← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قول الزمخشري (١): إن المضاف إلى ياء المتكلم مبني. وفي كلام ابن السراج احتمال (٢)، وسأبين مراده إن شاء الله تعالى. والصحيح أن المكسور الآخر للإضافة معرب تقديرا في الرفع والنصب؛ لأن حرف الإعراب منه في الحالين قد شغل بالكسرة المجلوبة توطئة للياء، فتعذر اللفظ بغيرها؛ فيحكم بالتقدير كما فعل في المقصور. وأما حال الجر فالإعراب ظاهر للاستغناء عن التقدير، هذا عندي هو الصحيح، ومن قدر كسرة أخرى فقد ارتكب تكلفا لا مزيد عليه ولا حاجة إليه. ولم أوافق الجرجاني في بناء المضاف إلى الياء وإن كان في تقدير إعرابه تكلف يخالف الظاهر؛ لأن لبناء الأسماء أسبابا كلها منتفية منه فيلزم من الحكم ببنائه مخالفة النظائر، فلذلك أتبعته ردّا ولم أر من خلافه بدّا. فإن زعم أن سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن رد ذلك بثلاثة أمور: أحدها: استلزامه بناء المضاف إلى سائر المضمرات، بل إلى سائر الأسماء التي لا تمكن لها وذلك باطل وما استلزم باطلا فهو باطل. الثاني: أن ذلك يستلزم بناء المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، وبناؤه باطل، وما استلزم باطلا فهو باطل. الثالث: أن المضاف إلى غير متمكن لا يبنى لمجرد الإضافة؛ بل للإضافة مع كونه قبلها مناسبا للحرف في الإبهام والجمود كـ «غير»، والمضاف إلى ياء المتكلم لا يشترط ذلك في كسر آخره؛ فدل ذلك على أنه غير مستحق للبناء. وقد ينتصر للجرجاني بأن يقال: لا أسلم انحصار ما يوجب بناء الأسماء في مناسبة الحرف بل يضاف إليها كون آخر الكلمة لا يتأتى فيه تأثر بعامل في تصغير وتكبير وتكسير وتأنيث وتذكير؛ فلزم من ذلك بناء المضاف المذكور وثبوت الفرق بينه وبين المقصور، فإن إعرابه يظهر في تصغيره كـ «فتيّ» وفي تكسيره كـ «فتية» وفي تأنيثه كـ «فتاة» والمضاف إلى ياء المتكلم لا يظهر له إعراب في الأحوال الخمسة. فمن ادعى فيه إعرابا مقدرا فقد ادعى ما لا دليل عليه بخلاف المقصور فإن ظهور إعرابه -

стр. 3222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الأحوال الثلاثة يدل على صحة تقديره في غيرها. وقد ينتصر له أيضا بأن يقال: لا أسلم خلو المضاف إلى ياء المتكلم من مناسبة الحرف؛ لأنه شبيه بالذي في أن آخره ياء كالذي في كونها بعد كسرة لازمة وصالحة للحذف وغير حرف إعراب وفي أنه يتغير في التثنية تغيرا متيقنا وفي الجمع تغيرا محتملا والذي مناسب للحرف، ومناسب المناسب مناسب؛ فاستحقاق بناء المضاف إلى الياء بمناسبة الذي شبيه باستحقاق بناء «رقاش» بمناسبة «نزال». وهذا التوجيه والذي قبله من المعاني التي انفردت بالعثور عليها دون سبق إليها. وقولي: (ويكسر متلوها) أي: متلو الياء كقولك في «قلم»: قلمي، وتجري هذه الكسرة مجرى كسرة الإعراب في أنها تظهر في الحرف الصحيح كظهورها في ميم «قلم» وفي حرف العلة الجاري مجرى الصحيح كـ «ظبي» و «صبي» و «دلوي» و «فلوي». وتقدر في الحرف المعتل الذي لا يجري مجرى الصحيح ويتبعها ما قبلها كما يتبع ما قبل كسرة الإعراب فتقول: هذا ابنمي؛ بكسر النون كما تقول في الجر: مررت بابنم، ومن اتبع في الفم فقال: نظرت إلى فمه قال هنا: نظر إلى فمي، وتقول فيما آخره حرف علة بعد حركة: هذا داعيّ ومولاي، ويا ابنيّ ويا بني، ورأيت مصطفيّ، وجاء بنيّ ومصطفيّ [٤/ ١٠٠] والأصل: جاء بنوي ومصطفوي؛ ففعل بهما من القلب والإدغام ما فعل بجمع الوي ومصدر «طويت» حين قيل فيهما: لي وطيّ بالقلب والإدغام. وفي تحويل «بنوي» إلى «بنيّ» زيادة تبديل ضمة النون كسرة فأشبه شيء به «مرميّ» في أن أصله: «مرموي» فأبدلت الضمة كسرة والواو ياء وأدغمت، وكذا فعل بـ «بنوي» حين قيل فيه: «بنيّ» ومن قال: «غير ماضي» فأجرى المنقوص مجرى الصحيح في ظهور كسرة الإعراب لا يقول: «هذا ماضي»؛ لأن كسرة الإعراب عارضة متعرضة لأن تخلفها الفتحة والضمة، وهذه الكسرة لازمة لا تخلفها مع الإضافة إلى الياء وغيرها فكانت أثقل؛ ولذلك لم تظهر في اختيار ولا اضطرار، بخلاف كسرة «ماضي» ونحوه، وقد دخل في حرف اللين الذي يلي حركة علامتا التثنية نحو: جاء غلاماي، وعلامتا الجمع نحو: جاء مكرميّ ومصطفيّ. ثم قلت: (وتفتح الياء أو تسكن) فعلم من الإطلاق جواز الأمرين في نداء وغيره. -

стр. 3223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قلت: (وإن نودي المضاف إليها إضافة تخصيص جاز أيضا حذفها وقلبها ألفا والاستغناء عنها بالفتحة). فعلم بهذا أن في الياء التي يضاف إليها غير المنادى وجهين وهما مشهوران، وفي التي يضاف إليها المنادى خمسة أوجه؛ فيقال في غير النداء: جاء غلامي وغلامي، ويقال في النداء: يا غلامي ويا غلامي ويا غلام ويا غلاما ويا غلام بحذف الألف مع خفتها؛ لأنها بدل من الياء فجرت مجراها في الاستغناء عنها بحركة. ثم قلت: (وربما وردت الثلاثة في غير نداء) فأشرت إلى نحو قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (١) بحذف الياء خطّا ووقفا، وإلى نحو قول الشاعر: ٣٠٨٤ - أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي ... إلى أمّا ويرويني النّقيع (٢) وإلى نحو قول الآخر: ٣٠٨٥ - فليس براجع ما فات منّي ... بلهف ولا بليت ولا لو انّي (٣) أراد أن يقول: لهفا، والأصل: لهفي؛ فأبدل الياء ألفا دون نداء، ثم حذفها واستغنى بالفتحة؛ كما حذفت الياء واستغني بالكسرة. وقيدت الإضافة بأن تكون إضافة تخصيص؛ احترازا من نحو: يا مكرمي، وأنت تريد الحال أو الاستقبال؛ فإن إضافته إضافة تخفيف والياء في نية الاتصال كما تكون في نية الانفصال إذا قلت: يا مكرم زيد الآن أو غدا، وإذا كانت في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به فتشبه بياء قاض فتشاركها في جواز الحذف. والحاصل: أن ياء المتكلم المضاف إليها منادى هو اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال لا تحذف ولا تقلب ألفا، وإذا لم تقلب ألفا فلا يفتح ما قبلها. فليس لها حظ في غير الفتح والسكون، وقد يستغنى بنية إضافة المنادى إلى الياء فيجيء كأنه غير مضاف كما يفعل ذلك في غير النداء، أعني كون الاسم مضافا في المعنى مفردا في اللفظ. -

стр. 3224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن ورود المنادى المضاف إلى الياء مكتفيا بالنية قراءة بعض القراء: (ربّ السجن أحبّ إليّ) (١)، وأصله: يا رب بكسر الباء؛ ولذلك حسن حذف حرف النداء؛ لأنه لو حذف حرف النداء والإضافة غير منوية لكان مثل قولهم: افتد مخنوق (٢)، وهو قليل بخلاف الاستغناء بنية الإضافة عن المضاف إليه؛ فإنه كثير، والحمل على ما كثرت نظائره أولى من الحمل على ما قلت نظائره، وأيضا لو كان غير منوي الإضافة لكان في الأصل صفة لـ «أي» كما أن «مخنوق» في الأصل صفة لـ «أي» وأسماء الله تعالى لا يوصف بها «أي» فيتعين كون الأصل: يا رب. وقولي: (ويفتح في الحالين بعد حرف اللين التالي حركة ويدغم فيها إن كان ياء أو واوا) نبهت به على أنه يقال في «القاضي، واثنين، وابنين، ومصطفين، وبنين، وعشرين»: قاضيّ واثنيّ وابنيّ ومصطفيّ وبنيّ وعشريّ. وكذا: «بنون وعشرون ومصطفون»؛ لأنه تلتقي فيهن الياء والواو فتقلب الواو ياء ويفعل بها من الإدغام وفتح الياء ما فعل مع الياءين اللتين لم تكن إحداهما واوا. وقصدت بـ (الحالين) حال النداء وحال غير النداء. وسكت عن التالية ألفا عند ذكر الإدغام فعلم أن حكمها التخفيف والفتح مطلقا نحو: غلاماي، وفتاي. ثم نبهت على أن هذيلا يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمون ومنه قراءة الحسن: (يا بشريّ هذا غلام) (٣)، وقول الشاعر: ٣٠٨٦ - سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع (٤) وفي دعاء بعض العرب: يا سيديّ وموليّ. وقولي: (وربما كسرت مدغما فيها أو بعد ألف) أشرت به إلى قراءة حمزة (٥): وما أنتم بمصرخي (٦) -

стр. 3225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (بالكسر) (١)، وإلى قول بعض العرب (في) (٢) عصاي: عصاي، وقرأ بها الحسن وأبو عمرو في شاذه، وهي لغة قليلة أقل من كسر المدغم فيها (٣). وممن روى كسر المدغم فيها أبو عمرو بن العلاء (٤)، والفراء (٥)، وقطرب (٦)، ومن شواهدها قول الراجز: ٣٠٨٧ - قال لها هل لك يا تافيّ ... قالت له ما أنت بالمرضيّ (٧) ومنها قول الشاعر: ٣٠٨٨ - عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب (٨) كذا روي بكسر الياء من عليّ واللغة الجيدة أن يقال في إضافة «أب وأخ» مضافين إلى الياء: أبي وأخي من غير رد اللام كما جاء في القرآن العزيز، ويجوز عند أبي العباس أن يقال أبيّ وأخيّ برد اللام وإدغامها في ياء المتكلم (٩)، والذي رآه مسموع في «الأب» مقيس في «الأخ» ومن شواهد «أبيّ» قول الراجز: ٣٠٨٩ - كأنّ أبيّ كرما وسودا ... يلقي على ذي اللّبد الجديدا (١٠) والاستشهاد [٤/ ١٠١] هذا أقوى من الاستشهاد بقول الآخر: ٣٠٩٠ - [قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى] ... وأبيّ مالك ذو المجاز بدار (١١) -

стр. 3226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لاحتمال أن يريد قائل هذا الجمع، والذي قبله يتعين فيه الإفراد بـ «يلقي» إذ لو قصد قائله الجمع لقال: يلقون، ولم أجد شاهدا على «أخي» لكن أجيزه قياسا على «أبي» كما فعل أبو العباس المبرد. وإذا أضيف «الفم» إلى ظاهر أو ضمير جاز أن يضاف بالميم ثابتة فيقال: كلمته من فمي إلى فمه، وجاز أن يضاف عاريا من الميم فيقال: كلمته من في إلى فيه، والأصل: فيّ؛ بياءين: أولاهما عين الكلمة، والثانية ياء المتكلم؛ فأدغمت الأولى في الثانية، ولا يجوز التخفيف كما جاز مع «الأب، والأخ»؛ لأن «الأب، والأخ» إذا وليتهما الياء مخففة كانا على حرفين: أحدهما فاء الكلمة، والآخر عينها، ولو فعل ذلك بـ «في» بقي على حرف واحد مع أنه اسم متمكن وليس في الأسماء المتمكنة ما هو على حرف واحد؛ فاجتنب ما يلزم منه عدم النظير. ويجوز أن يقال: كلمته من فمي إلى فمه، وفم زيد أحسن من فم عمرو، وفي حديث رسول الله ﷺ : «لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك» (١)، ولم يقل: لخلوف في الصائم، وهذا يدل على قلة علم من زعم أن ثبوت الميم مع الإضافة لا يجوز إلا في ضرورة شعر كقول الشاعر: ٣٠٩١ - صفحنا عن بني دهل ... وقلنا القوم إخوان عسى الأيّام أن ترجع ... ن قوما كالّذي كانوا فلمّا صرّح الشّرّ ... فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا ... ن دنّاهم كما دانوا بضرب فيه توهين ... وتخضيع وإقران وطعن كفم الزّقّ ... غدا والزّقّ ملآن (٢) -

стр. 3227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعاب بعض أصحاب هذا الرأي على الحريري (١) قوله: أدخله في فمه، وقرنه بتوأمه (٢)، ولا عيب فيه؛ لما قد ذكرته. والله أعلم. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (٣). وقد عرفت ما أبطل به مذهب الجرجاني من القول ببناء المضاف إلى الياء، ثم ما انتصر به له من التوجيهين اللذين ذكر أنهما من المعاني التي انفرد بالعثور عليها دون سبق إليها. وهو كلام تميل النفوس إليه ويشفي غليل الواقف عليه. ولكن ما ذهب إليه من أن حركة آخر المضاف إلى الياء في نحو: مررت بصاحبي، ورأيت ابن غلامي - حركة إعراب، وأن - إعراب جمع المذكر الذي هو على حد المثنى إذا كان مرفوعا مقدر غير ملفوظ به غير مسلم. أما الأمر الأول: فلأن حركة الإعراب هي التي يجتلبها العامل، ولا شك أن هذه الحركة موجودة مع عاملي الرفع والنصب، وإذا كان كذلك فالعامل لم يحدث شيئا، ثم الحركة التي هي إعراب لا بد أن تكون ناشئة عن عامل؛ فهي إنما تكون بعد التركيب، ومعلوم أن الحركة المذكورة كانت قبله؛ فكيف ينسب حدوثها إلى العامل؟! والحق أن ما اختاره المصنف في هذه المسألة ضعيف؛ لقيام الدليل على خلافه وكأنه قول لبعض النحاة لكن لا معول عليه. وقد قال الشيخ: إن هذا الذي قاله المصنف مخالف لمذاهب الناس في المسألة (٤). وأما الأمر الثاني: فلأن الواو التي كانت علامة الإعراب في الجمع باقية لم تزل وإنما تغيرت صفتها؛ فهي موجودة، والمقدر لا يكون موجودا. ورأي ابن الحاجب (٥) في المسألة كرأي المصنف فيها. وقد استدرك المنتقدون ذلك على ابن الحاجب رحمه الله تعالى. -

стр. 3228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحق أنه لا فرق في المجموع المذكور بين المرفوع وغيره؛ فالإعراب ملفوظ به في حالة الرفع كما هو ملفوظ به في حالتي النصب والجر. وقد انتقد الشيخ على المصنف ما ذكره وأوضح وجه الانتقاد إيضاحا حسنا (١). ثم إننا نشير إلى أمور: منها: أن ابن جني ذهب إلى أن المضاف إلى الياء لا يتصف بإعراب ولا بناء (٢) فأثبت قسما من الأسماء لا معربا ولا مبنيّا ولا يخفى ضعف هذا الرأي وأنه لا ينبغي التشاغل بمثله. ومنها: أن الذي قاله المصنف من أن الإعراب ظاهر في مثل: مررت بغلامي وبابن غلامي؛ شبيه بما ذهب إليه بعض الناس في المحكي بـ «من» إذا كان المحكي مرفوعا كقولك لمن قال: قام زيد: من زيد؟ وقد عرفت ما رد به القول في المضاف، فليرد بذلك القول في المحكي أيضا. ومنها: أن تقييد المنادى المضاف إلى الياء بكون إضافته إضافة تخصيص من خصائص المصنف، وأما غيره من النحاة فلم يقيد ذلك. ومن ثم قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة: وقد أطلق النحويون غيره في جواز الأوجه الخمسة في المنادى المضاف إلى الياء (٣). ومنها: أن اللغة التي نسبها المصنف إلى هذيل لم ينسبها سيبويه إليهم بل قال: وناس من العرب يفعلون كذا (٤). وكذا ذكر الشيخ في شرحه (٥). وهو كلام عجيب؛ فإن عدم نسبتها إلى هذيل في كلام سيبويه لا ينافي نسبتها إليهم في كلام المصنف. غاية ما في الباب أن سيبويه لم يعين أهل اللغة المذكورة والمصنف عيّنهم. -

стр. 3229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نعم لو عيّن سيبويه قوما آخرين (١) غير هذيل كان بين النقلين تعارض. ومنها: أن الشيخ قال: كان ينبغي للمصنف أن يستثني «لدى» و «على» الظرفية؛ فإن ألفيهما يقلبان ياء مع ياء المتكلم فيقال: لديّ وعليّ، في أشهر اللغات (٢). قال: فهذه ألف ليست للتثنية وتقلب ياء وبعض العرب يقول: لداي وعلاي، وليس قلب (ألف «لدى») (٣) ياء مخصوصا بياء المتكلم؛ بل الضمائر كلها نحو: لديك، ولديه، وعليك، وعليه (٤). انتهى. والعجب من الشيخ كيف توهم أن ذلك وارد على المصنف حتى إنه يلزمه أن يستثنيه فإن المصنف لما ذكر «لدى» باب المفعول المسمّى ظرفا قال: وتعامل ألفها معاملة ألف [٤/ ١٠٢] «إلى» و «على» فتسلم مع الظاهر وتقلب ياء مع المضمر غالبا (٥). فعرفنا حكم ألف «لدى» فيما تقدم. ثم إن قلب ألفها ياء لم يكن مختصّا بضمير بل هو عام بالنسبة إلى الضمائر كلها وهي ظرف. فكان الواجب ذكرها في باب الظروف دون هذا الباب. وأما على الظرفية فلا شك أن حكم ألفها مع الضمير حكم ألف «على» التي هي حرف فلم يحتج إلى ذكرها. هذا إذا قلنا: إن هاتين الكلمتين - أعني «لدى»، و «على» الظرفية - معربتان. أما إن كانا مبنيين فالإيراد مدفوع من أصله؛ لأن الفصل إنما هو معقود للمضاف - الذي هو معرب - إلى الياء؛ لقول المصنف في أوله: الأصح بقاء إعراب المعرب. فكلامه في بقية الفصل إنما يرجع إلى المعرب. * * *

стр. 3230

الباب الثاني والأربعون باب التّابع (١) [تعريفه، وأقسامه] قال ابن مالك: (وهو ما ليس خبرا من مشارك ما قبله في إعرابه وعامله مطلقا. وهو توكيد، أو نعت، أو عطف بيان، أو عطف نسق، أو بدل). قال ناظر الجيش: جرت عادة المصنف في كثير من الحدود أن يقدم بعض الفصول على الجنس وكذا فعل هنا؛ فإن المشارك ما قبله في إعرابه جنس يشمل المفعول الثاني من نحو: أعطيت زيدا درهما وظننت عمرا كريما، والحال من المنصوب والتمييز لما هو منصوب أيضا نحو لقيت زيدا راكبا واشتريت رطلا عسلا ونحو: حامض من قولنا: هذا حلو حامض، والتابع، وقوله: وعامله، فعل يخرج تمييز المنصوب كالمثال المتقدم فإن رطلا منصوب باشتريت وعسلا منصوب برطلا، وقوله: مطلقا، يخرج المفعول الثاني، والحال؛ لأنهما وإن وافقا التابع بمشاركة ما قبلهما في إعرابه وعامله قد خالفاه بزوال المشاركة في الإعراب عند تبدل العامل نحو قولك في ظننت زيدا كريما ولقيت عمرا كريما: كان زيد كريما ومررت بعمرو راكبا وعند تبدل الاقتضاء نحو: ظن زيد كريما ولقي عمرو راكبا بخلاف التابع فإن مشاركته في الإعراب لا تزول بذلك. وقوله: ما ليس خبرا، فصل ثالث يخرج به نحو، حامض من المثال المتقدم فإنه موافق للتابع في كل ما قيد به من مشاركته ما قبله في إعرابه وعامله مطلقا، فأخرجه بنفي الخبرية عن التابع فخلص الحد له. واعلم أن ظاهر كلام المصنف أن العامل في التابع هو العامل في المتبوع، نعتا كان التابع أو غيره، بل هو نص في ذلك لحكمة عليه بالمشاركة للمتبوع في العامل. وبين النحاة خلاف في ذلك. فأما النعت وعطف البيان والتوكيد ففي العامل فيها مذهبان: -

стр. 3231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: ما ذكره المصنف وهو أن العامل فيها هو العامل في متبوعها وقد نسب هذا القول إلى سيبويه (١). قال ابن أبي الربيع: وهو أقوى عندي وأظهر يعني من القول الآخر لأنك إذا قلت: جاء زيد العاقل تعين أن يكون العامل فيهما واحدا؛ لأن الاسمين وردا على مدلول واحد وصار زيد العاقل عند من لا يعرفه إلا بذلك كزيد وحده عند من يعرفه به: فالعامل طالب لهما لأنهما دالان على مطلوبه وبهما يفهم مطلوبه فيعمل فيهما لذلك. الثاني: أن العامل فيها معنوي وهو تبعيتها لما جرت عليه، وهو مختار ابن عصفور (٢) وقال الشيخ: وهو مذهب الخليل وسيبويه (٣) وأكثر المحققين. وأما البدل فقيل هو على نية تكرار العامل أي تقديره، وقيل العامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو ظاهر كلام سيبويه (٤). قال الشيخ: والأكثرون على الأول وأما العامل في المعطوف: ففيه ثلاثة مذاهب. قيل: حروف العطف وقيل عامل مقدر بعده وقيل: العامل في المعطوف عليه بوساطة الحروف وهو الصحيح (٥). وسيأتي الكلام على هذه المذاهب في تضاعيف أبواب التوابع إن شاء الله تعالى - ثم التابع منحصر في الخمسة التي ذكرها ووجه الحصر أن التابع إما (بوساطة) وهو عطف النسق أو بغير (وساطة) فإنه على نية تكرار العامل وهو البدل، أو (لا) على نيته وهو بألفاظ محصورة فالتوكيد أو بغير تلك الألفاظ وهو مشتق فالنعت، أو جامد فعطف البيان. ثم أن المصنف لم يقيد التابع بكونه اسما كما فعل بعض المصنفين لأن الفعل يشارك الاسم في تبعية دون تبعية فيبدل الفعل من الفعل ويعطف الفعل بالحرف على الفعل أيضا ولا تبعية له في التوكيد ولا النعت ولا عطف البيان. قال ابن أبي الربيع: إلا التوكيد اللفظي فإنه يوجد في الحروف والأفعال (٦) وفي ما قاله نظر. أما الحروف فإنها مبنية لا إعراب لها لفظا ولا محلّا. والمراد بالتبعية في الإعراب، وأما الأفعال فلا يتحقق ذلك فيها كما لا يتحقق في الأسماء؛ إذ لا تبعية -

стр. 3232

[فصل التابع من المتبوع وتقدم معموله عليه] قال ابن مالك: (ويجوز فصله من المتبوع بما لم تتمحّض مباينته إن لم يكن توكيد توكيد، أو نعت مبهم أو شبهه، ولا يتقدّم معمول تابع على متبوع خلافا للكوفيين). ــ في التوكيد اللفظي؛ لأن التوكيد اللفظي إنما هو إعادة اللفظ الأول، ومن ثمّ قال المصنف: إن التوكيد المعنوي هو المعتد به في التوابع (١). قال ناظر الجيش: لا شك أن التابع شديد الالتزام لمتبوعه فحقه أن لا يفصل منه بما يعد أجنبيّا منهما أو من الكلام المتضمنهما؛ ولهذا امتنع: مررت برجل على فرس عاقل أبلق لأن عاقل مباين لفرس وصفته التي هي أبلق، وامتنع أيضا: زيد طعامك وعمرو آكلان؛ لأنك فصلت بمعمول الخبر عنهما وهو أجنبي، وكل ما كان معمولا لما بعد التابع ولما قبله من غير علقة أو كان جملة لا ارتباط لها بالكلام الذي للتابع؛ فهو مباين. أما ما لا يعد أجنبيّا فقد يفصل بينهما فمنه المبتدأ الذي الموصوف جزء من خبره نحو أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٢)، والخبر الذي الموصوف [مبتدؤه] نحو: زيد قائم العاقل، والفعل وأحد [٤/ ١٠٣] مفعوليه إذا كان المفعول الآخر مضافا إلى الموصوف نحو أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٣) وجواب القسم إذا كان المقسم به موصوفا نحو قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ (٤) ومعمول الموصوف نحو: هذا ضارب زيدا عاقل، ومعمول المضاف إلى الموصوف نحو سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عالِمِ الْغَيْبِ (٥) ومعمول الوصف نحو ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٦) أي يسير علينا، وقال الشاعر: ٣٠٩٢ - [بكيت أخا اللأواء يحمد يومه] ... كريم رؤوس الدّارعين ضروب (٧) أي ضروب رؤوس الدارعين، والفعل العامل في الموصوف نحو: أزيدا ضربت -

стр. 3233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القائم والمفسر (نحو) إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (١) ففصل بين امرئ وبين صفته وهي «ليس له ولد» بـ «هلك» المفسر وجملة الاعتراض نحو وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٢) ويقال: جاء زيد وأنا أعرفه العالم والاستثناء نحو ما جاءني أحد إلّا [زيدا] يرا منك والمعطوف إذا لم (يكن) شريكه في الصفة حكى سيبويه: هذان رجلان وزيد منطلقان (٣) وأنشد المصنف قول الشاعر: ٣٠٩٣ - ألم تر أننّي لاقيت يوما ... معاشر فيهم رجل جمارا فقير اللّيل يلقاه غنيّا ... إذا ما آنس الليل النّهارا (٤) قال: وفيه فصلان فصل (بين) معاشر وصفته أعني خيارا وبين رجل وصفته وهو فقير الليل قال الشيخ: ولا يتعين ما قال لأن قوله فيهم رجل في موضع الصفة لمعاشر فلا فصل إذ كل منهما صفة وأما فقير الليل فيحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف (٥) - انتهى - والأول ظاهر وأما الثاني ففيه بعد والظاهر أن فقير الليل صفة لرجل إذ المعنى عليه ومن الفصل بين التوكيد ومتبوعه قوله تعالى: وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ (٦) فأكد النون من يرضين وفصل بِما آتَيْتَهُنَّ. ومن الفصل بين المتعاطفين الفصل ب وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (٧) بين الأيدي والأرجل. قال المصنف: لأن المجموع عمل واحد قصد الإعلام بترتيبه فحسن (٨)، وكان ذلك أسهل من الجملة المعترض بها بين شيئين امتزاجهما أشد من امتزاج المعطوف والمعطوف عليه كالموصول والصلة والموصوف والصفة وإلى مثل هذا جمعيه أشار المصنف بقوله: (ويجوز فصله من المتبوع بما لم تتمحض مباينته)، وإنما عدل عن قوله بما لم يباين لأن الفاصل في الأمثلة المذكورة يصدق عليه أنه مباين لكن العلقة الحاصلة بينه وبين التابع أو المتبوع أو بينه وبين الكلام المشتمل عليهما أزالت أجنبيته فلم تتمحض المباينة فجاز الفصل وإنما يمتنع الفصل بما هو -

стр. 3234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجنبي من جميع الوجوه. ثم لما كان من التوابع ما هو أشد التزاما لمتبوعه من غيره إما لأمر لفظي أو معنوي امتنع الفصل بينهما مطلقا وإياه عنى المصنف بقوله: إن لم يكن توكيد توكيد إلى آخره (١). وجملة التوابع التي لا يفصل بينها وبين متبوعها بشيء ستة. ذكر المصنف منها في متن الكتاب ثلاثة (٢)، وزاد في الكافية اثنين (٣)، وفي شرحه لهذا الكتاب واحدا (٤). الأول: توكيد التوكيد نحو فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٥) وكذلك أكتعون وأبصعون. وأجمعون ليس في الحقيقة توكيدا لكلهم بل هو توكيد للملائكة وإنما تجوز المصنف في تسميته بذلك، ولو قال: إن لم يكن توكيدا ثانيا كان أولى. الثاني: وهو الذي ذكره في الشرح: الصفة المشبهة توكيد التوكيد نحو «اثنين» من لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (٦). «وواحدة» من فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (٧) وأراد المصنف بذلك كل صفة تفيد التأكيد. الثالث: نعت الاسم المبهم نحو الرجل من ضرب هذا الرجل زيدا فلو قيل: ضرب هذا زيدا الرجل لم يجز، الرابع: نعت ما أشبه الاسم المبهم في عدم الاستغناء عن الصفة نحو العبور من قولهم: طلعت الشعرى العبور، فلو قلت: الشعرى طلعت العبور لم يجز، وكذا الأحمر من قولهم خلف الأحمر - قال الشيخ: وقد استغنت الشعرى عن الصفة في قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٨) فاستدرك على المصنف. الخامس: المعطوف المتم ما لا يستغنى عنه من الصفات كقولك: إن امرأ ينصح ولا يقبل خاسر فلو جعل خاسر بين ينصح ولا يقبل لم يجز -

стр. 3235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنهما جزء صفة لا يستغنى عنهما ولا يغني أولهما عن ثانيهما فلو جاز الاكتفاء بأولهما لم يمتنع الفصل كقول الشاعر: ٣٠٩٤ - إنّ امرأ أمن الحوادث جاهل ... ورجا الخلود كضارب بقداح (١) أصل الكلام أن امرأ أمن الحوادث ورجا الخلود ففصل لأن أمن الحوادث صالح للاكتفاء بخلاف ينصح من المثال المتقدم. السادس: أبيض يقق وأحمر قان وأسود حالك. قال المصنف: فهو في النعت (كأكتعين) في التوكيد وهذان الخامس والسّادس هما اللذان ذكرهما في الكافية. ثم نبه المصنف على أن التابع لا يتقدم معموله على المتبوع فلا يقال في هذا الرجل يأكل طعامك: هذا طعامك يأكل رجل ولا في نحو قمت فضربت زيدا: زيدا قمت فضربت، هذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون ذلك ووافقهم الزمخشري في تقديم معمول الصفة على الموصوف فعلق «في أنفسهم» من قوله تعالى وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً (٢) بصفة القول. قال المصنف: ولا يصح ذلك على طريق البصريين؛ لأن حق المعمول أن لا يحل إلا في موضع يحل فيه العامل ومعلوم أن التابع لا يتقدم على المتبوع فلا يتقدم عليه معموله. قال: وأما «في أنفسهم» فمتعلق بـ «قل». انتهى، ويمكن أن يكون «في أنفسهم» حالا من «قولا» وإنما يكون حالا منه مع قيد وصفه [ببليغا] التقدير: وقل لهم قولا بليغا كائنا في أنفسهم، ويمكن تخريج كلام الزمخشري على هذا فإنه إنما جعل تعلق «في أنفسهم» [٤/ ١٠٤] بصفة (القول) على أنه تعلق معنوي لا تعلق صناعي. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3236

الباب الثالث والأربعون باب التّوكيد (١) [أقسامه، وذكر أحكام التوكيد بالنفس والعين] قال ابن مالك: (وهو معنويّ ولفظيّ. فالمعنويّ التّابع الرّافع توهّم إضافة إلى المتبوع، أو أن يراد به الخصوص ومجيئه في الغرض الأوّل بلفظ النّفس والعين مفردين مع المفرد، مجموعين مع غيره جمع قلّة، مضافين إلى ضمير المؤكّد مطابقا له في إفراده وغيره. ولا يؤكّد بهما غالبا ضمير رفع متّصل إلّا بعد توكيده بمنفصل، وينفردان بجواز جرّهما بباء زائدة، ولا يؤكد مثنّى بغيرهما إلّا بكلا وكلتا وقد يؤكّدان ما لا يصحّ في موضعه واحد، خلافا للأخفش) (٢). قال ناظر الجيش: يقال أكد تأكيدا، ووكد توكيدا لغتان، والتابع مؤكد وإطلاق التوكيد عليه من باب إطلاق المصدر مرادا به الفاعل ولا أعلم السبب (٣) في تقديم المصنف له في الذكر على النعت وكأنه اقتدى بصاحب الإيضاح فإنه قدم ذكر التوكيد على بقية التوابع (٤). واعتل ابن أبي الربيع لذلك بأن قال: التوكيد أولى (بالتبعية) من الصفة لأن مدلول المؤكد والمؤكد واحد. وأما الصفة فيستفاد منها زائد على ما يستفاد من الأول فلذلك قدم أبو علي التوكيد ثم أتى بالنعت بعده لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد؛ لأنه المنعوت في المعنى ثم أتى بعطف البيان لأن الأصل فيه أن يكون بدلا وإنما أجري مجرى النعت وليس به - وأما البدل فهو على تقدير تكرير العامل فالتبعية فيه ليست ببينة فوجب أن يذكر بعد النعت (وما -

стр. 3237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جرى) (١) مجراه وهو عطف البيان، وأما العطف بحرف فالثاني فيه غير الأول وإن كان مثله في الإعراب والبدل ليس كذلك بل هو الأول في المعنى أو منزل منزلته فلذلك كان العطف بالحرف مؤخرا عنه (٢) انتهى. وهكذا فعل المصنف في هذا الكتاب فأتى بالتوابع الخمسة على هذا الترتيب بخلاف ما فعل في الألفية (٣) وغيرها من كتبه (٤). ثم التوكيد قسمان معنوي ولفظي وأخر المصنف الكلام عليه وأما المعنوي فقال المصنف: هو المعتد به في التوابع وهو على ضربين: أحدهما: الذي يقصد به رفع توهم السامع أن المتكلم قصد إسناد الحكم إلى مضاف إلى المذكور ثم حدقه وأقام الثاني مقامه نحو قتل العدو زيد نفسه فبذكر النفس يعلم أن زيدا باشر القتل وحده ولولا ذلك لأمكن اعتقاد كونه أمرا لا مباشرا. الثاني: أن يقصد به رفع توهم السامع أن المتكلم وضع العام موضع الخاص نحو قولك: جاء بنو فلان كلهم فبذكر كل علم السامع أن المتكلم لما قال: بنو فلان لم يرد أن يخص بالمجيء بعضا دون بعض ولولا التوكيد لأمكن اعتقاد ذلك فإن العرب قد تضع العام موضع الخاص مجازا. وقد شمل الحد المذكور الضربين. وجعل ابن عصفور التوكيد المعنوي قسمين: قسما يراد به إزالة الشك عن المحدث عنه وعنى به هذين الضربين. وقسما يراد به إزالة الشك عن الحديث وعنى به التأكيد بالمصدر نحو مات زيد موتا وقتل عمرو قتلا فالتأكيد فيهما أفاد وقوع الفعل حقيقة ونفي قصد التجوز (٥). وهو كلام صحيح غير أن المصنف لا يلزمه بل لا يجوز له أن يذكر ذلك هنا كما فعل ابن عصفور، لأن الكلام في هذا الباب إنما -

стр. 3238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو في المؤكد الذي يكون تابعا لا في المؤكد على الإطلاق. ولا شك أن ابن عصفور لم يقصد إلا الإشارة إلى المؤكد من حيث هو مؤكد من حيث هو تابع. فإن قيل: جعله إياه من قبيل التوكيد المعنوي يقتضي إدخاله في هذا الباب لأن المعنوي قسيم اللفظي ولا شك أن الباب مشتمل عليهما فالجواب: أنه لا يلزم من إطلاق المعنوي عليه ما ذكره لأنه إنما سمي توكيدا لتقوية مدلول ما أكده وبيان إرادة الحقيقة منه فهو توكيد من حيث المعنى لا من حيث الصناعة. فإن قيل: هل يجوز في المصدر المؤكد أن يكون من قبيل التوكيد اللفظي. فالجواب: أنه يجوز أن يقال فيه إنه من قبيل اللفظي لأن الإتيان بالمصدر بعد الفعل كتكرير الفعل فهو مرادف. وهم قد جعلوا التوكيد بالمرادف من اللفظي نحو أنت بالخير حقيق قمن، لكن قد يفرق بينهما بأن مثل التابع المرادف لحقيق وهو قمن اسم فهو والمتبوع نوع واحد بخلاف المصدر مع الفعل. ومما يعكر على جعل المصدر من باب التوكيد اللفظي أنه غير تابع وما قبله غير صالح لأن يكون متبوعا له والتوكيد المعنوي واللفظي داخلان في مسمى التابع فكيف يجعل توكيدا مع عدم التبعية، وقد يجاب عنه بأن الحرف يؤكد بالحرف والجملة بالجملة ولا تبعية فيها. والحق: أن لا تبعية في جميع أنواع التوكيد اللفظي، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك والاعتضاد فيه بقول المصنف: إن التوكيد المعنوي هو المعتد به في التوابع. إذا تقرر هذا فليعلم أن مجيء التوكيد في الغرض الأول وهو رفع توهم الإضافة إلى المتبوع بلفظ النفس والعين خاصة، أما بكل منهما على الانفراد أو بهما معا مفردين مع المفرد مجموعين جمع قلة لا جمع كثرة مع المثنى، والمجموع مضافين مطلقا لفظا إلى ضمير مطابق للمؤكد في إفراد وتذكير وغير ذلك نحو: نفسه عينه، نفسها عينها، أنفسهما أعينهما، أنفسهم أعينهم، أنفسهن أعينهن، ولا يجوز نفوسهم وعيونهم بجمع الكثرة. وقد استظهر الشيخ على المصنف، فقال: ينبغي أن يقيد جمع القلة بكونه على «أفعل» فإن عينا جمعت على أعيان أيضا، ولا يجوز أن يقال قام الزيدان أعيانهما ولا قام الزيدون أعيانهم (١). والجواب: أن المصنف قد قال [٤/ ١٠٥] في ألفيته: -

стр. 3239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأجمعهما بأفعل (١) ... وكلام الرجل الواحد إذا كان مطلقا في موضع ومقيدا في آخر حمل المطلق على المقيد، ثم إن جمع عين على أعيان في غاية من الندور فلم يحتج إلى الاحتراز عنه. وذكر الإمام بدر الدين في شرح الألفية: أنه يجوز أن يقال في تأكيد المثنى: قام الزيدان نفساهما عيناهما وأجرى ذلك على القاعدة المعروفة في إضافة الجزئين إلى ما يتضمنهما (٢). وعلى ما قاله يجوز: الزيدان نفسهما بالإفراد أيضا فتجيء ثلاثة الأوجه هنا وهي الجمع والتثنية والإفراد ثم أن الشيخ ذكر ذلك عنه ونسبه فيه إلى الوهم، وقال: لم يذهب إلى ذلك أحد من النحويين (٣). ولم يذكر الشيخ لذلك علة. وقد يقال: إن العلة في منع التثنية والإفراد أن المراد بلفظ النفس والعين في باب التوكيد الشخص نفسه لا جزء منه. فإذا قيل: جاء الزيدان وأريد التوكيد بالنفس والعين قيل أنفسهما أعينهما بالجمع لأن الإفراد غير جائز؛ إذ الاثنان لا يكونان واحدا وامتنعت التثنية لاتحاد المضاف والمضاف إليه. وإنما جازت الإضافة بتأويل، وهم قد كرهوا الإتيان بالتثنية في مثل: قلبا كما مع أن المتضايفين غير متحدين في المعنى فلم يبق بعد الكراهية في المتحدين إلا الامتناع في المتحدين. واعلم أن النفس والعين أختصا في التوكيد عن بقية الألفاظ بحكمين أحدهما: أنه لا يؤكد بهما ضمير رفع متصل إلا بعد توكيده بمنفصل نحو: قمتم أنتم أنفسكم، وقمنا نحن أنفسنا، وقاموا هم أنفسهم، وزيد قام هو نفسه. وقد علل (ذلك) بأن النفس والعين إذا لم يرد بهما التأكيد يليان العوامل فلو لم يؤكد قبلهما بضمير الرفع المنفصل لأدى ذلك إلى اللبس في بعض المواضع كما إذا قيل: هذه ذهبت نفسها فإنه يحتمل التأكيد والفاعلية فإذا أكد بالضمير قبل ذكر النفس والعين ارتفع اللبس المذكور ثم حمل ما لا لبس فيه على غيره. قال المصنف: وقاموا أنفسهم جائز على -

стр. 3240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضعف. ذكر ذلك الأخفش في «المسائل» (١) وعنه احترز بقوله: غالبا. الحكم الثاني: جواز جرهما بباء زائدة نحو جاء زيد بنفسه ورأيت عمرا بعينه، ولا يجوز ذلك في غيرها من ألفاظ التوكيد؛ فأما قول العرب: جاءوا بأجمعهم بضم الميم وفتحها ففيه معنى التوكيد وليس من ألفاظه إذ لو كان منها لجاز استعماله بلا باء بل كان ترك الباء أكثر كما كان في النفس والعين. وأجمعهم هذا كذا مضافا غير مستعمل توكيدا. وأما قول المصنف: ولا يؤكد مثنى بغيرهما إلا بكلا وكلتا إلى آخره ..... فاعلم أن كلا وكلتا إنما يؤكد بهما في الغرض الثاني فكان الواجب أن يؤخر الكلام عليهما إلى أن يذكر الألفاظ التي يؤكد بها في ذلك [الغرض]، لكنه لما ذكر أن النفس والعين يؤكدان المثنى في الغرض الأول ولم يكن المثنى في الغرض الثاني يؤكد بغير كلا وكلتا ذكرهما ليكون مستوفيا الألفاظ المستعملة توكيدا له ولما ذكرهما لهذا القصد استطرد فذكر حكما متعلقا بهما وهو أنهما قد يؤكدان ما لا يصح في موضعه واحد. أما كون المثنى لا يؤكد في الغرض الثاني إلا بكلا في التذكير وكلتا في التأنيث فهو مذهب البصريين، والعمدة فيه استعمال العرب. وحاصل الأمر الاستغناء بهما في ذلك عن غيرهما كما حصل الاستغناء في غير هذا الباب بلفظ عن آخر يؤدي معناه. وأما كونهما يجوز أن يؤكد بهما ما لا يصح في موضعه واحد فقد رآه المصنف وذكر أن الأخفش لا يجيزه. وذكر ابن عصفور أن ذلك ممتنع وأن الأخفش يجيزه (٢) فاختلف النقل عنه. وذكر الشيخ أن الفراء وهشاما وأبا علي ذهبوا إلى المنع (٣) وأن الجمهور ذهبوا إلى الجواز وذلك نحو قولك: اختصم الرجلان كلاهما، احتج المانع بعدم الفائدة إذ لا يجوز أن يراد بالرجلين أحدهما فيدفع هذا الاحتمال بتوكيد. قال ابن عصفور: وحجة الأخفش في إجازة ذلك أنه يجعله بمنزلة التأكيد بعد التأكيد وذلك فاسد، -

стр. 3241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنك إذا قلت: قام الزيدون كلهم، جاز أيضا أن تعني بذلك البعض وأكدت بكل مبالغة فإذا قلت: أجمعون زال ذلك الاحتمال وكذا ما بقي من ألفاظ التوكيد يتطرق إليه الاحتمال تطرقا ضعيفا، فإذا استوفيت ألفاظ التوكيد حينئذ زال ذلك الاحتمال وعلم أن المقصود العموم، وإذا قلت: اختصم الزيدان لم يتصور احتمال أصلا أن المراد أحدهما (١). ومثل المصنف هذه المسألة بجلست بين الرجلين كليهما وضربت أحد الرجلين كليهما، حيث قال: ولا يمتنع عندي ضربت أحد الرجلين كليهما لأن فيه فائدة وذلك أن موضع الرجلين صالح للعموم فيمكن توهم السامع أن المتكلم قصد الجمع فغلط فوضع المثنى موضعه فبذكر كليهما يزول ذلك التوهم فلم يخل من فائدة، وأيضا فإن موضع الرجلين صالح للفرسين والبعيرين وغير ذلك فلا يمتنع توهم السامع قصد المتكلم شيئا من ذلك ما لم يأت بكليهما أو نعت يقوم مقامه، فإذا جاء بكليهما علم اعتناؤه بما ذكر قبله وأنه قاصد اعلام السامع بصحة العبارة ونفي الغلط. انتهى. وفي ما قاله أمران: الأول: أن الاحتجاج الذي ذكره لا يتجه، فإن التأكيد بكلا وكلتا وأخواتهما إنما يؤتي به لرفع توهم إرادة بعض ما وضع له اللفظ كما عرف لا لرفع توهم إرادة العموم، وأما إذا قصد رفع توهم الغلط فإنما يؤتى بالتأكيد اللفظي أو بشيء آخر يفيد ذلك إذ التأكيد المعنوي لا يرفع [٤/ ١٠٦] به التوهم الذي أشار إليه. الأمر الثاني: أن ابن عصفور ذكر أنه لا يجوز توكيد ما ليس بمقصود للمخبر من الكلام، نحو: ضربت عبد الزيدين كليهما لأنك لم تقصد الإخبار عن الزيدين، قال: فلو أكدتهما لكنت كالمناقض لأنك من حيث أكدتهما ينبغي أن تكون قاصدا نحوهما ومن حيث لم تنو الإخبار عنهما لم يكونا مقصودين (٢) انتهى. والمسألة محل نظر. وفي شرح الشيخ: أن مثل ذلك لم يسمع ولا يحفظ عن عربي قط شيء منه (٣).

стр. 3242

[من أغراض التوكيد المعنوي] قال ابن مالك: (ومجيئه في الغرض الثّاني تابعا لذي أجزاء يصحّ وقوع بعضها موقعه مضافا إلى ضميره بلفظ «كلّ» أو «جميع» أو «عامّة» وقد يستغنى بـ «كليهما» عن «كلتيهما» وب «كلهما» عنهما وبالإضافة إلى مثل الظّاهر المؤكّد بـ «كل» عن الإضافة إلى ضمير، ولا يستغنى بنيّة إضافته، خلافا للفرّاء (١) والزّمخشري (٢) ولا يثنّى «أجمع» ولا «جمعاء» خلافا للكوفيين ومن وافقهم). قال ناظر الجيش: تقدم أن التوكيد المعنوي يجاء به لغرضين: أحدهما: رفع توهم إضافة إلى المتبوع، والثاني: رفع توهم إرادة الخاص باللفظ العام. فلما أشار إلى ما يفيد الغرض الأول شرع في الإشارة إلى ما يفيد الغرض الثاني، ولا شك أن الذي يفيد هذا الغرض خمسة ألفاظ تقدم له منها ذكر لفظين وهما: كلا وكلتا، وها هو قد ذكر الثلاثة الأخر وهي كل وجميع وعامة، وألفاظ التوكيد الباقية يؤتى بها تابعة لكل كما سيأتي إلا أن منها ما يجوز استعماله غير تابع وهو التكثير ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها (٣) ومعلوم أنه تعالى لم يره جميع آياته. واعلم أنه لا يؤكد بهذه الألفاظ إلا معرفة مبعضة بالنسبة إلى عمل العامل ويعتبر ذلك بجعل بعضها في موضعها فإن صح صح التوكيد وإن امتنع امتنع، فقولك: جاء القوم كلهم صحيح لصحة قولك: جاء بعض القوم، وقولك جاء زيد كله ممتنع لامتناع قولك: جاء بعض زيد بخلاف رأيت زيدا كله ونحوه؛ لأن العامل صالح للإسناد إلى بعض زيد فالمعرفة متبعضة بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى ذاتها، وحاصله أن المعرفة إما مبعضة بذاتها وإما بالنسبة إلى عاملها ولا بد من إضافة كل من الألفاظ الخمسة المذكورة إلى ضمير المؤكد بكلا إلى ضمير المثنى لمذكر وكلتا إلى ضمير المثنى المؤنث وكله لمفرد وكلها لمؤنث ولجمع مذكر غير عاقل نحو: قبضت الدراهم كلها، ولجمع مذكر عاقل إذا كان مكسرا أو مجموعا بالألف والتاء وكلهم لجمع مذكر عاقل مسلم وكلهن لجمع المؤنث، العاقل، ويجوز فيه كلها كما يجوز في -

стр. 3243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجمع المقول فيه كلها كلهن إلا أن كلهن في العاقلات أولى من كلها وكلها في غير العاقلات أولى من كلهن إلا أن كان مرادا به أدنى العدد فكلهن أولى به من كلها. هذا كلام المصنف هنا وتمثيله ولا حاجة إليه لأنه قد عرف في باب المضمر من هذا الكتاب (١). قال المصنف: وذكرت مع كل جميعا وعامة كما فعل سيبويه (٢) وأغفل ذلك أكثر المصنفين سهوا أو جهلا فيقال: جاء القوم جميعهم وعامتهم كما يقال: جاءوا كلهم والمعنى واحد (٣). وقال في شرح الكافية: نبه سيبويه على أن جميعا بمنزلة كل معنى واستعمالا ولم يذكر له شاهدا (٤) وقد ظفرت بشاهد (له) (٥) وهو قول امرأة من العرب ترقص ابنها: ٣٠٩٥ - فداك حيّ خولان ... جميعهم وهمدان وكلّ آل قحطان ... والأكرمون عدنان (٦) ونقل الشيخ عن صاحب الإيضاح أن المبرد خالف في عامتهم فقال: إنما هو بمعنى أكثرهم (٧). ومن شواهد الاستغناء بكليهما عن كلتيهما قول الشاعر: ٣٠٩٦ - يمتّ بقربي الزّينبين كليهما ... إليك وقربى خالد وحبيب (٨) وخرج ابن عصفور ذلك على أن الشاعر حمل على المعنى للضرورة كأنه قال: بقربي الشخصين (٩)، وأما شاهد الاستغناء بكلهما عن كليهما وكلتيهما فلم أره في -

стр. 3244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شرح المصنف. قال الشيخ: وهو يحتاج إلى سماع من العرب (١). ومثال الاستغناء بإضافة كل إلى مثل الظاهر عن إضافته إلى المضمر قول ابن أبي ربيعة (٢): ٣٠٩٧ - كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر (٣) وقول الفرزدق: ٣٠٩٨ - أنت الجواد الّذي ترجى نوافله ... وأبعد النّاس كلّ الناس من عار وأقرب النّاس كلّ النّاس من كرم ... يعطي الرّغائب لم يهمم بإقتار (٤) هذا ما ذكره المصنف. قال الشيخ: ولا حجة فيه لأن كل الناس فيه نعت لا توكيد وهو نعت بين كمال المنعوت (٥)، وسيأتي ذلك في باب النعت. قال: وقد مثل المصنف حين ذكر المسألة بقوله: زيد الرجل كل الرجل والمراد به الكامل (٦). قال: وحمله على النعت بمعنى الكاملين أمدح وأحسن إذ العموم مفهوم مما قبله وأفاد النعت معنى غير العموم فكأنه قال: يا أشبه الناس الكاملين (٧). انتهى. وما ذكره الشيخ غير ظاهر فإن ما قرره يخالف مراد الشاعر وذلك أن المراد يا أشبه الناس كل الناس بالقمر أنه لا يشبه القمر أحد من الناس إلا أنت، ولا يتم للقائل هذا المراد: إلا بأن يريد العموم إذ لو لم يرده لجاز أن يقال أن غيرها من الناس يشاركها في ذلك فيخرج الكلام عن المدح بالحسن، ومراد الشاعر انحصار الشبه بالقمر فيها فلا يشبه القمر من الناس [٤/ ١٠٧] إلا هي، وهكذا المعنى في قول الفرزدق: (وأبعد الناس كل الناس) (وأقرب الناس كل الناس) لأن مراده أنه أبعد الناس كلهم من العار فلا أحد يشاركه في هذا البعد وأقرب الناس كلهم من الكرم فلا أحد -

стр. 3245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يشاركه في هذا القرب فلما كان العموم مرادا تعين التوكيد ليفيد أن الخصوص غير مراد وليس النعت بمقصود في هذه الأبيات إذ لا معنى لقولنا: يا أشبه الناس الكاملين ثم إن القائلين هذه الأبيات لم يقصدا مدح الناس فيجعل ما بعد نعتا كما قصد المدح في قولنا: أنت الرجل كل الرجل، لأن الرجل هو المقصود بالمدح، والناس من أشبه الناس وأبعد الناس وأقرب الناس ليس المقصود بذلك إنما المقصود به أشبه وأبعد وأقرب. وأجاز الفراء (١) والزمخشري (٢) أن يكون «كلّا» في قراءة من قرأ «إنّا كلّا فيها» (٣) بالنصب توكيدا لاسم إن. قال المصنف (٤): وذلك عندي غير جائز لأن ألفاظ التوكيد ضربان ضرب مصرح بإضافته، إلى ضمير المؤكد وهو النفس والعين وكل وجميع وعامة، وضرب منوي الإضافة إلى ضمير المؤكد وهو أجمع وأخوته. وقد أجمعنا على أن المنوي الإضافة لا يصرح بإضافته وأجمعنا على أن غير كل من الصريح الإضافة لا يستعمل منوي الإضافة فتجويز ذلك في كل يستلزم عدم النظير في الضربين لأن غير كل إما ملازم لصريح الإضافة وإما ملازم لمنويها فإفراد كل بجواز الاستعمالين مستلزم لعدم النظير والمفضي إلى ذلك هو ما ذهب إليه الفراء والزمخشري فوجب اجتنابه. قال: والقول المرضي عندي أن «كلّا» في القراءة المذكورة منصوب على الحال (من الضمير المرفوع المنوي في فيها وفيها هو العامل وقدمت الحال عليه) مع عدم تصرفه، ثم إنه أعني المصنف استشهد على تقديم الحال على العامل المنوي ببعض الشواهد الذي تقدم له ذكرها في باب الحال (٥) فتركت إيرادها هنا لذلك. ثم لما تقدم أن المثنى في هذا الغرض لا يؤكد بغير كلا وكلتا نبه المصنف الآن على أن الكوفيين ومن وافقهم يعني من البصريين فألفوا في ذلك فأجازوا (تثنية) أجمع وجمعاء. -

стр. 3246

[من أحكام بعض ألفاظ التوكيد المعنوي] قال ابن مالك: (ويتبع «كلّه» «أجمع» و «كلّها» «جمعاء» و «كلهّم» «أجمعون» و «كلّهن» «جمع»، وقد يغنين عن «كلّ» وقد يتبعن بما يوازنهنّ من «كتع» و «بصع» و «بتع» بذا التّرتيب أو دونه. وقد يغني ما صيغ من «كتع» عن ما صيغ من «جمع»، وربّما نصب «أجمع» و «جمعاء» حالين، وجمعاهما كهما على الأصحّ، وقد يرادف جمعاء مجتمعة فلا تفيد توكيدا). ــ قال ابن خروف: قياس تثنية أفعل وفعلاء في هذا الباب يعني باب التوكيد قياس أحمر وحمراء ومن [منع] (١) تثنيتهما فقد تكلف وادعى ما لا دليل عليه (٢). وقد يجاب ابن خروف بأن الدليل على ذلك عدم استعمال العرب وأنهم استغنوا عن تثنيتهما بتثنية غيرهما كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. ويعلم من كلام المصنف أن أكتع وكتعاء وأبصع وبصعاء وأبتع وبتعاء لا يثنى على رأي من لا يثنى أجمع وجمعاء وهم أكثر البصريين لأن الثلاثة تابعة لأجمع وجمعاء فحكمها حكمهما في الخلاق، ويعلم منه أيضا أن الممتنع فيها إنما هو التثنية، لا الجمع فإنه جائز كما سيأتي. قال ناظر الجيش: يقال جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والرجال كلهم أجمعون، والنساء كلهن جمع، قال الله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * (٣) ومثال الاستغناء عن كل قوله تعالى: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٤) ووَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٥)، ولَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * (٦) قال الشيخ: جعل المصنف مجيء باب أجمع دون كل على سبيل الاستغناء عن كل وليس كذلك بل كلاهما لفظا توكيد يجوز أن ينفردا وأن يجتمعا لكن إذا اجتمعا بدئ بكل كما أن النفس والعين كلاهما من ألفاظ التوكيد ويجوز -

стр. 3247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انفرادهما واجتماعهما لكنهما إذا اجتمعا بدئ بالنفس ولا يقال إذا أكد بالعين إن ذلك من باب الاستغناء (١). انتهى. وأقول: أن المصنف إنما احتاج إلى أن يقول: وقد يغنين عن كل لقوله أولا: ويتبع كله أجمع إلى آخره فلما كان قوله: ويتبع يوهم أن أجمع وأخواته لا تذكر إلا تابعة أزال ذلك الوهم بالتعرض إلى ذكر الغناء على أن الأمر في ما ذكره الشيخ قريب. ويصاغ من الكتع والبصع والبتع ما يوازن الألفاظ المتقدمة ويؤتى بالألفاظ المصوغة تابعة فيقال كله أجمع أكتع أبصع أبتع، كلها جمعاء كتعاء بصعاء بتعاء، كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون، كلهن جمع كتع بصع بتع، وأبصع بالصاد المهملة وسمع أيضا بالضاد المعجمة ونسب المصنف زيادة أبتع وفروعه إلى الكوفيين ذكر ذلك في شرح الكافية (٢). وأشار بقوله: (بذا الترتيب أو دونه) إلى أنك إذا أتيت بأجمع كان لك أن تأتي بالألفاظ المذكورة مرتبة بالترتيب المذكور وهو أجود ولك أن لا ترتب فتقول: أجمع أبتع أبصع أكتع وأجمع أبصع أبتع أكتع. قال في شرح الكافية: وأجاز ابن كيسان للمؤكد بأجمع وجمعاء وأجمعين وأجمع أن يقدم ما شاء من البواقي (٣). وقال في شرح هذا الكتاب: وإنما اللازم لمن ذكر الجميع أن يقدم «كلّا» ويوليه المصوغ من جمع، ثم يأتي بالبواقي كيف شاء إلا أن الإتيان بها على الترتيب المتقدم هو المختار (٤). وقال ابن عصفور: وإذا اجتمعت ألفاظ التوكيد بدأت بالنفس ثم بالعين ثم -

стр. 3248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بكل ثم بأجمع ثم بأكتع [٤/ ١٠٨] وأما أبصع وأبتع عند من يزيدهما فلا تبالي أيهما قدمت على الآخر، فإن لم تأت بالنفس ولا بالعين، أتيت بما بقي على الترتيب المتقدم، فإن لم تأت بكل أتيت بأجمع وبما بقي على الترتيب، فإن لم تأت بأجمع (لم تأت) بما بعده، لأن أكتع تابع لأجمع فلا يؤتى به إلا بعده ولا يجوز أن يؤتى بالتابع الموضوع على التبعية دون المتبوع فأكتع بمنزلة بسن من قولك: حسن بسن (١)، انتهى. ولا يجوز تقديم أكتع على أجمع على مذهب الجمهور وأجاز ذلك ابن كيسان والكوفيون (٢). ومثال الاستغناء بما صيغ من كتع عما صيغ من جمع ما أنشده الأصمعي من قول الراجز: ٣٠٩٩ - يا ليتني كنت صبيّا مرضعا ... تحملني الذّلفاء حولا أكتعا إذا بكيت قبّلتني أربعا ... إذا ظللت الدّهر أبكي أجمعا (٣) وهذا مذهب ابن كيسان والكوفيين، والجمهور على المنع. وقال ابن عصفور: وأما قوله: ٣١٠٠ - ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أكتع (٤) فأتى بأكتع غير تابع لأجمع فوجهه محمول على البدل، لا على التأكيد (٥) انتهى. فإن سلم أن هذه الألفاظ يجوز فيها أن تخرج عن التوكيد وتلي العوامل فتحمل على البدل أيضا ما أنشده المصنف وسيأتي بقية الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. وحكى الفراء: أعجبني القصر أجمع والدار جمعاء بالنصب على الحال (٦). -

стр. 3249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذكر الشلوبين (١). أن الفراء أجاز ذلك في التثنية أيضا، وأما الجمع كأجمعين وجمع فلم يجز فيه إلا التوكيد وأجاز ابن كيسان فيه الحالية (٢)، واختار ذلك المصنف ولذا قال: وجمعاهما كهما على الأصح، وقال في الشرح (٣): وما ذهب إليه - يعني ابن كيسان - هو الصحيح، لأنه قد صح بضبط الثقات قول النبي ﷺ في آخر حديث الائتمام «...... فصلّوا جلوسا أجمعون» (٤) على أنه توكيد للواو في «فصلّوا»، وجعل بعضهم أجمعين توكيدا لضمير مقدر منصوب كأنه قال: أعنيكم أجمعين. قال الشيخ: وما أجازه الفراء وابن كيسان لا يجوز عند البصريين لأن أجمع وأخواته معارف لا تتنكر فلا يمكن فيهما الحال (٥) انتهى. ولقائل أن يقول: إنما يلزم هذه الكلمات التعريف ما دامت توكيدا، أما إذا لم يقصد بها التوكيد فقد تكون معرفة وقد تكون نكرة - وأشار المصنف بقوله: وقد ترادف جمعاء مجتمعة إلى أن جمعاء قد لا يقصد بها التوكيد فتستعمل بمعنى مجتمعة، ومنه قول النبي ﷺ «كما (تناتج) الإبل من بهيمة جمعاء» (٦) أي مجتمعة الخلق. وأجاز الشلوبين استعمال أجمع بهذا المعنى (٧) فتأول به قول الراجز: ٣١٠١ - أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وإصبع (٨) قال كأنه قال: وهي فرع مجتمع. قال الشيخ: وذلك هروب من الحكم عليه بالتوكيد لفرع لأنه نكرة (٩). ثم قال: «ولا يتعين التوكيد لفرع ولا تأويل الشلوبين إذ يحتمل أن يكون [أجمع] (١٠) تأكيدا لقوله، وهي وإن كان مؤنثا لأنه ذهب به مذهب التذكير» (١١) وفصل بين المؤكد والمؤكد بالخبر.

стр. 3250

[من أحكام التوكيد المعنوي] قال ابن مالك: (ولا يتّحد توكيد معطوف ومعطوف عليه إلّا اتّحد معنى عامليهما، وإن أفاد توكيد النّكرة جاز وفاقا للأخفش والكوفيّين، ولا يحذف المؤكّد ويقام المؤكّد مقامه على الأصحّ، ولا يفصل بينهما بـ «إمّا» خلافا للفرّاء، وأجرى في التّوكيد مجرى كلّ ما أفاد معناه من الضّرع والزّرع والسّهل والجبل واليد والرّجل والظّهر والبطن). قال ناظر الجيش: هذا الكلام مشتمل على خمس مسائل: الأولى: أنه لا يجوز اتحاد توكيد المتعاطفين المتعددي العامل إلا إذا كان معنى العاملين فيهما متحدا. قال المصنف: قال أبو الحسن: اعلم أن قولهم مات زيد وعاش عمرو كلاهما ليس بكلام لأنهما لم يشتركا في أمر واحد فلو قلت: انطلق زيد وذهب عمرو كلاهما جاز لأنهما قد اجتمعا في أمر واحد. لأن معنى ذهب وانطلق واحد غير أن رفع كليهما بأحد الفعلين لأنه لا يعمل شيئان في شيء واحد (١). قال الشيخ: لم نقف من كلام العرب على مجيء التوكيد لمختلف العامل وإن اتفق معناه والذي تقتضيه القواعد المنع فكما لا يجتمع عاملان على معمول واحد كذلك لا يجتمعان على تابع المعمول فإذا ارتفع زيد بانطلق وعمرو بذهب فكيف يرتفع كلاهما بالفعلين الرافعين لفاعليهما (٢)، انتهى. وعجبا من الشيخ في منعه لذلك معللا له بأنه لا يجوز اجتماع عاملين على معمول. وقد قدم في باب التابع أن العامل في التوكيد معنوي وهو التبعية لما جرى عليه وقال: إنه اختيار أكثر المحققين ثم إنه ناقض ذلك هنا فجعل العامل في التوكيد هو العامل في متبوعه. وبعد: فالظاهر الجواز كما ذكر المصنف، لأن العامل إن كان معنويّا فلا كلام. وإن كان العامل في المتبوع فالعامل أحد الفعلين لأن معناهما واحد فكان أحدهما كافيا. -

стр. 3251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثانية: اختلف في توكيد النكرة فمنع البصريون إلا الأخفش ذلك مطلقا، وأجازه بعض الكوفيين مطلقا، وأجازه الأخفش وبقية الكوفيين إذا أفاد ومنعوه إذا لم يفد (١). وهذا اختيار المصنف كما أشار إليه في متن الكتاب. قال في الشرح (٢): ومثال الجائز لكونه مفيدا قولك: صمت شهرا كله وقمت ليلة كلها وهذا أسد نفسه وعندي درهم عينه فبذكر كل علم أن الصيام كان في جميع الشهر والقيام كان في جميع الليلة ولو لم يذكر لاحتمل أن لا يراد جميع الشهر ولا جميع الليلة، وبذكر النفس أيضا علم أن المشار إليه أسد حقيقي لا شبيه أسد وأن الذي عندي درهم مصنوع لا صرفة ولا موازنته [٤/ ١٠٩] فتوكيد النكرة إن كان هكذا حقيقي بالجواز وإن لم يستعمله العرب فكيف إذا استعملت كقول رؤبة: ٣١٠٢ - أوفت به حولا وحولا أجمعا (٣) وقول الآخر: ٣١٠٣ - قد صرّت البكرة يوما أجمعا (٤) وكقول الآخر: ٣١٠٤ - .... ... تحملني الذّلفاء حولا أكتعا وأما ما لا فائدة فيه نحو اعتكفت وقتا كله ورأيت شيئا نفسه فغير جائز، فمن حكم بالجواز مطلقا أو بالمنع مطلقا فليس بمصيب وإن حاز من الشهرة أوفر نصيب. انتهى. وشرط ابن عصفور في النكرة التي يجوز توكيدها الكوفيون أن تكون مبعضة، ويكون التوكيد بكل وما في معناها. قال: فتقول أكلت رغيفا كله ولا يجوز أن تقول: أكلت رغيفا نفسه لأن التأكيد بالنفس والعين لا فائدة فيه في النكرة فالمفهوم -

стр. 3252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من رأيت رجلا نفسه، ورأيت رجلا واحدا، وهل رجل غير معين بخلاف أكلت رغيفا كله؛ فإنه يفيد بذكر «كل» ما لا يفيد مع تركها (١). قال: والصحيح أن ذلك لا يجوز لا بالنفس ولا بالعين لما ذكرناه، ولا بكل وما في معناها لأن أسماء التوكيد كلها معارف فلا تتبع إلا معارف لأن التوكيد يشبه النعت في أنه تابع من غير وساطة حرف ومن غير أن ينوى بالأول الطرح؛ فكما أن النكرة لا تنعت بالمعرفة فكذلك لا تؤكد بشيء من هذه الأسماء. والذي استدل به شاذ. وينبغي أن يحمل على البدل لا على التأكيد لأن إبدال المعرفة من النكرة سائغ ويكون الشذوذ في استعمال أجمع وأكتع في غير باب التأكيد. وعلى هذا يجعل أكتع من قوله: باد إلى الشمس أكتع بدلا من الضمير في باد لا تأكيدا (٢) كما تقدم. المسألة الثالثة: هل يجوز حذف المؤكد وإقامة التوكيد مقامه كما تقول في الذي ضربت زيد بحذف العائد: الذي ضربت نفسه زيد. ذهب جماعة منهم الأخفش والفارسي إلى أنه لا يجوز وهو رأي المصنف (٣). وذهب جماعة منهم الخليل وسيبويه إلى الجواز. قال سيبويه في باب ما ينتصب فيه الاسم لأنه لا سبيل له إلى أن يكون صفة: «وسألت الخليل رحمه الله تعالى عن مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما فقال: الرفع على هما صاحباي [أنفسهما] والنصب على أعينهما أنفسهما. قال المصنف: وهذا ضعيف بيّن الضعف، لأن المؤكد مسوق لتقوية المؤكد وتبيين كونه مرادا به الحقيقة لا المجاز والاستغناء عنه بالمؤكد بمنزلة الاستغناء بعلامة على معنى في شيء غير مذكور كالاستغناء بحرف التعريف عن المعرف وبعلامة التأنيث عن المؤنث مع ما في تقديره يعني الخليل من كثرة الحذف ومخالفة المعتاد، وذلك لأن في كلا الوجهين تقدير ثلاثة أشياء. ففي الرفع تقدير مبتدأ ومضاف ومضاف إليه وفي النصب تقدير فعل وفاعل ومفعول. وفي التقدير الأول مخالفة لقاعدة التقدير من أنه قدرهما صاحباي وما في -

стр. 3253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكلام دليل على (الصحبة) (١) والمعتاد في الحذف أن يكون الباقي دلالة على المحذوف فكان الأولى بعد تسليم التقدير أن يقدرهما: معنيّان أنفسهما كما قدر في النصب أعينهما لأن كونهما معنيين معلوم وكونهما صاحبين غير معلوم. وأيضا فإن هذا الحذف المدعى هو من حذف المتبوع وإبقاء تابعه والأصل فيه حذف المنعوت وإبقاء نعته قائما مقامه وإنما كان أصلا لكثرته وكونه مجمعا على صحة استعماله ومع كونه أصلا لا يستعمل إلا والعامل في المنعوت المحذوف موجود. وما مثل به الخليل من حذف المؤكد فالعامل فيه محذوف فتجويزه يستلزم مخالفة النظير في ما هو أصل أو كالأصل، وبالغ الأخفش في منع حذف المؤكد فقال: لو نظرت إلى قوم فقلت: أجمعون قومك تريد: هم أجمعون قومك لم يجز لأنك جئت بها بالتوكيد قبل أن يثبت عند المخاطب اسم يؤكد. قال الشيخ: والذي نختاره أنه لا يجوز ذلك وإجازة مثله تحتاج إلى سماع من العرب (٢). فوافق المصنف في ما رآه. المسألة الرابعة: أجاز الفراء (٣): مررت بقومك إما أجمعين وإما بعضهم على تقدير مررت بقومك أجمعين وإما بعضهم ومنع ذلك البصريون. قال المصنف (٤): ويلزم سيبويه التجويز على تقدير مررت بقومك إما بهم أجمعين وإما بعضهم، فإن الحذف هنا أسهل من الحذف في مررت بزيد وأتاني أخوه أنفسهما. المسألة الخامسة: أجاز سيبويه - رحمه الله تعالى - في ما قصد به العموم من: ضرب زيد الظهر والبطن واليد والرجل، ومطرنا السهل والجبل والزرع والضرع أن يكون توكيدا ككل وأن يكون بدلا (٥) وزاد ابن عصفور: صغيرهم وكبيرهم وقويهم وضعيفهم (٦). قال: والدليل على أن تبع هذه الألفاظ للأول على جهة التوكيد كونك قد أخرجتها عن معناها لأنها لو لم تخرج عن أصلها وتلحق بباب التوكيد لم تعط العموم (٧) انتهى. -

стр. 3254

[من أحكام ألفاظ التوكيد المعنوي] قال ابن مالك: (ولا يلي العوامل شيء من ألفاظ التّوكيد وهو على حاله في التّوكيد إلّا «جميعا» و «عامّة» مطلقا و «كلّا» و «كلا» و «كلتا» مع الابتداء بكثرة، ومع غيره بقلّة. واسم «كان» في نحو: كان كلّنا على طاعة الرّحمن، ضمير الشّأن، لا كلّنا، ويلزم تابعيّة «كلّ» بمعنى كامل وإضافته إلى مثل متبوعه مطلقا نعتا لا توكيدا. ويلزم اعتبار المعنى في خبر «كلّ» مضافا إلى نكرة لا مضافا إلى معرفة، ولا تعرّض في «أجمعين» إلى اتّحاد الوقت بل هو ككلّ في إفادة العموم مطلقا خلافا للّفرّاء) (١). - ولا يظهر لي تجويز سيبويه للبدلية مع قصد العموم والظاهر أن المراد أن الألفاظ المذكورة إذا جعلت بدلا تخرج عن أن يراد بها العموم. قال ناظر الجيش: هذا الكلام يتضمن [٤/ ١١٠] الإشارة إلى مسائل أربع: الأولى: أن الألفاظ التي تقرر أنها للتوكيد لا يلي شيء منها العوامل وهو باق على حاله في التوكيد إلا خمس الكلمات التي ذكرها فلا يقال: زيد رأيت نفسه ولا إخوتك كان أنفسهم منطلقين ولا ما أشبه ذلك لأنك أوليت رأيت نفسه وولى كان أنفسهم وهما على الحال الذي يكونان عليه إذا قصد بهما التوكيد مع عدم قصد التوكيد فلو كانا على غير الحال المستعمل في التوكيد وليا كل عامل كقولك: رأيت نفس زيد وأنفس أخوته، وخمس الكلمات التي استثنيت هي جميع وعامة وكل وكلا وكلتا لكن «جميع وعامة» لا يتقيدان بعامل دون عامل. وإلى ذلك أشار بعد ذكرهما بقوله: مطلقا. وعلل لذلك بأن استعمالهما في التوكيد قليل واستعمالهما في غير التوكيد كثير بخلاف غيرهما فيقال: القوم مررت بجمعيهم وعامتهم ورأيت جمعيهم وعامتهم ومررت بهم وجمعيهم يتحدثون وعامتهم قيام. وأما الثلاث الأخر وهي كل وكلا وكلتا فإن كان العامل فيها الابتداء وهي بالحال الصالحة للتوكيد باشرها كثيرا نحو مررت بالرجال كلهم قيام، ومررت بالرجلين كلاهما في -

стр. 3255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المسجد وبالمرأتين كلتاهما في الدار. وإن كان العامل غير الابتداء فلا يباشرها إلا قليلا ومن ذلك قول كثير: ٣١٠٥ - [يميد] إذا والت عليه [ولاؤهم] ... فيصدر عنه كلّها وهونا هل (١) وقول عدي بن زيد: أسمو بها عند الحبيب فتصبرا ... كيما لتلهو كلّها ولتشربا (٢) قال المصنف (٣): ومن القليل قول الأخفش في «المسائل»: تقول أئتني بزيد أو عمرو أو كليهما رفعا ونصبا وجرّا، وقال سيبويه: في باب هذا شيء بحذف فيه الفعل لكثرته في (كلامهم) كلاهما وتمرا كأنه قال: أعطني كليهما وزدني تمرا (٤) فقدر أعطني عاملا في كليهما واستفيد من قول المصنف: وهي بالحال الصالحة للتوكيد أن كلا لا بد أن يكون مضافا لأنه إنما يكون توكيدا إذا كان مضافا وأما إذا قطع عن الإضافة فإنه يلي العوامل كلها ابتداء كان العامل أو غيره قال الله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى * (٥) وتقول: مررت بكل قائما. وأشار المصنف بقوله: واسم كان في نحو كان كلنا على طاعة الرحمن ضمير الشأن لا كلنا إلى أنه يجوز أن يقال: كان كلهم منطلقون على جعل اسم كان ضمير الشأن وكلهم منطلقون مبتدأ وخبرا، ومثله قول علي بن أبي طالب ﵁ (٦): ٣١٠٦ - فلمّا تبيّنّا الهدى كان كلّنا ... على طاعة الرّحمن والحقّ والتّقى (٧) المسألة الثانية: أن كلا قد يقصد به معنى كامل فينعت به اسم جنس معرف أو منكر وتلزم إضافته إلى مثل المنعوت لفظا ومعنى وتعريفا وتنكيرا نحو رأيت الرجل كل الرجل -

стр. 3256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأطعمت شاة كل شاة. قال المصنف: وفيه معنى التوكيد وليس من ألفاظه للزوم إضافته إلى ظاهر (١). وأقول: إنني لم يتحقق لي قوله: وفيه معنى التوكيد، ثم إذا كان المراد في رأيت الرجل كل الرجل معنى كامل فمن أين يجيء التوكيد. المسألة الثالثة: أن كلا إذا أخبر عنه مضافا إلى نكرة تعين اعتبار معناه نحو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ * (٢) وكل رجلين قائمان وكل رجال قائمون وكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * (٣) وإذا أخبر عنه مضافا إلى معرفة جاز اعتبار لفظه فيفرد الخبر ويذكر كقوله تعالى إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٤) واعتبار معناه فيجاء به على وفق المضاف إليه نحو وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٥)، لأن المعنى وكلهم أتوه داخرين وقد عرفت أن هذه المسألة قد تقدم له ذكرها في باب الإضافة وعبارته عنها في ذلك الباب أوفى، وأتم وأشمل للمقصود من عبارته هنا. ولا يخفي ذلك على الناظر. واعلم أن الفارسي ذكر في الإيضاح مسألة تتعلق بكل (٦) فتعرض الشيخ إلى ذكرها هنا استطرادا وذكر فروعا أخر لها تمت بالمسألة (٧). المسألة الرابعة: مذهب البصريين التسوية بين كلهم وأجمعين في إفادة العموم دون تعرض -

стр. 3257

[التوكيد اللفظي: حقيقته، وبعض أحكامه] قال ابن مالك: (فصل) (١): (التّوكيد اللّفظيّ إعادة اللّفظ أو تقويته بموافقه معنى، وإن كان المؤكّد به ضميرا متّصلا أو حرفا غير جواب لم يعد في غير ضرورة إلّا معمودا بمثل عامده أولا أو مفصولا. وإن (عمد) أولا بمعمول ظاهر اختير عمد المؤكّد بضمير، وفصل الجملتين بثمّ إن أمن اللّبس أجود من وصلهما). - لاجتماع في وقت وعدمه، وزعم الفراء أن أجمعين يفيد أنهم كانوا مجتمعين في وقت الفعل (٢). قال المصنف: والصحيح أن ذلك ممكن أن يراد وممكن أن لا يراد: فإمكان أن يراد مجمع عليه فأغنى ذلك عن دليل وإمكان أن لا يراد مستفاد من قوله تعالى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣) لأن إغواءهم لا يكون في وقت واحد (٤). انتهى. وأفهم كلامه في الشرح أن إفهام اتحاد الوقت من كلمة أجمعين غير لازم لكنه جائز. وأما في المتن فيستفاد ذلك من قوله: بل هو ككل في إفادة العموم مطلقا. يعني أنك إذا قلت: جائني القوم كلهم جاز أن يكون مجيئهم في وقت واحد وأن يكون في أوقات متفرقة. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على التوكيد المعنوي شرع في الكلام على اللفظي. وقد عرفت أن المعنوي هو المعتد به في التوابع. فقول المصنف: إعادة اللفظ تعم إعادة المفرد اسما معرفة كان أو نكرة أو فعلا أو حرفا متصلا أو منفصلا وإعادة المركب كان جملة أو غير جملة. فإعادة الاسم المعرفة كقول علي ابن أبي طالب ﵁: ٣١٠٧ - تيمّمت همدان الذّين هم هم ... إذا ناب أمر جنّتي وسهامي (٥) -

стр. 3258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [٤/ ١١١] وكقول الآخر: ٣١٠٨ - أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح (١) وكقول الآخر: ٣١٠٩ - أبوك أبوك أزيد غير شك ... أحلك في المخازي حيث حلّا (٢) وإعادة النكرة كقول أعشى ميمون: ٣١١٠ - أتيح لهم حبّ الحياة فأدبروا ... ومرجاة نفس المرء ما في غد غد (٣) وقال تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ٢١ وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٤) وإعادة الفعل كقول الشاعر: ٣١١١ - فأين إلى أين النّجاء ببغلتي ... أتاك أتاك اللّاحقون احبس احبس (٥) وإعادة الحرف متصلا كقول أعرابي: ٣١١٢ - فما الدّنيا بآتية بحزن ... أجل لا لا ولا برخاء بال (٦) وكقول الآخر: ٣١١٣ - لا لا أبوح بحبّ بثنة إنّها ... أخذت عليّ مواثقا وعهودا (٧) وإعادة الحرف منفصلا كقول الكميت: ٣١١٤ - ليت شعري هل ثمّ هل آتيتهم ... أم يحولنّ دون ذاك حمامي (٨) -

стр. 3259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإعادة المركب غير الجملة كقول الكميت: ٣١١٥ - فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم ... فحتّام حتّام العناء المطوّل (١) وإعادة المركب الجملة كقول الشاعر: ٣١١٦ - أيا من لست أقلاه ... ولا في البعد أنساه لك الله على ذاكا ... لك الله لك الله (٢) وكقول الآخر: ٣١١٧ - ألا حبّذا حبّذا حبّذا ... حبيب تحمّلت منه الأذى (٣) وقول المصنف: أو تقويته بموافقة معنى يتناول توكيدا الضمير المستتر والبارز المتصل بالمنفصل نحو: قم أنت وقمت أنا وتوكيد الفعل باسم الفعل كقول الشاعر: ٣١١٨ - فرّت يهود وأسلمت جيرانها ... صمّي لما فعلت يهود صمام (٤) وأشار المصنف بقوله: وإن كان المؤكّد به ضميرا متّصلا أو حرفا غير جواب إلى آخره إلى أن قاصد توكيد نحو تا فعلت بإعادة لفظة لا غنى له عن إعادة ما هو به متصل فيقول: فعلت فعلت ورأيتك رأيتك ومررت به به، وكذلك يلزم في الحرف غير المجاب به فعلى قاصد إعادة في من قولك فيك نجابة أن يقول: فيك فيك نجا به، وعلى قاصد إعادة أن من قولك: إن زيدا منطلق أن يقول إن زيدا إن زيدا منطلق، وإن زيدا إنه منطلق، وإن كان مع ذلك فصل كان أحسن كقوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٥) فأكد أَنَّكُمْ ب أَنَّكُمْ مع الفصل. قال المصنف (٦): ويجوز أن يجعل الثاني مبتدأ والخبر إذا -

стр. 3260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ متم والجملة خبر أن الأولى والتوكيد أجود. يعني أن يجعل أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ مبتدأ خبره إِذا مِتُّمْ ثم هذه الجملة خبر أن الأولى. فإن لم يعد مع الحرف المؤكد ما اتصل بالحرف المؤكد فلا بد من الفصل بينهما بحرف عطف وإلى ذلك الإشارة بقوله: أو مفصولا بعد قوله: إلّا معمودا بمثل عامده أولا كقول الكميت: هل ثمّ هل وكقول الراجز: ٣١١٩ - حتّى تراها وكأنّ وكأن ... أعناقها مشدّدات في قرن واستثنى المصنف حرف الجواب. قال: لأنه قائم مقام جملة فلقاصد توكيده أن يكرره وحده كما له في الإجابة أن يجيب به وحده كقوله: أجل لا لا. ولا يكرر حرف غيره إلا في ضرورة. نص على هذا ابن السراج في الأصول. قال: وقد أشار الزمخشري في المفصل إلى توكيد الحرف الذي ليس من حروف الجواب بإعادته وحده نحو إنّ إنّ زيدا منطلق (١)، وقوله مردود لعدم إمام يستند إليه وسماع يعتمد عليه، ولا حجة في قول الشاعر: ٣١٢٠ - إنّ إنّ الكريم يحلم ما لم ... يرين من أجاره قد ضيما (٢) فإنه من الضرورات وكذا قول الشاعر: ٣١٢١ - فلا والله لا يلفي لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء (٣) وإلى هذا أشرت بقولي: لم يعد في غير ضرورة إلّا معمودا بمثل عامده أولا أو مفصولا. فمن (المعمود) بمثل عامده أولا قول الشاعر: ٣١٢٢ - ليتني ليتني توفّيت منذ أي ... فعت طوع الهوى وكنت منيبا (٤) والمفصول كقول الراجز: ٣١٢٣ - ليت وهل ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بوع فاشتريت (٥)
следующие страницы →