِبْرَاهِيمُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) هُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَالثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرِ هَاتَيْنِ أَنَّهُ فِي السَّابِعَةِ. فَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ فَلَا تَعَارُضَ، وَإِلَّا فَالْأَرْجَحُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِنَّهُ رَآهُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ فِي السَّادِسَةِ عِنْدَ شَجَرَةِ طُوبَى فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي فِي السَّادِسَةِ بِجَانِبِ شَجَرَةِ طُوبَى ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ أَنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا يُحَاذِي الْكَعْبَةَ وَكُلٌّ مِنْهَا مَعْمُورٌ بِالْمَلَائِكَةِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا جَاءَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ بَيْتٍ يُحَاذِي الْكَعْبَةَ مِنْ بُيُوتِ السَّمَاوَاتِ وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الضُّرَاحُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ قَالَ هُنَا: إِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ فَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَهَا أَرْجَحُ، وَسَأَذْكُرُ مَزِيدًا لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا مَرَّ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا أَنَسٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ) الْبَاءُ الْأُولَى لِلْمُصَاحَبَةِ وَالثَّانِيَةُ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ بِمَعْنَى عَلَى. قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) لَيْسَتْ ثُمَّ عَلَى بَابِهَا فِي التَّرْتِيبِ، إِلَّا إِنْ قِيلَ بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ، إِذِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرُورَ بِهِ كَانَ قَبْلَ الْمُرُورِ بِمُوسَى. قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) أَيْ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَأَمَّا أَبُوهُ مُحَمَّدٌ فَلَمْ يَسْمَعِ الزُّهْرِيُّ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ مَوْتِهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَبَّةَ مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ قَبْلَ مَوْلِدِ أَبِي بَكْرٍ بِدَهْرٍ وَقَبْلَ مَوْلِدِ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ أَيْضًا، وَأَبُو حَبَّةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى ظَهَرْتُ) أَيِ ارْتَفَعْتُ، وَ (الْمُسْتَوَى) الْمِصْعَدُ وَ (صَرِيفُ الْأَقْلَامِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ تَصْوِيتُهَا حَالَةَ الْكِتَابَةِ، وَالْمُرَادُ مَا تَكْتُبُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَقْضِيَةِ اللَّهِ . قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) أَيْ عَنْ شَيْخِهِ (وَأَنَسٌ) أَيْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ كَذَا جَزَمَ بِهِ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةِ ابْنِ حَزْمٍ وَمِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ بِلَا وَاسِطَةٍ. قَوْلُهُ: (فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي كُلٍّ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى اخْتِصَارٌ، أَوْ يُقَالُ: ذِكْرُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ الْفَرْضَ عَلَى الْأُمَّةِ وَبِالْعَكْسِ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى مِنْ خَصَائِصِهِ. قَوْلُهُ: (فَرَاجَعَنِي) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَرَاجَعْتُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ شَطْرَهَا) فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا وَمِثْلُهُ لِشَرِيكٍ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذِكْرُ الشَّطْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ وَقَعَ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قُلْتُ: وَكَذَا الْعَشْرُ فَكَأَنَّهُ وَضَعَ الْعَشْرَ فِي دُفْعَتَيْنِ وَالشَّطْرَ فِي خَمْسِ دُفُعَاتٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْبَعْضُ وَقَدْ حَقَقْتُ رِوَايَةَ ثَابِتٍ أَنَّ التَّخْفِيفَ كَانَ خَمْسًا خَمْسًا وَهِيَ زِيَادَةٌ مُعْتَمَدَةٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ الشَّطْرُ هُوَ النِّصْفُ فَفِي الْمُرَاجَعَةِ الْأُولَى وَضَعَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَعْنِي نِصْفَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ بِجَبْرِ الْكَسْرِ وَفِي الثَّالِثَةِ سَبْعًا، كَذَا قَالَ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْمُرَاجَعَةِ الثَّالِثَةِ ذِكْرُ وَضْعِ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ حُذِفَ ذَلِكَ اخْتِصَارًا فَيُتَّجَهُ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ

стр. 949

يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ. وَأَبْدَى ابْنُ الْمُنِيرِ هُنَا نُكْتَةً لَطِيفَةً فِي قَوْلِهِ ﷺ لِمُوسَى ﵇ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْسًا فَقَالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ تَفَرَّسَ مِنْ كَوْنِ التَّخْفِيفِ وَقَعَ خَمْسًا خَمْسًا أَنَّهُ لَوْ سَأَلَ التَّخْفِيفَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْسًا لَكَانَ سَائِلًا فِي رَفْعِهَا فَلِذَلِكَ اسْتَحْيَى اهـ. وَدَلَّتْ مُرَاجَعَتُهُ ﷺ لِرَبِّهِ فِي طَلَبِ التَّخْفِيفِ تِلْكَ الْمَرَّاتِ كُلَّهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ، بِخِلَافِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ فَفِيهَا مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وقَوْلِهِ : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْيَاءِ أَنَّ الْعَشَرَةَ آخِرُ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَأَوَّلَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، فَخَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِلْحَاحِ فِي السُّؤَالِ لَكِنَّ الْإِلْحَاحَ فِي الطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ مَطْلُوبٌ، فَكَأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ بِالشُّكْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ زِيَادَةٌ فِي هَذَا وَمُخَالَفَةٌ. وَأَبْدَى بَعْضُ الشُّيُوخِ حِكْمَةً لِاخْتِيَارِ مُوسَى تَكْرِيرَ تَرْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَمَّا كَانَ مُوسَى قَدْ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ فَمُنِعَ وَعَرَفَ أَنَّهَا حَصَلَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ قَصَدَ بِتَكْرِيرِ رُجُوعِهِ تَكْرِيرَ رُؤْيَتِهِ لِيَرَى مَنْ رَأَى، كَمَا قِيلَ: لَعَلِّي أَرَاهُمْ أَوْ أَرَى مَنْ رَآهُمْ (١). قُلْتُ: وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ تَجَدُّدِ الرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. قَوْلُهُ: (هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ) وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هِيَ بَدَلُ هُنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَّ خَمْسٌ عَدَدًا بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ وَخَمْسُونَ اعْتِدَادًا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا زَادَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَالْوِتْرِ، وَعَلَى دُخُولِ النَّسْخِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً، خِلَافًا لِقَوْمٍ فِيمَا أُكِّدَ، وَعَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَسَخَ الْخَمْسِينَ بِالْخَمْسِ قَبْلَ أَنْ تُصَلَّى، ثُمَّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَكْمَلَ لَهُمُ الثَّوَابَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرُ فَقَالَ: هَذَا ذَكَرَهُ طَوَائِفُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالشُّرَّاحِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ النَّسْخَ قَبْلَ الْفِعْلِ كَالْأَشَاعِرَةِ أَوْ مَنَعَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ، لِكَوْنِهِمُ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْبَلَاغِ، وَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ وَقَعَ فِيهِ النَّسْخُ قَبْلَ الْبَلَاغِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. قَالَ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ مُبْتَكَرَةٌ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ قَبْلَ الْبَلَاغِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ قَبْلَ الْبَلَاغِ إِلَى الْأُمَّةِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَيْسَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ نَسْخًا، لَكِنْ هُوَ نَسْخٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّهُ كُلِّفَ بِذَلِكَ قَطْعًا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ أَنْ بُلِّغَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، فَالْمَسْأَلَةُ صَحِيحَةُ التَّصْوِيرِ فِي حَقِّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) كَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ لَامٌ، وَذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هُوَ جَنَابِذُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ عَنْ يُونُسَ، وَكَذَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَوَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَنَابِذُ عَلَى الصَّوَابِ وَأَظُنُّهُ مِنْ إِصْلَاحِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَجْوِبَتِهِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ: فَتَّشْتُ عَلَى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ فَلَمْ أَجِدْهُمَا وَلَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا وَقَفْتُ عَلَى مَعْنَاهُمَا. انْتَهَى. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْجَنَابِذَ شَبَهُ الْقِبَابِ وَاحِدُهَا جُنْبُذَةٌ بِالضَّمِّ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْبِنَاءِ، فَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ بِلِسَانِهِمْ كُنْبُذَةٌ بِوَزْنِهِ لَكِنَّ الْمُوَحَّدَةَ مَفْتُوحَةٌ وَالْكَافُ لَيْسَتْ خَالِصَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ

стр. 950

وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ فِي الْحَبَائِلِ قِيلَ: هِيَ الْقَلَائِدُ وَالْعُقُودُ، أَوْ هِيَ مِنْ حِبَالِ الرَّمْلِ أَيْ فِيهَا لُؤْلُؤٌ مِثْلُ حِبَالِ الرَّمْلِ جَمْعُ حَبْلٍ وَهُوَ مَا اسْتَطَالَ مِنَ الرَّمْلِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَبَائِلَ لَا تَكُونُ إِلَّا جَمْعَ حِبَالَةٍ أَوْ حَبِيلَةٍ بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَنِ اعْتَنَى بِالْبُخَارِيِّ: الْحَبَائِلُ جَمْعُ حِبَالَةٍ وَحِبَالَةٌ جَمْعُ حَبْلٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ فِيهَا عُقُودًا وَقَلَائِدَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ. ٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ. [الحديث ٣٥٠ - طرفاه في: ٣٩٣٥، ١٠٩٠] قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) كَرَّرَتْ لَفْظَ رَكْعَتَيْنِ لِتُفِيدَ عُمُومَ التَّثْنِيَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا فَعَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي قَوْلِهِ هُنَا وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْحَنَفِيَّةُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، وَاحْتَجَّ مُخَالِفُوهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ لِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَزِيمَةِ، وَالْقَصْرُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ شَيْءٍ أَطْوَلَ مِنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ، وَبِأَنَّهَا لَمْ تَشْهَدْ زَمَانَ فَرْضِ الصَّلَاةِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكِ الْقِصَّةَ يَكُونُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَخَذَتْهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ أَدْرَكَ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَنُقِلَ مُتَوَاتِرًا فَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ، وَقَالُوا أَيْضًا: يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا تَعَارُضَ، وَأَلْزَمُوا الْحَنَفِيَّةَ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِيمَا إِذَا عَارَضَ رَأْيُ الصَّحَابِيِّ رِوَايَتَهُ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْعِبْرَةُ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى، وَخَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهَا غَيْرُ ثَابِتٍ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمْ أَنَّ عُرْوَةَ الرَّاوِيَ عَنْهَا قَدْ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ إِتْمَامِهَا فِي السَّفَرِ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ، فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتِهَا وَبَيْنَ رَأْيِهَا، فَرِوَايَتُهَا صَحِيحَةٌ وَرَأْيُهَا مَبْنِيُّ عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ - أَنَّ الصَّلَوَاتَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَقِبَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الصُّبْحَ، كَمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرَ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ ; لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ اهـ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ

стр. 951

تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِمَّا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ نُزُولَ آيَةِ الْخَوْفِ كَانَ فِيهَا، وَقِيلَ كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ. ذَكَرَهُ الدُّولَابِيُّ وَأَوْرَدَهُ السُّهَيْلِيُّ بِلَفْظِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ، لَا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ فَالْبَحْثُ فِيهِ يَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. (فَائِدَةٌ): ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ إِلَّا مَا كَانَ وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ مَفْرُوضَةً رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ مَفْرُوضَةً ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فَصَارَ الْفَرْضُ قِيَامَ بَعْضِ اللَّيْلِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَاسْتَنْكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَالْقِتَالُ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، اهـ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُ وَاضِحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَكَأَنَّهُ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَعْجِيلِ التَّخْفِيفِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي عَلِمَ أَنَّهَا سَتَقَعُ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢ - بَاب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ. فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ قَوْلُهُ: (بَابُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ طَاوُسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قَالَ: الثِّيَابُ، وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) هَكَذَا ثَبَتَ لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ هُنَا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُنَا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ الْمُعَلَّقِ بَعْدَهُ كَمَا سَيَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ. قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ) قَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي تَرْكِ جَزْمِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ). وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَتَصَيَّدُ، أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، زُرَّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ، زَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ. فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ مُوسَى، وَسَلَمَةَ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ أَبِي أُوَيْسٍ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ

стр. 952

يَكُونَ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةِ عَطَّافٍ وَهْمًا. فَهَذَا وَجْهُ النَّظَرِ فِي إِسْنَادِهِ. وَأَمَّا مَنْ صَحَّحَهُ فَاعْتَمَدَ رِوَايَةَ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَجَعَلَ رِوَايَةَ عَطَّافٍ شَاهِدَةً لِاتِّصَالِهَا، وَطَرِيقُ عَطَّافٍ أَخْرَجَهَا أَيْضًا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ: إِنَّ مُوسَى هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ الْمُضَعَّفُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ وَأَنَّهُ نُسِبَ هُنَا إِلَى جَدِّهِ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ نُسِبَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مَخْزُومِيًّا وَهُوَ غَيْرُ التَّيْمِيِّ بِلَا تَرَدُّدٍ. نَعَمْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا رَوَيَا الْحَدِيثَ وَحَمَلَهُ عَنْهُمَا الدَّرَاوَرْدِيُّ وَإِلَّا فَذِكْرُ مُحَمَّدٍ فِيهِ شَاذٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (يَزُرُّهُ) بِضَمِّ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ يَشُدُّ إِزَارَهُ وَيَجْمَعُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يَغْرِزَ فِي طَرَفَيْهِ شَوْكَةً يَسْتَمْسِكُ بِهَا. وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ سَلَمَةَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَخْذِ الزِّينَةِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ لُبْسُ الثِّيَابِ لَا تَحْسِينُهَا. قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ) يُشِيرُ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ؟ قَالَتْ نَعَمْ، إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى. وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا تَرَاجِمُ هَذَا الْكِتَابِ بِغَيْرِ صِيغَةِ رِوَايَةٍ حَتَّى وَلَا التَّعْلِيقِ. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى) سَقَطَ لَفْظُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ. قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَعْثِ عَلِيٍّ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْأَمْرِ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَفْسَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِلْبَابِ أَنَّ الطَّوَافَ إِذَا مُنِعَ فِيهِ التَّعَرِّي فَالصَّلَاةُ أَوْلَى، إِذْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّوَافِ وَزِيَادَةٌ، وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الذَّاكِرِ وَالنَّاسِي، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ كَوْنَهُ سُنَّةً لَا يُبْطِلُ تَرْكُهَا الصَّلَاةَ. وَاحْتُجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ لَاخْتَصَّ بِهَا وَلَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ، وَلَكَانَ الْعَاجِزُ الْعُرْيَانُ يَنْتَقِلُ إِلَى بَدَلٍ كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ يَنْتَقِلُ إِلَى الْقُعُودِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ النَّقْضُ بِالْإِيمَانِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَعَنِ الثَّانِي بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ، وَعَنِ الثَّالِثِ عَلَى مَا فِيهِ بِالْعَاجِزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ عَنِ التَّسْبِيحِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي سَاكِتًا. ٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التُّسْتَرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَكَذَا الْمُعَلَّقُ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (أُمِرْنَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهَ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الطَّهَارَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي بَابِ شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ثَمَّ. قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْعِيدَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ يَوْمَ الْعِيدِ بِالْإِفْرَادِ. قَوْلُهُ: (وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ) أَيِ النِّسَاءُ اللَّاتِي لَسْنَ بِحُيَّضٍ، وَلِلْمُسْتَمْلِي عَنْ مُصَلَّاهُمْ عَلَى التَّغْلِيبِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ عَنِ الْمُصَلَّى وَالْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعُ

стр. 953

الصَّلَاةِ. وَدَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ تَأْكِيدِ الْأَمْرِ بِاللُّبْسِ حَتَّى بِالْعَارِيَةِ لِلْخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْفَرِيضَةِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) هُوَ الْغُدَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ، هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ فِي عَرْضِهِ عَلَى أَبِي زَيْدٍ بِمَكَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ كَمَا قَالَ الْبَاقُونَ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْكَلَامِ عَلَى رِجَالِ هَذَا الْكِتَابِ، وَعِمْرَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْقَطَّانُ، وَفَائِدَةُ التَّعْلِيقِ عَنْهُ تَصْرِيحُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِتَحْدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ لَهُ، فَبَطَلَ مَا تَخَيَّلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ. وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣ - بَاب عَقْدِ الْإِزَارِ عَلَى الْقَفَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ ٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ. وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟. [الحديث ٣٥٢ - أطرافه في: ٣٧٠، ٣٦١، ٣٥٣] قَوْلُهُ: (بَابُ عَقْدِ الْإِزَارِ عَلَى الْقَفَا) هُوَ بِالْقَصْرِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ مَوْصُولًا بَعْدَ قَلِيلٍ. قَوْلُهُ: (صَلَّوْا) بِلَفْظِ الْمَاضِي أَيِ الصَّحَابَةُ وَ (عَاقِدِي) جَمْعُ عَاقِدٍ وَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَاقِدُو وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُمْ عَاقِدُو، وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَرَاوِيلَاتٌ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْقِدُ إِزَارَهُ فِي قَفَاهُ لِيَكُونَ مَسْتُورًا إِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ أَهْلِ الصُّفَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ نَوْمِ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي وَاقِدٌ) هُوَ أَخُو عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَمُحَمَّدٌ أَبُوهُمَا هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَوَاقِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ. قَوْلُهُ: (مِنْ قِبَلِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ قَفَاهُ. قَوْلُهُ: (الْمِشْجَبُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، هُوَ عِيدَانٌ تُضَمُّ رُءُوسُهَا وَيُفَرَّجُ بَيْنَ قَوَائِمِهَا تُوضَعُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ وَغَيْرُهَا، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْمِشْجَبُ وَالشِّجَابُ خَشَبَاتٌ ثَلَاثٌ يُعَلِّقُ عَلَيْهَا الرَّاعِي دَلْوَهُ وَسِقَاءَهُ، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ فُلَانٌ كَالْمِشْجَبِ مِنْ حَيْثُ قَصَدْتُهُ وَجَدْتُهُ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَارِثِ سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَعَلَّهُمَا جَمِيعًا سَأَلَاهُ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَيْضًا فَقُلْنَا يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ فَلَعَلَّ السُّؤَالَ تَعَدَّدَ، وَقَالَ فِي جَوَابِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ وَعُرِفَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ هُنَا أَحْمَقُ أَيْ جَاهِلٌ. وَالْحُمْقُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِقُبْحِهِ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَالْغَرَضُ بَيَانُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: صَنَعْتُهُ عَمْدًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِمَّا لِيَقْتَدِيَ بِيَ الْجَاهِلُ ابْتِدَاءً أَوْ يُنْكِرَ عَلَيَّ فَأُعَلِّمَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَإِنَّمَا أَغْلَظَ لَهُمْ فِي

стр. 954

الْخِطَابِ زَجْرًا عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَلِيُحِثَّهُمْ عَلَى الْبَحْثِ عَنِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ. قَوْلُهُ: (وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ) أَيْ كَانَ أَكْثَرُنَا فِي عَهْدِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الثَّوْبَ الْوَاحِدَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُكَلَّفْ تَحْصِيلَ ثَوْبٍ ثَانٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. وَعَقَّبَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَهُ هَذَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ بَيَانُ الْجَوَازِ بِهِ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ، لِكَوْنِهِ أَصْرَحَ فِي الرَّفْعِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْكِرْمَانِيِّ فَقَالَ: دَلَالَتُهُ - أَيِ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ - عَلَى التَّرْجَمَةِ وَهِي عَقْدُ الْإِزَارِ عَلَى الْقَفَا إِمَّا لِأَنَّهُ مَخْرُومٌ مِنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ - أَيْ هُوَ طَرَفٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ - وَإِمَّا لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْغَالِبِ إِذْ لَوْلَا عَقْدُهُ عَلَى الْقَفَا لَمَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ غَالِبًا، اهـ. وَلَوْ تَأَمَّلَ لَفْظَهُ وَسِيَاقَهُ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ لَعَرَفَ انْدِفَاعَ احْتِمَالَيْهِ فَإِنَّهُ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ لَا مِنَ السَّابِقِ، وَلَا ضَرُورَةَ إِلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْغَلَبَةِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى فِيمَا يَظْهَرُ كَانَ الثَّوْبُ فِيهَا وَاسِعًا فَالْتَحَفَ بِهِ، وَكَانَ فِي الْأُولَى ضَيِّقًا فَعَقَدَهُ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْصِيلَ قَرِيبًا. (فَائِدَةٌ): كَانَ الْخِلَافُ فِي مَنْعِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَدِيمًا، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا تُصَلِّينَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ أَوْسَعَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَنَسَبَ ابْنُ بَطَّالٍ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى الْجَوَازِ. ٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَصَمُّ صَاحِبُ مَالِكٍ، مَدَنِيٌّ هُوَ وَبَاقِي رِجَالِ إِسْنَادِهِ وَقَدْ شَارَكَ أَبَا مُصْعَبٍ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيَّ فِي صُحْبَةِ مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ، وَفِي كُنْيَتِهِ. لَكِنَّ أَحْمَدَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ، وَمُطَرِّفٌ بِالْعَكْسِ. ٤ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ وَهُوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهُوَ الِاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ الْتَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ) لَمَّا كَانَتِ الْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُطْلَقَةً أَرْدَفَهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالِ الضِّيقِ، أَوْ بِحَالِ بَيَانِ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ: (قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ) أَيِ الَّذِي رَوَاهُ فِي الِالْتِحَافِ، وَالْمُرَادُ إِمَّا حَدِيثُهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَهُوَ الْمُخَالِفُ. . . إِلَخْ) مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ) سَيَأْتِي حَدِيثُهَا مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مُرَّةَ عَنْهَا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْمُعَلَّقِ. ٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [الحديث ٣٥٤ - طرفاه في: ٣٥٦، ٣٥٥]

стр. 955

٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وقَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. ٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) هَذَا الْإِسْنَادُ لَهُ حُكْمُ الثُّلَاثِيَّاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صُورَتُهَا ; لِأَنَّ أَعْلَى مَا يَقَعُ لِلْبُخَارِيِّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ فِيهِ اثْنَانِ، فَإِنْ كَانَ الصَّحَابِيُّ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَحِينَئِذٍ تُوجَدُ فِيهِ صُورَةُ الثُّلَاثِيِّ، وَإِنْ كَانَ يَرْوِيهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ فَلَا، لَكِنَّ الْحُكْمَ مِنْ حَيْثُ الْعُلُوِّ وَاحِدٍ لِصِدْقِ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ اثْنَيْنِ. وَهَكَذَا تَقُولُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّابِعِيِّ إِذَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا وَاحِدٌ، فَإِنْ رَوَاهُ التَّابِعِيُّ عَنْ صَحَابِيٍّ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ رَوَاهُ عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ فَلَهُ حُكْمُ الْعُلُوِّ لَا صُورَةُ الثُّلَاثِيِّ كَهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ مِنَ التَّابِعِينَ، لَكِنَّهُ حَدَّثَ هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ، فَلَوْ رَوَاهُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَرَوَاهُ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ ثُلَاثِيًّا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْعُلُوِّ النِّسْبِيِّ لَا الْمُطْلَقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِنُزُولِ دَرَجَةٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ الْمَذْكُورُ، وَفَائِدَتُهُ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ شَاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ مَا نَقَلَ عَنْهُ أَوَّلًا بِالصُّورَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَفِيهِ تَعْيِينُ الْمَكَانِ وَهُوَ بَيْتُ أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ وَالِدَةُ الصَّحَابِيِّ الْمَذْكُورِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ زِيَادَةُ كَوْنِ طَرَفَيِ الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقَيِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَفِيهِ جَمِيعُ الزِّيَادَةِ فَكَأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ مُخْتَصَرًا. وَفَائِدَةُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ثَالِثًا بِالنُّزُولِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ تَصْرِيحُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ بِأَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَهُ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ بِالْعَنْعَنَةِ. وَفِيهِ أَيْضًا ذِكْرُ الِاشْتِمَالِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْسِيرِ. قَوْلُهُ: (مُشْتَمِلًا بِهِ) بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ بِالْجَرِّ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ أَوِ الرَّفْعِ عَلَى الْحَذْفِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَائِدَةُ الِالْتِحَافِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْمُصَلِّي إِلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ إِذَا رَكَعَ، وَلِئَلَّا يَسْقُطَ الثَّوْبُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. ٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ. قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) هُوَ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو مُرَّةَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْعِلْمِ، وَعُرِفَ هُنَا بِأَنَّهُ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ وَهُنَاكَ بِأَنَّهُ مَوْلَى عَقِيلٍ، وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ حَقِيقَةً، وَأَمَّا عَقِيلٌ فَلِكَوْنِهِ أَخَاهَا فَنُسِبَ إِلَى وَلَائِهِ مَجَازًا بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، أَوْ

стр. 956

لِكَوْنِهِ كَانَ يُكْثِرُ مُلَازَمَةَ عَقِيلٍ كَمَا وَقَعَ لِمِقْسَمٍ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَوَائِلِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْغُسْلِ فِي بَابِ التَّسَتُّرِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي صَلَاةِ الضُّحَى: وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ وَصَفَتْ الِالْتِحَافَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ بِأَنَّهُ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ عَلَى الْعَاتِقَيْنِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ قَبْلُ، فَطَابَقَ التَّفْسِيرَ الْمُتَقَدِّمَ فِي التَّرْجَمَةِ. قَوْلُهُ: (زَعَمَ ابْنُ أُمِّي) هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ابْنُ أَبِي وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّهُ شَقِيقُهَا، وَزَعَمَ هُنَا بِمَعْنَى ادَّعَى، وَقَوْلُهَا (قَاتَلَ رَجُلًا) فِيهِ إِطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْفَعْلَةِ. قَوْلُهُ: (فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الرَّفْعِ عَلَى الْحَذْفِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي مُرَّةَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ إِنِّي أَجَرْتُ حَمَوَيْنِ لِي قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: هُمَا جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ كَانَا فِيمَنْ قَاتَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَقْبَلَا الْأَمَانَ، فَأَجَارَتْهُمَا أُمُّ هَانِئٍ وَكَانَا مِنْ أَحْمَائِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنْ كَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ مِنْهُمَا فَهُوَ جَعْدَةُ كَذَا قَالَ، وَجَعْدَةُ مَعْدُودٌ فِيمَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَمْ تَصِحَّ لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فِي التَّابِعِينَ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا، فَكَيْفَ يَتَهَيَّأُ لِمَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ فِي صِغَرِ السِّنِّ أَنْ يَكُونَ عَامَ الْفَتْحِ مُقَاتِلًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْأَمَانِ؟ ثُمَّ لَوْ كَانَ وَلَدَ أُمِّ هَانِئٍ لَمْ يَهْتَمَّ عَلِيٌّ بِقَتْلِهِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَهَرَبَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ وَلَدَهَا عِنْدَهَا، وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِهُبَيْرَةَ مِنْ غَيْرِهَا، مَعَ نَقْلِهِ عَنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا لِهُبَيْرَةَ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أُمِّ هَانئٍ، وَجَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ بِأَنَّ اللَّذَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أُمُّ هَانِئٍ هُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّانِ. وَرَوَى الْأَزْرَقُ بِسَنَدٍ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ هَذَا أَنَّهُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ هُبَيْرَةَ هَرَبَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى نَجْرَانَ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُشْرِكًا حَتَّى مَاتَ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فَلَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ فِيمَنْ أَجَارَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ. انْتَهَى. وَقَدْ تُصُرِّفَ فِي كَلَامِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَوْضِعُ فُلَانِ بْنِ هُبَيْرَةَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ حَذْفًا، كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ فُلَانُ ابْنُ عَمِّ هُبَيْرَةَ فَسَقَطَ لَفْظُ عَمٍّ أَوْ كَانَ فِيهِ فُلَانُ قَرِيبُ هُبَيْرَةَ فَتَغَيَّرَ لَفْظُ قَرِيبٍ بِلَفْظِ ابْنِ، وَكُلٌّ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَزُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّ هُبَيْرَةَ وَقَرِيبُهُ، لِكَوْنِ الْجَمِيعِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمَانِ الْمَرْأَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ. [الحديث ٣٥٨ - طرفه في: ٣٦٥] قَوْلُهُ: (أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ السَّائِلَ ثَوْبَانُ. قَوْلُهُ: (أَوَلِكُلِّكُمْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَفْظُهُ اسْتِخْبَارٌ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ قِلَّةِ الثِّيَابِ، وَوَقَعَ فِي ضِمْنِهِ الْفَتْوَى مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ وَالصَّلَاةَ لَازِمَةٌ وَلَيْسَ لِكُلِّ واحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبَانِ فَكَيْفَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ جَائِزَةٌ؟ أَيْ مَعَ مُرَاعَاةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَعْنَاهُ لَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَكْرُوهَةً فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَكُرِهَتْ لِمَنْ لَا يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا. انْتَهَى. وَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْقَادِرِ وَغَيْرِهِ، وَالسُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ عَنِ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ لَا عَنِ الْكَرَاهَةِ.

стр. 957

(فَائِدَةٌ): رَوَى ابْنُ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، لَكِنْ قَالَ فِي الْجَوَابِ لِيَتَوَشَّحْ بِهِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ، أَوْ حَدِيثًا وَاحِدًا فَرَّقَهُ الرُّوَاةُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذَا لِذِكْرِهِ التَّوَشُّحَ فِي التَّرْجَمَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥ - بَاب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ ٣٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ. [الحديث ٣٥٩ - طرفه في: ٣٦٠] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ) أَيْ بَعْضَهُ، فِي رِوَايَةٍ عَاتِقِهِ بِالْإِفْرَادِ. وَالْعَاتِقُ هُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى أَصْلِ الْعُنُقِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَحُكِيَ تَأْنِيثُهُ. قَوْلُهُ: (لَا يُصَلِّي) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ لَا نَافِيَةٌ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ لَا يُصَلِّ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ لَا يُصَلِّيَنَّ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مِنْهُ شَيْءٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَّزِرُ فِي وَسَطِهِ وَيَشُدُّ طَرَفَيِ الثَّوْبِ فِي حَقْوَيْهِ بَلْ يَتَوَشَّحُ بِهِمَا عَلَى عَاتِقَيْهِ لِيَحْصُلَ السَّتْرُ لِجُزْءٍ مِنْ أَعَالِي الْبَدَنِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، أَوْ لِكَوْنِ ذَلِكَ أَمْكَنَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ. ٣٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ، أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُهُ) أَيْ قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، ثُمَّ تَرَدَّدَ هَلْ سَمِعَهُ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابُ سُؤَالٍ مِنْهُ. هَذَا ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدَانَ، عَنْ حَمْدَانَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِلَفْظِ سَمِعْتُهُ أَوْ كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ فَحَصَلَ التَّرَدُّدَ بَيْنَ السَّمَاعِ وَالْكِتَابَةِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ سَمَاعَ يَحْيَى مِنْ عِكْرِمَةَ، يَعْنِي بِالْجَزْمِ. قَالَ: وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ بِالتَّرَدُّدِ فِي السَّمَاعِ أَوِ الْكِتَابَةِ أَيْضًا. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ شَيْبَانَ نَحْوَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُهُ أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ فَسَمِعْتُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ. قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ) ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِحِفْظِهِ وَاسْتِحْضَارِهِ. قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ وَاحِدٌ. وَدَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لَا تَتَيَسَّرُ إِلَّا بِجَعْلِ شَيْءٍ مِنَ الثَّوْبِ عَلَى الْعَاتِقِ، كَذَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ. وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَعَادَتِهِ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى فِيهِ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ

стр. 958

وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالنَّهْيَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ جَعَلَهُ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ وَيَأْثَمُ جَعَلَهُ وَاجِبًا مُسْتَقْبِلًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ. كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ عَنِ النَّوَوِيِّ مِنْ حِكَايَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ، وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْحِ الْمَعَانِي وَنَقَلَ الْمَنْعَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ. وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ لِأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَيَجِبُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فلا يَجِبُ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَاتِقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مناسبةُ تَعْقِيبِهِ بِبَابٍ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا. ٦ - بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا ٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ. قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ غَزْوَةُ بُوَاطٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَغَازِيهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (لِبَعْضِ أَمْرِي) أَيْ حَاجَتِي، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَرْسَلَهُ هُوَ وَجَبَّارَ بْنَ صَخْرٍ لِتَهْيِئَةِ الْمَاءِ فِي الْمَنْزِلِ. قَوْلُهُ: (مَا السُّرَى) أَيْ مَا سَبَبُ سُرَاكَ أَيْ سَيْرِكَ فِي اللَّيْلِ. قَوْلُهُ: (مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ) كَأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ أَنْ يُدِيرَ الثَّوْبَ عَلَى بَدَنِهِ كُلِّهِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّمَّاءِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّوْبَ كَانَ ضَيِّقًا وَأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَتَوَاقَصَ - أَيِ انْحَنَى - عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ لَمْ يَصِرْ سَاتِرًا فَانْحَنَى لِيَسْتَتِرَ، فَأَعْلَمَهُ ﷺ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالِائْتِزَارِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاقُصِ الْمُغَايِرِ لِلِاعْتِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ. قَوْلُهُ: (كَانَ ثَوْبٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الْمُشْتَمِلُ بِهِ ثَوْبًا، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ضَيِّقًا.

стр. 959

٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَال لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا. [الحديث ٣٦٢ - طرفاه في: ٨١٤، ١٢١٥] قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَسَهْلٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ. قَوْلُهُ: (كَانَ رِجَالٌ) التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ رَأَيْتُ الرِّجَالِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ فَهُوَ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ. قَوْلُهُ: (عَاقِدِي أُزُرَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ: عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا أَمْكَنَ الِالْتِحَافُ بِهِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الِائْتِزَارِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّسَتُّرِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِلنِّسَاءِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَاعِلُ قَالَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا جَزَمَ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ فَقَالَ قَائِلٌ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ يَقُولُ لَهُنَّ ذَلِكَ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ بِلَالٌ، وَإِنَّمَا نَهَى النِّسَاءَ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَلْمَحْنَ عِنْدَ رَفْعِ رُءُوسِهِنَّ مِنَ السُّجُودِ شَيْئًا مِنْ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِنْدَ نُهُوضِهِمْ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَلَفْظُهُ فَلَا تَرْفَعْ رَأْسَهَا حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُءُوسَهُمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّسَتُّرُ مِنْ أَسْفَلُ. ٧ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الثِّيَابِ: يَنْسُجُهَا الْمَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ وَصَلَّى عَلِيُّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ ٣٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: يَا مُغِيرَةُ، خُذْ الْإِدَاوَةَ، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي ثِيَابِ الْكُفَّارِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالشَّامِيَّةِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ دَارَ كُفْرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ صُوفًا وَكَانَتْ مِنْ ثِيَابِ الرُّومِ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ الْغَسْلِ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ فَعَلَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ، وَيَنْسِجُهَا بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا وَبِضَمِّ الْجِيمِ. قَوْلُهُ: (الْمَجُوسِيُّ) كَذَا لِلْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ. وَلِلْبَاقِينَ الْمَجُوسُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَرَ) أَيِ الْحَسَنُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ، أَوْ هُوَ مَقُولُ الرَّاوِي، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ حَمَّادٍ فِي نُسْخَتِهِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ مُعْتَمِرٍ، عَنْ هِشَامٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ لَا بَأْسَ

стр. 960

بِالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ الْمَجُوسِيُّ قَبْلَ أَنْ يُغْسَلَ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الْحَسَنِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي رِدَاءِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ بِالْبَوْلِ إِنْ كَانَ لِلْجِنْسِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُهُ قَبْلَ لُبْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَهْدِ فَالْمُرَادُ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ) أَيْ خَامٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ جَدِيدًا لَمْ يُغْسَلْ، رَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ كَرَابِيسُ غَيْرُ مَغْسُولٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَفِي الْجَنَائِزِ وَفِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ عَنْ يَحْيَى - غَيْرِ مَنْسُوبٍ - عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَنَسَبُ ابْنِ السَّكَنِ الَّذِي فِي الْجَنَائِزِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَ: وَلَمْ أَجِدِ الْآخَرَيْنِ مَنْسُوبَيْنِ لِأَحَدٍ. قُلْتُ: فَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا أُهْمِلَ عَلَى مَا بُيِّنَ، قَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَائِزِ هُوَ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْبِيكَنْدِيُّ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا مِثْلَهُ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ شَبُّوَيْهِ وَافَقَ ابْنَ السَّكَنِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَنَائِزِ وَهُنَا أَيْضًا، وَرَأَيْتُ بِخَطِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَحْيَى هُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَلَيْسَ لِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ شَيْبَانَ رِوَايَةٌ. وَبَعْدَ أَنْ رَدَّدَ الْكِرْمَانِيُّ، يَحْيَى بَيْنَ ابْنِ مُوسَى أَوِ ابْنِ جَعْفَرٍ أَوِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ: وَأَبُو مُعَاوِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَيْبَانَ النَّحْوِيَّ. وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ شَيْبَانَ الْمَذْكُورِ، وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَذَا خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُمَا الْمِزِّيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَائِزِ هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ ابْنِ السَّكَنِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ شَبُّوَيْهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ هُنَا هُوَ الضَّرِيرُ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُسْلِمٍ) هُوَ أَبُو الضُّحَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ٨ - بَاب كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ٣٦٤ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ . [الحديث ٣٦٤ - طرفاه في: ١٥٨٢، ٣٨٣٩] قَوْلُهُ: (بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلَاةِ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ، وَالْحَمَوِيُّ وَغَيْرُهَا. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ. قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ) أَيْ مَعَ قُرَيْشٍ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَرِوَايَةُ جَابِرٍ لِذَلِكَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ الْعَبَّاسُ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنِ الْعَبَّاسِ أَيْضًا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ فَقَامَ فَأَخَذَ إِزَارَهُ وَقَالَ نُهِيتُ أَنْ أَمْشِيَ عُرْيَانًا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَعَ بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي بَابِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَجَعَلْتُ) أَيِ الْإِزَارَ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَجَعَلْتُهُ وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ إِنْ كَانَتْ

стр. 961

شَرْطِيَّةً وَتَقْدِيرُهُ: لَكَانَ أَسْهَلَ عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّمَنِّي فَلَا حَذْفَ. قَوْلُهُ: (قَالَ فَحَلَّهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقُولَ جَابِرٍ أَوْ مَقُولَ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ. قَوْلُهُ: (فَمَا رُئِيَ) بِضَمِّ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الرَّاءِ بَعْدَهَا مَدَّةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَلَمْ يَتَعَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ ; لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ مَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَيَتِمُّ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ. وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مَصُونًا عَمَّا يُسْتَقْبَحُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبَعْدَهَا. وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرِّي بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْوَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهُ ﷺ تَعَرَّى وَهُوَ صَغِيرٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ فَلَكَمَهُ لَاكِمٌ فَلَمْ يَعُدْ يَتَعَرَّى. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى نَفْيِ التَّعَرِّي بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَادِيَّةٍ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الضَّرُورَةِ الْعَادِيَّةِ، وَالنَّفْيُ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ يَتَقَيَّدُ بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَحَالَةِ النَّوْمِ مَعَ الْأَهْلِ أَحْيَانًا. ٩ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ ٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: السَّرَاوِيلُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَلَمْ يَعْرِفْ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ التَّذْكِيرَ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُ صَرْفِهِ. قَوْلُهُ: (وَالتُّبَّانُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةٍ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةِ السَّرَاوِيلِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رِجْلَانِ. وَقَدْ يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدِ. قَوْلُهُ: (وَالْقَبَاءُ) بِالْقَصْرِ وَبِالْمَدِّ قِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقِيلَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ قَبَوْتُ الشَّيْءَ إِذَا ضَمَمْتُ أَصَابِعَكَ عَلَيْهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْضِمَامِ أَطْرَافِهِ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. قَوْلُهُ: (قَامَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ) أَيْ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُسَمَّ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ هُوَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أُبَيٌّ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ يَعْنِي لَا تُكْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَفِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ، فَقَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَلَمْ يَأْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ. أَيْ لَمْ يُقَصِّرْ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَوْلُهُ: (جَمَعَ رَجُلٌ) هُوَ بَقِيَّةُ قَوْلِ عُمَرَ، وَأَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَمُرَادُهُ الْأَمْرُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَعْنِي لِيَجْمَعْ وَلْيُصَلِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فَحَسَنٌ. ثُمَّ فَصَّلَ الْجَمْعَ بِصُوَرٍ عَلَى مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثَ فَائِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: وُرُودِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى وَالْمَعْنَى لِيُصَلِّ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمُ اتَّقَى اللَّهَ عَبْدٌ وَالْمَعْنَى لِيَتَّقِ. ثَانِيهُمَا: حَذْفُ حَرْفِ الْعَطْفِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَفِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ تَصَدَّقَ امْرُؤٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ. انْتَهَى، فَحَصَلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ تَوْجِيهَانِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: وَأَحْسَبُهُ) قَائِلُ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالضَّمِيرُ فِي أَحْسَبُهُ رَاجِعٌ إِلَى عُمَرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْصُلِ الْجَزْمُ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ أَنَّ عُمَرَ أَهْمَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ التُّبَّانَ لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ كُلَّهَا

стр. 962

بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ فَالسَّتْرُ بِهِ حَاصِلٌ مَعَ الْقَبَاءِ وَمَعَ الْقَمِيصِ، وَأَمَّا مَعَ الرِّدَاءِ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ. وَرَأَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ انْحِصَارَ الْقِسْمَةِ يَقْتَضِي ذِكْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَنَّ السَّتْرَ قَدْ يَحْصُلُ بِهَا إِذَا كَانَ الرِدَاءُ سَابِغًا، وَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَ عُمَرُ مِنَ الْمَلَابِسِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ لِلْوَسَطِ وَثَلَاثَةٌ لِغَيْرِهِ، فَقَدَّمَ مَلَابِسَ الْوَسَطِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدَّمَ أَسْتَرَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا اسْتِعْمَالًا لَهُمْ، وَضَمَّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامُهُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ كَانَ لِضِيقِ الْحَالِ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَدْ تُفْهِمُ إِثْبَاتَهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنِ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَالَ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ. وَعَنْ أَشْهَبَ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي السَّرَاوِيلِ مَعَ الْقُدْرَةِ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، إِلَّا إِنْ كَانَ صَفِيقًا. وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ. (فَائِدَةٌ): رَوَى ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ فَأَدْرَجَ الْمَوْقُوفَ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ، وَرِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ الْمُفَصَّلَةُ أَصَحُّ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، وَحَبِيبٍ، وَعَاصِمٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ وَحَذَفَ الْبَاقِيَ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا وَرْسٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. وَعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ. قَوْلُهُ: (سَأَلَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ، وَأَخَّرْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ إِلَى مَوْضِعِهِ فِي الْحَجِّ. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِدُونِ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَخِيطِ لِأَمْرِ الْمُحْرِمِ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَكُونَا) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي حَتَّى يَكُونَ بِالْإِفْرَادِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: (وَعَنْ نَافِعٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَدَّمَ طَرِيقَ نَافِعٍ وَعَطَفَ عَلَيْهَا طَرِيقَ الزُّهْرِيِّ، عَكْسُ مَا هُنَا. وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَعَنْ نَافِعٍ تَعْلِيقٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّجْوِيزَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا يَلِيقُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ١٠ - بَاب مَا يَسْتُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ ٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى

стр. 963

فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. [الحديث ٣٦٧ - أطرافه في: ٦٢٨٤، ٥٨٢٢، ٥٨٢٠، ٢١٤٧، ٢١٤٤، ١٩٩١،] قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُسْتَرُ مِنَ الْعَوْرَةِ) أَيْ خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ السَّوْأَتَيْنِ فَقَطْ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَأَوَّلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ يَشْهَدُ لَهُ فَإِنَّهُ قَيَّدَ النَّهْيَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَرْجِ شَيْءٌ أَيْ يَسْتُرْهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْفَرْجَ إِذَا كَانَ مَسْتُورًا فَلَا نَهْيَ. قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ. عَنْ (أَبِي سَعِيدٍ) هَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَوَافَقَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ، وَرَوَاهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ اللَّيْثِ أَيْضًا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ. وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ أَيْضًا، وَفِيهِ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ذَلِكَ. وَرَوَاهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ لَكِنْ بِدُونِ التَّفْسِيرِ، وَالطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ صَحِيحَةٌ، وَابْنُ شِهَابٍ سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ. قَوْلُهُ: (عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ أَنْ يُخَلِّلَ جَسَدَهُ بِالثَّوْبِ لَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا وَلَا يُبْقِي مَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتْ صَمَّاءَ ; لِأَنَّهُ يَسُدُّ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا فَتَصِيرُ كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَيَصِيرَ فَرْجُهُ بَادِيًا. قَالَ النَّوَوِيُّ فَعَلَى تَفْسِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَكُونُ مَكْرُوهًا لِئَلَّا يَعْرِضُ لَهُ حَاجَةً فَيَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ يَدِهِ فَيَلْحَقَهُ الضَّرَرُ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ يَحْرُمُ لِأَجْلِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ. قُلْتُ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ فِي اللِّبَاسِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَرْفُوعٌ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ. وَلَفْظُهُ: وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَحْتَبِيَ) الِاحْتِبَاءُ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَلُفَّ عَلَيْهِ ثَوْبًا، وَيُقَالُ لَهُ الْحُبْوَةُ، وَكَانَتْ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ. وَفَسَّرَهَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ بِنَحْوِ ذَلِكَ. ٣٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنْ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. [الحديث ٣٦٨ - أطرافه في: ٥٨٢١، ٥٨١٩، ٢١٤٦، ٢١٤٥، ١٩٩٢، ٥٨٨، ٥٨٤] قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ بَيْعَتَيْنِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى إِرَادَةِ الْهَيْئَةِ. وَ (اللِّمَاسُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَكَذَا (النِّبَاذُ) وَأَوَّلُهُ نُونٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ خَفِيفَةٌ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُمَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُطْلَقُ فِي الِاحْتِبَاءِ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. ٣٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى: أَلا لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ

стр. 964

اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْل مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. [الحديث ٣٦٩ - أطرافه في: ٤٦٥٧، ٤٦٥٦، ٤٦٥٥، ٤٣٦٣، ٣١٧٧، ١٦٢٢] قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٌ، وَرَدَّدَهُ الْحُفَّاظُ بَيْنَ ابْنِ مَنْصُورٍ وَبَيْنَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَتِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرْوِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ. وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ شَيْئًا وَلَا عَنِ الصَّوَّافِ وَهُوَ دُونَهُمَا فِي الطَّبَقَةِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنُ سَعْدٍ وَرُوَاةُ هَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى صَحَابِيِّهِ وَشَيْخِ الْمُصَنِّفِ زُهْرِيُّونَ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَحُجَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَلَا لَا يَحُجَّ بِأَدَاةِ الِاسْتِفْتَاحِ قَبْلَ حَرْفِ النَّهْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١١ - بَاب الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ ٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الْمَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ. رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي بَابِ عَقْدِ الْإِزَارِ عَلَى الْقَفَا وَقَوْلُهُ هُنَا (مُلْتَحِفًا بِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ مُلْتَحِفٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْحَذْفِ، وَفِي نُسْخَتِي عَنْهُمَا بِالْجَرِّ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ يُصَلِّي كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُصَلِّي هَكَذَا وَقَوْلُهُ: (الْجُهَّالُ مِثْلَكُمْ) لَفْظُ الْمِثْلِ مُفْرَدٌ لَكِنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَلِذَلِكَ طَابَقَ لَفْظَ الْجُهَّالِ وَهُوَ جَمْعٌ، أَوِ اكْتَسَبَ الْجَمْعِيَّةَ مِنَ الْإِضَافَةِ. ١٢ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْفَخِذُ عَوْرَةٌ وَقَالَ أَنَسُ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ) أَيْ فِي حُكْمِ الْفَخِذِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنَ الْفَخِذِ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ. قَوْلُهُ: (وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ بِقَافٍ وَمُثَنَّاتَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَشْهَرُهَا دِينَارٌ. قَوْلُهُ: (وَجَرْهَدٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَضَعَّفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ لِلِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَادِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ.

стр. 965

قَوْلُهُ: (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَحْشٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، لَهُ وَلِأَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ صُحْبَةٌ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ عَمَّتُهُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ صَغِيرًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ حَفِظَ عَنْهُ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِهِ هَذَا، فَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنْهُ وَقَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْمَرُ غَطِّ عَلَيْكَ فَخِذَيْكَ، فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، غَيْرَ أَبِي كَثِيرٍ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ فِيهِ تَصْرِيحًا بِتَعْدِيلٍ، وَمَعْمَرٌ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ قَانِعٍ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا، وَوَقَعَ لِي حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ مُسَلْسَلًا بِالْمُحَمَّدِيِّينَ مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ، وَقَدْ أَمْلَيْتُهُ فِي الْأَرْبَعِينَ الْمُتَبَايِنَةِ، قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ) بِمُهْمَلَاتٍ مَفْتُوحَاتٍ، أَيْ كَشَفَ. وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ) أَيْ أَصَحُّ إِسْنَادًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ حَدِيثَ جَرْهَدٍ وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ فَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ) أَيْ وَمَا مَعَهُ (أَحْوَطُ) أَيْ لِلدِّينِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالِاحْتِيَاطِ الْوُجُوبَ أَوِ الْوَرَعَ وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: (حَتَّى يَخْرُجَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ) وَيَخْرُجُ فِي رِوَايَتِنَا مَضْبُوطَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَفِي غَيْرِهَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) أَيِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْمَذْكُورُ هُنَا مِنْ حَدِيثِهِ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةٍ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ أَوْ رُكْبَتِهِ فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا وَعُرِفَ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُعَلَّقَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهْمٌ، وَأَنَّهُ دَخَلَ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ جَلَسَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ مِثْلُهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ الْمَدَنِيِّ حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي يَوْمًا وَقَدْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الْحَدِيثَ. وَقَدْ بَانَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ بَلْ هُمَا قِصَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ فِي إِحْدَاهُمَا كَشْفُ الرُّكْبَةِ وَفِي الْأُخْرَى كَشْفُ الْفَخِذِ، وَالْأُولَى مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى وَهِيَ الْمُعَلَّقَةُ هُنَا وَالْأُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَوَافَقَتْهَا حَفْصَةُ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا الْبُخَارِيُّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) هُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ الْحَائِلِ، قَالَ: وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَائِلِ ; لِأَنَّا نَقُولُ الْعُضْوُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَعْرُوفُ الْمَوْضِعِ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (أَنْ تَرُضَّ) أَيْ تَكْسِرَ، وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَيَجُوزُ عَكْسُهُ. ٣٧١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ

стр. 966

أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسُ، يَعْنِي الْجَيْشَ، قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ، بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا، فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنْ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا، فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [الحديث ٢٧١ أطرافه في: ٦١٠، ٩٤٧، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٢٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤١٩٧، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٣١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٩٦٨، ٦١٨٠، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣] قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الدَّوْرَقِيُّ. قَوْلُهُ: (فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا) أَيْ خَارِجًا مِنْهَا. قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الْغَدَاةِ) فِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ. قَوْلُهُ: (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) فِيهِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مُطِيقَةً. قَوْلُهُ: (فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَيْ مَرْكُوبَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ) وَفْي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَأَنْظُرَ (إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ). هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ أَنَّهُ حَسَرَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عِنْدَهُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيقُهُ الْمَاضِي فِي أَوَائِلِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَانْحَسَرَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَلَى خِلَافِهِ، وَيَكْفِي فِي كَوْنِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْلِيقِ. وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا عَلَى رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ فَانْحَسَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ يَعْقُوبَ الْمَذْكُورِ وَلَفْظُهُ فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ إِذْ خَرَّ الْإِزَارُ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَكَذَا وَقَعَ عِنْدِي خَرَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَتُهُ هِيَ الْمَحْفُوظَةَ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ. انْتَهَى. وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، أَيْ كَشَفَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ عِنْدَ سَوْقِ مَرْكُوبِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَدِيثُ أَنَسٍ وَمَا مَعَهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا مِنِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِيَّةِ أَوِ الْبَقَاءِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَى

стр. 967

حَدِيثِ جَرْهَدٍ وَمَا مَعَهُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِعْطَاءَ حُكْمٍ كُلِّيٍّ وَإِظْهَارَ شَرْعٍ عَامٍّ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَمَالكٍ فِي رِوَايَةٍ: الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْإِصْطَخْرِيُّ. قُلْتُ: فِي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ نَظَرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي تَهْذِيبِهِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ قَوْلُ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ إِذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسَّ كَانَ بِدُونِ الْحَائِلِ، وَمَسُّ الْعَوْرَةِ بِدُونِ حَائِلٍ لَا يَجُوزُ. وَعَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي أَنَّ الْإِزَارَ لَمْ يَنْكَشِفْ بِقَصْدٍ مِنْهُ ﷺ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ مِنْ جِهَةِ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عَوْرَةً لَمْ يُقَرَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ ﷺ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ لِغَيْرِ الْمُخْتَارِ لَكَانَ مُمْكِنًا، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ الْبَيَانُ عَقِبَهُ كَمَا فِي قَضِيَّةِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَسِيَاقُهُ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ظَاهِرٌ فِي اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ فَأَجْرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) قِيلَ مُنَاسَبَةُ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَنَّهُمُ اسْتَقْبَلُوا النَّاسَ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، وَهِيَ مِنْ آلَاتِ الْهَدْمِ. قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ) هُوَ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، بَلْ سَمِعَ مِنْهُ (فَقَالُوا مُحَمَّدٌ) وَسَمِعَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ (وَالْخَمِيسُ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيِّ الْمَذْكُورَةِ فَقَالُوا مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَدَلَّتْ رِوَايَةُ ابْنِ عُلَيَّةَ هَذِهِ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَارِثِ إِدْرَاجًا، وَكَذَا وَقَعَ لِحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَثَابِتٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَبَعْضُ أَصْحَابِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، أَوْ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ. قَوْلُهُ: (يَعْنِي الْجَيْشَ) تَفْسِيرٌ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَأَدْرَجَهَا عَبْدُ الْوَارِثِ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا، وَسُمِّيَ خَمِيسًا ; لِأَنَّهُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: مُقَدِّمَةٌ، وَسَاقَةٌ، وَقَلْبٌ، وَجَنَاحَانِ. وَقِيلَ مِنْ تَخْمِيسِ الْغَنِيمَةِ، وَتَعَقَّبَهُ الْأَزْهَرِيُّ بِأَنَّ التَّخْمِيسَ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الْجَيْشَ خَمِيسًا فَبَانَ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (عَنْوَةً) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ قَهْرًا. قَوْلُهُ: (أَعْطِنِي جَارِيَةً) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذْنُهُ لَهُ فِي أَخْذِ الْجَارِيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْفِيلِ لَهُ إِمَّا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ بَعْدَ أَنْ مُيِّزَ، أَوْ قَبْلُ عَلَى أَنْ تُحْسَبَ مِنْهُ إِذَا مُيِّزَ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهَا لِتَقُومَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُحْسَبَ مِنْ سَهْمِهِ. قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ) أَيْ فَذَهَبَ فَأَخَذَ. قَوْلُهُ: (فَجَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا) ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ أُخْتَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ. انْتَهَى. وَكَانَ كِنَانَةُ زَوْجَ صَفِيَّةَ، فَكَأَنَّهُ ﷺ طَيَّبَ خَاطِرَهُ لَمَّا اسْتَرْجَعَ مِنْهُ صَفِيَّةَ بِأَنْ أَعْطَاهُ أُخْتَ زَوْجِهَا، وَاسْتِرْجَاعُ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةَ مِنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِ جَارِيَةٍ مِنْ حَشْوِ السَّبْيِ لَا فِي أَخْذِ أَفْضَلِهِنَّ، فَجَازَ اسْتِرْجَاعُهَا مِنْهُ لِئَلَّا يَتَمَيَّزُ بِهَا عَلَى بَاقِي الْجَيْشِ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى صَفِيَّةَ مِنْهُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، وَإِطْلَاقُ الشِّرَاءِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ سَبْعَةُ أَرْؤُسٍ مَا يُنَافِي قَوْلَهُ هُنَا خُذْ جَارِيَةً إِذْ لَيْسَ هُنَا دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ. وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِأَنَسٍ، وَثَابِتٌ هُوَ الْبُنَانِيُّ،

стр. 968

وَأَبُو حَمْزَةَ كُنْيَةُ أَنَسٍ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ وَالِدَةُ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (فَأَهْدَتْهَا) أَيْ زَفَّتْهَا. قَوْلُهُ: (وَأَحْسَبُهُ) أَيْ أَنَسًا (قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ)، وَجَزَمَ عَبْدُ الْوَارِثِ فِي رِوَايَتِهِ بِذِكْرِ السَّوِيقِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (فَحَاسُوا) بِمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ خَلَطُوا، وَالْحَيْسُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ خَلِيطُ السَّمْنِ وَالتَّمْرِ وَالْأَقِطِ، قَالَ الشَّاعِرُ: التَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيعًا وَالْأَقِطُ … الْحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ وَقَدْ يَخْتَلِطُ مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُهَا كَالسَّوِيقِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَلِيمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٣ - بَاب فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لَأَجَزْتُهُ ٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. [الحديث ٣٧٢ - أطرافه في: ٨٧٢، ٨٦٧، ٥٧٨] قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (فِي كَمْ) بِحَذْفِ الْمُمَيَّزِ أَيْ كَمْ ثَوْبًا (تُصَلِّي الْمَرْأَةُ) مِنَ الثِّيَابِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ تَغْطِيَةُ بَدَنِهَا وَرَأْسِهَا، فَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَغَطَّتْ رَأْسَهَا بِفَضْلِهِ جَازَ. قَالَ: وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَإِزَارٍ وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُهُ وَزَادَ وَمِلْحَفَةٌ فَإِنِّي أَظُنُّهُ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) يَعْنِي مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (جَازَ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَأَجَزْتُهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ لَوْ أَخَذَتِ الْمَرْأَةُ ثَوْبًا فَتَقَنَّعَتْ بِهِ حَتَّى لَا يُرَى مِنْ شَعْرِهَا شَيْءٌ أَجْزَأَ عَنْهَا. قَوْلُهُ: (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ) اللَّامُ فِي لَقَدْ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قَوْلُهُ: (مُتَلَفِّعَاتٍ) قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: التَّلَفُّعُ أَنْ تَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ حَتَّى تُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَكِ، وَفِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِابْنِ حَبِيبٍ: التَّلَفُّعُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَالتَّلَفُّفُ يَكُونُ بِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَكَشْفِهِ، وَ (الْمُرُوطُ) جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، كِسَاءٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَعَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ مَا يُقْتَضَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِلُبْسِ النِّسَاءِ. وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِهِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ بِأَنَّ الِالْتِفَاعَ الْمَذْكُورَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ ثِيَابٍ أُخْرَى. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنَّ اخْتِيَارَهُ يُؤْخَذُ فِي الْعَادَةِ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي يُودِعُهَا فِي التَّرْجَمَةِ. قَوْلُهُ: (مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) زَادَ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنَ الْغَلَسِ وَهُوَ يُعَيِّنُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ: هَلْ عَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِهِنَّ لِبَقَاءِ الظُّلْمَةِ أَوْ لِمُبَالَغَتِهِنَّ فِي التَّغْطِيَةِ؟ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ فِي الْمَوَاقِيتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٤ - بَاب إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا ٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ

стр. 969

النَّبِيُّ ﷺ : كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي. [الحديث ٣٧٤ - طرفه في: ٥٩٥٩] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي رِوَايَةٍ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهِ وَالتَّأْنِيثُ فِي عَلَمِهَا بِاعْتِبَارِ الْخَمِيصَةِ. قَوْلُهُ: (خَمِيصَةٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ، وَالْأَنْبِجَانِيَّةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ النُّونِ يَاءُ النِّسْبَةِ: كِسَاءٌ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ لَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يَجُوزُ فَتْحُ هَمْزَتِهِ وَكَسْرِهَا، وَكَذَا الْمُوَحَّدَةُ، يُقَالُ كَبْشٌ أَنْبِجَانِيٌّ إِذَا كَانَ مُلْتَفًّا، كَثِيرَ الصُّوفِ. وَكِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ كَذَلِكَ، وَأَنْكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبِجَ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ بِالشَّامِ. قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: إِذَا نَسَبْتَ إِلَى مَنْبِجَ فَتَحْتَ الْبَاءَ فَقُلْتَ: كِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ أَخْرَجُوهُ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ. وَفِي الْجَمْهَرَةِ: مَنْبِجُ مَوْضِعٌ أَعْجَمِيٌّ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الثِّيَابَ الْمَنْبِجَانِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: لَا يُقَالُ كِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ وَإِنَّمَا يُقَالُ مَنْبِجَانِيٌّ، قَالَ: وَهَذَا مِمَّا تُخْطِئُ فِيهِ الْعَامَّةُ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ أَنْبِجَانُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ - وَيُقَالُ عَامِرُ - بْنُ حُذَيْفَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ ﷺ بِإِرْسَالِ الْخَمِيصَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَهْدَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَوَقَعَ عِنْدِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِخَميصَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فَلَبِسَ إِحْدَاهُمَا وَبَعَثَ الْأُخْرَى إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَأَخَذَ كُرْدِيًّا لِأَبِي جَهْمٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِيِّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ ثَوْبًا غَيْرَهَا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاجِعَ فِيهَا فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. قُلْتُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَرِوَايَةُ الزُّبَيْرِ وَالَّتِي بَعْدَهَا تُصَرِّحُ بِالتَّعَدُّدِ. قَوْلُهُ: (أَلْهَتْنِي) أَيْ شَغَلَتْنِي، يُقَالُ لَهِيَ بِالْكَسْرِ إِذَا غَفَلَ، وَلَهَا بِالْفَتْحِ إِذَا لَعِبَ. قَوْلُهُ: (آنِفًا) أَيْ قَرِيبًا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنِ ائْتِنَافِ الشَّيْءِ أَيِ ابْتِدَائِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ صَلَاتِي) أَيْ عَنْ كَمَالِ الْحُضُورِ فِيهَا، كَذَا قِيلَ، وَالطَّرِيقُ الْآتِيَةُ الْمُعَلَّقَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يَقَعَ لِقَوْلِهِ فَأَخَافُ. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَكَادَ فَلْتُؤَوَّلِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ مُبَادَرَةُ الرَّسُولِ إِلَى مَصَالِحِ الصَّلَاةِ، وَنَفْيُ مَا لَعَلَّهُ يَخْدِشُ فِيهَا. وَأَمَّا بَعْثُهُ بِالْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِي الصَّلَاةِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ حَيْثُ بَعَثَ بِهَا إِلَى عُمَرَ إِنِّي لَمْ أَبْعَثُ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ كَرَاهِيَةُ كُلِّ مَا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَاةِ مِنَ الْأَصْبَاغِ وَالنُّقُوشِ وَنَحْوِهَا. وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْأَصْحَابِ وَالْإِرْسَالُ إِلَيْهِمْ وَالطَّلَبُ مِنْهُمْ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَاجِيُّ عَلَى صِحَّةِ الْمُعَاطَاةِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الصِّيغَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ لِلصُّوَرِ وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ وَالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، يَعْنِي فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِمْ هَذَا اللَّفْظَ. نَعَمِ اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْمُوَطَّأِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْمُعَلَّقِ، وَلَفْظُهُ: فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ قَوْلِهِ: أَلْهَتْنِي عَلَى قَوْلِهِ: كَادَتْ فَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْأُولَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْقُرْبِ لَا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ الْإِلْهَاءِ.

стр. 970

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنني فِي رِوَايَتِنَا بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ بِإِظْهَارِ النُّونِ الْأُولَى وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ. ١٥ - بَاب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمِيطِي عنا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي. قَوْلُهُ: (بَابُ إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ فِيهِ صُلْبَانٌ مَنْسُوجَةٌ أَوْ مَنْقُوشَةٌ أَوْ تَصَاوِيرُ، أَيْ فِي ثَوْبٍ ذِي تَصَاوِيرَ، كَأَنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى ثَوْبِ لَا عَلَى مُصَلَّبٍ، وَالتَّقْدِيرُ: أَوْ صَلَّى فِي تَصَاوِيرَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَوْ بِتَصَاوِيرَ وَهُوَ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ: فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ مُصَوَّرٍ. قَوْلُهُ: (هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي تَرْكِ الْجَزْمِ فِيمَا فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَهَذَا مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَمْ لَا؟ وَالْجُمْهُورُ إِنْ كَانَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ اقْتَضَاهُ، وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (وَمَا يُنْهَى مِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ لَا يُوَفِّي بِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ إِلَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، لِأَنَّ السِّتْرَ وَإِنْ كَانَ ذَا تَصَاوِيرٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُصَلَّبًا وَلَا نهى عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ صَرِيحًا. وَالْجَوَابُ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ مَنْعَ لُبْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَمَّا ثَانِيًا فَبِإِلْحَاقِ الْمُصَلَّبِ بِالْمُصَوَّرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا ثَالِثًا فَالْأَمْرُ بِالْإِزَالَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِعْمَالِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُصَلَّبٌ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إِلَّا نَقَضَهُ. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ سِتْرًا أَوْ ثَوْبًا. قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَارِثِ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (قِرَامٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: سِتْرٌ رَقِيقٌ مِنْ صُوفٍ ذُو أَلْوَانٍ. قَوْلُهُ: (أَمِيطِي) أَيْ أَزِيلِي وَزْنًا وَمَعْنًى. قَوْلُهُ: (لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا، وَلِلْبَاقِينَ بِإِثْبَاتِ الضَّمِيرِ، وَالْهَاءِ فِي رِوَايَتِنَا فِي فَإِنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَعَلَى الْأُخْرَى يُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الثَّوْبِ. قَوْلُهُ: (تَعْرِضُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَلُوحُ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: تَعَرَّضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَصْلُهُ تَتَعَرَّضُ. وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْطَعْهَا وَلَمْ يُعِدْهَا، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٦ - بَاب مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ ٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:

стр. 971

أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ. [الحديث ٣٧٥ - طرفه في: ٥٨٠١] قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ، هُوَ الْقَبَاءُ الْمُفَرَّجُ مِنْ خَلْفُ، وَحَكَى أَبُو زَكَرِيَّا التَّبْرِيزِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِيِّ جَوَازَ ضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَأَبُو الْخَيْرِ هُوَ الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مِصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (أُهْدِيَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَالَّذِي أَهْدَاهُ هُوَ أُكَيْدِرٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاتَهُ ﷺ فِيهِ كَانَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: صَلَّى فِي قَبَاءِ دِيبَاجٍ ثُمَّ نَزَعَهُ وَقَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ، لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ وَغَيْرَهُ فِي التَّحْرِيمِ سَوَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُتَّقِي الْمُسْلِمُ أَيِ الْمُتَّقِي لِلْكُفْرِ، وَيَكُونُ النَّهْيُ سَبَبَ النَّزْعِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ التَّحْرِيمِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِي ثِيَابِ الْحَرِيرِ لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يُعِدْ تِلْكَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ تَرْكَ إِعَادَتِهَا لِكَوْنِهَا وَقَعَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تُجْزِئُ لَكِنْ مَعَ التَّحْرِيمِ، وَعَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٧ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ ٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ الْعَنَزَةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرَ) يُشِيرُ إِلَى الْجَوَازِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يُكْرَهُ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ الْبَابِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حُلَّةً مِنْ بُرُودٍ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ، وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ كَذَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرَّدِّ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَحَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ. وَأَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لُبْسَ النَّبِيِّ ﷺ لِتِلْكَ الْحُلَّةِ كَانَ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَقِبَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِذْ ذَاكَ غَزْوٌ. قَوْلُهُ: (أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيِ الْمَاءَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَيَأْتِي بَاقِي مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ السُّتْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 972

١٨ - باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلّي عَلَى الْجُمْدِ وَالْقَنَاطِرِ وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ. ٣٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ في النَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ. فَهَذَا شَأْنُهُ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ عبد الله: سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا. [الحديث ٣٧٧ - أطرافه في: ٢٥٦٩، ٢٠٩٤، ٩١٧، ٤٤٨] قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْجَوَازِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ لِمَنْ كَانَ إِمَامًا. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ، وَالْجَمْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ: الْمَاءُ إِذَا جَمَدَ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الثَّلْجِ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّ رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْمِيمِ، قَالَ الْقَزَّازُ: الْجَمَدُ مُحَرَّكُ الْمِيمِ هُوَ الثَّلْجُ، نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الصِّحَاحِ: الْجُمُدُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَبِسُكُونِ الْمِيمِ أَيْضًا مِثْلِ عُسُرٍ وَعُسْرٍ: الْمَكَانُ الصُّلْبُ الْمُرْتَفِعُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا، بَلْ صَوَّبَ ابْنُ قُرْقُولٍ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْقَنَاطِرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ تَحْتَهُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَرَضُ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ يَخْتَصُّ بِمَا لَاقَى الْمُصَلِّي، أَمَّا مَعَ الْحَائِلِ فَلَا. قَوْلُهُ: (وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ)، وَلِلْمُسْتَمْلِي: عَلَى سَقْفٍ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوْقَ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَصَالِحٌ فِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ فَاعْتُضِدَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ ابْنُ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي النَّاسِ، (أَعْلَمُ مِنِّي) أَيْ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَثْلٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، وَالْغَابَةُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ) اخْتُلِفَ فِي اسْمِ النَّجَّارِ الْمَذْكُورِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ، وَأَقْرَبُهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ نَجَّارٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ: مَيْمُونٌ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمِنْبَرِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُعْرَفُ اسْمُهَا لَكِنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ النَّجَّارَ كَانَ مَوْلًى لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ مَوْلَى امْرَأَتِهِ وَنُسِبَ إِلَيْهِ مَجَازًا، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ فَكِيهَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ دُلَيْمٍ،

стр. 973

وَهِيَ ابْنةُ عَمِّهِ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةَ. لَكِنْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الدَّلَائِلِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ نَقْلًا عَنْ جَعْفَرٍ المُسْتَغْفِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي أَسْمَاءِ النِّسَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ عُلَاثَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: وَفِيهِ أَرْسَلَ إِلَى عُلَاثَةَ امْرَأَةً قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ، فَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى: صَحَّفَ فِيهِ جَعْفَرٌ أَوْ شَيْخُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فُلَانَةُ، انْتَهَى. وَوَقَعَ عِنْدَ الْكِرْمَانِيِّ قِيلَ: اسْمُهَا عَائِشَةُ، وَأَظُنُّهُ صَحَّفَ الْمُصْحَفَ، وَلَوْ ذَكَرَ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَيَخْطُبُ إِلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْبَرَهُ هَذَا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَلَوْ صَحَّ لَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا إِلَّا بِتَعَسُّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِيهِ جَوَازُ اخْتِلَافِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْعُلْوِّ وَالسُّفْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي حِكَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ بَحْثٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِارْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعْلِيمِ لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَلِانْفِرَادِ الْأَصْلِ بِوَصْفٍ مُعْتَبَرٍ تَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةُ اعْتِبَارَهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. قَوْلُهُ: (قَالَ: فَقُلْتُ) أَيْ قَالَ عَلِيٌّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا) صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَدْ رَاجَعْتُ مُسْنَدَهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ أَخْرَجَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَ سَهْلٍ: كَانَ الْمِنْبَرُ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ فَقَطْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا جَمِيعُ الْحَدِيثِ لَا بَعْضُهُ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا وَهُوَ صَلَاتُهُ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ، فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْهُ عَلِيًّا، وَلَهُ عِنْدَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخَشَبِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ لَبِنَةً لِيَسْجُدَ عَلَيْهَا إِذَا رَكِبَ السَّفِينَةَ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوُهُ. وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. ٣٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَتْ سَاقُهُ - أَوْ كَتِفُهُ - وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا. وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. [الحديث ٣٧٨ - أطرافه في: ٦٦٨٤، ٥٢٨٩، ٥٢٠١، ٢٤٦٩، ١٩١١، ١١١٤، ٨٠٥، ٧٣٣، ٧٣٢، ٦٨٩] قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ. قَوْلُهُ: (فَجُحِشَتْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَالْجَحْشُ الْخَدْشُ أَوْ أَشَدُّ مِنْهُ قَلِيلًا. قَوْلُهُ: (سَاقَهُ أَوْ كَتِفَهُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ

стр. 974

الْإِسْمَاعِيلِيِّ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ وَهِيَ أَشْمَلُ مِمَّا قَبْلَهَا. قَوْلُهُ: (وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ) أَيْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيلَاءَ الْمُتَعَارَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. قَوْلُهُ: (مَشْرُبَةٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، هِيَ الْغُرْفَةُ الْمُرْتَفِعَةُ. قَوْلُهُ: (مِنْ جُذُوعٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا صَلَاتُهُ ﷺ فِي الْمَشْرُبَةِ، وَهِيَ مَعْمُولَةٌ مِنَ الْخَشَبِ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ دَرَجِهَا مِنْ خَشَبٍ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا خَشَبًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْهُ بَيَانَ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى السَّطْحِ إِذْ هِيَ سَقْفٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى. ١٩ - بَاب إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ ٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَإنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ الْمُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ) أَيْ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى الصِّحَّةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ خَالِدٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، وَسُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الطَّهَارَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ هُنَاكَ عَلَى أَنَّ عَيْنَ الْحَائِضِ طَاهِرَةٌ، وَهُنَا عَلَى أَنَّ مُلَاقَاةَ بَدَنِ الطَّاهِرِ وَثِيَابِهِ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِنَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا كَانَتْ عَيْنِيَّةً قَدْ تَضُرُّ، وَفِيهِ أَنَّ مُحَاذَاةَ الْمَرْأَةِ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَيْضِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِتُرَابٍ فَيُوضَعُ عَلَى الْخُمْرَةِ فَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ عَلَى جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى شَيءٍ دُونَ الْأَرْضِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ عُرْوَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٠ - بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَصَلَّى جَابِرُ، وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا وَإِلَّا فَقَاعِدًا. ٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. [الحديث ٣٨٠ - أطرافه في: ١١٦٤، ٨٧٤، ٨٧١، ٨٦٠، ٧٢٧] قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنْ كَانَ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَبِيرًا قَدْرَ طُولِ الرَّجُلِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ:

стр. 975

حَصِيرٌ، وَلَا يُقَالُ لَهُ: خُمْرَةٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ يُصْنَعُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ. قَوْلُهُ: (وَصَلَّى جَابِرٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُنَاسٍ قَدْ سَمَّاهُمْ، قَالَ: وَكَانَ إِمَامُنَا يُصَلِّي بِنَّا فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا وَنُصَلِّي خَلْفَهُ قِيَامًا، وَلَوْ شِئْنَا لَأَرْفَيْنَا أَيْ لَأَرْسَيْنَا. يُقَالُ أَرْسَى السَّفِينَةَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَأَرْفَى بِالْفَاءِ إِذَا وَقَفَ بِهَا عَلَى الشَّطِّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: تُصَلِّي قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا) أَيْ مَعَ السَّفِينَةِ (وَإِلَّا فَقَاعِدًا) أَيْ: وَإِنْ شَقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ فَصَلِّ قَاعِدًا، وَقَدْ رَوَيْنَا أَثَرَ الْحَسَنِ فِي نُسْخَةِ قُتَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَعَامِرًا - يَعْنِي الشَّعْبِيَّ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ فَلْيَخْرُجْ. غَيْرَ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ يُؤْذِ أَصْحَابَهُ، أَيْ فَلْيُصَلِّ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: صَلِّ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ. وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: دُرْ فِي السَّفِينَةِ كَمَا تَدُورُ إِذَا صَلَّيْتَ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ إِدْخَالِ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا صَلَاةٌ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ، لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ مُتَخَيِّلٌ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَرْضِ شَرْطٌ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: تَرِّبْ وَجْهَكَ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ، وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ. قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْحَمَوِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ: إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) هي بِضَمِّ الْمِيمِ تَصْغِيرُ مَلِكَةٍ، وَالضَّمِيرُ فِي جَدَّتِهِ يَعُودُ عَلَى إِسْحَاقَ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَعِيَاضٌ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ. وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ الْحَصَّارِ بِأَنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ وَالِدَةُ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَكَلَامِ عَبْدِ الْغَنِيِّ فِي الْعُمْدَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَرْسَلَتْنِي جَدَّتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمُهَا مُلَيْكَةُ فَجَاءَنَا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، فَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَقَالَ: وَهِيَ الْغُمَيْصَاءُ وَيُقَالُ: الرُّمَيْسَاءُ، وَيُقَالُ: اسْمُهَا سَهْلَةُ، وَيُقَالُ: أُنَيْفَةُ أَيْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ الْمُصَغَّرَةِ وَيُقَالُ رُمَيْثَةُ، وَأُمُّهَا مُلَيْكَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ عَدِيٍّ، فَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، ثُمَّ قَالَ: تَزَوَّجَهَا أَيْ أُمَّ سُلَيْمٍ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا عُمَيْرٍ. قُلْتُ: وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ وَالِدُ إِسْحَاقَ، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ لِأُمِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ مَنْ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي جَدَّتِهِ إِلَى إِسْحَاقَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ أُمِّ سُلَيْمٍ مُلَيْكَةَ، وَمُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَفَفْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الصُّفُوفِ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ طَوَّلَهَا مَالِكٌ وَاخْتَصَرَهَا سُفْيَانُ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُهَا فَلَا تُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ، وَكَوْنُ مُلَيْكَةَ جَدَّةَ أَنَسٍ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا جَدَّةَ إِسْحَاقَ لِمَا بَيَّنَّاهُ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا عَنْ غَرَائِبِ مَالِكٍ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ مُلَيْكَةَ اسْمُ أُمِّ سُلَيْمٍ نَفْسِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: (لِطَعَامٍ) أَيْ لِأَجْلِ طَعَامٍ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَجِيئَهُ كَانَ لِذَلِكَ لَا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ لِيَتَّخِذُوا مَكَانَ صَلَاتَهُ مُصَلًّى لَهُمْ كَمَا فِي قِصَّةِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ الْآتِيَةِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِهِ بَدَأَ فِي قِصَّةِ عِتْبَانَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَهُنَا بِالطَّعَامِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَبَدَأَ فِي

стр. 976

كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَصْلِ مَا دُعِيَ لِأَجْلِهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ قُومُوا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ لِكَوْنِهِ صَلَّى بَعْدَ الطَّعَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ عَنِ الْبَغَوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ صَنَعَتْ مُلَيْكَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَنَا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: (فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِحَذْفِ الْيَاءِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: رُوِيَ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَثُبُوتِهَا مَفْتُوحَةً وَسَاكِنَةً، وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّامَ عِنْدَ ثُبُوتِ الْيَاءِ مَفْتُوحَةٌ لَامُ كَيْ وَالْفِعْلُ بَعْدَهَا مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَاللَّامُ وَمَصْحُوبُهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ قُومُوا فَقِيَامُكُمْ لِأُصَلِّيَ لَكُمْ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةً بِقُومُوا، وَعِنْدَ سُكُونِ الْيَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ أَيْضًا لَامَ كَيْ وَسُكِّنَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا أَوْ لَامَ الْأَمْرِ وَثَبَتَتِ الْيَاءُ فِي الْجَزْمِ إِجْرَاءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرَى الصَّحِيحِ كَقِرَاءَةِ قُنْبُلٍ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ، وَعِنْدَ حَذْفِ الْيَاءِ اللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ، وَأَمْرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مَقْرُونٍ بِاللَّامِ فَصِيحٌ قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ قَالَ: وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهُ، وَفِيهِ لِغَيْرِهِ بَحْثٌ اخْتَصَرْتُهُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَرِدْ بِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأُصَلِّ بِحَذْفِ اللَّامِ، وَلَيْسَ هُوَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَلِنُصَلِّ بِالنُّونِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَالْجَزْمِ، وَاللَّامُ عَلَى هَذَا لَامُ الْأَمْرِ وَكَسْرُهَا لُغَةً مَعْرُوفَةٌ. قَوْلُهُ: (لَكُمْ) أَيْ لِأَجْلِكُمْ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْأَمَرُ هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَهُمْ بِالِائْتِمَامِ لَكِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِارْتِبَاطِ فِعْلِهمْ بِفِعْلِهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) فِيهِ أَنَّ الِافْتِرَاشَ يُسَمَّى لُبْسًا، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حَرِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالِافْتِرَاشِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ. قَوْلُهُ: (فَنَضَحْتُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ لِتَلْيِينِ الْحَصِيرِ أَوْ لِتَنْظِيفِهِ أَوْ لِتَطْهِيرِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْجَزْمُ بِالْأَخِيرِ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ. قَوْلُهُ: (وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ فَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمُ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَيَجُوزُ فِي الْيَتِيمِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، قَالَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ: الْيَتِيمُ هُوَ ضُمَيْرَةُ جَدُّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ: كَذَا سَمَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَأَظُنُّهُ سَمِعَهُ مِنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَضُمَيْرَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي ضُمَيْرَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِي ضُمَيْرَةَ فَقِيلَ رَوْحٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَوَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: اسْمُ الْيَتِيمِ ضُمَيْرَةُ وَقِيلَ رَوْحٌ، فَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ الْخِلَافِ فِي اسْمِ أَبِيهِ إِلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا ذِكْرَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اسْمَهُ سُلَيْمٌ وَبِيَانُ وَهْمِهِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَ لَى. وَجَزَمَ الْبُخَارِيُّ بِأَنَّ اسْمَ أَبِي ضُمَيْرَةَ سَعْدٌ الْحِمْيَرِيُّ وَيُقَالُ: سَعِيدٌ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حِبَّانَ لَيْثِيًّا. قَوْلُهُ: (وَالْعَجُوزُ) هِيَ مُلَيْكَةُ الْمَذْكُورَةُ أَوَّلًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ مِنَ الصَّلَاةِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عُرْسًا وَلَوْ كَانَ الدَّاعِي امْرَأَةً لَكِنْ حَيْثُ تُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ، وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ الدَّعْوَةِ، وَصَلَاةُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً فِي الْبُيُوتِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِالْمُشَاهَدَةِ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهَا بَعْضُ التَّفَاصِيلِ لِبُعْدِ مَوْقِفِهَا. وَفِيهِ تَنْظِيفُ مَكَانِ الْمُصَلَّى، وَقِيَامُ الصَّبِيِّ مَعَ الرَّجُلِ صَفًّا، وَتَأْخِيرُ النِّسَاءِ عَنْ صُفُوفِ الرِّجَالِ، وَقِيَامُ الْمَرْأَةِ صَفًّا وَحْدَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا امْرَأَةٌ غَيْرُهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِذَلِكَ. وَفِيهِ الِاقْتِصَارُ فِي نَافِلَةِ النَّهَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنِ اشْتَرَطَ أَرْبَعًا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ

стр. 977

صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَوُضُوئِهِ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْفَضْلِ الْوَارِدِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ مُنْفَرِدًا حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ كَالتَّعْلِيمِ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالُ: هُوَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّهِ ﷺ . (تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ: أَوْرَدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي دَارِ الْأَنْصَارِيِّ الضَّخْمِ الَّذِي دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْقَبَسِ بِأَنَّ مَالِكًا نَظَرَ إِلَى كَوْنِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ هُوَ وَقْتَ صَلَاةِ الضُّحَى فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَنَّهُ ﷺ نَوَى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ صَلَاةَ الضُّحَى. الثَّانِي: النُّكْتَةُ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ فَقَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَوْ رَآهُ شَاذًّا مَرْدُودًا لِمُعَارَضَتِهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَحَدِيثِ الْبَابِ، بَلْ سَيَأْتِي عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ. ٢١ - بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْخُمْرَةِ ٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُمْرَةِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا قَرِيبًا وَأَنَّ ضَبْطَهَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَيْضِ، وَكَأَنَّهُ أَفْرَدَهَا بِتَرْجَمَةٍ لِكَوْنِ شَيْخِهِ أَبِي الْوَلِيدِ حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٢ - بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ. وَصَلَّى أَنَسٌ عَلَى فِرَاشِهِ وَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا عَلَى ثَوْبِهِ ٣٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [الحديث ٣٨٢ - أطرافه في: ٦٢٧٦، ١٢٠٩، ٩٩٧، ٥١٩، ٥١٥، ٥١٤، ٥١٣، ٥١٢، ٥١١، ٥٠٨، ٣٨٤، ٣٨٣] قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَنَامُ عَلَيْهِ مَعَ امْرَأَتِهِ أَمْ لَا، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْعَثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي فِي لُحُفِنَا، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ رَآهُ شَاذًّا مَرْدُودًا، وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ عِلَّتَهُ. قَوْلُهُ: (وَصَلَّى أَنَسٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي عَلَى فِرَاشِهِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُصَلِّي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ أَنَسٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِمَعْنَاهُ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ اللَّفْظُ الْمُعَلَّقُ هُنَا

стр. 978

وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ، وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الطَّنَافِسِ وَالْفِرَاءِ وَالْمُسُوحِ. وَأَخْرَجَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ جَوَازَ ذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بَأْسًا بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا إِذَا كَانَ يَضَعُ جَبْهَتُهُ وَيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ. قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ) أَيْ: فِي مَكَانِ سُجُودِهِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَبَضْتُ رِجْلَيْ) كَذَا بِالتَّثْنِيَةِ لِلْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهَا بَسَطْتُهُمَا وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ رِجْلِي بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا بَسَطْتُهَا وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهَا: غَمَزَنِي عَلَى أَنَّ لَمْسَ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ الْحَائِلِ، أَوْ بِالْخُصُوصِيَّةِ، وَعَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَسَيَأْتِي مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ السُّتْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهَا: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ كَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ الِاعْتِذَارَ عَنْ نَوْمِهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَصْبِحُونَ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهَا: كُنْتُ أَنَامُ وَقَدْ صَرَّحَتْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. ٣٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ. قَوْلُهُ: (اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ) مَنْصُوبٌ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بِعَامِلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ مُعْتَرِضَةٌ اعْتِرَاضًا كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَكُونُ نَائِمَةً بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ إِلَى جِهَةِ شِمَالِهِ كَمَا تَكُونُ الْجِنَازَةُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا. ٣٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَعِرَاكٌ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، وَعُرْوَةُ هُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالثَّلَاثَةُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَصُورَةُ سِيَاقِهِ بِهَذَا الْإِرْسَالِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالنُّكْتَةُ فِي إِيرَادِهِ أَنَّ فِيهِ تَقْيِيدَ الْفِرَاشِ بِكَوْنِهِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ قَوْلَهَا: فِرَاشُ أَهْلِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي نَامَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى النَّائِمِ لَا تُكْرَهُ؛ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ - إِنْ ثَبَتَتْ - عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ شَغْلُ الْفِكْرِ بِهِ. ٢٣ - باب السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ ٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ. [الحديث ٣٨٥ - طرفاه في: ١٢٠٨، ٥٤٢]

стр. 979

قَوْلُهُ: (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) التَّقْيِيدُ بِشِدَّةِ الْحَرِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْبَرْدِ كَذَلِكَ، بَلِ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ لَا يُقَيِّدُهُ بِالْحَاجَةِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ) أَيِ الصَّحَابَةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْقَلَنْسُوَةُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَدْ تُبْدَلُ يَاءً مُثَنَّاةً مِنْ تَحْتُ، وَقَدْ تُبْدَلُ أَلِفًا وَتُفْتَحُ السِّينُ فَيُقَالُ: قَلَنْسَاةٌ، وَقَدْ تُحْذَفُ النُّونُ مِنْ هَذِهِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ: غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ يُسْتَرُ بِهِ الرَّأْسُ قَالَهُ الْقَزَّازُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْعِمَامَةُ الشَّاشِيَّةُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: هِيَ مِنْ مَلَابِسِ الرَّأْسِ مَعْرُوفَةٌ، وَقَالَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ: هِيَ الَّتِي تُغَطَّى بِهَا الْعَمَائِمُ وَتَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْمَطَرِ، كَأَنَّهَا عِنْدَهُ رَأْسُ الْبُرْنُسِ. قَوْلُهُ: (وَيَدَاهُ) أَيْ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِتَغْيِيرِ الْأُسْلُوبِ بَيَانَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ السُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ مَعًا، لَكِنْ فِي كُلِّ حَالَةٍ كَانَ يَسْجُدُ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَدَيْهِ فِي كُمِّهِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا غَالِبٌ الْقَطَّانُ)، وَلِلْأَكْثَرِ حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (طَرَفُ الثَّوْبِ) وَلِمُسْلِمٍ بَسَطَ ثَوْبَهُ [وَكَذَا] لِلْمُصَنِّفِ فِي أَبْوَابِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَالِبٍ: سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ وَالثَّوْبُ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْمَخِيطِ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَخِيطِ مَجَازًا. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الثِّيَابِ وَكَذَا غَيْرُهَا فِي الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْأَرْضِ لِاتِّقَاءِ حَرِّهَا وَكَذَا بَرْدُهَا. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ هُوَ الْأَصْلِيُّ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بَسْطَ الثَّوْبِ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِجَازَةِ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُصَلِّي، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ، وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الثَّوْبِ الْمُنْفَصِلِ. انْتَهَى. وَأَيَّدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَمْلَ بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَيَأْخُذُ أَحَدُنَا الْحَصَى فِي يَدِهِ فَإِذَا بَرَدَ وَضَعَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ قَالَ: فَلَوْ جَازَ السُّجُودُ عَلَى شَيْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى تَبْرِيدِ الْحَصَى مَعَ طُولِ الْأَمْرِ فِيهِ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانَ يُبَرِّدُ الْحَصَى لَمْ يَكُنْ فِي ثَوْبِهِ فَضْلَةٌ يَسْجُدُ عَلَيْهَا مَعَ بَقَاءِ سُتْرَتِهِ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَاجُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لَفْظَ ثَوْبِهِ دَالٌّ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ، إِمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَهُوَ تَعْقِيبُ السُّجُودِ بِالْبَسْطِ يَعْنِي: كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَإِمَّا مِنْ خَارِجِ اللَّفْظِ وَهُوَ قِلَّةُ الثِّيَابِ عِنْدَهُمْ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ - وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي - يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مُتَنَاوِلًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الْمُصَلِّي، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ جَوَازُ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ، وَمُرَاعَاةُ الْخُشُوعِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صَنِيعَهُمْ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ التَّشْوِيشِ الْعَارِضِ مِنْ حَرَارَةِ الْأَرْضِ. وَفِيهِ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَوَاقِيتِ يُعَارِضُهُ، فَمَنْ قَالَ الْإِبْرَادُ رُخْصَةٌ فَلَا إِشْكَالَ، وَمَنْ قَالَ سُنَّةٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ التَّقْدِيمُ الْمَذْكُورُ رُخْصَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ مَنْسُوخٌ بِالْأَمَرِ بِالْإِبْرَادِ. وَأَحْسَنُ مِنْهُمَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ قَدْ تُوجَدُ مَعَ الْإِبْرَادِ فَيَحْتَاجُ إِلَى السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ إِلَى تَبْرِيدِ الْحَصَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ حَرُّهُ بَعْدَ الْإِبْرَادِ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ الْإِبْرَادِ وُجُودَ ظِلٍّ يَمْشِي فِيهِ إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ يُصَلِّي فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجَمْعِ الْقُرْطُبِيُّ ثُمَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى تَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ

стр. 980

عَلَى تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلْ وَمُعْظَمُ الْمُصَنِّفِينَ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ كَانَ يَرَى فِيهَا مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ فِيهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ صِيغَةِ كُنَّا نَفْعَلُ. ٢٤ - بَاب الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ ٣٨٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. [الحديث ٣٨٦ - طرفه في: ٥٨٥٠] قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ) بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نَعْلٍ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ تَغْطِيَةِ بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ. قَوْلُهُ: (يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ، ثُمَّ هِيَ مِنَ الرُّخَصِ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَلَابِسِ الزِّينَةِ إِلَّا أَنَّ مُلَامَسَتَهُ الْأَرْضَ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا النَّجَاسَاتُ قَدْ تَقْصُرُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ التَّحْسِينِ وَمُرَاعَاةُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ قُدِّمَتِ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ، وَالْأُخْرَى مِنْ بَابِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ. قَالَ: إِلَّا أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ بِإِلْحَاقِهِ بِمَا يَتَجَمَّلُ بِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَتْرُكُ هَذَا النَّظَرَ. قُلْتُ: قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ. فَيَكُونُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَوَرَدَ فِي كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنَ الزِّينَةِ الْمَأْمُورِ بِأَخْذِهَا فِي الْآيَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْعُقَيْلِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. ٢٥ - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ ٣٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ لِأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْخِفَافِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِشَارَةَ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ هُنَا إِلَى حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الْمَذْكُورِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ النَّخَعِيُّ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كُوفِيُّونَ إِبْرَاهِيمُ وَشَيْخُهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى فِي خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَزَعَهُمَا بَعْدَ الْمَسْحِ لَوَجَبَ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ غَسَلَهُمَا لَنُقِلَ. قَوْلُهُ: (فَسُئِلَ)، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ هَمَّامٌ الْمَذْكُورُ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَعَابَ عَلَيْهِ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ. قَوْلُهُ: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَمِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْهُ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُمْ. قَوْلُهُ: (مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ) وَلِمُسْلِمٍ: لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ

стр. 981

وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: قَالُوا إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - أَيْ مَسْحُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ - قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَقَالَ جَرِيرٌ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ جَرِيرٍ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَقَبْلَ الْمَائِدَةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَأَوَّلَ أَنَّ مَسْحَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا، فَذَكَرَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ رَآهُ يَمْسَحُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، فَكَانَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَدًّا عَلَى أَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ - وَهِيَ قِرَاءَةُ الْخَفْضِ - دَالَّةٌ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِرُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ. ٣٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ غَيْرُهُ. وَفِيهِ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ: الْأَعْمَشُ وَشَيْخُهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ أَبُو الضُّحَى، وَمَسْرُوقٌ، وَتَرَدُّدُ الْكِرْمَانِيِّ فِي أَنَّ مُسْلِمًا هَلْ هُوَ أَبُو الضُّحَى أَوِ الْبَطِينُ قُصُورٌ، فَقَدْ جَزَمَ الْحُفَّاظُ بِأَنَّهُ أَبُو الضُّحَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ تَامًّا فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ. ٢٦ - بَاب إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ ٣٨٩ - أَخْبَرَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ. قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . [الحديث ٣٨٩ - طرفاه في: ٨٠٨، ٧٩١٤] قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِيهَا وَالتَّرْجَمَةُ الَّتِي بَعْدَهَا وَحَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ فِيهَا مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا، وَوَقَعَتَا عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ قَبْلَ بَابِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ بِهِ، وَهُوَ أَبْوَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَلَوْلَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ إِعَادَةُ التَّرْجَمَةِ وَحَدِيثُهَا مَعًا لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى لِأَبْوَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَرْطًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ كَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا. وَمُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمُجَافَاةَ فِي السُّجُودِ لَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَلَا تَكُونُ مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ، وَفِي الْجُمْلَةِ إِعَادَةُ هَاتَيْنِ التَّرْجَمَتَيْنِ هُنَا وَفِي أَبْوَابِ السُّجُودِ الْحَمْلُ فِيهِ عِنْدِي عَلَى النُّسَّاخِ بِدَلِيلِ سَلَامَةِ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَحْفَظُهُمْ.

стр. 982

٢٧ - بَاب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ ٣٩٠ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ، عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. [الحديث ٣٩٠ - طرفاه في: ٣٥٦٤، ٨٠٧] قَوْلُهُ: (بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ. . . إِلَخْ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ قَبْلُ كَمَا تَرَى. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ ذِكْرِ ابْتِدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، فَإِنْ أَضَفْتَ إِلَيْهَا حَدِيثَيِ التَّرْجَمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ صَارَتْ واحَدًا وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَفِيهَا مِنَ الْمُعَلَّقَاتِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَإِنْ أَضَفْتَ إِلَيْهَا الْمُعَلَّقَ فِي التَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ صَارَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، عَشَرَةٌ مِنْهَا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ مُكَرَّرَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ لَا تُوجَدُ فِيهِ إِلَّا مُعَلَّقَةً وَهِيَ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ، وَأَحَادِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَابْنِ جَحْشٍ فِي الْفَخِذِ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعِهَا سِوَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَسِوَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِرَامٍ لِعَائِشَةَ وَحَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِمُخَالَفَةِ طَرَفَيِ الثَّوْبِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَثَرًا كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ إِلَّا أَثَرَ عُمَرَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَوَسِّعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّهُ مَوْصُولٌ. ٢٨ - بَاب فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ قَالَه أَبُو حُمَيْدٍ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ٣٩١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ. [الحديث ٣٩١ - طرفاه في: ٣٩٣، ٣٩٢] (أَبْوَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ آدَابِ الْمَساجِدِ). قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ - قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ) يَعْنِي: السَّاعِدِيَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي: فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِهِ، وَالْمُرَادُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ رُءُوسُ أَصَابِعِهَا، وَأَرَادَ بِذِكْرِهِ هُنَا بَيَانُ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِقْبَالِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَعْضَاءِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ، وَمَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ هَاءٍ مُنَوَّنَةٍ وَيَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مَعْنَاهُ الْأَسْوَدُ، وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ. قَوْلُهُ: (ذِمَّةُ اللَّهِ) أَيْ: أَمَانَتُهُ وَعَهْدُهُ. قَوْلُهُ: (فَلَا تُخْفِرُوا) بِالضَّمِّ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، أَيْ: لَا تَغْدِرُوا، يُقَالُ: أَخَفَرْتُ إِذَا غَدَرْتُ، وَخَفَرْتُ إِذَا حَمَيْتُ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْهَمْزَةَ فِي أَخَفَرْتُ لِلْإِزَالَةِ، أَيْ: تَرَكْتُ حِمَايَتَهُ. قَوْلُهُ: (فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: وَلَا رَسُولِهِ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ لِاسْتِلْزَامِ الْمَذْكُورِ الْمَحْذُوفِ، وَقَدْ أَخَذَ بِمَفْهُومِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَلَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْقِبْلَةِ، وَذَكَرَ الِاسْتِقْبَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ مِنْ

стр. 983

شُرُوطِهَا. وَفِيهِ أَنَّ أُمُورَ النَّاسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الظَّاهِرِ، فَمَنْ أَظْهَرَ شِعَارَ الدِّينِ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ. ٣٩٢ - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، عَنِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِغَيْرِ ذِكْرِ نُعَيْمٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمٍ مَوْصُولًا فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَتَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ مُوسَى، وَسَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الرِّسَالَةَ وَهِيَ مُرَادَةٌ كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ الْحَمْدُ وَتُرِيدُ السُّورَةَ كُلَّهَا، وَقِيلَ: أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ التَّوْحِيدَ فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ صَارَ كَالْمُوَحِّدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَحْتَاجُ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَلِهَذَا عَطَفَ الْأَفْعَالَ الْمَذْكُورَةَ عَلَيْهَا فَقَالَ: وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا. . . إِلَخْ. وَالصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ، وَحِكْمَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَفْعَالِ أَنَّ مَنْ يُقِرَّ بِالتَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ صَلَّوْا وَاسْتَقْبَلُوا وَذَبَحُوا لَكِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ مِثْلَ صَلَاتِنَا وَلَا يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْبَحُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْكُلُ ذَبِيحَتَنَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى حَالِ الْمَرْءِ فِي صَلَاتِهِ وَأَكْلِهِ يُمْكِنُ بِسُرْعَةٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، بِخِلَافِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. قَوْلُهُ: (فَقَدْ حَرُمَتْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ سَائِرُ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ. ٣٩٣ - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ الْمُسْلِمُ: لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِ هَذَا الْإِسْنَادِ تَقْوِيَةُ رِوَايَةِ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ لِمُتَابَعَةِ حُمَيْدٍ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَمَا يُحَرِّمُ) بِالتَّشْدِيدِ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ هَذَا وَعَنْ هَذَا، وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِ حُمَيْدٍ: سَأَلَ مَيْمُونٌ، أَنَسًا التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ حَضَرَ ذَلِكَ عَقِبهُ بِطَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الَّتِي فِيهَا تَصْرِيحُ حُمَيْدٍ بِأَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ دَلَّسَهُ، وَلِتَصْرِيحِهِ أَيْضًا بِالرَّفْعِ، وَإِنْ كَانَ لِلْأُخْرَى حِكْمَةٌ. وَقَدْ رَوَيْنَا طَرِيقَ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ مَوْصُولَةً فِي الْإِيمَانِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَلِابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَذْكُورِ. وَأَعَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ طَرِيقَ حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَةَ فَقَالَ: الْحَدِيثُ حَدِيثُ مَيْمُونٍ، وَحُمَيْدٌ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مَيْمُونٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، قَالَ:
следующие страницы →