← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1679

الروض المربع شرح زاد المستقنع - ط المؤيد والرسالة

البهوتي

Полный текст (734 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الآخر) فينتقل إلى القيام من قدر عليه وإلى الجلوس من عجز عن القيام، ويركع بلا قراءة من كان قرأ، وإلا قرأ، وتجزئ الفاتحة من عجز فأتمها في انحطاطه لا من صح فأتمها في ارتفاعه، (وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائما) ؛ لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه وأومأ (بسجود قاعدا) ؛ لأن الساجد كالجالس في جمع رجليه، ومن قدر على أن يحني رقبته دون ظهره حناها، وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه، ومن قدر أن يقوم منفردا ويجلس في جماعة خير. (ولمريض الصلاة مستلقيا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم) ثقة، وله الفطر بقوله: إن الصوم مما يمكن العلة، [ (ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة، وهو قادر على القيام) ] . (ويصح الفرض على الراحلة) واقفة، أو سائرة (خشية التأذي بوحل) ، أو مطر ونحوه؛ لقول يعلى بن أمية: «انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي ﷺ فصلى بهم» يعني إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع، رواه أحمد والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم، وكذا إن خاف انقطاعا عن رفقته بنزوله، أو على نفسه، أو عجز عن ركوب إن نزل وعليه الاستقبال وما يقدر عليه، و (لا) تصح الصلاة على الراحلة (للمرض) وحده دون عذر مما تقدم، ومن بسفينة وعجز عن القيام فيها والخروج منها صلى جالسا مستقبلا، ويدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة بخلاف النفل.

стр. 142

[فصل في قصر المسافر الصلاة] وسنده قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية. (من سافر) أي نوى (سفرا مباحا) أي غير مكروه، ولا حرام فيدخل فيه الواجب والمندوب والمباح المطلق، ولو نزهة وفرجة يبلغ (أربعة برد) ، وهي ستة عشر فرسخا برا، أو بحرا، وهي يومان قاصدان (سن له قصر رباعية ركعتين) ؛ لأنه ﷺ داوم عليه بخلاف المغرب والصبح فلا يقصران إجماعا، قاله ابن المنذر (إذا فارق عامر قريته) سواء كانت البيوت داخل السور، أو خارجه، (أو) فارق (خيام قومه) ، أو ما نسبت إليه عرفا كسكان قصور وبساتين ونحوهم؛ لأنه ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل، ولا يعيد من قصر بشرطه، ثم رجع قبل استكمال المسافة، ويقصر من أسلم، أو بلغ، أو طهرت بسفر مبيح، ولو كان الباقي دون المسافة لا من تاب إذا، ولا يقصر من شك في قصر المسافة، ولا من لم يقصد جهة معينة كالتائه، ولا من سافر ليترخص، ويقصر المكره كالأسير وامرأة وعبد تبعا لزوج وسيد. (وإن أحرم) في الحضر، (ثم سافر أو) أحرم (في سفر ثم أقام) أتم لأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغلب حكم الحضر، وكذا لو سافر بعد دخول الوقت

стр. 143

أتمها وجوبا لأنها وجبت تامة، (أو ذكر صلاة حضر في سفر) أتمها؛ لأن القضاء معتبر بالأداء، وهو أربع، (أو عكسها) بأن ذكر صلاة سفر في حضر أتم؛ لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله، (أو ائتم) مسافر (بمقيم) أتم، قال ابن عباس: تلك السنة، رواه أحمد ومنه لو ائتم مسافر بمسافر فاستخلف مقيما لعذر فيلزمه الإتمام، (أو) ائتم مسافر (بمن يشك فيه) أي في إقامته وسفره لزمه أن يتم، وإن بان أن الإمام مسافر لعدم نيته لكن إذا علم، أو غلب على ظنه أن الإمام مسافر بإمارة كهيئة لباس، وأن إمامه نوى القصر فله القصر عملا بالظاهر، وإن قال: إن أتم أتممت، وإن قصر قصرت لم يضر، (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها) لكونه اقتدى بمقيم، أو لم ينو قصرها مثلا (ففسدت) بحدث، أو نحوه (وأعادها) أتمها لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها؛ (أو لم ينو القصر عند إحرامها) لزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه (أو شك في نيته) أي نية القصر أتم؛ لأن الأصل أنه لم ينوه، (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام) أتم، وإن أقام أربعة أيام فقط قصر لما في المتفق عليه من حديث جابر وابن عباس: «أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها» ، (أو) كان المسافر (ملاحا) أي صاحب سفينة (معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم) ؛ لأن سفره غير منقطع مع أنه غير ظاعن عن وطنه وأهله، ومثله مكار وراع ورسول سلطان ونحوهم. ويتم المسافر إذا مر بوطنه، أو ببلد له بها امرأة، أو كان قد تزوج فيه، أو نوى الإتمام، ولو في أثنائها بعد نية القصر، (وإن كان له طريقان) بعيد وقريب (فسلك أبعدهما) قصر؛ لأنه مسافر سفرا بعيدا، (أو ذكر صلاة سفر في) سفر (آخر قصر) ؛ لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر كما لو

стр. 144

قضاها فيه نفسه، قال ابن تميم وغيره: وقضاء بعض الصلاة في ذلك كقضاء جميعها اقتصر عليه في " المبدع " وفيه شيء. (وإن حبس) ظلما، أو بمرض، أو مطر ونحوه (ولم ينو إقامة) قصر أبدا؛ لأن ابن عمر ﵁ أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول، رواه الأثرم. والأسير [إذا علم أنه لا ينفك إلا بعد أيام] لا يقصر ما أقام عند العدو، (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة) لا يدري متى تنقضي (قصر أبدا) غلب على ظنه كثرة ذلك، أو قلته؛ لأنه ﷺ «أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» رواه أحمد وغيره وإسناده ثقات، وإن ظن لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام أتم، وإن نوى مسافر القصر حيث لم يبح لم تنعقد صلاته كما لو نواه مقيم. [فصل في الجمع] (ويجوز الجمع بين الظهرين) أي الظهر والعصر في وقت إحداهما (و) يجوز الجمع (بين العشاءين) أي المغرب والعشاء (في وقت إحداهما في سفر قصر) لما روى معاذ: «أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب، وعن أنس بمعناه، متفق عليه. (و) يباح الجمع بين ما ذكر (لمريض يلحقه بتركه) أي ترك الجمع (مشقة) ؛ «لأن النبي -

стр. 145

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع من غير خوف، ولا مطر» وفي رواية «من غير خوف، ولا سفر» رواهما مسلم من حديث ابن عباس، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة، وهي نوع مرض، ويجوز أيضا لمرضع لمشقة كثرة نجاسة ونحو مستحاضة وعاجز عن طهارة، أو تيمم لكل صلاة، أو عن معرفة وقت كأعمى ونحوه. ولعذر، أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة. (و) يباح الجمع (بين العشاءين) خاصة (لمطر يبل الثياب) وتوجد معه مشقة والثلج والبرد والجليد مثله (ولوحل وريح شديدة باردة) ؛ لأنه ﷺ : «جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة» رواه البخاري بإسناده وفعله أبو بكر وعمر وعثمان وله الجمع لذلك (ولو صلى في بيته، أو في مسجد طريقه تحت ساباط) ونحوه؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر (والأفضل) لمن له الجمع (فعل الأرفق به من) جمع (تأخير) بأن يؤخر الأولى إلى الثانية (و) جمع (تقديم بأن) يقدم الثانية فيصليها مع الأولى لحديث معاذ السابق، فإذا استويا فالتأخير أفضل والأفضل بعرفة التقديم وبمزدلفة التأخير مطلقا وترك الجمع في سواهما أفضل ويشترط للجمع ترتيب مطلقا. (فإن جمع في وقت الأولى اشترط) له ثلاثة شروط: (نية الجمع عند إحرامها) أي إحرام الأولى دون الثانية. (و) الشرط الثاني الموالاة بينهما (لا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة) صلاة (ووضوء

стр. 146

خفيف) ؛ لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل بخلاف اليسير فإنه معفو عنه (ويبطل) الجمع (براتبة) يصليها (بينهما) أي بين المجموعتين؛ لأنه فرق بينهما بصلاة فتبطل كما لو قضى فائتة، وإن تكلم بكلمة، أو كلمتين جاز. (و) الثالث (أن يكون العذر) المبيح (موجودا عند افتتاحهما وسلام الأولى) ؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع، ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع المطر ونحوه، بخلاف غيره، وإن انقطع السفر في الأولى بطل الجمع والقصر مطلقا فيتمهما، وتصح [فرضا] وفي الثانية يتمها نفلا، [وتصح الأولى فرضا] . (وإن جمع في وقت الثانية اشترط) له شرطان: (نية الجمع في وقت الأولى) ؛ لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا، (إن لم يضق) وقتها (عن فعلها) ؛ لأن تأخيرها إلى ما يضيق عن فعلها حرام، وهو ينافي الرخصة. (و) الثاني (استمرار العذر) المبيح (إلى دخول وقت الثانية) ، فإن زال العذر قبله لم يجز الجمع لزوال مقتضيه كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع، ولا بأس بالتطوع بينهما ولو صلى الأولى وحده، ثم الثانية إماما، أو مأموما، أو صلاهما خلف إمامين، أو من لم يجمع صح. [فصل في صلاة الخوف] فصل (وصلاة الخوف صحت عن النبي ﷺ بصفات كلها جائزة) ، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره وشرطها أن يكون العدو مباح القتال سفرا كان، أو حضرا مع خوف هجومهم على المسلمين

стр. 147

وحديث سهل الذي أشار إليه هو «صلاته ﷺ بذات الرقاع طائفة صفت معه وطائفة وقفت وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم» متفق عليه. وإذا اشتد الخوف صلوا رجالا وركبانا للقبلة وغيرها يؤمنون طاقتهم، وكذا حالة هرب مباح من عدو، أو سيل، أو نحوه، أو خوف فوت عدو يطلبه، أو وقت وقوف بعرفة. (ويستحب أن يحمل معه في صلاته من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه) كسكين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ، ويجوز حمل سلاح نجس في هذه الحالة للحاجة بلا إعادة. [باب صلاة الجمعة] سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير ويومها أفضل أيام الأسبوع وصلاة الجمعة مستقلة، وهي أفضل من الظهر وفرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقية وقت الجمعة لم تصح وتؤخر فائتة لخوف فوتها والظهر بدل عنها إذا فاتت. (وتلزم) الجمعة (كل ذكر) ذكره ابن المنذر إجماعا؛ لأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال (حر) ؛ لأن العبد محبوس على سيده (مكلف مسلم) ؛ لأن الإسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة فلا تجب على مجنون، ولا صبي لما روى طارق بن شهاب مرفوعا «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد

стр. 148

مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» رواه أبو داود (مستوطن ببناء) معتاد ولو كان فراسخ من حجر، أو قصب ونحوه. لا يرتحل عنه شتاء، ولا صيفا (اسمه) أي البناء (واحد ولو تفرق) البناء حيث شمله اسم واحد كما تقدم (ليس بينه وبين المسجد) إذا كان خارجا عن المصر (أكثر من فرسخ) تقريبا فتلزمه بغيره كمن بخيام ونحوها ولا تنعقد به ولم يجز أن يؤم فيها، وأما من كان في البلد فيجب عليه السعي إليها قرب أو بعد سمع النداء أو لم يسمعه؛ لأن البلد كالشيء الواحد. (ولا تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر) ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه مع اجتماع الخلق الكثير وكما لا تلزمه بنفسه لا تلزمه بغيره، فإن كان عاصيا بسفره، أو كان سفره فوق فرسخ ودون المسافة وأقام ما يمنع القصر ولم ينو استيطانا لزمته بغيره، (ولا) تجب الجمعة على (عبد) ومبعض (وامرأة) لما تقدم، ولا خنثى؛ لأنه لا يعلم كونه رجلا، (ومن حضرها منهم أجزأته) ؛ لأن إسقاطها عنهم تخفيف (ولم تنعقد به) ؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما صحت منه تبعا و (لم يصح أن يؤم) فيها لئلا يصير التابع متبوعا، (ومن سقطت عنه لعذر) غير سفر كمرض وخوف إذا حضرها (وجبت عليه وانعقدت به) وجاز أن يؤم فيها؛ لأن سقوطها لمشقة السعي، وقد زالت. (ومن صلى الظهر) ، وهو (ممن) يجب (عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام) أي قبل أن تقام الجمعة، أو مع الشك فيه (لم تصح) ظهره؛ لأنه صلى ما لم يخاطب به وترك ما خوطب به، وإذا ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها لأنها فرضه وإلا انتظر حتى يتيقن أنهم صلوا الجمعة فيصلي الظهر، (وتصح) الظهر (ممن لا تجب عليه) الجمعة لمرض ونحوه. فيصلي الظهر ولو زال عذره قبل تجميع

стр. 149

الإمام إلا الصبي إذا بلغ (والأفضل) تأخير الظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة وحضورها لمن اختلف في وجوبها عليه كعبد أفضل، وندب تصدق بدينار، أو نصفه لتاركها بلا عذر. (ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال) حتى يصلي إن لم يخف فوت رفقته وقبل الزوال يكره إن لم يأت بها في طريقه. [فصل في صحة صلاة الجمعة] فصل (يشترط لصحتها) أي صحة الجمعة أربعة شروط (ليس منها إذن الإمام) ؛ لأن عليا صلى بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد وصوبه عثمان، رواه البخاري بمعناه. (أحدها) أي أحد الشروط (الوقت) لأنها صلاة مفروضة فاشترط لها الوقت كبقية الصلوات فلا تصح قبل الوقت، ولا بعده إجماعا، قاله في " المبدع " (وأوله أول وقت صلاة العيد) لقول عبد الله بن سيدان: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك، ولا أنكره، رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكر

стр. 150

(وآخره آخر وقت صلاة الظهر) بلا خلاف، قاله في " المبدع " وفعلها بعد الزوال أفضل، (فإن خرج وقتها قبل التحريمة) أي قبل أن يكبروا للإحرام بالجمعة (صلوا ظهرا) ، قال في " الشرح ": لا نعلم فيه خلافا (وإلا) بأن أحرموا بها في الوقت (فجمعة) كسائر الصلوات تدرك بتكبيرة الإحرام في الوقت، ولا تسقط بشك في خروج الوقت، فإن بقي من الوقت قدر الخطبة والتحريمة لزمهم فعلها وإلا لم تجز. (الشرط الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها) وتقدم بيانهم في الخطبة والصلاة، قال أحمد: بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير إلى أهل المدينة فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة وقال جابر: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى وفطر» ، رواه الدارقطني وفيه ضعف، قاله في " المبدع ". (الشرط الثالث) أن يكونوا (بقرية مستوطنين) بها مبنية بما جرت به العادة فلا تتم من مكانين متقاربين، ولا تصح من أهل الخيام وبيوت الشعر ونحوهم؛ لأن ذلك لم يقصد للاستيطان غالبا، وكانت قبائل العرب حوله ﷺ ولم يأمرهم بها، وتصح بقرية خراب عزموا على إصلاحها والإقامة بها، (وتصح) إقامتها (فيما قارب البنيان من الصحراء) ؛ لأن أسعد بن زرارة أول من جمع في حرة بني بياضة، أخرجه أبو داود والدارقطني، قال البيهقي: حسن الإسناد صحيح، قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة،

стр. 151

وإذا رأى الإمام وحده العدد فنقص لم يجز أن يؤمهم ولزمه استخلاف أحدهم وبالعكس لا تلزم واحدا منهم، (فإن نقصوا) عن الأربعين (قبل إتمامها) لم يتموها جمعة لفقد شرطها و (استأنفوا ظهرا) إن لم تمكن إعادتها جمعة، وإن بقي معه العدد بعد انفضاض بعضهم ولو ممن لم يسمع الخطبة ولحقوا بهم قبل نقصهم أتموا جمعة، (ومن) أحرم في الوقت و (أدرك مع الإمام منها) أي من الجمعة (ركعة أتمها جمعة) لحديث أبي هريرة مرفوعا: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» رواه الأثرم، (وإن أدرك أقل من ذلك) بأن رفع الإمام رأسه من الثانية، ثم دخل معه (أتمها ظهرا) لمفهوم ما سبق (إذا كان نوى الظهر) ودخل وقته لحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى» وإلا أتمها نفلا، ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود لزمه السجود على ظهر إنسان، أو رجله، فإن لم يمكنه فإذا زال الزحام، وإن أحرم، ثم زحم وأخرج عن الصف فصلى فذا لم تصح صلاته، وإن أخرج في الثانية نوى مفارقته وأتمها جمعة. (الشرط الرابع) : تقدم خطبتين وأشار إليه بقوله: (ويشترط تقدم خطبتين) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] والذكر هو الخطبة ولقول ابن عمر: «كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» متفق عليه. وهما بدل الركعتين لا من الظهر،

стр. 152

(ومن شرط صحتهما حمد الله) بلفظ: الحمد لله؛ لقوله ﷺ : «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» رواه أبو داود عن أبي هريرة (والصلاة على رسوله محمد ﷺ ) ؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان، ويتعين لفظ الصلاة (وقراءة آية) كاملة لقول جابر بن سمرة: «كان رسول الله ﷺ يقرأ آية ويذكر الناس» رواه مسلم، قال أحمد: يقرأ ما يشاء وقال أبو المعالي لو قرأ آية لا تستقل بمعنى، أو حكم كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] ، أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] لم يكف والمذهب لا بد من قراءة آية ولو جنبا مع تحريمها فلو قرأ ما تضمن الحمد والموعظة، ثم صلى على النبي ﷺ أجزأه و (الوصية بتقوى الله ؛ لأنه المقصود، قال في " المبدع ": ويبدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة، ثم بالموعظة، ثم القراءة في ظاهر كلام جماعة ولا بد في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان (و) يشترط (حضور العدد المشترط) لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام، فإن نقصوا وعادوا قبل فوت ركن منها بنوا، وإن كثر التفريق، أو فات منها ركن، أو أحدث فتطهر استأنف مع سعة الوقت ويشترط لهما أيضا الوقت، وأن يكون الخطيب يصلح إماما فيها والجهر بهما بحيث يسمع العدد المعتبر حيث لا مانع والنية والاستيطان للقدر الواجب منهما والموالاة بينهما وبين الصلاة. (ولا يشترط لهما الطهارة) من الحدثين والنجس ولو خطب بمسجد لأنهما ذكر

стр. 153

تقدم الصلاة أشبه الأذان وتحريم لبث الجنب بالمسجد لا تعلق له بواجب العبادة وكذلك لا يشترط لهما ستر العورة، (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة) بل يستحب ذلك؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة أشبها الصلاتين، ولا يشترط أيضا حضور متولي الصلاة الخطبة ويبطلها كلام محرم ولو يسيرا، ولا تجزئ بغير العربية مع القدرة. (ومن سننهما) أي الخطبتين (أن يخطب على منبر) لفعله ﷺ ، وهو بكسر الميم من المنبر، وهو الارتفاع واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في " شرح مسلم " ويصعده على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح، (أو) يخطب على (موضع عال) إن عدم المنبر؛ لأنه في معناه عن يمين مستقبل القبلة بالمحراب، وإن خطب بالأرض فعن يسارهم (و) أن (يسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) لقول جابر: «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر سلم» رواه ابن ماجه ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير ورواه البخاري عن عثمان كسلامه على من عنده في خروجه، (ثم) يسن أن (يجلس إلى فراغ الأذان) لقول ابن عمر: «كان رسول الله ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب» رواه أبو داود، (وأن يجلس بين الخطبتين) لحديث ابن عمر السابق،

стр. 154

(وأن يخطب قائما) لما تقدم (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا) لفعله ﷺ ، رواه أبو داود عن الحكم بن حزن وفيه إشارة إلى أن هذا الدين فتح به، قال في " الفروع ": ويتوجه باليسرى والأخرى بحرف المنبر، فإن لم يعتمد أمسك يمينه بشماله، أو أرسلهما (و) أن (يقصد تلقاء وجهه) لفعله ﷺ ولأن في التفاته إلى أحد جانبيه إعراضا عن الآخر، وإن استدبرهم كره وينحرفون إليه إذا خطب لفعل الصحابة ذكره في " المبدع " (و) أن (يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعا «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» ، وأن تكون الثانية أقصر ورفع صوته قدر إمكانه (و) أن (يدعو للمسلمين) ؛ لأنه مسنون في غير الخطبة ففيها أولى ويباح الدعاء لمعين، وأن يخطب من صحيفة، قال في " المبدع ": وينزل مسرعا، وإذا غلب الخوارج على بلد فأقاموا فيه الجمعة جاز اتباعهم نصا وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة ويعيدها ظهرا.

стр. 155

[فصل صلاة الجمعة ركعتان] فصل (و) صلاة (الجمعة ركعتان) إجماعا حكاه ابن المنذر (يسن أن يقرأ جهرا) لفعله ﷺ (في الركعة الأولى بـ " الجمعة ") بعد الفاتحة و (في) الركعة (الثانية بـ " المنافقين ") ؛ لأنه ﷺ كان يقرأ بهما، رواه مسلم عن ابن عباس، وأن يقرأ في فجرها في الأولى الم السجدة، وفي الثانية "هل أتى ... "؛ لأنه ﷺ كان يقرأ بهما، متفق عليه من حديث أبي هريرة. (وتحرم إقامتها) أي الجمعة، وكذا العيد (في أكثر من موضع من البلد) ؛ لأنه ﷺ وأصحابه لم يقيموها في أكثر من موضع واحد (إلا لحاجة) كسعة البلد وتباعد أقطاره، أو بعد الجامع، أو ضيقه، أو خوف فتنة فيجوز التعدد بحسبها فقط لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير فكان إجماعا ذكره في " المبدع "، (فإن فعلوا) أي صلوها في موضعين، أو أكثر بلا حاجة (فالصحيحة ما باشرها الإمام، أو أذن فيها) ولو تأخرت وسواء قلنا إذنه شرط، أو لا إذ في تصحيح غيرها افتئات عليه وتفويت لجمعته، (فإن استويا في إذن، أو عدمه فالثانية باطلة) ؛ لأن الاستغناء حصل بالأولى فأنيط الحكم بها ويعتبر السبق بالإحرام، (وإن وقعتا معا) ، ولا مزية لإحداهما بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتهما جمعة فعلوا وإلا صلوها ظهرا، (أو جهلت الأولى) منهما (بطلتا) ويصلون ظهرا لاحتمال سبق إحداهما فتصح، ولا تعاد، وكذا لو أقيمت في المصر جمعات وجهل كيف وقعت، وإذا وافق العيد يوم الجمعة سقطت عمن حضره مع الإمام كمريض دون الإمام، فإن

стр. 156

اجتمع معه العدد المعتبر أقامها وإلا صلى ظهرا، وكذا العيد بها إذا عزموا على فعلها سقط. (وأقل السنة) الراتبة (بعد الجمعة ركعتان) ؛ «لأنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» ، متفق عليه من حديث ابن عمر (وأكثرها ست) ركعات لقول ابن عمر: "كان النبي ﷺ يفعله " رواه أبو داود، ويصليها مكانه بخلاف سائر السنن فببيته، ويسن فصل بين فرض وسنة بكلام، أو انتقال من موضعه ولا سنة لها قبلها أي راتبة، قال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات. (ويسن أن يغتسل لها في يومها) لخبر عائشة «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» ، وعن جماع وعند مضي أفضل (وتقدم) وفيه نظر

стр. 157

(و) يسن (تنظف وتطيب) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعا «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم أي خطب الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (و) أن (يلبس أحسن ثيابه) لوروده في بعض الألفاظ وأفضلها البياض ويعتم ويرتدي (و) أن (يبكر إليها ماشيا) ؛ لقوله ﷺ : «ومشى ولم يركب» ، ويكون بسكينة ووقار بعد طلوع الفجر الثاني (و) أن (يدنو من الإمام) مستقبل القبلة؛ لقوله ﷺ : «من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها» رواه أحمد، وأبو داود وإسناده ثقات ويشتغل بالصلاة والذكر والقراءة (و) أن (يقرأ سورة الكهف في يومها) لما روى البيهقي بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعا «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (و) أن (يكثر الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة (و) أن (يكثر الصلاة على النبي ﷺ ) ؛ لقوله ﷺ : «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة» رواه أبو داود وغيره، وكذا ليلتها، و (لا يتخطى رقاب الناس) لما روى أحمد «أن النبي ﷺ ، وهو على المنبر رأى رجلا

стр. 158

يتخطى رقاب الناس فقال له: اجلس فقد آذيت» (إلا أن يكون) المتخطي (الإمام) فلا يكره للحاجة وألحق به في " الغنية " المؤذن، (أو) يكون التخطي (إلى فرجة) لا يصل إليها إلا به فيتخطى لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم. (وحرم أن يقيم غيره) ولو عبده، أو ولده الكبير (فيجلس مكانه) لحديث ابن عمر «أن النبي ﷺ نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه» متفق عليه. ولكن يقول: افسحوا، قاله في " التلخيص " (إلا) الصغير و (من قدم صاحبا له فجلس في موضع يحفظه له) ، وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه، قال في " الشرح ": لأن النائب يقوم باختياره لكن إن جلس مكان الإمام، أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، قاله في المعالي، وكره إيثاره غيره بمكانه الفاضل لا قبوله وليس لغير المؤثر سبقه (وحرم رفع مصلى مفروش) ؛ لأنه كالنائب عنه (ما لم تحضر الصلاة) فيرفعه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، ولا يصلي عليه، (ومن قام من مكانه لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبا فهو أحق به) ؛ لقوله ﷺ : «من قام من مجلسه، ثم رجع إليه فهو أحق به» رواه مسلم، ولم يقيده الأكثر بالعود قريبا. (ومن دخل) المسجد (والإمام يخطب لم يجلس) ولو كان وقت نهي (حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما) ؛ لقوله ﷺ : «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام فليصل ركعتين» متفق عليه. زاد مسلم «وليتجوز فيهما» ، فإن جلس قام فأتى بهما ما لم يطل الفصل، فتسن تحية المسجد لمن دخله غير وقت نهي، إلا الخطيب وداخله لصلاة عيد، أو بعد شروع في إقامة وداخل المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف.

стр. 159

(ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) إذا كان منه بحيث يسمعه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ولقوله ﷺ : «من قال: صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» رواه أحمد (إلا له) أي للإمام فلا يحرم عليه الكلام، (أو لمن يكلمه) لمصلحة؛ لأنه ﷺ كلم سائلا وكلمه هو، ويجب لتحذير ضرير وغافل عن هلكة (يجوز) الكلام (قبل الخطبة وبعدها) ، وإذا سكت بين الخطبتين، أو شرع في الدعاء، وله الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها من الخطيب، وتسن سرا كدعاء وتأمين عليه وحمده خفية إذا عطس ورد سلام وتشميت عاطس وإشارة أخرس إذا فهمت ككلام لا تسكيت متكلم بإشارة، ويكره العبث والشرب حال الخطبة إن سمعها وإلا جاز، نص عليه. [باب صلاة العيدين] سمي به؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، أو تفاؤلا وجمعه أعياد، (وهي) أي صلاة العيدين (فرض كفاية) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، وكان النبي ﷺ والخلفاء بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس يداومون عليها، (إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام) لأنها من أعلام الدين الظاهرة. (و) أول (وقتها كصلاة الضحى) ؛ لأنه ﷺ ، ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، ذكره في " المبدع " (وآخره) أي آخر وقتها (الزوال) أي زوال الشمس، (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده) أي بعد الزوال (صلوا من الغد) قضاء لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: «غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياما فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدا

стр. 160

لعيدهم» رواه أحمد، وأبو داود والدارقطني وحسنه. (وتسن) صلاة العيد (في صحراء) قريبة عرفا لقول أبي سعيد: «كان النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى» متفق عليه. وكذلك الخلفاء بعده (و) يسن (تقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر) فيؤخرها لما روى الشافعي مرسلا «أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس» (و) يسن (أكله قبلها) أي قبل الخروج لصلاة الفطر لقول بريرة: «كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي» رواه أحمد، والأفضل على تمرات وترا، والتوسعة على الأهل والصدقة (وعكسه) أي يسن الإمساك (في الأضحى إن ضحى) حتى يصلي ليأكل من أضحيته لما تقدم والأولى من كبدها، (وتكره) صلاة العيد (في الجامع بلا عذر) إلا بمكة المشرفة لمخالفة فعله ﷺ ، ويستحب للإمام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد لفعل علي ويخطب لهم، ولهم فعلها قبل الإمام وبعده وأيهما سبق سقط به الفرض وجازت التضحية. (ويسن تبكير مأموم إليها) ليحصل له الدنو من الإمام وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه (ماشيا) لقول علي ﵁: «من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا» ، رواه الترمذي وقال: العمل على هذا عند أهل العلم (بعد) صلاة (الصبح و) يسن (تأخر إمام إلى وقت الصلاة) لقول أبي سعيد: «كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة» رواه مسلم، ولأن الإمام

стр. 161

ينتظر ولا ينتظر، ويخرج (على أحسن هيئة) أي لابسا أجمل ثيابه لقول جابر: «كان رسول الله ﷺ يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» رواه ابن عبد البر (إلا المعتكف فـ) يخرج (في ثياب اعتكافه) ؛ لأنه أثر عبادة فاستحب بقاؤه. (ومن شرطها) أي شرط صحة صلاة العيد (استيطان وعدد الجمعة) فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في يوم حجته ولم يصل، (لا إذن إمام) فلا يشترط كالجمعة. (ويسن) إذا غدا من طريق (أن يرجع من طريق آخر) لما روى البخاري عن جابر: «أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق» ، وكذا الجمعة، قال في " شرح المنتهى ": ولا يمتنع ذلك أيضا في غير الجمعة، وقال في " المبدع ": الظاهر أن المخالفة فيه شرعت لمعنى خاص فلا يلتحق به غيره. (ويصليها ركعتين قبل الخطبة) لقول ابن عمر: «كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة» متفق عليه. فلو قدم الخطبة لم يعتد بها (يكبر في الأولى بعد) تكبيرة الإحرام و (الاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستا) زوائد (وفي) الركعة (الثانية قبل القراءة خمسا) لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة» إسناده حسن، قال أحمد: اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير وكله جائز (يرفع يديه مع كل تكبيرة) لقول وائل بن حجر: «أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير» ، قال أحمد: فأرى أن يدخل فيه هذا كله، وعن عمر أنه كان يرفع يديه مع كل

стр. 162

تكبيرة في الجنازة والعيد، وعن زيد كذلك، رواهما الأثرم، (ويقول) بين كل تكبيرتين: (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا) لقول عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد، قال: " يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ " رواه الأثرم وحرب، واحتج به أحمد، (وإن أحب قال غير ذلك) ؛ لأن الغرض الذكر بعد التكبير، وإذا شك في عدد التكبير بنى على يقين، وإذا نسي التكبير حتى قرأ سقط؛ لأنه سنة فات محلها، وإن أدرك الإمام راكعا أحرم، ثم ركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير، وإن أدركه قائما بعد فراغه من التكبير لم يقضه، وكذا إن أدركه في أثنائه سقط ما فات. (ثم يقرأ جهرا) لقول ابن عمر: «كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء» رواه الدارقطني (في) الركعة (الأولى بعد الفاتحة بـ " سبح " وبـ " الغاشية " في الثانية) لقول سمرة: «إن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] » رواه أحمد (فإذا سلم) من الصلاة (خطب خطبتين كخطبة الجمعة) في أحكامها حتى في الكلام إلا في التكبير مع الخاطب (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات) قائما نسقا (والثانية بسبع) تكبيرات كذلك لما روى سعيد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: يكبر الإمام يوم العيد قبل أن يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية سبع تكبيرات. (يحثهم في) خطبة (الفطر على الصدقة) لقوله ﷺ : «أغنوهم بها عن السؤال في هذا اليوم» (ويبين لهم ما يخرجون) جنسا، وقدرا والوجوب والوقت، (ويرغبهم في) خطبة (الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها) ؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيرا من أحكامها من رواية أبي سعيد والبراء وجابر وغيرهم.

стр. 163

(والتكبيرات الزوائد) سنة (والذكر بينها) أي بين التكبيرات سنة، ولا يسن بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين (والخطبتان سنة) لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» رواه ابن ماجه وإسناده ثقات، ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها، والسنة لمن حضر العيد من النساء حضور الخطبة، وأن ينفردن بموعظة إذا لم يسمعن خطبة الرجال، (ويكره التنفل) وقضاء فائتة (قبل الصلاة) أي صلاة العيد (وبعدها في موضعها) قبل مفارقته لقول ابن عباس: «خرج النبي ﷺ يوم العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما، ولا بعدهما» متفق عليه. (ويسن لمن فاتته) صلاة العيد، (أو) فاته (بعضها قضاؤها) في يومها قبل الزوال، أو بعده (على صفتها) لفعل أنس وكسائر الصلوات. (ويسن التكبير المطلق) أي الذي لم يقيد بأدبار الصلوات وإظهاره وجهر غير أنثى به (في ليلتي العيدين) في البيوت والأسواق والمساجد وغيرها، ويجهر به في الخروج إلى المصلى إلى فراغ الإمام من خطبته (و) التكبير (في) عيد (فطر آكد) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (و) يسن التكبير المطلق أيضا (في كل عشر ذي الحجة) ولو لم ير بهيمة الأنعام (و) يسن التكبير (المقيد عقب كل فريضة في جماعة) في الأضحى لا في فطر] لأن ابن عمر كان لا يكبر إذا صلى وحده وقال ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى في جماعة " رواه ابن المنذر فيلتفت الإمام إلى المأمومين، ثم يكبر لفعله ﷺ (من صلاة الفجر يوم عرفة) روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃.

стр. 164

(وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق) ؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية والجهر به مسنون إلا للمرأة وتأتي به كالذكر عقب الصلاة قدمه في " المبدع "، وإذا فاتته صلاة من عامه فقضاها فيها جماعة كبر لبقاء وقت التكبير، (وإن نسيه) أي التكبير (قضاه) مكانه، فإن قام أو ذهب عاد فجلس (ما لم يحدث، أو يخرج من المسجد) ، أو يطل الفصل؛ لأنه سنة فات محلها ويكبر المأموم إذا نسيه الإمام والمسبوق إذا قضى كالذكر والدعاء، (ولا يسن) التكبير (عقب صلاة عيد) ؛ لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات ولا عقب نافلة ولا فريضة صلاها منفردا لما تقدم (وصفته) أي التكبير (شفعا: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) [ويجزئ مرة واحدة، وإن زاد فلا بأس، وإن كرره ثلاثا فحسن] ؛ لأنه ﷺ كان يقول كذلك، رواه الدارقطني، وقاله علي، وحكاه ابن المنذر عن عمر، ولا بأس بقوله لغيره: تقبل الله منا ومنك كالجواب، ولا بالتعريف عشية عرفة بالأمصار؛ لأنه دعاء وذكر وأول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث. [باب صلاة الكسوف] يقال: كسفت بفتح الكاف وضمها ومثله خسفت، وهو ذهاب ضوء الشمس، أو القمر، أو بعضه وفعلها ثابت بالسنة المشهورة واستنبطها بعضهم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] . (تسن) صلاة الكسوف (جماعة) وفي جامع أفضل لقول عائشة: «خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه» متفق عليه. (وفرادى) كسائر النوافل

стр. 165

(إذا كسف أحد النيرين) الشمس والقمر ووقتها من ابتدائه إلى التجلي، ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد فيصلي (ركعتين) ويسن الغسل لها. (ويقرأ في الأولى جهرا) ولو في كسوف الشمس (بعد الفاتحة سورة طويلة) من غير تعيين، (ثم يركع) ركوعا (طويلا) من غير تقدير، (ثم يرفع) رأسه (ويسمع) أي يقول: سمع الله لمن حمده في رفعه، (ويحمد) أي يقول: ربنا ولك الحمد بعد اعتداله كغيرها، (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل) الركوع، (وهو دون الأول ثم يرفع) فيسمع ويحمد كما تقدم ولا يطيل، (ثم يسجد سجدتين طويلتين) ، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين، (ثم يصلي) الركعة (الثانية كـ) الركعة (الأولى لكن دونها في كل ما يفعل) فيها، (ثم يتشهد ويسلم) لفعله ﷺ كما روي عنه ذلك من طرق بعضها في " الصحيحين "، ولا يشرع لها خطبة؛ لأنه ﷺ أمر بها دون الخطبة، ولا تعاد إن فرغت قبل التجلي بل يدعو ويذكر كما لو كان وقت نهي. (فإن تجلى الكسوف فيها) أي الصلاة (أتمها خفيفة) ؛ لقوله ﷺ : «فصلوا وادعوا ربكم حتى ينكشف ما بكم» متفق عليه من حديث أبي مسعود، (وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت) الشمس، أو طلع الفجر (والقمر خاسف) لم يصل؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه، (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل) لعدم نقله عنه، وعن أصحابه ﷺ مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر وهبوب الرياح والصواعق، وأما الزلزلة، وهي رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها فيصلى لها إن دامت لفعل ابن عباس، رواه سعيد والبيهقي وروى الشافعي عن علي نحوه، وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به

стр. 166

(وإن أتى) مصلي الكسوف (في كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع، أو خمس جاز) رواه مسلم من حديث جابر «أن النبي ﷺ صلى ست ركعات بأربع سجدات» ، ومن حديث ابن عباس «صلى النبي ﷺ ثماني ركعات في أربع سجدات» وروى أبو داود عن أبي بن كعب «أنه ﷺ صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركعات وسجدتين» واتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، قال النووي: وبكل نوع قال بعض الصحابة، وما بعد الأول سنة لا تدرك به الركعة ويصح فعلها كنافلة، وتقدم جنازة على كسوف وعلى جمعة وعيد أمن فوتهما، وتقدم تراويح على كسوف إن تعذر فعلهما ويتصور كسوف الشمس والقمر في كل وقت، والله على كل شيء قدير، فإن وقع بعرفة صلى، ثم دفع. [باب صلاة الاستسقاء] وهو الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة أي صلاة لأجل طلب السقيا على الوجه الآتي: (إذا أجدبت الأرض) أي أمحلت، والجدب نقيض الخصب (وقحط) أي احتبس (المطر) وضر ذلك، وكذا إذا أضرهم غور ماء عيون، أو أنهار (صلوها جماعة وفرادى) ، وهي سنة مؤكدة لقول عبد الله بن زيد: «خرج النبي ﷺ يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» متفق عليه.

стр. 167

والأفضل جماعة حتى بسفر، ولو كان القحط في غير أرضهم، ولا استسقاء لانقطاع مطر عن أرض غير مسكونة، ولا مسلوكة لعدم الضرر (وصفتها في موضعها وأحكامها كـ) صلاة (عيد) ، قال ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيدين فتسن في الصحراء ويصلي ركعتين يكبر في الأولى ستا زوائد وفي الثانية خمسا من غير أذان، ولا إقامة، قال ابن عباس: «صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي العيد» وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ويقرأ في الأولى بـ " سبح " وفي الثانية بـ " الغاشية " وتفعل وقت صلاة العيد. (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس) أي ذكرهم بما يلين قلوبهم من الثواب والعقاب (وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم) بردها إلى مستحقيها؛ لأن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات (و) أمرهم بـ (ترك التشاحن) من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية والبهت وتمنع نزول الخير؛ لقوله ﷺ : «خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت» : (و) أمرهم (بالصيام) ؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، ولحديث «دعوة الصائم لا ترد» (و) أمرهم (بالصدقة) لأنها متضمنة للرحمة، (ويعدهم) أي يعين لهم (يوما يخرجون فيه) ليتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة، (ويتنظف) لها بالغسل وإزالة الروائح الكريهة وتقليم الأظفار لئلا يؤذي (ولا يتطيب) لأنه يوم استكانة وخضوع، (ويخرج) الإمام كغيره (متواضعا متخشعا) أي خاضعا (متذللا) من الذل وهو الهوان (متضرعا) أي مستكينا لقول ابن عباس: «خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللا

стр. 168

متواضعا متخشعا متضرعا» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، (ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم (والصبيان المميزون) لأنهم لا ذنوب لهم، وأبيح خروج طفل وعجوز وبهيمة والتوسل بالصالحين، (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين) بمكان لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (لا) إن انفردوا (بيوم) لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم وربما افتتن بهم غيرهم، (لم يمنعوا) أي أهل الذمة لأنه خروج لطلب الرزق (فيصلي بهم) ركعتين كالعيد لما تقدم. (ثم يخطب) خطبة (واحدة) لأنه لم ينقل إن النبي ﷺ خطب بأكثر منهما، ويخطب على منبر ويجلس للاستراحة، ذكره الأكثر كالعيد في الأحكام والناس جلوس، قاله في " المبدع " (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) لقول ابن عباس: «صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيد» ، (ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآيات. قال في " المحرر " و " الفروع ": ويكثر فيها الدعاء والصلاة على النبي ﷺ لأن ذلك معونة على الإجابة، (ويرفع يديه) استحبابا في الدعاء لقول أنس: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه» متفق عليه. وظهورهما نحو السماء لحديث رواه مسلم (فيدعو بدعاء النبي ﷺ ) تأسيا به (ومنه) ما رواه ابن عمر: (اللهم اسقنا) بوصل الهمزة وقطعها (غيثا) أي مطرا (مغيثا) أي منقذا من الشدة، يقال: غاثه وأغاثه (إلى آخره) أي آخر الدعاء، أي: «هنيئا مريئا غدقا» مجللا عاما طبقا دائما، «اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا مع القانطين» ، «اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق» ، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا

стр. 169

نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا ". ويسن أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن ويفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم، ويدعو سرا فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا. فإن سقوا وإلا عادوا ثانيا وثالثا. (وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله) ولا يصلون إلا أن يكونوا تأهبوا للخروج، فيصلونها شكر الله ويسألونه المزيد من فضله، (وينادي لها: الصلاة جامعة) كالكسوف والعيد بخلاف جنازة وتراويح، والأول منصوب على الإغراء، والثاني على الحال، وفي " الرعاية ": يرفعهما وينصبهما، (وليس من شروطها إذن الإمام) كالعيدين وغيرهما. (ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبها) لقول أنس: «أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه» رواه مسلم، وذكر جماعة: ويتوضأ ويغتسل، لأنه روي أنه ﷺ كان يقول: إذا سال الوادي: «اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهورا فنتطهر به» .

стр. 170

وفي معناه ابتداء زيادة النيل ونحوه، (وإذا زادت المياه وخيف منها سن أن يقول: اللهم حوالينا) أي: أنزله حوالي المدينة في مواضع النبات (ولا علينا) في المدينة ولا في غيرها من المباني، (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار (والآكام) بفتح الهمزة تليها مدة على وزن آصال وبكسر الهمزة بغير مد على وزن جبال، قال مالك: هي الجبال الصغار (وبطون الأدوية) أي الأمكنة المنخفضة (ومنابت الشجر) أي أصولها؛ لأنه أنفع لها لما في " الصحيح " أنه ﷺ كان يقول ذلك، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق ... (الآية) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويستحب أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويحرم بنوء كذا ويباح في نواء كذا، وإضافة المطر إلى النواء دون الله كفر إجماعا، قاله في " المبدع ".

стр. 171

[كتاب الجنائز] بفتح الجيم، جمع جنازة بالكسر والفتح، لغة: اسم للميت أو للنعش عليه ميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش ولا جنازة، بل سرير، قاله الجوهري. واشتقاقه من جنز: إذا ستر، وذكره هنا لأن أهم ما يفعل بالميت الصلاة، ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له لقوله ﷺ : «أكثروا من ذكر هادم اللذات» وهو بالذال المعجمة، ويكره الأنين وتمني الموت، ويباح التداوي بمباح وتركه أفضل، ويحرم بمحرم مأكول وغيره من صوت ملهاة وغيره، ويجوز ببول إبل فقط، قاله في " المبدع ". ويكره أن يستطب مسلم ذميا لغير ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم يبين له مفرداته المباحة. (وتسن عيادة المريض) والسؤال عن حاله للأخبار ويغب بها وتكون بكرة أو

стр. 172

عشيا ويأخذ بيده ويقول: «لا بأس، طهورا إن شاء الله تعالى» لفعله ﷺ وينفس له في أجله، لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد. فإن ذلك لا يرد شيئا ويدعو له بما ورد. (و) يسن (تذكيره التوبة) لأنها واجبة على كل حال وهو أحوج إليها من غيره (والوصية) لقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه عن ابن عمر. (وإذا نزل به) أي نزل به الملك لقبض روحه (سن تعاهد) أرفق أهله وأتقاهم لربه (ببل حلقه بماء أو شراب وتندى شفتيه) بقطنة لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة وتسهل عليه النطق بالشهادة، (وتلقينه لا إله إلا الله) لقوله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم عن أبي سعيد (مرة ولم يزد على ثلاث) لئلا يضجره (إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه) إلى ثلاث ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله، ويكون (برفق) أي بلطف ومداراة؛ لأنه مطلوب في كل موضع فهنا أولى. (ويقرأ عنده) سورة (يس) لقوله ﷺ : «اقرأوا على موتاكم سورة يس» رواه أبو داود. ولأنه يسهل خروج الروح ويقرأ عنده الفاتحة، (ويوجهه إلى القبلة) لقوله ﷺ عن البيت الحرام: «قبلتكم أحياء وأمواتا» رواه أبو داود، وعلى جنبه الأيمن أفضل إن كان المكان واسعا، وإلا فعلى ظهره مستلقيا ورجلاه إلى القبلة، ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة. (فإذا مات سن تغميضه) لأنه ﷺ أغمض أبا سلمة وقال: «إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» رواه مسلم ويقول: " بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ ، ويغمض ذات

стр. 173

محرم وتغمضه، وكره من حائض وجنب وأن يقرباه، ويغمض الأنثى مثلها أو صبي، (وشد لحييه) لئلا يدخله الهوام (وتليين مفاصله) ليسهل تغسيله ويرد ذراعيه إلى عضديه ثم يردهما إلى جنبه ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه وهما إلى بطنه ثم يردهما، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتهما فإن شق ذلك تركه، (وخلع ثيابه) لئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد. (وستره بثوب) لما روت عائشة: «أن النبي ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة» متفق عليه. وينبغي أن يعطف فاضل الثوب عند رأسه ورجليه لئلا يرتفع بالريح، (ووضع حديدة) أو نحوها (على بطنه) لقول أنس: ضعوا على بطنه شيئا من حديد لئلا ينتفخ بطنه، (ووضعه على سرير غسله) لأنه يبعد عن الهوام (متوجها) إلى القبلة على جنبه الأيمن (منحدرا نحو رجليه) أي يكون رأسه أعلى من رجليه لينصب عنه الماء وما يخرج منه، (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة) لقوله ﷺ : «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» رواه أبو داود، ولا بأس أن ينتظر به من يحضره من وليه أو غيره إن كان قريبا ولم يخش عليه أو يشق على الحاضرين، فإن مات فجأة أو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته بانخساف صدغيه وميل أنفه وانفصال كفيه واسترخاء رجليه، (وإنفاذ وصيته) لما فيه من تعجيل الأجر، ويجب الإسراع (في قضاء دينه) سواء كان لله تعالى أو لآدمي لما روى الشافعي وأحمد والترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» ولا بأس بتقبيله والنظر إليه ولو بعد تكفينه.

стр. 174

[فصل في غسل الميت وتكفينه] فصل (غسل الميت) المسلم (وتكفينه) فرض كفاية لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه» متفق عليه عن ابن عباس، (والصلاة عليه) فرض كفاية لقوله ﷺ : «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» رواه الخلال والدارقطني وضعفه ابن الجوزي، (ودفنه فرض كفاية) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] قال ابن عباس: معناه: أكرمه بدفنه، وحمله أيضا فرض كفاية واتباعه سنة. وكره الإمام للغاسل والحفار أخذ أجرة على عمله إلا أن يكون محتاجا فيعطى من بيت المال، فإن تعذر أعطي بقدر عمله، قاله في " المبدع ". والأفضل أن يختار لتغسيله ثقة عارف بأحكامه (وأولى الناس بغسله وصيه) العدل لأن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين (ثم أبوه) لاختصاصه بالحنو والشفقة (ثم جده) وإن علا لمشاركته الأب في المعنى (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) فيقدم الابن ثم ابنه وإن نزل، ثم الأخ لأبوين ثم الأخ للأب على ترتيب الميراث (ثم ذوو أرحامه) كالميراث ثم الأجانب. وأجنبي أولى من زوجة وأمة، وأجنبية أولى من زوج وسيد، وزوج أولى من سيد، وزوجة أولى من أم ولد (و) الأولى بغسل (أنثى وصيتها) العدل (ثم القربى فالقربى من نسائها) فتقدم أمها وإن علت ثم بنتها وإن نزلت، ثم القربى كالميراث وعمتها وخالتها سواء، وكذا بنت أخيها وبنت أختها لاستوائهما في القرب والمحرمية،

стр. 175

(ولكل واحد من الزوجين) إن لم تكن ذمية (غسل صاحبه) لما تقدم عن أبي بكر، وروى ابن المنذر أن عليا غسل فاطمة؛ ولأن آثار النكاح من عدة الوفاة والإرث باقية، فكذا الغسل ويشمل ما قبل الدخول، وإنها تغسله وإن لم تكن في عدة كما لو ولدت عقب موته، والمطلقة الرجعية إذا أبيحت له (وكذا سيد مع سريته) أي أمته المباحة له ولو أم ولد، (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط) ذكرا أو أنثى لأنه لا عورة له، ولأن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسله النساء، فتغسله مجردا بغير سترة، وتمس عورته وتنظر إليها، (وإن مات رجل بين نسوة) ليس فيهن زوجة ولا أمة مباحة له يمم، (أو عكسه) بأن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوج ولا سيد لها (يمم كخنثى مشكل) لم تحضره أمة له فييمم، لأنه لا يحصل بالغسل من غير مس تنظيف، ولا إزالة نجاسة بل ربما كثرت، وعلم منه أنه لا مدخل للرجال في غسل الأقارب من النساء ولا بالعكس. (ويحرم أن يغسل مسلم كافرا) أو أن يحمله أو يكفنه أو يتبع جنازته كالصلاة عليه لقول تعالى: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] (أو يدفنه) للآية (بل يواريه) وجوبا (لعدم من يواريه) لإلقاء قتلى بدر في القليب، ويشترط لغسله طهورية ماء وإباحته وإسلام غاسل إلا نائبا عن مسلم نواه وعقله ولو مميزا أو حائضا أو جنبا. (وإذا أخذ) أي شرع (في غسله ستر عورته) وجوبا، وهي ما بين سرته وركبته (وجرده) ندبا لأنه أمكن في تغسيله وأبلغ في تطهيره، وغسل ﷺ في قميص؛ لأن فضلاته طاهرة فلم يخش تنجيس قميصه، (وستره عن العيون) تحت ستر في خيمة أو بيت إن أمكن؛ لأنه أستر له، (ويكره لغير معين في غسله حضوره) لأنه ربما كان في الميت ما لا يجب اطلاع أحد

стр. 176

عليه والحاجة غير داعية إلى حضوره بخلاف المعين، (ثم يرفع رأسه) أي رأس الميت غير أنثى حامل (إلى قرب جلوسه) بحيث يكون كالمحتضن في صدر غيره، (ويعصر بطنه برفق) ليخرج ما هو مستعد للخروج ويكون هناك بخور، (ويكثر صب الماء حينئذ) ليدفع ما يخرج بالعصر، (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة فينجيه) أي يمسح فرجه بها، (ولا يحل مس عورة من له سبع سنين) بغير حائل كحال الحياة؛ لأن التطهير يمكن بدون ذلك. (ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة) لفعل علي مع النبي ﷺ فحينئذ يعد الغاسل خرقتين إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية بدنه، (ثم يوضئه ندبا) كوضوئه للصلاة لما روت أم عطية أن النبي ﷺ قال في غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» رواه الجماعة، وكان ينبغي تأخيره عن نية الغسل كما في " المنتهى " وغيره، (ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه) خشية تحريك النجاسة، (ويدخل أصبعيه) إبهامه وسبابته (مبلولتين) أي عليهما خرقة مبلولة (بالماء بين شفتيه فيسمح أسنانه وفي منخريه فينظفهما) بعد غسل كفي الميت فيقوم المسح فيهما مقام غسلهما خوف تحريك النجاسة بدخول الماء جوفه، (ولا يدخلهما) أي الفم والأنف (الماء) لما تقدم، (ثم ينوي غسله) لأنه طهارة تعبدية فاشترطت لها النية كغسل الجنابة، (ويسمي) وجوبا لما تقدم، (ويغسل برغوة السدر) المضروب (رأسه ولحيته فقط) لأن الرأس أشرف الأعضاء والرغوة لا تتعلق بالشعر، (ثم يغسل شقه الأيمن ثم) شقه (الأيسر) للحديث السابق (ثم) يغسله (كله) يفيض الماء على جميع بدنه يفعل ما تقدم (ثلاثا) إلا الوضوء، ففي المرة الأولى فقط (يمر في كل مرة) من الثلاث (يده على بطنه) ليخرج ما تخلف، (فإن لم ينق بثلاث غسلات زيد حتى ينقي ولو جاوز السبع)

стр. 177

وكره اقتصاره في غسله على مرة إن لم يخرج منه شيء، فيحرم الاقتصار ما دام يخرج شيء على ما دون السبع، وسن قطع على وتر ولا تجب مباشرة الغسل. فلو ترك تحت ميزاب ونحوه وحضر من يصلح لغسله ونوى وسمى وعمه الماء كفى. (ويجعل في الغسلة الأخيرة) ندبا (كافورا) وسدرا لأنه يصلب الجسد ويطرد عنه الهوام برائحة، (والماء الحار) يستعمل إذا احتيج إليه (والأشنان) يستعمل إذا احتيج إليه (والخلال يستعمل إذا احتيج إليه) فإن لم يحتج إليها كرهت، (ويقص شاربه ويقلم أظفاره) ندبا إن طالا ويؤخذ شعر إبطيه ويجعل المأخوذ معه كعضو ساقط، وحرم حلق رأسه وأخذ عانة كختن، (ولا يسرح شعره) أي يكره ذلك لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه. (ثم ينشف) ندبا (بثوب) كما فعل به ﷺ . (ويضفر) ندبا (شعر المرأة) أي الأنثى (ثلاثة قرون ويسدل وراءها) لقول أم عطية: «فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها» ، رواه البخاري. (وإن خرج منه) أي الميت (شيء بعد سبع) غسلات (حشي) المحل (بقطن) ليمنع الخارج كالمستحاضة، (فإن لم يستمسك) بالقطن (فبطين حر) أي خالص لأن فيه قوة تمنع الخارج. (ثم يغسل المحل) المتنجس بالخارج (ويوضأ) الميت وجوبا كالجنب إذا أحدث بعد الغسل، (وإن خرج) منه شيء (بعد تكفينه لم يعد الغسل) دفعا للمشقة، ولا بأس بقول غاسل له: انقلب يرحمك الله ونحوه. ولا يغسله في حمام.

стр. 178

(ومحرم) بحج أو عمرة (ميت كحي يغسل بماء وسدر) لا كافور (ولا يقرب طيبا) مطلقا (ولا يلبس ذكر مخيطا) من قميص ونحوه (ولا يغطى رأسه ولا وجه أنثى) محرمة ولا يؤخذ شيء من شعرهما وظفرهما لما في " الصحيحين " من حديث ابن عباس: «أن النبي ﷺ قال في محرم مات: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ولا تمنع معتدة من طيب، وتزال اللصوق لغسل واجب إن لم يسقط من جسده شيء بإزالتها فيمسح عليها كجبيرة الحي ويزال خاتم ونحوه ولو ببرده. (ولا يغسل شهيد معركة) ومقتول ظلما ولو أنثيين أو غير مكلفين؛ لأنه ﷺ في شهداء أحد أمر بدفنهم بدمائهم ولم يغسلهم، وروى أبو داود عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» وصححه الترمذي. (إلا أن يكون) الشهيد أو المقتول ظلما (جنبا) أو وجب عليهما الغسل لحيض أو نفاس أو إسلام، (ويدفن) وجوبا (بدمه) إلا أن تخالطه نجاسة فيغسلا و (في ثيابه) التي قتل فيها (بعد نزع السلاح والجلود عنه) لما روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم» .

стр. 179

(وإن سلبها كفن بغيرها) وجوبا (ولا يصلى عليه) للأخبار لكونهم أحياء عند ربهم، (وإن سقط عن دابته) أو شاهق بغير فعل العدو (أو وجد ميتا ولا أثر به) أو مات حتف أنفه أو برفسة أو عاد سهمه عليه (أو حمل فأكل) أو شرب أو نام أو تكلم أو بال أو عطس (أو طال بقاؤه عرفا غسل وصلي عليه) كغيره، ويغسل الباغي ويصلى عليه، ويقتل قاطع الطريق، ويغسل ويصلى عليه ثم يصلب. (والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه) وإن لم يستهل لقوله ﷺ «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» رواه أحمد وأبو داود، وتستحب تسميته، فإن جهل أذكر هو أم أنثى سمي بصالح لهما، (ومن تعذر غسله) لعدم الماء أو غيره كالحرق والجذام والتبضيع (يمم) كالجنب إذا تعذر عليه الغسل، وإن تعذر غسل بعضه ما أمكن ويمم للباقي (و) يجب (على الغاسل ستر ما رآه) من الميت (إن لم يكن حسنا) فيلزمه ستر الشر لا إظهار الخير، ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ ، ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة، ويستحب ظن الخير بالمسلم. [فصل في الكفن] و (يجب تكفينه في ماله) لقوله ﷺ في المحرم: «كفنوه في ثوبيه» (مقدما على دين) ولو برهن (وغيره) من وصية وإرث؛ لأن المفلس يقدم بالكسوة على الدين، فكذا

стр. 180

الميت فيجب لحق الله تعالى وحق الميت ثوب لا يصف البشرة يستر جميعه من ملبوس مثله ما لم يوص بدونه والجديد أفضل، (فإن لم يكن له) أي للميت (مال فـ) كفنه ومؤنة تجهيزه (على من تلزمه نفقته) لأن ذلك يلزمه حال الحياة فكذا بعد الموت، (إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) ولو غنيا لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع، وقد انقطع ذلك بالموت، فإن عدم مال الميت ومن تلزمهم نفقته فمن بيت المال، إن كان مسلما فإن لم يكن فعلى المسلمين العالمين بحاله. قال الشيخ تقي الدين: من ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه. فإن أراد بعض الورثة أن ينفرد به لم يلزم بقية الورثة قبوله، لكن ليس للبقية نبشه وسلبه من كفنه بعد دفنه، وإذا مات إنسان مع جماعة في سفر كفنوه من ماله، فإن لم يكن كفنوه ورجعوا على تركته، أو من تلزمه نفقته إن نووا الرجوع. (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) من قطن لقول عائشة: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية، ليس فيها قميص، ولا عمامة أدرج فيها إدراجا» متفق عليه. ويقدم بتكفين من يقدم بغسل، ونائبه كهو، والأولى توليه بنفسه، (تجمر) أي: تبخر بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق (ثم تبسط بعضها فوق بعض) أوسعها وأحسنها أعلاها؛ لأن عادة الحي جعل الظاهر أفخر ثيابه، (ويجعل الحنوط) وهو أخلاط من طيب يعد للميت خاصة (فيما بينها) لا فوق العليا لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة، (ثم يوضع) الميت (عليها) أي اللفائف (مستلقيا) لأنه أمكن لإدراجه فيها (ويجعل منه) أي من الحنوط (في قطن بين أليتيه) ليرد ما يخرج عند تحريكه، (ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان) وهو السراويل بلا أكمام (تجمع أليتيه ومثانته ويجعل الباقي) من القطن المحنط (على منافذ وجهه) عينيه ومنخريه وأذنيه وفمه؛ لأن في جعلها على
следующие страницы →