← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 16822

المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماته

عبد الله بن عبد المحسن التركي

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المرحلة الأولى المحنة في زمن المأمون كان ذلك في آخر خلافة المأمون سنة (٢١٨ هـ) لما توجه إلى غزو الروم وفتح حصونها المتبقية على حدودها الجنوبية على ساحل طرسوس وما حولها. وكانت قصة هذه المحنة قد بدأت بكتابة رسالة وجهها المأمون، وهو لا يزال بالرقة، إلى عامله على بغداد (١) -وفي بعض الروايات والكتب: صاحب الشرطة ببغداد (٢) - إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ت ٢٣٥ هـ). وكان مضمون هذه الرسالة مصدرًا بالكلام على مسؤولية الخلفاء تجاه حفظ الدين وحماية معالمه، وأن من أهم ذلك الذود عما يتعلق بالله وتوحيده وصفاته وكللامه من الأخطاء والجهالات التي أصبحت مذهب "الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفْلة العامة ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والإستضاءة بنور العلم وبرهانه ... " (٣). ثم ثنى بذكر جملة من الإستدلالات من كتاب الله التي تفيد -بزعمه- أن القرآن مخلوق. ثم عرض بجماعة من العلماء الذين يخالفون هذه المقالة، فطعن بدينهم وأنهم "غروا الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيئ آرائهم ... " , وأنهم إنما فعلوا ذلك ليقربوهم ويقبلوا شهاداتهم في القضاء ... إلخ. ثم ختم كتابه بأمر إسحاق أن يجمع القضاة ليقرأ عليهم الرسالة ويمتحنهم بها، ويكشف عن عقيدة كل واحد منهم في المسألة، وأن من ذهب إلى غير مذهب أمير المؤمنين فهو غير موثوق بدينه، وخلوص توحيده لله ، وأنه سوف لا يبقيه في منصبه ما دام على هذه العقيدة الفاسدة -في زعم الخليفة وأشياعه- وكلفه أن يأمرهم بإعلان ذلك وتوقيعه والإشهاد عليه، وتسجيل من لم يستجب، وإثبات عدم إقراره بذلك. فكانت هذه هي الرسالة الأولى، وكانت موجهة إلى القضاة خاصة، وكأن علماء

стр. 72

السنة كانوا قد تفطنوا لخطورة هذه البدعة التي شاعت في بغداد فأوعزوا إلى هؤلاء القضاة أن لا يقبلوا شهادة من يعتقد عقيدة القول بخلق القرآن. إلى جانب ذلك طلب المأمون إرسال سبعة من العلماء إليه، وهم: محمد بن سعد، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد الدورقي (١). فامتحنهم، فأجابوا مكرَهين، وردهم إلى بغداد. ثم كتب المأمون رسالة ثانية مطولة كالتي قبلها، ضمنها كلامًا مطولًا على خطورة الإعتقاد بأن القرآن غير مخلوق "فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عنه خلقه، وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته ... " وأطال في الإستدلال لخلق القرآن. ثم ثنى هذه المرة بأن من يزعم أن القرآن غير مخلوق فلا حظ له في الدين ولا نصيب من الإيمان واليقين، ويالتالي تسقط عدالتهم وترفض شهادتهم في الأقضية والمحاكمات. وكلف إسحاق بن ابراهيم أن يأخذ على القضاة أن يمتحنوا جميع من يشهد عندهم بحق أو شيء من الأشياء أن يستعلنوا القول بخلق القرآن وإلا ردت شهادتهم، وخصوصا أولئك المبرزين المزكين الذين يحضرون مجالس القضاة. فأحضرهم إسحاق إلى مجلسه، وكان منهم أحمد بن حنبل، وقرأ عليهم الرسالة وامتحنهم، وسجل أجوبتهم، وكانت أجوبتهم عامة تدل على عدم الموافقة على قول المأمون (٢). وهذه صورة ذلك الامتحان، وجواب الإمام أحمد عنه: "إسحاق: ما تقول في خلق القرآن؟ أحمد: هو كلام الله. إسحاق: أمخلوق هو؟ أحمد: هو كلام الله. لا أزيد عليها". فقدم إليه إسحاق الرقعة التي عرضت على من قبله، وامتحنهم بالموافقة على ما فيها، وقد كان فيها ما يلي:

стр. 73

"أشهد أن لا إله إلا الله أحدًا فردًا [ليس كمثله شيء] (١)، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يُشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه". قال أحمدَ: أشهد ... إلى: ليس كمثله شيء" ثم زاد من عنده: وهو السميع البصير، وأمسك عن الباقي فلم يتكلم به. وكانت التتيجة أن العلماء الذين امتحنوا في هذه المرة خالفوا في أكثرهم رأي المأمون، فكان أن رد عليهم برسالة ثالثة مليئة بالإنتقاص منهم وذكر مثالبهم، وكان حظ الإمام أحمد منها أن قال فيه: وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه، فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك القالة، وسبيله فيها، واستدل على جهله وآفته بها (٢). وأمر إسحاقَ بكل من لم يجب بصراحة إلى القول بخلق القرآن أن يبعثه إلى معسكر المأمون ليحمله على ذلك بحد السيف. ويعد أن عرض عليهم ذلك من جديد أجابوا كلهم إلا أربعة: أحمد بن حنبل، وسَجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح، المضروب، ثم عرض عليهم بعد ذلك، فأجابوا إلا أحمد، ومحمد بن نوح. ولا شك أن من أجاب كان مكرها يتقي من الفاتنين تقاة. فأرسل أحمدَ وصاحبَه الى المأمون في عِدْلَي بعير موثقين بالحديد، ووجَّههما إلى المأمون وهو في عسكره بطرسوس، وأرسل مع ناقلهما رسالة تشرح موقفهما. وأرسل رسالة مستقلة يشرح فيها نتيجة امتحان الآخرين، وأنهم أجابوا مكرهين، وتأولوا قول الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦). فلم يرض المأمون بذلك منهم، وبعث إليه أن يرسلهم أيضًا، ففعل. فلما وصلوا جميعًا إلى الرقة بلغهم وفاة المأمون، وقد كان الإمام أحمد يدعو في طريقه أن لا يجمعه الله به، فأجاب الله دعوته وأنجز لو ليه ما كان يرجو (٣). هذه خلاصة تلك المحنة في مرحلتها الأولى التي طويت بوفاة المأمون، ويدأت مرحلة جديدة في خلافة أخيه المعتصم.

стр. 74

تعليق على رسائل المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم: يرى الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ أن تلك الرسائل كانت من صنيع أحمد بن أبي داود، وزير المأمون وكاتبه، وصاحب السلطان في دولته، وأنه كتبها مستغلًا وضعية المأمون الصحية التي كانت تنذر بدنو أجله، ورجح أن المأمون لم يطلع عليها عند إرسالها، ووقعها من دون معرفة مضمونها، أو قد عرف مضمونها، ولكنه كان في حال ضعف لا يملك معه السيطرة الكافية على الأمور. واستدل على ذلك بالقرائن التالية: ١ - الإسهاب الموجود في تلك الرسائل، وهو يتنافى مع المعهود من مكاتبات الملوك. ٢ - ورد ذكر الخليفة بصيغة الغائب، مما يدل على أن الذي كتب وعبر هو غيره. ٣ - النزول إلى السفاسف التي تأنف عنها سيرة المأمون وسائر الملوك والخلفاء، وذلك بالطعن واللإسفاف بأولئك العلماء الذين سجلت أسماؤهم في تلك المكاتبات. ٤ - أن ذلك كان في آخر حياة المأمون، وقي وقت كان فيه بعيدًا عن بغداد ومشغولًا بجهاد الروم (١). لكن هذا الذي رجحه الشيخ أبو زهرة إذا عرضناه على جوانب أخرى من وقائع تلك المكاتبات فإننا نجده غير مسلّم له. وذلك للأمور التالية: ١ - إن الكتاب الأول الذي أرسله، إنما أرسله من الرقة، وأرّخه بتاريخ: ربيع الأول من سنة ٢١٨ هـ (٢). وكان المأمون في ذلك الوقت قريبًا من بغداد، وفي كامل صحته. ٢ - إن المأمون مرض بسبب وعكة أصابته فجأة، وهو على ساحل طرسوس في شهر جمادى الآخرة ٢١٨ هـ فلما اشتد به المرض، وظن أنه سوف يلقى ربه عما قريب كتب وصاياه إلى عماله، وفيها عهد إلى المعتصم أخيه بالخلافة (٣). فكيف يكون المأمون مغلولًا حتى يقدِّم ابنُ أبي دواد بين يديه؟ ثم كيف لا يكون عالمًا بتلك الرسائل ومحتوياتها، وقد تكررت عدة موات، وفيها الأجولة على تنفيذات إسحاق ابن إبراهيم، وكتابة ما قام به من الأعمال، بل وفيها الأمر بإشخاص الرجال المذكورين وإرسالهم إليه في معسكره ليمتحنهم بنفسه!! إذن، فلنا أن نسلم بأن الكتابة كانت بيد ابن أبي دواد، ولكن لا نسلم أنه هو الذي صنع كل شيء وأنفذه، والمأمون لا يملك زمام الأمور. والله أعلم.

стр. 75

المرحلة الثانية المحنة في زمن المعتصم انتهت المحنة في مرحلتها الأولى بموت المأمون، فتنفس الإمام أحمد ومن معه الصعداء، وظنوا أن الفتنة قد انكشفت، والمحنة قد انجلت، فأرجعوا إلى بغداد، ولكنهم وضعوا في إقامة جبرية مؤقتة. وكان المعتصم قد خَلفَ أخاه المأمون على خلافة المسلمين، وهو بطرسوس، وكان المعتصم على عكس ما كان عليه المأمون من سعة الثقافة، حتى إنهم قالوا: كان أميًا لا يحسن الكتابة. فقد أوقفه أبوه الرشيد عن التردد على الكُتَّاب، وهو صغير، فبقي أميًا (١). وإذا كان المعتصم على هذا المستوى وقد تسلم مقاليد الخلافة، فلا ريب أن حجته هي السيف، لكن كان إلى جانبه ذلك الرجل المفوه العليم اللسان، الذي قد قويت شوكته في أيام المأمون، ثم استفحلت في زمن المعتصم والواثق من بعده، إنه أحمد بن أبي دواد الإيادي، فقد جاء به أبوه إلى الشام، وهو حدث صغير، فنشأ في طلب العلم، وخاصة الفقه والكلام حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فأشربه هياج لبن الإعتزال من أول يوم (٢). كان أحمدُ البدعة يفتل للمعتصم في الذروة والغارب حتى يجيبه إلى ما يريد، كما كان يفعل مع المأمون قبل ذلك، بل كان عيبته ومن خواصه في كل شيء، حتى قال لازون ابن إسماعيل: ما رأيت أحدًا قط أطوع لأحد من المعتصم لإبن أبي دوَاد، وكان يُسأل الشيء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دواد، فيكلمه في أهله، وفي أهل الثغور، وفي الحرمين، وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد (٣). وكان المأمون قد أوصى به المعتصم عند موته، فقال له: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن بعدي وزيرًا. فلما ولي المعتصم جعله قاضي القضاة (٤).

стр. 76

وأما إمامنا أحمد، فقد أخذ مقيدًا في الأغلال بعدما مات رفيقه محمد بن نوح بالطريق، فحبس في قرية قرب بغداد، اسمها "الياسرية"، فمكث أيامًا، ثم حبس بدار اكتريت له ببغداد، ثم حول إلى السجن العام، فبقي هناك ٢٨ شهرًا (١) من جمادى الآخرة سنة ٢١٨ هـ إلى رمضان سنة ٢٢٠ هـ. • حالة الإمام أحمد في السجن: كان الإمام أحمد يعيش حياة السجناء في ذلك الوقت، وكان السجين يقيد في الأغلال طيلة فترة سجنه. فقال الإمام أحمد: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد. وكأن الله امتن عليهم بأحمد بن حنبل، كما امتن بيوسف ﵇ على سجناء مصر، غير أن ذاك نبي، وهذا ولي. وكان الناس يزورون السجناء بغير صعوبة (٢)، فكانت صلة الإمام أحمد بالناس مستمرة عبر هذه الزيارات، وكان الناس يعرفون قدره بعد أن تقررت له الفضائل وانعقدت له الإمامة في الدين. وتذكر الروايات أن إسحاق بن إبراهيم كان يرسل إلى أحمد رجلين يناظرانه وهو في السجن، وتكرر ذلك يومين أو ثلاثة، فلما تنتهي المناظرة وتبوء بخيبتهم يشدد عليه الوثاق، فلما استيئسوا منه في اليوم الرابع حمل مكبلًا إلى مجلس المعتصم (٣). • ملاحظات على مسيرة الأحداث: يتلخص من مجموع ما تقدم في حوادث ما قبل الضرب بين يدي المعتصم ما يلي: أولًا: كان ابن أبي دواد لا يفارق المعتصم، وهو اليوم قاضي القضاة؛ أي المسؤول عن جميع الشؤون العدلية في الدولة، فكان هو اللسان الناطق باسم المعتصم في محاججة

стр. 77

الإمام أحمد (١)، وكان هو المحرض للمعتصم على تنفيذ أقسى عقوبة بحقه باعتبار أنه ضال مضل في نظر هذا الشقي! ثانيًا: يبدو أن المعتصم لم يكن يعرف الإمام أحمد قبل مقابلته، بل وصف له وصفًا مخالفًا لما شاهده بعينه من سجيته وخلقته وسنه. فدل ذلك على أن رائد المحنة هو أحمد بن أبي دواد، وأن المعتصم صار عصا غليظة في يده، يضرب بها كيف يشاء. ثالثًا: بعد مرور جزء من المقابلة حين أظهر الإمام أحمد للمعتصم عدم وجود مسوغ لهذه المحنة، اعتذر إليه بأنه لم يكن سببًا فيها، وأنه إنما يتابع من قبله (المأمون). رابعًا: كان أحمد بن أبي دواد يحرض الخليفة باستمرار على النيل من الإمام أحمد، وكان المجلس مليئًا بالقضاة والفقهاء، ويبدو أنهم كانوا على رأي ابن أبي دواد. خامسًا: تكررت المقابلة والمناظرة ثلاثة أيام، وفيها سمع الإمام أحمد ببعض المصطلحات الفلسفية والكلامية التي يلحن بها الخصم، ولم يكن يعرفها أحمد من قبل، وكان يُغَلب الكتاب والسنة ويلتمس العذر في قصر الحجاج عليهما، مما أعجز المعتزلة وأثار حفيظتهم. سادسًا: كان المعتصم يظهر من حين الى آخر خوفه من التورط في الإساءة إلى الإمام أحمد، وأنه ظالم له، فيرده أحمد بن أبي دواد ويشد من أزره، وكذلك إسحاق بن إبراهيم. • مرحلة التعذيب الجسدي: صدر الأمر ببداية التعذيب من قبل المعتصم بعدما اشتط غضبه، وكانوا قبل ذلك يرجون منه التنازل، ولو بشيء قليل عن موقفه، خشية هذه المواجهة التي تبين أن المعتصم كان غير مقتنع بها في قرارة نفسه. وكان ابن أبي دواد يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك

стр. 78

لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، فيعد من ذلك ما شاء الله!! فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقنَّ عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه (١)!! وهذا يدل على عظم مكانة أحمد في الناس واقتدائهم به. وعندئذ جُرّد الإمام أحمد وأخذ إلى مكان التعذيب، فضرب نحوًا من ثلاثين سوطًا، ضربًا مبرحًا شديدًا، وكان ذلك بحضرة المعتصم وجماعته، وكان يعرض عليه أن يعود عن رأيه بين الضربات والضربات، فلم ينبس ببنت شفة، على الرغم من أنه أغمي عليه مرارًا، وكان ذلك في أواخر رمضان، وهو صائم، وكان قبل ذلك أخبر عن نفسه أنه لا يخاف من القتل بقدر ما يخاف من الضرب. ثم أفرج عنه يوم ٢٥/ رمضان/ ٢٢٠ هـ، وسرح إلى أهله (٢)، فذهب مضرجًا بالدماء. وهل أفرج عنه رحمة به؟ الواقع أن ذلك كان ليأسهم من حياته، ولكن كان المكر يقضي لهم بأن يتركوه يموت بعيدًا عن ساحة الخليفة، لئلا يكون في ذلك بطلًا في الثبات وشهيدًا لا ينسى. قال ابن أبى دوادَ بعد ما أُشير على المعتصم بقتله: لا يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك، قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إمامًا، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك، شك الناس في أمره، وقال بعضهم: أجاب، وقال بعضهم: لم يجب!! (٣). وهكذا كانت المكيدة تتوالى عليه!! ويقي الإمام أحمد في بيته يمرَّض من قبَل أولاده، وقد أقعدته السياط وأثنته عن الحركة، وكان المعتصم خائفًا يترقب أخباره خَشية أن يموت من جراء ذلك، فيبوء بإثمه، فلما شفي أحمد وتماثل للعافية سُرّي عن المعتصم (٤). * * *

стр. 79

المرحلة الثالثة المحنة في زمن الواثق ذكر ابن كثير (١) في سياقة الأحلاث بعد المحنة: أن الإمام أحمد استمر منعزلًا في بيته، لا يشهد جمعة ولا جماعة، ولا يجلس للحديث طيلة أيام العتصم (٢١٨ هـ - ٢٢٧ هـ) واستمر على هذه الحال في أيام ابنه الواثق (٢٢٧ هـ - ٢٣٢ هـ). وذلك غير صحيح فيما نرى، فإن الإمام أحمد بعد ما برئ عاد إلى الجمعة والجماعة، وجلس يحدث الناس ويفتيهم، لم ينقطع عن ذلك، فقد صرح بذلك حنبل بن إسحاق ابن أخي الإمام أحمد (٢). نعم، إنما انقطع عن التحديث في أيام الواثق، قيل: بدون أي منع من السلطان (٣)، وقيل: لأن الواثق شدد عليه، وقال له: لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها (٤). فكان أحمد في تلك الأيام متخفيًا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها. والسبب في ذلك: أن الواثق كان قد مال إلى ابن أبي دواد أكثر من أبيه، وكان أحمد بن حنبل قد فاز بالنصرة والسمعة الحسنة بعدما ندم المعتصم وأعرض عن هذه الفتنة في بقية حياته، فأحله الإمام أحمد وكلَّ من شارك في تعذيبه، إلا دعاة البدعة وأنصارها. فحنق ابن أبي دواد على هذه النصرة التي حظي بها إمام السنة في بغداد وخارجها، وسارت بها الركبان، وتحدث بها الناس في مجالسهم، فأحنق صدر الواثق من جديد، فبعث الفتنة بعد موتها حتى فرق بين بعض العلماء ويين زوجاتهم لأجل ذلك (٥).

стр. 80

وصار يلقن للصبيان وهم في الكتاتيب: أن القرآن مخلوق بإيعاز من أحمد البدعة (١). ولكن لم يُصب الإمامَ أحمدَ من الواثق في هذه المرة إلا ما أشرنا إليه، إما لأنه علم أن لا فائدة مَن التشديد عليه بعدما عرض على الكير فخرج ذهبًا إبريزًا، وإما للخوف من عاقبة وقوف الناس في جانبه وانقلابهم على الخلافة برمتها.

стр. 81

نتائج المحنة لكل امتحان نتائجه، ولكل بلية عواقبها وآثارها، ونار هذه الفتنة لم تخمد بموت المعتصم ولا بذهاب الواثق، لأنها مسألة تتعلق بالعقيدة وبكلام الله تعالى، ولئن كان الإمام أحمد واجهها بذلك الثبات، واستحق بثباته وسعة علمه وورعه أن يلقب بإمام أهل السنة، فإن القوم لم يهدأ روعهم، ولم يستقر قرارهم. كان الفقهاء يساقون من الأمصار إلى بغداد، ليختبروا في هذه المسألة، ويفتش عن خبايا قلولهم، وكان منهم أبو يعقوب البويطي الفقيه المصري صاحب الشافعي، فقد جيء به من مصر محمولًا مقيدًا في الأغلال، وأودع السجن حتى مات فيه سنة ٢٣١ هـ. ومنهم نعيم بن حماد، فقد مات في سجن الواثق أيضًا سنة ٢٢٨ هـ (١) وكان من أمر الواثق لما استخلف أنه كتب إلى قاضي مصر محمد بن الحارث بن أبي الليث (٢٥٠ هـ) بامتحان الناس في القرآن، فهرب كثير منهم، وملأ السجون بالكثير ممن أنكر المسألة، وكتب على أبواب المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه". وعلى الرغم من تمدد مضاعفات هذه المحنة إلى الأمصار الإسلامية، واتباع الولاة مذهب الخليفة في استنطاق القضاة والفقهاء والمحدثين لمعرفة رأيهم في هذه المسألة، على الرغم من ذلك كله، فقد تغلب مذهب أهل الحق فيما بعد، وأدرك الواثق في آخر أيامه ضعف ما هو عليه مما ورث عمن قبله من سوء القول في كتاب الله العزيز، حتى روي أنه ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى بها أن الأولى ترك الإمتحان (٢). ولما ولي المتوكل بعد الواثق (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ)، خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الإعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال

стр. 82

والمناظرة في الأداء، وعاقب عليه، وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق من كان اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس (١). وقد زاد الله المسلمين إكرامًا بثبات إمام السنة، فأصيب ابن أبي دواد بالفالج، وعُزل عن القضاء، وولي ابنه من بعده، فلم يحسن السيرة في الناس، فسخط المتوكل عليه وعلى أبيه وصادر جميع أمواله، وولى يحيى بن أكثم الذي كان من بقية علماء السنة ممن صحب المأمون، وكان ينصحه ويبصره بالحق في مدلهمات الأمور. وعظم شأن الإمام أحمد عند المتوكل، حتى صار إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يعظمه رغم أنفه، ورغب بجواره في عاصمة الخلافة الجديدة "سامراء"، فانتقل الإمام المبجل مع أسرته إلى هناك معززًا مكرمًا، بعدما تبينت براءته من وشاية تولى كبرها ابن الثلجي بالإدعاء على إمام السنة أنه أخفى رجلًا من العلويين في بته، وصار الناس يبايعونه سرًا عنده (٢). ولكن لم تكن حياة الإمام أحمد بجوار المتوكل إلا زيادة في الزهد، وابتعادًا عن الدنيا وشبهاتها، فلم ينعم بأي شيء مما كان يغدقه الخليفة على أسرته، وسرمد الصيام حتى عاد إلى بغداد في وضعية صحية كادت تأتي على حياته. وكان المتوكل لا يولي أحدًا إلا بمشورة الإمام أحمد، ومكث إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها، -رَحِمَهُمَا اللهُ- جميعًا (٣). • رأي الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن: مما ينبغي تسجيله في ذيل هذا الحادث الذي فُتن الناس به، وجعلهم يتقاولون ويتجادلون إلى حين، أن نترجم مذهب الإمام الشيباني الذي كان يسأله عنه الناس بعد تلك المحنة، حتى كان من جملة السائلين له إسحاق بن إبراهيم، بعدما عظم شأنه عند المتوكل، وقال له: "أسالك مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟ فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوق، قال لي: من أين

стр. 83

قلت: غير مخلوق؟ فقلت: قال الله : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ففرق بين الخلق والأمر، فقال إسحاق: الأمر مخلوق، فقلت: يا سبحان الله، أمخلوق يخلق مخلوقًا!! فقال: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق، قال: فسكت" (١). ولا ريب أن الإمام أحمد إنما امتحن من أجل ذلك، لكن ورد في استجواب إسحاق ابن إبراهيم النائب على بغداد تنفيذًا لأمر المأمون: أن الإمام اكتفى بالقول: بإن القرآن كلام الله لم يزد على ذلك، كما ذكرناه فيما سبق (٢). ولنا أن نجمع ببساطة بين الموقفين، فنقول: إنه كان يحب في البداية أن لا يخاض في القرآن الكريم، بأي قول لم يثبت عن السلف، وقد كان ذلك واضحًا في كلامه مع المعتصم حينما قال له: "إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله .... إلخ" (٣) وذكر قصة وفد عبد القيس، فكأنه يريد أن يقول: إن هذه المسألة مما ينبغي أن تطوى عن أن يخاض فيها أو تمتحن بها عقائد الناس استنانًا بالسلف. لكن لما أصبحت تناقش في مجالس العلم ويتناظر الناس في شأنها خاف الإمام أحمد أن يتشوش الأمر على أهل السنة، فقال: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، على أنه روي عن السلف أنهم كانوا يقولون ذلك. لكن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد، فقد استجر الجدل في هذا الموضوع إلى ضرورة الإجابة عن الأسئلة التالية: ١ - ما حكم من يعتقد أن القرآن مخلوق، ويخالف الحق في ذلك؟ ٢ - ما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة هل هو مخلوق أم لا؟ ٣ - هل يجوز وصف القرآن بأنه قديم، باعتبار أنه وصف مناقض لكونه مخلوقًا ومساو لكونه غير مخلوق؟

стр. 84

• فأما اعتقاد أن القرآن مخلوق: فقد نقل ابن الجوزي (١) من وجوه مختلفة عن الإمام أحمد: أنه استفتي في ذلك فأجاب بأن قائل ذلك كافر. لكن لم يذكره اللالكائي في زمرة من أفتوا بتكفير من قال ذلك، على أنه استوعب عددًا كبيرًا منهم، وعده في جملة من قالوا: لا ينكحون ولا يُصلى خلفهم، ولا تعاد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، وأن موالاة الإسلام انقطعت بينهم وبين المسلمين (٢). فعلى هذا يكونون عنده معدودين في جملة البتدعة. والذي يستوي عليه النظر، ويليق بمذهب الإمام أحمد ﵀، أنه ممسك عن القول في شيء لم يجد له فيه سلفًا من السنة ومذاهب الصحابة والتابعين، وأنه يكتفي بتقرير: أن كلام الله غير مخلوق دون أن يزيد على ذلك حكمًا بالكفر على من يعتقد خلاف الحق، وإن رسالته إلى المتوكل في هذا الموضوع لتدل على هذا المسلك، فقد جاء في خاتمتها ما يلي: "وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" (٣). • وأما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة: فقد اختلفت الرواية في ذلك عن إمام السنة وترجمة مذهبه: قال ابن قتيبة: واختلفت عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الروايات، ورأينا كل فريق منهم يدعيه، ويحكي عنه قولًا، فإذا كثر الإختلاف في شيء ووقع التهاتر في الشهادات به، أرجأناه مثل أن ألغيناه.

стр. 85

ومن عجيب ما حكي عنه مما لا يشك فيه أنه كذب عليه، إذ كان موفقا بحمد الله رشيدًا أنه قال: من زعم أن القراءة مخلوقة، فهو جهمي، والجهمي كافر، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو مبتدع، وكل بدعة ضلالة (١). واستمر في تحقيق المسألة. ونكتة الأمر أنه قد التبس على الناس كون القرآن غير مخلوق، وكونه حين يتلى بالألسنة لا يتجلى إلا في حروف وأصوات لا يمترى في كونها مخلوقة، فلابد من الذب عن الإمام أحمد ﵀ فيما نسب إليه من القول: بأن أوعية القرآن العزيز صارت غير مخلوقة بمجرد تجسد القرآن فيها، وذلك كالحروف والأصوات، والحبر والأوراق. قأل الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد" (ص ٤٣): أما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كلٌّ لنفسه، فليس بثابت كثيرٌ من أخبارهم، وريما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم: أنَ كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا الكلام والخوض والتنازع إلّا فيما جاء فيه العلم، وبيَّنه رسول الله ﷺ . وذكر ابن كثير عن البيهقي: أنه لما ترجم عقيدة الإمام أحمد في القرآن أنكر على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن. قال: وفيما حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أخبرنا أحمد -شيخنا- السراج، عن أحمد بن حنبل أنه قال: اللفظ محدث، واستدل بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيفما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة (٢). وقال الذهبي: الذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع (٣). ثم قال:

стр. 86

الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق؛ لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة والصوت وإخراجُ الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يُحدث حروفَ القرآن ولا معانيه، وانما أحدث نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يُجوِّز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا: غير مخلوق؛ إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم. والله أعلم (١). • وأما وصف القرآن بأنه قديم: فمن المعلوم أن كلمة "قديم" اصطلاح فني استخدمه علماء الكلام للتعبير عن عدم السابقية أو عدم الأولية، فهم يقولون: الله قديم، على معنى: ليس لأوليته بداية، وأنه تعبير عن معنى قول الله : ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد: ٢]. ومعلوم أن علم الله صفة يصدق عليها هذا الحكم، أعني كون علمه قديمًا لأنه صفة لذاته تعالى. وأما كلام الله فإنه قديم أيضًا، إذ لم يزل سبحانه متكلمًا لا أولية لذلك. وأما القرآن الذي هو كلام الله المنزل على قلب نبينا المصطفى محمد ﵊، فهل يصدق عليه هذا الوصف باعتبار أنه من ذات الكلام القديم، أو لا يجوز أن يوصف بذلك، نظرًا لما تميز به من النزول والوحي به من السماء وغير ذلك؟. فالذي ينسجم معه مذهب إمام السنة أن لا يوصف القرآن الكريم بأنه قديم على اعتبار أنه من لازم القول بكونه غير مخلوق، وذلك لأمرين: الأول: أن السلف وصفوا القرآن بأنه غير مخلوق، ولم يصفوه بأنه قديم، ومذهب الإمام أحمد ينتهي عند السلف، لا يتجاوزهم. الثاني: أن هذا الإطلاق فلسفي مستحدث عند علماء الكلام، والإمام أحمد لم يكن بالذي يتعاطى الكلام ويتسارع في استخدام مصطلحاته ليستغني بها عما عنده من الأثر الذي لا يحتاج معه إلى غيره. وفي الختام نقول، كما قال الذهبي ﵀:

стр. 87

لقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث، خوفًا من أن يُتذرَّع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى. آمنا بالله تعالى، وبملائكته، ويكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على الله يوم الدين. ولو بُسط هذا السطر، وحُرر وقُرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحُسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه. فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين، إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. والله أعلم (١). * * *

стр. 88

المبحث الخامس وفاة الإمام أحمد ومجمل مناقبه وعلمه وفاة الإمام أحمد: لما استكمل الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ٧٧ سنة من العمر، ودخل في الثامنة والسبعين أصابته حمى، وذلك في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة ٢٤١ هـ، فكثر عواده وتردد عليه الأطباء منذ ذلك الحين، وكان قد كتب وصيته قبل ذلك، على عادة العلماء العاملين، وهذا نص تلك الوصية المباركة: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى: أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته: أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى: أني رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا. وأوصى: أن لعبد الله بن محمد، المعروف بفُورَان عليّ نحوًا من خمسين دينارًا، وهو مصدق فيما قال، فيقضى ماله علي من غلة الدار، إن شاء الله، فإذا استوفى أُعطي ولدُ صالح وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل كل ذكر وأنثى عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد. شهد أبو يوسف، وصالح وعبد الله ابنا أحمد بن محمد بن حنبل" (١).

стр. 89

فلما كانت صبيحة يوم الجمعة ١٢/ رييع الأول/ ٢٤١ هـ، حين ارتفع النهار بنحو ساعتين سلم الإمام أحمد الروح إلى بارئها، وأجاب دعوته المقررة على كل إنسان: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وكانت الشوارع والسكك المحيطة بمسكنه ضائقة بالناس. وحضر غسله نحو من مائةٍ من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبّلون بين عينيه، ويدعون له، ويترحمون عليه. وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله ما لا يعلم عددهم إلا الله، وكان النائب على بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر، فتقدم وأم الناس في الصلاة عليه على الرغم من عدم موافقة أولاده على ذلك، وقد كانوا صلوا عليه قبل ذلك في داخل بيته. ولم يستطيعوا دفنه إلا بعد العصر من شدة الزحام (١). * * *

стр. 90

مجمل مناقب الإمام أحمد وصفاته: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "نَضَّر الله امرأً سمع منّا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رُبّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه" (١). ولا غرو أن إمام السنة كان محلًا لذلك الدعاء المبارك، فقد قال ناعتوه: إنه كان حسن الوجه، رَبْعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، أبيض الثياب، وإن كانت غليظة خشنة، يعتمُّ ويلبس إزارًا. وكان أسمر شديد السمرة، طويل القامة (٢). وكان -عليه رحمة الله- يجلس جلوس المتواضعين في خشوع باد على تقاسيم وجهه، يفضل التربع، وهو القرفصاء، وهي جِلسةكانت تحكيها الصحابية قيلة بنت مخرمة عن رسول الله ﷺ أنها رأته يجلس كذلك (٣). وكان رجلًا مهيبًا لا يجرؤ أحد على انتهاك المهابة التي تكون في مجلسه، وهي مهابة جاء بها الورع والسمت والخشوع لله باستمرار، وليست تلك المهابة التي يفرضها المتجبرون على الناس ظلمًا وعلوًا، فكان الإمام أحمد كما قال مصعب بن عبد الله الزبيري في مالك ابن أنس: يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَعُ هَيْيةَ ... والسائلونَ نواكسُ الأذْقَانِ عِزُّ الوَقَار ونُورُ سُلطانِ التُّقَى ... فهو المَهيبُ وليس ذا سُلْطان (٤) وكان كما يقول واصفوه: لا يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم، شديد الحياء، كريم النفس، حسن العشرة والأدب، كثير الإطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين

стр. 91

والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بَشَر به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه (١). • ثناء العلماء عليه: وقد أثنى العلماء عليه ثناء لا يتسع لنا أن نسجله في هذه المسطورات، لكثرته، فقد أثنى عليه شيوخه وهو صغير، ووصفوه بالعقل والنباهة، وغير ذلك، وأثنى عليه أقرانه الذين صحبهم، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم وجودة القريحة والتفوق على النظراء، مع أن العادة قد جرت بوجود التحاسد بين الأقران والأنظار، لميل النفوس إلى حب التفوق والإنفراد بالفضائل. وأثنى عليه تلاميذه الذين لازموه ورووا عنه العلم (٢). قال شيخه عبد الرزاق فيه: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع (٣). وقال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل (٤). وقال محمد بن الحسين الأنماطي: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل، فقال رجل: فبعضَ هذا، فقال يحيى: وكثرة الثناء على أحمد تستنكر! فلو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكاملها (٥). ومن تلامذته: قال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر. وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط (٦).

стр. 92

وأثنى عليه الذهبي بكلمة جامعة فقال: "إن أحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التألُّه، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن لإخوانه وأقرانه؟ وكان مهيبًا في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هبت أحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل" (١). وكتب الله للإمام أحمد الإحترام حتى في قلوب أهل الذمة الذين كانوا يعيشون مع المسلمين في بغداد. فقد قال المرّوذي: رأيت طبيبًا نصرانيًا خرج من عند أحمد ومعه راهب، فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله. وأدخلتُ نصرانيًا على أبي عبد الله، فقال له: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك. فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار. فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس؟ (٢) * * *

стр. 93

علم الإمام أحمد (١) يتجلى لنا علم هذا الإمام المؤسس للمذهب الرابع من المذاهب الفقهية المشهورة في ثلاث نواح رئيسة: • في شهادة الناس له بذلك، وقد مضى بعض ذلك في الثناء عليه. • في الرواية عنه. • في مؤلفاته. أولاً: شهادة الناس له بالعلم: ليس أزكى للإنسان، بعد توفيق الله له، ورضاه عنه من شهادة أفضل أهل زمانه له بالعلم والتفوق في الفضائل وحيازة السبق في الفنون، وكم يلهث أكثر أهل زماننا وراء الإجازات ونيل التزكيات، ولكن هيهات فقد أدركنا ما وراء الأكمة! والحق كما قال الراجز: والحقُّ أن لا تُفتي حتَّى ترى ... نفسك أهلاً ويرى ذاكَ الورَى فمالكٌ أجازه سَبْعونَ ... محنَّكاً للصَّحْب يتبعونَ (٢) وإمامنا أحمد لا يسأل عنه، كما يقول علماء الرجال، فقد انعقدت له الإمامة في العلم بالإستفاضة والشهرة، ولو ذهبنا ننقل شهادات الأعيان له لظن الظانون أن الرجل بحاجة إلى ذلك، ولكننا سنكتفي ببعض ذلك ليدلك على غيره. فقد قال قرينه أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث!! فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب. وعلق الذهبي على ذلك بقوله:

стр. 94

فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأثر وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشر معشار ذلك (١). وقد تقدم: أن الإمام أحمد أتى على ما عند شيخه هشيم من مسموعات وهو لا يزال حياً، وكان الشافعي يسترشده في معرفة ما ثبت من صحيح الأحاديث ليعمل به. كما تقدم أنه لم يكن عنده ترجمة على ظهور الأجزاء المروية عن شيوخه، وكان يعرفها مع ذلك ويميزها، مما أذهل أبا زرعة الرازي. وتقدم أن عبد الرحمن بن مهدي كان يعتبر الإمام أحمد وارث علم سفيان الثوري، حتى إنه يُذكِّره به وكأنه نسخة ثانية من شخصيته، وكان عبد الرحمن واسطة بين الرجلين تلميذاً لهذا وشيخا لهذا. وزاد محمد بن إبراهيم البوشنجي على ذلك فقال: هو -أي أحمد- عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري، وذلك أن سفيان لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن أحمد بن حنبل، ولا عِلْم سفيان ومن تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمع لها وأبصر بمتقنيهم وغالطيهم، وصدوقهم وكذوبهم منه (٢). فهذه الشهادات تعطينا صورة عن حفظ الإمام أحمد، وسعة اطلاعه على السنن والآثار وفتاوى التابعين، وأنه كان لا يشق له غبار في ذلك، حتى قال أبو بكر ابن أبي شيبة: لا يقال لأحمد بن حنبل: من أين قلت؟! (٣). وقال عبد الوهاب الوراق: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، فقالوا له: وأي شيء بأن لك من فضله وعلمه؟ قال: رجل سئل ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: حدثنا وأخبرنا (٤).

стр. 95

ثانياً. في الرواية عنه: روى الناس عن اللإمام أحمد الحديث بسنده، ورووا عنه الفقه الذي نُسج منه مذهبه وتألف فيما بعد. وكان إذ ذاك في صورة مسائل أجاب عنها، ثم دوَّنها الأصحاب من بعده وجمعوها، وصارت هي أم المذهب. • فأما الحديث: فهو الإمام فيه، والمفتاح لخزائن كنوزه، والجهبذ في معرفة علله ورجاله، وصحيحه وسقيمه، بل يعتبر فقهه وليداً من حديثه، لا يكاد يسأل عن مسألة إلا ويجيب فيها بحديث مسند، أو أثر لصحابي، أو فتوى لتابعي. قال عبد الوهاب الوراق: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وأيش الذي بأن لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: "أخبرنا" و"حدثنا" (١). وقد روى عنه الناس في مسانيد الصحابة، وخرجوا أحاديثه في مصنفاتهم، ورووا عنه في علل الأحاديث، كلما رووا عنه في معرفة الرجال فيما يتعلق بأسمائهم، وكناهم، وألقابهم، وجرحهم وتعديلهم، وغير ذلك. وحدث عنه جماعة من مشايخه ومن الأكابر منهم، قد استوفاهم ابن الجوزي بأسمائهم، فذكر منهم (١٩) شيخاً؛ كإسماعيل ابن علية، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وتقدم أنه يذكره في مروياته بوصفه لا باسمه، فيقول: حدثني الثقة (٢). وحدث عنه من تلامذته جماعة لا يحصون كثرة، جرد ابن الجوزي أسماءهم في "المناقب" والمزي في "تهذيب الكمال".

стр. 96

• أحمد في الكتب الستة: ومن جملة تلاميذه المباشرين وبواسطة، أصحاب الأصول الستة. قال الذهبي: "حدث عنه البخاري حديثاً، وعن أحمد بن الحسن عنه حديثاً آخر في المغازي، وحدث عنه مسلم، وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن رجل عنه" (١). وإليك ذلك الحديث المذكور في مغازي "الجامع الصحيح": "حدثني أحمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة" (٢). وأما الحديث الثاني، فهو موقوف على ابن عبَّاس في كتاب النكاح. قال البخاري: وقال لنا أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع. ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. وذكر الآثار بطولها (٣). • قلة أحاديث أحمد في صحيح البخاري وسببها: ذكر الحافظ ابن حجر سبب إقلال البخاري من التخريج للإمام أحمد في "صحيحه"، فقال: وليس للمصنف في هذا الكتاب رواية عن أحمد إلا في هذا الموضع -إشارة إلى الحديث السابق- وأخرج عنه في آخر المغازي حديثا بواسطة -وقد أوردناه آنفا- وكأنه لم يكثر عنه، لأنه في رحلته القديمة لقي كثيراً من مشايخ أحمد فاستغنى بهم، وفي رحلته الأخيرة كان أحمد قطع التحديث، فكان لا يحدث إلا نادراً، فمن ثَمّ أكثر البخاري عن علي بن المديني دون أحمد (٤).

стр. 97

وقد خلف لنا الإمام أحمد ذلك الديوان العظيم المسمى: "المسند"، وقد صُنِّف في جمع السنة ما يزيد على المائة مسند (١)، فكان لابد من قرن اسم المصنِّف بالمسند الذي صنفه كـ"مسند عبد بن حميد" و"مسند أبي يعلى الموصلي" .. حتى يتميز عن غيره، ولكن لشهرة مسند أحمد، وتفوقه على غيره أصبح هذا الإسم المجرد -أعني "المسند"- علماً عليه بالغلبة، فإذا أطلق فهو المقصود به حصراً، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في ذكر المؤلفات في الحديث. • وأما الفقه: فقد روي عنه ﵀ في صيغة أسئلة وأجولة على غرار الفتاوي المسموعة، ولم يدوّن كتاباً في ذلك قط، لأنه كان يكره حتى التعليقات المكتوبة بإزاء السنن والآثار، كما هو صنيع مالك في "الموطأ"، بَلْهَ الفقه المجرد الذي ليس فيه إلا الإجتهاد الخالص. فيكون المذهب الحنبلي قد ولد أول ما ولد في صورة أسمعة كتبها الأصحاب، بعضها في حياته وبعضها بعد وفاته، فكان بهذا شبيهاً بالمذهب المالكي. فقد تَكوَّن هو الآخر بهذه الطريقة، وبزغ فجره في كتاب "الموطأ" وأسمعة الأصحاب لمسائل الفقه التي أجاب عنها، فعبد الرحمن بن القاسم له سماع من مالك بلغ عشرين كتاباً، وأبو محمد عبد الله بن وهب له سماع من مالك بلغ ثلاثين كتاباً، وأشهب بن عبد العزيز له سماع من مالك يقول عنه سحنون: حدثني المتحري في سماعه: اْشهب ... وكان ورعاً في سماعه. وعدد كتب سماعه عشرون كتاباً. وأبو محمد عبد الله بن عبد الحكم كان له سماع من مالك، "الموطأ" نحو ثلاثة أجزاء. وصنف كتباً اختصر فيها أسمعته (٢). وكذلك الإمام أحمد دون أصحابه مذهبه في مرحلته المبكرة، فيما عرف واشتهر بـ "المسائل".

стр. 98

قال الذهبي: "وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات، كالمرّوذي، والأثرم، وحرب، وابن هانئ، والكوسج، وأبي طالب، وفوران، ويدر المغَارلي، وأبي يحيى الناقد .. " وسرد نحواً من خمسين راوية، ثم قال: "وخلق سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله، نقلوا المسائل الكثيرة والقليلة" (١). وجرد ابن أبي يعلى في مقدمة "الطبقات" عدداً من نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ثم قال: وهم مائة ونيف وعشرون نفساً. ويتميز هذا الكتاب -يعني كتاب الطبقات- بالعناية برواية المترجمين عن الإمام أحمد وذكر مصنفاتهم (٢). ويعتبر جرد العلامة علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) أحسن جرد في هذا الموضوع، فقد عقد في آخر كتاب "الإنصاف" فصلاً في ذكر أسماء نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ورتبهم على حروف المعجم، وعرَّف بكل واحد منهم تعريفاً موجزاً مبيناً ما لكل واحد منهم من الرواية على وجه الإجمال، فتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة جداً حساناً" وتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة" وتارة يقول: "نقل مسائل" وتارة يقول: "نقل أشياء" .. فأحصى نيفاً وثلاثين رجلاً. وقال في أوله: "فصل في ذكر من نقل الفقه عن الإمام أحمد، ﵁ من أصحابه ونقله عنه إلى من بعده، إلى أن وصلت إلينا، فمنهم المقل، ومنهم المكثر، وهم كثيرون جداً، لكن نذكر جملة صالحة منهم يحصل المقصود بها إن شاء الله" (٣). وقال في خاتمته: "وهذا آخر ما قصدنا ذكره من أئمة أصحاب الإمام أحمد ﵃، ممن نقل الفقه عنه، مما لا يستغني عنه طالب العلم. وهم نيف على ثلاثين ومائة نفس. ومن نقل عنه الفقه وغيره جماعة كثيرون جداً، ذكرهم أبو بكر الخلال، وأبو بكر بن عبد العزيز -يعني غلام الخلال- في "زاد المسافر" والقاضي أبو الحسين بن أبي يعلى في "الطبقات" وقد زادوا فيها على الخمسمائة. وذكر ابن الجوزي بعضهم في "مناقب الإمام أحمد" وغيرهم. فإن من طالع في هذا الكتاب وغيره

стр. 99

من كتب الأصحاب يحتاج إلى معرفة الناقلين عنه، فإن بعضهم تارة يذكرهم بكناهم، ويعضهم يذكرهم بألقابهم، ويعضهم يذكرهم بأسمائهم. وهم أيضاً متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد ﵁، والنقل عنه والضبط والحفظ" (١). وينبغي أن نعلم أن كلمة "فقه" الواردة في مثل هذه المواطن تعني أوسع من مدلولها الإصطلاحي المستقر. فكتب "المسائل" هي عبارة عن دواوين لفقه الدين بمعناه الواسع، فنجد فيها الفقه والاعقاد والتفسير والأصول والزهد ومناحي من الفنون لا تحصى كثرة، يتجلى لنا ذلك في أعمال أبي بكر الخلال (ت ٣١١ هـ). فقد قال عنه ابن الجوزي: "صرت عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتباً، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء, ولم يقارب أحد من أصحاب أحمد في ذلك" (٢). وهو يعد في الطبقة الثانية من الأصحاب، فلذلك يعتبر متلقياً لعلم الإمام أحمد بواسطة أصحابه، فيكون هو جامع شتات تلك "المسائل" من مدونيها، كما يدل عليه عنوان كتابه الكبير. قال الذهبي: "وجمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة" (٣). ثم قال: "وألف كتاب "الجامع" في بضعة عشر مجلدة أو أكثر، وقد قال في كتاب "أخلاف أحمد بن حنبل": لم يكن أحدٌ علمتُ عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله قط، ما عُنيت بها أنا". وقد طبع من هذه المسائل: رواية ابنيه صالح وعبد الله، وأبي داود السجستاني صاحب "السنن"، وإسحاق ابن هانئ، وعبد الله البغوي المشهور بابن بنت منيع، وإسحاق بن منصور الكوسج، ومسائله ممزوجة بمسائل إسحاق بن راهويه، حقق منه: الطهارة، والصلاة، والصيام، والمعاملات.

стр. 100

ثالثاً: في مؤلفاته: قال ابن الجوزي: "كان الإمام أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات" (١). وهذه إشارة مهمة جداً في تصوير المنحى العام لمصنفات الإمام أحمد ﵀، فقد كانت تصانيفه المنقولات، على معنى أنه ﵀ كان يجمع في مؤلفاته الأحاديث المرفوعة، والموقوفة، وفتاوى التابعين، وتفاسيرهم التي تلقوها عن الصحابة فيما يتعلق بتأويل القرآن وعلومه المختلفة. فكونه يذهب الى كراهة وضع الكتب لا يتنافى إذن مع تأليفه لمجموعة من الكتب والمصنفات، والرسائل، ما دام يروي في تلك المصنفات ولا يرى، ويتبع ولا يبتدع، ويحيل ولا يتكفل. وإليك جريدة ب ما نسب إلى الإمام أحمد من كتب: ١ - المسند. طبع مراراً ٢ - العلل ومعرفة الرجال. ذكر العقيلي في "الضعفاء" أنه قرأه على عبد الله غن أبيه. طبع منه جزءان. ٣ - فضائل الصحابة. فيه زيادات لابنه عبد الله وأبي بكر القطيعي. طبع في (مجلدين) بتحقيق وصي الله بن محمد عباس سنة (١٤٠٣) هـ، مؤسسة الرسالة ببروت. ٤ - التفسير. ذكره ابن النديم وابن الجوزي، ونقل عن الزجاج في "معاني القرآن" حيث قال فيه (٤/ ١٦٦): أكثر ما رويتُ في هذا الكتاب من التفسير فهو من كتاب "التفسير" عن أحمد بن حنبل. وقال في موضع آخر منه (٤/ ٨): روينا عن أحمد بن حنبل ﵀ في كتابه "كتاب التفسير"، وهو ما أجازه لي عبد الله ابنه عنه. ومع ذلك فقد أنكره الذهبي في "السير" (١١/ ٣٣٢ و ١٣/ ٣٢٥).

стр. 101

٥ - الناسخ والمنسوخ. مصورته في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة المنورة. ٦ - الزهد. قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": إنه كتاب كبير في قدر ثلث "المسند" مع كبر "المسند" وفيه من الأحاديث والآثار مما ليس في "المسند" شيء كثير. فعلى هذا يكون المطبوع منه جزءاً يسيراً فقط. ٧ - الفرائض. ذكره ابن النديم. وقال الذهبي في "السير" (١١/ ٢٢٨): رأيت له ورقة من هذا الكتاب. وفي "المناقب" (٦١٣) لإبن الجوزي ما يشير إلى أنه كان عند إبراهيم الحربي يرويه للناس. ٨ - الأسامي والكنى. ذكره الوادي آشي في "برنامجه" ضمن مسموعاته. وقد طبع. ٩ - حديث شعبة. ذكره ابن الجوزي والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٧٥). ١٠ - التاريخ. ذكره ابن الجوزي. ١١ - الورع. نُسب إليه، وليس من تأليفه بل هو من تأليف أبي بكر المرّوذي (تلميذه). وقد طبع. ١٢ - الرد على الزنادقة والجهمية. وقد طبع مراراً. ١٣ - كتاب أهل الردة والزنادقة. يوجد في مكة في حوزة محمد حمزة، ومنه نسخة مصورة بالقاهرة. انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (٣/ ٢٢٥). وهو مطبوع. ١٤ - الإيمان. ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٣٥٣) وتوجد منه مخطوطة في المتحف البريطاني. انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (٣/ ٢٢٩). ١٥ - طاعة الرسول. ذكره ابن النديم. ١٦ - الإمامة. ذكره الذهبي في السير (١١/ ٣٣٥) وقال: مجلدة صغيرة. ١٧ - نفي التشبيه. ذكره الذهبي في السير (١١/ ٣٣٥) وقال: مجلدة. ١٨ - المقدم والمؤخر في القرآن. ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٧٥). وفي ترجمة المروذي من "الطبقات" (١/ ٦٢) لإبن أبي يعلى شيء من مضمونه. ١٩ - جوابات القرآن. ذكره الخطيب في "التاريخ" (٩/ ٣٧٥).

стр. 102

٢٠ - المناسك الكبير. ذكره ابن النديم. ٢١ - المناسك الصغير. ذكره ابن الجوزي. ٢٢ - الأشربة. ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٣٠٣). وهو مطبوع. ٢٣ - الوقوف والوصايا. وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. وهو مطبوع. ٢٤ - أحكام النساء. وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. وهو مطبوع. ٢٥ - الترجل. وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. وهو مطبوع، ٢٦ - الإرجاء. وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال. ٢٧ - الفتن. توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق. وهو مطبوع. ٢٨ - فضائل أهل البيت. ذكره الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٥٧). ٢٩ - مسند أهل البيت. مُستلّ من "المسند". وهو مطبوع.

стр. 103

رسائل الإمام أحمد وتنسب إلى الإمام أحمد الرسائل التالية: ١ - رسالة "السُّنة" المعروفة برسالة الإصطخري: رواها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (١/ ٢٤ - ٣٦). ٢ - رسالة كتبها إلى المتوكل في مسألة خلق القرآن: أخرجها أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢١٦ - ٢١٩) ومن طريقه رواها ابن الجوزي والذهبي، وأثنى على إسنادها ثناء حسناً. ٣ - رسالة الحسن بن إسماعيل الربعي: قصيرة جداً، أوردها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (١/ ١٣٠). ٤ - رسالة عبدوس بن مالك العطار: مطولة، أوردها ابن أبي يعلى أيضاً (١/ ٢٤١ - ٢٤٦). ٥ - رسالة محمد بن عوف الطائي: مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (١/ ٣١١ - ٣١٣). ٦ - رسالة محمد بن يونس السرخسي: أوردها ابن أبي يعلى (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠). ٧ - رسالة إلى مسدد بن مسرهد البصري (ت ٢٢٨ هـ): مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (١/ ٣٤١ - ٣٤٥). ٨ - رسالة في الصلاة: كتبها إلى مهنا بن يحيى الشامي، كما في "الطبقات" (١/ ٣٤٨ - ٣٨٠) وهي موضوعة على الإمام أحمد، كما قال الذهبي (١١/ ٢٨٧، ٣٣٠)، والذي يقرؤها يجد أنها تتجافى مع أسلوبه وطريقته، مما يؤكد قول الذهبي. وتوجد منها نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (٢/ ١٣٨٥٣ مجاميع) مؤلفة من (٩) ورقات، ونسخة أخرى برقم (١/ ٦٧٨٦ مجاميع) مؤلفة من (١٢) ورقة. وهي مطبوعة بمصر بعنوان "الرسالة السنية في الصلاة وما يلزم فيها للإمام".

стр. 104

المسند ديوان السنة النبوية

стр. 105

لا يذكر الإمام أحمد إلا ويذكر معه ذلك الديوان العظيم "المسند" والذي غابت في ضياء شمسه لوامع كتبه ومصنفاته الأخرى، لقد انتشر هذا الكتاب في الآفاق وسارت به الركبان، وكان له من المنزلة بين كتب الإسلام ما كان للإمام أحمد من المنزلة بين أئمة الإسلام الكبار. وسيكون الحديث عن المسند في المباحث التالية: - تاريخ تأليفه. - وصفه. - روايته. - مكانته. - الأعمال التي تمت عليه. • تاريخ تأليف المسند: لقد مر تاريخ تدوين السنة النبوية بعدة مراحل، فكانت في زمن الصحابة محفوظة في صدور الرجال إلا بعض الصحائف التي كانت بأيدي ثلة قليلة من الصحابة ... وكذلك كان الحال في صدر زمن التابعين، إلى أن عهد عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى حافظ زمانه ابن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) بجمع سنة رسول الله ﷺ ، فبدأ الجمع من يومئذ وبزغ فجر التدوين، فدونت السنة في تلك المرحلة الأولى في "جوامع" كجامع سفيان الثوري، وجامع سفيان بن عيينة، وجامع ابن جريج، وجامع فلان وفلان ... وكانت تلك "الجوامع" لا تتميز بأي نظام تصنيفي، وإنما كانت تجمع أحاديث فلان على حدة وأحاديث فلان على حدة، وهكذا، ويسمى المجموع الكلي لتلك المسموعات المترجمة على الشيوخ: الجامع. ثم جاء دور"التصنيف"، والتصنيف يختلف عن التدوين؛ إذ إنه يعتمد على منهج محدد وترتيب منسق داخل الكتاب المؤلف.

стр. 106

فهناك من صنف الأحاديث التي رواها عن شيوخه على أبواب الفقه، فوضع كل حديث في كتابه المناسب وبابه المناسب. وهذا ما عرف "بالسنن"، كسنن أبي داود والترمذي وهناك من توسع أكثر فأضاف إلى أبواب الفقه علوماً أُخر، كالمغازي والتفسير والإيمان والتوحيد والفضائل، وغير ذلك، فكان كتاباً جامعاً، وذلك كـ: "صحيح الإمام البخاري" و"صحيح الإمام مسلم". وهناك من سلك مسلكاً آخر وكان غرضه تجميع أحاديث الصحابة صحابياً صحابياً، وإفراد مرويات كل صحابي في كتاب، وتكوين ديوان جامع من ذلك كله، وهو ما سمي بـ"المسند". فالمسند: هو الكتاب الذي يكون فيه حديث كل صحابي على حدة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، من غير التفات إلى الموضوعات والأبواب، ويتبع في ترتيب مسانيد الصحابة طرائق عدة، فقد ترتب على حروف الهجاء، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحايي واحد، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة يجمعها وصف واحد، كمسند المُقلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك (١). وهكذا كان "مسند الإمام أحمد" الذي يقع إلى جانبه ما يزيد على مئة كتاب بهذا العنوان، مثل: مسند الحميدي، ومسند أسد بن موسى، ومسند عَبد بنِ حُميد، ومسند الطيالسي. متى بدأ الإمام أحمد بتصنيف مسنده؟ يرى الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ أن الإمام أحمد بدأ في تصنيف "المسند" مع بداية الطلب، أي في حدود سنة (١٨٠ هـ) قبل خروجه من بغداد (٢). وهذا الرأي بعيد، فأما أن يكون الإمام أحمد بدأ بجمع مادة "المسند" مع بداية الطلب فذلك ما لا يجادل فيه أحد، وأما أن يكون فكَّر في "المسند" وأخذ في تصنيفه منذ ذلك الحين فهناك من الأدلة ما يخالفه، وذلك أن أحاديث الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد كانت في ذلك الوقت عبارة عن "جوامع" لمرويات الشيوخ على ما وصفنا آنفاً، وبالتالي فتصنيف "المسند" لا يمكن أن يخصل لأحد إلا بعد استشراف ما عند الشيوخ من الأحاديث ليرتبها بعد

стр. 107

ذلك على مسانيد الصحابة، وهذا مالم يكن قد توفر للإمام أحمد وهو في بداية الطريق. بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد من النقل ما يصرح بأن بداية تصنيف "المسند" كانت على رأس المئتين حينما رجع الإمام أحمد من رحلاته التي كان آخرها رحلته اليمنية إلى عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ). فقد روى الحافظ أبو موسى المديني بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: صنف أبي السند بعد ما جاء من عند عبد الرزاق (١). فالإمام أحمد لما أنهى تلك الرحلات التي رحلها إلى الأمصار الإسلامية التي كانت فيها الأحاديث، ويستوطنها الحفاظ والرواة، وجد نفسه قد دوَّن ما يتجاوز ثلاثة أرباع المليون ٧٥٠.٠٠٠) من الأحاديث، فجاءت فكرة تصنيف مسند يجمع أحاديث كل صحابي على حدة، وينتقي من ذلك العدد الهائل الأحاديث ذات الأسانيد المعروفة المشهورة. * * * • وصف المسند: يتكون المسند من عدد كثير من الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي ﷺ (٢)؛ بعضها رواه الإمام أحمد بأسانيده إلى أولئك الصحابة، وهي تشكل معظم المسند، بالإضافة إلى زيادات رواها ابنه عبد الله عن عوالي شيوخه وأدرجها ضمن مسند أبيه، كما توجد زيادات لأبي بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. ويتطلب البحث أن نتفحص السند وهو في الوضع الذي كان عليه قبل أن يتصرف فيه عبد الله ابن الإمام بالترتيب والإضافات. ثم نتعرف على عدد أحاديثه إجمالاً وكيفية توزيعها على مسانيد الصحابة، وزوائد عبد الله والقطيعي.

стр. 108

• المسند في صورته التي تركه عليها أحمد: يقول ابن الجزري ﵀: إن الإمام أحمد شرع في هذا "المسند"، فكتبه في أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسوّدة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته، ما يشابهه ويماثله (١). وهكذا كان "المسند" في بدايته؛ عبارة عن مجموعة من الأجزاء المنفردة بعضها عن بعض، وكل جزء يحتوي على مجموعة من الأوراق المنفردة هي الأخرى بحيث لا تربطها أرقام ولا يهتدى فيها إلى تسلسل معين. • المسند بين يدي عبد الله بن أحمد: وقد رتب عبد الله بن الإمام "المسند" ترتيباً لم يخرجه في حقيقة الأمر عن الصورة التي كان عليها عند أبيه، وقد وقع فيه خلل في جملة مواضع لا تمس جوهر الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرار الحديث الواحد بإسناده ومتنه لغير فائدة في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان. وقد نبه على ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه: "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند". ثم قال: ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله ﵀ فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذييه، ونزل به أجله قبل تلفيقه وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فيه خوفاً من حلول عائق موته دون بلوغ مقصوده فيما يرتضيه (٢).

стр. 109

• عدة أحاديثه: قال الحافظ أبو موسى المديني -وهو من جملة من وقع له المسند كاملاً عن شيخه ابن الحصين-: فأما عدد أحاديث "المسند" فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زُريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه منه؛ يعني: عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع "المسند"، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير، وهو مئة ألف وعشرون ألفاً، سمع منه ثمانين ألفاً والباقي وجادةٌ. فلا أدري: هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره؟ ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى (١). وعلق الشيخ أحمد شاكر ﵀ على ذلك بقوله: "هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفاً، وقد لا يبلغ الأريعين ألفاً. وسيتبين عدده الصحيح عند إتمامه إن شاء الله". اهـ. ولكنه عاجلته المنية قبل تحقيق الأمنية ﵀ وقد عمل في "المسند" نحو الربع، ولو أتمه لكوشف بعين الحقيقة، ولصار اليقين الذي قطع به إلى المراجعة، فقد كشفت الطبعة الجديدة الصادرة عن "مؤسسة الرسالة" في (٥٠) مجلداً؛ أن عدد أحاديث "المسند" (٢٧٦٤٧) حديثاً، بما في ذلك المكررات وزوائد عبد الله. والله أعلم.

стр. 110

• ترتيب الصحابة في المسند: لقد توخَّى الإمام أحمد ترتيب الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها: الأفضلية، والسابقة في الإسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية. وذلك أنه بدأ "مسنده" بمسانيد الخلفاء الأربعة، وثنى بمسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، وثلث بمسند أهل البيت، ثم تلاهم بمسانيد المكثرين من الرواية، كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسانيد الأمصار: مسند المكيين، ثم المدنيين, ثم الشاميين، ثم الكوفيين, ثم البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء (١). • زوائد المسند: وتعتبر زوائد عبد الله على أصل "المسند" من جملة آثاره التي أكمل بها عمل أبيه في هذا الديوان العظيم. وذلك أن عبد الله لما تلقى "المسند" عن أبيه على الصفة التي مرت
следующие страницы →