Полный текст (734 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ومن ملك نصابا من السائمة لتجارة فعليه زكاة تجارة، وإن لم تبلغ قيمتها نصاب تجارة فعليه زكاة السوم، وإذا اشترى ما يصبغ به ويبقى أثره كزعفران ونيل ونحوه فهو عرض تجارة يقوم عند حوله، وكذا ما يشتريه دباغ ليدبغ به كعفص وما يدهن به كسمن وملح، ولا شيء في آلات الصباغ وأمتعة التجارة وقوارير العطار إلا أن يريد بيعها معها، ولا زكاة في غير ما تقدم ولا في قيمة ما أعد للكراء من عقار وحيوان، وظاهر كلام الأكثر ولو أكثر من شراء العقارات فارا.
[باب زكاة الفطر]
هو اسم مصدر من أفطر الصائم إفطارا وهذه يراد بها الصدقة عن البدن وإضافتها إلى الفطر من إضافة الشيء إلى سببه.
(وتجب على كل مسلم) من أهل البوادي وغيرهم، وتجب في مال يتيم لقول ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من بر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» متفق عليه، ولفظه للبخاري، (فضل له) أي عنده (يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله) لأن ذلك أهم فيجب تقديمه لقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ولا يعتبر لوجوبها ملك نصاب، وإن فضل بعض صاع أخرجه لحديث: «إذا أمرتكم بأمر
فأتوا منه ما استطعتم» (و) يعتبر كون ذلك كله بعد (حوائجه الأصلية) لنفسه أو لمن تلزمه مؤونته من مسكن وعبد ودابة وثياب بذلة ونحو ذلك
стр. 212
(لا يمنعها الدين) لأنها ليست واجبة في المال (إلا بطلبه) أي طلب الدين فيقدمه إذا لأن الزكاة واجبة مواساة، وقضاء الدين أهم.
(فيخرج) زكاة الفطر (عن نفسه) لما تقدم (و) عن (مسلم يمونه) من الزوجات والأقارب وخادم زوجته إن لزمته مؤونته وزوجة عبده الحرة وقريبه الذي يلزمه إعفافه لعموم قوله ﷺ : «أدوا الفطر عمن تمونون» ولا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار؛ لأنها طهرة للمخرج عنه والكافر لا يقبلها؛ لأنه لا يطهره إلا الإسلام ولو عبدا، ولا تلزمه فطرة أجير وظئر استأجرهما بطعامهما ولا من وجبت نفقته في بيت المال، (ولو) تبرع بمؤونة شخص جميع (شهر رمضان) أدى فطرته لعموم الحديث السابق بخلاف ما لو تبرع به بعض الشهر (وإن عجز عن البعض) وقدر على البعض (بدأ بنفسه) لأن نفقة نفسه مقدمة فكذا فطرتها، (فامرأته) لوجوب نفقتها مطلقا ولآكديتها ولأنها معاوضة، (فرقيقه) لوجوب نفقته مع الإعسار ولو مرهونا أو مغصوبا أو غائبا أو لتجارة، (فأمه) لتقديمها في البر، (فأبيه) لحديث " من أبر يا رسول الله ... ؟ " (فولده) لوجوب نفقته في الجملة (فأقرب في ميراث) لأنه أولى من غيره فإن استوى اثنان فأكثر، ولم يفضل إلا صاع أقرع، (والعبد بين شركاء عليهم صاع) بحسب ملكهم فيه كنفقته، وكذا حر وجبت نفقته على اثنين فأكثر يوزع الصاع بينهم بحسب النفقة؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة.
(ويستحب) أن يخرج (عن الجنين) لفعل عثمان ﵁، ولا تجب عليه؛ لأنها لو تعلقت به قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة السوائم، (ولا تجب لـ) زوجة (ناشز) لأنه لا تجب عليه نفقتها، وكذا من لم تجب نفقتها لصغر
стр. 213
ونحوه؛ لأنها كالأجنبية ولو حاملا، ولا لأمة تسلمها ليلا فقط وتجب على سيدها. (ومن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب المعسر (فأخرج عن نفسه بغير إذنه) أي إذن من تلزمه (أجزأه) لأنه المخاطب بها ابتداء والغير متحمل، ومن أخرج عمن لا تلزمه فطرته بإذنه أجزأ وإلا فلا.
(وتجب) الفطرة (بغروب الشمس ليلة) عيد (الفطر) لإضافتها إلى الفطر، والإضافة تقتضي الاختصاص والسببية. وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان مغيب الشمس من ليلة الفطر (فمن أسلم بعده) أي بعد غروب (أو ملك عبدا) بعد الغروب (أو تزوج) زوجة ودخل بها بعد الغروب (أو ولد له) بعد الغروب (لم تلزمه فطرته) في جميع ذلك لعدم وجود سبب الوجوب، (و) إن وجدت هذه الأشياء (قبله) أي قبل الغروب (تلزم) الفطرة لمن ذكر لوجود السبب.
(ويجوز إخراجها) معجلة (قبل العيد بيومين فقط) لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان» ، وقال في آخره: «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» "وعلم من قوله: فقط أنها لا تجزئ قبلهما لقوله ﷺ : «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» ومتى قدمها بالزمن الكثير فات الإغناء المذكور، (و) إخراجها (يوم العيد قبل) مضيه إلى (الصلاة أفضل) لحديث ابن عمر السابق أول الباب، (وتكره في باقيه) أي باقي يوم العيد بعد الصلاة (ويقضيها بعد يومه) ، ويكون (آثما) بتأخيرها عنه لمخالفته أمره ﷺ بقوله: «أغنوهم في هذا اليوم» رواه الدارقطني من حديث ابن عمر، ولمن وجبت عليه فطرة غيره إخراجها مع فطرته مكان نفسده.
стр. 214
[فصل في مقدار زكاة الفطر]
فصل (ويجب) في الفطرة (صاع) أربعة أمداد وتقدم في الغسل (من بر أو شعير أو دقيقهما أو سويقهما) أي سويق البر أو الشعير وهو ما يحمص ثم يطحن ويكون الدقيق أو السويق بوزن حبة، (أو) صاع من (تمر أو زبيب أو أقط) يعمل من اللبن المخيض لقول أبي سعيد الخدري: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط» متفق عليه. والأفضل تمر فزبيب فبر فأنفع فشعير فدقيقهما فسويقهما فأقط، (فإن عدم الخمسة) المذكورة (أجزأ كل حب) يقتات (وثمر يقتات) كالذرة والدخن والأرز والعدس والتين اليابس.
(ولا) يجزئ (معيب) كمسوس ومبلول وقديم تغير طعمه وكذا مختلط بكثير مما لا يجزئ، فإن قل زاد بقدر ما يكون المصفى صاعا لقلة مشقة تنقيته، وكان ابن سيرين يجب أن ينقي الطعام، وقال أحمد: وهو أحب إلي، (ولا) يجزئ (خبز) لخروجه عن الكيل والادخار.
(ويجوز أن يعطي الجماعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد وعكسه) بأن يعطى
стр. 215
الواحد ما على جماعة، والأفضل أن لا ينقص معطى عن مدبر أو نصف صاع من غيره، وإذا دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها أو جمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السهام فعادت إلى إنسان صدقته جاز ما لم يكن حيلة.
[باب إخراج الزكاة]
يجوز لمن وجبت عليه الزكاة الصدقة تطوعا قبل إخراجها.
(ويجب) إخراج (الزكاة على الفور مع إمكانه) كنذر مطلق وكفارة؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، وكما لو طالب بها الساعي؛ ولأن حاجة الفقير ناجزة والتأخير مخل بالمقصود وربما أدى إلى الفوات (إلا الضرر) كخوف رجوع ساع على نفسه أو ماله ونحوه، وله تأخيرها لأشد حاجة وقريب وجار، ولتعذر إخراجها من المال لغيبة ونحوها، (فإن منعها) أي الزكاة (جحدا لوجوبها كفر عارف بالحكم) وكذا جاهل عرف فعلم وأصر، وكذا جاحد وجوبها ولو لم يمتنع من أدائها (وأخذت) الزكاة منه (وقتل) لردته بتكذيبه لله ورسوله بعد أن يستتاب ثلاثا (أو بخلا) أي ومن منعها بخلا من غير جحد (أخذت منه) فقط قهرا كدين الآدمي ولم يكفر، (وعزر) إن علم تحريم ذلك، وقوتل إن احتيج إليه ووضعها الإمام مواضعها، ولا يكفر بقتاله للإمام، ومن ادعى أداءها أو بقاء الحول أو نقص النصاب أو أن ما بيده لغيره ونحوه صدق بلا يمين.
(وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون) لما تقدم (فيخرجها وليهما) في مالهما كصرف نفقة واجبة عليهما؛ لأن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صح التوكيل فيه.
(ولا يجوز إخراجها) أي الزكاة (إلا بنية) من مكلف لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ،
стр. 216
والأولى قرن النية بدفع، وله تقديمها بزمن يسير كصلاة فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة ونحو ذلك، وإذا أخذت منه قهرا أجزأت ظاهرا، وإن تعذر وصول إلى المالك
لحبس أو نحوه فأخذها الإمام أو نائبه أجزأت ظاهرا وباطنا، (والأفضل أن يفرقها بنفسه) ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، وله دفعها إلى الساعي، ويسن إظهارها (و) أن (يقول عند دفعها هو) ، أي: مؤديها (وآخذها ما ورد) فيقول دافعها: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما، ويقول آخذها: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا، وإن وكل مسلما ثقة جاز، وأجزأت نية موكل مع قرب وإلا نوى موكل عند دفع لوكيل، ووكيل عند دفع لفقير، ومن علم أهلية آخذ كره إعلامه بها، ومع عدم عادته لا يجزيه الدفع له إلا إن أعلمه.
(والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر من بلد المال؛ لأنه في حكم بلد واحد، (ولا يجوز نقلها) مطلقا (إلى ما تقصر فيه الصلاة) لقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه لليمن: «أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» بخلاف نذر وكفارة ووصية مطلقة، (فإن فعل) أي
стр. 217
نقلها إلى مسافة قصر (أجزأت) لأنه دفع الحق إلى مستحقه فبرئ من عهدته ويأثم، (إلا أن يكون) المال (في بلد) أو مكان (لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه) لأنهم أولى وعليه مؤونة نقل ودفع وكيل ووزن، (فإن كان) المالك (في بلد وماله في) بلد (آخر أخرج زكاة المال في بلده) أي بلد به المال كل الحول أو أكثره دون ما نقص عن ذلك؛ لأن الأطماع إنما تتعلق به غالبا بمضي زمن الوجوب أو ما قاربه، (و) أخرج (فطرته في بلد هو فيه) وإن لم يكن له به مال؛ لأن الفطرة إنما تتعلق بالبدن كما تقدم. ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر كالسائمة والزرع والثمار لفعله ﷺ وفعل الخلفاء ﵃ بعده.
(ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل) لما روى أبو عبيدة في " الأموال "بإسناده عن علي «أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين» ، ويعضده رواية مسلم: «فهي علي
ومثلها» وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب لا عما يستفيده، وإذا تم الحول والنصاب ناقص قدر ما عجله صح وأجزأه؛ لأن المعجل كالموجود في ملكه، فلو عجل عن مائتي شاة شاتين فنتجت عند الحول سخلة لزمته ثالثة، وإن مات قابض معجلة أو استغنى قبل الحول أجزأت لا إن دفعها إلى من يعلم غناه فافتقر اعتبارا بحال الدفع، (ولا يستحب) تعجيل الزكاة، ولمن أخذ الساعي منه زيادة أن يعتد بها من قابله، قال الموفق: إن نوى التعجيل.
стр. 218
[باب أهل الزكاة]
باب ذكر أهل الزكاة وهم (ثمانية) أصناف لا يجوز صرفها إلى غيرهم من بناء المساجد والقناطر وسد البثوق وتكفين الموتى ووقف الماصحف وغيرها من جهات الخير لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ... الآية.
أحدهم (الفقراء وهم) أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم وإنما يبدأ بالأهم فالأهم فهم (من لا يجدون شيئا) من الكفاية (أو يجدون بعض الكفاية) أي دون نصفها، وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم لا للعبادة وتعذر الجمع أعطي.
(و) الثاني: (المساكين) الذين (يجدون أكثرها) أي أكثر الكفاية (أو نصفها) فيعطى الصنفان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة، ومن ملك ولو من أثمان ما لا يقوم بكفايته فليس بغني.
(و) الثالث: (العاملون عليها وهم) السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها كـ (جباتها وحفاظها) وكتابها وقسامها، وشرط كونه مكلفا مسلما أمينا كافيا من غير ذوي القربى ويعطى قدر أجرته منها ولو غنيا، ويجوز كون حاملها وراعيها ممن منع منها.
الصنف (الرابع: المؤلفة قلوبهم) جمع مؤلف، وهو السيد المطاع في عشيرته (ممن يرجى إسلامه أو كف شره أو يرجى بعطيته قوة إيمانه) أو إسلام نظيره أو جبايتها ممن لا يعطيها أو دفع عن المسلمين، ويعطى ما يحصل به التأليف عند الحاجة فقط، فترك عمر
стр. 219
وعثمان وعلي إعطاءهم لعدم الحاجة إليه في خلافتهم لا لسقوط سهمهم، فإن تعذر الصرف إليهم رد على بقية الأصناف.
(الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون) فيعطى المكاتب وفاء دينه لعجزه عن وفاء ما عليه ولو مع قدرته على التكسب، ولو قبل حلول نجم، ويجوز أن يشتري منها رقبة لا تعتق
عليه فيعتقها لقول ابن عباس، (و) يجوز أن (يفك منها الأسير المسلم) لأن فيه فك رقبة من الأسر لا أن يعتق قنه أو مكاتبه عنها.
(السادس: الغارم) وهو نوعان، أحدهما: غارم (لإصلاح ذات البين) أي الوصل بأن يقع بين جماعة عظيمة كقبيلتين أو أهل قريتين تشاجرا في دماء وأموال ويحدث بسببها الشحناء والعداوة فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالا عوضا عما بينهم ليطفئ الثائرة، فهذا قد أتى معروفا عظيما فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة، (ولو مع غنى) إن لم يدفع من ماله.
النوع الثاني: ما أشير إليه بقوله: (أو) تدين (لنفسه) في شراء من كفار أو مباح أو
стр. 220
محرم وتاب (مع الفقر) ويعطي وفاء دينه ولو لله، ولا يجوز له صرفه في غيره ولو فقيرا وإن دفع إلى الغارم لفقره جاز أن يقضي منه دينه.
(السابع: في سبيل الله وهم الغزاة المتطوعة أي) الذين (لا ديوان لهم) أو لهم دون ما يكفيهم فيعطى ما يكفيه لغزوة ولو غنيا، ويجزئ أن يعطي منها لحج فرض فقير وعمرته لا أن يشتري منها فرسا يحبسها أو عقارا يقفه على الغزاة، وإن لم يغز رد ما أخذه. نقل عبد الله إذا خرج في سبيل الله أكل من الصدقة.
(الثامن ابن السبيل) وهو (المسافر المنقطع به) أي بسفره المباح أو المحرم إذا تاب (دون المنشئ للسفر من بلده) إلى غيرها لأنه ليس في سبيل الله؛ لأن السبيل هي الطريق فسمي من لزمها ابن السبيل كما يقال: ولد الليل لمن يكثر خروجه فيه، وابن الماء نظيره لملازمته له، (فيعطى) ابن السبيل (ما يوصله إلى بلده) ولو وجد مقرضا، وإن قصد بلدا واحتاج قبل وصوله إليها أعطي ما يصل به إلى البلد الذي قصده، وما يرجع به إلى بلده، وإن فضل مع ابن السبيل أو غاز أو غارم أو مكاتب شيء رده وغيرهم يتصرف بما شاء لملكه له مستقرا. (ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم) لأن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته ويصدق من ادعى عيالا أو فقرا ولم يعرف بغنى.
(ويجوز صرفها) أي الزكاة (إلى صنف واحد) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ولحديث معاذ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال: «أعلمهم أن
стр. 221
الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» متفق عليه، فلم يذكر في
الآية والخبر إلا صنف واحد، ويجزئ الاقتصار على إنسان واحد ولو غريمه أو مكاتبه إن لم يكن حيلة؛ لأنه ﷺ «أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر» . وقال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» . (ويسن) دفعها (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم) كخاله وخالته على قدر حاجتهم، الأقرب فالأقرب لقوله ﷺ : «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» .
[فصل لا تدفع الزكاة لهاشمي]
فصل (ولا) يجزئ أن (تدفع إلى هاشمي) أي من ينسب إلى هاشم بأن يكون من سلالته فدخل فيهم آل عباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب وآل أبي لهب؛ لقوله ﷺ : «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» أخرجه مسلم لكن تجزئ إليه إن كان غازيا أو غارما لإصلاح ذات البين أو مؤلفا،
стр. 222
(و) لا إلى (مطلبي) لمشاركتهم لبني هاشم في الخمس، اختاره القاضي وأصحابه وصححه ابن المنجا، وجزم به في الوجيز وغيره، والأصح تجزئ إليهم اختاره الخرقي والشيخان وغيرهم؛ لأن آية الأصناف وغيرها من العمومات تتناولهم ومشاركتهم لبني هاشم في الخمس ليس لمجرد قرابتهم بدليل أن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم، ولم يعطوا شيئا من الخمس إنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة، كما أشار إليه ﷺ بقوله: «لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام» والنصرة لا تقتضي حرمان الزكاة (و) لا إلى (مواليهما) لقوله ﷺ : «وإن مولى القوم منهم» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه ولكن على الأصح تجزئ إلى
موالي بني المطلب كإليهم، ولكل أخذ صدقة تطوع ووصية أو نذر لفقر لا كفارة، (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق) ، ولا إلى فقير ينفق عليه من وجبت عليه نفقته من أقاربه لاستغنائه بذلك، (ولا إلى فرعه) أي ولده وإن سفل من ولد الابن أو ولد البنت، (و) لا إلى (أصله) كأبيه وأمه وجده وجدته من قبلهما وإن علوا، إلا أن يكونوا عمالا أو مؤلفين أو غزاة أو غارمين لذات بين، ولا يجزئ أيضا إلى سائر من تلزمه نفقته ما لم يكن عاملا، أو غازيا، أو مؤلفا، أو مكاتبا، أو ابن سبيل، أو غارما لإصلاح ذات بين، وتجزئ إلى من تبرع بنفقته بضمه إلى عياله أو تعذرت نفقته من زوج أو قريب بنحو غيبة أو امتناع، (ولا) تجزئ (إلى عبد) كامل رق غير عامل أو مكاتب (و) لا إلى (زوج) فلا يجزئها دفع زكاتها إليه ولا بالعكس، وتجزئ إلى ذوي أرحامه من غير عمودي النسب.
(وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل) لأخذها (فبان أهلا) لم تجزئه لعدم جزمه بنية الزكاة
стр. 223
حال دفعها لمن ظنه غير أهل لها، (أو بالعكس) بأن دفعها لغير أهلها ظانا أنه أهلها (لم تجزئه) لأنه لا يخفى حاله غالبا وكدين الآدمي (إلا) إذا دفعها (لغني ظنه فقيرا) فتجزئه لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين الجلدين، وقال: «إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» .
(وصدقة التطوع مستحبة) حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة، وقال ﷺ : «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وحسنه، (و) هي (في رمضان) وكل زمان ومكان فاضل كالعشر والحرمين أفضل لقول ابن عباس: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل» .... " الحديث، متفق عليه، (و) في (أوقات الحاجات أفضل) وكذا على ذي رحم لا سيما مع عداوة وجار لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ولقوله ﷺ : «الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذي رحم اثنتان صدقة وصلة» .
(وتسن) الصدقة (بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه) لقوله ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى» متفق عليه، (ويأثم) من تصدق (بما ينقصها) أي ينقص مؤونة تلزمه، وكذا لو أضر بنفسه أو غريمه أو كفيله لقوله ﷺ : «كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» ، ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة لهم كفاية أو يكفيهم بمكسبه فله ذلك لقصة الصديق. وكذا لو كان وحده ويعلم من نفسه حسن التوكل والصبر على المسألة وإلا حرم.
стр. 224
[كتاب الصيام]
[الصيام] لغة: مجرد الإمساك، يقال للساكت: صائم لإمساكه عن الكلام، ومنه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وفي الشرع: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص. وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن حجر في " شرح الأربعين ": في شعبان اهـ. فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعا.
(يجب صوم رمضان برؤية هلاله) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» ، والمستحب قول شهر رمضان كما قال الله تعالى، ولا يكره قول رمضان، (فإن لم ير) الهلال (مع صحو ليلة الثلاثين) من شعبان (أصبحوا مفطرين) وكره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه، (وإن حال دونه) أي دون هلال رمضان بأن كان في مطلعه ليلة الثلاثين من شعبان (غيم أو قتر) بالتحريك أي غبرة وكذا دخان (فظاهر المذهب يجب صومه) أي صوم يوم تلك الليلة حكما ظنيا احتياطيا بنية رمضان، قال في " الإنصاف ": وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوه فيه التصانيف وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه. اهـ. وهذا قول عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ لقوله ﷺ : «إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا
стр. 225
حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له» قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يوما يبعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون
منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما، ومعنى: " أقدروا له " أي ضيقوا بأن يجعل شعبان تسعا وعشرين، وقد فسره ابن عمر بفعله ﷺ وهو راوية، وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره. ويجزئ صوم ذلك اليوم إن ظهر منه وتصلى التراويح تلك الليلة، ويجب إمساكه على من لم يبيت بنيته لا عتق أو طلاق معلق برمضان، (وإن رؤي) الهلال (نهارا) ولو قبل الزوال (فهو لليلة المقبلة) كما لو رؤي آخر النهار، وروى البخاري في " تاريخه "مرفوعا: «من أشراط الساعة أن يروا الهلال يقولون ابن ليلتين» .
(وإذا رآه أهل بلد) أي متى ثبتت رؤيته ببلد (لزم الناس كلهم الصوم) لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته» وهو خطاب للأمة كافة، فإن رآه جماعة ببلد ثم سافروا لبلد بعيد فلم ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا.
(ويصام) وجوبا (برؤية عدل) مكلف، ويكفي خبره بذلك لقول ابن عمر: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه» رواه أبو داود، (ولو) كان (أنثى) أو عبدا أو بدون لفظ الشهادة. ولا يختص بحاكم، فيلزم
стр. 226
الصوم من سمع عدلا يخبر برؤيته وتثبت بقية الأحكام، ولا يقبل في شوال وسائر الشهور إلا ذكران بلفظ الشهادة، ولو صاموا ثمانية وعشرين يوما ثم رأوه قضوا يوما فقط، (فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم ير الهلال) لم يفطروا لقوله ﷺ : «وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا» ، (أو صاموا لأجل غيم) ثلاثين يوما ولم يروا الهلال (لم يفطروا) لأن الصوم إنما كان احتياطا، والأصل بقاء رمضان، وعلم منه أنهم لو صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما ولم يروه أفطروا صحوا كان أو غيما لما تقدم. (ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله) لزمه الصوم وجميع أحكام الشهر من طلاق وغيره معلق به لعلمه أنه من رمضان، (أو رأى)
وحده (هلال شوال صام) ولم يفطر لقوله ﷺ : «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي وصححه. وإن اشتبهت الأشهر على نحو مأسور تحرى، وأجزأه إن لم يعلم أنه تقدمه ويقضي ما وافق عيدا أو أيام تشريق.
(ويلزم الصوم) في شهر رمضان (لكل مسلم) لا كافر ولو أسلم في أثنائه قضى الباقي فقط (مكلف) لا صغير ومجنون (قادر) لا مريض يعجز عنه للآية، وعلى ولي صغير مطيق أمره به وضربه عليه ليعتاده، (وإذا قامت البينة في أثناء النهار) برؤية الهلال تلك الليلة (وجب الإمساك والقضاء) لذلك اليوم الذي أفطره (على كل من صار في أثنائه أهلا لوجوبه) أي وجوب الصوم، وإن لم يكن حال الفطر من أهل وجوبه
стр. 227
(وكذا حائض ونفساء طهرتا) في أثناء النهار فيمسكان ويقضيان، (و) كذا (مسافر قدم مفطرا) يمسك ويقضي، وكذا لو برئ مريض مفطرا أو بلغ صغير في أثنائه مفطرا أمسك وقضى، فإن كانوا صائمين أجزأهم، وإن علم مسافر أنه يقدم غدا لزمه الصوم لا صغير علم أنه يبلغ غدا لعدم تكليفه.
(ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينا) ما يجزئ في كفارة مد من بر أو نصف صاع من غيره لقول ابن عباس في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] : ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم، رواه البخاري. والمريض الذي لا يرجى برؤه في حكم الكبير، لكن إن كان الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه مسافرا فلا فدية لفطره بعذر معتاد ولا قضاء لعجزه عنه.
(وسن) الفطر (لمريض يضره) الصوم و (لمسافر يقصر) ولو بلا مشقة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ويكره لهما الصوم، ويجوز وطء لمن به مرض ينتفع به فيه ولا كفارة فيه، أو به شبق ولم تندفع شهوته بدون وطء
стр. 228
ويخاف تشقق أنثييه ولا كفارة ويقضي ما لم يتعذر لشبق فيطعم كالكبير وإن سافر ليفطر حرم، (وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر) إذا فارق بيوت قريته ونحوها لظاهر الآية والأخبار الصريحة والأفضل عدمه، (وإن أفطرت حامل أو) أفطرت (مرضع خوفا على أنفسهما) فقط أو مع الولد (قضتاه) أي قضتا الصوم (فقط) من غير فدية لأنهما بمنزلة المريض الخائف
على نفسه، (و) إن أفطرتا خوفا (على ولديهما) فقط (قضتا) عدد الأيام (وأطعمتا) أي وجب على من يمون الولد أن يطعم عنهما (لكل يوم مسكينا) ما يجزئ في كفارة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، قال ابن عباس: " كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطروا ويطعما لكل يوم مسكينا، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا ". رواه أبو داود، وروي عن ابن عمر: وتجزئ هذه الكفارة إلى مسكين واحد جملة، ومتى قبل رضيع ثدي غيرها وقدر أن يستأجر له لم تفطر، وظئر كأم. ويجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من هلكة كغرق وليس لمن أبيح له الفطر برمضان صوم غيره فيه.
(ومن نوى الصوم ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءا منه لم يصح صومه) لأن الصوم الشرعي الإمساك مع النية فلا يضاف للمجنون ولا للمغمى عليه، فإن أفاق جزءا من النهار صح الصوم سواء كان من أول النهار أو آخره (لا إن نام جميع النهار) فلا يمنع صحة صومه؛ لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية،
стр. 229
(ويلزم المغمى عليه القضاء) أي قضاء الصوم الواجب زمن الإغماء؛ لأن مدته لا تطول غالبا فلم يزل به التكليف (فقط) بخلاف المجنون فلا قضاء عليه لزوال تكليفه.
(ويجب تعيين النية) بأن يعتقد أنه يصوم من رمضان أو قضائه أو نذر أو كفارة لقوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى» (من الليل) لما روى الدارقطني بإسناده عن عمرة عن عائشة مرفوعا: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» وقال: إسناده كلهم ثقات. ولا فرق بين أول الليل ووسطه وآخره، ولو أتى بعدها بمناف للصوم من نحو أكل ووطء (لصوم كل يوم واجب) لأن كل يوم عبادة مفردة لا يفسد صومه بفساد صوم غيره (لا نية الفريضة) أي لا يشترط أن ينوي كون الصيام فرضا؛ لأن التعيين يجزئ عنه، ومن قال: أنا صائم غدا إن شاء الله مترددا فسدت نيته لا متبركا، كما لا يفسد إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله غير متردد في الحال، ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم.
(ويصح) صوم (النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده) لقول معاذ وابن مسعود وحذيفة، وحديث عائشة: «دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟
فقلنا: لا، قال: فإني إذا صائم» رواه الجماعة إلا البخاري. وأمر بصوم عاشوراء في أثنائه، ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقتها (ولو نوى إن كان غدا من رمضان فهو فرضي لم يجزئه) لعدم جزمه بالنية، وإن قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان وقال: وإلا فأنا مفطر فبان من رمضان أجزأه؛ لأنه بني على أصل لم يثبت زواله، (ومن نوى الإفطار أفطر) أي صار كمن لم ينو لقطعه النية، وليس كمن أكل أو شرب، فيصح أن ينويه نفلا بغير رمضان، ومن قطع نية نذر أو كفارة ثم نواه نفلا، أو قلب نيتهما إلى نفل صح، كما لو انتقل من فرض صلاة إلى نفلها.
стр. 230
[باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة]
وما يتعلق بذلك (من أكل أو شرب أو استعط) بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه أو دماغه (أو احتقن أو اكتحل بما يصل) أي بما علم وصوله (إلى حلقه) لرطوبته أو حدته من كحل أو صبر أو قطور أو ذرور أو اثمد كثير أو يسير مطيب فسد صومه؛ لأن العين منفذ، وإن لم يكن معتادا، (أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان غير إحليله) فلو قطر فيه أو غيب فيه شيئا فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه، (أو استقاء) أي استدعى القيء فقاء فسد أيضا لقوله ﷺ : «من استقاء عمدا فليقض» حسنة الترمذي، (أو استمنى) فأمنى أو أمذى (أو باشر) دون الفرج أو قبل أو لمس (فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل) منيا فسد صومه لا إن أمذى (أو حجم واحتجم وظهر دم عامدا ذاكرا) في الكل (لصومه فسد) صومه لقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي. قال ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك ولا يفطر بقصد ولا شرط ولا رعاف.
(لا) إن كان (ناسيا أو مكرها) ولو بوجور مغمى عليه معالجة فلا يفسد صومه وأجزأه لقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولحديث أبي هريرة
مرفوعا «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه،
стр. 231
(أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار) من طريق أو دقيق أو دخان لم يفطر لعدم إمكان التحرز من ذلك أشبه النائم، (أو فكر فأنزل) لم يفطر لقوله ﷺ : «عفي لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به» وقياسه على تكرار النظر غير مسلم؛ لأنه دونه (أو احتلم) لم يفسد صومه؛ لأن ذلك ليس بسبب من جهته وكذا لو ذرعه القيء أي غلبه (أو أصبح في فيه طعام فلفظه) أي طرحه لم يفسد صومه، وكذا لو شق عليه أن يلفظه فبلعه مع ريقه من غير قصد لم يفسد لما تقدم، وإن تميز عن ريقه وبلعه باختياره أفطر، ولا يفطر إن لطخ باطن قدميه بشيء فوجد طعمه في حلقه، (أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر) يعني استنشق، (أو زاد على الثلاث) في المضمضة أو الإستنشاق، (أو بالغ) فيهما (فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه) لعدم القصد، وتكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم وتقدم، وكرها له عبثا أو إسرافا أو لحر أو عطش كغوصه في ماء لغير غسل مشروع أو تبرد، ولا يفسد صومه بما دخل حلقه من غير قصد.
(ومن أكل) أو شرب أو جامع (شاكا في طلوع الفجر) ولم يتبين له طلوعه (صح صومه) ولا قضاء عليه ولو تردد؛ لأن الأصل بقاء الليل (لا إن أكل) ونحوه (شاكا في غروب الشمس) من ذلك اليوم الذي هو صائم فيه، ولم يتبين بعد ذلك أنها غربت فعليه قضاء الصوم الواجب؛ لأن الأصل بقاء النهار، (أو) أكل ونحوه (معتقدا أنه ليل فبان نهارا) أي فبان طلوع الفجر أو عدم غروب الشمس قضى؛ لأنه لم يتم صومه، وكذا يقضي إن أكل ونحوه يعتقد نهارا فبان ليلا ولم يجدد نية الواجب لا من أكل ظانا غروب شمس ولم يتبين له الخطأ.
стр. 232
[فصل في الجماع في النهار]
فصل (ومن جامع في نهار رمضان) ولو في يوم لزمه إمساكه أو رأى الهلال ليلته وردت شهادته فغيب حشفة ذكره الأصلي (في قبل) أصلي (أو دبر) ولو ناسيا أو مكرها (فعليه
القضاء والكفارة) أنزل أو لا، ولو أولج خنثى مشكل ذكره في قبل خنثى مشكل أو قبل امرأة، أو أولج رجل ذكره في قبل خنثى مشكل لم يفسد صوم واحد منهما إلا أن ينزل كالغسل، وكذا إذا أنزل مجبوب أو امرأتان بمساحقة.
(وإن جامع دون الفرج) ولو عمدا (فأنزل) منيا أو مذيا (أو كانت المرأة) المجامعة (معذورة) بجهل أو نسيان أو إكراه فالقضاء ولا كفارة، وإن طاوعت عامدة عالمة فالكفارة أيضا، (أو جامع من نوى الصوم في سفره) المباح فيه القصر أو في مرض يبيح الفطر (أفطر ولا كفارة) لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه أشبه التطوع؛ ولأنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعده.
(وإن جامع في يومين) متفرقين أو متواليين (أو كرره) أي كرر الوطء (في يوم ولم يكفر) للوطء الأول (فكفارة واحدة في الثانية) وهي ما إذا كرر الوطء في يوم قبل أن يكفر.
قال في " المغني والشرح ": بغير خلاف، (وفي الأولى) وهي ما إذا جامع في يومين (اثنتان) لأن كل يوم عبادة مفردة، (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فكفارة ثانية) لأنه وطء محرم وقد تكرر فتكرر هي كالحج، (وكذلك من لزمه الإمساك) كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر أو نسي
стр. 233
النية أو أكل عامدا (إذا جامع) فعليه الكفارة لهتكه حرمة الزمن، (ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط) الكفارة عنه لاستقرارها كما لو لم يطرأ العذر.
(ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان) لأنه لم يرد به نص وغيره لا يساويه والنزع جماع والإنزال بالمساحقة كالجماع على ما في " المنتهى " (وهي) أي كفارة الوطء في نهار رمضان (عتق رقبة) مؤمنة سليمة من العيوب الضارة بالعمل، (فإن لم يجد) رقبة (فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينا) لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط (فإن لم يجد) شيئا يطعمه للمساكين (سقطت عنه) الكفارة لأن الأعرابي لما دفع إليه النبي ﷺ التمر ليطعمه للمساكين فأخبره بحاجته قال: «أطعمه لأهلك» ولم يأمره بكفارة أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمته بخلاف كفارة حج وظهار ويمين ونحوها، ويسقط الجميع بتكفير غيره عنه بإذنه.
[باب ما يكره وما يستحب في الصوم وحكم القضاء]
باب ما يكره وما يستحب في الصوم
(وحكم القضاء) أي قضاء الصوم (يكره) لصائم (جمع ريقه فيبتلعه) للخروج من خلاف من قال بفطره.
(ويحرم) على الصائم (بلع النخامة) سواء كانت من جوفه أو صدره أو دماغه (ويفطر بها فقط) أي لا بالريق (إن وصلت إلى فمه) لأنها من غير الفم،
стр. 234
وكذلك إذا تنجس فمه بدم أو قيء ونحوه فبلعه، وإن قل لإمكان التحرز منه، وإن أخرج من فمه حصاة أو درهما أو خيطا ثم أعاده فإن كثر ما عليه أفطر وإلا فلا، ولو أخرج لسانه ثم أعاده لم يفطر بما عليه ولو كثر؛ لأنه لم ينفصل عن محله، ويفطر بريق أخرجه إلى ما بين شفتيه ثم بلعه. (ويكره ذوق طعام بلا حاجة) . قال المجد: المنصوص عنه أنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، وحكاه هو والبخاري عن ابن عباس.
(و) يكره (مضغ علك قوي) وهو الذي كلما مضغته صلب وقوي؛ لأنه يجلب البلغم ويجمع الريق ويورث العطش (وإن وجد طعمهما) أي طعم الطعام والعلك (في حلقه أفطر) لأنه أوصله إلى جوفه.
(ويحرم) مضغ (العلك المتحلل) مطلقا إجماعا قاله في " المبدع "، إن (بلع ريقه) وإلا فلا. هذا معنى ما ذكره في " المقنع "و " المغني "و " الشرح " لأن المحرم إدخال ذلك إلى جوفه ولم يوجد، وقال في " الإنصاف ": والصحيح من المذهب أنه يحرم مضغ ذلك ولو لم يبتلع ريقه، وجزم به الأكثر. اهـ. وجزم به في " الإقناع "و " المنتهى ". ويكره أن يدع بقايا الطعام بين أسنانه وشم ما لا يؤمن أن يجذبه نفسه كسحيق مسك.
(وتكره القبلة) ودواعي الوطء (لمن تحرك شهوته) ، لأنه ﷺ «نهي عنها شابا ورخص لشيخ» ، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء، وكذا عن ابن عباس بإسناد صحيح، وكان ﷺ «يقبل وهو صائم لما كان مالكا لإربه» وغير ذي الشهوة في معناه، وتحرم إن ظن إنزالا.
(ويجب) مطلقا (اجتناب كذب وغيبة) ونميمة (وشتم) ونحوه لقوله ﷺ : «من
стр. 235
لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم، قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يماري ويصون صومه، وكانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا. ولا يعمل عملا يجرح به صومه، ويسن له كثرة قراءة وذكر وصدقة وكف لسانه عما يكره. (وسن لمن شتم قوله) جهرا (إني صائم) لقوله ﷺ : «فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» .
(و) سن (تأخير سحور) إن لم يخش طلوع فجر ثان؛ لقول زيد بن ثابت: «تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بينهما؟ .... قال: قدر خمسين آية» متفق عليه. وكره جماع مع شك في طلوع فجر لا سحور.
(و) سن (تعجل فطر) لقوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» متفق عليه. والمراد إذا تحقق غروب الشمس، وله الفطر بغلبة الظن وتحصل فضيلته بشرب وكمالها بأكل، ويكون (على رطب) لحديث أنس «كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب. (فإن عدم) الرطب (فتمر فإن عدم فـ) على (ماء) لما تقدم، (وقول ما ورد) عند فطره ومنه: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك
стр. 236
وبحمدك، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم.
(ويستحب القضاء) أي قضاء رمضان فورا (متتابعا) لأن القضاء يحكي الأداء،
وسواء أفطر بسبب محرم أو لا، وإن لم يقض على الفور وجب الغرم عليه، (ولا يجوز) تأخير قضائه (إلى رمضان آخر من غير عذر) لقول عائشة: «كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله ﷺ » - " متفق عليه. فلا يجوز التطوع قبله ولا يصح، (فإن فعل) أي أخره بلا عذر حرم عليه، وحينئذ (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد بإسناد جيد عن ابن عباس والدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة، وإن كان لعذر فلا شيء عليه، (وإن مات) بعد أن أخره بعذر فلا شيء عليه ولغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكين كما تقدم، (ولو بعد رمضان آخر) لأنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه، والإطعام من رأس ماله أوصى به أو لا، وإن مات وعليه صوم كفارة أطعم عنه كصوم متعة، ولا يقضي عنه ما وجب بأصل الشرع من صلاة وصوم.
(وإن مات وعليه صوم) نذر (أو حج) نذر (أو اعتكاف) نذر (أو صلاة نذر
стр. 237
استحب لوليه قضاؤه) لما في " الصحيحين «أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: نعم» . لأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها وهو أخف حكما من الواجب بأصل الشرع، والولي هو الوارث، فإن صام غيره جاز مطلقا؛ لأنه تبرع، وإن خلف تركة وجب الفعل، فيفعله الولي أو يدفع إلى من يفعله عنه، ويدفع في الصوم عن كل يوم طعام مسكين. وهذا كله فيمن أمكنه صوم ما نذر فلم يصمه، فلو أمكنه بعضه قضى ذلك البعض فقط، والعمرة في ذلك كالحج.
[باب صوم التطوع]
وفيه فضل عظيم لحديث «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف فيقول الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم.
(ويسن صيام) ثلاثة أيام من كل شهر والأفضل أن يجعلها (أيام) الليالي (البيض) لما روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال له: «إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» رواه الترمذي وحسنه، وسميت بيضا لبياض لياليها كلها بالقمر (و) صوم (الاثنين والخميس) لقوله ﷺ : «وهما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» رواه أحمد والنسائي،
стр. 238
(و) صوم (ستة من شوال) لحديث «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» أخرجه مسلم. ويستحب له تتابعها وكونها عقب العيد لما فيه من المسارعة إلى الخير، (و) صوم (شهر المحرم) لحديث «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» رواه مسلم، (وآكده العاشر ثم التاسع) لقوله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر» أحتج به أحمد وقال: إن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام ليستيقن صومها. وصوم عاشوراء كفارة سنة، ويسن فيه التوسعة على العيال، (و) صوم (تسع ذي الحجة) لقوله ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني العشر - قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله!؟ ، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري، (و) آكده (يوم عرفة لغير حاج بها) وهو كفارة سنتين لحديث «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» وقال في صيام
عاشوراء: «إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم، ويلي يوم عرفة في الآكدية يوم التروية وهو الثامن.
стр. 239
(وأفضله) أي أفضل صوم التطوع (صوم يوم وفطر يوم) لأمره ﷺ عبد الله بن عمرو وقال: «هو أفضل الصيام» متفق عليه. وشرطه أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام كالقيام بحقوق الله تعالى وحقوق عباده اللازمة، وإلا فتركه أفضل.
(ويكره إفراد رجب) بالصوم؛ لأن فيه إحياء لشعار الجاهلية، فإن أفطر منه أو صام معه غيره زالت الكراهة، (و) كره إفراد يوم (الجمعة) لقوله ﷺ : «لا تصوموا يوم الجمعة إلا قبله يوم أو بعده يوم» متفق عليه. (و) إفراد يوم (السبت) لحديث «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» رواه أحمد. وكره صوم يوم النيروز والمهرجان، وكل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم (و) يوم (الشك) وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن غيم ولا نحوه لقول عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » -"رواه أبو داود والترمذي وصححه البخاري تعليقا. ويكره الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين أو الأيام ولا يكره إلى السحر وتركه أولى.
стр. 240
(ويحرم صوم) يومي (العيدين) إجماعا للنهي المتفق عليه (ولو في فرض و) يحرم صيام (أيام التشريق) لقوله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» رواه مسلم (إلا عن دم متعة أو قران) فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي لقول ابن عمر وعائشة: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» رواه البخاري.
(ومن دخل في فرض موسع) من صوم أو غيره (حرم قطعه) كالمضيق، فيحرم خروجه
من الفرض بلا عذر؛ لأن الخروج من عهدة الواجب متعين ودخلت التوسعة في وقته رفقا ومظنة للحاجة، فإذا شرع تعينت المصلحة في إتمامه، (ولا يلزم) الإتمام (في النفل) من صوم وصلاة ووضوء وغيرها لقول عائشة: «يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: أرنيه فلقد أصبحت صائما، فأكل» رواه مسلم وغيره وزاد النسائي بإسناد جيد، «إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها» وكره خروجه منه بلا عذر، (ولا قضاء فاسده) أي لا يلزم قضاء ما فسد من النفل (إلا الحج) والعمرة فيجب إتمامهما لانعقاد الإحرام لازما فإن أفسدهما أو فسدا لزمه القضاء.
(وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر) من رمضان لقوله ﷺ : «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه. وفي " الصحيحين ": «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» زاد أحمد " وما تأخر ". وسميت بذلك لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة أو لعظم قدرها عند الله أو لأن للطاعات فيها قدرا عظيما، وهي أفضل الليالي وهي باقية لم ترفع للأخبار، (وأوتاره آكد) لقوله ﷺ : «اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو خمس
стр. 241
بقين أو سبع بقين أو تسع بقين» ، (وليلة سبع وعشرين أبلغ) أي أرجاها لقول ابن عباس وأبي بن كعب وغيرهما. وحكمة إخفائها ليجتهدوا في طلبها، (ويدعو فيها) لأن الدعاء مستجاب فيها (بما ورد) عن عائشة قالت: «يا رسول الله إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: قولي: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه أحمد وابن ماجه وللترمذي معناه وصححه، ومعنى العفو: الترك. وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا «سلوا
الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة» فالشر الماضي يزول بالعفو والحاضر بالعافية والمستقبل بالمعافاة لتضمنها دوام العافية.
[باب الاعتكاف]
(وهو) لغة: لزوم الشيء، ومنه ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، واصطلاحا: (لزوم مسجد) أي لزوم مسلم عاقل ولو مميزا لا غسل عليه مسجدا ولو ساعة (لطاعة الله تعالى) ويسمى جوازا ولا يبطل بإغماء، وهو (مسنون) كل وقت إجماعا لفعله ﷺ ومداومته عليه واعتكف أزواجه بعده ومعه وهو في رمضان آكد لفعله ﷺ وآكده في عشره الأخير.
стр. 242
(ويصح) الاعتكاف (بلا صوم) لقول عمر: «يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك» رواه البخاري، ولو كان الصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل. (ويلزمان) أي الاعتكاف والصوم (بالنذر) فمن نذر أن يعتكف صائما أو يصوم معتكفا لزمه الجمع، وكذا نذر أن يصلي معتكفا ونحوه لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري، وكذا لو نذر صلاة بسورة معينة، ولا يجوز لزوجه اعتكاف بلا إذن زوجها ولا لقن بلا إذن سيده ولهما تحليلهما من تطوع مطلقا ومن نذر بلا إذن.
(ولا يصح) الاعتكاف (إلا) بنية لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ولا يصح (إلا في مسجد) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (يجمع فيه) أي تقام فيه الجماعة لأن الاعتكاف في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة أو تكرار الخروج إليها كثيرا مع إمكان التحرز منه وهو مناف للاعتكاف (إلا) من لا تلزمه الجماعة كـ (المرأة) والمعذور والعبد (فـ) يصح اعتكافهم (في كل مسجد) للآية، وكذا من اعتكف من الشروق إلى الزوال مثلا
(سوى مسجد بيتها) وهو الموضع الذي تتخذه لصلاتها في بيتها لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكما لجواز لبثها فيه حائضا وجنبا، ومن المسجد ظهره ورحبته المحوطة ومنارته التي هي أو بابها فيه وما زيد فيه،
стр. 243
والمسجد الجامع أفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعة.
(ومن نذره) أي الاعتكاف (أو الصلاة في مسجد غير) المساجد (الثلاثة) مسجد مكة والمدينة والأقصى، (وأفضلها) المسجد (الحرام فمسجد المدينة فالأقصى) لقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» رواه الجماعة إلا أبا داود (لم يلزمه) جواب " من " أي لم يلزمه الاعتكاف أو الصلاة (فيه) أي في المسجد الذي عينه إن لم يكن من الثلاثة لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» فلو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضي إليه واحتاج لشد الرحال إليه، لكن إن نذر الاعتكاف في جامع لم يجزئه في مسجد لا تقام فيه الجمعة، (وإن عين) لاعتكافه أو صلاتها (الأفضل) كالمسجد الحرام (لم يجز) اعتكافه أو صلاته (فيما دونه) كمسجد المدينة أو الأقصى (وعكسه بعكسه) ، فمن نذر اعتكافا أو صلاة بمسجد المدينة أو الأقصى أجزأه بالمسجد الحرام لما روى أحمد وأبو داود عن جابر «أن رجلا قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صل ها هنا، فسأله فقال: صل ها هنا. فسأله، فقال: شأنك إذا» .
(ومن نذر) اعتكافا (زمنا معينا) كعشر ذي الحجة (دخل معتكفه قبل ليلته الأولى) فيدخل قبيل الغروب من اليوم الذي قبله (وخرج) من معتكفه (بعد آخره) أي بعد غروب الشمس آخر يوم منه، وإن نذر يوما دخل قبل فجره وتأخر حتى تغرب شمسه، وإن نذر زمنا معينا تابعه ولو أطلق، وعددا فله تفريقه، ولا تدخل ليلة يوم نذره كيوم ليلة نذرها.
стр. 244
(ولا يخرج المعتكف) من معتكفه (إلا لما لا بد) له (منه) كإتيانه بمأكل ومشرب لعدم
من يأتيه بهما، وكقيء بغتة وبول وغائط وطهارة واجبة وغسل متنجس يحتاجه وإلى جمعة وشهادة لزمتاه، والأولى أن لا يبكر لجمعة ولا يطيل الجلوس بعدها، وله المشي على عادته وقصد بيته لحاجته إن لم يجد مكانا يليق به بلا ضرر ولا منة، وغسل يده بمسجد في إناء من وسخ ونحوه لا بول وفصد وحجامة بإناء فيه أو في هوائه، (ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة) حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعا ما لم يتعين عليه ذلك لعدم من يقوم به (إلا أن يشترطه) أي يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج إلى عيادة مريض أو شهود جنازة، وكذا كل قربة لم تتعين عليه، وما له منه بد كعشاء ومبيت بيته، لا الخروج للتجارة ولا التكسب بالصنعة في المسجد ولا الخروج لما شاء، وإن قال: متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت فله شرطه، وإذا زال العذر وجب الرجوع إلى اعتكاف واجب.
(وإن وطئ) المعتكف (في فرج) أو أنزل بمباشرة دونه (فسد اعتكافه) ويكفر كفارة يمين إن كان الاعتكاف منذورا لإفساد نذره لا لوطئه، ويبطل أيضا اعتكافه بخروجه لما له منه بد ولو قل. (ويستحب اشتغاله بالقرب) من صلاة وقراءة وذكر ونحوها (واجتناب ما لا يعنيه) - بفتح الياء - أي يهمه لقوله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . ولا بأس أن تزوره زوجته في المسجد وتتحدث معه وتصلح رأسه أو غيره، ما لم يتلذذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر، ويكره الصمت إلى الليل وإن نذره لم يف به. وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه لاسيما إن كان صائما، ولا يجوز البيع ولا الشراء فيه للمعتكف وغيره ولا يصح.
стр. 245
[كتاب المناسك]
جمع منسك - بفتح السين وكسرها- وهو التعبد. يقال: تنسك: تعبد، وغلب إطلاقها على متعبدات الحج. والمنسك في الأصل من النسيكة وهي الذبيحة.
(الحج) بفتح الحاء في الأشهر، عكس شهر ذي الحجة، فرض سنة تسع من الهجرة، وهو لغة: القصد، وشرعا: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص.
(والعمرة) لغة: الزيارة، وشرعا: زيارة البيت على وجه مخصوص، وهما (واجبان) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولحديث عائشة «يا رسول الله هل على النساء من جهاد قال نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» . رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح، وإذا ثبت ذلك في النساء فالرجال أولى.
إذا تقرر ذلك فيجبان (على المسلم الحر المكلف القادر) أي المستطيع (في عمره مرة) واحدة لقوله ﷺ : «الحج مرة فمن زاد فهو متطوع» رواه أحمد وغيره. فالإسلام والعقل شرطان للوجوب، والصحة والبلوغ وكمال الحرية شرطان للوجوب، والإجزاء دون الصحة والاستطاعة شرط للوجوب دون الإجزاء، فمن كملت له الشروط وجب عليه السعي (على الفور) ويأثم إن أخره بلا عذر؛ لقوله ﷺ : «تعجلوا
стр. 246
إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» رواه أحمد.
(فإن زال الرق) بأن عتق العبد محرما (و) زال (الجنون) بأن أفاق المجنون وأحرم إن
لم يكن محرما (و) زال (الصبا) بأن بلغ الصغير وهو محرم (في الحج) وهو (بعرفة) قبل الدفع منها أو بعده إن عاد فوقف في وقته ولم يكن سعى بعد طواف القدوم (وفي) أي وقت وجد ذلك في إحرام (العمرة قبل طوافها صح) أي الحج والعمرة فيما ذكر (فرضا) ، فتجزيه عن حجة الإسلام وعمرته ويعتد بإحرام ووقوف موجودين إذا، وما قبله تطوع لم ينقلب فرضا، فإن كان الصغير أو القن سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف لم يجزئه الحج ولو أعاد السعي؛ لأنه لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره، بخلاف الوقوف فإنه لا قدر له محدود وتشرع استدامته. وكذا إن بلغ أو عتق في أثناء طواف العمرة لم يجزئه ولو أعاده.
(و) يصح (فعلهما) أي الحج والعمرة (من الصبي) نفلا لحديث ابن عباس «أن امرأة رفعت إلى النبي - صلى الله وعليه وسلم - صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر» رواه مسلم. ويحرم الولي في مال عمن لم يميز ولو محرما أو لم يحج، ويحرم مميز بإذنه ويفعل ولي ما يعجزهما لكن يبدأ الولي في رمي بنفسه ولا يعتد برمي حلال، ويطاف به لعجز راكبا أو محمولا، (و) يصحان من (العبد نفلا) لعدم المانع ويلزمانه بنذره ولا يحرم به ولا زوجة إلا بإذن سيد وزوج، فإن عقداه فلهما تحليلهما ولا يمنعها من حج فرض كملت شروطه، ولكل من أبوي حر بالغ منعه من إحرام بنفل كنفل جهاد ولا يحللانه إن أحرم.
(والقادر) المراد فيما سبق (من أمكنه الركوب ووجد زادا وراحلة) بآلتهما (صالحين لمثله) لما روى الدارقطني بإسناده عن أنس عن النبي - صلى الله وعليه وسلم - في قوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ
стр. 247
إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: «قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: " الزاد والراحلة» وكذا لو وجد ما يحصل به ذلك (بعد قضاء الواجبات) من الديون حالة أو مؤجلة والزكاة والكفارات والنذور (و) بعد (النفقات الشرعية) له ولعياله على الدوام من عقار أو بضاعة أو صناعة (و) بعد (الحوائج الأصلية) من كتب ومسكن وخادم ولباس مثله وغطاء ووطاء ونحوها، ولا يصير مستطيعا ببذل غيره له، ويعتبر أمن الطريق بلا خفارة يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد وسعة وقت يمكن السير فيه على العادة.
(وإن أعجزه) عن السعي (كبر أو مرض لا يرجى برؤه) أو ثقل لا يقدر معه على الركوب إلا بمشقة شديدة أو كان نضو الخلقة لا يقدر ثبوتا على راحلة إلا بمشقة غير محتملة (لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه) فورا (من حيث وجبا) أي من بلده لقول ابن عباس: «إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله تعالى في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه» متفق عليه. (ويجزئ) الحج والعمرة (عنه) أي عن المنوب عنه إذا (وإن عوفي بعد الإحرام) قبل فراغ نائبه من النسك أو بعده؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة، ويسقطان عمن لم يجد نائبا ومن لم يحج عن نفسه لم يحج عن غيره. ويصح أن يستنيب قادر وغيره في نفل حج أو بعضه، والنائب أمين فيما يعطاه ليحج منه ويحتسب له نفقة روجوعه وخادمه إن لم يخدم مثله نفسه.
(ويشترط لوجوبه) أي الحج والعمرة (على المرأة وجود محرمها) لحديث ابن عباس:
стр. 248
«لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم» رواه أحمد بإسناد صحيح، ولا فرق بين الشابة والعجوز وقصير السفر وطويله، (وهو) أي محرم السفر (زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب) كأخ مسلم مكلف (أو سبب مباح) كأخ من رضاع كذلك، وخرج من تحرم عليه بسبب محرم كأم المزني بها وبنتها، وكذا أم الموطوءة بشبهة وبنتها والملاعن ليس محرما للملاعنة؛ لأن تحريمها عليه أبدا عقوبة وتغليظ عليه لا لحرمتها ونفقة المحرم عليها، فيشترط لها ملك زاد وراحلة لهما، ولا يلزمه مع بذلها ذلك سفر معها، ومن أيست منه استنابت وإن حجت بدونه حرم وأجزأ.
(وإن مات من لزماه) أي الحج والعمرة (أخرجا من تركته) من رأس المال أوصى به أو لا. ويحج النائب من حيث وجبا على الميت؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء، وذلك لما روى البخاري عن ابن عباس «أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت؟ أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» ويسقط بحج أجنبي عنه لا عن حي بلا إذنه، وإن ضاق ماله حج به من حيث بلغ وإن مات في الطريق حج عنه من حيث مات.
стр. 249
[باب المواقيت]
الميقات لغة: الحد، واصطلاحا موضع العبادة وزمنها.
(وميقات أهل المدينة ذو الحليفة) - بضم الحاء وفتح اللام - بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي أبعد المواقيت من مكة بينها وبين مكة عشرة أيام. (و) ميقات (أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة) - بضم الجيم وسكون الحاء المهملة - قرب رابغ بينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل. (و) ميقات (أهل اليمن يلملم) بينه وبين مكة ليلتان. (و) ميقات (أهل نجد) والطائف (قرن) -بسكون الراء- ويقال: قرن المنازل وقرن الثعالب على يوم وليلة من مكة. (و) ميقات (أهل المشرق) أي العراق وخراسان ونحوهما (ذات عرق) منزل معروف سمي بذلك؛ لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين. (وهي) أي هذه المواقيت (لأهلها) المذكورين (ولمن مر عليها من غيرهم) أي من غير أهلها، ومن منزله دون المواقيت يحرم منه لحج وعمرة، (ومن حج من أهل مكة فـ) إنه يحرم (منها) لقول ابن عباس: «وقت رسول الله - صلى الله وعليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن، من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمحله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها» متفق عليه. ومن لم يمر بميقات أحرم إذا علم أنه حاذى أقربها منه لقول عمر: " انظروا إلى حذوها من قديد " رواه البخاري. ويسن أن يحتاط فإن لم يحاذ ميقاتا أحرم من مكة بمرحلتين (وعمرته) أي عمرة من كان بمكة يحرم لها (من الحل) " لأن «النبي - صلى الله وعليه وسلم - أمر عبد الرحمن
стр. 250
بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» متفق عليه.
ولا يحل لحر مسلم مكلف أراد مكة أو النسك تجاوز الميقات بلا إحرام إلا لقتال مباح أو خوف أو حاجة تتكرر كحطاب ونحوه، فإن تجاوزه لغير ذلك لزمه أن يرجع ليحرم
منه إن لم يخف فوت حج أو على نفسه، وإن أحرم من موضعه فعليه دم وإن تجاوزه غير مكلف أحرم من موضعه، وكره إحرام قبل ميقات ويحج قبل أشهره وينعقد.
(وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر.
[باب الإحرام]
[الإحرام] لغة: نية الدخول في التحريم، لأنه يحرم على نفسة بنيته ما كان مباحا له قبل الإحرام من النكاح والطيب ونحوهما.
وشرعا: (نية النسك) أي نية الدخول فيه لا نية أن يحج أو يعتمر.
(سن لمريده) أي مريد الدخول في النسك من ذكر وأنثى، غسل) ولو حائضا ونفساء " لأن النبي - صلى الله وعليه وسلم - «أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل» رواه مسلم، وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض.
следующие страницы →