← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

[حتى الجارة ... معانيها، وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «حتّى» لانتهاء العمل بمجرورها أو عنده، ومجرورها إمّا بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا، أو غير صريح، وإما كبعض، ولا يكون ضميرا، ولا يلزم كونه آخر جزء، أو ملاقي آخر جزء خلافا لزاعم ذلك ويختصّ تالي الصّريح المنتهي به بقصد زيادة ما، وبجواز عطفه واستئنافه، وإبدال حائها عينا لغة هذيليّة). ــ صائحا على القداح (١). وقال الخضراوي: التقدير: معتكفا عليها (٢)، وهو أحسن. وقال ابن أبي الربيع: إن «يفيض على القداح» ضمن معنى «يدفع» أي: يدفع على القداح أنفسها، من باب تسمية الشيء باسم ما يلازمه (٣)، يصف أتنا وحمارا. واليسر: المقامر الضارب بها، ويصدع: يفرق، وأصله الشق. وأما زيادة «على» دون تعويض: فقد تقدم استدلال المصنف عليه، لكن قال الشيخ: ما ذكره المصنف مخالف لنص سيبويه فإنه قال: عن وعلى لا يزادان (٤). قال: وأما استدلال المصنف بقول الشاعر: ٢٥٥٩ - على كلّ أفنان العضاه تروق فيحتمل التضمين؛ وذلك أنه ضمّن «تروق» معنى «تفضل وتشرف» قال: وكذا استدلاله بما ورد في الحديث الشريف: «من حلف على يمين» (٥) إن صح أنه من لفظ الرسول ﷺ يقال فيه: إن «حلف» ضمّن معنى جسر أي: من جسر بالحلف على يمين. انتهى. وليس ما ذكره الشيخ من التضمين يدفع ما قاله المصنف من الزيادة، غاية الأمر أن هذا الذي ذكره توجيه آخر. وأما نص سيبويه أن «على» لا تزاد فيحمل على أن مراده أنها لا تزاد في الأشهر والأغلب، ولا يمنع ذلك من أنها قد يندر زيادتها. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٦): «حتّى» على أربعة أقسام: عاطفة، وحرف ابتداء، وبمعنى «كي»، وجارة؛ فللثلاثة الأولى مواضع تجيء إن شاء الله تعالى. والجارة: مجرورها: إما اسم صريح نحو: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٧)، وسَلامٌ -

стр. 2942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (١)، وإما مصدر مؤول من «أن» لازمة الإضمار وفعل ماض نحو: حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا (٢)، أو مضارع نحو: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ (٣). وجرّها المصدر [٤/ ١٣] المؤول يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل وعوامله (٤). وأما جر الاسم الصريح فهي فيه على ضربين: أحدهما: أن يكون ما بعدها جزءا لما قبلها من دليل جمع مصرح بذكره نحو: ضربت القوم حتى زيد، فـ «زيد» جزء لما قبله (٥) دليل جمع مصرح بذكره وهو مضروب انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب عنده، وإذا كان الانتهاء به ففي ذكر القوم غنى عن ذكره لكن قصد التنبيه على أن فيه زيادة ضعف، أو قوة، أو تعظيم، أو تحقير. وإلى هذا أشرت بقولي: (ويختص تالي الصريح المنتهى به بقصد زيادة ما). وعنيت بالصريح: كونه بلفظ موضوع للجمعية فدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللّغوي كـ: «رجال، وقوم»، وعنيت بغير الصريح: ما دل على الجمعية بغير لفظ موضوع لها كقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٦) فإن مجرور (حتى) فيه منتهى لأحيان مفهومة غير مصرح بذكرها، ويجوز كون تالي الصريح منتهى عنده؛ لأنه كما يجوز مع «إلى» فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده، أشار إلى ذلك سيبويه (٧)، والفراء (٨)، وأبو العباس أحمد بن يحيى (٩). وقال أحمد بن يحيى: قوله إِلَى الْمَرافِقِ (١٠) مثل «حتى» للغاية، والغاية تدخل وتخرج. يقال: ضربت القوم حتى زيد، فيكون «زيد» مضروبا وغير مضروب؛ فيؤخذ هنا بالأوثق (١١)، يريد أن كون المرافق مدخلة في الغسل هو المعمول به؛ لأنه أحوط الحكمين. ومن شواهد استواء «حتى» و «إلى» أن قوله تعالى: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٢) قرأه عبد الله (فمتّعنهم حتى حين) (١٣)، ومن -

стр. 2943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شواهد خروج ما بعد «حتى» مع صلاحيته للدخول قول الشاعر: ٢٥٦٠ - سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت ... لهم فلا زال عنها الخير محدودا (١) ولا يعتبر في تالي غير الصريح إفهام الزيادة التي أشرت إليها. ومما يختص به تالي الصريح المنتهى به جواز عطفه على ما قبله نحو: ضربت القوم حتى زيدا، وجواز استئنافه نحو: ضربتهم حتى زيد؛ فـ «زيد» مبتدأ محذوف الخبر، ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: ٢٥٦١ - عممتهم [بالنّدى] حتّى غواتهم ... فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد (٢) ويروى بالأوجه الثلاثة أيضا قول الآخر: ٢٥٦٢ - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله ... والزّاد حتّى نعله ألقاها (٣) وإلى هذا أشرت بقولي: (وإما كبعض)؛ لأن النعل ليست بعضا للصحيفة والزاد لكنها كبعض؛ باعتبار أن إلقاء الصحيفة والزاد إنما كان ليخلو من ثقل وشاغل، والنعل مما يثقل ويشغل، فجاز عطفها لذلك؛ لأنه بمنزلة أن يقول: ألقى ما يثقله حتى نعله، وإذا لم يصلح أن ينسب لمجرورها ما نسب إلى ما قبلها فالانتهاء عنده، لا به نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح، فانتهى الصوم عند يوم الأضحى (لا به) (٤)، لا يصح أن ينسب إليه؛ [لأن] انتهاء السرى عند الصباح لا به؛ (إذ) (٥) لا يصح أن ينسب إليه. فالجر متعين والعطف والاستئناف ممتنعان، ومجرورها أبدا عند سيبويه (٦) ظاهر لا مضمر، وأجاز غيره أن تجر المضمر فتقول: حتاه، وحتاك. قال أبو بكر بن السراج: والقول عندي ما قال سيبويه؛ لأنه غير معروف اتصال «حتى» بالضمير وهو في القياس غير ممتنع (٧). والتزم الزمخشري كون مجرورها آخر جزء (أو) (٨) ملاقى في آخر جزء (٩)، وهو غير لازم ومن دلائل ذلك قول الشاعر: -

стр. 2944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٥٦٣ - إنّ سلمى من بعد يأسي همّت ... بوصال لو صحّ لم يبق بوسا عيّنت ليلة فما زلت حتّى ... نصفها راجيا فعدت يؤوسا (١) وفي قراءة ابن مسعود (ليسجننّه عتّى حين) (٢)، وسمع عمر ﵁ رجلا يقرأ (عتّى حين)، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن، فجعله عربيّا وأنزل بلغة قريش: فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسّلام (٣) هذا آخر كلام المصنف ﵀، ويتعلق به أمور: منها: أنه ذكر أن «حتى» أربعة أقسام من حيث إنه جعل التي بمعنى «كي» قسيمة للجارة، وذلك غير ظاهر؛ فإن التي بمعنى «كي» جارة أيضا فكيف تكون قسيمة للجارة؟ نعم؛ الجارة إما أن تفيد الغاية فتكون بمعنى «إلى»، أو التعليل فتكون بمعنى «كي». وقد قال هو في باب إعراب الفعل: إن «أن» ينصب الفعل بها مضمرة بعد «حتى» المرادفة لـ «إلى»، أو «كي» الجارة (٤). ولا شك أن «حتى» التي ينصب الفعل بعدها بإضمار «أن» هي الجارة، وإذا كان كذلك فكيف ينتظم هذا مع قوله هنا: إن «حتى» تكون بمعنى «كي»، وجارة؟! والحق: أن أقسام «حتى» ثلاثة: عاطفة، وحرف ابتداء، وجارة. لكن الجارة قسمان؛ لأن مجرورها: إما مصدر مؤول وهي الداخلة على الفعل المضارع المنصوب بـ «أن» مضمرة ثم إنها قد تفيد التعليل فتكون بمعنى «كي»، وقد تفيد الغاية فتكون بمعنى «إلى»، وقد تكون بمعنى «إلا أن» كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل وعوامله، وإما اسم صريح كقوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) والثانية - أعني الجارة الاسم الصريح - هي المذكورة هنا أي: في باب حروف الجر. وأما الأولى فهي التي تذكر في الباب الذي أشرنا إليه. ومنها: أن قوله: إن الكلمة المذكورة وهي «حتى» لانتهاء العمل بمجرورها، -

стр. 2945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو عنده يعطي أن ذلك جائز فيها على الإطلاق، ويؤيد أن هذا مراده قوله في الشرح - بعد أن مثل بـ: «ضربت القوم حتى زيد» -: فـ «زيد» جزء لما قبله وهو مضروب انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب [٤/ ١٤] عنده لكن المغاربة ليس ذلك عندهم على الإطلاق؛ إنما هو باعتبار حالين: ففي حال يوجبون أن يكون انتهاء العمل عنده؛ وذلك أن المجرور بـ «حتى» إذا كان جزءا مما قبلها واقترنت بالكلام قرينة دالة على أنه داخل في المعنى مع ما قبله، أو خارج عنه كان بحسب تلك القرينة نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر، وإن لم تقترن به قرينة كان ما بعدها داخلا في المعنى مع ما قبله نحو: صمت الأيام حتى يوم الخميس. أما إذا لم يكن ما بعد «حتى» جزءا مما قبلها؛ فالفعل غير متوجه عليه قطعا نحو قولك: سرت حتى الليل؛ فالسير غير واقع في الليل، ثم إنهم بنوا على ذلك جواز العطف وعدم جوازه. وسيأتي ذكر ذلك مفصّلا كما ذكروه. ومنها: أن قوله: ومجرورها إما بعض لما قبلها، وإما كبعض يقتضي ألا يصح قول القائل: سرت النهار حتى الليل، ولا شك في صحة ذلك. ويدل عليه تقسيمهم المجرور بحتى إلى ما يكون جزءا مما قبلها وإلى ما لا يكون جزءا منه، ثم هذا مناف لقوله في الشرح: وإذا لم يصلح أن ينسب لمجرورها ما نسب إلى ما قبلها فالانتهاء عنده، لا به نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح فانتهاء الصوم عند يوم الأضحى لا به؛ إذ لا يصح أن ينسب (إليه) (١) وانتهاء السرى عند الصباح لا به إذ لا يصح أن ينسب إليه، فالجر متعين والعطف والاستئناف ممتنعان؛ فقد حكم بتعيين الجر في الصباح، وليس الصباح بعضا من الليل الذي حصل فيه السري. وهو قد قال: إن مجرور «حتى» بعض لما قبلها، أو كبعض. ومنها: أنّه سوّى بين «حتى»، و «إلى» في أن المجرور بكل منهما يجوز فيه أن يكون منتهى به ومنتهى عنده؛ كما «صرّح» (٢) ذلك في الشرح فقال: فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده. وقد عرفت أن المغاربة يفرّقون بين الحرفين فالمجرور بـ «إلى» منتهى عنده إلا أن -

стр. 2946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقوم قرينة على أن الانتهاء به؛ فيعمل بمقتضاها أيضا. لكن المصنف أشار إلى أن ما ذكره هو مذهب سيبويه كما عرفت. وفي شرح الإيضاح للخضراوي: اختلف الناس في ما بعد «حتى» إذا كانت جارة، أيدخل في ما قبلها أم لا؟ فمذهب أكثر النحويين أنه داخل في ما قبلها في كل وجه. وقال قوم: يدخل في ما قبلها ما لم يكن غير جزء منه نحو: إنه لينام الليل حتى الصباح، وهو قول الفراء (١)، والرماني (٢)، وجماعة (٣). ومذهب أبي العباس (٤)، وأبي بكر (٥)، وأبي علي (٦): أنه داخل إلا بقرينة تخرجه نحو قولهم: إنه ليصوم الأيام حتى يوم الفطر. واتفقوا [على] أنها إذا عطفت دخل ما بعدها في ما قبلها فمن يقول في «نمت الليل حتى الصباح»: إن الصباح لم ينم فيه حتى يجيز العطف؛ لأنهم اتفقوا فيما أعلم [على] أنها لا تعطف إلا حيث تجر ولا يلزمه العكس. واتفقوا على أنه إذا لم يكن قبلها ما يعطف عليه لم يجز إلا الخفض نحو: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٧)، وتَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٨)، وأقاموا حتى الصباح، وأقام حتى ساعة تهيأ أمرنا (٩). هذا كلام الخضراوي. ومنها: قوله: ولا يلزم كونه آخر جزء أو ملاقي آخر جزء أي: لا يلزم كون مجرور حتى [كذلك]؛ فإن مقتضاه أن هذا الذي ذكره هو مذهب الجمهور، ولهذا نسب في الشرح الخلاف في ذلك إلى الزمخشري خاصّة لكن المغاربة مطنبون على خلاف ما ذكره المصنف. قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: ولا يكون الاسم الذي انجر بها - يعني بـ «حتى» - إلا آخر جزء من الشيء نحو قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيا لآخر جزء منه نحو قولك: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه؛ لم يجز، بل يجب أن تأتي -

стр. 2947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حينئذ بـ «إلى» فتقول: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه. قال: فـ «إلى» في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من «حتى»؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك أن يكون آخر جزء من الشيء أو ملاقيا لآخر جزء منه أو لا يكون، ولمّا كانت أقعد منها في ذلك جرّوا بها الظاهر والمضمر ولم يجروا بـ «حتى» إلا الظاهر. قال: وما بعد «حتى» لا يكون إلا داخلا في معنى ما قبلها إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على خلاف ذلك (١). انتهى. وكلام الخضراوي موافق لكلام ابن عصفور، ولهذا قال الشيخ: وما نقله - يعني المصنف - عن الزمخشري هو قول أصحابنا، ثم قال: «وما استدل به المصنف من قوله: ٢٥٦٤ - عيّنت ليلة فما زلت حتّى ... نصفها ... البيت لا حجة فيه؛ لأنه لم يتقدم «حتى» [شيء] (٢) يكون ما بعدها جزءا له ولا يكون ما بعدها ملاقيا لآخر جزء منه في الجملة العامل فيها بـ «حتى» ليس المغيّا البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها؛ لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة ولا ملاقيا لآخر جزء منها. فلو صرح في الجملة بذكر الليلة فقال: فما زلت راجيا وصلها تلك الليلة حتى نصفها؛ كان ذلك حجة على الزمخشري. ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بـ «حتى» ما يصلح أن يكون ما بعد «حتى» آخر جزء منه أو ملاقيا آخر جزء منه جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاقي آخر جزء (٣). انتهى. ولم يظهر ما قاله؛ لأن الشاعر وإن لم يصرح بذكر الليلة فمراده: فما زلت تلك الليلة. ولو لم يكن ذلك مراده لم يكن للضمير المضاف إليه النصف مفسر يعود عليه. وقد قال المصنف: إن مجرور [٤/ ١٥] «حتى» بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا، أو غير صريح، ومثّل لغير الصريح بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٤). والحاصل أنه: لا يلزم من عدم الذكر لفظا عدم الإرادة والتقدير. -

стр. 2948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذ قد انقضى البحث في ما يتعلق بكلام المصنف فلنذكر شيئا من كلام الجماعة على هذه الكلمة - أعني «حتى» - ثم نختم ذلك بالكلام على «حتى» الابتدائية؛ لأن المصنف لم يخصها بكلام في شيء من كتبه. قال ابن هشام الخضراوي: بين «حتى» و «إلى» فروق (١) ينبغي أن تعرف: منها: أن «حتى» ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن»، وأما «إلى» فلا ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن» تقول: أسير حتى تطلع الشمس، ولا يجوز ذلك في «إلى». ومنها: أن «حتى» إذا نصب الفعل بعدها تخرج إلى معنى «كي»، وإلى معنى «إلا أن» كما يذكر في إعراب الفعل ولا يكون ذلك في «إلى». ومنها: أنها لا تجر مضمرا، وما أجازه أبو العباس من ذلك باطل؛ لعدم سماعه (٢). ومنها: أنك تقول: سرت إلى زيد، ولا تقول: سرت حتى زيد؛ لأن ما بعد حتى يكون جزءا مما قبلها، أو ملاقيا لآخر جزء، أو داخلا مع ما ذكر قبلها بوجه شمله معه، أو فيما هو مقدر وإن لم يذكر فالأول قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، وضربت القوم حتى زيد، والثاني قولك: إنه لينام الليل حتى الصباح ويصوم الأيام حتى يوم الفطر، والثالث قوله: ٢٥٦٥ - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله ... والزّاد حتّى نعله ألقاها فالفعل داخل مع الزاد والصحيفة في أنه متاع وسبب ومتملك، و [الأخير] قوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٣)؛ لأن ذلك في حكم: سلام هي طول أمدها حتى مطلع الفجر، وكذلك قوله تعالى: قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤) المعنى: طول ما تتركون حتى حين، وتستعمل «إلى» في هذا كله وتزيد بما يخرج عن هذا نحو: نمت النهار إلى ثلث الليل، وإلى نصفه، وجئت إلى عبد الله، وإنما هي غاية دون اشتراط، ولهذا قال سيبويه فيها: وهي أعمّ في الكلام من حتّى (٥). ومنها: أن «حتى» لا تكون إلا لتعظيم، أو تحقير، أو ضعف، ولا يلزم ذلك -

стр. 2949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في «إلى»، هذا هو المشهور، وقيل: إنما يلزم ذلك في العاطفة، وقيل: هذا لازم لها حيث وقعت، وتخرج «حتى» إلى العطف وإلى الابتداء ولا يكون ذلك في «إلى». وقد شذت «حتى» عن حروف الجر بكل ما فارقت به «إلى»، وهي بذلك شاذة عن العوامل؛ لأن عامتها مختصة. ثم ذكر مسألة فقال: قال أبو العباس: إذا قلت: أكلت السمكة حتى رأسها فالرأس قد دخل الأكل؛ لأن معناها عاملة وعاطفة واحد. وقد قال غيره (١): إذا انتهى الأمر إليها، ولم يقع بها فهي جارة لا غير، وإذا وقع بها جاز الوجهان وهو موضع خلاف. وقال أبو علي: من حيث هي غاية صحّ معنى الغاية فيها بالانتهاء دون مباشرة (٢) بها، ومذهب الفراء أن «حتى» يدخل ما بعدها في ما قبلها، ولا يدخل (٣). واتفقوا في ما أعلم [على] أن العطف بها - في من يري أنها تعطف - لا يكون إلا في ما يصح فيه الجر فإن الجر أكثر وأقيس من العطف في ذلك إلا في باب: ضربت القوم حتى زيدا ضربته؛ فالنصب عندهم أحسن في من ذكر هنا العطف، وجعل «ضربته» تأكيدا، ومن لم يجعل هنا عطف المفرد على المفرد فالنصب عنده أيضا أحسن، وأنها لا تعطف فعلا على فعل، وعلة ذلك عندي - والله تعالى أعلم - أنها في الأصل حرف جر نقلت إلى العطف فلذلك لم تدخل على الفعل كما لم يدخل عليه حرف الجر، ولذلك لزمها في العطف الشروط التي ذكرناها في الخفض مع تقدم ما يصح العطف عليه، ولذلك لا تعطف مضمرا على ظاهر، ولا مضمر، ولا يجوز: أكرمت القوم حتى إياك، ولا: قاموا هم حتى أنت؛ لأنها منقولة من الخافضة وهي لا تدخل على المضمر. ثم قال: فأما قولهم: سرت حتى إلى الليل؛ فـ «إلى» تأكيد زائدة كاللام في «يا ويح لزيد» عند البصريين وهو قول الفراء (٤)، وقد رأى الكسائي (٥) أن «حتى» هنا ابتدائية والجرّ بـ «إلى» على تقدير: سرت أخرى، وذكر عن الكسائي أن الجر بعد «حتى» لا يكون إلا بإضمار «إلى» (٦)، -

стр. 2950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: وهو قول لا دليل عليه. ولما ذكر ابن أبي الربيع أن ما بعد «حتى» العاطفة لا يكون إلا الطّرف الأعلى، أو الطرف الأدنى ومثّل ب جاءني الناس حتى الأمير، وقدم الحاج حتى المشاة، قال: ولو قيل: قدم الحاج حتى الركبان؛ لم يكن فيه دليل على قدوم المشاة؛ لأن الركبان أقوى على المشي من المشاة، قال: والأحسن في هذا أن يجعل الاسم مخفوضا فتقول: شتمه الناس حتى زيد، وضربت القوم حتى عمرو، ثم قال: فإن قلت: كيف خفضت بـ «حتى» وليس فيها معنى «إلى»؛ ألا ترى أنك لو جعلت مكانها «إلى» لم يصلح وفسد المعنى، قلت: كان الأستاذ أبو علي - رحمه الله تعالى - يذهب إلى أنها تخفض بما فيها من الغاية (١) ووجه ذلك: أنك لما قلت: جاءني القوم حتى زيد؛ كان معناه انتهى مجيء القوم إلى زيد، وكذلك: ضربت القوم حتى عمرو، أي: انتهى ضرب القوم إلى عمرو. ثم ذكر مسألة وهي: إذا قلت: جاءني القوم حتى زيد؛ فقال: يجوز في «حتى» أن تكون عاطفة، ويكون ما بعدها مرفوعا، ويجوز أن تكون خافضة وهو أحسن، ولم يجز البصريون أن يكون ما بعدها مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف، وكذلك: ضربت القوم حتى زيد أو حتى زيد الخفض أكثر وأحسن. ولا يجوز الرفع بالابتداء والخبر محذوف ونقل عن بعض الكوفيين أنهم أجازوه. قال: وكان الأستاذ أبو علي يقول (٢): لا يجوز؛ لأن حتى [٤/ ١٦] مهيأة للعمل في الاسم من حيث هو مفرد، وفي «حتى» معنى الغاية كما ذكرته. فلو رفعت بالابتداء لهيأت العامل للعمل وقطعته عنه، وأمر آخر أنك تركت العامل اللفظي المهيأ للعمل، وأعملت المعنوي، واللفظي أقوى من المعنوي، والدليل على صحة هذا القياس ومراعاته عدم السماع، والله تعالى أعلم. وأما ابن عصفور فإنه قد تقدم عنه ذكر الجارة ثم إنه قال بعد ذكره ذلك (٣): ومثال استعمالها عاطفة: قدم الحجاج حتى المشاة، ومات الناس حتى الأنبياء عليهم -

стр. 2951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاة والسّلام. ولا يعطف بها إلا الأسماء وهذا الاستعمال أقل الاستعمالات فيها. ومثال استعمالها حرف ابتداء قولهم: قام القوم حتى زيد قام، وحتى زيد يقوم، ومن ذلك قوله: ٢٥٦٦ - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله ... والزّاد حتّى نعله ألقاها في رواية من رفع «نعله». والدليل على أنها حرف ابتداء أنها لو كانت جارة لانخفض ما بعدها، ولو كانت عاطفة لشركت بين الاسم الذي بعدها والاسم الذي قبلها في الإعراب فتعين أن تكون حرف ابتداء. لا يقال: هي جارة والجملة بعدها في موضع خفض لها؛ لأن الجمل لا يدخل عليها حروف الجر في فصيح الكلام، فلا يقال: عجبت من يقوم زيد، ولا عجبت من زيد قائم؛ لأنه يؤدي إلى تعليق حروف الجر، وحروف الجر لا تعلّق في موضع؛ ألا ترى كيف فحّش سيبويه [ذلك] (١) ومما يدل على أنها تستعمل حرف ابتداء قول الشاعر: ٢٥٦٧ - فيا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع (٢) فإنها ليست خافضة؛ لما ذكرنا أن حرف الجر لا يباشر الجمل، ولا عاطفة؛ لأنها لا يعطف بها إلا الأسماء. ثم شرع في التقسيم - أعني تقسيم «حتى» من الرأس - فقال (٣): فعلى هذا: الاسم الواقع بعد «حتى» إما أن يقع بعده شيء، أو لا. إن لم يقع بعده شيء يصلح أن يكون خبرا له؛ فإما أن يتقدم «حتى» ما يكون الاسم الواقع بعدها جزءا [منه]، أو لا يتقدم. إن لم يتقدم؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا الخفض، وذلك نحو قولك: سرت حتى الليل، ونمت حتى الصباح؛ بخفض «الليل» و «الصباح». وإن تقدمها ما يكون الاسم الواقع بعدها جزءا منه؛ فإما أن يقترن بالكلام قرينة تدل -

стр. 2952

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أن ما بعد «حتى» غير شريك لما قبلها في المعنى، أو لا يقترن. إن وجدت قرينة تدل على ذلك؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا الخفض وذلك نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر؛ بالخفض، وإن لم يقترن به قرينة تدل على ذلك؛ حمل الكلام على أن ما بعد «حتى» شريك لما قبلها في المعنى، ويجوز كونها جارة، وكونها عاطفة حينئذ. والخفض أحسن؛ لما تقدم من أن العطف بها لغة ضعيفة، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيدا، وحتى زيد؛ بنصب «زيد» وخفضه، إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على أن المراد العطف؛ فلا يجوز الخفض، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيدا أيضا؛ بنصب «زيد» على العطف؛ لأن «أيضا» تدل على أنك أردت تكرار الفعل وهذا المعنى إنما يعطيه العطف من حيث كان حرف العطف نائبا من جهة المعنى مناب العامل ومغنيا عن تكراره؛ فكأنك قلت: ضربت القوم حتى ضربت زيدا أيضا. وإن وقع بعد الاسم الواقع بعد حتى ما يصلح أن يكون خبرا له فإما أن يكون اسما مفردا، أو ظرفا، أو مجرورا، أو جملة، فإن كان اسما مفردا؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا على الابتداء، وجعل الاسم الواقع بعده خبرا له وذلك نحو: ضرب القوم حتى زيد مضروب، وقام القوم حتى زيد قائم، وإن كان ظرفا أو مجرورا؛ جاز في الاسم الواقع بعد «حتى» ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والخفض على أن تكون «حتى» جارة، وجعل الاسم على حسب إعراب الاسم الواقع قبله على أن تكون «حتى» عاطفة، ويكون الظرف أو المجرور في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا للظرف أو المجرور المتقدمين، وذلك نحو قولك: القوم عندي حتى زيد عندي، والقوم في الدار حتى زيد فيها؛ برفع «زيد»، ونصبه، وخفضه. وإن كان جملة فإن كانت اسمية وكان الاسم الواقع بعد «حتى» شريكا لما قبلها في المعنى جاز في الاسم ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء والجملة خبر، والخفض بـ «حتى» على أنها جارة، وجعل إعراب الاسم على حسب إعراب ما قبله على أنها عاطفة، وتكون الجملة الواقعة بعد الاسم في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيد هو مضروب؛ برفع «زيد»، ونصبه، وخفضه. وإن لم يكن الاسم الواقع بعد «حتى» شريكا لما قبله في المعنى؛ لم يجز فيه إلا الرفع على الابتداء وجعل الجملة الواقعة بعده خبرا له وذلك نحو قولك: ضربت -

стр. 2953

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القوم حتى زيد أبوه مضروب؛ فلم يجز العطف لعدم مشاركة «زيد» للقوم في الضرب، ولم يخفض؛ لأن الجملة الواقعة بعده إذ ذاك ليس فيها تأكيد لما قبلها. وإن كانت فعلية فإن يكن الاسم الذي بعد «حتى» شريكا لما قبله في المعنى؛ جاز في الاسم وجهان: الرفع على الابتداء وجعل الجملة خبرا له، والحمل على إضمار فعل يفسره الفعل الظاهر الذي بعده وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربت أخاه؛ برفع «زيد»، ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده ولا يجوز عطفه؛ لعدم المشاركة، ولا الخفض؛ لأن الجملة إذ ذاك ليس فيها معنى تأكيد. وإن كان الاسم الواقع بعدها شريكا لما قبله في المعنى فالفعل الواقع بعده إما أن يعمل في ضمير الاسم الواقع قبل «حتى» أو في ضمير ذلك الاسم إن كان قد عمل في ضمير [٤/ ١٧] الاسم الواقع قبل «حتى» جاز في الاسم الواقع بعدها وجهان: الخفض على أن «حتى» جارة؛ وجعل إعرابه على حسب إعراب الاسم الذي قبله على أنها عاطفة، وذلك نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم، وحتى زيدا ضربتهم، وتكون الجملة الواقعة بعد «زيد» في الحالتين تأكيدا للجملة التي قبل «حتى». وإن كان قد عمل في ضمير الاسم الواقع بعدها جاز في الاسم الواقع بعدها أربعة أوجه: رفعه على الابتداء والجملة بعده خبر، وحمله على إضمار فعل يفسره الظاهر الذي بعده، وخفضه على أن «حتى» جارة، وجعل إعرابه على حسب إعراب الاسم الذي قبل «حتى» على أنها عاطفة، وتكون الجملة الواقعة بعد الاسم الواقع بعد «حتى» في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا وذلك نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربته؛ برفع «زيد» على الابتداء، ونصبه على أن يكون معطوفا على القوم، أو على أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره الفعل الذي بعده، وخفضه على أن تكون «حتى» جارة ومن ذلك قوله: ٢٥٦٨ - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله ... والزّاد حتّى نعله ألقاها (١) فإنه روي بالأوجه الثلاثة. وحكي عن بعضهم أن خفض الاسم المذكور، وعطفه على ما قبله، وجعل الجملة تأكيدا لا يجوز حتى يكون ذلك الفعل عاملا في ضمير الاسم الواقع قبل «حتى» نحو قولك: رأيت القوم حتى إخوتك رأيتهم؛ -

стр. 2954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنك تريد: رأيت القوم رأيتهم حتى إخوتك. وزعم أن الخفض في قول الشاعر: ٢٥٦٩ - حتّى نعلّه ألقاها إنما جاز؛ لأن الضمير عائد على الصحيفة، والصحيح أن الخفض والعطف جائزان، وإن كان الفعل عاملا في ضمير الاسم الواقع بعد «حتى» وتكون الجملة إذ ذاك تأكيدا معنويّا لا تأكيدا لفظيّا من جهة أنك إذا قلت: ضربت القوم حتى زيد، بخفض «زيد» ونصبه على أن يكون معطوفا على القوم؛ كان «زيد» شريكا للقوم في الضرب، فإذا قلت بعد ذلك: ضربته كنت مؤكدا لما اقتضاه معنى الكلام من أنك ضربت زيدا (١). انتهى كلام ابن عصفور. ولم يتعرض إلى ما نبّه عليه ابن أبي الربيع من أن البصريين لا يجيزون أن يكون ما بعد «حتى» مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف (٢). ثم اعلم أن ابن عصفور قد أطال الكلام في المسألة بما ذكره من التقسيم وما أشار إليه من جواز العطف في نحو: صمت الأيام حتى يوم الخميس، وجواز العطف والرفع على الابتداء، وقد ذكره المصنف صريحا حيث قال: ويختص تالي الصريح المنتهي به بجواز عطفه واستئنافه، ولم يشترط المصنف في جواز الرفع على الابتداء أن يذكر الخبر بعده لفظا كما اشترط ذلك ابن أبي الربيع. ولهذا مثل للاستئناف بنحو: ضربتهم حتى زيد، ثم قال: فـ «زيد» مبتدأ محذوف الخبر قال: ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: ٢٥٧٠ - عممتهم بالنّدى حتّى غواتهم ... فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد وأما كون عامل الاسم الذي بعد («حتى» إذا وقع بعد الاسم ما يصلح أن يكون خبرا يجوز أن يكون مضمرا يفسره الظاهر) (٣)؛ فتكون المسألة من الاشتغال، فهذا أمر معروف وقاعدة مستقرة تعرف من ذلك الباب؛ فلا يحتاج إلى أن يذكر في غيره. وقد ذكر المصنف في الباب المذكور أن الاشتغال يقع عن الاسم الواقع بعد «حتى» فكان مستغنيا عن ذكر ذلك هنا. -

стр. 2955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما «حتى» الابتدائية فاعلم أن معناها انتهاء الغاية، وإذا وقعت بعدها الجمل الفعلية دخلها معنى الفاء. والمراد بكونها حرف ابتداء: أن الكلام يستأنف بعدها ويقع بعدها الجملة من فعل ومرفوعه، والجملة من مبتدأ وخبر، والكلمتان من شرط وجزاء. فمن وقوع المبتدأ والخبر قول الشاعر: ٢٥٧١ - فيا عجبا حتّى كليب يسبّنى ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع وقول الآخر: ٢٥٧٢ - فما زالت القتلى تمجّ دماءها ... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل (١) وقول الآخر: ٢٥٧٣ - [سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم] ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (٢) والنصف الأول من هذا البيت وهو قوله: سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم شاهد وقوع الجملة الفعلية. ومن وقوع الشرط والجزاء قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [فَادْفَعُوا] (٣)، وقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها (٤). ومن مجيء الفعل ومرفوعه قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ (٥)، ومنه أيضا قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا (٦). ومن ثم وهّم الشيخ المصنف في جعله «حتى» في هذه الآية الشريفة جارة حيث قال: والجارة ومجرورها إما اسم صريح [نحو: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٧)، -

стр. 2956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (١)]، وإما مصدر مؤول من «أن» لازمة الإضمار وفعل ماض نحو: حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا (٢)، أو مضارع ... إلى آخره؛ فزعم أن «أن» مضمرة بعد «حتى» في قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا. قال الشيخ: وإنما هي الآية الشريفة حرف ابتداء ولولا ظهور النصب في المضارع بعد «حتى» لم ندّع أن «أن» مضمرة بعدها (٣). انتهى. وما قاله هو الظاهر، ويؤيده كلام ابن أبي الربيع. وكأن الشيخ استند في كلامه هذا إليه فإنه قال في شرح الإيضاح: ضابط «حتى» أن تقول: إذا كان بعدها مفرد مخفوض أو فعل مضارع منصوب فهي حرف جر، وإذا وقع بعدها اسم مفرد مرفوع أو منصوب فهي حرف عطف، وإن وقع بعدها جملة فهي حرف ابتداء (٤). انتهى. والجملة الابتدائية بعد «حتى» لا موضع لها من الإعراب، ولا يعتد بقول من يقول: إنها في موضع جر؛ لما علم من أن حروف الجر لا تباشر الجمل في الكلام الفصيح. ثم هاهنا بحث يتعلق بـ «حتى» هذه - أعني الابتدائية -: [٤/ ١٨] وهو أن الفارسي قال في الإيضاح: إنها يستأنف بعدها كما يستأنف بعد «إما، وإذا» (٥) فنوقش في ذلك بأن قيل: ليست «حتى» كـ «إما وإذا»؛ لأن «حتى» يشاكل بها الجمل كما يشاكل بحروف العطف و «إما وإذا» يقطعان، ويدل على ذلك قول سيبويه في بعض أبواب الاشتغال: ومما يختار فيه النصب لنصب الأول ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة الواو، والفاء، وثم؛ قولك: قد لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته، وضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه (٦). وأجيب عن أبي علي أنه لم يرد أن «حتى» يستأنف بعدها في كل موضع، ولا تشبه «إما وإذا» في كل وجه. قالوا: ولا يلزم هذا في كلامه ولا بد. لكن لو قيده، فقال: في غير باب الاشتغال؛ كان أحسن، وإنما غلبت العرب جهة العطف في باب الاشتغال بما يحافظون عليه في ذلك الباب من المشاكلة و «إما، وإذا، وإنما»، -

стр. 2957

[الكاف الجارة: معانيها ... وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «الكاف» للتّشبيه، ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل، وعلى «أنت» و «إيّاك» وأخواتهما أقلّ، وقد توافق «على»، وقد تزاد إن أمن اللّبس وتكون اسما فتجرّ ويسند إليها، وإن وقعت صلة فالحرفية راجحة وتزاد بعدها ما كافّة وغير كافة، وكذا بعد «ربّ» و «الباء»، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل، وقد تحدث في الكاف معنى التّعليل، وربّما نصبت حينئذ مضارعا لا لأنّ الأصل «كيما»، وإن ولي «ربما» اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبر، لا خبر مبتدأ محذوف، و «ما» نكرة موصوفة بهما، خلافا لأبي علي في المسألتين وتزاد «ما» غير كافّة بعد «من»، و «عن»). ــ وغيرها لم تكن عاطفة فلم يصح فيها الاستئناف، و «حتى» لما كانت عاطفة كان استعمالها على جهة العطف أولى. قال ابن هشام الخضراوي: وينبغي إذا وقع الرفع بعدها نحو: ضربت الناس حتى زيد ضربته؛ أن تكون ابتدائية؛ لأنها لم تجانس هنا بين الأول والثاني فيرجع إلى حكمها إذا كانت داخلة على الجمل. قال: وقد تكون عاطفة وقد أجازوا ضربت القوم حتى زيد بإضمار الخبر فهو دليل على صحة ما ذكره المصنف من جواز ذكر الاسم بعد «حتى» مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف وهو خلاف ما ذكره ابن أبي الربيع ونقله أيضا عن الشلوبين (١). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): الكاف من الحروف التي تجر الظاهر وحده: كـ «حتى»، فكما استغني في الغاية مع المضمر بـ «إلى» عن «حتى» استغني في التشبيه مع المضمر بمثل عن الكاف إلا أن الكاف خالفت أصلها في بعض الكلام لخفتها، فجرت ضمير الغائب المتصل كقول الشنفرى (٣): ٢٥٧٤ - لئن كان من جنّ لأبرح طارقا ... وإن كان إنسا ماكها الإنس تفعل (٤) -

стр. 2958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي: ما مثلها الإنس يفعل، وقول الراجز في وصف حمار وحش وأتن: ٢٥٧٥ - ولا ترى بعلا ولا حلائلا ... كه (١) ولا كهنّ إلّا حاظلا (٢) وقد خولف بهذا الأصل أيضا فأدخلت على ضمير الرفع، وضمير النصب المنفصلين فقالوا: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا، وأنا كإياك قال الشاعر: ٢٥٧٦ - قلت إنّي كأنت ثمّة لمّا ... شبّت الحرب خضتها وكععتا (٣) وأنشد الكسائي: ٢٥٧٧ - فأحسن وأجمل في أسيرك إنّه ... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر (٤) وقد تجيء بمعنى «على»: كقول بعض العرب: كخير، في جواب من قال: كيف أصبحت؟ حكاه الفراء (٥). وقد تزاد إن أمن اللبس: بكون الموضع غير صالح للتشبيه كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٦) أي: ليس مثله شيء، لا بد من عدم الاعتداد بالكاف؛ لأن الاعتداد بها يستلزم ثبوت مثل لا شيء مثله، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال، وكالزيادة في (كمثله) الزيادة في: وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٧)، وفي قول النبي ﷺ على إحدى الروايتين: «يكفي كالوجه واليدين» (٨) يريد: يكفي الوجه واليدين وهي الرواية الأخرى، ومنه قول الراجز: -

стр. 2959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٥٧٨ - لواحق الأقراب فيها كالمقق (١) يريد: فيها المقق، أي: الطول. وقال الفراء: قيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ فقال: كهين؛ يريد: هينا، فزاد الكاف (٢)، وتكون اسما: فتجر بحرف كقول الشاعر: ٢٥٧٩ - بكا للّقوّة الشّغواء جلت فلم أكن ... لأولع إلّا بالكميّ المقنّع (٣) وبإضافة كقوله: ٢٥٨٠ - تيّم القلب حبّ كالبدر لا ... بل فاق حسنا من تيّم القلب حبّا (٤) وتقع فاعلة كقول الشاعر: ٢٥٨١ - وما هداك إلى أرض كعالمها ... ولا أعانك في عزم كعزّام (٥) واسم «كان» كقول الآخر: ٢٥٨٢ - لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضلا لغيرك ما أتتك رسائلي (٦) ومبتدأ كقول الآخر: ٢٥٨٣ - بنا كالجوى ممّا يخاف وقد ترى ... شفاء القلوب الصّاديات الحوائم (٧) وإن وقعت صلة فحرفيتها أولى من اسميتها كقول الراجز: ٢٥٨٤ - ما يرتجى وما يخاف جمعا ... فهو الّذي كالغيث والّليث معا (٨) -

стр. 2960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتزاد بعدها ما كافة كقول زياد الأعجم (١): ٢٥٨٥ - لعمرك إنّني وأبا حميد ... كما النّشوان والرّجل الحليم أريد هجاءه وأخاف ربّي ... وأعلم أنّه عبد لئيم (٢) وغير كافة كقول الآخر أنشده أبو المعالي علي القالي (٣): ٢٥٨٦ - وننصر مولانا ونعلم أنّه ... كما النّاس مجروم عليه وجارم (٤) قال سيبويه: وسألته عن قولهم: هذا حق كما أنك هاهنا؛ فزعم أن العامل في أن الكاف و «ما» لغو إلا أنها لا تحذف كراهية أن يجيء لفظها كلفظ [كان] (٥). وتزاد «ما» أيضا بعد «ربّ» [٤/ ١٩] كافة كقول أبي دؤاد (٦). ٢٥٨٧ - ربّما الجامل المؤبّل فيهم ... وعناجيج بينهنّ المهار (٧) وغير كافة كقول الآخر: ٢٥٨٨ - ماويّ يا ربّتما غارة ... شعواء كاللّذعة بالميسم (٨) -

стр. 2961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذلك تزاد بعد الباء كافة كقول الشاعر: ٢٥٨٩ - فلئن صرت لا تحير جوابا ... لبما قد ترى وأنت خطيب (١) وغير كافة كقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٢)، وتحدث «ما» الكافة في الباء معنى «ربما» فمعنى «لبما قد ترى وأنت خطيب»: لربما قد ترى، ومثله قول كثير: ٢٥٩٠ - مغان يهيّجن الحليم إلى الهوى ... وهنّ قديمات العهود دواثر بما قد أرى تلك الدّيار وأهلها ... وهنّ جميعات الأنيس عوامر (٣) أراد [ربما] قد أرى. و «قد» مع المضارع تفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعا توكيدا كما اجتمعت «عن» و «الباء» التي بمعناها في قول الشاعر: ٢٥٩١ - فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعّد في غار الهوى أم تصوّبا (٤) وتحدث «ما» الكافة في الكاف معنى التعليل كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ (٥)، وقال الأخفش في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (٦) أي: كما أرسلنا فيكم رسولا فاذكروني أي: كما فعلت هذا فاذكروني (٧). وجعل ابن برهان (٨) من هذا قوله تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٩). أي أعجب؛ لأنه لا يفلح الكافرون (١٠)، كذا قدره، ثم قال: وحكى سيبويه (١١) كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه أي: لأنه لا يعلم. وإذا حدث -

стр. 2962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها معنى التعليل ووليها مضارع نصبته تشبيها بـ «كي» كقول الشاعر: ٢٥٩٢ - وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنّه ... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر (١) وزعم الفارسي أن الأصل: كيما فحذفت الياء (٢)، وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه، وكذلك أيضا زعم في قول الشاعر: ٢٥٩٣ - ربّما الجامل المؤبّل فيهم أنّ «ما» فيه نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر. والصحيح أن «ما» فيه زائدة كافة هيأت «رب» للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٣)، وقول الشاعر: ٢٥٩٤ - لا يضيع الأمين سرّا ولكن ... ربما يحسب الخؤون أمينا (٤) وتزاد «ما» بعد «من، وعن» غير كافة كقوله تعالى: مِمَّا [خَطِيئاتِهِمْ] أُغْرِقُوا (٥)، وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٦). انتهى كلام المصنف ﵀ (٧). وملخص ما ذكره: أن هذه الكلمة التي هي «الكاف» معناها التشبيه، وأنها تباشر الأسماء الظاهرة دون المضمرة إلا في الشعر، وأنها قد تفارق معنى التشبيه، وتوافق «على»، وأنها قد تستعمل زائدة فلا تفيد معنى، وأنها قد تستعمل اسما، وأنها قد تزاد بعدها «ما»، ثم إنه لما ذكر زيادة «ما» بعد «الكاف» وكانت تزاد بعد غيرها من حروف الجر استطرد فذكر أنها كما زيدت بعد «الكاف» زيدت بعد «رب»، وبعد «الباء»، وبعد «من» وبعد «عن»، ونبّه على أن «ما» المزيدة بعد «من، وعن» لا تكفهما عن العمل بل يبقيان على عملهما وأنها بعد ثلاثة الأحرف الأخر تكون كافة وغير كافة، لكن كونها بعد «الكاف» و «رب» كافة أكثر من كونها غير كافة، وكونها بعد «الباء» غير كافة أكثر من كونها كافة، -

стр. 2963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأن «الباء» المكفوفة بـ «ما» يحدث فيها معنى التقليل، وأن «الكاف» المكفوفة بـ «ما» أيضا قد يحدث فيها معنى التقليل. وقد أتى المصنف على شرح ذلك بما فيه غنية. غير أن ثمّ مباحث تذكر: منها: أن بعض المصنفين استدل على أن «الكاف» حرف بأن الموصول يوصل بها وبمجرورها في السعة كقولك: جاءني الذي كزيد، ولو كانت الكاف اسما لم يجز ذلك إلا في قليل من الكلام، أو في الشعر. وأقول: إن الاستدلال على حرفيتها مستغنى عنه؛ لأن الإجماع منعقد على أنها تكون حرفا. وقد قال ابن أبي الربيع: ولا خلاف أعلمه في أن كاف التشبيه تكون حرفا، وإنما الخلاف في كونها اسما فذهب سيبويه إلى أنها لا تكون اسما بمنزلة «مثل» إلا في الضرورة (١)، وذهب الأخفش إلى أنها تكون اسما في الكلام والشعر (٢)، انتهى. ولهذا لم يحتج المصنف إلى أن يستدل على حرفيتها. ومنها: أن الكاف تكون بمعنى «على» كقول بعض العرب: كخير، في جواب من قال: كيف أصبحت؟ كما حكاه الفراء؛ فإن المغاربة ذكروا أن هذا مذهب الأخفش كما أنه مذهب الكوفيين (٣). قالوا: وعلى هذا خرّج الأخفش قول العرب: كن كما أنت قال: لا يتصور أن تكون الكاف للتشبيه؛ لأنه لا يشبه بحاله، والتقدير: كن على الحال الذي أنت عليه؛ فالكاف بمعنى «على»، و «ما» موصولة و «أنت» مبتدأ محذوف الخبر والجملة صلة لما قالوا. ولا حجة في ما استدل به؛ أما كخير: فهو على حذف مضاف التقدير: كصاحب خير. -

стр. 2964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما «كن كما أنت» فذكر ابن عصفور أنه يحتمل وجهين: أحدهما: ما تقدم ذكره، قال: وعلى ذلك حمله الأخفش (١) بأن «ما» كفت الكاف عن العمل، وهيأتها للدخول على الجمل كما في «ربما»، ويجوز إذ ذاك أن يكون «أنت» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: كن كما أنت عليه، قال: وتكون الكاف إذ ذاك لتشبيه معنى الجملة التي قبلها بمعنى الجملة التي بعدها، وكأنه أمره بأن يكون منه في ما يستقبل كون يشبه كونه في الحال، ويكون ذلك نظير قوله تعالى حكاية: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (٢) ونظير قول القائل: ٢٥٩٥ - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة ... إليك كما بالحائمات غليل (٣) وقول الآخر: ٢٥٩٦ - لقد علمت سمراء أنّ حديثها ... نجيع [٤/ ٢٠] كما ماء السّماء نجيع (٤) ويجوز أن يكون «أنت» مرفوعا بفعل مضمر، والأصل: كن كما كنت، ثم حذف الفعل، وانفصل الضمير، فيكون نظير ما روي من قول الشاعر: ٢٥٩٧ - وما زرتنا في الدّهر إلّا لعلّة ... كما اليائس العجلان ثمّ يغيب (٥) أي كما يزور اليائس العجلان؛ لأن «ثم يغيب» معطوف على الفعل المضمر والكاف باقية أيضا على معناها من التشبيه. ثم قال ابن عصفور: ويجوز عندي في: كما أنت وجه آخر، وهو أن يقال: إن «ما» زائدة، و «أنت» في موضع خفض بالكاف ووقع ضمير الرفع المنفصل بعد الكاف كقولهم: ما أنا كأنت، وفصل بين الكاف ومجرورها بـ «ما» الزائدة (٦) هكذا ذكر. ولم يظهر لي على هذا التقدير ما هو معنى هذا التركيب، وإذ هذا الذي قرره يؤدي إلى أن يصير المعنى: كن كإياك أي كن كنفسك، وهذا لا يقال، لكن قال: هو أنك تكون شبهته فيما يستعمل بنفسه قبل ذلك. قال: ولا ينكر تشبيه الشيء بنفسه في حالتين مختلفتين. وقال ابن أبي الربيع في «كن كما أنت»: «ما» بمعنى «الذي»، وما بعده صلة -

стр. 2965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي، و «أنت» مبتدأ والخبر محذوف؛ التقدير: كن كالذي أنت كائنه، والهاء عائدة على «الذي»، ويكون «كما أنت» خبرا لـ «كن»، ويجوز أن تجعل «ما» كافة فلما كفّت الكاف عن العمل وليتها الجملة ويكون هذا بمنزلة قولك: زيد جالس، كما عمرو كذلك، وارتبطت الجملتان بـ «كما» على أن مقتضى الأول شبه بمقتضى الثاني، وأنت هنا إنما أردت كن في ما يستقبل كحالك الآن، فلما دخلت «ما» كفتها عن مخفوضها ووقع بعدها جملة يفهم منها ما كان يفهم من المنخفض الذي يخفض بالكاف فلذلك يجاء بـ «ما». قال: ونظير هذا قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (١)، فهذه الجملة مفسرة للموعود ويعمل العرب هذا كثيرا في مواضع التعظيم (٢). ثم قال ابن عصفور: وزعم الخليل أن الكاف إذا لحقتها «ما» الكافة [فقد] (٣) يجعلها العرب بمعنى «لعلّ»، وجعل من ذلك قولهم: انتظرني كما آتيك؛ فالمعنى: لعلي آتيك، قال: ومنه قول الشاعر: ٢٥٩٨ - قلت لسفيان ادن من لقائه ... كما نغدّي القوم من شوائه (٤) أي: لعلنا نغدي القوم من شوائه، وقول الآخر: ٢٥٩٩ - لا تشتم النّاس كما لا تشتم (٥) أي: لعلك لا تشتم وقال الفراء: إن الكاف للتشبيه، وجعل «كما آتيك» صفة لمصدر محذوف تقديره: انتظرني انتظارا صادقا مثل إتياني لك أي: فـ لي بالانتظار كما أفي لك بالإتيان، وكذا قال في «(لا) (٦) تشتم النّاس كما لا تشتم»: التقدير: انته عن شتم الناس كانتهائهم عن شتمك (٧)، ثم قال: وجعل الكوفيون «كما» في «كما -

стр. 2966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نغدي القوم من شوائه» محذوفة من «كيما»، و «نغدي» في موضع نصب بها إلا أنه سكن ضرورة. واستدلوا على ذلك بقوله: ٢٦٠٠ - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر وأقول: سيأتي الكلام على ما ذهب إليه الكوفيون في هذه المسألة. واعلم أن ابن هشام الخضراوي أشار إلى ما نقله ابن عصفور عن الخليل، وزاد بذكر معاني أخر فقال: ذكر سيبويه أنها - يعني «كما» - تكون بمعنى «لعلّ» قال: وسألت الخليل عن قولهم: انتظرني كما آتيك فزعم أن «الكاف» و «ما» جعلتا كحرف واحد وصيرت للفعل كما صيرت «ربما» والمعنى لعلي آتيك، ومن ثم لم ينصبوا بها الفعل كما لم ينصبوا بـ «ربما» (١). يريد أن «ما» ليست بزائدة فتكون الكاف داخلة على الفعل فينتصب بإضمار «أن» كسائر ما تدخل عليه حروف الجر من الأفعال، وأنشد لرؤبة (٢): ٢٦٠١ - لا تشتم النّاس كما لا تشتم وقال: معناه: لأنك لا تشتم، وأنشد لأبي النجم (٣): ٢٦٠٢ - قلت لسفيان ادن من لقائه ... ... البيت قال: وتكون «كما» بمعنى من أجل تقول: قمت كما قام زيد أي: من أجل قيامه قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ (٤) قال: وتكون بمعنى «عند»، قالوا: دخلت السوق كما يؤذن المؤذن أي: عند ما يؤذن، قال: وتكون بمعنى المصدر التشبيهي مثل قوله: ٢٦٠٣ - تبكي الدّيار كما بكى ابن خذّام (٥) هكذا قال. وفيه نظر؛ فإن «كما» في هذا البيت إنما صفة لمصدر محذوف وذلك المحذوف هو المصدر التشبيهي فليست «كما» بمعنى المصدر. ثم قال: وحكى الكوفيون أنها تكون بمعنى «كي» فينصب بها، ووافقهم المبرد وأنشدوا: -

стр. 2967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٦٠٤ - لا تظلموا النّاس كما لا تظلموا (١) وأنشدوا أيضا: ٢٦٠٥ - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه ... عن ظفر غيب إذا ما سائل سألا (٢) بالنصب، والبصريون يرفعون. وأنشد المبرد: ٢٦٠٦ - وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه ... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر (٣) ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف من أن الكاف تزاد عند أمن اللبس وتقدم ذكر الأدلة على ذلك. وقد نص النحاة على جواز زيادتها كابن هشام الخضراوي، وابن أبي الربيع وابن عصفور وغيرهم (٤). قال ابن عصفور: إلا أن ذلك ليس بمطرد فيها، ولا منقاس. قال: وزيادتها على وجهين: أحدهما: أن تزاد توكيدا للتشبيه نحو قوله: ٢٦٠٧ - [ولعبت طير بهم أبابيل] ... فصيّروا مثل كعصف مأكول (٥) فزاد الكاف لتأكيد التشبيه الذي يعطيه «مثل»، وجرّ «عصفا» بها، والكاف مع ما جرته في موضع خفض بـ «مثل» وكقول الآخر: ٢٦٠٨ - وصاليات ككما يؤثفين (٦) فزاد إحدى الكافين تأكيدا لما تعطيه الأخرى من معنى التشبيه. ثانيهما: أن تزاد، وتخرج عن معنى التشبيه جملة كقوله: -

стр. 2968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٦٠٩ - لو أحق الأقراب فيها كالمقق (١) المعنى: فيها مقق، أي طول؛ لأنه يقال: في الشيء طول ولا يقال فيه [٤/ ٢١] كالطول. ومنها: أن الكاف تكون اسما فتجر إما بالحرف، أو بالإضافة، وينسد إليها فتكون فاعلة ومبتدأ، وقد تقدم تقرير ذلك وأمثلته في كلام المصنف. وذكر ابن أبي الربيع أنها تجيء مفعولة أيضا، وأنشد على ذلك قول القائل: ٢٦١٠ - لا يبرمون إذا ما الأفق جلّله ... برد الشّتاء من الأمحال كالأدم (٢) قال: فالكاف بمنزلة مثل، وهي اسم ومفعولة بـ «جلل». قال: وكذلك بيت النابغة أيضا: ٢٦١١ - كما لقيت ذات الصّفا من حليفها ... [وما انفكّت الأمثال في النّاس سائره] (٣) فإن الكاف مفعولة لقوله «لألقى» قبله، وقد تقدم أيضا الإعلام بأن سيبويه إنما يثبت اسميتها في الضرورة وأن الأخفش يثبت ذلك في الكلام. ولا شك في ثبوت اسميتها في الجملة وقد كثر ورود ذلك. فمن أجازه في الكلام كان مستنده كثرة ما ورد منه، ومن لم يجزه في الكلام جعل مستنده أن الوارد من ذلك إنما ورد في الشعر خاصة ولم يرد في نثر، ومن النحويين (٤) من تأول ما ورد من ذلك على حذف الموصوف وإقامة المجرور الذي هو صفته مقامه. وقال ابن عصفور في قول القائل: ٢٦١٢ - أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل (٥) الكاف فاعلة «ينهى»؛ لأنه لا يجوز أن يقدر الفاعل محذوفا ويكون التقدير: -

стр. 2969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ناه كالطعن، والكاف مع ما جرّته في موضع الصفة لـ «ناه»؛ لأنك إن لم تقم المجرور مقامه لزم أن يكون المجرور فاعلا؛ لأن الصفة إذا قامت مقام الموصوف أعربت بإعرابه والمجرور الذي حرف الجر فيه غير زائد لا يكون فاعلا. فتعين أن تكون الكاف فاعلة وكأنك قلت: مثل الطعن (١)، ثم قال: ولا حجة في البيت عندي؛ لاحتمال أن يكون فاعل «ينهى» ضمير الوعيد الذي يدل عليه ما تقدم، وكأنه قال: ولن ينهى الوعيد ذوي شطط كالطعن أي: كنهي الطعن؛ فيكون المجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: ولن ينهاهم الوعيد نهيا كنهي الطعن. قال: وإنما الحجة على استعمالها اسما قول الآخر: ٢٦١٣ - فيا عجبا إنّ الفراق يروعني ... به كمناقيش الحليّ قصار (٢) وقول امرئ القيس: ٢٦١٤ - وإنّك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب (٣) ألا ترى أن الكاف من قوله: «كمناقيش» فاعلة «يروعني»، والكاف من قوله «كفاخر» فاعلة [يفخر] (٤) ولا يكون الفاعل محذوفا، والكاف مع ما جرته صفة له؛ للدليل الذي تقدم ذكره (٥). قال: وممّا يقوّي أن الكاف فاعلة في قول امرئ القيس أنه قرنها بـ «مثل» في قوله: ... ولم يغلبك مثل مغلّب (٦) قال: ومما يدل أيضا على استعمال الكاف اسما قول ذي الرمة (٧): ٢٦١٥ - أبيت على ميّ كئيبا وبعلها ... على كالنّقا من عالج يتبطّح (٨) -

стр. 2970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول ابن عادية السلمي: ٢٦١٦ - وزعت بكالهراة أعوجي ... إذا ونت الرّياح جرى وثابا (١) وقول امرئ القيس: ٢٦١٧ - ورحنا بكابن الماء يجنب وسطها ... تصوّب [فيه العين] طورا وترتقي (٢) وقول سلامة العجلي: ٢٦١٨ - على كالخنيف السّحق يدعو به الصّدى ... له قلب عفيّ الحياض أجون (٣) وقول الآخر: ٢٦١٩ - قليل غرار النّوم حتّى تقلّصوا ... على كالقطا الجوني أفزعه الزّجر (٤) قال: فالكاف في جميع ذلك اسم؛ بدليل دخول حرف الجر عليها، وحرف الجر لا يدخل على مثله إلا في ضرورة بشرط أن يكون الحرفان في معنى واحد فيكون أحدهما تأكيدا للآخر. قال: ولا يتصور أن يجعل الكاف حرف جر في جميع ذلك، وتكون مع ما جرته في موضع صفة لموصوف محذوف، ويكون التقدير: على كفل كالنقا، وبغرس كالهراوة، وبفرس كابن الماء، وعلى طريق كالخنيف، وعلى خيل كالقطا الجوني؛ لأنك إن لم تقدر المجرور بالكاف قائما مقام المحذوف لزم من ذلك أن يكون «على والباء» مقطوعين عن الاسم والمجرور بهما، وقطع حرف الجر عن المجرور غير جائز، وإن قدرته قائما مقام المحذوف لزم من ذلك أن يكون حرف الجر الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ «على، والباء» وذلك لا يجوز؛ لأن حرف الجر إنما يجر الأسماء وحدها، فلما تعذر أن تكون الكاف حرفا على التقديرين المذكورين لم يبق إلا أن تكون جعلت اسما حملا على ما هي في معناه -

стр. 2971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو «مثل» للضرورة وإن جاء شيء من مثل هذا في الكلام كان شاذّا (١). انتهى. وفي كلامه نظر. أما قوله: إن لم يقدر المجرور بالكاف قائما مقام المحذوف لزم قطع «على والباء» عن الاسم المجرور بهما وقطع حرف الجر عن المجرور غير جائز، فيقال فيه: الممتنع إنما هو قطع حرف الجر عن المجرور لفظا. أما قطعه عنه تقديرا فكيف يمتنع؟ ولا شك أن كل حرف زائد [إنما] (٢) هو مقطوع عن مجروره معنى بدليل جعلك: «حسبك درهم» من قولهم: بحسبك درهم مبتدأ، وجعلك الاسم المعظم فاعلا في كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٣)، وكذلك جعلك «زيد» فاعلا في قولنا: أحسن بزيد. وأما قوله: وإن قدرته قائما مقام المحذوف لزم منه أن يكون الجر الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ «على، والباء» إلى آخره؛ فيقال فيه: إن الكاف مع مجرورها؛ والباء مع مجرورها. كل منهما في موضع الصفة فهو متعلق بمحذوف، وإذا كان كذلك فالذي في موضع خفض بالحقيقة إنما هو ذلك المحذوف المتعلق به، التقدير: على كائن كالنقا، وبكائن كالهراوة. ومنها: أن «ما» تزاد بعد الكاف وبعد «ربّ»، وبعد «الباء» كافة وغير كافة. وحاصل الأمر: أن الكاف إذا [٤/ ٢٢] زيدت بعد [ها] «ما» كافة وليتها الجمل الاسمية، وصارت حرف ابتداء وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك بقول القائل: ٢٦٢٠ - كما النّشوان والرّجل الحليم واستشهد في غير هذا الكتاب بقول الآخر: ٢٦٢١ - أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه (٤) ومن ذلك قول الشاعر: -

стр. 2972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٦٢٢ - ألم تر أنّ البغل يتبع إلفه ... كما عامر واللّؤم مؤتلفان (١) وقول الآخر: ٢٦٢٣ - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة ... إليك كما بالحائمات غليل (٢) وقول الآخر: ٢٦٢٤ - لقد علمت سمراء أنّ حديثها ... نجيع كما ماء السّماء نجيع (٣) وقد عرفت أن المصنف قال في باب الموصول: إن «ما» الموصوفة الحرفية قد توصل بجملة اسمية على رأي؛ فعلى هذا لا يتعين القول بكون «ما» كافة في هذه الأبيات إلا على قول من لا يجيز وصل المصدرية إلا بالجملة الفعلية. أما من يجيز وصلها بالجمل الاسمية فيجوز عنده أن تكون «ما» مصدرية ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر يكون في موضع جر بالكاف، فلا تكون الكاف مكفوفة حينئذ. ولكن المصنف كأنه لم يقل بذلك هنا؛ لأنه إنما ساق الكلام على أن «ما» كافة، ولهذا بنى على ذلك فقال: وقد يحدث في الكاف معنى التعليل، يعني أن الكاف تخرج بذلك عن التشبيه، ولا تخرج الكاف عن التشبيه إلى التعليل إلا إذا كانت «ما» كافة. وأما زيادة «ما» بعد «ربّ» فسيأتي الكلام على ذلك عند الكلام على «رب» إن شاء الله تعالى. وأما زيادة «ما» بعد الباء غير كافة: فقد اشتمل عليه القرآن العزيز. وأما زيادتها بعدها كافة فقد استدل عليه المصنف بقول القائل: ٢٦٢٥ - بما قد ترى وأنت خطيب وبقول الآخر: ٢٦٢٦ - بما قد أرى تلك الدّيار وأهلها وقال: إن «ما» هذه - أعنى الكافة - تحدث في الباء معنى التقليل أي: معنى «ربما». قال: فمعنى «لبما قد ترى»: لربما قد ترى ومعنى «[بما] قد أرى»: ربما قد أرى. لكن قال الشيخ: ما ذهب إليه - يعني المصنف - من أن «ما» في ما ذكر كافة وأنها أحدثت معنى التقليل؛ غير صحيح، بل «ما» في ذلك مصدرية والباء للسببية المجازية والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر: -

стр. 2973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٦٢٧ - فلئن قلت هذيل شياه ... لبما كان هذيلا يفل (١) قال: والفعل الذي يتعلق به الباء مقدر [مما] قبلها، والتقدير: لانتفاء إحارتك جوابا برؤيتك وأنت خطيب. وهنّ قديمات العهود دواثر ترويني تلك الديار؛ لقلته بما كان نقلها، والسببية ظاهرة في هذا البيت، وأما في البيتين قبله: فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبا في الحياة؛ إذ ينشأ عن الحياة الموت، إذ مصير كل شيء إلى الممات، وكذلك البيت الثاني: سبب دثور الديار كونها عامرة بأهلها؛ إذ مصير العمران للخراب؛ ولذلك جاء: ٢٦٢٨ - لدوا للموت وابنوا للخراب ... [فكلّكم يصير إلى ذهاب] (٢) انتهى. ولا يخفى أن ما قدره بعيد أن يكون مراد الشاعر، ولكن قول المصنف: إن المراد التعليل؛ غير ظاهر. وأما قول المصنف: وربما نصبت حينئذ مضارعا؛ فمراده حين يحدث في الكاف معنى التعليل، وذلك إذا كانت «ما» كافة واقتضى كلام المصنف أن «كما» هي الناصبة وأنها إنما نصبت تشبيها لها بـ «كي» ولم يرتض قول الفارسي فيها، وهو أن الأصل كيما، وقول المصنف في المتن: وربّما نصبت حينئذ مضارعا يرشد إلى أن المراد بقوله في الشرح: وإذا حدث فيها معنى التعليل، ووليها مضارع نصبته: أنّ المضارع قد ينصب بعدها، أي: أن ذلك قليل؛ فلا تتوجه على عبارته في الشرح مناقشة. ثم اعلم أنه قد تقدم لنا قول ابن عصفور: وجعل الكوفيون «كما» في: ٢٦٢٩ - [كما] نغدّي القوم من شوائه محذوفة من «كيما»، و «نغدّي» في موضع نصب بها، إلا أنه سكن للضرورة فقال: واستدلوا على ذلك بقوله: ٢٦٣٠ - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر فعلى هذا الذي ذكره المصنف في هذه المسألة عن الفارسي هو مذهب الكوفيين. -

стр. 2974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأقول: هذا الذي ذكر عن الكوفيين، والفارسي أقرب وأولى مما ادعاه المصنف. ولهذا قال الشيخ: قول المصنف: وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه - ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل وإليه حاجة؛ وذلك أنه لم يثبت النصب بـ «كما» في موضع خلاف هذا المختلف فيه فيحمل هذا عليه والنصب ثابت بـ «كيما»، والعلة في «كيما» أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ «ما» ليس أصلا (١)؛ فالأولى أن يعتقد أن أصلها «كيما»؛ لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بـ «كيما» (٢). انتهى. وما قاله هو الظاهر، لكن قد تقدم لنا من كلام ابن هشام الخضراوي أنه لما تكلم على «كما» قال: وحكى الكوفيون أنها تكون بمعنى «كي»، فينصب بها ووافقتهم المبرد وأنشدوا: ٢٦٣١ - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه وكذا: ٢٦٣٢ - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر وهذا الكلام بظاهره يعطي ما ادعاه المصنف من أن الناصب «كما» نفسها تشبيها لها بـ «كي». وأما قول المصنف أيضا: وإن ولي «ربما» اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبر لا خبر مبتدأ محذوف و «ما» نكرة موصوفة؛ خلافا لأبي علي، وقوله في الشرح بعد ذكر المسألة: نصب المضارع بعد «كما»، وأن الفارسي يزعم أن الأصل: «كيما»، وكذلك أيضا زعم - يعني الفارسي - في قول الشاعر: ٢٦٣٣ - ربّما الجامل المؤبّل فيهم أن «ما» نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر. والصحيح أن «ما» فيه زائدة كافة هيأت «رب» للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية - فاعلم أنّ: المغاربة كالمطبقين على أن «ربما» لا تليها الجمل الاسمية عند الجمهور، وهو مذهب سيبويه (٣). قال ابن هشام: و «هل» عند سيبويه حرف يدخل على الفعل، ويختص به، ولا يدخل على الجملة الابتدائية؛ ولهذا لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل -

стр. 2975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذكر «قد» و «سوف» قال: ومن تلك الحروف «ربما» وقلما جعلوا «ربّ» مع «ما» بمنزلة كلمة واحدة وهيئوها ليذكروا بعدها الفعل؛ لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى: ربّ يقول، ولا إلى: قلّ يقول؛ فألحقوها وأخلصوها للفعل (١)، والذي ذكره المصنف عن الفارسي في قول الشاعر: ٢٦٣٤ - ربّما الجامل المؤبل فيهم هو الذي ذكره المغاربة فيه. قال ابن عصفور بعد [٤/ ٢٣] إنشاده (٢) هذا البيت على رواية من رواه بخفض «الجامل المؤبل»: والرواية الصحيحة «الجامل» بالرافع على أن تكون «ما» في موضع اسم نكرة مخفوض بـ «رب» و «الجامل» خبر مبتدأ مضمر والجملة في موضع الصفة كأنه قال: ربّ شيء هو الجامل المؤبل (٣). ومن ثم قال الشيخ: هذا الذي قاله - يعني المصنف - عن الفارسي هو مذهب الجمهور، وابن عصفور خرّج البيت تخريج أبي علي وهو الصحيح؛ إذ لو كان الصحيح ما اختار المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم بتصريح المبتدأ والخبر ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخرج البيت على ما خرّجه الفارسي وابن عصفور (٤). قال: ومثل قوله: ربّما الجامل المؤبل» قول الآخر: ٢٦٣٥ - طالعات ببطن نقرة بدن ... ربّما طاعن بها ومقيم (٥) وقول الآخر: ٢٦٣٦ - أمّ الصّبيّين ما يدريك أن ربّما ... عنظاء قلتها شمّاء قرواخ (٦) قال: ويتأول هذان البيتان تأويل «ربما الجامل»، والعنظاء: الهضبة، وشماء: مرتفعة، وقرواخ: جرداء. قال: والذي ذهب إليه المصنف هو مذهب المبرد، وزعم أنه يليها الجملة الاسمية والفعلية نحو «إنما» تقول: ربما قام زيد، وربما زيد قائم كما تقول ذلك في «إنما». وأما زيادة «ما» بعد «من وعن» غير كافة: فقد تقدم الاستدلال عليه من -

стр. 2976

[مذ، منذ، رب: لغاتها، ومعانيها، وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «مذ، ومنذ»، وقد ذكرا في باب الظروف. ومنها: «ربّ» ويقال: رب وربّت ورب وربّت وربت وربّ ورب وربت وليست اسما خلافا للكوفيين والأخفش في أحد قوليه، بل هي حرف تكثير وفاقا لسيبويه، والتقليل بها نادر ولا يلزم وصف مجرورها خلافا للمبرد، ومن وافقه، ولا مضيّ ما تتعلّق به بل يلزم تصديرها وتنكير مجرورها، وقد يعطف على مجرورها وشبهه مضاف إلى ضميريهما، وقد تجرّ ضميرا لازما تفسيره بمتأخر منصوب على التّمييز مطابق للمعنى ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وجمعه وتأنيثه أشهر من المطابقة). ــ الكتاب العزيز، وأنشدوا شاهدا عليه أيضا قول الشاعر: ٢٦٣٧ - وأعلم أنّني عمّا قريب ... سأنشب في شبا ظفر وناب (١) قالوا: وإذا كانوا قد زادوا ما بين المضاف والمضاف إليه مع شدة الاتصال بينهما؛ لأنه كالجزء منه فلأن يزيدوها بين حرف الجر والمجرور أولى، ومنه قول القائل: ٢٦٣٨ - مساعير ما حرب وإيسار شتوة ... إذا الريح ألوت بالكنيف المستّر (٢) وقول الآخر: ٢٦٣٩ - من غير ما فحش يكون بهم ... في منتج المهرات والمهر (٣) قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): قد بينت في باب المفعول فيه أن من جملة أسماء الزمان المبنية «مذ، ومنذ» إذا وليهما مرفوع أو جملة، وأنهما يكونان حرفي جر واستوفيت القول بما أغنى عن مزيد فليعلم ذلك. ومن حروف الجر «ربّ»: وفيها عشر لغات: أربع بتشديد الباء، وست -

стр. 2977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بتخفيفها، وقد ذكرت. وهي حرف عند البصريين، واسم عند الكوفيين والأخفش (١) في أحد قوليه. وحرفيتها أصح؛ لخلوها من علامات الأسماء اللفظية والمعنوية ولمساواتها (الحرف) (٢) في الدلالة على معنى في مسمى غير مفهوم جنسه بلفظها بخلاف أسماء الاستفهام والشرط فإنها تدل على معنى في مسمى مفهوم بلفظها. ومقتضى هذا التقدير أن تكون «كم» حرفا لكن اسميتها ثابتة بالعلامات اللفظية وهي الإضافة إليها، ودخول حرف الجر عليها، والابتداء بها، وإيقاع الأفعال عليها، وعود الضمير إليها. واستدل الكوفيون على اسميتها بقول الشاعر: ٢٦٤٠ - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن ... عارا عليك وربّ قتل عار (٣) فزعموا أن «رب» مبتدأ وعار خبره والصحيح أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة لـ «قتل» والتقدير: وربّ قتل هو عار، وأكثر النحويين يقولون: معنى «رب» التقليل. قال أبو العباس: «رب» تبني عمّا وقعت عليه أنه قد كان، وليس بالكثير؛ فلذلك لا تقع إلا على نكرة؛ لأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز (٤). وقال ابن السراج: النحويون كالمجمعين على أنّ «ربّ» جواب لما تقول: رب رجل عالم، لمن قال لك: ما رأيت رجلا عالما، أو قدرت أنه يقول ... ؛ فضارعت حرف النفي؛ إذ كان يليه الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة (٥). وقال ابن السراج أيضا: رب حرف جر وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصّلا له إلى المجرور كأخواته، ولكن لما كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة صار مقابلا لـ «كم» إذا كانت خبرا فجعل له صدر الكلام كما جعل لـ «كم» (٦)، وقال الزمخشري في المفصّل: «رب» للتقليل (٧)، وجعلها في الكشاف للتكثير (٨). قلت: والصحيح أن معنى «رب» التكثير، ولذا تصلح «كم» في كل موضع وقعت فيه غير نادر كقول الشاعر: -

стр. 2978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢٦٤١ - ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لي موتا لم يطع (١) وكقول الآخر: ٢٦٤٢ - ربّ رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال (٢) وكقول الآخر: ٢٦٤٣ - ربّما تكره النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال (٣) وكقول حسان ﵁: ٢٦٤٤ - ربّ حلم أضاعه عدم الما ... لـ وجهل غطّى عليه النّعيم (٤) وكقول الآخر: ٢٦٤٥ - وربّ امرئ ناقص عقله ... وقد يعجب النّاس من شخصه وآخر تحسبه أحمقا ... ويأتيك بالأمر من فصّه (٥) وكقول ضابئ البرجمي: ٢٦٤٦ - وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب (٦) وكقول عدي بن زيد: ٢٦٤٧ - ربّ مأمول وراج أملا ... قد ثناه الدّهر عن ذاك الأمل (٧) -

стр. 2979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا الذي أشرت إليه [٤/ ٢٤] من أن معنى «رب» التكثير هو مذهب سيبويه (١) رحمه الله تعالى، وقال ابن خروف: وذكر سيبويه في باب «كم» أن «رب» للتكثير، وذكر ذلك غيره من اللغويين. واستعمالها على ذلك موجود كثير (٢)، قلت: فمن كلامه الدال على ذلك قوله في باب «كم»: اعلم أن لـ «كم» موضعين: أحدهما: الاستفهام. والآخر: الخبر. ومعناها معنى «ربّ» (٣). ثم قال بعد ذلك في الباب: واعلم أن «كم» في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه «رب»؛ لأن المعنى واحد إلا أن «كم» اسم، و «رب» غير اسم (٤). هذا نصه ولا معارض له في كتابه. فعلم أن مذهبه كون «رب» مساوية لـ «كم» الخبرية في المعنى. ولا خلاف في أن معنى «كم» الخبرية التكثير، والذي دلّ عليه كلام سيبويه من أن معنى «رب» التكثير هو الواقع غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه. فمن النظم الأبيات التي قدمت ذكرها، ومن النثر قول النبي ﷺ : «يا ربّ كاسية في الدّنيا عارية يوم القيامة» (٥)، و «ربّ أشعث أغبر لا يؤبه له لو (أقسم) (٦) على الله لأبرّ قسمه» (٧)، ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: ربّ صائمه لن يصومه وربّ قائمه لن يقومه (٨)، وقال الفراء: يقول القائل إذا أمر فعصي: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها (٩). وقولي: والتعليل بها نادر؛ أشرت به إلى قول الشاعر: ٢٦٤٨ - ألا ربّ مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان (١٠) -

стр. 2980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يريد آدم وعيسى ﵉، ومثله قول عمرو بن الشريد أخي الخنساء (١): ٢٦٤٩ - وذي إخوة قطّعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخا ليا (٢) ومثله: ٢٦٥٠ - ويوم على البلقاء لم يك مثله ... على الأرض يوم في بعيد ولا دان (٣) أراد بـ «ذي إخوة» زيد بن حرملة قاتل أخيه معاوية بن الشريد، وأراد الآخر: يوما كان فيه وقعة بين غسان ومذحج في موضع يعرف بالبلقاء. وقول المبرد: ربّ تبني عما وقعت عليه أنه قد كان هذا هو الأكثر، وأما كون ذلك لازما لا يوجد غيره فليس بصحيح؛ بل قد يكون مستقبلا كقول جحدر اللص: (٤). ٢٦٥١ - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي ... عليّ مهذّب رخص البنان (٥) وكقول هند أم معاوية (٦) رضي الله تعالى عنها: ٢٦٥٢ - يا ربّ قائلة غدا ... يا لهف أمّ معاويه (٧) وكقول سليم القشيري: ٢٦٥٣ - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى ... سيردى وغار مشفق سيؤوب (٨) وقال الراجز: ٢٦٥٤ - يا ربّ يوم لي لا أظلّله ... أرمض من تحت وأضحى من عله (٩) -
следующие страницы →