← Общие книги

Общие книги · id 16818

دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه

إسحاق السعدي

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وأشرفها؛ لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقبلة والرسول والكتاب والشريعة) (١). ١٠ - أمَّا ما زعمه (شاخت) في مفهوم الزكاة، وأنَّ الرسول ﷺ استعارها من الاستعمال اليهودي لها بمعنًى أوسع ممَّا تعنيه في معناها العربي قبل الإسلام، فإنَّ زعمه هذا يأتي في سياق دراسته للزكاة في الإسلام، وقد أكد الباحثون بأنَّ دراسته تلك غير دقيقة، وأنها اتسمت بالآتي: أ- انتهج فيها (إطلاق تعميمات تحتاج إلى تقييد، أو إغفال تفصيلات مهمة تتعلق بمبدأ عام، أو استعمال عبارات مجملة بينما يقتضي المقام التعبير عن معنى واحد لا غير، وعدم الدقة في العبارة والفكرة) (٢). ب- استحوذ على فكره ومنطلقه في تلك الدراسة الربط بين مفهوم الزكاة في الإسلام ومفهومها في اليهودية ليدلل بذلك على أن الرسول ﷺ أخذه من اليهود، وأنَّه في سبيل ذلك حجَّرَ واسعًا، وجعل نفسه حبيسًا في أغلال المباحث اللفظية، ولم يتعدها إلى مقارنة المعاني والأحكام (٣). ج- خضع في منهجه هذا لذلك المنهج الشائع بين علماء اليهود وهو (الإصرار على نسبة كل الكلمات المشتركة بين اللغات السامية إلى اللغة العبريَّة) (٤). وإذا كانت دراسة (شاخت) للزكاة قد اتسمت بعدم الدّقّة، وانتقدت

стр. 807

من حيث المنهج ومن حيث المضمون، وتصدَّى لذلك أهل الاختصاص من علماء الأُمَّة الإسلاميَّة (١)، فإنَّ ما يهم هنا هو الرد على زعمه الخاص بأنَّ مفهوم الزكاة في الإسلام مقتبس ومنقول عن اليهود، والرد على ذلك من وجوه أبرزها الآتي: أ- إنَّ اللغة العبريَّة والآراميَّة والعربية وغيرها تعود إلى اللغة الساميَّة، فإذا وجدت جذور مشتركة لبعض الكلمات في هذه اللغات فلا يعني ذلك أن إحدى اللغات المذكورة نقلت من الأخرى، ولا يُمكن الجزم بذلك فقد يكون سبب ذلك الاشتراك عودتها جميعًا إلى أصل واحد (٢). ب- لو فرض أن لفظ (زكاة) مقتبس من العبرية فإنَّ الرسول ﷺ ليس هو الذي نقله من العبريَّة إلى العربية، إذ أنَّ هذا اللفظ موجود في اللغة العربية قبل الإسلام، ولئن كان من معانيه في العربية ما يوافق بعض معانيه في العبرية مثل الطهر فإنَّ له معاني أخرى استقل بها في العربية، منها: (النماء والزيادة والبركة والصلاح والزكا والمدح) (٣). ويشترك من ناحية ثانية مع كلمات عدّة، مِمَّا يدل على عمق دلالته في

стр. 808

اللغة العربية وأصالته، بينما الكلمات المقترضة من لغة أخرى تكون جامدة، ومقطوعة الصلة بغيرها من الكلمات الأخرى في تلك اللغة التي نقلت إليها (١). ج- جعل الإسلام للزكاة مفهومًا شرعيًّا متميِّزًا وهو زكاة الأموال وعروض التجارة بصفة محدَّدة ومقررة شرعًا، ويؤكد الباحثون بأنّ الإسلام استخدم هذا المعنى أو المفهوم الشرعي قبل الهجرة وبعدها. د- مِمَّا سبق الرد به على شبهات المستشرقين التي تدور حول دعوى التشابه تبين أنَّ التشابه حدث بسبب وحدة المصدر، وحيث إنَّ الزكاة قد فرضت في الأديان والشرائع السابقة للإسلام؛ فإنَّ ذلك مدعاة للتشابه فيما بين أحكام تلك الأديان والشرائع وبين أحكام الإسلام، وفي سياق قصص الأنبياء والرسل الذين ذكرهم اللَّه جل وعلا لنبيه ﷺ ورد ما يبين مشروعية الزكاة في شرائعهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقوله عن عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]. وإذا كانت هذه الأوجه كفيلة بدحض مزاعم (شاخت) وإسقاط الاحتجاج بها؛ فإنَّ هناك أوجهًا أخرى كثيرة تبين بجلاء استقلال تشريع الزكاة في الإسلام عما هو معهود في الشرائع السابقة للإسلام وعن النظم المعاصرة في المجتمعات الغربية، وهو ما يعرف بالضمان الاجتماعي، وأنَّه كما قال أحد الباحثين يُعَدُّ معجزة الرسول ﷺ الاقتصادية (٢). وهذا التميُّز الذي اتسم به تشريع الزكاة في الإسلام ليس محصورًا في

стр. 809

ناحية دون أخرى بل في كل ناحية (سواء في صفته الإلزامية، أو في تحديده التفصيلي أو خصائصه الاقتصادية، أو في استخدامه للسلطة الاجتماعية في إعادة التوزيع من الأغنياء إلى الفقراء، أو في عزله الصارم لموارد الزكاة عن مالية الدولة العامَّة) (١). ويُمكن الاقتصار في الرد على مزاعم (شاخت) بإيراد مثالين -فقط- يبين أحدهما أهمَّ الفروق بين تشريع الزكاة في الإسلام وبين الواجبات الدينية في الديانات الأخرى، ويبين الآخرُ الفارقَ بين تشريع الزكاة في الإسلام -أيضًا- وبين التشريعات المعاصرة للضمان الاجتماعي في الدول الصناعية (٢). أمَّا الأول: فإنَّ (الواجبات الدينية في الديانات الأُخرى هي أساس لتمويل وظيفة الوساطة الدينية، ولإعاشة رجال الدين وتشغيل وإنشاء المعابد) (٣)، على حين تكون الزكاة في الإسلام مقصورة بالدرجة الأولى (على الفقراء، وقد حرمت الزكاة والصدقة عمومًا على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله، وعلى العلماء بالشريعة إلَّا أن يكونوا فقراء فيتقاضونها بصفة الفقر لا بصفة العلم والدين، بل اتفقت المذاهب الأربعة على أنَّه لا يجوز صرف الزكاة حتى لبناء المساجد، بل ينبغي بناؤها من غير أموال الزكاة) (٤).

стр. 810

وأمَّا الثاني: فإنَّ (التشريعات المعاصرة للضمان الاجتماعي في الدول الصناعية (تولدت) نتيجة تعاظم القوة السياسية للفئات الاجتماعية المستفيدة منه، وتهديدها الصريح أو الضمني للمجتمع إن لم يستجب لمطالبها) (١)، على حين كان تشريع الزكاة في الإسلام أحد أركان الإسلام الخمسة، وجاء (جزءًا من نظام حياة متكامل أوحي إلى نبي أمّي) (٢). وقد لفت نظر بعض الباحثين ذلك الموقف الحازم الحاسم الذي وقفه أبو بكر الصديق ﵁ من مانعي الزكاة، وقال: (واللَّه لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة) (٣)، إذ كان ذلك الموقف (حدثًا فريدًا في تاريخ الإنسانية، وهو أن يخاطر مجتمع بوجوده فيدخل حربًا لمصلحة فقراء وضعفاء لم يكن لهم فيه وزن سياسي متميز، وما كانوا ليفكروا أو ليقدروا على التشويش أو إحداث القلاقل والاضطراب تأكيدًا لمصالحهم) (٤). * * *

стр. 811

تحقيق الاستخلاف وموقف المستشرقين منها • تمهيد • مفهوم الاستخلاف وأهميته. • مقومات الاستخلاف بعامة. • مقومات استخلاف الأمَّة الإسلاميَّة بخاصة. • موقف المستشرقين من تحقيق الاستخلاف.

стр. 812

تمهيد يتحقق الاستخلاف بإقامة دين اللَّه في الأرض، وذلك من أبرز أهداف تميز الأمّة الإسلاميَّة لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فبإقامة دين اللَّه في الأرض بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان باللَّه يتحقق الاستخلاف في الأرض، وتضطلع الأُمَّة بحمل الأمانة.

стр. 813

مفهوم الاستخلاف وأهميته أ- معنى الاستخلاف في اللغة: أصل الاستخلاف في اللغة من (خَلَفَ)، وله -كما قال ابن فارس-: (أصول ثلاثة، أحدها: أنْ يجيء شيءٌ بعد شيء يقوم مقامه، والثاني: خلاف قُدَّام، والثالث: التغيُّر؛ فالأول: الخَلَف، والخَلَف: ما جاء بعد، ويقولون: هو خَلَفُ صِدقٍ من أبيه، وخَلَفَ سوء من أبيه؛ فإذا لم يذكروا صدقًا ولا سوءًا، قالوا للجيِّد: "خَلَفٌ"، وللرديِّ: "خَلْفٌ") (١). وقال الفيروزآبادي: (الخَالِفَة: الأُمَّة الباقية بعد الأُمَّة السالفة والخليفة: السلطان الأعظم. . . كالخليف (وجمعه) خلائف وخلفاء، وخَلَفَه خلافَةً: كان خليفته، وبقيَ بعده) (٢). وقال الراغب الأصفهاني: (الخلافة: النيابة عن الغير إمَّا لغيبة المَنُوبِ عنه، وإمَّا لموته، وإمَّا لعجزه، وإمَّا لتشريف المُسْتَخْلَف، وعلى هذا الوجه الأخير: استخلف اللَّه أولياءه في الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧]، وقال: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧] (٣). ب- مفهوم الاستخلاف عند بعض المفسرين والعلماء والباحثين: قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧]:

стр. 814

(أي: يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه) (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قال بعض المفسرين: (هذا شروع في ابتداء خلق آدم ﵇ أبي البشر، وفضله، وأنّ اللَّه -حين أراد خلقه- أخبر الملائكة بذلك، وأنّ اللَّه مستخلفه في الأرض) (٢)، وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المراد بالخليفة في الآية المذكورة هو آدم وبنوه (٣). وللعلماء في خلفة وخلائف وخلفاء آراء كثيرة، منها: (الخلافة عن اللَّه، ومنها: أن خليفة بمعنى خلفاء يعقب بعضهم بعضًا ولا بقاء لهم، ومنها: أنهم يخلفون من كان قبلهم من الجن بعد أن أهلكهم اللَّه بسبب فسادهم) (٤). وقد اعترض شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على القول بأن الإنسان خليفة اللَّه في الأرض احترازًا مِمَّا يحمله هذا القول من تأثير فلسفي مؤداه (قولهم: الإنسان هو العالم الصغير وضموا إليه أن اللَّه هو العالم الكبير، بناءً على أصلهم الكفري في وحدة الوجود، وأنّ اللَّه هو عين وجود المخلوقات، فالإنسان من بين المظاهر هو الخليفة الجامع للأسماء والصفات، ويتفرع على هذا ما يصيرون إليه من دعوى الربوبيَّة والألوهية المخرجة لهم إلى الفرعونية والقرامطة والباطنية) (٥)، بيدَ أنَّ بعض

стр. 815

المفكرين ناقش المقصود من الخلافة مستندًا إلى ما ورد في معناها من كونها النيابة عن الغير لتشريف المستخلف (كما ذكر ذلك الأصفهاني)؛ ولأنّ ما ذهب إليه شيخ الإسلام لا يتأتى في هذا المعنى المشار إليه (١)، وقد عزَّز ذلك أحد المفكرين بقوله: (إنَّ القول بخلافة الإنسان للَّه في الأرض جائز، ولا يلزم من ذلك خلو الأرض من سلطان اللَّه ، فكما أن المؤمنين يرثون الأرض ويتبوؤن من الجَنَّة حيث يشاؤون في الآخرة، واللَّه هو الذي يورثهم إياها، دون أن يلزم من هذا المعنى والمفهوم موت الموروث ﷻ ولا غياب هيمنته أو خلو الجنّة من سلطانه، كذلك يجوز القول بأن اللَّه تعالى حين استخلف الإنسان في الأرض أصبح الإنسان المؤمن خليفة له دون أن يلزم من هذا خلو سلطانه من الأرض، أو غياب هيمنته عليها) (٢). ثُمَّ إنّ الخلافة إمَّا أن تكون ممثلة في (آدم ومن قام مقامه في طاعة اللَّه والحكم بالعدل بين خلقه) (٣)، وإمَّا أن تكون لجميع البشر يخلف بعضهم بعضًا، ومنهم من يخرج عن طاعة ربه ويكفر بما جاءه من الهدى (٤)، ولذلك فرَّق بعض الباحثين بين مسمَّى (خلائف) ومسمّى (خلفاء)، وجعل (صيغة "خلائف" في الوراثة الزمنيَّة للأمم الكافرة التي أهلكها اللَّه، والتي يجب أن تكون الأمم الخالفة فيها مخالفة للأمم المخلوفة في نهجها وسلوكها) (٥)، وجعل (صيغة "خلفاء" في الوراثة الدينيَّة الصالحة؛ لأنَّها

стр. 816

جاءت بعد انقضاء أجل الأُمَّة الصالحة، وهذا يعني أنّ على الأمة الخالفة أن تقتدي بالأمَّة المخلوفة، وأن تسير على نهجها وسلوكها) (١). ومهما بلغت الفوارق بين صيغ (خليفة) و (خلائف) و (خلفاء) و (مستخلفين) ونحو ذلك مِمّا ورد في قضية الاستخلاف فإنَّ العبرة بما قصَّهُ اللَّه من تفضيله لآدم ﵇ وذريته على سائر المخلوقات، وما فطره عليه من التوحيد والعلم، وكذلك ما حدث منه وزوجه من معصية كانت سببًا لإخراجهما من الجنَّة، ثُمَّ ما حدث منهما من ندم وتوبة، وما تفضل به أرحم الراحمين (٢) من قبول لتوبتهما، ومن ثُمَّ بدأ تاريخ الاستخلاف، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]، وببداية الاستخلاف بدأ الصراع بين الخير والشر، فقد أهبط آدم وزوجه ومعهما إبليس إلى الأرض لتبدأ ملحمة العداء بين آدم هو وذريته في جانب مع إبليس وذريته في الجانب الآخر (٣). قال بعض المفسرين: (ومن المعلوم أن العدو يجد ويجتهد في ضرر عدوه، وإيصال الشر إليه بكل طريق؛ وحرمانه الخير بكل طريق، ففي هذا (أي: قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]) تحذير بني آدم من الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ

стр. 817

لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] ثُمَّ ذكر الإهباط فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] أي: مسكن وقرار، ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] انقضاء آجالكم، ثُمَّ تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها، وخلقت لكم، ففيها أنّ مدة هذه الحياة مؤقتة عارضة، ليست مسكنًا حقيقيًا، وإنَّما هي معبر يتزود منها لتلك الدار، ولا تعمر للاستقرار. . . ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] أي: أي وقت وزمان جاءكم مني، يا معشر الثقلين، هدًى أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي، فمن تبع هداي منكم، بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]؛ فرتَّب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف، والحزن، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية، والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه) (١). يتبين من هذا ونحوه: أنَّ الاستخلاف ينطوي على شيء من الابتلاء والامتحان، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩] (٢).

стр. 818

واقتضت حكمة اللَّه أن يتحقق الاستخلاف بظهور الحق، وانتصار الصالحين، وتمكينهم في كل دورة من دورات الصراع بين الحق والباطل، وأن تكون العاقبة للمتقين، وأن يؤول الاستخلاف إليهم؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، قال ابن كثير في تفسيرها: (أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره) (١). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. ج- تعريف الاستخلاف في الاصطلاح: أمَّا تعريف الاستخلاف في الاصطلاح فهو: (عبادة طوعيَّة للَّه بالتزام هديه وشرائعه ينشأ عنها ضبط للسلوك الإنساني في علاقته مع اللَّه وعلاقته بالكون والمخلوقات؛ بحيث تسير الحياة الإنسانية ضمن إطار الصلاح) (٢).

стр. 819

د- أهمية الاستخلاف: يشتمل استخلاف الإنسان في الأرض -كما ذكر بعض الباحثين- على علاقتين هما وجهان لحقيقة واحدة، وهي الخلافة أو الاستخلاف: أمَّا العلاقة الأولى فهي (بين الإنسان وربه. . . تتمثل في الخضوع والطاعة والاستجابة واستسلام الخليفة لمن استخلفه، أو هكذا يجب أن تكون، وبكلمة واحدة نعبر بها عن هذه العلاقة نقول: إنها عبودية، أمَّا العلاقة الثانية من علاقتي الخلافة، فإنَّها تتمثل في سيطرة الإنسان الخليفة وهيمنته واستغلاله وحاكميته وتسخيره لكل ما استخلفه اللَّه عليه، أي: لكل ما في الأرض وما عليها، وما في باطنها من أشياء وأحياء، وبكلمة واحدة نقول: إنّ الإنسان سيد عليها، أي: أنّ هذه العلاقة تسمى سيادة، فالخلافة: عبوديَّة وسيادة) (١). كما أنَّ هذه السيادة لا تتأتى للإنسان في وضعها الصحيح إلَّا بتحقيق العبوديَّة للَّه (فماذا لم يحقق الإنسان عبوديته للَّه فإنَّه يضيع سيادته في الأرض؛ لأنَّه إذا لم يحقق الإنسان عبوديته للَّه وحده، فإنه سيسقط بالضرورة في عبوديته لغير اللَّه ومن ثُمَّ يفقد سيادته على هذا الغير، وإذا لم يحقق الإنسان سيادته في الأرض، فإنَّه بالتالي يصعب عليه أن يكون عبدًا للَّه وحده، والمثل الواضح على هذا هو الوثني الذي يتوسل إلى اللَّه بأحياء أو أشياء مادية، فإنَّ هذا التوسل أو التزلف بها إلى اللَّه هو المانع الأول والحقيقي لسيادة الإنسان عليها ما دام يعتقد أنها أفضل منه وأقرب إلى اللَّه فكيف يُمكن أن يسخرها لنفسه؟ وهذا التوسل شرك

стр. 820

باللَّه ، ومن ثمَّ فالشرك أو الكفر فقد للسيادة، وفقد للعبوديَّة، والتوحيد تحقيق للسيادة، وتحقيق للعبوديَّة؛ لأنّ معنى إفراد اللَّه بالعبادة استعلاء الموحد على كل ما سوى الإنسان في الأرض، وهذا معنى السيادة) (١). وبهذا تتضح أهميَّة الاستخلاف، وأنّه هدف مهم من أهداف تميز الأمّة الإسلاميَّة يقترن بهدف تحقيق العبوديَّة، وأن [استخلاف الإنسان في الأرض من أهم الأصول الاعتقادية للحضارة الإسلاميَّة، فإذا كان التوحيد الإسلامي هو إفراد اللَّه بالألوهية والربوبيَّة، فإنَّ (الاستخلاف) هو التطبيق العملي للتوحيد الإسلامي على جميع المستويات المختلفة للفعل الإنساني: الفردية والاجتماعية والتاريخية، بل وعلى مستوى الإنسان كنوع من أنواع الخلق. . . لذلك، فالاستخلاف هو الجانب الإنساني للتوحيد الإسلامي، ومن ثمَّ اختلفت -بالضرورة- الحضارة الإسلاميَّة -بمقتضى هذا الأصل- عن سائر الحضارات المخالفة لها، وبخاصة الحضارة الغربية المعاصرة التي تقف عقيديًا وتشريعيًا على النقيض من الحضارة الإسلاميَّة، التي تعتبر بحق هي الحضارة الإنسانية الصحيحة الحقَّة اللائقة بالإنسان (بوصفه إنسانًا)] (٢). * * *

стр. 821

مقومات الاستخلاف بعامّة من خلال مفهوم الاستخلاف وأهميته يتضح أنّه على نوعين اثنين، أحدهما: استخلاف عام لجميع البشر، والآخر: استخلاف خاص بالمؤمنين، و (نستطيع أن نُمَيِّز بين نوعين من أنواع الخلافة: خلافة كونيَّة يشترك فيها الناس جميعًا، وخلافة شرعيَّة خاصة بالمؤمنين وحدهم) (١)، فالخلافة الشرعية (هي التي ينبغي أن تمسك بزمام الخلافة الكونيَّة لتضبط حركتها، ولتوجهها إلى طريق الخير) (٢). ينبغي إجمال مقومات استخلاف الأُمَّة بعامَّة، ثُمَّ يعقبه مقومات استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة بخاصة، أمَّا مقومات الاستخلاف بعامَّة فيمكن بيانها فيما يأتي: أولًا: العلم: أساسه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، قال ابن قيم الجوزية -في صدد حديثه عن قصَّة استخلاف آدم ﵇ في الأرض وسؤال الملائكة ربهم بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: (إنّه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خصَّه به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة، وأمرهم بالسجود له تكريمًا له وتعظيمًا له، وإظهارًا لفضله، ثُمَّ إنّه سبحانه لما علم آدم ما علَّمه، ثُمَّ امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم، وكان في طي ذلك جوابًا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنَّه يفسد فيها،

стр. 822

ويسفك الدماء، فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان ظنهم) (١). وبهذا تتضح أهميَّة العلم في الاستخلاف، وأنَّه من مقومات الاستخلاف الرئيسية، وفي ذلك يقول أحد الباحثين: (أمَّا تحقيق السيادة فيقوم على ركيزتين، الأولى: وهبها اللَّه للإنسان فهي ركيزة ذاتية وتتمثل في الفاعلية الإنسانية، التي تعمل بترشيد من العلوم التجريبيَّة التي تمكن الإنسان من توسيع دائرة عمله، وتأكيد وترسيخ وتقوية فاعليته، فعلم الأسماء يدخل مقومًا أساسيًا في هذه الركيزة؛ لأنّ العلم التجريبي ليس سوى معرفة خصائص الأشياء، والقوانين التي تحكم العلاقات والتأثير بينها، فإذ عرف الإنسان طبيعة الشيء، أو الحي وخصائصه، وتأثيره وتأثره بغيره استطاع تسخيره له والانتفاع به، وتحقيق سيادته عليه، فالعلم التجريبي هو المؤهل الذاتي المحقق لسيادة الإنسان في الأرض) (٢). ومِمَّا يلحظ في قضية الاستخلاف من حيث المبدأ والتاريخ، أنَّ هذا النوع من العلم قد ينفك عن الخلافة الشرعيَّة، ويتأتى للأمم الكافرة، وتستطيع عن طريقه أن تحقق شيئًا من السيادة والعلو في الأرض، وبمعنى آخر أن تقيم حضارة بالمفهوم الوضعي، وقد وصف اللَّه بعض الناس بأنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، قال ابن عباس في تفسيرها: (يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جُهَّال) (٣).

стр. 823

وقال بعض المفسرين: (إنَّما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر، الذي في رأيهم، انعقدت أسباب وجوده، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئًا، فهم واقفون مع الأسباب، غير ناظرين إلى مسببها، المتصرف فيها، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، قد توجهت قلوبهم، وأهواؤهم، وإراداتهم إلى الدنيا، وشهواتها، وحكامها، فعملت لها، وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، ومن العجيب أن هذا القسم من الناس، قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا، إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب، وأظهروا من العجائب الذريَّة، والكهربائية، والمراكب البرية والبحرية والهوائية، ما فاقوا به وبرزوا، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزًا عما أقدرهم اللَّه عليه) (١). ويندرج تحت هذا النوع من العلم ما توصَّل إليه الإنسان في هذا العصر من (أنواع المعارف الإنسانية، سواء كان مصدرها العقل كالرياضيات، أم الحس والتجربة بالإضافة إلى العقل كالطب) (٢). ولكنها مهدَّدة بصور عدّة من العقاب الإلهي إذا لم ترتبط بالإيمان باللَّه، والسير في طريقه المستقيم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا

стр. 824

أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥] فهذه الآيات تبين -بجلاء ووضوح - أنّ اللَّه علم الإنسان، وبهذا العلم مكَّنه من استعمار الأرض وعمرانها وسيادته عليها وعلى كثير من المخلوقات الموجودة فيها حتى من بني جنسه، وأنّ هذا التمكين يُمثّل البلاء والامتحان، فإنْ أحسن وحقق عبوديته للَّه واستقام على الطريق المستقيم فاز في الدنيا والآخرة، وإن تنكب الطريق وظلم وطغى وبغى فإنَّه يصبح عرضة للعقاب التدريجي الذي يمثل الإنذار والدعوة لتصحيح المسار والعودة إلى صراط اللَّه المستقيم فإن حدث هذا تاب اللَّه عليه ومتعه إلى حين، وهذا ما حدث لقوم يونس ﵇، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٨]، وإن استمر الإنسان في انحرافه ولم يتعظ تتابعت عليه الآيات، وكانت كل آية أكبر من أختها (١)، حتى يتم (الاستئصال التام كما حدث لقوم لوط وفرعون وغيرهم) (٢).

стр. 825

ومن ذلك قول الحق ﵎: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ٩ - ١٠]. وقد يسلب اللَّه الأمَّة التي أخفقت في حمل الرسالة سلطانها ويصيبها بهيمنة أمة أخرى عليها (١)، كما حدث لبني إسرائيل، ولمشركي مكة، والفرس والروم، فإنَّ اللَّه استخلف الأُمَّة الإسلاميَّة فسادت وهيمنت بشرع اللَّه عليهم جميعًا، وإذا كانت الحضارة الغربيَّة وما يلتف حولها من أمم في العصر الراهن تتطلع للسيادة والهيمنة وذريعتها في ذلك العلم ومناهجه التجريبيَّة والتطبيقيَّة ونحوها، فإنَّها ستواجه المصير الذي آلت إليه الأمم من قبل؛ لأنَّها حصرت -في مسارها العام- (العلم فيما جاء عن طريق التجربة والخبرة الحسيَّة وحدها) (٢)، وفصلت بين عالم الغيب وعالم الشهادة. وعن ذلك يقول أحد المفكرين: (وعليه فإنَّ العلم باصطلاحهم محصور -مصدرًا- في التجربة، -وميدانًا- في المجال الرياضي

стр. 826

والطبيعي، وما يقبل موضوعه الخضوع للتجربة والاستقراء والمقاييس الكميَّة، وهذا التحديد لمفهوم العلم متولد من المذهب التجريبي في الفلسفة المعاصرة، الذي يتمثل في اتجاهات فلسفية، أبرزها الاتجاهان: الوضعي والماركسي، وقد أدى هذا المفهوم. . . إلى إنكار العلم فيما يتجاوز ميدان التجربة، وهو: عالم الطبيعة، وإنكار عالم ما وراء الطبيعة وكل ما كان مصدره الوحي الإلهي أو الشعور الأخلاقي من العلوم) (١)، وبذلك شقيت أمم الغرب ومن دار في فلكها بهذا العلم، وصرَّح نخبة من المفكرين الغربيين بإفلاس الحضارة الغربيَّة، وما أسموه بالانتحار العلمي (٢). يقول رجاء الجارودي: (إن حضارتنا تقوم على أسس خاطئة، فنحن في المرحلة الأخيرة من الحضارة التي لا تكاد تبدأ، ما زلنا لا نعرف أن نحدد لأنفسنا غايات حقيقيَّة، ولا نسيطر على وسائلنا، إن حضارتنا تقوم على هذه الموضوعات الثلاث: • تحيل الإنسان إلى العمل والاستهلاك. • تحيل الفكر إلى ذكاء. • تحيل اللانهائي إلى الكم) (٣). ثُمَّ يقرر: (إنَّها حضارة مؤهلة للانتحار، انتحار لفقدان الهدف، يشهد على ذلك ضروب الفرار إلى المخدرات، وانتحار المراهقين بأعداد أكبر في الأصقاع الأغنى، انتحار لإفراط الوسائل، يبرهن على ذلك مثلًا المنظور الجائز لنضوب المصادر الطبيعية والتلوث، وذلك نتيجة لازمة

стр. 827

لتصور لا يرى في الطبيعة شيئًا آخر، سوى أنها مستودع ومعمل) (١)، أمّا الإسلام فإنَّه ينظر إلى العلم باعتباره يشتمل على (جميع أنواع المعارف الإنسانية، سواء كان مصدرها العقل -كالرياضيات- أم الحسّ والتجربة، بالإضافة إلى العقل -كالطب- أو النقل والسماع -كاللغة- أو الوحي والنقل -كعلوم الدين-) (٢). وعلى هذا فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة هي الوارث الشرعي للخلافة، وهي الأحق بالاستخلاف، وما من شيء يحول دون ذلك إذا هي جدَّدت صلتها بدينها، وتلتزم صراط اللَّه المستقيم تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. ثانيًا: التسخير: وهو من المقومات العامَّة للاستخلاف في الأرض، ويعني ذلك أن اللَّه سخر ما في الكون من مخلوقات على نحو يتمشَّى مع استخلاف الإنسان في الأرض، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]، وفي سورة النحل وردت

стр. 828

ئلاث عشرة آية على التوالي تعرض (صورة جامعة للكون في شيء من التفصيل بذكر أقسامه الكبرى "عالم الأفلاك، عالم النبات، عالم الحيوان، إلخ" أوضحت ما سخره اللَّه للإنسان من منافع الطبيعة) (١)؛ (فللإنسان في الأنعام دفء ومنافع، وفي الخيل والبغال والحمير وسائل للركوب، وفي الشمس والقمر فوائد، والبحر يأكل من حيتانه، وتسير فيه السفن ليبتغي من فضل اللَّه، إنّ وصف الطبيعة بهذه الأوصاف، وعرض هذا الجانب النافع منها تحريضًا على استغلالها والانتفاع بها وتسليطًا للإنسان عليها بعد أن كان الإنسان يخاف من الطبيعة، بل يعبد بعض أجزائها) (٢). وإضافة لهذا التسخير فإنَّ موجودات الكون تشتمل على عنصر الجمال الذي هو من عناصر الحضارة ممَّا يؤكد قضية الاستخلاف، وأنَّ التسخير مقومٌ من مقوماته العامَّة، ثُمَّ إنّ اللَّه (أودع في الأرض من المنافع، والمعادن، والأنهار، والعيون، والثمرات، والحبوب، والأقوات، وأصناف الحيوانات، وأمتعتها، والجبال، والجنان، والرياض، والمراكب البهيَّة، والصور البهيجة) (٣) (وأخبر عن منافعها، وأنه جعلها مهادًا وفراشًا وبساطًا وقرارًا وكفاتًا للأحياء والأموات) (٤)، ما يتسق مع خلافة الإنسان وما يحتاج إليه ليحقق ذلك الاستخلاف، ويستوي في التمتع بهذا التسخير البر والفاجر، والتقي والشقي، ولكن النهاية للتقوى والمتقين والوراثة النهائية لعباد اللَّه الصالحين، وفي ذلك وردت آيات كثيرة منها -إضافة لما سبق- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا

стр. 829

عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى على لسان نبيه موسى ﵇ وهو يخاطب قومه في وقت كان فرعون يهددهم فيه بقتل الأبناء واستحياء النساء: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. هذان المقومان: العلم والتسخير، هما أبرز مقومات الاستخلاف بعامَّة مع ما يقتضيانه من العقل والأجل وعوامل القوة المختلفة والوسائل والأساليب، كذلك الإرادة والعزم، وكل ذلك ونحوه هيأه اللَّه للإنسان وزوده به، في إطار الفرد وعلى صعيد الأُمَّة، والآيات الدّالة على ذلك من الكثرة بمكان، وكذلك الأحاديث والآثار، والوقائع التاريخية مِمَّا لا يتسمع هذا المجال لذكره (١)، ولكن تكفي الإشارة إلى أن العلم والتسخير هما الأساس في كل ذلك، وأنهما مرتبطان بالاستخلاف الكوني القدري الذي قد يرتفع الإنسان به إلى أحسن تقويم، أو يرتد به إلى أسفل سافلين. وعن هذا قال أحد الباحثين: (بيَّن سبحانه أنَّ آثار الإنسان في الأرض تشتد، وأن قوته تزيد على الأشياء والأحياء، ويتمكن منها بالعلم، وأن الناس في المجتمعات التي تكون على درجة متقدمة في مجال السيادة بسبب زيادة حصيلتهم من العلم عادة أو غالبًا ما يفتنون وينحدرون في جانب الأخلاق، ويتسفلون في الجانب الإنساني، أي: جانب العبودية،

стр. 830

ومن ثمَّ تجري عليهم سنة فناء الحضارات بهذا السبب، ولا يغني تقدمهم في الجانب المادي عن ارتدادهم إلى أسفل سافلين في جانب العبودية، قال تعالى -مبينًا ذلك كله-: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٢ - ٨٥]. ويتضح لنا من قوله تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أن التقدم المدني والتقني والعمراني يحدث في جانب السيادة بسبب زيادة حصيلتهم في العلوم والخبرات، وقد فتنهم هذا كله فلم يستجيبوا لدعوة الرسل للسمو في جانب العبودية والارتفاع إلى أحسن تقويم، فحقَّت عليهم سنة اللَّه في فناء الحضارات) (١)، وما يقال عن العلم كمقوم للاستخلاف في مفهومه العام يقال عن المقوم الآخر، وهو التسخير. * * *

стр. 831

مقومات استخلاف الأمَّة الإسلامية بخاصة يعد استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة هو الخلافة الشرعيَّة، كما تبين ذلك حين الحديث عن معاني الاستخلاف وأهميته، وبالنظر إلى مقومات الاستخلاف العامَّة وأبرزها العلم والتسخير، وبهذا يتضح أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة هي الوارث الشرعي لهما، وبيان ذلك في الآتي: أولًا: العلم: إن الأُمَّة الإسلاميَّة -في ضوء القرآن الكريم والسنّة النبوية، وما جاءا به (من إعلاءٍ لشأن العلم، وبيان قضاياه، وتحديد مساربه، وإبراز عطاياه، وضبط لقواعده ورؤاه) (١) - تفاعلت مع هذه الهبة الربانية والرحمة المهداة (٢)، فقد تلقاه (الصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار، فكانوا مثالًا يحتذى، وأسوة لكل من اقتدى، وجاء جيل خيّرٌ فاضل، فجمع الآيات الكريمات، والأحاديث النبويَّة الهاديات، ومسالك التابعين وأقوالهم النيرات؛ ممَّا يتعلق بالعلم والمعرفة؛ لتكون منهاجًا وطريقًا للأجيال، وكذلك كان، [ففتَّحت] هذه الأحاديث والآيات بهداها ورؤاها عقولًا كبيرة، حتى غدت هذه العقول في عداد الكرامات، فأقاموا حضارة وأيُّ حضارة لمن تدبَّر واعتبر) (٣). ولم يكن العلم في منظور الأُمَّة الإسلاميَّة، وفي واقعها التاريخي، وفاعليتها الحضاريَّة، مفصولًا عن الإيمان، بل ارتبط بإيمانها باللَّه تحقيقًا

стр. 832

لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، ولذلك (أجمع العلماء (كما حكاه ابن عبد البر) على أنَّ من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصَّة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع. واختلفوا في تلخيص ذلك، والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه نحو الشهادة باللسان، والإقرار بالقلب بأنَّ اللَّه وحده لا شريك له، ولا شبه له، ولا مثل له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، خالق كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، المحيي المميت، الحي الذي لا يموت، عالم الغيب والشهادة، هما عنده سواء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن. والذي عليه جماعة أهل السنة والجماعة أنَّه لم يزل بصفاته وأسمائه، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، وهو على العرش استوى، والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله، وخاتم أنبيائه حق، وأنّ البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال، والخلود في الآخرة لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنَّة، ولأهل الشقاوة والكفر والجحود في السعير حق، وأنَّ القرآن كلام اللَّه، وما فيه حق من عند اللَّه يلزم الإيمان بجميعه، واستعمال محكمه، وأن الصلوات الخمس فريضة، ويلزمه من علمها علم ما لا تتم إلَّا به من طهارتها وسائر أحكامها، وأن صوم رمضان فرض، ويلزمه علم ما يفسد صومه، وما لا يتم إلَّا به، وإن كان ذا مال وقدرة على الحج لزمه فرضًا، وأن يعرف ما تجب فيه الزكاة ومتى تجب وفي كم تجب، ولزمه أن يعلم بأن الحج عليه فرض مرة واحدة في دهره إن استطاع السبيل إليه، إلى أشياء يلزمه معرفة جملها ولا يعذر بجهلها، نحو: تحريم الزنى، وتحريم الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الميتة، والأنجاس كلها، والسرقة، والربا،

стр. 833

والغصب، والرشوة في الحكم، والشهادة بالزور، وأكل أموال الناس بالباطل، وبغير طيب من أنفسهم، إلَّا إذا كان شيئًا لا يتشاح فيه، ولا يرغب في مثله، وتحريم الظلم كله، وهو كل ما منع اللَّه منه رسوله ﷺ ، وتحريم نكاح الأمهات والبنات، والأخوات، ومن ذكر معهن، وتحريم قتل النفس المؤمنة بغير حق، وما كان مثل هذا كله ممَّا قد نطق به الكتاب، وأجمعت الأُمَّة عليه، ثمَّ سائر العلم وطلبه والتفقه فيه، وتعليم الناس إيَّاه وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم، والحكم به بينهم فرض على الكفاية، يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين بموضعه، لا خلاف بين العلماء في ذلك، وحجتهم فيه قول اللَّه : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فألزَم النفير في ذلك البعض دون الكل) (١). وقد فصل ابن عبد البر ما يتعلق بفرضية العلم على الفرد، وما يكون فريضة على الأُمَّة فيما يتعلق بالعلم النافع المتصل بالدين ومعرفة العبد ما أوجبه اللَّه عليه من فرائض وواجبات، وأن منها ما لا يعذر أحدٌ من أفراد الأُمَّة الإسلاميَّة بجهله، وهذا جانب تميزت به الأمة الإسلامية، بل إنّ الاستخلاف -والعلم من مقوماته الأساس- كان هدفًا من أهداف ذلك التميُّز تفرضه عقيدة الأُمَّة وشريعتها ومبادئها وقيمها الكبرى، ولم يشهد التاريخ أُمَّة من الأمم نظرت إلى العلم بهذا الشمول، وارتكز العلم في حياتها على الإيمان باللَّه، وكان مرتبطًا بتحقيق العبودية في حياتها كما كان عليه حال الأُمَّة الإسلاميَّة، فقد (حضَّ رسول اللَّه ﷺ أصحابه أن يصنعوا بالجيل، بل الأجيال من بعدهم كذلك، وكانت وصيته بذلك إلى جميع الأجيال في الأُمَّة الإسلاميَّة إلى قيام الساعة.

стр. 834

ولمَّا تفرق أصحابه بعده في الأمصار جعلوها مراكز علميَّة وحلقات واسعة من الدرس والتلقي، فأبو الدرداء وعبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وآخرون في الشام، وابن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري في الكوفة، وأنس بن مالك وأبو موسى -من قبل- في البصرة، مع جلة من الصحابة الأبرار، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وآخرون في مصر، وابن عباس ونفر آخرون في مكة المكرمة، وعبد اللَّه بن عمر وأبو هريرة والسيدة عائشة وآخرون كثيرون في المدينة، ولم تبق حاضرة من الحواضر الإسلاميَّة إلَّا وجعلها أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم قاعدة للمعرفة، ومنارة للعلم، وتواريخ المدن الإسلاميَّة -ولجميعها تاريخ - شاهد على ذلك، وقد اضطر علماء الإسلام إلى كتابة تواريخ هذه المدن وسبقها العلمي، ولم يكن هذا التاريخ ليدور إلَّا على العلم والعلماء، وما أبدعوه وصنعوه، فتأريخ دمشق، وبغداد، وأصبهان، وجرجان، ونيسابور، والموصل، والجزيرة، وحمص، والقاهرة. . . وغيرها هي بين أيدي الباحثين والدارسين، وقد أثر الصحابة والتابعون عن رسول اللَّه ﷺ التأكيد والتحضيض على تلقي طلاب العلم من الآفاق بالترحيب والسرور والرعاية، فقد أوصى رسول اللَّه ﷺ صحابته الكرام بقوله: "إنَّ الناس لكم تبع، وإنَّ رجالًا يأتونكم من أقطار الأرضين يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا" (١)، وعملوا بهذه الوصية، فكانوا إذا جاءهم طلاب العلم قالوا لهم: "مرحبًا بوصية رسول اللَّه ﷺ ") (٢).

стр. 835

وإذا كان العلم -وهو على هذا النحو- يرتكز على جانب الأمور الدينيَّة؛ فإنَّ العلوم المتصلة بالحياة والمنافع الدنيويَّة ليست -في الإسلام- مفصولة عن العلوم الدينيَّة، بل تدخل تحت القاعدة الأصولية التي تقول: (ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب) (١)، ومن هنا كانت عناية العلماء المسلمين بأنواع كثيرة من العلوم التي تتصل بحياة الأُمّة الإسلاميَّة وسيادتها، وأداء رسالتها في الاستخلاف، وقبل ذلك بسبب مفهوم العلم كما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبويَّة، فقد جاء العلم بمفهوم (مطلق كل الإطلاق، شامل كل الشمول، ولا يقيده قيد، ولا يحده حد، وأنّه قابل باستمرار للتقدم والزيادة والتغيير والتطوير، وأنَّ هذا ليس مرده إلى الفهم الشخصي، الذي قد يخطئ وقد يصيب، بل إلى الخطاب القرآني الصريح، في مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فمن الواضح كما قال أهل البيان: أن التنوين في لفظ (علمًا) يوحي بالاستغراق والشمول) (٢). وبهذا المفهوم والمفهوم الذي قبله أسهمت الأُمَّة الإسلاميَّة في تطور الحضارة الإنسانية (وانطلق المسلمون بهذه الأفكار الفطريَّة السليمة المتقدمة إلى الحياة، (فكشفوا عن) كنوزها، واكتشفوا مجاهيلها، بحيويَّة وتفتح. . . وانطلقوا يبحثون في كل مكان. . . فالتهموا تراث اليونان، وبحثوه بعقل مفتوح، وبصيرة ناقدة، وعرفوا الطيب منه والخبيث، ولم يتوقفوا عنده، بل ساروا إلى الاختراع والبحث والتنقيب، حتى صححوا

стр. 836

العلم، ووجهوه إلى النفع، وإلى الإفادة، وكان منهجهم التجريبي خير مثل على ذلك) (١). ثانيًا: التسخير: وكان مفهوم الأُمَّة الإسلاميَّة للتسخير ذا أثر عميق في انطلاقتها العلميَّة، وإفادتها من موجودات الحياة والكون من حولها، ذلك أنّ الإسلام، ومن خلال آيات القرآن الكريم (أزال ما بين الإنسان والكون من حواجز، ودفعه إلى اكتشاف آفاقه، إنَّه أول كتاب (أي: القرآن الكريم) وضع الإنسان وجهًا لوجه أمام مشاهد الطبيعة، كما تبدو للحس وفي الواقع، مستعرضًا أجزاءها الكبيرة والصغيرة وأنواعها وأجناسها وحركتها وسكونها ومراحل نمو مخلوقاتها، من إنسان وحيوان ونبات، إنَّه يعرضها مجردة من أساطير اليونان، وخرافات الهنود، فلا تحرك أمواج بحارها آلهة البحر، ولا تهيج رياحها الشياطين (بل يعرضها) متصلة الأجزاء، متتابعة الحوادث، منتظمة السير، مطردة السنن) (٢)، وفي خلال هذا العرض يحفز العقل على النظر والتفكير وإعمال العقل للإفادة من هذه المخلوقات والعلم بما يحكمها من سنن، ولا سيما أنّها مسخرة للإنسان ليحقق استخلافه في الأرض. يقول أحد المفكرين: (وهل العلم إلَّا ملاحظة الحوادث واستقراؤها وجمعها وتصنيفها وضبط كمياتها ومقاديرها، وربط أجزائها بعضها في بعض في قانون عام مطرد، وذلك عن طريق الحواس من سمع وبصر، وعن طريق الفكر والعقل) (٣). ويقول في مكان آخر: (وكان لهذه الفكرة

стр. 837

نتائج عظيمة جدًّا من الناحيتين الفكريَّة والعلمية في الإطار العربي والإنساني، وكانت نقطة الانطلاق للتفكير العلمي المبني على التجربة واستخراج سنن الطبيعة، وكان لها أثر عميق في توجيه الحضارة الإنسانية وجهة جديدة كما كانت دافعًا لاستثمار الطبيعة والانطلاق في آفاقها الواسعة) (١)، وقبل ذلك قال: (لقد نقلت هذه الفكرة العرب من نوع من التفكير المجزأة المشوب بالوثنيَّة والخرافة إلى نوع آخر من التفكير الشامل المتحرر من الخضوع للطبيعة) (٢). والحقيقة أن الأُمَّة الإسلاميَّة تميَّزت إلى جانب ذلك بتحقيق التوازن بين مفهوم العلم الشامل ومفهوم الاستخلاف الراشد. وتعد الحضارة الإسلاميَّة (في عصور الخلافة الراشدة، والدولة الأمويَّة، والعباسية هي الحضارة الإنسانية الكاملة الفذَّة في تاريخ الإنسانية، فقد عاشت البشرية -مؤمنها وكافرها- خلال عصور هذه الحضارة في ظل شريعة اللَّه ونظمه وحكمه، وكان العالم الإسلامي على أعلى درجة من التقدم العلمي والتقني في هذه العصور، فاكتمل للمسلمين أساسا، أو مقوما الحضارة، وما نعلم حضارة سواها اكتمل لها هذان الأساسان، ومن ثُمَّ نمت الحضارة الإسلاميَّة، وارتقت بجانبها الروحي والمادي بتوازن دقيق، فكانت وليدًا صحيحًا متناسقًا في ذاته، ومحققًا للأهداف الإنسانية العليا التي قامت من أجلها، وهي خلافة الإنسان. . في الأرض، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة كانت أقل دائمًا من عصر الخلافة الراشدة) (٣). كما أنّ ما آلت إليه الأُمَّة الإسلاميَّة من تراجع في ميادين العلم

стр. 838

والسيادة يعود في مجمله إلى الاختلال في مفهوم العلم، ومفهوم الاستخلاف وتطبيقاتهما في حياتها، وعن هذا الجانب قال أحد المفكرين: (إنّ الأُمَّة الإسلاميَّة في بدء أمرها سادت بالعلم والتمسك بهذا المفهوم وإعلاء شأنه، وفي انحدارها انتكست بتنحيته، والإعراض عنه، وها هي اليوم تدفع ثمن المعرفة والعلم غاليًا، فهي مستهلكة لسلعة غيرها بأبهظ الأثمان، ليس من حيث القيمة الحقيقية، بل جراء ثمن المعرفة التي أنتجت السلعة، وهناك معارف يحاول الآخرون حجزها عنها، والحيلولة دون وصول الأمَّة الإسلاميَّة إليها، وتعاني من جراء ذلك ما تعاني، ولهذا لابُدَّ من إعادة مفهوم السيادة العلميَّة والمعرفيَّة. . . بتخطيط محكم، وتنظيم دقيق ينبثق من روح الأُمَّة وفكرها، ورغبتها في بلوغ المعالي، وإنّ من أوجب الواجبات على أهل العلم فيها شعورهم بأنهم حملة رسالة يستشعرون ثقل الأمانة التي شرفوا بالانتساب إليها منطلقين وملتزمين بمبادئ القرآن والسنة، متواضعين خاشعين، فهم منارات هداية للأُمَّة لتكون مسلمة حقًّا، مؤدية لما أراد اللَّه منها صدقًا. . . ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]) (١). ويُمكن القول أنَّ مقومات استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة بخاصة إضافة لما ذكر من العلم والتسخير، وما يتبعهما من مقتضيات، جاء ذلك مجملًا في قول اللَّه : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا

стр. 839

اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]، وعلى هذا النحو جاءت الكثرة الكاثرة من الآيات المحكمات، وجاءت الأحاديث النبويّة الشريفة تبين مقومات استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة، وتعدها بالنصر والرفعة والسيادة على الأرض والشهادة على الناس إذا هي حققت تلك المقومات: وأولها: الإيمان (فالإيمان بخصائصه هو منبع الاعتزاز باللَّه تعالى، والاعتزاز باللَّه هو مصدر الدوافع القياديَّة في الأمَّة الإسلاميَّة، وبهذا كان منصب الخلافة في أرض اللَّه بوضع إلهي، وتكليف سماوي، لا اختيار لها في فرضه عليها وتكليفها القيام بعبئه، وقد أوتيت هذه الأُمَّة من الوصايا الإلهية، والأوامر التكليفية، ومنحت من العوامل النفسية، والفضائل الخلقيّة، والحوافز التربويَّة ما مكن لها -يوم أن كان الإيمان والاعتزاز باللَّه يقودانها- من إعداد أقوى الدعائم الماديَّة للدفاع عن دعوة الحق، فكان يكفي أن تبلغ مسامع أحد خلفائها صيحة امرأة مسلمة من أبواب أسوار الأسر قائلة: "وامعتصماه" فيهب في تعبئة لكتائب الحق لا تعود إلى قلاعها حتى تريح الحق إلى ساحته، فهي أمَّة قد اختارها اللَّه لتكون خاتمة الأمم صاحبة الشرائع الإلهية، واختار نبيها ﷺ ليكون أكمل رسول بأكمل رسالة ختمت الرسالات السماويَّة، فكان لابُدَّ أن تكون رسالة جامعة لكل خير جاءت به رسالة سابقة عليها، إلى جانب ما يقتضيه تطور الإنسانية الفكري والاجتماعي من حقائق لم تكن تتطلبها، ولا تطيقها الأمم في طورها الفكري والاجتماعي) (١). (وقد جاءت النبوة الخاتمة نبوة محمد ﷺ تحدد المنهاج النهائي

стр. 840

للخلافة، وتتوج الوحي المرشد الذي بصَّر الإنسان منذ خلقته بمسالكها، وهذا المنهاج النهائي سيظل الموجّه الأبدي للإنسان فيما ينبغي أن يعتقد من حقيقة الوجود، وفيما ينبغي أن يسلك في تصريف الحياة، ويتصف هذا المنهاج النهائي للخلافة بشمول البيان لكل مناحي التصرف الإنساني في فكرة وسلوكه، ومصدره الأوحد هو اللَّه تعالى الذي أنزله بطريق الوحي إلى نبي مختار، وكلَّفه أن يبلغه للناس، وأسفر هذا الوحي عن أصلين نصيين هما: القرآن والحديث، واشتملا على كل ما في منهاج الخلافة من مضمون، وجعلا المرجع الأبدي لهذا المنهاج، يرجع إليهما الإنسان ليصوغ حياته على قدر ما فيهما من التحديد والإرشاد) (١). وثانيهما: تحقيق العبودية للَّه، وقد ذكرت الآية الأولى (محل الشاهد) الصلاة والزكاة، وهما العمل الصالح في الآية الأخرى (٢)، والاقتصار على الصلاة والزكاة؛ لأنّ الصلاة عمود الإسلام، وتشتمل على مجمل العبادات وتأتي الزكاة لتؤكد الانتماء للإسلام بنوعٍ آخر من العبادة يعتمد على البذل والعطاء، وتعبيد المال للَّه، وقد سبق بيان ذلك. والثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا من المبادئ الإسلاميَّة ذات الخطر في قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة، لأنها بهذا

стр. 841

المبدأ أو المقوم من مقومات استخلافها تضطلع بحمل المسؤولية (١) (لترفع راية الحق، ولتضع على الأرض موازين القسط بين الناس، إذا استقام أمرها على طريق اللَّه الذي رسمه منزلًا في كتابه، وذلك بقيام قادتها وولاة أمرها، وعلمائها العاملين، بما أوجبه اللَّه عليهم من العمل بكتاب اللَّه وسنة رسوله، وتنفيذ حدوده وزواجره، والصدع بقول الحق، وأطر الظالمين على الحق أطرًا، قيامًا بحق النصح للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والوقوف في وجه أعداء اللَّه وأعداء دينه، وأمته بعزائم صارمة أداءً لحق تمكين اللَّه لهم في الأرض بما وضع في أيدي الحاكمين من قوة السلطان، ورهبة الكلمة، وصولة الراح للخارجين على الحق المنحرفين عن طريق الاستقامة، وبما وضع في قلوب العلماء من نور شريعته وهدايته، وبما أخذه عليهم من الميثاق ليقولون كلمة الحق ولا يكتمونه، وأن يكونوا في سلوكهم أسوة للناس يدعونهم بأعمالهم وأخلاقهم إلى آفاق العزّة والكرامة وإخلاص الدين للَّه) (٢). وفي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشريف للأُمَّة الإسلاميَّة، إذ (لم يقف التوجيه الإسلامي بالأُمَّة عند هذا، ولكنه ناط بها أمانة القيام بأعباء الحق الذي تدعو إليه، فأشركها في أقوى دعائم الدفع القيادي على أسس الإخاء والمحبة تعززًا باللَّه تعالى وعزته، وقوته وقهره باعتبارها النموذج الأفضل لقوة الرقابة على تنفيذ معاقد الحق تنفيذًا يستند إلى القيم الخلقيَّة، والفضائل الإنسانية) (٣).

стр. 842

وقد اجتهد علماء الأُمَّة في تطبيق هذا المبدأ ليحقق المراد منه وفقًا لضوابط الشريعة في جلب المنافعٍ، ودفع المفاسد، وحققوا تميُّزًا فريدًا في مراعاة أحوال المكلفين ودقة في الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتعاملوا مع الأحوال بما تقتضيه من حكمة ولطف ورحمة. وعن هذا المعنى قال أحد الباحثين: (ومثال ذلك في تنزيل الحكم الشرعي في التكليف بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن ينظر في الوضع المعين الذي يكون فيه المكلف المأمور بالقيام بهذا الواجب، فرُبَّما أسفر ذلك النظر على أن هذا المكلف يتصف في نفسه بالقدرة على هذا الواجب، والتحمل لتبعاته نفسيًّا وبدنيًّا، وأن المخاطبين بالأمر والنهي يحدثون في أنفسهم، وفي المجتمع الضرر البالغ بما يأتون من المنكر وما يصدون عن المعروف، وأنهم يغلب على الظن أنهم يستجيبون عندما يُدعون، ورُبَّما أسفر ذلك النظر على عكس ذلك كليًّا أو جزئيًّا؛ من اتصاف المكلف بالضعف الذي لا يتحمّل معه تبعات هذا الواجب، واتصاف المخاطبين بحسب ما يغلب على الظن بالعناد الذي لا تجدي معه دعوة، أو بالشراسة التي يقابلون فيها الدعوة بالاعتداء الغليظ، أو بالحمق الذي ينهيهم إلى ترك ما نهوا عنه لفعل ما هو أبلغ ضررًا، وأشد مفسدة، وبحسب ما يحصل في العقل من هذه المعطيات يترجح أن ينزَّل على المكلف الحكم بوجوب القيام بفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الحكم بإسقاط هذا الواجب عليه) (١). وما ذكر هنا سبق أن تطرق إليه العلماء، وفصلوا القول فيه وفي

стр. 843

شروطه، وعلى سبيل المثال فإن ابن تيمية يقول: (ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود، ولابُدَّ في ذلك من الرفق. . . ولابُدَّ أيضًا من أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى، فإنَّه لابُدَّ أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مِمَّا يصلح) (١). ثُمَّ يخلص إلى القول: (فلابد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر، والعلم قبل الأمر والنهي والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبًا في هذه الأحوال) (٢). وفي موضع آخر قال: (ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات فالواجبات والمستحبات، لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل، ونزلت الكتب، واللَّه لا يحب الفساد بل كل ما أمر اللَّه به فهو صلاح، وقد أثنى اللَّه على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم المفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن مِمَّا أمر اللَّه به، وإن كان في ترك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي اللَّه في عباده، وليس عليه هداهم) (٣). بيد أنَّ شيخ الإسلام أشار إلى جانب له أهميته في التوسط في هذا المبدأ والتجرد في النظرة إلى إنفاذه تحقيقًا لأمر اللَّه، وطاعة له ، ولئلا يتخاذل المسلمون في القيام بهذا المقوم من مقومات استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة، قال: (وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف

стр. 844

والنهي عن المنكر مِمَّا يوجب صعوبة على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه، وذلك مِمَّا يضره أكثر مِمَّا يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل، فإنَّ ترك الأمر الواجب معصية، فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها "كالمستجير من الرمضاء بالنار" (١). ومن الضوابط التي حدّدها العلماء -في ضوء قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد- أنَّهم جعلوا ما يتعلق بإزالة المنكر باليد: راجعًا إلى ولي أمر المسلمين، وليس إلى الرعيَّة، ونصوا على أن يتم التغيير باليد وليس بالسيف والسلاح، إلَّا ما كان من باب التعزير العائد لرأي السلطان، وذكروا -كذلك- أنَّ الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنَّما يقوم به السلطان. . . وينصب له من يرى فيه الصلاح والأمانة؛ وللعلماء في هذا نصوص كثيرة منها ما ذكره الإمام الجويني في قوله: (الشرع كله أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، والدعاء إلى ذلك يثبت لكافة المسلمين إذا أقدموا على بصيرة، وليس للرعية إلَّا الوعظ والترغيب) (٢)، وقال البيهقي: (ينصب الإمام في كل بلدٍ رجلًا

стр. 845

قويًّا، وأمينًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم الحدود) (١) وذكر نحو هذا القرطبي (٢)، وأمَّا تغيير المنكر باليد وليس بالسيف والسلاح؛ فهو مرويٌّ عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁. ويستنتج من هذه النقول نتائج كثيرة من أهمها: • أن تغيير المنكر باليد من حق الإمام وليس من حق الرعيَّة، وفي هذا ترسيخ الأمن واستتبابه، والقضاء على الفوضى، وما يؤدي إليها من الاجتهادات القاصرة ونحوها. • أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بالبصيرة، ولا تتأتى إلَّا بالعلم الشرعي والوعي الشامل لأوضاع المجتمع، مِمَّا يدل على أنه من مسؤولية العلماء، فلا يجوز لغيرهم القيام بذلك، ولضمان كفاءة من يقوم بهذه المهمة ينبغي أن تتم من خلال جهات رسميَّة بالكيفيَّة الملائمة للزمان والمكان في ضوء ما يراه ولاة أمر المسلمين، فيكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتكليف من الإمام. وخلاصة القول: إنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة هي المعنيَّة بما ورد في الآيتين (محل الاستشهاد)، وهذا ما عليه أكثر المفسرين، وفي تفسير الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية. قال ابن كثير: (هذا وعد من اللَّه تعالى لرسوله صلوات اللَّه وسلامه عليه بأنَّه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع العباد، وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعله ﵎، وله الحمد والمنَّة فإنَّه ﷺ لم يمت حتى فتح اللَّه
следующие страницы →