← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1679

الروض المربع شرح زاد المستقنع - ط المؤيد والرسالة

البهوتي

Полный текст (734 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يجب ترتيب الجمرات الثلاث على ما تقدم. (فإن رماه كله) أي رمى حصا الجمار السبعين كله (في) اليوم (الثالث) من أيام التشريق (أجزأه) الرمي أداء لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي (ويرتبه بنية) فيرمي لليوم الأول بنية ثم للثاني مرتبا وهلم جرا كالفوائت من الصلاة (فإن أخره) إي الرمي (عنه) أي عن ثالث أيام التشريق فعليه دم (أو لم يبت بها) أي بمنى (فعليه دم) لأنه ترك نسكا واجبا، ولا مبيت على سقاة ورعاة. ويخطب الإمام ثاني أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير والتوديع، (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) ولا إثم عليه وسقط عنه رمي اليوم الثالث ويدفن حصاه (وإلا) يخرج قبل الغروب (لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذر: وثبت عن عمر أنه قال: " من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس ". (فإذا أراد الخروج من مكة) بعد عوده إليها (لم يخرج حتى يطوف للوداع) إذا فرغ من جميع أموره لقول ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت طوافا إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» متفق عليه، ويسمى طواف الصدر، (فإن أقام) بعد طواف الوداع (أو اتجر بعده أعاده) إذا عزم على الخروج وفرغ من جميع أموره ليكون آخر عهده بالبيت، كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه، (وإن تركه) أي طواف الوداع (غير حائض رجع إليه) بلا إحرام إن لم يبعد عن مكة، ويحرم بعمرة إن بعد عن مكة فيطوف ويسعى للعمرة ثم للوداع، (فإن شق) الرجوع على من بعد مكة دون مسافة قصر أو بعد عنها مسافة قصر فأكثر فعليه دم،

стр. 282

ولا يلزمه الرجوع إذا، (أو لم يرجع) إلى الوداع، (فعليه دم) لتركه نسكا واجبا، (وإن أخر طواف الزيارة) ونصه أو القدوم (فطافه عند الخروج أجزأ عن) طواف (الوداع) لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، فإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة، ولا وداع على حائض ونفساء إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان. (ويقف غير الحائض) والنفساء بعد الوداع في الملتزم وهو أربعة أذرع (بين الركن) الذي به الحجر الأسود (والباب) ويلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين (داعيا بما ورد) ومنه: " اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى أبلغتني بنعمتك إلى بيتك وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي إن أنت أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير" ويدعو بما أحب ويصلي على النبي ﷺ ويأتي الحطيم أيضا وهو تحت الميزاب فيدعو، ثم يشرب من ماء زمزم، ويستلم الحجر ويقبله ثم يخرج، (وتقف الحائض) والنفساء (ببابه) أي باب المسجد (وتدعو بالدعاء) الذي سبق. (ويستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄) لحديث «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» رواه الدارقطني، فيسلم عليه مستقبلا له، ثم يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو بما أحب،

стр. 283

ويحرم الطواف بها، ويكره التمسح بالحجرة ورفع الصوت عندها، وإذا أدار وجهه إلى بلده قال: لا إله إلا الله آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. (وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات) إن كان مارا به (أو من أدنى الحل) كالتنعيم (من مكي ونحوه) ممن بالحرم، و (لا) يجوز أن يحرم بها (من الحرم) لمخالفة أمره ﷺ وينعقد وعليه دم، (فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر حل) لإتيانه بأفعالها. (وتباح) العمرة (كل وقت) فلا تكره بأشهر الحج ولا يوم النحر أو عرفة، ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في " المبدع ". ويستحب تكرارها في رمضان لأنها تعدل حجة. (وتجزئ) العمرة كل وقت من التنعيم وعمرة القارن (عن) عمرة (الفرض) التي هي عمرة الإسلام.

стр. 284

(وأركان الحج) أربعة (الإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ، (والوقوف) بعرفة لحديث (الحج عرفة) ، (وطواف الزيارة) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ، (والسعي) لحديث «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» رواه أحمد. (وواجباته) سبعة (الإحرام من الميقات المعتبر له) وقد تقدم، (والوقوف بعرفة إلى الغروب) على من وقف نهارا، (والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى) ليالي أيام التشريق على ما مر، (و) المبيت (بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل) لمن أدركها قبله على غير السقاة والرعاة، (والرمي) مرتبا، (والحلاق) أو التقصير، (والوداع، والباقي) من أفعال الحج وأقواله السابقة (سنن) كطواف القدوم والمبيت بمزدلفة ليلة عرفة والاضطباع والرمل في موضعهما وتقبيل الحجر والأذكار والأدعية وصعود الصفا والمروة. (وأركان العمرة) ثلاثة: (إحرام، وطواف، وسعي) كالحج. (وواجباتها: الحلاق) أو التقصير، (والإحرام من ميقاتها) لما تقدم، (فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه) حجا كان أو عمرة كالصلاة لا تنعقد إلا بالنية، (ومن ترك ركنا غيره) أي غير الإحرام (أو نيته) حيث اعتبرت (لم يتم نسكه) أي

стр. 285

لم يصح (إلا به) أي بذلك الركن المتروك هو أو نيته المعتبرة، وتقدم أن الوقوف بعرفة يجزئ حتى من نائم وجاهل أنها عرفة، (ومن ترك واجبا) ولو سهوا (فعليه دم) فإن عدمه فكصوم المتعة (أو سنة) أي ومن ترك سنة (فلا شيء عليه) ، قال في " الفصول " وغيره: ولم يشرع الدم عنها لأن جبران الصلاة أدخل فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره، [كما لو سها الإمام فإنه يتعدى إلى صلاة المأموم] [باب الفوات والإحصار] الفوات: كالفوت مصدر فات: إذا سبق فلم يدرك، والإحصار مصدر أحصره مرضا كان أو عدوا، ويقال: حصره أيضا. (ومن فاته الوقوف) بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة (فاته الحج) لقول جابر: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير: فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال نعم» رواه الأثرم، (وتحلل بعمرة) فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل (ويقضي) الحج الفائت (ويهدي) هديا يذبحه في قضائه (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه، لقول عمر لأبي أيوب لما فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإن أدركت الحج قابلا فحج واهد ما استيسر من الهدي، رواه الشافعي. والقارن وغيره سواء، ومن اشترط بأن قال في ابتداء إحرامه: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فلا هدي عليه ولا قضاء إلا أن يكون الحج واجبا فيؤديه،

стр. 286

وإن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فاته الحج. (ومن) أحرم فـ صده عدو عن البيت) ولم يكن له طريق إلى الحج (أهدى) أي نحر هديا في موضعه (ثم حل) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] سواء كان في حج أو عمرة، أو قارنا، وسواء كان الحصر عاما في جميع الحاج أو خاصا بواحد كمن حبس بغير حق، (فإن فقده) أي الهدي (صام عشرة أيام) بنية التحلل (ثم حل) ولا إطعام في الإحصار، وظاهر كلامة كالخرقي وغيره عدم وجوب الحلق أو التقصير، وقدمه في " المحرر " و " شرح ابن رزين ". (وإن صد عن عرفة) دون البيت تحلل بعمرة) ولاشيء عليه، لأن قلب الحج عمرة جائزة بلا حصر فمعه أولى، وإن حصر عن طواف الإفاضة فقط لم يتحلل حتى يطوف، وإن أحصر عن واجب لم يتحلل وعليه دم. (وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة) أو ضل الطريق (بقي محرما) حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالإحلال التخلص من الأذى الذي به بخلاف حصر العدو، فإن قدر على البيت بعد فوات الحج تحلل بعمرة ولا ينحر هديا معه إلا بالحرم، هذا (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني، وإلا فله التحلل مجانا في الجميع.

стр. 287

[باب الهدي والأضحية والعقيقة] الهدي ما يهدى للحرم من نعم وغيرها، سمي بذلك لأنه يهدى إلى الله ، والأضحية، بضم الهمزة وكسرها: واحدة الأضاحي، ويقال: ضحية، وأجمع المسلمون على مشروعيتهما. (أفضلها إبل ثم بقر) إن أخرج كاملا لكثرة الثمن ونفع الفقراء (ثم غنم) وأفضل كل جنس أسمن فأغلى ثمنا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فأشهب وهو الأملح أي الأبيض، أو ما بياضه أكثر من سواده، فأصفر فأسود. (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) ماله ستة أشهر كما يأتي، (وثني سواه) أي سوى الضأن من إبل وبقر ومعز (فلإبل) أي السن المعتبر لإجزاء إبل (خمس) سنين (ولبقر سنتان ولمعز سنة ولضأن نصفها) أي نصف سنة لحديث «الجذع من الضأن أضحية» رواه ابن ماجه. (وتجزئ الشاة عن واحد) وأهل بيته وعياله لحديث أبي أيوب «كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون» قال في " شرح المقنع ": حديث صحيح، (و) تجزئ البدنة والبقرة عن سبعة) لقول جابر: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك

стр. 288

في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما» رواه مسلم، وشاة أفضل من سبع بدنة أو بقرة. (ولا تجزئ العوراء) بينة العور بأن انخسفت عينها في الهدي ولا في الأضحية، ولا العمياء (و) لا (العجفاء) الهزيلة التي لا مخ فيها، (و) لا العرجاء التي لا تطيق مشيا مع صحيحة، (و) لا (الهتماء) التي ذهبت ثناياها من أصلها، (و) لا (الجداء) أي ما شاب ونشف ضرعها، (و) لا (المريضة) بينة المرض، لحديث البراء بن عازب: «قام فينا رسول الله ﷺ فقال: " أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي» رواه أبو داود والنسائي. (و) لا (العضباء) التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها (بل) تجزئ (البتراء) التي لا ذنب لها (خلقة) أو مقطوعا، والصمعاء وهي صغيرة الأذن (والجماء) التي لم يخلق لها قرن (وخصي غير مجبوب) بأن قطع خصيتاه فقط، (و) يجزئ مع الكراهة (ما بأذنه أو قرنه) خرق أو شق أو (قطع أقل من النصف) أو النصف فقط على ما نص عليه في رواية حنبل وغيره. قال في " شرح المنتهى " وهذا هو المذهب. (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة) أو نحوها (في

стр. 289

الوهدة التي بين أصل العنق والصدر) لفعله ﷺ وفعل أصحابه كما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن سابط، (و) السنة أن يذبح غيرها) أي غير الإبل على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، (ويجوز عكسها) أي ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح لأنه لم يتجاوز محل الذبح، ولحديث «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» ، (ويقول) حين يحرك يده بالنحر أو الذبح: بسم الله) وجوبا والله أكبر) استحبابا (اللهم هذا منك ولك) ، ولا بأس بقوله: اللهم تقبل من فلان، ويذبح واجبا قبل نفل (ويتولاها) أي الأضحية، (صاحبها) إن قدر (أو يوكل مسلما ويشهدها) أي يحضر ذبحها إن وكل فيه، وإن استناب ذميا في ذبحها أجزأت مع الكراهة. (ووقت الذبح) لأضحية وهدي نذر أو تطوع أو متعة أو قران (بعد صلاة العيد) بالبلد، فإن تعددت فيه فبأسبق صلاة، فإن فاتت الصلاة بالزوال ذبح، وإن كان بمحل لا تصلى فيه العيد فالوقت بعد (أو قدره) أي قدر زمن صلاة العيد، ويستمر وقت الذبح (إلى) آخر (يومين بعده) أي بعد يوم العيد. قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ والذبح في اليوم الأول عقب الصلاة والخطبة، وذبح الإمام أفضل ثم ما يليه. ويكره) الذبح في ليلتهما) أي ليلتي اليومين بعد يوم العيد خروجا من خلاف من قال بعدم الإجزاء فيهما، (فإن فات) وقت الذبح (قضى واجبه) وفعل به كالأداء

стр. 290

وسقط التطوع لفوات وقته، ووقت ذبح واجب بفعل محظور من حينه، فإن أراد فعله لعذر فله ذبحه قبله، وكذا ما وجب لترك واجب وقته من حينه. [فصل يتعين الهدي والأضحية بقوله هذا هدي أو أضحية] فصل (ويتعينان) أي الهدي والأضحية (بقوله هذا: هدي أو أضحية) أو لله لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فترتب عليه مقتضاه، وكذا يتعين بإشعاره أو بتقليده بنية (لا بالنية) حال الشراء أو السوق كإخراجه مالا للصدقة، (وإذا تعينت) هديا أو أضحية لم يجز بيعها ولا هبتها) لتعلق حق الله تعالى بها كالمنذور عتقه نذر تبرر (إلا أن يبدلها بخير منها) فيجوز، وكذا لو نقل الملك فيها واشترى خيرا منها جاز نصا، واختاره الأكثر، لأن المقصود نفع الفقراء وهو حاصل بالبذل، ويركب لحاجة فقط بلا ضرر. (ويجز صوفها ونحوه) كشعرها ووبرها (إن كان) جزه (أنفع لها ويتصدق به) وإن كان بقاؤه أنفع لها لم يجز جزه، ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، (ولا يعطى جازرها أجرته منها) لأنه معاوضة، ويجوز أن يهدي له أو يتصدق عليه منها. (ولا يبيع جلدها ولا شيئا منها) سواء كانت واجبة أو تطوعا لأنها تعينت بالذبح (بل ينتفع به) أي بجلدها أو يتصدق به استحبابا لقوله ﷺ : «لا تبيعوا لحوم

стр. 291

الأضاحي والهدي وتصدقوا واستمتعوا بجلودها» ، وكذا حكم جلها. (وإن تعيبت) بعد تعينها (ذبحها وأجزأته) وإن تلفت أو عابت بفعله أو تفريطه لزمه البدل كسائر الأمانات (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) كفدية ومنذور في الذمة عين عنه صحيحا فتعيب وجب عليه نظيره مطلقا، وكذا لو سرق أو ضل ونحوه وليس له استرجاع معيب وضال ونحوه وجده. والأضحية سنة مؤكدة على المسلم وتجب بنذر (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) كالهدي والعقيقة لحديث «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إهراقة الدم» . (وسن أن يأكل) من الأضحية ويهدي ويتصدق أثلاثا) فيأكل هو وأهل بيته الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث حتى من الواجبة وما ذبح ليتيم أو مكاتب لا هدية ولا صدقة منه، وهدي التطوع والمتعة والقران كالأضحية، والواجب بنذر أو تعيين لا يأكل منه، (وإن أكلها) أي الأضحية (إلا أوقية تصدق بها جاز) لأن الأمر بالأكل والإطعام مطلق (وإلا) يتصدق منها بأوقية بأن أكلها كلها (ضمنها) أي الأوقيه بمثلها لحما؛ لأنه حق

стр. 292

يجب عليه أداؤه مع بقائه فلزمته غرامته إذا أتلفه كالوديعة. ويحرم على من يضحي) أو يضحى عنه أن يأخذ في العشر) الأول من ذي الحجة من شعره) أو ظفره أو بشرته شيئا) إلى الذبح، لحديث مسلم عن أم سلمة مرفوعا «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي» ، وسن حلق بعده. [فصل تسن العقيقة عن المولود] فصل (تسن العقيقة) أي الذبيحة عن المولود في حق أب ولو معسرا ويقترض، قال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ قد عق عن الحسن والحسين وفعله أصحابه (عن الغلام شاتان) متقاربتان سنا وشبها فإن عدم فواحدة، (وعن الجارية شاة) لحديث أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة» . (تذبح يوم سابعه) أي سابع المولود، ويحلق فيه رأس ذكر ويتصدق بوزنه ورقا ويسمى فيه، ويسن تحسين الاسم، ويحرم بنحو عبد الكعبة وعبد النبي،

стр. 293

ويكره بنحو حرب ويسار، وأحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، (فإن فات) الذبح يوم السابع (ففي أربعة عشر فإن فات ففي إحدى وعشرين) من ولادته يروى عن عائشة، ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك فيعق في أي يوم أراد. (تنزع جدولا) جمع جدل بالدال المهملة أي أعضاء (ولا يكسر عظمها) تفاؤلا بالسلامة كذلك قالت عائشة ﵂: وطبخها أفضل، ويكون منه بحلو. (وحكمها) أي حكم العقيقة فيما يجزئ ويستجب ويكره والأكل والهدية والصدقة، (كالأضحية) لكن يباع جلد ورأس وسواقط ويتصدق بثمنه (إلا أنه لا يجزئ فيها) أي في العقيقة (شرك في دم) فلا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة، قال في " النهاية ": وأفضلها شاة. (ولا تسن الفرعة) - بفتح الفاء والراء - نحر أول ولد الناقة، (ولا) تسن (العتيرة) أيضا وهي ذبيحة رجب لحديث أبى هريرة مرفوعا: «لا فرع ولا عتيرة» متفق عليه، ولا يكرهان، والمراد بالخبر نفي كونهما سنة. * * *

стр. 294

[كتاب الجهاد] مصدر جاهد، أي: بالغ في قتل عدوه، وشرعا قتال الكفار. (وهو فرض كفاية) إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس وإلا أثم الكل. ويسن بتأكد مع قيام من يكفي به، وهو أفضل متطوع به ثم النفقة فيه. (ويجب) الجهاد (إذا حضره) أي حضر صف القتال (أو حضر بلده عدو) أو احتيج إليه (أو استنفره الإمام) حيث لا عذر له لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وقوله: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] وإذا نودي: الصلاة جامعة لحادثة يشاور فيها لم يتأخر أحد بلا عذر. (وتمام الرباط أربعون يوما) لقوله ﷺ : «تمام الرباط أربعون يوما» رواه أبو الشيخ في " كتاب الثواب ". والرباط: لزوم ثغر لجهاد تقوية للمسلمين، وأقله ساعة وأفضله بأشد الثغور خوفا، وكره نقل أهله إلى مخوف، (وإذا كان أبواه مسلمين) حرين أو أحدهما كذلك (لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما) لقوله ﷺ «ففيهما فجاهد» صححه الترمذي،

стр. 295

ولا يعتبر إذنهما لواجب ولا إذن جد وجدة، وكذا لا يتطوع به مدين آدمي لا وفاء له إلا مع إذن أو رهن محرز أو كفيل مليء. ويتفقد الإمام) وجوبا جيشه عند المسير، ويمنع) من لا يصلح لحرب من رجال وخيل كـ (المخذل) الذي يفند الناس عن القتال ويزهدهم فيه (والمرجف) كالذي يقول: هلكت سريه المسلمين، وما لهم مدد أو طاقة، وكذا من يكاتب بأخبارنا أو يرمي بيننا بفتن. ويعرف الأمير عليهم العرفاء ويعقد لهم الألوية والرايات ويتخير لهم المنازل ويحفظ مكامنها ويبعث العيون ليتعرف حال العدو، (وله أن ينفل) أي يعطي زيادة على السهم (في بدايته) أي عند دخوله أرض العدو، ويبعث سرية تغير ويجعل لها (الربع) فأقل (بعد الخمس، وفي الرجعة) أي إذا رجع من أرض العدو أو بعث سرية ويجعل لها (الثلت) فأقل (بعده) أي بعد الخمس، ويقسم الباقي في الجيش كله لحديث حبيب بن مسلمة «شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة» رواه أبو داود، (ويلزم الجيش طاعته) والنصح والصبر معه) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (ولا يجوز) التعلف والاحتطاب و (الغزو إلا بإذنه، إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه) بفتح اللام أي شره وأذاه؛ لأن المصلحة تتعين في قتله إذا، ويجوز تبييت الكفار ورميهم بالمنجنيق ولو قتل بلا قصد صبي ونحوه، ولا يجوز قتل صبي ولا امرأة ولا خنثى وراهب وشيخ فان وزمن وأعمى لا رأي لهم ولم يقاتلوا أو يحرضوا، ويكونون أرقاء بسبي، والمسبي غير بالغ منفردا أو مع أحد أبويه مسلم، وإن أسلم أو مات أحد أبوي غير بالغ بدارنا فمسلم، وكغير البالغ من بلغ مجنونا.

стр. 296

(وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب) ويجوز قسمتها فيها لثبوت أيدينا عليها وزوال ملك الكفار عنها. والغنيمة: ما أخذ من مال حربي قهرا بقتال وما ألحق به مشتقة من الغنم وهو الربح، (وهي لمن شهد الوقعة) أي الحرب (من أهل القتال) بقصده قاتل أو لم يقاتل حتى تجار العسكر وأجرائهم المستعدين للقتال لقول عمر: " الغنيمة لمن شهد الوقعة " (فيخرج) الإمام أو نائبه (الخمس) بعد دفع سلب لقاتل وأجرة جمع وحفظ وحمل وجعل من دل على مصلحة، ويجعله خمسة أسهم، منها سهم لله ولرسوله ﷺ ومصرفه كفيء، وسهم لبني هاشم وبني المطلب حيث كانوا غنيهم وفقيرهم، وسهم لفقراء اليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل يعم من بجميع البلاد حسب الطاقه (ثم يقسم باقي الغنيمة) وهو أربعة أخماسها بعد إعطاء النفل والرضخ لنحو قن ويميز على ما يراه (للراجل سهم) ولو كافرا (وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه) إن كان عربيا؛ لأنه « ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له» ، متفق عليه عن ابن عمر، وللفارس على فرس غير عربي سهمان فقط، ولا يسهم لأكثر من فرسين إذا كان مع رجل خيل، ولا شيء لغيرها من البهائم لعدم وروده عنه ﷺ . (ويشارك الجيش سراياه) التي بعثت منه من دار الحرب (فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم) قال ابن المنذر: روينا أن النبي ﷺ قال: «وترد سراياهم على قعدهم» وإن بعث الإمام من دار الإسلام جيشين أو سريتين انفردت كل بما غنمت. (والغال من الغنيمة) وهو من كتم ما غنمه أو بعضه لا يحرم سهمه و (يحرق) وجوبا (رحله كله) ما لم يخرج عن ملكه (إلا السلاح والمصحف وما فيه روح) وآلته

стр. 297

ونفقته وكتب علم وثيابه التي عليه وما لا تأكله النار فله، قال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق رحله، رواه سعيد في " سننه ". (وإذا غنموا) أي المسلمون (أرضا) بأن فتحوها عنوة (بالسيف) فأجلوا عنها أهلها (خير الإمام بين قسمها) بين الغانمين (ووقفها على المسلمين) بلفظ من ألفاظ الوقف، (ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي بيده) من مسلم وذمي ويكون أجرة لها في كل عام كما فعل عمر ﵁ فيما فتحه من أرض الشام والعراق ومصر، وكذا الأرض التي جلوا عنها خوفا منا أو صالحناهم على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج، بخلاف ما صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج عنها فهي كجزية تسقط بإسلامهم. (والمرجع في) مقدار (الخراج والجزية) حين وضعهما (إلى اجتهاد الإمام) الواضع لهما فيضعه بحسب اجتهاده؛ لأنه أجرة يختلف باختلاف الأزمنة، فلا يلزم الرجوع إلى ما وضعه عمر ﵁، وما وضعه هو أو غيره من الأئمة ليس لأحد تغييره ما لم يتغير السبب كما في " الأحكام السلطانية " لأن تقديره ذلك حكم، والخراج على أرض لها ماء تسقى به ولو لم تزرع لا على مساكن. (ومن عجز عن عمارة أرضه) الخراجية (أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها) بإجارة أو غيرها، لأن الأرض للمسلمين فلا يجوز تعطيلها عليهم، (ويجري فيها الميراث) فتنقل إلى وارث من كانت بيده على الوجه الذي كانت عليه في يد مورثه فإن آثر بها أحدا صار الثاني أحق بها كالمستأجرة، ولا خراج على مزارع مكة والحرم. وما أخذ) بحق بغير قتال من مال مشرك) أي كافر كجزية وخراج وعشر) تجارة من حربي أو نصفه من ذمي اتجر إلينا (وما تركوه فزعا) منا أو تخلف عن ميت لا وارث له، (وخمس خمس الغنيمة فـ) هو (فيء) سمي بذلك؛ لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين، وأصل الفيء الرجوع (يصرف في مصالح المسلمين) ولا يختص بالمقاتلة ويبدأ بالأهم فالأهم من سد بثق وتعزيل نهر وعمل قنطرة ورزق نحو قضاة، ويقسم فاضل بين أحرار المسلمين غنيهم وفقيرهم.

стр. 298

[فصل فيمن يصح منه الأمان] فصل ويصح الأمان من مسلم عاقل مختار غير سكران ولو قنا أو أنثى بلا ضرر، في عشر سنين فأقل منجزا ومعلقا من إمام لجميع المشركين، ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم، ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفا، ويحرم به قتل ورق وأسر ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يرد إلى مأمنه. والهدنة: عقد الإمام أونائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة، وهي لازمة يجوز عقدها لمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين ولو بمال منا ضرورة. ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلما للحاجة وأمره سرا بقتالهم والفرار منهم، ولو هرب قن فأسلم لم يرد وهو حر، ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد، ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا، وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم. [باب عقد الذمة] وأحكامها الذمة لغة: العهد والضمان والأمان، ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . (لا يعقد) أي لا يصح عقد الذمة لغير المجوس) لأنه يروى أنه كان لهم كتاب

стр. 299

فرفع فصارت لهم بذلك شبهة، ولأنه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف، (وأهل الكتابين) اليهود والنصارى على اختلاف طوائفهم (ومن تبعهم) فتدين لهم بأحد الدينين كالسامرة والفرنج والصابئين لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، (ولا يعقدها) أي لا يصح عقد الذمة إلا) من إمام أو نائبه) عقد مؤبد فلا يفتأت على الإمام فيه، ويجب إذا اجتمعت شروطه. (ولا جزية) وهي مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا على صبي ولا امرأة) ومجنون وزمن وأعمى وشيخ فان وخنثى مشكل (ولا عبد ولا فقير يعجز عنها) وتجب على عتيق ولو لمسلم (ومن صار أهلا لها) أي للجزية (أخذت منه في آخر الحول) بالحساب. (ومتى بذلوا الواجب عليهم) من الجزية وجب قبوله) منهم، وحرم قتالهم) وأخذ ما لهم ووجب دفع من قصدهم بأذى ما لم يكونوا بدار حرب، ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه، (ويمتهنون عند أخذها) أي أخذ الجزية (ويطال وقوفهم وتجر أيديهم) وجوبا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ولا يقبل إرسالها. [فصل في أحكام أهل الذمة] (ويلزم الإمام أخذهم) أي أخذ أهل الذمة بحكم الإسلام) في (ضمان النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه) كالزنا (دون ما يعتقدون حله) كالخمر؛ لأن عقد الذمة لا يصح إلا بالتزام أحكام الإسلام كما تقدم، وروى ابن عمر أن

стр. 300

النبي ﷺ «أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما» . (ويلزمهم التميز عن المسلمين) بالقبور بأن لا يدفنوا في مقابرنا والحلي بحذف مقدم رؤوسهم لا كعادة الأشراف ونحو شد زنار، ولدخول حمامنا بجلجل أو نحو خاتم رصاص برقابهم، (ولهم ركوب غير الخيل) كالحمير (بغير سرج) فيركبون (بإكاف) وهو البرذعة لما روى الخلال أن عمر أمر بجز نواصي أهل الجزيرة، وأن يشدوا المناطق وأن يركبوا الأكف بالعرض. (ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام لهم ولا بدأتهم بالسلام) أو بـ " كيف أصبحت " أو أمسيت أو حالك ولا تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم لحديث أبى هريرة مرفوعا «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها» قال الترمذي حديث حسن صحيح. (ويمنعون من إحداث كنائس وبيع) ومجتمع لصلاة في دارنا (و) من (بناء ما انهدم منها ولو ظلما) لما روى كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ «لا تبنى الكنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها» ، (و) يمنعون أيضا من تعلية بنيان على مسلم) ولو رضي لقوله ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى» وسواء لاصقه أو لا إذا كان يعد جارا له، فإن علاه وجب نقضه،

стр. 301

و (لا) يمنعون من (مساواته) أي البنيان (له) أي لبناء المسلم؛ لأن ذلك لا يفضي إلى العلو، وما ملكوه عاليا من مسلم لا ينقض ولا يعاد عاليا لو انهدم. و) يمنعون أيضا (من إظهار خمر وخنزير) فإن فعلوا أتلفناهما، (و) من إظهار (ناقوس وجهر بكتابهم) ورفع صوت على ميت ومن قراءة قرآن ومن إظهار أكل وشرب بنهار رمضان، وإن صالحوا في بلادهم على جزية أو خراج لم يمنعوا شيئا من ذلك، وليس لكافر دخول مسجد ولو إذن له مسلم. وإن تحاكموا إلينا فلنا الحكم والترك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ، وإن اتجر إلينا حربي أخذ من العشر وذمي نصف العشر؛ لفعل عمر ﵁ مرة في السنة فقط، ولا تعشر أموال المسلمين. (وإن تهود نصراني أو عكسه) بأن تنصر يهودي لم يقر) لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه أشبه المرتد، (ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه) الأول، فإن أباهما هدد وحبس وضرب، وقيل للإمام: أنقتله؟ قال: لا. [فصل فيما ينقض العهد] (فإن أبي الذمي بذل الجزية) أو الصغار أو التزام حكم الإسلام) أو قاتلنا (أو تعدى على مسلم بقتل أو زنا) بمسلمة وقياسه اللواط (أو) تعدى بـ (قطع طريق أو

стр. 302

تجسس أو آوى جاسوسا أو ذكر الله أو رسوله أو كتابه) أو دينه (بسوء انتقض عهده) لأن هذا ضرر يعم المسلمين، وكذا لو لحق بدار حرب لا إن أظهر منكرا أو قذف مسلما، وينقض بما تقدم عهده (دون) عهد (نسائه وأولاده) فلا ينتقض عهدهم تبعا له لأن النقض وجد منه فاختص به (وحل دمه) ولو قال: تبت فيخير فيه الإمام كأسير حربي بين قتل ورق ومن وفداء بمال أو أسير مسلم (و) حل (ماله) لأنه لا حرمة له في نفسه، بل هو تابع لمالكه فيكون فيئا وإن أسلم حرم قتله. * * *

стр. 303

[كتاب البيع] جائز بالإجماع لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . (وهو) في اللغة: أخذ شيء وإعطاء شيء قاله ابن هبيرة، مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء. وشرعا: (مبادلة مال ولو في الذمة) بقول أو معاطاة. والمال عين مباحة النفع بلا حاجة (أو منفعة مباحة) مطلقا (كممر) في دار أو غيرها (بمثل أحدهما) متعلق بمبادلة أي بمال أو منفعة مباحة فتناول تسع صور: عين بعين أو دين، أو منفعة دين بعين، أو دين بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق، أو بمنفعة منفعة بعين، أو دين أو منفعة. وقوله: (على التأبيد) يخرج الإجارة (غير ربا وقرض) فلا يسميان بيعا وإن وجدت فيهما المبادلة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، والمقصود الأعظم في القرض الإرفاق وإن قصد فيه التملك أيضا. وينعقد) البيع بإيجاب وقبول) بفتح القاف، وحكي ضمها (بعده) أي بعد الإيجاب فيقول البائع: بعتك أو ملكتك أو نحوه بكذا، ويقول المشتري: ابتعت أو قبلت ونحوه، (و) يصح القبول أيضا (قبله) أي قبل الإيجاب بلفظ أمر أو ماض مجرد عن استفهام ونحوه؛ لأن المعنى حاصل به، ويصح القبول متراخيا عنه) أي عن الإيجاب ما داما (في مجلسه) لأن حالة المجلس كحالة العقد (فإن تشاغلا بما يقطعه) عرفا أو انقضى المجلس قبل القبول (بطل) لأنهما

стр. 304

صارا معرضين عن البيع، وإن خالف القبول الإيجاب لم ينعقد. (وهي) أي الصورة المذكورة أي الإيجاب والقبول (الصيغة القولية) للبيع، (و) ينعقد أيضا بمعاطاة وهي) الصيغة (الفعلية) مثل أن يقول: أعطني بدرهم خبزا فيعطيه ما يرضيه أو يقول البائع: خذ هذا بدرهم فيأخذه المشتري أو وضع ثمنه عادة وأخذه عقبه، فتقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول للدلالة على الرضا لعدم التعبد فيه، وكذا حكم الهبة والهدية والصدقة، ولا بأس بذوق المبيع حال الشراء. (ويشترط) للبيع سبعة شروط: أحدها: التراضي منهما) أي من المتعاقدين (فلا يصح) البيع (من مكره بلا حق) لقوله ﷺ : «إنما البيع عن تراض» رواه ابن حبان، فإن أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه صح لأنه حمل عليه بحق، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه كره الشراء منه وصح. و) الشرط الثاني أن يكون العاقد) وهو البائع والمشتري جائز التصرف) أي حرا مكلفا رشيدا (فلا يصح تصرف صبي وسفيه بغير إذن ولي) فإن أذن صح لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أي اختبروهم، وإنما يتحقق بتفويض البيع والشراء إليه، ويحرم الإذن بلا مصلحة، وينفذ تصرفهما في الشيء اليسير بلا إذن وتصرف العبد بإذن سيده. و) الشرط الثالث أن تكون العين) المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع من غير حاجة) بخلاف الكلب لأنه إنما يقتنى لصيد أو حرث أو ماشية، وبخلاف جلد

стр. 305

ميتة ولو مدبوغا لأنه إنما يباح في يابس، والعين هنا مقابل المنفعة فتتناول ما في الذمة (كالبغل والحمار) ؛ لأن الناس يتبايعون ذلك في كل عصر من غير نكير، (و) كـ (دود القز) لأنه حيوان طاهر يقتنى لما يخرج منه، (و) كـ (بزره) لأنه ينتفع به في المآل، (و) كـ (الفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد) كالفهد والصقر لأنه يباح نفعها واقتناؤها مطلقا (إلا الكلب) فلا يصح بيعه لقول ابن مسعود: «نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب» متفق عليه، ولا بيع آلة لهو وخمر ولو كانا ذميين، (والحشرات) لا يصح بيعها؛ لأنه لا نفع فيها إلا علقا لمص الدم وديدانا لصيد السمك وما يصاد عليه كبومة شباشا، (والمصحف) لا يصح بيعه، ذكر في " المبدع " أن الأشهر لا يجوز بيعه، قال أحمد: " لا نعلم في بيع المصحف رخصة "، قال ابن عمر: " وددت أن الأيدي تقطع في بيعها " ولأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال له، ولا يكره إبداله وشراؤه استنقاذا، وفي كلام بعضهم يعني من

стр. 306

كافر، ومقتضاه أنه إن كان البائع مسلما حرم الشراء منه لعدم دعاء الحاجة إليه بخلاف الكافر، ومفهوم " التنقيح " و " المنتهى " يصح بيعه لمسلم. (والميتة) لا يصح بيعها لقوله ﷺ : «إن الله حرم بيع الميتة والخمر والأصنام» متفق عليه، ويستثنى منها السمك والجراد (و) لا (السرجين النجس) لأنه كالميتة، وظاهره أنه يصح بيع الطاهر منه، قاله في " المبدع " (و) لا (الأدهان النجسة ولا المتنجسة) لقوله ﷺ : «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» وللأمر بإراقته. (ويجوز الاستصباح بها) أي بالمتنجسة على وجه لا تتعدى نجاسته كالانتفاع بجلد الميتة المدبوغ (في غير مسجد) لأنه يؤدي إلى تنجيسه، ولا يجوز الاستصباح بنجس العين، ولا يجوز بيع سم قاتل. (و) الشرط الرابع (أن يكون) العقد من مالك) للمعقود عليه أو من يقوم مقامه) كالوكيل والوالي لقوله ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» رواه ابن ماجه والترمذي وصححه، وخص منه المأذون فيه لقيامه مقام المالك، (فإن باع ملك غيره) بغير إذنه لم يصح ولو مع حضوره وسكوته ولو أجازه المالك ما لم يحكم به من يراه (أو اشترى بعين ماله) أي مال غيره (بلا إذنه لم يصح) ولو أجيز لفوات شرطه، (وإن اشترى له) أي لغيره (في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح) العقد لأنه

стр. 307

متصرف في ذمته وهي قابلة للتصرف، ويصير ملكا لمن الشراء (له) من حين العقد (بالإجازة) لأنه اشترى لأجله ونزل المشتري نفسه منزلة الوكيل فملكه من اشترى له كما لو أذن، (ولزم) العقد (المشتري بعدمها) أي عدم الإجازة، لأنه لم يأذن فيه، فتعين كونه للمشتري (ملكا) كما لو لم ينوه غيره، وإن سمى في العقد من اشترى له لم يصح. وإن باع ما يظنه لغيره فبان وارثا أو وكيلا صح. (ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة كأرض الشام ومصر والعراق) وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر ﵃ لأن عمر ﵁ وقفها على المسلمين، وأما المساكن فيصح بيعها؛ لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير ولو كانت آلتها من أرض العنوة أو كانت موجودة حال الفتح، وكأرض العنوة في ذلك ما جلوا عنه فزعا منا وما صولحوا على أنه لنا ونقره معهم بالخراج بخلاف ما صولحوا على أنها لهم كالحيرة وأليس وبانقياء وأرض بني صلوبا من أراضي العراق فيصح بيعها كالتي أسلم أهلها عليها كالمدينة، (بل) يصح أن (تؤجر) أرض العنوة ونحوها لأنها مؤجرة في أيدي أربابها بالخراج المضروب عليها في كل عام وإجارة المؤجرة جائزة. ولا يجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها لما روى سعيد بن منصور عن مجاهد مرفوعا «رباع مكة حرام بيعها، حرام إجارتها» ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا «مكة لا تباع رباعها ولا تكرى بيوتها» رواه الأثرم، فإن سكن بأجرة لم يأثم بدفعها، جزم به في " المغني " وغيره.

стр. 308

(ولا يصح بيع نقع البئر) وماء العيون لأن ماءها لا يملك لحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار» رواه أبو داود وابن ماجه، بل رب الأرض أحق به من غيره لأنه [صار] في ملكه، (ولا) يصح بيع ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك) لما تقدم وكذا معادن جارية كنفط وملح، وكذا لو عشش في أرضه طير لأنه لا يملكه به فلم يجز بيعه (ويملكه آخذه) لأنه من المباح لكن لا يجوز دخول ملك غيره بغير إذنه، وحرم منع مستأذن بلا ضرر. و) الشرط الخامس: أن يكون) المعقود عليه مقدورا على تسليمه) لأن مالا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم فلم يصح بيعه. (فلا يصح بيع آبق) علم خبره أو لا، لما رواه أحمد عن أبي سعيد: «أن رسول الله ﷺ نهى عن شراء العبد وهو آبق» ، (و) لا بيع (شارد) ولا (طير في هواء) ولو ألف الرجوع إلا أن يكون بمغلق ولو طال زمن أخذه، (و) لا يبع سمك في ماء) لأنه غرر ما لم يكن مرئيا بمحوز يسهل أخذه منه لأنه معلوم يمكن تسليمه، (ولا) يصح بيع مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه) من غاصبه لأنه لا يقدر على تسليمه، فإن باعه من غاصبه أو قادر على أخذه صح لعدم الغرر، فإن عجز بعد فله الفسخ. (و) الشرط السادس أن يكون) المبيع معلوما) عند المتعاقدين لأن جهالة المبيع

стр. 309

غرر ومعرفة المبيع إما (برؤية) له أو لبعضه الدال عليه مقارنة أو متقدمة بزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهرا، ويلحق بذلك ما عرف بلمسه أو شمه أو ذوقه (أو صفة) تكفي في السلم فتقوم مقام الرؤية في بيع ما يجوز السلم فيه خاصة، ولا يصح بيع الأنموذج بأن يريه صاعا مثلا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه، ويصح بيع الأعمى وشراؤه بالوصف واللمس والشم والذوق فيما يعرف به كتوكيله، (فإن اشترى ما لم يره) بلا وصف (أو رآه وجهله) بأن لم يعلم ما هو (أو وصف له بما لا يكفي سلما لم يصح) البيع لعدم العلم بالمبيع. (ولا يباع حمل في بطن ولبن في ضرع منفردين) للجهالة، فإن باع ذات لبن أو حمل، دخلا تبعا. (ولا) يباع (مسك في فأرته) أي الوعاء الذي يكون فيه للجهالة، (ولا نوى في تمر) للجهالة، (و) لا (صوف على ظهر) لنهيه ﷺ عنه في حديث ابن عباس، ولأنه متصل

стр. 310

بالحيوان فلم يجز إفراده بالعقد كأعضائه، (و) لا بيع فجل ونحوه) مما المقصود منه مستتر بالأرض قبل قلعه) للجهالة. (ولا يصح بيع الملامسة) بأن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا، (و) لا بيع المنابذة) كأن يقول: أي ثوب نبذته إلي أي طرحته فعليك بكذا لقول أبى هريرة: «إن النبي ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة» متفق عليه، وكذا بيع الحصاة كارمها فعلى أي ثوب وقعت فلك بكذا ونحوه، (ولا) بيع عبد) غير معين من عبيده ونحوه) كشاة من قطيع وشجرة من بستان للجهالة ولو تساوت القيم. (ولا) يصح (استثناؤه إلا معينا) فلا يصح، بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدا للجهالة ويصح إلا هذا ونحوه، لأنه ﷺ «نهى عن الثنيا إلا أن تعلم» ، قال الترمذي: حديث صحيح، (وإن استثنى بائع من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه صح) لفعله ﷺ في خروجه من مكة إلى المدينة، رواه أبو الخطاب، فإن امتنع المشتري من ذبحه لم يجبر بلا شرط ولزمته قيمته على التقريب وللمشتري الفسخ بعيب يختص هذا المستثنى، (وعكسه) أي عكس استثناء الأطراف في الحكم استثناء (الشحم والحمل)

стр. 311

ونحوه مما لا يصح إفراده بالبيع فيبطل باستثنائه، وكذا لو استثنى منه رطلا من لحم أو نحوه. (ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كرمان وبطيخ) وبيض لدعاء الحاجة لذلك ولكونه مصلحة لفساده بإزالته. (و) يصح (بيع الباقلاء ونحوه) كالحمص والجوز واللوز (في قشره) يعني ولو تعدد قشره لأنه مضاف فيعم، وعبارة الأصحاب في قشريه لأنه مستور بحائل من أصل خلقته أشبه الرمان، (و) يصح بيع (الحب المشتد في سنبله) لأنه ﷺ جعل الاشتداد غاية للبيع وما بعد الغاية يخالف ما قبلها فوجب زوال المنع. (و) الشرط السابع: أن يكون الثمن معلوما) للمتعاقدين أيضا كما تقدم لأنه أحد العوضين فاشترط العلم به كالمبيع (فإن باعه برقمه) أي ثمنه المكتوب - عليه وهما يجهلانه أو أحدهما - لم يصح للجهالة، (أو) باعه (بألف درهم ذهبا وفضة) لم يصح لأن مقدار كل جنس منهما مجهول، (أو) باعه (بما ينقطع به السعر) أي بما يقف عليه من غير زيادة لم يصح للجهالة، (أو) باعه (بما باع) به (زيد وجهلاه، أو) جهله (أحدهما لم يصح) البيع للجهل بالثمن، وكذا لو باعه كما يبيع الناس أو بدينار أو درهم مطلق وثم نقود متساوية رواجا،

стр. 312

وإن لم يكن إلا واحدا أو غلب صح وصرف إليه، ويكفي علم الثمن بالمشاهدة كصبرة من دراهم أو فلوس، ووزن صنجة وملء كيل مجهولين. (وإن باع ثوبا أو صبرة) وهي الكومة المجموعة من الطعام، (أو) باع (قطيعا من الغنم كل ذراع) من الثوب بكذا، (أو) كل (قفيز) من الصبرة بكذا (أو) كل (شاة) من القطيع (بدرهم صح) البيع ولو لم يعلما قدر الثوب والصبرة والقطيع لأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهي الكيل والعد والذرع. (وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم) لم يصح لأن " من " للتبعيض، و" كل" للعدد فيكون مجهولا بخلاف ما سبق؛ لأن المبيع الكل لا البعض فانتفت الجهالة وكذا لو باعه من الثوب كل ذراع بكذا أو من القطيع كل شاة بكذا لم يصح لما ذكر، (أو) باعه (بمائة درهم إلا دينارا) لم يصح، (وعكسه) بأن باع بدينار أو دنانير إلا درهما لم يصح لأن قيمة المستثنى مجهولة فيلزم الجهل بالثمن، إذ استثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولا، (أو باع معلوما ومجهولا يتعذر علمه) كهذه الفرس وما في بطن أخرى (ولم يقل كل منهما بكذا لم يصح) البيع لأن الثمن يوزع على المبيع بالقيمة والمجهول لا يمكن تقويمه فلا طريق إلى معرفة ثمن المعلوم، وكذا لو باعه بمائة ورطل خمر وإن قال كل منهما: بكذا صح في المعلوم بثمنه للعلم به، (فإن لم يتعذر) علم مجهول أبيع مع معلوم

стр. 313

(صح في المعلوم بقسطه) من الثمن لعدم الجهالة وهذه مسائل تفريق الصفقة الثلاث. والثانية أشير إليها بقوله: (ولو مشاعا بينه وبين غيره كعبد) مشترك بينهما (أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء) كقفيزين متساويين لهما (صح) البيع (في نصيب بقسطه) من الثمن لفقد الجهالة في الثمن لانقسامه على الأجزاء، ولم يصح في نصيب شريكه لعدم إذنه. والثالثة ذكرها بقوله: (وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه أو) باع (عبدا وحرا أو) باع (خلا وخمرا صفقة واحدة) بثمن واحد (صح) البيع (في عبده) بقسطه (وفي الخل بقسطه) من الثمن لأن كل واحد منهما له حكم يخصه، فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما ويقدر خمر خلا وحر عبدا ليتقسط الثمن (ولمشتر الخيار إن جهل الحال) بين إمساك ما يصح فيه البيع بقسطه من الثمن وبين رد المبيع لتبعيض الصفقة عليه، وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه أو باع عبديه لاثنين، أو اشترى عبدين من اثنين أو وكليهما بثمن واحد صح وقسط الثمن على قيمتهما، وكبيع إجارة ورهن وصلح ونحوها. [فصل لا يصح البيع ولا الشراء بعد النداء الثاني] فصل (ولا يصح البيع) ولا الشراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني) أي الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام على المنبر لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ فاختص به الحكم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] ، والنهي يقتضي الفساد، وكذا قبل النداء لمن منزله بعيد في وقت وجوب السعي عليه، وتحرم المساومة

стр. 314

والمناداة إذن لأنهما وسيلة للبيع المحرم، وكذا لو تضايق وقت مكتوبة. (ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة كمضطر إلى طعام أو سترة ونحوهما إذا وجد ذلك يباع. ويصح أيضا (النكاح وسائر العقود) كالقرض والرهن والضمان والإجارة وإمضاء بيع خيار لأن ذلك يقل وقوعه فلا تكون إباحته ذريعة إلى فوات الجمعة أو بعضها بخلاف البيع. (ولا يصح بيع عصير) ونحوه ممن يتخذه خمرا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، (ولا) بيع (سلاح في فتنة) بين المسلمين لأنه ﷺ نهى عنه قاله أحمد، قال: وقد يقتل به، وكذا بيعه لأهل حرب أو قطاع طريق لأنه إعانة على معصية، ولا بيع مأكول ومشموم لمن يشرب عليهما المسكر، ولا قدح لمن يشرب به، خمرا ولا جوز وبيض لقمار، ويحرم أكله ونحو ذلك. (ولا) بيع عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه) لأنه ممنوع من استدامة ملكه عليه لما فيه من الصغار فمنع من ابتدائه، فإن كان يعتق عليه بالشراء صح؛ لأنه وسيلة إلى حريته.

стр. 315

(وإن أسلم) قن في يده) أي يد كافر أو عند مشتريه منه ثم رده لنحو عيب (أجبر على إزالة ملكه) عنه بنحو بيع أو هبة أو عتق لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] ، (ولا تكفي مكاتبته) لأنها لا تزيل ملك سيده عنه ولا بيعه بخيار لعدم انقطاع علقه عنه، (وإن جمع) في عقد (بين بيع وكتابة) بأن باع عبده شيئا وكاتبه بعوض واحد صفقة واحدة (أو) جمع بين (بيع وصرف) أو إجارة أو خلع أو نكاح بعوض واحد (صح) البيع وما جمع إليه (في غير الكتابة) فيبطل البيع؛ لأنه باع ماله لماله، وتصح هي لأن البطلان وجد في البيع فاختص به، (ويقسط العوض عليهما) أي على المبيع وما جمع إليه بالقيم. (ويحرم بيعه على بيع أخيه) المسلم (كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة) لقوله ﷺ : «لا يبع بعضكم على بيع بعض» (و) يحرم أيضا (شراؤه على شرائه كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة) لأنه في معنى البيع عليه المنهي عنه، ومحل ذلك إذا وقع في زمن الخيارين (ليفسخ) المقول له العقد (ويعقد معه) ، وكذا سومه على سومه بعد الرضا صريحا لا بعد رد. (ويبطل العقد فيهما) أي في البيع على بيعه والشراء على شرائه، ويصح في السوم على سومه، والإجارة كالبيع في ذلك،

стр. 316

ويحرم بيع حاضر لباد ويبطل إن قدم ليبيع سلعته بسعر يومها جاهلا بسعرها، وقصده الحاضر وبالناس حاجة إليها. (ومن باع ربويا بنسيئة) أي مؤجل وكذا حال لم يقبض (واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة) كثمن بر اعتاض عنه برا أو غيره من المكيلات لم يجز؛ لأنه ذريعة لبيع الربوي بالربوي نسيئة، وإن اشترى من المشتري طعاما بدراهم وسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء أو لم يسلمها إليه لكن قاصه جاز، (أو اشترى شيئا) ولو غير ربوي (نقدا بدون ما باع به نسيئة) أو حالا لم يقبض، (لا بالعكس لم يجز) لأنه ذريعة إلى الربا ليبيع ألفا بخمسمائة وتسمى: مسألة العينة، وقوله: بالعكس، يعني: لا إن اشتراه بأكثر مما باعه به فإنه جائز كما لو اشتراه بمثله، وأما عكس مسألة العينة بأن باع سلعة بنقد ثم اشتراه بأكثر منه نسيئة فنقل أبو داود: يجوز بلا حيلة، ونقل حرب: أنها مثل مسألة العينة، وجزم به المصنف في " الإقناع " وصاحب " المنتهى " وقدمه في " المبدع " وغيره. قال في (شرح المنتهى) : وهو المذهب لأنه يتخذ وسيلة للربا كمسألة العينة، وكذا العقد الأول فيهما حيث كان وسيلة إلى الثاني فيحرم، ولا يصح. (وإن اشتراه) أي اشترى المبيع في مسألة العينة أو عكسها (بغير جنسه) بأن باعه بذهب ثم اشتراه بفضة أو بالعكس (أو) اشتراه (بعد قبض ثمنه أو بعد تغير صفته) بأن هزل العبد أو نسي صنعته أو تخرق الثوب، (أو) اشتراه (من غير مشتريه) بأن باعه مشتريه أو وهبه ونحوه ثم اشتراه بائعه ممن صار إليه جاز، (أو اشتراه أبوه) أي أبو بائعه (أو ابنه) أو مكاتبه أو زوجته (جاز) الشراء ما لم يكن حيلة على التوصل إلى فعل

стр. 317

مسألة العينة، ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس، وتسمى: مسألة التورق، ويحرم التسعير والاحتكار في قوت آدمي ويجبر على بيعه كما يبيع الناس، ولا يكره إدخار قوت أهله ودوابه، ويسن الإشهاد على البيع. [باب الشروط في البيع] والشرط هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، ومحل المعتبر منها صلب العقد، وهي ضربان: ذكر الأول منهما بقوله: (منها صحيح) وهو ما وافق مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع: أحدها - شرط مقتضى البيع كالتقابض وحلول الثمن فلا يؤثر فيه لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد فلذلك أسقطه المصنف. الثاني - شرط ما كان من مصلحة العقد (كالرهن المعين) أو الضامن المعين (و) كـ

стр. 318

(تأجيل ثمن) أو بعضه إلى مدة معلومة (و) كشرط صفة في المبيع كـ (كون العبد كاتبا أو خصيا أو مسلما) أو خياطا مثلا (والأمة بكرا) أو تحيض والدابة هملاجة والفهد أو نحوه صيودا فيصح، فإن وفى بالشرط وإلا فلصاحبه الفسخ أو أرش فقد الصفة، وإن تعذر رد تعين أرش وإن شرط صفة فبان أعلا منها فلا خيار. (و) الثالث - شرط بائع نفعا معلوما في مبيع غير وطء ودواعيه (نحو أن يشترط البائع سكنى الدار) أو نحوها (شهرا وحملان البعير) أو نحوه المبيع (إلى موضع معين) لما روى جابر أنه باع النبي ﷺ جملا واشترط ظهره إلى المدينة، متفق عليه، واحتج في التعليق والانتصار وغيرهما بشراء عثمان من صهيب أرضا وشرط وقفها عليه وعلى عقبه، ذكره في " المبدع "، ومقتضاه صحة الشرط المذكور ولبائع إجارة وإعارة ما استثنى وإن تعذر انتفاعه بسبب مشتر فعليه أجرة المثل له، (أو شرط المشتري على البائع) نفعا معلوما في مبيع كـ (حمل الحطب) المبيع إلى موضع معلوم (أو تكسيره أو خياطة الثوب) المبيع (أو تفصيله) إذا بين نوع الخياطة أو التفصيل، واحتج أحمد لذلك بما روي أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب وشارطه على حملها، ولأنه بيع وإجارة، فالبائع كالأجير، وإن تراضيا على أخذ أجرته ولو بلا عذر جاز. (وإن جمع بين شرطين) من غير النوعين الأولين كحمل حطب وتكسيره وخياطة ثوب وتفصيله (بطل البيع) لما روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه

стр. 319

قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والضرب الثاني من الشروط أشار إليه بقوله: ومنها فاسد) وهو ما ينافي مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: (يبطل العقد) من أصله (كاشتراط أحدهما على الآخر عقدا آخر كسلف) أي سلم (وقرض وبيع وإجارة وصرف) للثمن أو غيره وشركة وهو بيعتان في بيعة المنهي عنه قاله أحمد. الثاني: ما يصح معه البيع وقد ذكره بقوله: (وإن شرط أن لا خسارة عليه أو متى نفق المبيع وإلا رده أو) شرط أن (لا يبيع) المبيع (ولا يهبه ولا يعتقه أو) شرط (إن عتق فالولاء له) أي للبائع، (أو) شرط البائع على المشتري (أن يفعل ذلك) أي أن يبيع المبيع أو يهبه ونحوه (بطل الشرط وحده) لقوله ﷺ : «من اشترط شرطا ليس في كتاب

стр. 320

الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» متفق عليه، والبيع صحيح لأنه ﷺ في حديث بريرة أبطل الشرط ولم يبطل العقد (إلا إذا شرط) البائع العتق) على المشتري فيصح الشرط أيضا ويجبر المشتري على العتق إن أباه والولاء له، فإن أصر أعتقه حاكم، وكذا شرط رهن فاسد كخمر ومجهول وخيار أو أجل مجهولين ونحو ذلك فيصح البيع ويفسد الشرط، (و) إن قال البائع: (بعتك) كذا بكذا (على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث) ليال مثلا أو على أن ترهنه بثمنه (وإلا) تفعل ذلك (فلا بيع بيننا) وقبل المشتري (صح) البيع والتعليق كما لو شرط الخيار وينفسخ إن لم يفعل. (و) الثالث: ما لا ينعقد معه بيع نحو (بعتك إن جئتني بكذا أو) إن (رضي زيد) بكذا، وكذا تعليق القبول (أو يقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك) في محله (وإلا فالرهن لك لا يصح البيع) لقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن من صاحبه» رواه الأثرم وفسره أحمد بذلك، وكذا كل بيع علق على شرط مستقبل غير " إن شاء الله " وغير " بيع العربون " بأن يدفع بعد العقد شيئا ويقول: إن أخذت المبيع أتممت الثمن وإلا فهو لك فيصح لفعل - عمر -
следующие страницы →