شرح التسهيل المسمى
«تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف
محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة ٧٧٨ هـ
دراسة وتحقيق
• أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر)
• أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر)
• أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر)
• أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر)
• أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر)
• أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد الأول]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
مقدمة
الحمد لله الذي علم بالقلم .. علم الإنسان ما لم يعلم .. والصلاة والسّلام على من أوحى إليه أن: اقرأ .. فقرأ وهو خير من قرأ، ونطق وهو خير من نطق، وأفصح وهو سيد من أفصح ... اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
وبعد ..
فلقد اهتم علماؤنا الأوائل بدراسة اللغة العربية .. لغتهم العزيزة التي بها يتكلمون وبها يتخاطبون، وزاد اهتمامهم بها حين وجدوا الأيدي العابثة قد امتدت عليها ودبّ اللحن على الألسنة، فخشي الغيورون على لغة القرآن الكريم من ضياعها، وإمحاء آثارها، فأرسوا قواعدها، ونظموا أصولها، حتى كثرت المؤلفات التي تعنى بقواعد النحو والصرف، فوضع سيبويه «كتابه» الذي يعد بمثابة المنارة التي يهتدي بنورها الدارسون لهذا الفن .. ولا يزال التأليف مستمرّا حتى وجدنا المبرّد يقدم بين أيدي الدارسين كتبه: المقتضب والكامل وغيرهما من نفائس الكتب والمؤلفات ..
وتتابعت حركة التأليف حتى جاء القرن السابع الهجري ليسعد بعلم من أبرز علماء النحو والصرف، ذلكم هو العالم الجليل الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك، صاحب الألفية التي اشتهرت في الأوساط العلمية وفاقت كل مؤلف، وأقبل عليها طلاب العلم حفظا وفهما، حتى استولت على عقولهم وأفهامهم.
هذا إلى جانب الكافية الشافية وشرحها، والتسهيل، وغيرها من المؤلفات التي وضعها ابن مالك. وإذا كانت الألفية قد حظيت باهتمام كثير من العلماء، فتسابقوا إلى شرحها والتعليق عليها - فإن «التسهيل» أيضا قد حظي بهذا الاهتمام نفسه؛ حتى وجدناه يسيطر على العقول ويأخذ بمجامع الألباب، فهبّ الجميع يتسابقون إلى شرحه وحلّ الغموض الذي اكتنفه؛ لأن إيجازه بلغ
стр. 4
حد الغموض كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية (١) .. ولهذا السبب؛ فإن ابن مالك نفسه أحسّ أن هذا الكتاب لا يكمل نفعه، ولا يعم خيره إلا إذا أكمل بشرح يزيل غموضه، ويبين المراد من عباراته واصطلاحاته وقواعده؛
فقام بشرحه حتى يسهل الانتفاع به (٢).
وتتابعت شروح هذا الكتاب بعد شرح مصنفه من أمثال: الشيخ أبي حيان (ت ٧٤٥ هـ) والمرادي (ت ٧٤٩ هـ) والسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ) وابن هشام (ت ٧٦١ هـ) وابن عقيل والدماميني، ومحب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش .. ولقد استوقفتنا شخصية هذا العالم الأخير الذي جمع بين دراسة هذا الفن ومنصب «ناظر الجيش».
ولما كان إحياء تراثنا العربي الخالد من موجبات الحياة ومقتضيات الزمن - فقد شمرنا عن ساعد الجد؛ لننفض الغبار الذي تراكم على هذا الشرح، الذي نعتقد أنه من أعظم شروح التسهيل كما سنرى إن شاء الله تعالى، وقد أحببنا أن يخرج إلى الحياة ويشهد نورها بعد أن ظل حبيسا في بطون المكتبات؛ فاخترنا بعون الله وتوفيقه - نحن الستة - هذا الشرح؛ ليكون تحقيقه ودراسته سبيلا لنيل درجة العالمية «الدكتوراه» من كلية اللغة العربية جامعة الأزهر بالقاهرة .. هذا، ويمكننا أن نلخص الدوافع التي حفزتنا إلى تحقيق هذا السفر العظيم فيما يلي:
١ - الإسهام والمشاركة في إحياء جزء من تراثنا العربي الخالد الذي يسهم بدوره في المحافظة على لغة القرآن الكريم دستور الإسلام العظيم.
٢ - التعرف على شخصية ابن مالك عن قرب بدراسة مؤلف من مؤلفاته وهو «التسهيل»، من خلال شرح ناظر الجيش له.
٣ - التعرف على شخصية ناظر الجيش التي لم تحظ بعناية كثير من العلماء أو الدارسين؛ فأردنا أن نكشف الغموض الذي اكتنف هذه الشخصية العظيمة
стр. 5
ذات القدرة الفائقة على فهم القواعد النحوية والصرفية.
٤ - أنه إذا كان القرن الثامن الهجري قد حظي بالأفذاذ من العلماء من أمثال: أبي حيان والمرادي والسمين الحلبي وابن هشام وابن عقيل - فإننا قصدنا إلى معرفة مكان شرح ناظر الجيش بين هذه الشروح.
٥ - أننا وجدنا صاحب «كشف الظنون» وغيره حين تحدث عن هذا الشرح لناظر الجيش - ذكر أنه اعتنى بالأجوبة الجيدة عن اعتراضات أبي حيان على ابن مالك .. فأردنا أن نقف على تلك الإجابات والتعرف عليها والاستفادة
منها.
٦ - أن هذا الشرح يعد لونا من ألوان النقد في النحو العربي .. فهو لم يكتف بسرد آراء السابقين ومذاهبهم .. وإنما تعرض لها بالشرح والتعليق؛ وبخاصة شرح ابن مالك وشرح الشيخ أبي حيان الذي تعقبه مع كل فكرة وكل رأي .. فأردنا أن يتعرف معشر الدارسين لهذا الفن على هذا اللون الجديد من هذه الدراسة.
لهذه الأسباب مجتمعة اخترنا تحقيق هذا الكتاب ودراسته؛ إسهاما إيجابيّا منّا في هذا العمل النبيل، في إضافة شرح من أرقى شروح التسهيل إلى المكتبة العربية.
ولقد ساعدنا في طبع هذا الكتاب الكبير والسفر العظيم الذي يجمع ثلاثة شروح للتسهيل (ابن مالك - أبو حيان - ناظر الجيش) هذا الرجل الذي يعنى بنشر التراث العربي في مختلف مجالاته من لغة وأدب ودين وهو الأستاذ/ عبد القادر محمود البكار، صاحب ومدير مكتبة دار السّلام بشارع الأزهر تلك المكتبة التي حازت على جائزة أفضل ناشر للتراث في مصر لثلاثة أعوام متتالية (١٩٩٩ - ٢٠٠٠ - ٢٠٠١ م) هي عمر الجائزة.
وكان عملنا الكبير هذا مقسما إلى قسمين:
قسم للدراسة كشفنا فيه النقاب عن الكتاب وعن صاحبه، وقسم للتحقيق أخرجنا فيه الكتاب الذي حجب عن طلاب العربية طوال سبعة قرون؛ أخرجناه إلى النور؛ لينتفع به الناس.
стр. 6
أما قسم الدراسة فقد جعلناه في: تمهيد وعشرة فصول .
ذكرنا في التمهيد الحالة السياسية والعلمية في عصر ناظر الجيش وأما الفصول العشرة فكانت كالآتي:
الفصل الأول: كان حديثا موجزا عن ابن مالك صاحب التسهيل؛ فلا يجوز أن نشرح المتن دون أن نعرف بصاحبه.
وأما الفصل الثاني: فكان حديثا عن ناظر الجيش صاحب الشرح: من اسمه ومولده وشيوخه وتلاميذه وصفاته وأخلاقه ومؤلفاته والمناصب التي تولاها، ثم وفاته.
وأما الفصل الثالث: فكان عن كتاب التسهيل وقيمته العلمية وشروحه الكثيرة.
وأما الفصل الرابع: فكان عن كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش وقيمته العلمية أيضا، وسبب تأليفه، وزمن التأليف في حياة صاحبه، وصحة نسبته إليه.
وأما الفصل الخامس: فكان عن مصادر ومراجع كتاب التسهيل من رجال كثيرين وكتب مختلفة.
وأما الفصل السادس: فكان عن منهج ناظر الجيش في شرحه للتسهيل.
وقد سردنا فيه ما يقرب من عشر نقاط في ذلك.
وأما الفصل السابع: فكان عن شخصية ناظر الجيش النحوية؛ حيث عرضنا عشرة أعلام من رجال النحو صحبهم ناظر الجيش دائما في كتابه على مدى سنين طويلة.
ثم كان الفصل الثامن: عن موقف ناظر الجيش من قضية الاستشهاد والأدلة النحوية.
وكان الفصل التاسع: عن مذهبه النحوي وبعض اختياراته.
والعاشر: في تأثر الشرح بمن قبله، وتأثيره فيمن بعده، ثم خاتمة أتبعناها منهج التحقيق ووصف نسخ التحقيق وصورا منها.
стр. 7
وأما القسم الثاني وهو «التحقيق» فقد سرنا فيه وفق الخطوات التالية:
١ - قمنا بتقويم النص تقويما سليما؛ وفق القواعد النحوية والصرفية والإملائية، وضبط ما يحتاج منه إلى ضبط.
٢ - قمنا أيضا بمطابقة النسخة الأصل التي اعتمدنا عليها في التحقيق على غيرها من النسخ، وقد أشرنا إلى مواطن الزيادة، والنقص بينها حتى خرج النص متكاملا.
٣ - قمنا بتوثيق الشواهد على اختلافها، وتخريجها من مصادرها الأصلية على النحو التالي:
أ - الشواهد القرآنية: نسبنا كل آية إلى سورتها وذكرنا اسم السورة ورقم الآية فيها.
ب - القراءات القرآنية: قمنا بتخريجها وتوثيقها من مصادرها الأصلية؛ معتمدين في ذلك على أمهات كتب القراءات مثل: الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب القيسي، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري، وحجة القراءات لابن زنجلة، والسبعة لابن مجاهد، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه، والبديع في مختصر شواذ القرآن لابن خالويه، والمحتسب في القراءات الشاذة لابن جني، وغيرها من الكتب التي اهتمت بهذا الشأن.
جـ - شواهد الحديث الشريف: قمنا بتوثيقها وتخريجها من الكتب الصحاح مثل: صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن النسائي وغيرها.
د - أقوال العرب وأمثالهم: قمنا أيضا بتخريجها وتوثيقها من مصادرها الأصلية مثل: مجمع الأمثال للميداني والمستقصي في الأمثال للزمخشري.
هـ - الشواهد الشعرية: وقد اتبعنا فيها المنهج الآتي:
١ - الإشارة إلى اسم قائل البيت إذا كان له قائل معروف، أو الإشارة إلى أن قائله مجهول.
стр. 8
٢ - الإشارة إلى موضعه في الديوان إذا كان لقائله ديوان، وذكر موضوع القصيدة وغير ذلك.
٣ - تعيين البحر العروضي لكل شاهد.
٤ - ضبط البيت ضبطا صحيحا.
٥ - شرح الألفاظ الغربية والغامضة في الشاهد؛ معتمدين في ذلك على كتب شرح الشواهد مثل: شرح أبيات سيبويه للأعلم بهامش الكتاب، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي، والمفضل لأبي فراس الغساني بهامش المفصل للزمخشري، وغيرها، كما اعتمدنا في شرح بعض الألفاظ على المعاجم مثل:
لسان العرب، والصحاح للجوهري، والقاموس المحيط، ومختار الصحاح، وأساس البلاغة للزمخشري، وغيرها.
٦ - الإشارة إلى موطن الشاهد في البيت.
٧ - ذكر بعض المصادر التي ورد فيها الشاهد ليعود إليها من يريد ذلك.
٤ - قمنا بالترجمة للأعلام التي وردت في الشرح وكذا الأماكن مع ذكر البيانات والتفصيل لهذه التراجم.
٥ - تتبعنا بدقة كل ما ورد في النص من آراء وأقوال وإحالات طرحها المؤلف، وذلك بالإشارة إلى أماكنها في مصادرها الأصلية من مؤلفات أصحابها إن وجدت، وإن لم توجد فمن كتب نحوية أخرى.
٦ - قمنا بالتعليق على كثير من المسائل التي ذكرها المؤلف مع الوقوف أمام بعض القضايا التي احتاجت إلى ذلك.
٧ - قمنا بالتعليق على بعض إجابات المؤلف عن اعتراضات أبي حيان على ابن مالك، وبخاصة الإجابات التي تمحل فيها للدفاع عن ابن مالك ورددناها عليه، وتركنا الإجابات الجيدة دون تعليق لأنها واضحة وظاهرة.
٨ - قمنا بشرح الألفاظ الغامضة الواردة في الشرح وتوضيح المسائل المبهمة
стр. 9
ليقف القارئ عليها.
ثم ذيلنا كل جزء بفهرس للموضوعات التي يحتويها؛ ليسهل الرجوع إليها مراعين في ذلك وضع عنوان لكل جزء مشروح من المتن ليكون فهرسا مشتملا على بعض التفصيل ثم ذيلنا الكتاب كله بالفهارس الفنية التي تعين الباحث على الوصول إلى بغيته من هذا الشرح؛ لأن الفهارس مفاتيح الكتب فوضعنا فهرسا للشواهد القرآنية، وآخر للحديث الشريف، وثالثا للشواهد الشعرية، ثم فهرسا للمصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها في الدراسة والتحقيق مرتبة ترتيبا أبجديّا حسب اسم الكتاب.
ثم ختمنا هذه الفهارس بوضع فهرس مجمل لما احتواه هذا الشرح العظيم وما ضمته أجزاؤه من الأبواب ليسهل أيضا الرجوع إلى الموضوع والباب في مكانه من الأجزاء.
وبعد:
فمن الإنصاف والإقرار بالفضل لأهله وذويه، أن نقدم خالص الشكر وعظيم التقدير إلى هذا الرجل الذي كان سببا في نشر هذا الكتاب، والذي يحمل في سبيل ذلك أعباء مادية ضخمة؛ ليرى كتابنا النور ولينتفع به الباحثون وهو الأستاذ/ عبد القادر البكار، الذي لو لاه ما طبع الكتاب، كما لا يفوتنا - نحن الخمسة - أن ننوه بعمل أخينا الدكتور علي محمد فاخر؛ حيث جمعنا من أماكن مختلفة ومدن متفرقة؛ لنتفق جميعا على طبع الكتاب والذي ما نام له جفن حتى تحقق له ذلك؛ ثم بعد ذلك كله أشرف على عملية الطباعة من تنقيح وتهذيب ونخل وغربلة، ووضع مراجع وكتب حديثة مكان مراجع ومخطوطات قديمة، تلك المرحلة التي استمرت عامين طويلين والتي ندب نفسه إليها ولم يكل أو يمل منها؛ بل كان يعمل وهو راض كل الرضا مع الجهد المبذول ليلا ونهارا وكان هدفه الوحيد أن يخرج الكتاب إلى النور ذلك الحلم الذي ظل يراودنا جميعا عشرين عاما، فجزاه الله أيضا عن ذلك العمل الجليل خير الجزاء وجعله في ميزان حسناته.
стр. 10
ويجب أن ننوه هنا أن هذا الكتاب بأجزائه الكثيرة كان ست رسائل دكتوراه سجلناها وحصلنا عليها من جامعة الأزهر بتقدير مرتبة الشرف الأولى، كان هذا من عشرين عاما مضت وبتنا نحلم بطبع الكتاب وكيف يطبع وكل منا في مكان وكلّ منا انصرف لحياته الخاصة؟ فوق التكاليف المادية للطباعة، إلى أن تحقق حلمنا واستجاب الله دعانا ووفقنا - نحن الستة الذين حققوا الكتاب - فاجتمعنا جميعا وكان سابعنا صاحب المكتبة الذي تحمس لطبع الكتاب وإخراجه للنور حين عرضنا عليه الفكرة ولم يأل جهدا ماديّا أو أدبيّا في ذلك.
وأخيرا: فمن العيب أن يزهو الإنسان بعلمه .. ولكن من الحسن بمكان أن يذكر نعم الله عليه ويحدث بها .. فلقد هدانا الله إلى هذا العمل الشريف الذي بذلنا فيه قصارى جهدنا .. ولم ندخر وسعا في سبيل إخراجه على صورة تليق بمكانته .. ولسنا ندعي لجهدنا هذا العصمة من الخطأ؛ فالكمال لله وحده، والعصمة لأنبيائه ورسله .. فإن نكن قد وفقنا فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .. وإن كانت الأخرى فحسبنا أننا لم نتعمد التقصير ونرجو الله تعالى أن يغفر لنا خطايانا وأن يهدينا إلى سواء السبيل؛ إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المحققون
المحرم سنة ١٤٢٤ هـ
القاهرة في:
مارس سنة ٢٠٠٣ م
* * *
стр. 11
شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
القسم الأول «الدراسة» وتتكون من تمهيد وعشرة فصول
стр. 12
تمهيد
العصر الثقافي أو الحياة العلمية في عصر ناظر الجيش:
في الوقت الذي سقطت فيه بغداد سنة ٦٥٦ هـ على يد التتار - أصبح المسلمون في حيرة من أمرهم، فإذا بهم يلتفتون في مشارق الأرض ومغاربها يبحثون لأنفسهم عن ملجأ يلجأون إليه ومأوى يأوون إليه؛ فلم يجدوا أمامهم غير مصر والشام؛ حيث أسس المماليك لهم ملكا وأقاموا لأنفسهم سلطانا، وكونوا لعرشهم جندا يذود عنه ويدفع كيد الأعداء.
وكان من حسن سياسة سلاطين المماليك أن أفسحوا في مصر مكانا للخلافة جديدا يؤوون فيه أحد سلائل خلفاء بني العباس بعد ثبوت نسبه وبذلك أعادوا للخلافة سيرتها.
وبذلك كله اكتسبت مصر مكانا جديدا في الحياة .. وانتقل النشاط العلمي من العراق وبغداده إلى مصر وقاهرتها، ونشرت القاهرة زعامتها العلمية وقيادتها الأدبية على البلاد الإسلامية تقريبا زهاء هذه القرون الثلاثة التي عاشت فيها دولة المماليك (١).
ولقد تجمعت عدة عوامل (٢) جعلت مصر رائدة للثقافة في هذا العصر نوجزها فيما يلي:
١ - وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد المغول:
طغى سيل المغول الجارف من أواسط آسيا إلى شمالها، مكتسحا ما أمامه من بلاد المسلمين حتى وصل العراق وبلاد الشام، وعمل بها الكثير مما تقشعر له الأبدان؛ فكان لا بد للمسلمين من أن تلتف قلوبهم حول المدافعين عنهم من سلاطين المماليك ملتمسين فيهم الزعامة التي تدافع عنهم، وأن يشد أزرهم ويدعموا ملكهم ما استطاعوا إلى
ذلك سبيلا، ومن أهم وسائل تدعيم الملك
стр. 13
إحياء العلوم والمعارف، فجهد في ذلك علماء المسلمين آنذاك وأتوا بما يعد مزيدا في بابه عجيبا في صنعه.
٢ - قتل العلماء وإتلاف الكتب العلمية:
لقد لقي العلماء الفارون من وجه التتار أن المقام لا يستقر بهم إلا في كنف سلاطين مصر، وقد لقواهم ومن لف لفهم من رجال الأمم الأخرى في جوار هؤلاء السلاطين - الأمن والدعة والسلامة والعيش الهادئ، كما وجدوا أنفسهم بعد هذه الكارثة العلمية الرهيبة؛ مسئولين أمام الله عن دينه فدفعهم ذلك إلى الجد في العمل.
٣ - وفود العلماء والأدباء إلى مصر والشام؛ حيث كان الأمن والأمان لهم عوضا عما لاقوه في البلاد الأخرى.
٤ - زوال الخلافة العباسية وسقوط بغداد في أيدي التتار.
٥ - غيرة السلاطين والأمراء على هذا التراث الضائع الذي لم يعرف قيمته هؤلاء الغزاة، ثم تعظيم هؤلاء السلاطين لأهل العلم وحبهم أياهم.
٦ - شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أداء هذا الواجب المنوط بهم وهو إحياء التراث العربي.
٧ - انصراف العناية إلى اللغة العربية.
٨ - إنشاء دور التعليم ونظامها وإنشاء دور الكتب.
٩ - العناية باختيار العلماء وتشجيع المؤلفين (١).
وكان من نتائج هذه الحركة العلمية أن وفد طلاب العلم إلى دور التعليم، وأدى ذلك أيضا إلى كثرة العلماء والأدباء، ونشطت حركة التأليف.
وبذلك يبدو لنا أن الدراسات النحوية في مصر بدأت في وقت مبكر ولم تتقاعس تقاعس غيرها من الأمصار الأخرى.
стр. 14
خصائص المدرسة النحوية في عصر «ناظر الجيش»:
١ - وضع المتون النحوية: لقد كثر في هذا العصر وضع المتون النحوية، وربما كان مرجع ذلك إلى سقوط بغداد وذهاب كثير من المؤلفات النحوية، فأراد علماء النحو أن يحفظوا أصول هذا العلم؛ فوضعوا هذه المختصرات حتى لا تضيع المصادر النحوية التي يستمدون منها نحوهم (١).
٢ - كثرة الشروح: يمكن القول بأن هذا العصر عصر الشروح، شروح المؤلفات النحوية التي وضعها مشاهير العلماء السابقين من أمثال: سيبويه، وابن عصفور، والجرجاني، والزجاجي، وأبي علي الفارسي، وابن بابشاذ، والجزولي، والزمخشري، وشروح المؤلفات النحوية التي وضعها النحاة المعاصرون من أمثال: ابن الحاجب، وابن مالك، وابن هشام (٢).
٣ - كثرة المنظومات النحوية: فقد نظم ابن معط ألفيته، ثم جاء ابن مالك ونظم ألفيته على مثالها، وهذا يعد لونا من ألوان الحفاظ على أصول هذا الفن (٣).
٤ - نثر المنظومات: كما نظموا المنثور كانوا كذلك ينثرون المنظوم؛ من أجل إظهار البراعة وتسهيل النحو كما يبدو لهم.
٥ - التدريب على الإعراب: من هؤلاء الذين أعربوا الألفية الشيخ: شهاب الدين أحمد بن الحسن الرملي الشافعي المتوفى سنة (٨٤٤ هـ) (٤).
٦ - الألغاز النحوية: لقد كثرت الألغاز النحوية في هذا العصر والتباري في وضعها، ولكثرتها ألف فيها رسائل ووضعت من أجلها كتب، ومن تراث ابن هشام في هذا الميدان رسالته في الألغاز التي ألفها لخزانة السلطان الملك الكامل، وله أيضا شرح للقصيدة اللغزية في الحسان النحوية، طبعت ضمن كتاب السيوطي «الأشباه والنظائر».
стр. 15
٧ - الاهتمام بشواهد الشعر النحوية: مثل: شرح أبيات سيبويه لأبي جعفر النحاس، وشرح شواهد جمل الزجاجي
لابن هشام، وشرح شواهد شروح الألفية للعيني.
٨ - الاستشهاد بالقراءات: ومن أهم الدعائم التي استند إليها علم القراءات بمصر ما نظم الشاطبي المشهور المتوفى سنة (٥٩٠ هـ). وكثر علماء فن القراءات، وأكب كثير منهم على تدريسه بدور العلم، وأكب بعضهم أيضا على التأليف فيه وتوضيح مسائله، ومن كتب هذا الفن (١):
أ - كتاب القراءات: لمعين الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله أبي بكر النكراوي الإسكندراني المتوفى سنة (٦٨٣ هـ).
ب - شرح الشاطبية: لشهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي السمين المتوفى سنة (٧٥٦ هـ).
جـ - شرح الشاطبية: لشهاب الدين أبي شامة المتوفى سنة (٦٦٥ هـ).
د - المقدمة الجزرية: وهي منظومة في التجويد، وضعها شمس الدين أبو الخير محمد بن الجزري الدمشقي القرشي المتوفى سنة (٨٣٣ هـ)، وله أيضا كتاب «النشر في القراءات العشر» وقد كان لهذه المؤلفات الأثر الكبير في المؤلفات النحوية والصرفية؛ حيث استشهد علماء النحو والصرف بالقراءات القرآنية على صحة القواعد وتخريج الآراء، وكان هذا واضحا في مؤلفات أبي حيان والمرادي وابن هشام والسمين الحلبي وناظر الجيش.
٩ - الاحتجاج بالحديث الشريف: وكان الإمام جمال الدين بن مالك أول من جوز الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، وتبعه في ذلك كثير من أئمة النحو بعده؛ من أمثال العلامة المحقق الرضي (٢)، وقد تبعهما كثير من المتأخرين كالمرادي وناظر الجيش والدماميني (٣).
стр. 16
١٠ - الموازنة والاختيار: وهذه سمة واضحة من سمات هذا العصر - عصر ناظر الجيش - فليس هناك من جديد؛ فاتجه النحاة إلى الاعتماد على المتقدمين ينقلون عنهم ثم يعقدون الموازنات وأخيرا يتم اختيار الآراء الصحيحة وطرح الفاسد منها، وخير مثال على ذلك ما نراه في شرح التسهيل لناظر الجيش، وكذا ما نراه في مؤلفات المرادي وابن هشام والدماميني.
١١ - الاجتهاد (١): وأيضا هذه سمة ظاهرة من سمات هذا العصر جاءت نتيجة للموازنات والاختيارات؛ فلم يكن بد من الاجتهاد في هذه الاختيارات؛ حتى يصل العلماء إلى بغيتهم، ولعل خير مثال على ذلك ما نراه في شرح
التسهيل لناظر الجيش وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
* * *
стр. 17
الفصل الأول حديث موجز عن ابن مالك صاحب «التسهيل»
* لا نريد في هذا الفصل أن نتحدث عن الإمام جمال الدين بن مالك حديثا مستفيضا؛ فهذا أمر مضى أوانه .. حيث سبقنا ببحث ودراسة هذه الشخصية العظيمة الفذة علماء أجلاء وأساتذة أفاضل، اهتموا بشأن هذا الرجل ووفوه حقه من البحث والدراسة وأظهروه في ثوبه اللائق به .. ومع ذلك فقد قصدنا إلى ذكر حديث موجز عن العلامة ابن مالك؛ لئلا يقال: إنه صاحب التسهيل صاحب المتن المشروح الذي ملأ الدنيا وشغل الناس فأين المرور عليه والترجمة القصيرة له؟
اسمه ونسبه:
لقد اختلف العلماء في سلسلة نسب ابن مالك (١) .. واختصارا للكلام كما نريد من هذه العجالة السريعة فنقول: هو أبو عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني المالكي حين كان بالمغرب، الشافعي حين انتقل إلى المشرق (٢).
كنيته ولقبه:
أجمعت المراجع التي ترجمت لابن مالك على أن كنيته: «أبو عبد الله»، ولقبه: «جمال الدين».
مولده وموطن ولادته:
اضطرب المؤرخون في تحديد السنة التي ولد فيها ابن مالك على نحو فصله
стр. 18
أحد الباحثين، وانتهى إلى أن ابن مالك لا يستحق كل هذه الاختلافات الكبيرة. والذي يعنينا من هذا الميلاد، أنه ولد في نهاية القرن السادس الهجري ومفتتح القرن السابع ليكون نجمه الساطع وبريقه اللامع (١).
وبناء على ما ذكر يمكن أن نطمئن إلى أن الأقرب إلى الصواب أن ابن مالك ولد في سنة (٦٠٠ هـ). وهذا ما عليه أكثر الروايات، أو سنة (٦٠١ هـ) كما ذكر الشيخ يس في حاشيته على شرح التصريح (٢)، والسبكي في طبقات الشافعية (٣)، والمقري في نفح الطيب (٤).
هذا وقد اتفق المؤرخون على أن ابن مالك ولد بمدينة: جيّان (٥)، ونسب إليها في جميع المراجع التي ترجمت له.
ثناء الناس على ابن مالك:
لقد ذكر أحد الباحثين أنه لا ينكر أحد قدر ابن مالك ولا سمو منزلته؛ فقد كان ﵀ أسطع نجم لمع في سماء العلم في القرن السابع الهجري، وكان إماما له منزلة كبرى يقدرها علماء عصره كل التقدير رغم حساده وعوازله (٦).
وقال عنه السيوطي: «هذا مع ما هو عليه من الدين المتين، وصدق اللهجة، وكثرة النوافل، وحسن السمت، ورقة القلب، وكمال العقل، والوقار والتؤدة» (٧).
وقال عنه صلاح الدين الصفدي: «وكان كثير العبادة، كثير النوافل، حسن السمت، كامل العقل، وانفرد عن المغاربة بشيئين: الكرم ومذهب الإمام الشافعي» (٨).
стр. 19
وكان الشيخ ركن الدين بن القويع يقول: «إن ابن مالك ما خلى للنحو حرمة» (١).
ورثاه الشيخ بهاء الدين بن النحاس بقوله:
قل لابن مالك إن جرت بك أدمعي ... حمراء يحكيها النجيع القاني
فلقد جرحت القلب حين نعيت لي ... فتدفقّت بدمائه أجفاني
لكن يهوّن ما أجنّ من الأسى ... علمي بنقلته إلى رضوان (٢)
وخلاصة القول في هذا الرجل العظيم: أنه كان أول مؤسس لمدرسة النحو في مصر والشام منذ أن أصبح هذان الإقليمان قبلة العلماء ومهد الحضارة الإسلامية بعد سقوط بغداد (٣).
مؤلفات ابن مالك (النحوية فقط):
لقد تعددت مؤلفات هذا العالم الجليل الذي يعد بحق أعظم نحاة القرن السابع شهرة؛ فقد رزقه الله قدرة فائقة على القراءة والبحث والاطلاع، فصنف مصنفات كثيرة العدد، مختلفة الفنون، ولسنا بصدد الاتساع في هذه الدراسة ولكننا - كما سبق أن ذكرنا - أردنا ألا نخلي كتابنا من حديث عن صاحب التسهيل.
أما عن هذه المؤلفات:
فأولها: كتاب «التسهيل» وهو الكتاب الوحيد من مؤلفات ابن مالك الذي يعنينا ذكره؛ لأنه محل الدراسة والتحقيق، فالموضوع يعالج شرحا من شروحه المتعددة، وقد أفردنا فصلا خاصّا من هذه الدراسة للحديث عن «التسهيل» وقيمته العلمية بين كتب النحو وشروحه المختلفة وقد نشر بتحقيق محمد كامل بركات سنة (١٩٦٧ م).
ثانيها: كتاب شرح التسهيل الذي حققه د/ عبد الرحمن السيد ود/ محمد
стр. 20
بدوي المختون وطبع في أربعة أجزاء كبيرة كان الرابع منها (باب إعراب الفعل وعوامله) بشرح ابنه بدر الدين (٦٨٦ هـ).
ثالثها: شرح الكافية الشافية وهو سفر كبير في خمسة أجزاء طبع بتحقيق:
د/ عبد المنعم هريدي.
رابعها: شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ. وهو سفر كبير هو الآخر طبع في جزأين كبيرين بتحقيق: عبد الرحمن الدوري.
خامسها: شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح (في إعراب مشكلات الحديث) وهو مطبوع مشهور.
سادسها: الخلاصة المشهورة بالألفية والتي طبقت شهرتها الآفاق بشروحها الكثيرة.
وغير ذلك من الكتب والمنظومات في النحو.
وفاته:
اتفق المؤرخون على أن ابن مالك توفي في شعبان سنة (٦٧٢ هـ) في مدينة دمشق وصلّي عليه بالجامع الأموي ودفن بسفح قاسيون.
* * *
стр. 21
الفصل الثاني حديث عن ناظر الجيش صاحب «شرح التسهيل»
* اسمه ونسبه:
قال عنه ابن حجر: «محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلبي الأصل المصري محب الدين» (١).
وقال ابن تغري بردي: «القاضي محب الدين، أبو عبد الله محمد بن القاضي نجم الدين أبي المحاسن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم التميمي المصري ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية» (٢).
وقال السيوطي: «ناظر الجيش محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلبي» (٣).
وفي كشف الظنون: «محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد بن عبيد الدائم؛ المعروف بناظر الجيش الحلبي» (٤).
من هنا يمكن أن نقول: إن هناك اتفاقا بين الذين ترجموا لناظر الجيش في سلسلة نسبه على هذا النحو: «محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلبي» (٥).
لقبه وكنيته:
اتفقت جميع المصادر التي ترجمت لناظر الجيش على أن لقبه: «محب الدين»، أما عن كنيته فلم يشر إلى ذلك إلا مصدران:
النجوم الزاهرة، قال: «القاضي محب الدين أبو عبد الله» (٦).
стр. 22
ومعجم المؤلفين، قال: «محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم التميمي المصري الحلبي؛ المعروف بناظر الجيش محب الدين أبو عبد الله» (١).
ناظر الجيش: أما عن هذا اللقب، فقد عرف به بعد أن تولى نظارة الجيش، أي أنه اكتسبه في أخريات حياته.
ولكن ما طبيعة هذا العمل؟ وما هي وظيفة ناظر الجيش؟.
وملخص ذلك: أن عمل ناظر الجيش: «النظر في أمر الإقطاعات بمصر والشام، والكتابة بالكشف عنها، ومشاورة السلطان في أمرها، ويتصل بالنظر في شؤون المماليك السلطانية وله أتباع» (٢).
مولده وموطن ولادته:
ولد ناظر الجيش سنة (٦٩٧ هـ) بالقاهرة، ولم يختلف في ذلك أحد ممن ترجموا له. ويبدو أن ناظر الجيش بعد أن ولد بالقاهرة انتقل إلى حلب مع أسرته واشتغل بها مدة من الزمان، ثم عاد إلى القاهرة محل ميلاده، وقد يفهم هذا من كلام السيوطي في: حسن المحاضرة حيث يقول: «واشتغل ببلاده ثم قدم القاهرة» (٣).
وهذا ما تطمئن إليه النفس.
شيوخه:
لقد تتلمذ ناظر الجيش على علماء أجلاء كثيرين في شتى الفنون .. فقد أتاحت له قدرته على الاستيعاب مع ذكائه
النادر، وصلاحه وفضله - أن يلازم كثيرا من العلماء والاستفادة من علومهم، ولقد ذكرت لنا المصادر التي ترجمت لناظر الجيش أنه تتلمذ على كثير من العلماء:
قال ابن حجر (٤): «وسمع من الرشيد بن المعلم، والشريف موسى بن علي الموسوي، والشريف الزينبي، وابن هارون، وست الوزراء، وابن الشحنة،
стр. 23
وحسن الكردي، وموسى بن عطوف وآخرين».
ثم قال (١): «وقرأ بالسبع على التقي الصائغ، وتخرج بالبرهان الرشيدي، وأخذ العربية عن أبي حيان والتلخيص عن الجلال مصنفه، وأخذ عن التقي السبكي، والقطب السنباطي، والتاج التبريزي».
وقال السيوطي (٢): «ولازم أبا حيان والجلال القزويني، والتاج التبريزي، وتلا على التقي الصائغ». وقال ابن العماد (٣): «ولازم أبا حيان، والتاج التبريزي، وغيرهما» ثم قال (٤): «وتلا بالسبع على الصائغ» وقال (٥): «وسمع من الشريف موسى وست الوزراء وغيرهما»، وهذه ترجمة موجزة لبعض شيوخه:
١ - أبو حيان:
هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين، الغرناطي المغربي المالكي ثم الشافعي. ولد بغرناطة في مدينة من مدنها تسمى:
مطخشارش (٦) في شوال سنة ٦٥٤ هـ.
ولقد تعددت مؤلفات الشيخ أبي حيان وتنوعت، وحسبنا من هذه المؤلفات كتابه في التفسير المسمى بـ «البحر المحيط» وكتاباه في النحو: التذييل والتكميل في شرح التسهيل، وارتشاف الضرب من كلام العرب - مشهوران معروفان وله كتب أخر غير ذلك: كالتذكرة، والنكت الحسان، وتلخيص المقرب والممتع لابن عصفور.
توفي الشيخ أبو حيان في الثامن عشر من شهر صفر سنة ٧٤٥ هـ (٧).
стр. 24
٢ - تاج الدين التبريزي:
علي بن عبد الله بن أبي الحسن الأردبيلي التبريزي الشيخ تاج الدين - كان عديم النظير في عصره، أحد الأئمة الجامعين لأنواع العلوم، عالما كبيرا مشهورا في: الفقه والمعقول والعربية والحساب، وغير ذلك.
وكان من خيار العلماء دينا ومروءة فانتفع به الناس، وحدث وصنف في أنواع العلوم. ولقد صم التبريزي في آخر حياته وتوفي في (١٧ من رمضان سنة ٧٤٦ هـ) (١).
٣ - التقي السبكي:
علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد ابن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن مسوار بن سوار بن سليم السبكي تقي الدين أبو الحسن، الفقيه الشافعي المفسر الحافظ الأصولي النحوي اللغوي المقرئ البياني الجدلي الخلافي، النظار البارع شيخ الإسلام. ولد مستهل (صفر سنة ٦٨٣ هـ)، وصنف نحو: مائة وخمسين كتابا مطولا ومختصرا. توفي التقي السبكي سنة (٧٥٥ هـ) (٢).
٤ - التقي الصائغ:
محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الزمردي، الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي النحوي .. ولد قبل سنة (٧١٠ هـ)، واشتغل بالعلم وبرع في اللغة والنحو والفقه.
وله من التصانيف: شرح المشارق في الحديث، شرح ألفية ابن مالك في غاية الحسن، والجمال والاختصار، التذكرة عدة مجلدات في النحو، المنهج القويم في القرآن الكريم، وغير ذلك.
توفي التقي الصائغ سنة (٧٧٦ هـ) وخلف ثروة واسعة (٣).
стр. 25
٥ - الجلال القزويني:
محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن دلف بن أبي دلف العجلي أبو المعالي، قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي العلامة.
ولد سنة (٦٦٦ هـ) .. واشتغل وتفقه حتى ولي قضاء ناحية بالروم، وله دون العشرين، ثم قدم دمشق واشتغل بالفنون، وأتقن الأصول والعربية، والمعاني والبيان.
له من التصانيف: تلخيص المفتاح في المعاني والبيان، وله أيضا التلخيص، والسور المرجاني في شعر الأرجاني.
توفي جلال الدين القزويني في منتصف جمادى الأولى سنة (٧٣٩ هـ) (١).
تلاميذه:
لم تحدثنا كتب التراجم عن أحد من تلاميذ ناظر الجيش .. ويبدو من عدم وجود تلاميذ له، أنه كان مشغولا بمناصب الدولة فلم يتفرغ للتدريس طويلا؛ اللهم إلا ما ذكره السيوطي من أنه درس التفسير بالمنصورية (٢).
ولكن إذا فتشنا في بطون الكتب نجد أن هناك كثيرين ممن نقلوا عنه وتتلمذوا على مؤلفاته من أمثال: الشيخ خالد (٣) والسيوطي (٤) والصبان (٥) والشنقيطي (٦) والبغدادي (٧) وغير ذلك وهم كثير.
ثقافته:
إن رجلا تتلمذ على علماء أفذاذ لهم من الشهرة ما لهم؛ من أمثال: أبي حيان والتقي السبكي والجلال القزويني والتقي الصائغ والتاج التبريزي وغيرهم ممن
стр. 26
أسلفنا ذكرهم .. لا بد أن يكون تلميذا ذا ثقافة عالية نظرا لمجالسته لهؤلاء العلماء وملازمته لهم ينهل من علومهم ويرشف من فنونهم ويتغذى من ثقافاتهم الواسعة .. فاستفاد منهم الكثير الذي أودعه مؤلفاته النحوية والبلاغية وغيرها.
هذا، وقد أشار السيوطي إلى أنه حدث، وأفاد، وكانت له يد طولى في الحساب (١).
وهذا يدل على تنوع ثقافة الرجل، وأنه لم يترك شيئا من العلوم إلا أقبل عليه وحصل منه.
مؤلفاته:
لقد اتفقت جميع المصادر التي ترجمت لناظر الجيش على أنه لم يؤلف سوى كتابين: أحدهما في النحو والآخر في البلاغة.
أما الأول فهو: شرح التسهيل الذي نحن بصدد تحقيقه. وقد أشارت بعض المصادر إلى أنه لم يتمه (٢).
وأما الثاني: فهو: شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان (٣).
هذان هما الكتابان اللذان أشارت إليهما جميع المصادر التي ترجمت لناظر الجيش وأنهما من تأليفه.
وفي أثناء اطلاعنا على كتاب: عصر سلاطين المماليك - وجدنا أن المؤلف يشير إلى أن محب الدين محمد بن يوسف المعروف بناظر الجيش له «شرح على الألفية» (٤).
ويبدو أن قلة مؤلفات ناظر الجيش ترجع إلى اشتغاله بالمناصب التي تولاها.
ويوضح ذلك ما ذكره في مقدمة هذا الشرح؛ حيث ذكر أنه توقف عن إتمامه قال (٥): «وقد كنت شرعت في ذلك
والزمان غض، والشباب غير مبيض،
стр. 27
فلما عاقت عنه العوائق، وتقاصر العزم لما نبا الطلبة عن تلك الطرائق، وشغلتني الخدم (١)، وتحققت ما رأيته من قصور الهمم - أحجمت عن إتمامه من غير فترة، وتركت العمل فيه؛ وإن كانت الرغبة في ذلك مستمرة».
صفاته وأخلاقه:
لقد تحلى ناظر الجيش بصفات غاية في الحسن والروعة ..
فها هو ذا ابن حجر يقول عنه: «وترقى إلى أن ولي نظر الجيش بالديار المصرية، ففاق من قبله من الأكابر؛ فضلا عن أقرانه في المروءة والعصبية لجميع الناس ممن يقصده؛ خصوصا طلبة العلم، فكان لهم في أيامه من المكارم والأفضال ما لا يعبر عنه ولا يحصى كثرة؛ حتى إني لم أدرك أحدا من المشايخ إلا ويحكي عنه في هذا الباب ما لا يحكيه الآخر، ولم يزل في عزه وجاهه ومهابته إلى أن مات» (٢).
وقال عنه ابن تغري بردي: «وكان القاضي محب الدين رجلا صالحا فاضلا، وله سماع عال» (٣).
وقال عنه ابن العماد في شذرات الذهب: «وكان كثير الظرف والنوادر، وبلغت مرتباته في الشهر ثلاثة آلاف، وكان من محاسن الدنيا مع الدين والصيانة» (٤).
المناصب التي تولاها:
لقد ذكرت المصادر أن ناظر الجيش ترقى إلى أن ولي نظر الجيش بالديار المصرية (٥)، وهذا يدل على أنه تولى وظائف كثيرة كان آخرها نظر الجيش، ويشهد لذلك ما ذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة حيث قال:
«وكان في ابتداء أمره تولى ديوان «چنكلي» بن البابا، ثم خدم عند الأمير
стр. 28
«منكلي» الفخري فكتب إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي يقول:
من چنكلي صرت إلى منكلي ... فكل خير أرتجي منك لي
وأنت لي كهف وما مقصدي ... من هذه الدنيا سوى أنت لي (١)
وقد سبق أن ذكرنا أن عمل «ناظر الجيش» هو: «النظر في أمر الإقطاعات بمصر والشام بالكشف عنها، ومشاورة السلطان في أمرها، ويتصل بالنظر في شؤون المماليك السلطانية؛ وله أتباع».
وبالبحث عرفنا أن مثل هذه الوظائف لا تكون إلا للأمراء، وهم من معتوقي المماليك الذين سمت بهم همتهم وحظهم إلى مرتبة الإمارة، فيعطى لكل واحد من هؤلاء إقطاع يمنحه فيستغله وفق هواه، أو يتناول منه مالا معينا:
ويتغير إقطاعه ويعطى أوسع منه كلما ترقى، ويرد الإقطاع إلى السلطان ليمنحه لأمير آخر إذا توفي صاحبه أو عطل (٢).
ومن الوظائف التي يتولاها هؤلاء الأمراء وظيفة «ناظر الجيش».
ولنتساءل هل كان محب الدين محمد بن يوسف واحدا من هؤلاء الأمراء الذين هم من معتوقي المماليك حتى يتولى هذا المنصب؟ أو أنه تولاه نظرا لتفوقه العلمي؟.
أغلب الظن أن ناظر الجيش كان أميرا من أمراء المماليك؛ لأن هذه الوظيفة كانت مقصورة عليهم (٣)، أما طبقة المثقفين - وكان يطلق عليهم في عهد المماليك اسم: المتعممين، وهم من أبناء الشعب المتخرجين في المساجد النابغين في علم أو أدب - فهؤلاء كان يختار منهم: قضاة القضاة ونوابهم ومساعدوهم، وكتاب الدواوين ومعاونوهم، وكتاب السر، وشيوخ المدارس والخوانق، إلى غير ذلك؛ أي تركت لهم مناصب القضاء والكتابة والتعليم وما يتصل بها، ولهؤلاء أجور ورواتب وضروب من المعونة يمنحونها من أوقاف أو نحوها لقاء
стр. 29
أعمالهم (١).
يضاف إلى ذلك؛ ما ذكره ابن تغري بردي (٢) نقلا عن الشيخ صلاح الدين الصفدي من أنه خدم عند الأمير منكلي الفخري وهذا خاص بالمماليك ..
وعلى أية حال، فإن محب الدين محمد بن يوسف تولى نظر الجيش، سواء أكان من معتوقي المماليك، أم كان واحدا من مثقفي الشعب.
وفاته:
اتفقت جميع المصادر على أن وفاة «ناظر الجيش» كانت في ثاني عشر من ذي الحجة سنة (٧٧٨ هـ) عن إحدى وثمانين سنة، وكان ذلك في يوم الثلاثاء، في السنة الرابعة من سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين، على مصر وهي السنة التي قتل فيها في ذي القعدة (٣).
* * *
стр. 30
الفصل الثالث كتاب التسهيل لابن مالك وقيمته العلمية
* قيمة التسهيل العلمية:
أشاد بقدر كتاب التسهيل كثير من العلماء، الحساد قبل الأصدقاء لما له من قيمة عظيمة بين المؤلفات النحوية.
وتأتي هذه القيمة لذلك الكتاب من عدة نواح أهمها:
١ - ترتيب ابن مالك للنحو؛ هذا الترتيب الذي لا نجده عند غيره.
٢ - ذكره للخلافات والمذاهب النحوية والآراء المختلفة الكثيرة.
٣ - تفضيله بعض الآراء على بعض ورفضها أو قبولها (١).
٤ - جمعه لأبواب النحو والصرف المختلفة.
لهذا وجدنا أصحاب هذا الفن يكتفون به عن المطولات التي يصعب فيها جمع القواعد وحصرها. ومن العلماء الذين أشادوا بهذا الكتاب: أبو حيان، فقد قال في تفسيره البحر المحيط: «أحسن كتاب موضوع في علم النحو وأجله، كتاب أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه رحمه الله تعالى، وأحسن ما وضعه المتأخرون من المختصرات وأجمعه للأحكام، كتاب: تسهيل الفوائد لأبي عبد الله محمد بن مالك الجياني الطائي المقيم في دمشق» (٢).
وقال ناظر الجيش: «وكان - أي أبو حيان - يقول: من عرف هذا الكتاب حق المعرفة لا يكون تحت السماء أحد أعلم منه بهذا الفن» (٣).
وابن خلدون يقرر أن كتاب «التسهيل» استوعب فيه ابن مالك جميع ما نقل من القواعد» (٤).
стр. 31
والحق أن هذا الكتاب وهو «التسهيل» يعد من أهم مؤلفات ابن مالك والذروة التي وصل إليها في دراساته النحوية، وتأتي أهميته أيضا من أنه يمثل في دقة بالغة خلاصة التجربة النحوية الطويلة العميقة الخصبة، التي وقف ابن مالك حياته عليها ووهبها كل جهده وطاقته.
شروح التسهيل:
ولأجل هذه القيمة العظيمة التي كانت لكتاب التسهيل؛ وجدنا علماء النحو يتسابقون إلى شرحه وكشف غموضه؛ لأنه كما سبق أن ذكرنا آنفا بلغ حد الإيجاز الشديد، وأجملت عباراته حتى صعب فهمها على كثير من النحويين واللغويين.
وقد أشار صاحب كشف الظنون إلى هذه الشروح، غير أنه سردها غير مرتبة ترتيبا زمنيّا، وسوف أذكرها هنا مرتبة على حسب سنيّ وفيات أصحابها:
١ - شرح ابن مالك نفسه الذي وصل فيه إلى باب (مصادر الفعل) (١). (ت ٦٧٢ هـ).
٢ - شرح الإمام بدر الدين ابن المصنف وهو تكملة شرح والده (ت ٦٨٦ هـ).
٣ - شرح محمد بن علي المعروف بابن هانئ السبتي (٢) (ت ٧٣٣ هـ).
٤ - شرح محمد بن علي الأربلي الموصلي (ت ٧٣٦ هـ).
٥ - شرح شمس الدين محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت ٧٤٤ هـ).
٦ - شرح الشيخ أبي حيان المسمى «التذييل والتكميل» (٣) (ت ٧٤٥ هـ).
стр. 32
٧ - شرح الشيخ بدر الدين أبي علي الحسن بن قاسم المرادي (١) (ت ٧٤٩ هـ).
٨ - شرح الشيخ أبي العباس أحمد بن سعد السكري النحوي (ت ٧٥٠ هـ).
٩ - شرح الشيخ علاء الدين علي بن الحسين المعروف بابن الشيخ عوينة (ت ٧٥٥ هـ).
١٠ - شرح الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف الشهير بالسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ).
١١ - شرح الشريف أبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني السبتي (ت ٧٦٠ هـ).
١٢ - شرح العلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام (ت ٧٦٢ هـ).
١٣ - شرح أبي أمامة محمد بن علي بن النقاش (ت ٧٦٣ هـ).
١٤ - شرح الشيخ عبد الرحمن بن عقيل المصري (ت ٧٦٩ هـ) (٢).
١٥ - شرح محمد بن حسن المالقي (ت ٧٧١ هـ).
١٦ - شرح أبي العباس أحمد بن محمد الأصبحي العناني (ت ٧٧٦ هـ).
١٧ - شرح عماد الدين محمد بن الحسين الأسنوي (ت ٧٧٧ هـ).
١٨ - شرح محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش (ت ٧٧٨ هـ). وهو موضع الحديث.
١٩ - شرح أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني (ت ٧٨١ هـ).
٢٠ - شرح صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٩٤ هـ) (تكملة شرح المصنف).
٢١ - شرح الشهاب أحمد بن محمد الزبيري الإسكندري (ت ٨٠١ هـ) (لم يكمله).
стр. 33
٢٢ - شرح عبد القادر بن أبي القاسم بن أحمد السعدي العبادي الأنصاري (ت ٨٢٠ هـ) تقريبا (لم يكمله).
٢٣ - شرح بدر الدين محمد بن محمد الدماميني (ت ٨٣٧ هـ) (١).
٢٤ - شرح شمس الدين أبي ياسر محمد بن عمار (ت ٨٤٤ هـ).
٢٥ - شرح جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (٨٦٤ هـ) (لم يكمله).
٢٦ - شرح محمد بن علي بن هلال الحلبي (ت ٩٣٣ هـ).
يضاف إلى ذلك ما ذكره صاحب كشف الظنون أن للشيخ أبي حيان شرحا آخر لخص فيه شرح المصنف وتكملة ولده وسماه: «التنخيل الملخص من شرح التسهيل».
وكذلك ما ذكره من أن للدماميني شرحين آخرين:
أحدهما كالشرح المذكور. وثانيهما: شرح ممزوج وصل إلى حرف الفاء (٢).
أثر التسهيل في المؤلفات النحوية بعده:
بعد أن عرفنا قيمة كتاب «التسهيل» العلمية بين كتب النحو، نستطيع أن نقول: لقد كان لهذا الكتاب من التأثير في المؤلفات النحوية التي ألفت بعده ما لا ينكره منكر، وقد وضح هذا التأثير جليّا في مؤلفات أولئك الذين تناولوه
بالشرح والتعليق؛ فقد اعتمدوا عليه في مؤلفاتهم، ونقلوا عنه الكثير في مؤلفاتهم الأخرى التي هي بعيدة عن شرح هذا الكتاب.
وحسبنا في ذلك ما نقله ابن هشام في كتابه «مغني اللبيب» صراحة أو تضمينا، ومثله صنع السيوطي في «الأشباه والنظائر» و «همع الهوامع»، وكذلك رأينا الأشموني في شرحه على الألفية ينقل كثيرا عن «التسهيل»، مما يؤكد تأكيدا لا مراء فيه أن «التسهيل» كان له الأثر الكبير في المؤلفات التي ألفت بعده.
стр. 34
وسنذكر أمثلة توضح ذلك:
١ - في مغني اللبيب قال ابن هشام - عند حديثه عن «أو» العاطفة وما تأتي له: «والسابع: التقسيم نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف ذكره ابن مالك في منظومته الصغرى وفي شرح الكبرى، ثم عدل عنه في التسهيل وشرحه فقال: تأتي للتفريق المجرد من الشك والإيهام والتخيير» (١).
٢ - وفي الكتاب نفسه قال ابن هشام عند حديثه عن «حتى» الجارة:
«وأقول: إن شرط الجارة التالية ما يفهم الجميع أن يكون مجرورها بعضا أو كبعض، وقد ذكر ذلك ابن مالك في باب: حروف الجر» (٢).
وما قاله ابن مالك في التسهيل هو: «ومجرورها - أي حتى - إما بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا أو غير صريح وإما كبعض» (٣).
٣ - وفي الكتاب نفسه قال ابن هشام: «وقال ابن مالك في شرح باب النعت من كتاب التسهيل: اللام في سقيا لك متعلقة بالمصدر وهي للتبيين» (٤).
وفي «الأشباه والنظائر» للسيوطي نقول كثيرة عن «التسهيل» منها:
١ - قال السيوطي: «يستحيي بياءين في لغة الحجاز، وأما تميم فتقول:
يستحي بياء واحدة قال في التسهيل: فيحذفون إحدى الياءين» (٥).
٢ - وفي الكتاب نفسه قال السيوطي: «لا يحكى المتبع بتابع غير العطف: من نعت أو بيان أو تأكيد أو بدل اتفاقا،
وأما المتبع بعطف النسق ففيه خلاف حكاه في التسهيل من غير ترجيح» (٦).
وفي كتاب «همع الهوامع» نقل السيوطي عن التسهيل كثيرا ومن أمثلة ذلك:
١ - قال السيوطي وهو يتحدث عن الوجوه المعتبرة في شبه الاسم الحرف والتي من أجلها بني: «زاد ابن مالك في التسهيل: والجمودي» (٧).
стр. 35
٢ - وقال وهو يتحدث عن العدل المانع من الصرف: «وما ذكرته من أن المسموع اثنا عشر بناء هو المذكور في التسهيل» (١).
٣ - وقال في أثناء حديثه عن الجمع الذي لا واحد له من لفظه: «وهذا الرأي صححه ابن مالك في التسهيل» (٢).
مما سبق يتبين لنا كثرة نقول العلماء من هذا الكتاب، وتأثيره فيما جاء بعده من كتب، وما تلاه من مؤلفات في النحو.
باحث معاصر حقق الكتاب:
وفي التسهيل وقيمته بين كتب النحو يقول الدكتور محمد كامل بركات وقد حقق الكتاب المذكور (٣):
بعد هذه الموازنة السريعة بين أهم كتب ابن مالك النحوية: الكافية والألفية والتسهيل، أرى في غير مغالاة أن التسهيل من أعظم كتب النحو أثرا وأدومها ذكرا منذ أخرجه ابن مالك إلى اليوم، وها هي شروحه خير مؤيد لهذا الرأي؛ فقد بقي التسهيل بجانب الألفية في جميع البيئات التي تعنى بدراسة العربية - مرجعا للنحاة ومقصدا للدارسين والباحثين. فعلى هذين المصنفين قامت دراسة النحو، ومنهما اقتبست أعظم المؤلفات النحوية بعد ابن
مالك: كالتذييل والتكميل وملخصه ارتشاف الضرب وهمع الهوامع للسيوطي وكتب ابن عقيل وابن هشام والأزهري والأشموني ومن خلفوهم في دراسة النحو حتى يومنا هذا لا نكاد نجد كتابا في النحو يخلو من التأثر بالألفية والتسهيل. ثم يستمر قائلا:
ولهذا كله أستطيع في غير تحرج أن أقرر أن التسهيل خير كتب ابن مالك النحوية؛ إن لم يكن أعظمها جميعا بعد كتاب سيبويه. وأرجو أن يتهيأ للمهتمين بالدراسات اللغوية والنحوية الانتفاع بتسهيل ابن مالك كما تهيأ لهم الانتفاع بألفيته.
стр. 36
الفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
* اسم الكتاب:
أشار المؤلف في مقدمة الكتاب أنه أسماه: «تمهيد القواعد»؛ حيث قال:
فشرعت في ذلك مستمدّا من الله تعالى أن يوفقني لسبيل الرشاد، وأن يهديني إلى التبصير والسداد، وأن يعينني بتوفيقه على بلوغ الغرض، وإكمال المراد وسميته: تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (١) ولقد وجدنا عناوين الكتاب في جميع مخطوطاته، ومنها ما قرأه الناسخ على مؤلفه، وجدناه يسمى شرح التسهيل والأمر جد قريب.
نسبة الكتاب لناظر الجيش:
أما نسبة هذا الكتاب لصاحبه فلم يشك فيها أحد، وإن الباحث لا يجد عناء في تحقيق هذه النسبة، فلقد اتفقت جميع المصادر التي ترجمت للمؤلف على أنه «شرح التسهيل»، كما أن بعض المصادر (٢) ذكرت أنه «اعتنى بالأجوبة الجيدة عن اعتراضات أبي حيان على المصنف».
وإذا قورن هذا الكلام بمادة الكتاب العلمية، وجدنا أنها تتفق معه تمام الاتفاق، ولو أضفنا إلى ذلك اعتراف المؤلف نفسه في مقدمة الكتاب (٣) بأنه ألف شرح التسهيل وسماه تمهيد القواعد، لكنا قد أضفنا سندا قويّا في
تحقيق هذه النسبة، ويضاف إلى ذلك أيضا ما وجدناه في المؤلفات التي ألفت بعده منقولا عن هذا الشرح لناظر الجيش؛ مما يقوي أيضا تحقيق نسبة الكتاب إليه.
١ - ففي شرح التصريح قال الشيخ خالد في باب «الإخبار بالذي وفروعه» وفي أثناء حديثه عن شروط ما يخبر عنه: «لم يذكره الناظم في التسهيل بهذا اللفظ وذكره بلفظ غيره فقال: منوبا عنه بضمير، قال شراحه
стр. 37
أبو حيان ومتابعوه المرادي وابن عقيل وناظر الجيش والسمين واللفظ له:
قوله: منوبا عنه بضمير، أي: عن ذلك الاسم الذي تريد أن تخبر عنه ...» (١).
٢ - وفي الأشموني قال: «وهذا القيد لم يذكره في التسهيل»، قال الصبان في الحاشية: «قوله: لم يذكره في التسهيل، أي: استغناء عنه بالشرط الرابع الآتي المعبر عنه في التسهيل بقوله: منوبا عنه بضمير قال شراحه أبو حيان ومتابعوه المرادي وابن عقيل وناظر الجيش ....» إلخ النقل السابق (٢).
٣ - وفي الدرر اللوامع قال الشنقيطي عند شرح بيت الهمع:
يا عمرك الله إلا قلت صادقة ... أصادقا وصفه المجنون أو كذبا
بعد أن ذكر كلام ابن مالك في «عمرتك الله» وأمثاله: قال: «قال ناظر الجيش: ويدل له أيضا قولهم: لعمرك إن زيدا لقائم، وقال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣) التقدير: لعمرك قسمي؛ إلى أن قال: والاسم المعظم في عمرك الله ينصب ويرفع ...» إلخ (٤).
٤ - وفي الخزانة ذكر البغدادي كلام ناظر الجيش السابق (٥).
٥ - وفي الخزانة أيضا قال البغدادي عند شرح بيت الكافية للرضي وهو:
لئن منيت بنا عن غبّ معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل
بعد أن نقل كلاما عن الفراء قال: «ووافقه ابن مالك قال في التسهيل:
وقد يغني جواب الأداة مسبوقة بالقسم، وإن لم يتقدم مبتدأ. ومن شواهد ذلك قول الفرزدق:
لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة ... من الغيث في يمنى يديّ انسكابها
أكن كالّذي صاب الحيا أرضه التي ... سقاها وقد كانت جديبا جنابها
стр. 38
مع أبيات أخر قال ناظر الجيش: وهذه الأبيات أدلة ظاهرة على المدعى؛ غير أن المصنف لم ينسب هذا المذهب لبصري ولا كوفي؛ جريا منه على طريقته المألوفة، وهي أنه إذا قام الدليل عنده على شيء اتبعه، ثم إنه قد ينبه على خلاف في ذلك إن كان، وقد لا يتعرض إلى ذلك، والجماعة يذكرون أن هذا القول إنما هو قول الفراء، قال ابن عصفور: ولا يجوز جعل الفعل جوابا للشرط إذا توسط بينه وبين القسم، فأما قول الأعشى: لئن منيت ... البيت، وقوله:
لئن كان ما حدثته ... البيت، فاللام في: لئن ينبغي أن تكون زائدة كالتي في قوله: أمسى لمجهودا، ومن ثم قال أبو حيان: وهذا الذي أجازه ابن مالك هو مذهب الفراء وقد منعه أصحابنا والجمهور، ثم نقل كلام ابن عصفور.
وأقول: إن ابن عصفور لم يذكر دليلا على امتناع ما ذكره المصنف؛ بل عمد إلى الأدلة على هذا الحكم فأخرجها عن ظاهرها بغير موجب، وحكم بزيادة اللام مع إمكان القول بعدم الزيادة، وبعد، فلا يخفى على الناظر وجه الصواب، فالوقوف مع ما ورد عن العرب حيث لا مانع يمنع من الحمل على ظاهر ما ورد عنهم. اهـ. كلام ناظر الجيش» (١).
الغاية من تأليفه:
لقد أوضح لنا ناظر الجيش الغاية من تأليفه لهذا الشرح، وذلك في مقدمة الكتاب؛ حيث قال بعد أن أشار إلى كتاب «التسهيل» وأنه جامع مفيد مختصر: وقلّ أن تسمح به القرائح أو تطمح إلى النسج على منواله المطامح، ثم أشار إلى أن المؤلف قد شرع في شرح هذا الكتاب؛ إلا أنه لم يكمله، وأنه تركه مختلّا فاقد التمام، لا يتوصل إلى حل غير المشروح من أصله إلا بعد إعمال فكر ومراجعة كتب ..
إلى أن قال: «إلى أن أتاح الله تعالى إكمال ذلك على يدي إمام زمانه وعالم أوانه، وحيد دهره في علم العربية،
وفريد عصره في الفنون الأدبية
стр. 39
شيخنا الشيخ: أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الجياني الغرناطي. أمتع الله تعالى بفوائده الجمة، وأهدى إلى روحه روح الرضا والرحمة، ففتح مغالقه المعضلة، وفكّ تراكيبه المشكلة، وأجمل في تفصيل مبانيه المجملة؛ فتم بذلك التكميل الأرب، وأقبل المشتغلون ينسلون إليه من كل حدب، ثم اقتضت نعمه العلية، ومقاصده المرضية أن يضيف إلى ما وضعه شرح بقية الكتاب ليكون مصنفا مستقلّا، وغماما على المتعطشين مستملّا، فوضع كتابا كبيرا سائغ الذيول جم النقول عزيز الفوائد، كثير الأمثلة والشواهد، أطال فيه الكلام، ونشر الأقسام إلا أنه جمع فيه بين الدّرّ والصّدف، ومزج بسنا ضوئه غبش السّدف، وتحامل في الرد والمؤاخذات تحاملا بينا، وبالغ حتى صارت المناضلة عن المصنف لازمة، والانتصار له متعينا.
ولقد خرج الكتاب المذكور بسبب الإطالة عن مقصود الشرح، وصار فيه للمتأمل سبيل إلى القدح، مع أن المعتني بحمل الكتاب لا يحظى منه بطائل، ولا يظفر ببغيته إلا بعد قطع مهامه وطي مراحله.
وأما شرح المصنف فالناظر فيه لا يرضيه الاقتصار عليه، ولا يقنعه ما يجده لديه؛ بل تتشوف نفسه إلى زيادات الشرح الكبير، ويرى أنه لم يحط بها علما كان منسوبا إلى التقصير؛ فرأيت أن أضرب بقدح وأرجو أن يكون القدح المعلى بين القدحين، وأن أضع على هذا التصنيف ما هو جامع لمقاصد الشرحين وأتوخى الجواب عمّا يمكن من مؤاخذات الشيخ، ومناقشته بالبحوث الصحيحة، والنقود الصريحة مع ذكر زيادات انفرد بها هذا الكتاب وتنقيحات يرغب فيها المتيقظون من الطلاب» (١).
من هنا نستطيع أن نقول: إنّ ناظر الجيش قد عرف قيمة التسهيل، وأدرك أنه كتاب ذو فائدة عظيمة، كما أنه لم يغفل شرح المصنف عليه؛ إلا أنه مختصر لا يقنع الطالب ولا يرضي الباحث، وهو أيضا لم يغفل شرح الشيخ أبي حيان؛ حيث أشار إلى أنه شرح عظيم الفائدة يستحق التقدير.
стр. 40
غير أن هناك بعض الدوافع التي دفعت ناظر الجيش إلى تأليف هذا الشرح أشار إليها فيما يلي:
١ - أنه رأى شرح الإمام جمال الدين بن مالك لا يرضى عنه الناظر فيه؛ لاختصاره وغموض بعض موضوعاته؛ فأراد أن يضع شرحا أكثر بسطا وأعم نفعا.
٢ - أنه رأى شرح الشيخ أبي حيان قد خرج عن المقصود؛ بسبب الإطالة والاتساع، كما أنه رأى الشيخ قد تحامل على المصنف - وهو ابن مالك - في الرد والمؤاخذات، فأراد أن ينتصر له ويجيب عن مؤخذات الشيخ، وأن يضرب بقدحه بين الأقداح، فيضع شرحا يجمع بين الشرحين، مضافا إليه ما يراه من زيادات وما يفتح الله به عليه من تنقيحات تنفع طلاب العلم.
زمن تأليف الكتاب:
ذكر الشيخ محب الدين محمد بن يوسف ناظر الجيش، في مقدمة كتابه:
أنه بدأ في تأليف هذا الشرح في مقتبل عمره وريعان شبابه وأوائل صباه؛ غير أن هناك عوائق عاقت عن إتمامه ووقفت حائلا دون إكماله، فتوقف عن مواصلة التأليف فيه لكثرة مشاغله؛ حيث تولى مناصب مهمة في الدولة كما سبق أن ذكرنا، وإليك نص ما ذكره في مقدمة الكتاب يقول:
«وقد كنت شرعت في ذلك والزمان غض، والشباب غير مبيض، فلما عاقت عنه العوائق، وتقاصر العزم لما نبا الطلبة عن تلك الطرائق، وشغلتني الخدم، وتحققت ما رأيته من قصور الهمم، أحجمت عن إتمامه من غير فترة، وتركت العمل فيه؛ وإن كانت الرغبة في ذلك مستمرة، إلى أن منّ الله تعالى على الإسلام والمسلمين بمن أحيا موات العلم في العالمين وغمر بصدقاته جميع الطالبين، واعتنى بأمور العلماء وإن كانوا عن مصالحهم غافلين، ومن أضحى وأزر الدين به قوي، وظمأ الإسلام بملاحظته روي، وزند النجح بآرائه السعيدة وري؛ وهو المعز الأشرف العالي المولوي السيدي المالكي المخدومي الكهفي