← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 1680

سؤالات السلمي للدارقطني

أبو عبد الرحمن السلمي

Полный текст (443 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سُؤالات السُّلمي للدَّارقُطني تأليف: أبي عبد الرحمن محمَّد بن الحُسين السُّلمي المتوفى (٤١٢هـ) تحقيق: فريق من الباحثين، بإشراف وعناية د. سعد بن عبد الله الحُمَيِّد ود. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي ظهر لأوليائِهِ بنُعوتِ جلالِهْ، وأنارَ قلوبَهم بمشاهدةِ صفاتِ كمالِهْ، وتَعرَّفَ إليهم بما أسداه إليهم من إنعامِهِ وإِفضالِهْ؛ فعلموا أنه الواحدُ الأحَدْ، الفردُ الصَّمدْ؛ الذي لا شريكَ له في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعالِهْ، بل هو كما وصف به نفسَهُ وفوقَ ما يَصفُهُ به أحدٌ من خلقِهِ في إكثارِهِ وإقلالِهْ، لا يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه على لسانِ مَن أكرمهم بإرسالِهْ. ونشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له إلهًا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا جَلَّ عن الأشباه والأمثالْ، وتَقدَّسَ عن الأضدادِ والأندادِ والشركاءِ والأشكالْ، ونشهد أن محمدًا عبدُهُ ورَسولُهُ القائمُ له بحقِّهْ، وأمينُه على وحيِهْ، وخِيرته مِن خلقِهْ، أرسلَه رحمةً للعالمينْ، وإمامًا للمتَّقينْ، وحسرةً على الكافرينْ، وحُجَّةً على العبادِ أجمعينْ، بعثَه على حينِ فَتْرةٍ مِن الرُّسُلْ، فهدى به إلى أقومِ الطُّرُقِ وأوضحِ السُّبُلْ، وافترض على العبادِ طاعتَهُ ومحبَّتَهُ وتعظيمَه وتوقيرَهُ والقيامَ بحقوقِهْ، وسدَّ إلى جنتِهِ جميعَ الطُّرُقِ فلم يفتحْ لأحدٍ إلا من طريقِهْ، فشَرَح له صدرَهْ، ووضع عنه وِزْرَهْ، ورَفع له ذِكْرَهْ، وجعل الذُّلَّ والصَّغارَ على مَن خالَف أمرَهْ، فلم يزلْ ﷺ قائمًا بأمرِ الله لا يَرُدُّه عنه رادّ، مُشَمِّرًا في مرضاةِ اللهِ لا يَصُدُّه عن ذلك صادّ، إلى أن أشرقتِ الدنيا برسالتِهِ ضياءً وابتهاجَا، ودخل الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا أفواجَا. بلَّغ الرسالةْ، وأَدَّى الأمانةْ، ونَصَح الأمةْ، وجاهد في اللهِ حقَّ الجهادِ

стр. 3

وأقام الدِّينْ، وترك أمتَهُ على البيضاءِ الواضحةِ البينةِ للسالكينْ، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *﴾ [يُوسُف: ١٠٨] (١) . فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغفَلَ عن ذِكْره الغافلون، أفضلَ وأكثَرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ مِنْ خَلْقِه، وجزاه اللهُ عنا أفضَلَ ما جزى مُرْسَلاً عَمَّنْ أُرْسِلَ إليه. أما بعد: فيسرُّنا أن نضعَ بين يديكَ- أخي القارئ- أحدَ كتبِ السُّؤالاتِ المهمَّة، وهو "سؤالاتُ السُّلَميِّ للدارقطنيِّ"؛ في جرحِ الرُّواةِ وتعديلِهم. وكتبُ السُّؤالات نمَطٌ من التصنيفِ معروفٌ؛ يجمع فيه مُصَنِّفُه مايوجِّهُه إلى شيخِه من أسئلةٍ عمَّا يُشْكِلُ عليه من المسائلِ في الفنِّ الذي اشتُهِرَ به الشيخ، أو ما يهمُّه معرفةُ رأي شيخِهِ فيه. وتوجيهُ الأسئلةِ إلى أهلِ العلمِ والذِّكْرِ أصلٌ دلَّت عليه نصوصُ الكتابِ والسنَّةِ: فقد أَمرَنا اللهُ في مُحكَمِ التنزيلِ بسؤالِ أهلِ الذِّكْرِ واستفتائِهم؛ قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النّحل: ٤٣] . وقد وردتْ آياتٌ كثيرةٌ فيها ذِكْرُ أسئلةٍ وُجِّهتْ إلى النبيِّ ﷺ ؛

стр. 4

كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] (١) . ودواوينُ السنةِ مليئةٌ بالأسئلةِ التي كان يوجِّهُها الصحابةُ ﵃ إلى النبيِّ ﷺ ، وكان يمكنُ أن تكونَ أكثرَ من ذلك، لولا نهيُ الله لهم بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *﴾ [المائدة: ١٠١] . فمن ذلك ما أخرجه مسلمٌ في "صحيحِه" (٢) من روايةِ محمَّدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: «يا أيُّها الناسُ قَدْ فَرض اللهُ عليكم الحجَّ فحُجُّوا» ، فقال رجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ الله ﷺ : «لو قلتُ: نعم، لوجَبَتْ، ولمَا استطعتُمْ» ، ثم قال: «ذروني ما تَركتُكم؛ فإنما هلك مَن كان قبلَكم بسؤالهِم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدَعُوه» . وخرَّجه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ مختصرًا وقال فيه: فنزل قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا

стр. 5

عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *﴾ (١) [المائدة: ١٠١] . وغيرُ ذلك من الأحاديثِ التي تدلُّ على النهيِ عن السؤالِ عما لا يُحتاج إليه مما يسوءُ السائلَ جوابُه، وعلى النهيِ عن السؤالِ على وجهِ التَّعَنُّتِ والعبثِ والاستهزاءِ، والسؤالِ عما أخفاه اللهُ عن عبادِهِ ولم يُطلِعْهم عليه، كما تدل أيضًا على نهيِ المسلمينَ عن السؤال عن كثيرٍ من الحلالِ والحرامِ مما يُخشى أن يكونَ السؤالُ سببًا لنزولِ التشديدِ فيه (٢) . وقد كثرتْ كُتُبُ السؤالاتِ في كلِّ فَنٍّ من الفنونِ، ومنها علمُ الجرحِ والتعديلِ، وكتابُنا هذا واحدٌ من هذه الكتبِ في هذا الفنِّ (٣) . وقد طُبِع هذا الكتابُ- حَسَبَ عِلمِنا- ثلاثَ طبعاتٍ: ١) الأولى بتحقيق د. سليمان آتش. ٢) والثانيةُ بتحقيق مجدي فتحي السيد. ٣) والثالثةُ بتحقيق محمد بن علي الأزهري.

стр. 6

وسيأتي التعريفُ بهذه الطبعاتِ لاحقًا (١) . ومما حَمَلَنا على إعادةِ تحقيقِ هذا الكتابِ وإخراجه: حصولُنا على نسخةٍ خَطِّيَّةٍ مختصرةٍ منه لم يقفْ عليها أحدٌ من المحقِّقين السابقين، وفيها فروقٌ وزياداتٌ مُهِمَّةٌ تؤكِّد أنّ في الأصلِ المخطوط نقصًا، وقد استدركنا من هذا النقص ما وجدناه في ذلك المختصر، ووقفنا في بعض المصادر على نصوص أخرى مَرْوِيَّةٍ عن الدارقطني من طريقِ السُّلميِّ وليست في المخطوطتين المعتمدتين في تحقيقنا هذا؛ مما يشير إلى احتمال وجود نقص آخر يحتاج إلى نسخة تامة منه، والله أعلم (٢) . وقد أَتْحفَنا بهذه النسخةِ المختصرةِ فضيلةُ الدكتور الشيخ محمد ابن تُرْكي التُّرْكي، فله منا الشكرُ والدعاءُ بأن يجزلَ اللهُ له الثوابَ. وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمين. د. سعد بن عبد الله الحُمَيِّد ود. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

стр. 7

التعريف بالدارقطني (١) اسمهُ ونسبُهُ ومَولدُه: هو: الإمام الحافظُ عليُّ بنُ عمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديِّ بنِ مسعود ابنِ النُّعمانِ بنِ دينارِ بنِ عبدِاللهِ، الدَّارَقُطْنيُّ، البغداديُّ. كُنيته: أبو الحسَن.

стр. 8

ونسبتُه «الدَّارَقُطْنيُّ» : إلى مَحَلَّةِ «دارِ القُطْن» ببغدادَ (١) . كان مولدُه ببغدادَ سنة ستٍّ وثلاثِ مئةٍ كما أخبرَ هو عن نفسِه، ونقله عنه أبو عبد الرحمن السُّلميُّ في كتابنا هذا (٢) . وقيل: وُلدَ سنة خمسٍ وثلاثِ مئةٍ، ورجَّح الخطيبُ البغدادي (٣) الأوَّلَ. نشأتُه وطَلَبُه للعِلم: بدأ الدارقطنيُّ بطلب العلم وهو ما يزال فتىً صغيرًا، فقد كان بَدءُ كتابته للحديث في أوَّل سنة خمسَ عشرةَ وثلاثِ مئةٍ كما أخبر هو عن نفسِه، ونقله عنه البَرقانيُّ (٤) . وروى ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" من طريق القوَّاس قال: «كنا نمرُّ إلى ابن مَنيع، والدارقطنيُّ صبيٌّ يمشي خلفَنا بيده رغيفٌ عليه كامَخ (٥) ، فدخَلنا إلى ابن مَنيع ومنعناه،

стр. 9

فقَعَدَ على الباب يَبْكي» (١) . وقد سمعَ في صِباهُ من أبي القاسم البغويِّ، ويحيى بن محمد بن صاعِد، وأبي بكر بن أبي داود، وغيرهم (٢) . أمَّا أبوه عمرُ بنُ أحمدَ فقد كان من المحدِّثينَ الثقات، سمع وحدَّث، إلى جانب معرفته بالقراءات (٣) . وقد سمع منه ولده أبو الحسن الدارقطني الحديثَ، وحدَّث عنه في "سننه" (٤) ، كما عرض عليه القرآنَ (٥) . ويبدو أن الدارقطنيَّ شرع في حفظ القرآن وإتقان تلاوته وهو غلامٌ حَدَثٌ، على عادة أهل عصره، وبَرَّزَ في ذلك وتفوَّق، حتى تنبَّأ له الناسُ أن يصيرَ شيخاً كبيراً من شيوخ الإقراء. يقول هو عن نفسه: «كنتُ أنا والكتَّاني (٦) نسمع الحديثَ، فكانوا يقولون: يخرج الكتانيُّ

стр. 10

محدثَ البلد، ويخرج الدارقطنيُّ مقرئَ البلد، فخرجت أنا محدثًا والكتانيُّ مقرئًا» (١) . وقد ألَّف في القراءات كتاباً مختصرًا موجزًا، ذكره الخطيب البغدادي وقال عنه: «جمع الأصولَ في أبوابٍ عقدها أوَّلَ الكتاب، وسمعتُ بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول: لم يُسبَق أبو الحسن إلى طريقَته التي سلكها في عَقْد الأبواب في أوَّل القراءات، وصار القُرَّاء بعده يسلكون طريقَتَه في تصانيفهم ويَحْذُون حَذْوَه» (٢) . ولم يكن الدارقطنيُّ محدِّثًا ومُقْرِئًا فحسبُ، بل كان فقيهًا أيضًا، يقول الخطيب البغداديُّ في ذكره العلومَ التي تضلَّع منها الدارقطنيُّ سوى علمِ الحديث: «ومنها المعرفةُ بمذاهبِ الفقهاء، فإن كتابَ «السُّنَن» الذي صنَّفَه يدلُّ على أنه كان ممَّن اعتنى بالفقه؛ لأنه لا يَقْدرُ على جمع ما تضمَّن ذلك الكتابُ إلا من تقدَّمَت معرفتُه بالاختلاف في الأحكام، وبلغَني أنه درس فقهَ الشافعيِّ على أبي سعيد الإِصْطَخْري، وقيل: بل درسَ الفقه على صاحبٍ لأبي سعيد، وكتب الحديثَ عن أبي سعيدٍ نفسه» (٣) . وقد كان للدارقطنيِّ عنايةٌ بمذهب الإمام الشافعيِّ، مع معرفةٍ بمذاهبِ الفقهاء، حيثُ عدَّه بعضُ من صنَّفَ في طبقات الشافعيَّة منهم. قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة: «والدارقطنيُّ هو أيضًا يميل إلى مذهب الشافعيِّ وأئمَّة السنة والحديث، لكن ليسَ هو في تقليد

стр. 11

الشافعيِّ كالبيهقيِّ، مع أن البيهقيَّ له اجتهادٌ في كثير من المسائل، واجتهادُ الدارقطنيِّ أقوى منه، فإنه كان أعلمَ وأفقَهَ منه» (١) . وكان للدارقطنيِّ أيضًا معرفةٌ باللغة والنَّحو والأدب والشِّعر؛ فقد روى الخطيبُ البغداديُّ عن الأزهريِّ: أن أبا الحسن لما دخل مِصْرَ كان بها شيخٌ عَلَوِيٌّ من أهل مدينة رسول الله ﷺ يقالُ له: مُسَلَّم بن عُبَيدالله، وكان عنده كتابُ "النَّسَب" عن الخَضِر بن داود، عن الزُّبَير ابن بَكَّار، وكان مُسَلَّمٌ أحدَ الموصوفينَ بالفَصاحة المطبوعينَ على العربيَّة، فسأل الناسُ أبا الحسن أن يقرأَ عليه كتاب "النَّسَب"، ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتَمَع في المجلس مَنْ كان بمِصْرَ من أهل العلم والأدب والفَضْل، فحَرَصُوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لَحْنةً، أو يَظْفَروا منه بسَقْطَة، فلم يقدروا على ذلك حتَّى جعل مُسَلَّمٌ يَعْجَبُ ويقول له: وعربيَّةً أيضًا (٢) ؟! ولم يكتَفِ الدارقطنيُّ بالقراءة على علماء بغداد، بل حملته رغبتُه الشَّديدةُ في طلب العلم وتحصيله على الرِّحلة والسَّفَر، قاصداً علماء عصره في مدن العراق المختَلِفَة وغيرها من البلدان والأمصار. فمن مدن العراق التي ارتحل إليها: البصرة، وذلك في وقت مُبكِّر من عمره، في حدود سنة عشرينَ وثلاثِ مئة (٣) ، وله حينها أربعةَ عشرَ عامًا.

стр. 12

وذكر الخطيبُ في "تاريخ بغداد" خروجَه إلى الكوفة في قصَّةٍ وقعت له مع أبي العبَّاس بن عُقْدَة، فقال: «أخبرنا البَرْقانيُّ، قال: سمعتُ أبا الحسن الدارقطنيَّ يقول: كتبتُ ببغدادَ من أحاديثِ السُّودانىِّ (١) أحاديثَ تفرَّد بها، ثم مَضَيتُ إلى الكوفةِ لأسمعَ منه، فجئتُ إليه وعنده أبو العباس بنُ عُقدَة، فدفعتُ إليه الأحاديثَ في ورقةٍ، فنظر فيها أبو العبَّاس، ثم رمى بها واستَنْكَرَها وأبى أن يقرأَها، وقال: هؤلاءِ- البغداديين- يجيئوننا بما لا نَعرفُه. قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العبَّاس عليه فمَضى في جُملةِ ما قرأه حديثٌ منها، فقلتُ له: هذا الحديثُ من جُملةِ الأحاديثِ، ثم مضى آخرُ، فقلتُ: وهذا أيضًا من جُملتِها، ثم مضى ثالثٌ، فقلت: وهذا أيضاً منها، وانصرف، وانقطَعتُ عن العَوْدِ إلى المجلسِ؛ لحُمَّى نالَتْنى، فبينما أنا في الموضِعِ الذي كنتُ نزَلْتُه إذا أنا بداقٍّ يَدُقُّ عليَّ البابَ، فقلت: مَنْ هذا؟ فقال: ابنُ سعيد، فخرجتُ وإذا بأبي العباس، فوقعتُ في صدره أقبِّلُه، وقلت: يا سيدي لمَ تجَشَّمتَ المجيء؟ فقال: ما عَرَفناك إلا بعد انصِرافِك، وجعل يَعتذرُ إليَّ، ثم قال: ما الذي أخَّرك عن الحُضور؟ فذكرتُ له: أنِّي حُمِمتُ، فقال: تحضُر المجلسَ لتقرأ ما أحببتَ، فكنتُ بعدُ إذا حضَرتُ أكرمَني ورفعَني في المجلسِ، أو كما قال» (٢) .

стр. 13

وإذا علمنا أن السُّودانيَّ مات في سنة ستٍّ وعشرينَ وثلاثِ مئة، أدركنا أن ذهابَ الدارقطنيِّ إلى الكوفة كان قبلَ هذا التاريخ يقينًا، أي قبل أن يبلغَ العشرينَ من عمره. ولا يخفى ما في هذه القصَّة أيضًا من دلالةٍ على مكانةِ الدارقطني ومنزلته الرفيعة وهو بعدُ في بواكير شبابه ورَيِّق فُتوَّته. ومن الأمصار والبلدان التي قصَدها ويمَّم وجَهَهُ شَطرَها: خُوزِسْتان، ومنها مصرُ التي حطَّ رحالَه فيها سنة سبعٍ وخمسينَ وثلاث مئة كما أخبر عن نفسه (١) ، وفي طريقه إليها دخل دمشقَ وحدَّث بها (٢) . وتعدُّ رحلتُه إلى مصرَ أبرز تلك الرِّحْلات وأغناها؛ لأنَّها كانت في كُهولَتِه بعد أن علا كَعْبُه في العلم، وطالَ باعُه فيه، واستوى محدِّثاً بعيدَ الغَور حاذقَ الفهم ألمعيًّا. وقد قصد فيها إلى الوزيرِ أبي الفضل ابن حِنْزابةَ (٣) وزير كافورٍ الإخْشِيديِّ لمَّا بلغه أنَّه عازمٌ على

стр. 14

جمع "المسند" (١) ، فمضى إليه ليُساعدَه عليه، وأقام عنده مُدَّة، وبالغ أبو الفضل في إكرامِه وأنفَقَ عليه نفقةً واسعةً وأعطاه شيئًا كثيرًا، وحَصَلَ له بسببه مالٌ جَزيلٌ، ولم يزَلْ عنده حتى فَرَغَ "المسند"، وكان يجتمعُ هو والحافظُ عبد الغنيِّ بن سعيد الأزديُّ (٢) على تخريج "المسند" وكتابتِه الى أن نَجَزَ (٣) . وقد تعرَّض له بعضُ من ترجَمَ له بسبب هذه الرِّحلة وما أفاضَ عليه فيها ابنُ حِنْزابَة من مالٍ وافر، فقال اليافعيُّ: «قلت: فهذا ما لخَّصتُه من أقوال العلماء فى ترجمته، وكلُّ ذلك مدحٌ في حقِّه إلاَّ سفرَه إلى مصرَ من أجل الوزير المذكور؛ فإنَّه وإن كان ظاهرُه- كما قالوا- المساعدةُ له فى تخريج "المسند" المذكور، فلستُ أرى مثلَ هذا الإيقاع (٤) بأهل العلم ولا بأهل الدِّين، نعم لو كان مثلُ هذا لمُساعدةِ بعضِ أهل العلم والدِّين، لا يَشوبُه شيءٌ من أمور الدُّنيا، كان حسنًا منه وفضلاً وحِرصًا على نشر العلم والمساعدة فى الخير، وبعيدٌ أن تُطاوع النفوسُ لمثل هذا، إلاَّ إذا وفَّق الله، وذلك نادرٌ أومعدومٌ، وما على الفاضِل المتديِّن من أربابِ الولاياتِ ألَّفُوا أو

стр. 15

لم يُؤلِّفوا» (١) . وما ذهبَ إليه هؤلاءِ المنتقدون فيه نظرٌ؛ وذلك أنه يترجَّحُ لنا أن الدارقطنيَّ لم يقصِد الوزيرَ ابن حِنْزابَة سعيًا وراء المال والعَطاء، بل قصده رغبةً في العلم والأجر، فلم يكن ابن حِنْزابَة وزيراً فحسب، بل كان قبل ذلك عالماً وحافظاً من أهل الحديث، قال فيه الذهبيُّ: «الإمام الحافظ الثقة الوزير الأكمل … » (٢) . ونقل عن السِّلَفيِّ أنه قال فيه: «كان ابن حِنْزابةَ من الحفَّاظ الثقاث المتبجِّحينَ بصُحبة أصحاب الحديث، مع جَلالة ورياسة، يَروي ويُملي بمصرَ في حال وزارته، ولا يختار على العلم وصُحبة أهله شيئًا، وعندي من أماليه ومن كلامه على الحديث وتصرُّفه الدَّالِّ على حِدَّةِ فهمه ووُفور علمه» (٣) . ولم يكتفِ الدارقطنيُّ في مصرَ بمساعدة ابن حِنْزابةَ في "مسنده"، بل تنقَّل فيها ولقيَ الشُّيوخَ، وسمع الكتبَ، وأفاد طلاَّب العلم، وحرص على لقاء الشيوخ وإن خفي مكانهم، ومن ذلك ما ذكره الذهبيُّ في ترجمة أبي بكر محمَّد بن علي النقَّاش (٤) : أن الدارقطنيَّ قد رحَلَ إليه إلى تِنِّيس (٥) ، وكان مُنزَويًا بها، فلهذا لم ينتشر حديثه (٦) .

стр. 16

مَنزلةُ الدارَقُطني العلميَّةُ، وثناءُ العلماء عَلَيه: تقدَّم فيما مضى بيانُ تميُّز الدارقطنيِّ من لِداته وأترابه، وتفوُّقه عليهم في وقتٍ مبكِّر من حياته العلميَّة؛ لما حَباه اللهُ به من همَّة عالية، وشَغَفٍ بالعلم، ودَأَبٍ في تحصيله. وتقدَّم أيضًا أنه لم يبرِّز في علمٍ واحدٍ، بل أظهر براعةً وحِذقًا في غير ما علمٍ وفنٍّ، منها: القراءات القرآنيَّة، والفقه، وعلوم العربيَّة. كلُّ ذلك بوَّأه المنزلةَ الساميةَ التي ارتقى إليها، حتى عُدَّ جبلاً في العلم قليلَ النظير. ومن الأخبار والأقوال الدالَّة على منزلته ومكانته: ما رواه الخطيبُ البغداديُّ عن محمد بن على الصُّوري قال: سمعت أبا محمد رجاءَ بن محمد بن عيسى الأنصاري المعدل يقول: سألت أبا الحسن الدارقطنيَّ فقلت له: رأى الشيخُ مثلَ نفسه؟ فقال لي: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] . فقلت له: لم أُرِدْ هذا، وأنما أردتُّ أن أَعْلَمَهُ لأقولَ: رأيت شيخًا لم يرَ مثلَه، فقال لي: إن كان في فنٍّ واحد فقد رأيتُ من هو أفضَلُ مني، وأما من اجتمع فيه ما اجتَمَعَ فيَّ فلا (١) . وقال أبوعبد الله الحاكم في كتاب "مزكي الأخبار": «أبو الحسن صار واحدَ عصره في الحِفْظ والفَهْم والوَرَع، وإمامًا في القرَّاء

стр. 17

والنَّحويِّين، أول ما دخلتُ بغدادَ كان يَحضُر المجالسَ وسنُّه دون الثلاثين، وكان أحدَ الحفَّاظ» (١) . وقال: «صار الدارقطنيُّ أوحدَ عصره فى الحفظ والفهم والوَرَع، وإمامًا فى القرَّاء والنحويِّين، وفي سنة سبعٍ وستِّينَ أقمتُ ببغداد أربعةَ أشهرٍ، وكثر اجتماعُنا بالليل والنهار، فصادَفتُه فوق ما وُصِف لي، وسألتُه عن العللِ والشيوخ، قال: وأشهدُ أنَّه لم يخلِّف على أَديمِ الأرض مثلَه» (٢) . وقال أبو ذَرٍّ الهَرَويُّ: سمعت الحاكمَ أبا عبد الله محمد بن عبد الله، وسُئل عن الدارقطنيِّ؟ فقال: «ما رأى مثلَ نفسِه» (٣) . وقال الحافظُ عبد الغني بن سعيد الأزديُّ: «أحسنُ الناس كلامًا على حديث رسولِ الله ﷺ ثلاثةٌ: عليُّ بن المَديني في وقته، وموسى ابن هارونَ في وقته، وعليُّ بن عمر الدارقطنيُّ في وقته» (٤) . ومن ذلك أيضًا: ما تذكُره المصادرُ من استفادةِ طلاَّب العلم والعلماء من الدارقطنيِّ بمصرَ واحتفائهم به، وأشهَرُ من استفادَ منه الحافظُ الكبير عبد الغني بن سعيد الأزديُّ المِصريُّ.

стр. 18

قال البَرقانيُّ: «كنت أسمع عبدَ الغنيِّ بنَ سعيدٍ الحافظ كثيرًا إذا حكَى عن أبي الحسن الدارقطنيِّ شيئًا يقول: قال أستاذي، وسمعتُ أستاذي، فقلتُ له في ذلك، فقال: وهل تعلَّمنا هذَينِ الحَرْفَين من العلم إلاَّ من أبي الحسن الدارقطنيِّ» (١) . وقد أفاض الخطيبُ البغداديُّ في الثناء على الدارقطنيِّ وتعداد أوصافه الجليلة الرضِيِّة، ومن جملة ما قال: «وكان فريدَ عصره، وقريعَ دهره، ونسيجَ وَحْدِه، وإمامَ وقته، انتهى إليه علمُ الأثر، والمعرفةُ بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرُّواة، مع الصِّدق والأمانة، والفِقْه والعَدالة، وقَبول الشَّهادة، وصِحَّة الاعتقاد، وسَلامة المذهَب، والاضْطِلاع بعُلومٍ سوى علم الحديث، منها: القراءات، ومنها المعرفةُ بمذاهب الفقهاء، ومنها أيضًا المعرفةُ بالأدب والشِّعر. وقيل: إنه كان يحفَظُ دواوينَ جماعةٍ من الشُّعَراء. وسمعتُ حمزةَ بن محمد ابن طاهر الدقَّاق يقول: كان أبو الحسن الدارقطنيُّ يحفظ ديوانَ السيِّد الحِمْيَري في جُملةِ ما يحفَظُ من الشعر، فنُسِبَ إلى التشيُّع لذلك» (٢) . وقال الذهبيُّ: «كان من بُحور العلم، ومن أئمَّة الدنيا، انتهى إليه الحِفْظ ومعرفةُ علل الحديث ورجاله، مع التقدُّم في القراءات وطُرُقها، وقُوَّة المُشاركة في الفِقْه والاختلاف، والمَغازي وأيَّام الناس، وغير ذلك» (٣) .

стр. 19

وهاهُنا خبرٌ طريفٌ تحسُنُ الإشارة إليه في هذا السِّياق، فقد نُقِلَ عن البَرْقانيِّ أنه قال: «كان الدارقطنيُّ يُمْلي عليَّ العللَ من حفظه» . وقد عقَّب الذهبيُّ على ذلك بقوله: «إن كان كتابُ "العلل" الموجودُ قد أملاه الدارقطنيُّ من حِفْظه- كما دلَّت عليه هذه الحكايةُ- فهذا أمرٌ عظيمٌ يُقْضى به للدارقطنيِّ أنَّه أحفظُ أهل الدنيا، وإن كان قد أملى بعضَهُ من حِفْظه فهذا مُمكن، وقد جَمَعَ قبله كتابَ "العلل" عليُّ بن المَديني حافظُ زمانه» (١) . هذا، وإن استقصاءَ ما قيلَ في أبي الحسن الدارقطني يطولُ ويَعسُر، وحسبُنا ما أوردناهُ من كلام أهل العلم فيه لتَدُل هذه النصوصُ على ما وراءها، والله تعالى أعلم. وَفاتُه: اتَّفقت كلمةُ مَن ترجَمَ لأبي الحسن الدارقطنيِّ على أن وفاتَهُ كانت سنةَ خمسٍ وثمانينَ وثلاثِ مئة. وكان ذلك يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة. وقد دُفنَ ﵀ في مَقْبَرة بابِ الدَّيْر قريبًا من قبر مَعْروفٍ الكَرْخي (٢) .

стр. 20

شُيوخُ الدارَقُطنيِّ: شَرَع أبو الحسن عليُّ بن عمر الدارقطنيُّ في طلبِ العلم في وقتٍ مُبكِّر من حياته، وكثُرَت رحلاتُه في جَمعه وتَحصيله؛ فكثُر لذلك شُيوخُه الذين أخذَ عنهم وتخرَّج بهم. وقد ذهب الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السَّلَفي (١) إلى أن شيوخَ الدارقطني في كتاب "العلل" يربو عدَدُهم على مئتين، ثم ذكرَ منهم اثنين وعشرين راويًا من أشهر شُيوخه. كما قام الدكتور عبد الله بن ضَيْف الله الرُّحَيلي (٢) بإحصاء شُيوخه الذين روى عنهم في كتابه "السنن" وحدَه فبلغوا تسعينَ ومئتي راوٍ، في حين بلغوا زُهاءَ واحدٍ وخمسين وثلاث مئة راوٍ في الفِهرس الذي أعدَّه محقِّقو "سنن الدارقطني" (٣) . وذكر الدكتور موفَّق عبد القادر في مقدمة تحقيقه لـ"المؤتلف والمختلف": أن لديه قائمة بأسماء شُيوخه الذين روى عنهُم في "السنن"، و"المؤتلف والمختلف"، و"العلل"، والذين ذكرهم الخطيبُ في "تاريخ بغداد" مرتَّبين على حروف المعجم، وفي نيَّتة إخراجُها في مشيخة الدارقطنيِّ. ولأحد إخواننا من طلبة العلم في اليمن (٤) مُصَنَّف جمع فيه شيوخ

стр. 21

الدارقطني، وترجم لمن استطاع العثور على ترجمة له منهم، ولما يطبع بعد. لذا رأينا أن الجهودَ السابقةَ المبذولةَ في إحصاء شيوخ الدارقطني كفَتنا مؤونةَ جمعهم، فآثرنا الاقتصار على ذكر شُيوخِه الذين روى عنهم في كتابنا هذا "سؤالات السلمي"، وقد بلغوا خمسةً وعشرين شيخًا، نوردهُم مرتَّبينَ على حروف المعجم (١) : ١- إبراهيم بن حمَّاد بن إسحاق، أبو إسحاق الأَزْدي البصري (ت ٣٢٣هـ) . [٢٦١] . ٢- إبراهيم بن محمَّد، أبو إسحاق المعدَّلُ النَّسَويُّ. [٤٧٥] . ٣- أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن زياد، أبو سَهْل القطَّان البغدادي (ت ٣٥٠هـ) . [٥٠] . ٤- أحمد بن المُطَّلب بن عبد الله بن هارون الواثق، أبو بكر الهاشِمي (ت ٣٤٤هـ) . [١١٦] و [٣٤٦] . ٥- أحمد بن نَصْر بن طالب، أبو طالب الحافظُ البغدادي (ت ٣٢٣هـ) . [٣٣] و [١٤٣] و [٢٤١] . ٦- الحسين بن إسماعيلَ بن محمَّد، أبو عبد الله الضَّبِّي البغدادي المَحامِلي (ت ٣٣٠هـ) . [٢٧٤] .

стр. 22

٧- دَعْلَج بن أحمد، أبو محمَّد السِّجْزِي المعدِّل الإمام الفقيه. (ت ٣٥١هـ) . [٣٥] . ٨- عبد الرَّحيم بن إسماعيلَ القاضي. [٥٦] و [٥٧] . ٩- عبد الله بن محمَّد بن زياد، أبو بكر النَّيْسابوري الشافعي (ت ٣٢٤هـ) . [٤٦] و [٣٦٥] و [٣٨٢] و [٤١٨] . ١٠- عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، أبو القاسِم البَغَويُّ (ت ٣١٧هـ) . [٢١٣] . ١١- عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن الناصِح، أبو أحمدَ ابن المُفَسِّر الدمشقي، نزيل مِصْر (ت ٣٦٥هـ) . [١٢١] و [١٢٢] . ١٢- عبد الله بن يَحيى بن معاوية، أبو بكر الطَّلْحيُّ الكوفي (ت ٣٥٨هـ) . [٤٢٦] . ١٣- عثمان بن أحمدَ بن عبد الله، أبو عمرو ابن السمَّاك الدقَّاق (ت ٣٤٤هـ) . [٢٦٨] و [٤٧١] . ١٤- عليُّ بن موسى بن إسحاقَ، أبو الحسن، يُعرَف بـ «ابن الرزَّاز» . [٤١٥] . ١٥- القاسم بن إسماعيلَ، أبو عُبَيد الضَّبِّي (ت ٣٢٣هـ) . [٢٦٩] . ١٦- محمَّد بن أحمدَ بن إسحاقَ، أبو علي الصوَّاف (ت ٣٥٩) . [٤٧٢]

стр. 23

١٧- محمَّد بن أحمدَ بن عبد الله، أبو طاهر الذُّهْلي، قاضي الدِّيار المِصْرية (ت ٣٦٧هـ) . [٥١] . ١٨- محمَّد بن أحمدَ بن محمَّد بن جعفر، أبو بكر الحدَّاد الكِناني المِصْري الشافعي (٣٤٥هـ) . [٤٧٧] . ١٩- محمَّد بن داودَ بن سليمانَ، أبو بكر النَّيْسابوري (ت ٣٤٢هـ) . [٤٥] . ٢٠- محمَّد بن عبد الله بن زَكَريَّا بن حَيُّويَه، أبو الحسن المِصْري (ت ٣٦٦هـ) . [١٣٠] و [١٦٦] . ٢١- محمَّد بن عُبَيد الله بن طاهر، أبو جعفر لقبه «مُسَلَّم» بالتشديد. [٤٦٨] ٢٢- محمَّد بن مَخْلَد بن حَفْص، أبو عبد الله الدُّوري العَطَّار (٣٣١هـ) . [١١٥] و [١٨١] و [٢٤٩] و [٢٩٣] و [٤٠١] . ٢٣- محمَّد بن نوح، أبو الحسن الجُنْدَيْسابُوريُّ الفارِسيُّ نزيل بغداد (ت ٣٢١هـ) . [١٣٦] ٢٤- محمَّد بن يَحيى بن عبد الله، أبو بكر الصُّولي البغدادي (ت ٣٣٥) . [١٤٦] . ٢٥- يحيى بن محمَّد بن صاعِد، أبو محمَّد الهاشميُّ البغدادي (٣١٨هـ) . [٢٤٨] .

стр. 24

تلاميذه: عرف طلاَّبُ العلم المنزلةَ التي ارتقاها الدارقطنيُّ فسَعَوا إليه من كل صَوْبٍ، ووَفَدوا عليه من كل مِصر، راغبينَ في الأخذ عنه، وحريصينَ على السَّماع منه. وكثيرٌ ممَّن تلقَّى منه وتخرَّج به غَدوا من أعلام الأمَّة الكبار الذين يشارُ إليهم بالبَنان، ويؤخذ عنهم العلمُ والرِّواية. وقد ذكر الذهبيُّ جماعةً منهم في ترجمة الدارقطنيِّ في "سير أعلام النبلاء"، ونكتفي هنا بذكر أشهَرِهِم: ١- الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم النَّيْسابوري (ت ٤٠٥) (١) . ٢- الحافظ أبو محمَّد عبد الغني بن سعيد الأَزْدي المِصْري (ت ٤٠٩) (٢) . ٣- الحافظ أبو القاسِم تَمَّام بن محمَّد الرَّازي (ت ٤١٤) (٣) . ٤- الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني (ت ٤٢٥ هـ) (٤) . ٤- الحافظ أبو نُعَيم أحمدُ بن عبد الله الأَصْبَهاني (ت ٤٣٠) (٥) .

стр. 25

مُصَنَّفاتُ الدارَقُطنيِّ: يعدُّ الدارقطنيُّ من المُكثرين من التصنيف، فقد خلَّفَ لنا عشراتِ الكتب الجليلة النافعة في غير ما علمٍ وفنٍّ، جُلُّها في علم الحديث ونقده. وقد تَتبَّع كثيرٌ من الباحثين مصنفات الدارقطنيٍّ المطبوعة وغيرها، منهم الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السَّلَفي في مقدمة تحقيقه لكتاب "العلل الواردة في الأحاديث النبويَّة" المعروف بـ"علل الدارقطني"، والدكتور موفَّق بن عبد القادر في مقدمة تحقيقه لكتاب "المُؤتَلف والمُختلف"، والدكتور عبد الله بن ضَيف الله الرُّحَيلي في كتابه: "الإمامُ أبو الحسن الدارقُطني وآثارُه العلميَّة"، جزاهم اللهُ خيرًا. ونورد فيما يلي أشهر ما وقفنا عليه من مؤلَّفاته المطبوعة مرتَّبةً على حروف المعجم: ١- الأحاديثُ التي خُولفَ فيها إمامُ دار الهجرة مالكُ بن أنس. ٢- أحاديثُ الموطَّأ، واتِّفاقُ الرُّواة عن مالك، واختلافُهم فيه، وزياداتُهم ونُقصانُهم، ويعرف أيضًا بـ"اختلاف الْمُوَطَّآت". ٣- أخبارُ عمرو بن عُبَيد، وكلامُه في القرآن، وإظهارُ بدعته. * اختلاف الْمُوَطَّآت = أحاديث الموطَّأ ٤- الإخوَةُ والأخوات. مطبوعٌ بعضُه ومفقودٌ سائرُه. ٥- أربعونَ حديثًا من مسند بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُرْدَة.

стр. 26

٦- الأسخياء والأجواد، طبع باسم: المستجاد من فعلات الأجواد. ٧- أسماءُ التابعينَ ومن بعدَهُم ممَّن صَحَّت روايتُه عند مسلم. ٨- الإلزاماتُ على صَحيحَي البخاريِّ ومسلم. ٩- التتَبُّع: وهو في ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم، أو أحدهما، بيَّن الدارقطني عللها والصواب فيها. ١٠- تعليقٌ واستدراكاتٌ للدارقطنيِّ على كتاب "المجروحين" لابن حبَّان. ١١- الجُزء الثالثُ والعشرونَ من حديث أبي طاهِر محمَّد بن أحمدَ بن عبد الله الذُّهْلي القاضي. ١٢- جزء فيه علل أحاديث أودعها البخاري في صحيحه. ١٣- ذكرُ أسماء التابعينَ ومن بعدَهُم ممَّن صَحَّت روايتُه عند البخاريِّ. ١٤- ذكرُ قومٍ أخرجَ لهم البخاريُّ ومسلمٌ في صَحيحَيهما، وضعَّفهُم النسائيُّ في كتاب "الضعفاء". ١٥- رؤيةُ الله تعالى، وطبع مرة أخرى بعنوان: الرؤية ١٦- السُّنَن. ١٧- سُؤالاتُ البَرْقاني.

стр. 27

١٨- سُؤالاتٌ أُخْرى للبَرْقاني. ١٩- سُؤالاتُ أبي عبد الله الحاكم. ٢٠- سُؤالاتُ السُّلَمي. وهو كتابُنا هذا. ٢١- سُؤالاتُ السَّهْمي. ٢٢- سؤالات أبي عبد الله بن بكير للدار قطني. ٢٣- الصِّفاتُ، أو أحاديثُ الصِّفات. ٢٤- الضُّعَفاء والمتروكونَ من المُحدِّثين. ٢٥- العِلَلُ، أو العِلَلُ الواردةُ في الأحاديث النبويَّة. ٢٦- فَضائلُ الصَّحابة. مطبوع بعضُه ومفقودٌ سائرُه. ٢٧- الفَوائدُ المُنتَخَبة من حديث أبي عليٍّ محمَّد بن أحمدَ بن الحسن المعروف بابن الصوَّاف. ٢٨- المُؤتَلفْ والمُختَلفْ. ٢٩- النُّزول. أو أحاديثُ النُّزول.

стр. 28

التَّعريف بالسُّلَمي (١) : اسمُه ونَسَبُه ومَولدُه: هو: محمَّد بن الحُسَين بن محمَّد بن موسى بن خالد بن سالِم بن راوِيَة بن سعيد بن قَبيصَة بن سُراقَة، أبو عبد الرحمن، الأَزْدي، السُّلَمي الصُّوفي. والأَزْدي: نسبةٌ إلى «أَزْد شَنُوءَة» ، وهي قَبيلة أبيهِ، لكنَّه اشْتُهر بـ"السُّلمي"، وهي نسبةٌ إلى قَبيلة أُمِّه بني سُلَيم. مَولدُه: وُلدَ السُّلَمي في عاشِر جُمادى الآخِرَة، سنةَ خمسٍ وعشرينَ

стр. 29

وثلاثِ مئة، على ما ذكر تلميذُه أبو سعيد محمَّد بن علي الخَشَّاب (١) . وقيل: وُلدَ يوم الثَّلاثاء، العاشرِ من جُمادى الآخِرَة، سنةَ ثلاثينَ وثلاثِ مئة. نَشأتُه وطَلَبُه للعِلم: نشأ أبو عبد الرحمن السُّلمي في بيتٍ يغلبُ عليه التصَوُّف والزُّهد؛ فأبوه الحسين بن محمَّد كان من الزَّاهِدينَ السَّالكين طرقَ التصوُّف، ولم يُعرَف عنه العنايةُ بطلب العلم أو رواية الحديث. أمَّا جَدُّه لأمه فهو الشيخُ العالم المحدِّث الزاهد الصُّوفي الكبير أبو عمرو إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسُف السُّلمي (٢) . وأمَّا جدُّ جدِّه أحمد بنُ يوسفَ السُّلميُّ فكان من ثقاتِ المحدِّثينَ، سأل أبو عبد الرحمن السلمي عنه الدارقطنيَّ فقال: ثقةٌ نبيل (٣) . ولقد لازمَ السُّلميُّ جدَّه أبا عمرو ملازمةً، فانتفع بذلك أيَّ نفع، فكان رفيقَه في حضور العلم ومجالس الرِّواية والتحديث. ولم ينتفع

стр. 30

بذلك فحسبُ، بل إنَّ ثراءَ جدِّه مكَّنه من التَّفرُّغِ لطلب العلم صغيرًا والانقطاع له. فكتب بخطِّه في سنة ثلاثٍ وثلاثين وثلاث مئة عن أبي بكر الصبغي، وهو لمَّا يتجاوزِ الثامنةَ من عمره، وابتدأَ بالتصنيف سنة نيف وخمسين وثلاث مئة، وهو في منتصف عِقْدِه الثالث. ورحل في طلب الحديثِ والعلم إلى بُلدانٍ كثيرة، قال الذهبيُّ: «كتب الحديثَ بمَرْوَ ونَيْسابورَ والعراقِ والحِجاز» (١) . مكانتُه وكلامُ العلماء فيه: كان السُّلميُّ جليلَ القَدْر عند أهل بلدِه، عظيمَ المنزلة في طائفتِه، جمع شيوخًا وكتبًا. وكان صاحبَ حديثٍ مُجوِّدًا، وله عنايةٌ خاصَّةٌ بالصوفيَّة وأخبارهم، صنَّف لهم كتبًا في السنن والتفسير والتاريخ (٢) . قال الذهبيُّ: «قال الخشَّاب (٣) : كان مَرْضيًّا عند الخاصِّ والعام، والمُوافِق والمُخالِف، والسُّلطان والرَّعِيَّة، في بلده وفي سائِر بلاد المسلمين، ومضى إلى الله كذلك، وحَبَّب تصانيفَه إلى الناس، وبيعَتْ بأغلى الأثمان، وقد بعْتُ يومًا من ذلك على رَداءة خطِّي بعشرين دينارًا؛ وكان في الأحياء» (٤) .

стр. 31

وقال عبدُالغافر بن إسماعيلَ الفارسيُّ: «أبو عبد الرحمن شيخُ الطريقة في وقته، المُوفَّق في جمع علوم الحَقائق، ومعرفة طريق التصَوُّف، وصاحبُ التصانيف المشهورة في علوم القوم، وقد وَرِثَ التصوُّفَ عن أبيه وجدِّه، وجمع من الكتُب ما لم يُسبَق إلى ترتيبه في غيره، حتى بلغ فِهْرست تصانيفه المئةَ أو أكثر، حدَّث أكثر من أربعينَ سنةً إملاء وقراءة، وكتب الحديثَ بنَيْسابور ومَرْوَ والعراقِ والحجاز، وانتَخَب عليه الحفَّاظ الكبار» (١) وقد بلغ السُّلميُّ منزلةً عاليةً في معرفة الرجال وأحوالهم، حتى قال الذهبيُّ عنه: «وقد سألَ أبا الحسن الدارقطنيَّ عن خَلْقٍ من الرجال سؤالَ عارفٍ بهذا الشأن» (٢) . ومع هذه المنزلة العالية في العلم؛ أُخذت عليه أمورٌ بسبب تصوُّفه وإغراقه فيه؛ فقد اتُّهمَ بوضع الأحاديث للصُّوفيَّة، والتهاون في رواية الأحاديث والحكايات الموضوعَة والباطلَة. قال الخطيبُ: «قال لي محمَّدُ بنُ يوسفَ القطَّانُ النيسابوريُّ: كان أبو عبد الرحمن السلميُّ غيرَ ثقةٍ، ولم يكن سَمِعَ من الأصمِّ إلاَّ شيئًا يسيرًا، فلمَّا مات الحاكمُ أبو عبد الله بنُ البيِّع؛ حدَّث عن الأصمِّ بـ"تاريخِ يحيى بن معين" وبأشياءَ كثيرةٍ سواه، قال: وكان يضعُ للصُّوفيةِ الأحاديثَ» (٣) .

стр. 32

ومن هنا ذهبَ بعضُ الأئمَّة إلى تضعيفه وردِّ ما يتفرَّد به من روايات. قال الذهبيُّ في وَصْفه: «الحافظُ العالم الزَّاهد شيخ المشايخ … سمع خلقًا كثيرًا، وكتب العاليَ والنازلَ، وصنَّف وجمعَ، وسارت بتصانيفه الرُّكْبان … إلا أنه ضعيفٌ» (١) . وقال أيضًا: «في القلب ممَّا يتفرَّد به» (٢) . ودافعَ عنه بعضُ الأئمَّة بأن مثله لا يتعمَّد الكذب، وحَمَلوا ما رواه من الأباطيل على أنه من الوَهَم (٣) . وأكثر ما أُخِذ عليه: تأليفه لكتاب "حقائق التفسير"، فقد أبعَدَ فيه النَّجْعَة، وتنكَّب مذهبَ أهل السنة، ومضى مع الصُّوفيَّة في غُلُوِّهم وفلسفتهم، حتى عُدَّ كثيرٌ مما فيه من زَنْدَقَة الباطنيَّة والقَرامِطَة، وتحريفًا لكلام الله ومُراده. قال الذهبيُّ: «في تصانيفه أحاديثُ وحكاياتٌ موضوعة، وفي "حقائق التفسير" أشياءُ لا تَسوغ أصلاً، عدَّها بعضُ الأئمة من زندقة الباطنيَّة، وعدَّها بعضُهم عرفانًا وحقيقة، نعوذ بالله من الضَّلال ومن الكلام بهوى، فإن الخيرَ كلَّ الخير في متابعة السنة والتمسُّك بهدي الصَّحابة والتابعين ﵃» (٤) .

стр. 33

وقال في "تاريخ الإسلام": «وله كتابٌ سماه "حقائق التفسير" ليتَه لم يصنِّفْه؛ فإنه تخريفٌ وقَرْمَطَةٌ، فدونَكَ الكتابَ فسترى العَجَبَ» (١) . وذهب الإمامُ الواحديُّ المفسِّر إلى أبعدَ من ذلك، فقد نقل عنه الإمامُ ابن الصَّلاح في "الفَتاوى" أنَّه قال: «صنَّفَ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ "حقائق التفسير"، فإن كان اعتَقَدَ أن ذلك تفسيرٌ فقد كَفَرَ» (٢) . وَفاتُه: تُوفِّي السُّلمي في شهر شعبانَ (٣) ، سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، بنَيْسابور، وكانت جنازتُه عظيمةً مَشهودَة (٤) ، رحمه الله تعالى وعفا عنَّا وعنه. شُيوخُه: تقدم فيما مضى أن السُّلميَّ أكثَرَ من القراءة والرِّواية عن الأشياخ. قال السمعانيُّ: «كان مكثرًا من الحديث، وله رحلةٌ إلى العراق والحِجاز، وشيوخُه أكثر من أن تذكر» (٥) .

стр. 34

ونكتفي هنا بذكر أهم شُيوخه: ١- أحمد بن إسحاقَ بن أيوبَ بن يزيد، أبو بكر الصِّبْغي. ٢- إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسف، أبو عمرو السُّلَمي، وهو جَدُّه لأمه. ٣- علي بن عمرَ بن أحمدَ بن مهدي، أبو الحسن الدارقطنيُّ. ٤- محمَّد بن يعقوبَ بن يوسف بن الأَخْرَم، أبو عبد الله الشَّيباني، الحافظ، محدِّث نَيْسابور وعالمُها. ٥- محمَّد بن يعقوبَ بن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان، أبو العبَّاس الأَصَمُّ. تَلاميذُه: روى عن السلميِّ جمعٌ من طلاَّب العلم، نقتَصِر على ذكر أشهرهم: ١- أحمد بن الحُسَين بن عليِّ بن موسى، أبو بكر البَيْهَقي، صاحب "السنن". ٢- عبد الكريم بن هَوازن، أبو القاسم القُشَيري، صاحب "الرسالة القُشَيرية". ٣- عليُّ بن أحمدَ المَديني، أبو الحسن المؤذِّن، وهو آخرُ من حدَّث عنه (١) .

стр. 35

٤- محمَّد بن يحيى بن إبراهيم، أبو بكر النَّيْسابوري المُزَكِّي. مُصنَّفاتُه: خَلَّف السُّلميُّ عددًا من المصنَّفات، نذكر منها أشهرَها: ١- آداب الصُّحبة وحسنُ العِشرَة. ٢- تاريخُ الصُّوفيَّة. ٣- حقائقُ التفسير. ٤- السُّؤالاتُ، وهو كتابنا هذا. ٥- طبقات الصُّوفيَّة.

стр. 36

التَّعريفُ بكُتُب السُّؤالات ذكرنا في المقدمة أن كتب السُّؤالات نمَطٌ من التصنيف معروفٌ؛ يوجِّه فيه الطالبُ أسئلةً إلى شيخه فيما يُشْكِلُ عليه من المسائل في الفنِّ الذي اشتُهِرَ به الشيخ، أو ما يهمُّه معرفةُ رأي شيخه فيه. أما السؤالات العلمية في فروع العلوم المختلفة، فإن أول علم صُنِّف فيه هذا النمط من التصنيف: هو علم الفقه، وأقدم سؤالات وقفنا على الإشارة إليها: ١- سؤالات محمَّد بن عواد بن راشد الجرجاني لأبي يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة ﵏، وقد ذكرها السهمي في "تاريخ جرجان" (١) في ترجمة محمَّد بن عواد هذا، فقال: «له أحاديث ومسائل سأل أبا يوسف القاضي بجرجان» . وقال في ترجمة أبي يوسف (٢) : «سأله محمَّد بن عواد بن راشد عن سؤالات في الفقه» . وكان أبو يوسف قد ولي قضاء جرجان في خلافة المهدي، وظل بها إلى أن مات المهدي سنة تسع وستين ومئة، فقدم مع الهادي إلى بغداد بعد توليه الخلافة، فولاَّه الهادي قضاء بغداد، فلم يزل على قضائها إلى أن مات سنة اثنتين وثمانين ومئة في خلافة هارون الرشيد (٣) .

стр. 37

إذن، فيكون محمَّد بن عواد جمع هذه السؤالات قبل سنة تسع وستين ومئة، في فترة وجود أبي يوسف بجرجان مع الهادي. ٢- سؤالات عمرو بن أبي سلمة أبي حفصٍ التِّنِّيسيِّ (ت ٢١٣هـ) التي سأل عنها الإمام مالكًا. قال الوليد بن بكر الأندلسي الحافظ: عمرو بنُ أبي سلمةَ: أحدُ أصحابِ الحديثِ؛ من نمطِ ابنِ وهبٍ، يختارُ من قولِ مالكٍ والأوزاعيِّ والليثِ بنِ سعدٍ، ويعوِّلُ في أكثر قوله على مالكٍ، وله ثلاثةُ أجزاءٍ سؤالاتٍ سأل عنها مالكًا، كلُّها بألفاظِ مالكٍ، ما رأيتُ كلامًا أشبه بألفاظِ مالكٍ منها (١) . ٣- "المدوَّنة": قال الذهبي (٢) : «وأصل الْمُدَوَّنَةِ أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم، فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيرًا، وأسقط، ثم رتَّبها سحنون وبوَّبها، واحتجَّ لكثيرٍ من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها بل رأي محض، وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علَّم عليها وهمَّ بإسقاطها وتهذيب المدونة، فأدركته المنية ﵀؛ فكبراءُ المالكية يعرفون تلك المسائلَ ويقرِّرون منها ما قَدَروا عليه، ويُوهنون ما ضَعُف دليلُه» .

стр. 38

٤- كتاب "الأقضية"، وهو كتاب في سؤالات حبيب بن نصر ابن سهل التميمي (ت ٢٨٧ هـ) لسحنون (١) . ٥- وأشهر ما يأتينا بعد ذلك وأكثره: ما نُقل عن الإمام أحمد من مسائلَ، وقد جمع العلامةُ الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد الذين نقلوا مسائلَ عن الإمام أحمد في كتابه "المدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (٢) فبلغ عددهم ما يزيد على السبعين ومئة. أما السَّؤالاتُ الحديثيَّة والكتب المصنفة في ذلك، فأهمُّ ما وَقَفنا عليه منها: ١- سؤالات إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الخُتَّلي (ت ٢٦٠هـ) للإمام أبي زكريا يحيى بن معين (ت ٢٣٣هـ) (٣) . ٢- سؤالات الأثرم (توفي في حدود ٢٦٠ هـ) للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت٢٤١ هـ) (٤) .

стр. 39

٣- سؤالات أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ) للإمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) (١) . ٤- سؤالات عثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠هـ) للإمام يحيى ابن معين (ت٢٣٣هـ) (٢) . ٥- سؤالات محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٩٧هـ) لعلي بن المديني (ت ٢٣٤هـ) (٣) . ٦- سؤالات محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٩٧هـ) لطائفة من شيوخه في الجرح والتعديل (٤) . ٧- سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ) (٥) .

стр. 40

٨- سؤالات ابن بُكير (ت ٣٨٨ هـ) للدارقطني (ت ٣٨٥هـ) (١) . ٩- سؤالات الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) للدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) (٢) . ١٠- سؤالات السُّلَمي (ت ٤١٢ هـ) للدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) (وهو كتابنا هذا) . ١١- سؤالات البَرْقاني (ت ٤٢٥ هـ) للدارقطني (ت ٣٨٥هـ) (٣) . ١٢- سؤالات السَّهْمي (ت ٤٢٨ هـ) للدارقطني (ت ٣٨٥هـ) (٤) . ١٣- سؤالات أبي نعيم (ت ٤٣٠ هـ) للدارقطني (ت ٣٨٥هـ) (٥) . ١٤- سؤالات مسعود بن علي السجزي (ت ٤٣٨هـ) لأبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥هـ) (٦) .
следующие страницы →