← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صوابه لم يتابعهم. فإن لم يرجع حيث يلزمه الرجوع، بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً. وعنه: يتبعونه في القيام استحباباً. وعنه: لا يتبعونه، لكن ينتظرونه ليسلم بهم. وإن تابعوه جهلاً بالتحريم، فصلاتهم صحيحة، "لأن الصحابة تابعوه في التسليم وفي الخامسة" في حديث ابن مسعود. فإن سبح به واحد لم يرجع، إلا أن يغلب على ظنه صدقه. والسجود كله عند أحمد قبل السلام، إلا في الموضعين اللذيْن ورد النص بهما، وهما: إذا سلم من نقص، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه. قال القاضي: لا يختلف قوله في هذين، واختلف قوله فيمن صلى خمساً هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ وحكى أبو الخطاب رواية: "أن السجود كله قبل السلام"، وروي عن أبي هريرة؛ وهو مذهب الشافعي، لحديث ابن بحينة وأبي سعيد. وقال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام. وعنه: "ما كان من نقص فقبل السلام"، لحديث ابن بحينة، و "ما كان من زيادة سجد له بعد السلام"، لحديث ابن مسعود؛ وهو مذهب مالك. وقال أصحاب الرأي: "السجود كله بعد السلام"، لحديث ذي اليدين وابن مسعود. وروي عن أنس والحسن والنخعي، لحديث ثوبان رواه سعيد وحديث عبد الله بن جعفر، رواهما أبو داود. ولنا: "أنه ثبت عنه ﷺ قبل وبعد"، ففي ما ذكرنا عمل بالجميع، وحديث ثوبان وابن جعفر قال الأثرم: لا يثبت واحد منهما، وأكثر أهل العلم يرون أنه إذا قام في موضع جلوس أو جلس في موضع قيام، أنه يسجد. وكان علقمة والأسود لا يسجدان لذلك. ولنا: قوله ﷺ : "إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين". ١ رواه مسلم عن ابن مسعود، وقوله ﵇: "لكل سهو سجدتان بعد التسليم". ٢ رواه أبو داود.

стр. 142

وإن قام عن التشهد الأول، فذكر قبل اعتداله، رجع، وبه قال الشافعي وابن المنذر. وقال مالك: إن فارقت إليتاه الأرض مضى. ولنا: حديث المغيرة: "إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً، فليجلس". ١ الحديث رواه أبو داود. وقال النخعي: يرجع ما لم يستفتح القراءة. ولنا: حديث المغيرة. وقال الحسن: يرجع ما لم يركع. وإن قام من السجدة الأولى، ولم يجلس للفصل [بين السجدتين] ، ٢ فقد ترك ركنين. فإن ذكر قبل الشروع في القراءة، لزمه الرجوع، لا أعلم فيه خلافاً. فإذا رجع، جلس ثم يسجد الثانية. وإن قام عن التشهد الأخير إلى زائدة، جلس له متى ذكره. والزيادات على ضربين: أقوال وأفعال. فزيادة الأفعال: قسمان: أحدهما: من جنس الصلاة، مثل قيامه في موضع جلوسه أو عكسه، فهذا تبطل بعمده، ويسجد لسهوه. الثاني: من غير جنسها، كالحك والمشي، فهذا تبطل بكثيره عمداً كان أو سهواً. والأقوال قسمان: أحدهما: ما يبطل عمده الصلاة، كالسلام والكلام، فإذا أتى به سهواً، سجد. الثاني: ما لا يبطل عمده، وهو نوعان: أحدهما: أن يأتي بذكر مشروع فيها في غير محله، كالقراءة في الركوع والتشهد في القيام، فهل يشرع له سجود إذا فعله؟ على روايتين: إحداهما:

стр. 143

لا يشرع، لأنها لا تبطل بعمده. والثانية: يشرع، لقوله: " إذا نسى أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس". ١ رواه مسلم. فإن قلنا: يشرع، فهو مستحب. قال أحمد: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ما روي عن النبي ﷺ . الثاني: أن يأتي بذكر أو دعاء لم يشرع، كقوله: "آمين رب العالمين" و"الله أكبر كبيراً"، فلا يشرع له سجود، "لأنه ﷺ سمع رجلاً يقول: "الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى"، فلم يأمره بالسجود". وإذا جلس للتشهد في غير موضعه قدر جلسة الاستراحة، فقال القاضي: يلزمه السجود، ويحتمل ألا يلزمه، لأنه لا يبطل عمده. والجهر والإخفات في غير موضعه فيه روايتان: إحداهما: لا يشرع السجود لسهوه، وهو مذهب الشافعي. "وجهر أنسٌ في الظهر والعصر، فلم يسجد". والثانية: يشرع، وهو مذهب مالك في الإمام، لقوله: "إذا نسى أحدكم، فليسجد سجدتين". ٢ فإن قلنا بها، فالسجود غير واجب، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأَل عمن سها فجهر فيما يخافت فيه، هل عليه سجود؟ قال: أما عليه، فلا أقول عليه، ولكن إن شاء سجد، وذكر حديثاً عن عمر أو غيره أنه كان سمع منه نغمة في صلاة الظهر، قال: "وأنس جهر فلم يسجد وقال: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ما روي عن النبي ﷺ ". وإن قام إلى خامسة في رباعية، أو رابعة في المغرب، رجع متى ذكر، فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته، سجد للسهو ثم سلّم، وإلا تشهد وسجد وسلّم. فإن لم يذكر حتى فرغ، سجد وصحت صلاته، وبه قال مالك والشافعي. وقال الأوزاعي، فيمن صلى المغرب أربعاً: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان

стр. 144

تطوعاً، لقوله في حديث أبي سعيد: "فإن كان صلاته تامة، كانت الركعة نافلة والسجدتين"، ١ وفي رواية: "فإن كان صلى خمساً، شفعن له صلاته ". ٢ ولنا: حديث ابن مسعود حين صلى خمساً، والظاهر أنه ﷺ لم يجلس عقيب الرابعة، فلم تبطل صلاته، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وقال أبو حنيفة: إن لم يكن جلس في الرابعة بطل فرضه، وحديث أبي سعيد حجة عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعها بها، ولم يضف إليها ركعة أخرى؛ وهذا كله خلاف ما قالوه، فخالفوا الخبرين، وقولنا يوافقهما جميعاً. وإذا نسي السجود ثم ذكر بعد طول الفصل في المسجد، سجد سواء تكلم أو لا، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: إن تكلم بعد الصلاة سقط عنه سجود السهو. وكان الحسن وابن سيرين يقولان: "إذا صرف وجهه عن القبلة، لم يبين ولم يسجد". ولنا: حديث ابن مسعود: "أنه ﷺ سجد بعد السلام والكلام"، ٣ وحديثه الآخر، وفيه: "فلما انفتل توشوش القوم بينهم ... إلخ". فإن خرج من المسجد لم يسجد، نص عليه. وقال الشافعي: يُرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، "لأنه ﷺ رجع إلى المسجد بعد خروجه منه" في حديث عمران بن حصين، وعنه رواية أخرى: يسجد وإن خرج وتباعد، وهو قول ثان للشافعي. ويكبر للسجود والرفع منه، وإن كان بعد السلام، تشهد وسلّم وبه، قال الشافعي في التشهد والتسليم. وقال أنس والحسن: "ليس فيهما تشهد ولا تسليم". وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قال ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وأما التشهد ففي ثبوته نظر. ولنا: على التكبير حديث ابن بحينة، وقول أبي هريرة: "ثم كبر وسجد"، والتسليم ذكره عمران بن حصين

стр. 145

عند مسلم، وفي حديث ابن مسعود: "ثم سجد سجدتين، ثم سلّم". ولأبي داود في حديث عمران: "ثم تشهد ثم سلم". قال الترمذي: حسن غريب. ويحتمل أن لا يجب التشهد لأن ظاهر الحديثين الأولين أنه سلم من غير تشهد، وهما أصح من هذه الرواية. وإذا نسيه حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة، وبه قال الشافعي. وعن أحمد: إن خرج عن المسجد، أعاد الصلاة؛ وهو قول مالك فيما قبل السلام. وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب، وعنه: أنه غير واجب؛ وهذا قول الشافعي، لقوله: " كانت الركعة والسجدتان نافلة له". ١ ولنا: أنه أمر به وفعله، وقوله: "نافلة" أي: له ثواب، كما سمى الركعة نافلة، وهي واجبة على الشاك بلا خلاف. فأما ما لا يبطل عمده فغير واجب، قال أحمد: إنما يجب السجود فيما روي عنه ﷺ ، يعني: وما في معناه؛ فنقيس على زيادة خامسة سائر زيادات الأفعال من جنسها، وعلى ترك التشهد [الأول] ٢ ترك غيره من الواجبات، وعلى التسليم من نقصان زيادات الأقوال المبطلة عمداً، فإن ترك الواجب عمداً، فإن كان قبل السلام بطلت، وإن كان بعده لم تبطل، وعنه: ما يدل على البطلان، وعنه: التوقف. إذا سها سهوين أو أكثر من جنس، كفاه سجدتان، لا نعلم أحداً خالف فيه. وإن كان من جنسين فكذلك، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال الأوزاعي: يسجد سجودين، لقوله: "لكل سهو سجدتان". ٣ ولنا: قوله: "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتين"، ٤ "ولأنه ﷺ سها فسلّم وتكلم بعد سلامه، فسجد سجوداً واحداً"، وحديثهم في إسناده مقال، ثم المراد به كل سهو في

стр. 146

صلاة، والسهو وإن كثر فهو داخل في لفظ السهو لأنه اسم جنس، ولذلك قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" ١ هكذا في رواية أبي داود، [ولا] ٢ يلزمه بعد السلام سجودان، ومعنى الجنسين: أن يكون أحدهما قبل السلام والآخر بعده. وليس على المأموم سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد، في قول عامة أهل العلم. وعن مكحول أنه قام عن قعود إمامه فسجد. ولنا: حديث معاوية بن الحكم. وإذا سها الإمام، فعلى المأموم متابعته، حكاه ابن المنذر إجماعاً. وإذا كان مسبوقاً فسها الإمام فيما لم يدركه فيه، فعليه متابعته. وقال ابن سيرين وإسحاق: يقضي ثم يسجد. وقال مالك والشافعي في السجود قبل السلام كقولنا، وبعده كقول ابن سيرين. ولنا: قوله: " فإذا سجد فاسجدوا"، ٣ وقوله: " فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه ". إذا ثبت هذا، فمتى قضى ففي إعادة السجود روايتان: إحداهما: يعيده، لأنه مع إمامه متابعاً له. والثانية: لا يلزمه السجود، لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقهما. فإن نسي الإمام السجود، سجد المسبوق في آخر صلاته، رواية واحدة. إذا سها المأموم فيما ينفرد فيه بالقضاء، سجد، رواية واحدة. وهكذا لو سها فسلّم مع إمامه، قام فأتم، ثم سجد بعد السلام. فأما غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد، فهل يسجد؟ فيه روايتان: إحداهما: يسجد، وهو قول مالك والشافعي. والثانية: لا يسجد، روي عن عطاء والحسن والقاسم وأصحاب الرأي. وإذا قام المأموم لقضاء ما فاته، فسجد إمامه بعد السلام، فحكمه حكم القائم عن التشهد الأول، نص عليه. وليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود، في قول أكثر أهل

стр. 147

العلم. ويروى عن ابن عمر وابن الزبير وإسحاق: "فيمن أدرك وتراً من صلاة إمامه، سجد للسهو، لأنه يجلس للتشهد في غير موضعه". ولنا: قوله: "وما فاتكم فأتموا"، ١ ولم يأمر بالسجود، وقد "فاته ﷺ بعض الصلاة مع عبد الرحمن بن عوف، فقضى"، ولم يكن لذلك سجود، والحديث رواه مسلم، وقد جلس في غير موضع تشهده. ولا يشرع السجود لشيء تركه أو فعله عمداً. وقال الشافعي: يسجد لترك التشهد والقنوت عمداً. وحكم النافلة حكم الفرض، في قول عامة أهل العلم، إلا ابن سيرين، وهو يخالف عموم الأمر به. ولو قام إلى ثالثة في صلاة الليل، كالقيام إلى ثالثة لفجر، نص عليه. وقال مالك: يتمها أربعاً ويسجد. وقال الأوزاعي في صلاة النهار كقوله، وفي صلاة الليل: إن ذكر قبل ركوعه في الثالثة جلس، وإلا أتمها أربعاً. ولنا: قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" ٢. ولا يُشْرَع في صلاة جنازة وسجود تلاوة وسجود سهو، قال إسحاق: هو إجماع. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ظاهر كلام الأصحاب: لا يرجع إلى فعل المأموم. ونقل أبو طالب: إذا صلى بقوم تحرى ونظر إلى من خلفه، فإن قاموا تحرى وقام، وإن سبحوا به، تحرى وفعل ما يفعلون. واختار المجد: لا تبطل بالعمل الكثير سهواً، لقصة ذي اليدين، فإنه مشى وتكلم ودخل منزله، وبنى على ما تقدم من صلاته. وإن تكلم في صلبها بطلت، عمداً أو سهواً، وعنه: لا تبطل [في السهو] ، ٣ اختاره الشيخ. ولو نام فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءة، أو غلبة سعال أو

стр. 148

عطاس أو تثاؤب ونحوه، فبان حرفان، لم تبطل. وإن لم يغلبه، بطلت، وقال الشيخ: هو كالنفخ وأولى. وإن قهقه فبان حرفان فكالكلام، وعنه: كالكلام ولو لم يبن حرفان، اختاره الشيخ. واختار أن النفخ ليس كالكلام، ولو بان حرفان فأكثر لا تبطل به. ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين، وعنه: على غالب ظنه، اختاره الشيخ، [وقال:] ١ على هذا عامة أمور الشرع؛ وإن مثله يقال في طواف وسعي ورمي جمار وغير ذلك. والسجود قبل السلام أو بعده، لا خلاف في جواز الأمرين، قاله القاضي. وإنما الكلام في الأفضل. وذكره بعض المالكية والشافعية إجماعاً، وقيل: محله وجوباً، اختاره الشيخ. وقال: عليه يدل كلام أحمد، وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل. وعنه: يسجد وإن بعد، اختاره الشيخ. وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام، وما كان من نقص كان قبله، فيسجد من أخذ باليقين قبل السلام، ومن أخذ بظنه بعده، اختاره الشيخ.

стр. 149

باب صلاة التطوع التطوع قسمان: تطوع في ليل، فلا يجوز إلا مثنى، هذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعاً [وإن شئت ستاً] . ١ ولنا: حديث عائشة، متفق عليه. وتطوع النهار الأفضل فيه مثنى مثنى، لحديث علي البارقي: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". رواه أبو داود، ولأنه أشبه بتطوعاته ﷺ . وذهب مالك والشافعي إلى أن الليل والنهار مثنى مثنى، والصحيح: أنه "إن تطوع في النهار أربعاً فلا بأس، فعله ابن عمر". وكان إسحاق يقول: صلاة النهار أربعاً، وإن صلى ركعتين جاز. ومفهوم الحديث المتفق عليه يدل على جواز الأربع، لا تفضيلها. وأما حديث البارقي، فتفرد بزيادة النهار، ورواه عن ابن عمر نحو من خمس عشرة نفساً، لم يقله أحد سواه. "وكان ابن عمر يصلي أربعاً". والتطوع قسمان: أحدهما: ما تسن له الجماعة، كالكسوف والتراويح. والثاني: ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان: سنة معيّنة، ونافلة مطلقة. فأما المعيّنة: فأنواع، منها الرواتب وهي عشر. وقال الشافعي: "قبل الظهر أربع"، لحديث عائشة، رواه مسلم. وآكدها: ركعتا الفجر، لما ورد، و"يستحب

стр. 150

تخفيفهما"، لحديث عائشة، و"يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ١ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، ٢" لحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، في آيتي "البقرة" و"آل عمران"، رواه مسلم. ويستحب الاضطجاع بعدها على جنبه الأيمن. وعنه: "ليس بسنة، لأن ابن مسعود أنكره"، ولنا: حديث عائشة: "ويقرأ في الركعتين بعد المغرب بسورتي الإخلاص"، ٣ لحديث ابن مسعود، رواه الترمذي. ويستحب فعل السنن في البيت، قال أحمد: ليس ههنا آكد من الركعتين بعد المغرب، وذكر حديث ابن إسحاق: "صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم"، ٤ وقال: لم يبلغنا أنه ﷺ قضى شيئاً من التطوع، إلا ركعتي الفجر، والركعتين بعد العصر؛ قال ابن حامد: وقسنا الباقي عليه. وأما الركعتان بعد أذان المغرب، فظاهر كلام أحمد: أنهما جائزتان وليستا سنة، وقال: فيهما أحاديث جياد. وأما الركعتان بعد الوتر، فقال: أرجو إن فعله إنسان ألا يضيق عليه، ولكن وهو جالس. قيل له: تفعله أنت؟ قال: لا. والصحيح أنهما ليستا بسنة، لأن أكثر من وصف تهجده ﷺ لم يذكرهما، وأكثر الصحابة ومن بعدهم على تركهما. وصلاة الضحى مستحبة، لحديث أبي هريرة وأبي الدرداء، رواهما مسلم. وأقلهما: ركعتان، للخبر. و [أفضل] ٥ وقتها: إذا علت الشمس واشتد حرها، لقوله: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". ٦ رواه مسلم. ويسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين. فأما النوافل المطلقة، فتشرع، إلا في أوقات النهي. وتطوع الليل أفضل، قال أحمد ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من

стр. 151

قيام الليل. وعن أبي هريرة، رفعه: "أفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل". ١ رواه مسلم. و"أفضل التهجد جوف الليل الآخر"، لحديث عائشة وابن عباس، قال أحمد: إذا أغفى، يعني: بعد التهجد، فإنه لا يبين عليه أثر السهر، وإذا لم يغف يبين عليه. ويستحب أن يتسوك، يعني: إذا قام من الليل، لحديث حذيفة، وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة. و"يستحب أن يقرأ جزءاً من القرآن في تهجده، لأنه ﷺ كان يفعله. وهو مخير بين الجهر والإسرار"، لحديث عائشة. ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر، للحديث. و"يجوز التطوع جماعة وفرادى، لأنه ﷺ فعل الأمرين". ولا نعلم خلافاً في إباحة التطوع جالساً، وأن القيام أفضل. و"هو مخير في الركوع والسجود، إن شاء من قيام، وإن شاء من قعود، لأنه ﷺ فعل الأمرين"، قال أحمد: العمل على كلا الحديثين. والوتر ركعة، نص عليه، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال هؤلاء: يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يوتر بركعة. قال أحمد: أنا أذهب في الوتر إلى ركعة، ومن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس. والقنوت مسنون في جميع السنة، وعنه: في النصف الأخير من رمضان، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: لا يقنت في صلاة بحال، ويقنت بعد الركوع، نص عليه، وبه قال الشافعي. وعنه: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، وإن قنت قبله فلا بأس. وقال مالك: قبل الركوع. ولنا: حديث أبي هريرة وأنس وغير واحد، وحديث ابن مسعود يرويه أبان بن أبي عياش، وهو متروك، وحديث أُبيّ قد تُكُلِّم فيه، وقيل: ذكر القنوت فيه غير صحيح. ويستحب

стр. 152

أن يقول في قنوت الوتر ما روى الحسن بن علي. وعن عمر: "أنه قنت بسورتي أبي"، قال ابن قتيبة: نحفد: نبادر، والجد، أي: الحق لا اللعب، وملحِق، بكسر الحاء: لاحق؛ هكذا يروى. يقال: لحقت القوم وألحقتهم بمعنى واحد. ومن فتح الحاء، أراد: أن الله ملحقهم إياه، وهو معنى صحيح، غير أن الرواية هي الأولى. ويؤمّن من خلف الإمام، لا نعلم فيه خلافاً، قاله إسحاق. وقال الأثرم: كان أحمد يرفع يديه في القنوت إلى صدره، واحتج بأن "ابن مسعود رفع يديه إلى صدره في القنوت"، أنكره مالك. وهل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، قال أحمد: ما سمعت فيه بشيء. ولا يسن القنوت قي الصبح ولا غيرها، سوى الوتر. وعن مالك والشافعي: يقنت في الصبح، ولنا: حديث أنس وأبي هريرة، قال إبراهيم: "أول من قنت: عليّ في صلاة الغداة"، وذلك أنه كان محارباً يدعو على أعدائه، وقنوت عمر يحتمل أنه في النوازل، فإن أكثر الروايات عنه: أنه لم يكن يقنت. قال أحمد: إذا نزل بالمسلمين أمر، قنت الإمام في الفجر، وأمّن من خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر، يعني: بابك. قال عبد الله عن أبيه: "كل شيء ثبت عن النبي ﷺ في القنوت، فإنما هو في الفجر، ولا يقنت إلا في الفجر إذا كان مستنصراً يدعو للمسلمين". وقال أبو الخطاب: يقنت في الفجر والمغرب. والذي اختار أحمد: أن تفصل ركعة الوتر مما قبلها، وقال: إن أوتر بثلاث لم يسلّم فيهن، لم يضيق عليه. وحجة من لم يفصل: قول عائشة: "أنه كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث"، ١ وقولها: "كان يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي أربعاً كذلك، ثم يصلي ثلاثاً". ٢ وقالت: "كان يوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن". ٣ رواه مسلم. ولنا: قولها: "كان يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة"، ٤ وقوله: "صلاة الليل

стр. 153

مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة"، ١ وقال: " الوتر ركعة من آخر الليل". ٢ رواه مسلم. وحديثها الذي ذكروه ليس فيه تصريح بأنها بتسليم واحد، وأما إذا أوتر بخمس فيأتي. وقال أحمد فيمن يوتر فيسلّم من الثنتين، فيكرهونه أهل المسجد: فلو صار إلى ما يريدون. يعني: لا تضر موافقتهم. ويجوز أن يوتر بإحدى عشرة، وبتسع، وبسبع، وبخمس، وبثلاث، وبواحدة. فإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من ركعتين، وإن أوتر بثلاث سلّم من الثنتين وأوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهنَّ، وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهد ولم يسلّم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهد ويسلم. وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة، فيتشهد [ثم يقوم ويأتي ٣ بالتاسعة] ، ويسلم. ونحوه قال إسحاق، ثم ذكر حديث زيد بن ثابت في الخمس، وكذلك حديث عائشة. وأما التسع والسبع فذكر فيهن حديث سعيد بن هشام عن عائشة. وقال القاضي في السبع: لا يجلس إلا في آخرهن كالخمس، ولعله يحتج بحديث ابن عباس: "صلى سبعاً أو خمساً، لم يجلس إلا في آخرهن". وعن أم سلمة نحوه، رواه ابن ماجة، وكلا الحديثين فيه شك في السبع، وليس في واحد منهما أنه لا يجلس عقيب السادسة. والوتر غير واجب، وبه قال مالك والشافعي، وأوجبه أبو حنيفة، لأنه ﷺ أمر به، ولحديث بريدة، مرفوعاً: "من لم يوتر فليس منا". ٤ رواه أحمد. ولنا: حديث عبادة، وفيه: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله ... إلخ"، ٥ وحديث ضمام، وأحاديثهم قد تكلم فيها. ثم المراد بها تأكيد فضيلته، والأفضل فعله آخر الليل. و"من كان له تهجد، جعله بعده، لفعله ﷺ ".

стр. 154

فإن خاف ألا يقوم من آخر الليل، استحب له أن يوتر أوله، لأنه ﷺ أوصى أبا هريرة وغيره بالوتر قبل النوم وقال: "من خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر من أوله". ١ وكلها صحاح. وأي وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأ، لا نعلم فيه خلافاً. [فأما] ٢ من أوتر ثم قام للتهجد، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى، ولا ينقض وتره؛ وبه قال مالك. قيل لأحمد: لا ترى نقض الوتر؟ قال: لا، ثم قال: وإن ذهب إليه رجل فأرجو، لأنه قد فعله جماعة، وهو قول إسحاق؛ ولعلهم ذهبوا إلى قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً". ٣ ولنا: حديث طلق بن علي، رفعه: "لا وتران في ليلة". ٤ حسنه الترمذي. فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته، لم يسلم وقام فصلى ركعة شفع بها صلاته، نص عليه، وقال: إن شاء قام على وتره وشفع إذا قام، وإن شاء صلى مثنى. قال: ويشفع مع الإمام بركعة أحب إلي. ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث: في الأولى بـ"سبح"، وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، ٥ وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . ٦ وقال الشافعي: "يقرأ في الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، ٧ والمعوذتين"، لحديث عائشة، رواه ابن ماجة. ولنا: حديث أبيّ بن كعب، وحديث عائشة لا يثبت. وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين. قال أحمد: الأحاديث التي جاءت: "أن النبي ﷺ أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدمة، قيل له: أيوتر في السفر بواحدة؟ قال: يصلي قبلها ركعتين". قيل لأحمد: رجل قام يتطوع، ثم بدا له فجعل تلك الركعة وتراً، قال: لا. وكيف يكون؟ هذا قد قلب نيته. قيل له: أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم. انتهى من الشرح. وقال: إذا قنت قبل الركوع، كبر ثم أخذ في القنوت. وقد روي عن عمر: "أنه إذا فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين يركع"، روي ذلك

стр. 155

عن علي وابن مسعود، ولا نعلم فيه مخالفاًً. و"يستحب أن يقول بعد وتره: "سبحان الملك القدوس" ثلاثاً، ويمد صوته في الثالثة"، لحديث أبيّ بن كعب وابن أبزى. و"صلاة التراويح سنّة مؤكدة سنّها رسول الله ﷺ ، وتنسب إلى عمر، لأنه جمع الناس على أبيّ بن كعب". والمختار عند أحمد: عشرون ركعة، وبه قال الشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون. ولنا: "أنّ عمر لما جمع الناس على أبيّ، كان يصلي بهم عشرين ركعة". وأما ما رواه صالح، فإن صالحاً ضعيف، ثم ما ندري مَنِ الناس الذين روى عنهم، وما كان عليه الصحابة أولى؟ والمختار عند أحمد: فعلها في الجماعة، وقال: إن كان رجل يقتدي به فصلاها في بيته، خفت أن يقتدى به. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتدوا بالخلفاء". وقال مالك والشافعي: هي لمن قوي في البيت أحب إلينا، لحديث زيد بن ثابت: "احتجز رسول الله ﷺ حجيرة، فجاء رجال يصلّون بصلاته"، فيه: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة". ١ رواه مسلم. ولنا: إجماع الصحابة، وجمع النبي ﷺ أصحابه وأهله، وقال في حديث أبي ذر: "إن القوم إذا صلَّوا مع الإمام حتى ينصرف، كتب لهم قيام تلك الليلة"، ٢ وهذا خاص في قيام رمضان، فيقدم على عموم ما احتجوا به. وقال أحمد: يقرأ بالقوم في رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم. وقال: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، لقوله: "إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلته". ٣ وقيل له: تؤخر القيام في التراويح إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إليّ. وكره أحمد التطوع بين التراويح، وقال: فيه عن ثلاثة من الصحابة. قيل: فيه رخصة عن بعض الصحابة؟ قال: هذا باطل، إنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير وعن أبي الدرداء: "أنه بصر من يصلي بين التراويح، فقال: أتصلي وإمامك بين يديك؟ ليس

стр. 156

منا من رغب عنا"، وقال: "من قلة فقه الرجل: أن يُرى أنه في المسجد وليس في صلاة". وأما التعقيب وهو: أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى في جماعة، أو التراويح في جماعة أخرى، فعنه: لا بأس، لأن أنساً قال: "ما يرجعون إلاّ لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه". وسئل أحمد: عن ختم القرآن في الوتر أو التراويح، فقال: في التراويح حتى يكون لنا دعاءان. وقال حنبل: سمعته يقول: إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، ١ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع. فقلت: إلى أي شيء تذهب؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وابن عيينة يفعله معهم. قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركت الناس بمكة والبصرة. ويروي أهل المدينة في هذا أشياء. وذكر عن عثمان بن عفان. وسئل أحمد: إذا قرأ سورة "الناس"، هل يقرأ من "البقرة" شيئاً؟ قال: لا. وقال: "كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده". واستحسن أحمد التكبير عند آخر كل سورة من "الضحى". وسئل: عن الإمام في رمضان يدع الآيات من السورة، ينبغي لمن خلفه أن يقرأها؟ قال: نعم. ينبغي له أن يفعل. قد كانوا بمكة يوكلون رجلاً يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها، فإذا كان ليلة الختمة أعاده؛ وإنما استحب ذلك لتتم الختمة. ولا بأس بالقراءة في الطريق، والإنسان مضطجع. وعن إبراهيم التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق، فإذا قرأت سجدة قلت له: أسجد في الطريق؟ قال: نعم". و"يستحب أن يختم في كل سبعة أيام"، لحديث عبد الله بن عمرو وحديث أوس بن حذيفة، رواه أبو داود. وعنه: أنه غير مقدر على حسب النشاط والقوة، "لأن عثمان كان يختمه في ليلة"، والترتيل أفضل،

стр. 157

لقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ . ١ وكره أحمد القراءة بالألحان، وقال: هي بدعة؛ وكلامه يحمل على الإفراط، وجعل الحركات حروفاً، فأما ما يحسن القراءة والترجيع فغير ما رواه، لحديث ابن المغفل وغيره في قراءة سورة "الفتح". ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، روي ذلك عن غير واحد من الصحابة؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا تقضى في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر، إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس، لعموم النهي، و "لأنه ﷺ لما نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، أخّرها حتى ابيضت". ٢ ولنا: قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها". ٣ وفي حديث أبي قتادة: "فليصلّها حين ينتبه". متفق عليهما، وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين وبعصر يومه، وحديث أبي قتادة يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل. ويركع للطواف، وهذا مذهب الشافعي، وأنكره مالك لعموم النهي. ولنا: حديث جبير بن مطعم: "يا بني عبد مناف" الحديث صححه الترمذي، وحديثهم مخصوص بالفوائت، وحديثنا لا تخصيص فيه. وأما صلاة الجنازة بعد الصبح والعصر، فلا خلاف فيه، قاله ابن المنذر. وأما في الأوقات الثلاثة، فلا يجوز، قال أحمد: لا يعجبني، ثم ذكر حديث عقبة بن عامر؛ قال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم. وعنه: تجوز في جميع أوقات النهي، وهو مذهب الشافعي. ولنا: حديث عقبة بن عامر، وذكره للصلاة مقروناً بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة. ومن صلى فرضه، ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، استحب له إعادتها أي صلاة كانت، بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل وهم يصلون، وهذا قول للشافعي. فإن أقيمت وهو خارج المسجد،

стр. 158

لم يستحب له الدخول. واشترط القاضي أن يكون مع إمام الحي، وكلام أحمد يدل على أن إمام الحي وغيره سواء. قال الأثرم: سألته عمن صلى في جماعة ثم دخل المسجد وهم يصلون، يصلي معهم؟ قال: نعم. وذكر حديث أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم". إنما هي نافلة فلا يدخل، فإن دخل صلى، وإن كان قد صلى في جماعة. قيل له: والمغرب؟ قال: نعم، إلا أنه في المغرب يشفع. وقال مالك: إن صلى وحده، أعاد المغرب. وإن صلى جماعة لم يعدها، لأن الحديث: "صلّينا في رحلنا". وقال أبو حنيفة: لا تعاد الفجر والعصر، لأجل وقت النهي، ولا المغرب، لأن التطوع لا يكون بوتر. ولنا: حديث يزيد بن الأسود، وحديث أبي ذرّ: "صل معهم، فإنها لك نافلة". وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع، وحديث يزيد صريح في إعادة الفجر، والأحاديث بإطلاقها تدل على الإعادة مع إمام الحي أو غيره، أو صلى وحده أو في جماعة. وإذا أعاد المغرب شفعها برابعة، وهذا مذهب الشافعي. وعن حذيفة أنه قال لما أعاد المغرب: "ذهبت أقوم في الثالثة، فأجلسني"، وهذا يحتمل أنه أمره بالاقتصار على ركعتين، أو أمره بمثل صلاة الإمام. ولا تجب الإعادة، وقيل: "تجب مع إمام الحي، لأنه ﷺ أمر بها". ولنا: أنها نافلة، وقال ﷺ : "لا تصلى صلاة في يوم مرتين". ١ رواه أبو داود، ومعناه: واجبتان. وإن لم يدرك إلا ركعتين، فقيل: يسلم معهم، لأنها نافلة، ويستحب أن يتمها. ونص أحمد أنه يتمها أربعاً، لقوله: "وما فاتكم فأتموا ". ٢ والأوقات الخمسة منهي عن الصلاة فيها، وهو قول الشافعي. وقال ابن المنذر: المنهي عنه في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة، وقول عائشة: "وهم عمر، إنما نهى أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". ٣ ولنا: الأحاديث الصحيحة االصريحة، والتخصيص في بعض لا يعارض العموم الموافق له، بل يدل على

стр. 159

تأكيد الحكم فيما خصه. وقول عائشة غير مقبول لأن عمر مثبت، وقد رواه عمرو بن عبسة وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم. والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بالصلاة، لا نعلم فيه خلافاً، وأما بعد الفجر فيتعلق بطلوع الفجر، وبه قال ابن المسيب وأصحاب الرأي. قال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، يعني: التطوع بعد طلوع الفجر. وعنه: النهي متعلق بفعل الصلاة، روي عن الحسن والشافعي. ولا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة التطوع في هذه الأوقات، غير ذات سبب، وهو قول الشافعي. وقال ابن المنذر: رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر. وحكي عن أحمد: لا نفعله ولا نعيب فاعله، لقول عائشة: "ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط"، ١ ولا الأحاديث الصحيحة الصريحة، وحديث عائشة روي عنها أنه خاص به ﷺ . وأما التطوع لسبب، فالمنصوص عن أحمد: أن الوتر يفعل قبل صلاة الفجر، وبه قال مالك والشافعي، وأنكره عطاء والنخعي، واحتجوا بعموم النهي. ولنا: حديث أبي بصرة، مرفوعاً: " إن الله زادكم صلاة، فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح ". ٢ احتج به أحمد. وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي بعد الفجر. وأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن يقضيها من الضحى، وقال: إن صلاها بعد الفجر أجزأه. وقال الشافعي: يقضيهما بعدها، لحديث قيس بن فهد، وسكوته ﷺ يدل على الجواز. وقال أصحاب الرأي: لا يجوز لعموم النهي. وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر، فالصحيح جوازه، لفعله ﷺ . ومنعه أصحاب الرأي. وأما قضاء السنن في سائر أوقات النهي، وفعل ما له سبب، كتحية المسجد وسجود التلاوة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، لعموم النهي.

стр. 160

والثانية: تجوز، لأن قوله في تحية المسجد والكسوف خاص في هذه الصلاة، فيقدم على النهي العام، ولا فرق بين مكة وغيرها. وقال الشافعي: لا يمنع. ولنا: عموم النهي، وحديث جبير أراد به الطواف، ولا فرق في وقت الزوال بين يوم الجمعة وغيره، ورخص فيه الحسن وطاووس والشافعي، لحديث أبي سعيد: "نهى عن الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة". ١ ولنا: عموم النهي، وذكر لأحمد الرخصة في نصف النهار يوم الجمعة، فقال: في حديث النبي ﷺ من ثلاثة وجوه: حديث عمرو بن عبسة، وحديث عقبة بن عامر، وحديث الصنابحي عن النبي ﷺ قال: "إن الشمس تطلع معها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها. ثم إذا استوت قارنها، وإذا دنت للغروب قارنها. فإذا غربت فارقها". ٢ ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات، وحديثهم ضعيف. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وقال الشيخ لما ذكر تفضيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، ومالك للذكر: والتحقيق لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال، وإن الطواف أفضل من الصلاة في المسجد الحرام، وذكره عن جمهور العلماء. وعن ابن عباس: "الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة"، وذكره أحمد عن عطاء والحسن ومجاهد. وليس الوتر بواجب، واختار الشيخ وجوبه على من يتهجد بالليل، وأدنى الكمال: ثلاث بتسليمين، وخير الشيخ بين الفصل والوصل. وفي دعاء القنوت بين فعله وتركه، وأنه إن صلى بهم قيام رمضان فقنت جميع الشهر أو نصفه أو لم يقنت، فقد أحسن. قوله: إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة، فلإمام خاصة القنوت، وعنه: ونائبه. وعنه:

стр. 161

ويقنت إمام جماعة. وعنه: وكل مصلّ، اختاره الشيخ. وقوله: في صلاة الفجر، وعنه: في الفجر والمغرب فقط. وعنه: يقنت في جميع المكتوبات، خلا الجمعة، اختاره الشيخ. قوله: ركعتان قبل الظهر، وعند الشيخ: أربع قبلها، ويقضي الوتر. وعنه: لا يقضي، اختاره الشيخ. والتراويح: عشرون ركعة، قال أحمد: روي في ذلك ألوان، ولم يقض فيه بشيء، قال الشيخ: كل ذلك، أو إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، حسن، كما نص عليه أحمد، لعدم التوقيت؛ فيكون تقليل الركعات وتكثيرها بحسب طول القيام وقصره. وقال: من صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة. وقال: لا يجوز التطوع مضجعها لغير عذر، وتجويزه قول شاذ لا أعرف له أصلاً في السلف. وكثرة الركوع والسجود أفضل، وعنه: طول القيام أفضل، وعنه: التساوي، اختاره الشيخ. وقال: التحقيق أن ذكر القيام وهو القرآن، أفضل من ذكر الركوع والسجود، وأما نفس الركوع والسجود فأفضل من نفس القيام، فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاته ﵊ معتدلة: إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود بحسب ذلك حتى يتقاربا. ولا يداوم على صلاة الضحى، واختار الشيخ المداومة عليها لمن لم يقم الليل؛ وله قاعدة في ذلك وهي: ما ليس براتب لا يداوم عليه كالراتب. واختار أن سجود التلاوة وسجود الشكر خارج الصلاة لا يفتقر إلى وضوء، وبالوضوء أفضل. وسجود التلاوة سنة، وعنه: واجب في الصلاة، وعنه: واجب مطلقاً، اختاره الشيخ. ولا يقوم ركوع ولا سجود عن سجدة التلاوة في الصلاة، وعنه: تقوم سجدة الصلاة عنه. والأفضل أن يكون سجوده عن

стр. 162

قيام، واختاره الشيخ، وعنه: يسجد وهو قاعد. قوله: وعند قيامها حتى تزول، وظاهر كلام الخرقي: أنه ليس بوقت نهي، واختاره الشيخ في يوم الجمعة خاص. واختار فعل ركعتي الطواف، وإعادة الجماعة في الأوقات كلها، وصلاة الجنازة، وذوات الأسباب كلها، كالصلاة بعد الوضوء وصلاة الاستخارة، فيما يفوت.

стр. 163

باب صلاة الجماعة هي: واجبة على الرجال المكلفين، وقال مالك والشافعي: لا تجب لحديث: "صلاة الجماعة تفضل ... إلخ". ١ ولنا: أنها لو لم تجب لأرخص فيها في حال الخوف، ولم يجز الإخلال بالواجبات من أجلها. وليست شرطاً، وقيل: شرط. ولا نعلم من أوجب الإعادة على من صلى وحده، إلا أنه روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود: "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له". وتنعقد باثنين بغير خلاف. وله فعلها في بيته، وعنه: أن حضور المسجد واجب على القريب منه، والأفضل المسجد الذي لا تقام فيه إلا بحضوره، وكذا إن كان في قصد غيره كسر قلب إمامه أو جماعته، ثم ما كان أكثر جماعة، لحديث: "ما كان أكثر جماعة، فهو أحب إلى الله". ٢ رواه أحمد. والأبعد أفضل، لقوله: "أعظم الناس أجراً في الصلاة: أبعدهم فأبعدهم ممشى". ٣ رواه البخاري. ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، إلا أن يتأخر، لفعل أبي بكر. فإن صلى وأقيمت وهو في المسجد، استحب له إعادتها، إلا المغرب، وعنه: يعيدها ويشفعها بركعة، لحديث أبي ذر ويزيد بن الأسود. ولا تجب الإعادة، وقيل: بلى، مع إمام الحي الظاهر الأمر. ولا تكره الإعادة في غير المساجد الثلاثة. وقال مالك والشافعي: لا تعاد في مسجد له إمام راتب في غير ممر الناس، لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والتهاون بها مع الإمام. فأما الثلاثة، فروي عن أحمد الكراهة، لئلا يتوانى الناس عن

стр. 164

الراتب. وإذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة. وقال مالك: إن لم يخف فوات الركعة ركع، فإن أقيمت وهو في نافلة، أتمها خفيفة. و"من أدرك الركوع أدرك الركعة"، لحديث أبي داود، و"أجزأته تكبيرة واحدة"، لأنه روي عن يزيد وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وقال أحمد: إن كبر اثنتين ليس فيه اختلاف. ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته وإن لم يعتدّ به، لحديث أبي هريرة، وما أدرك فهو آخر صلاته، وعنه: أولها. قال شيخنا: لا أعلم خلافاً بين الأربعة في أنه يقرأ "الفاتحة" وسورة، وهذا مما يقوي الأول. فإن لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية، ففي موضع تشهّده، روايتان: إحداهما: يستفتح، ويأتي بركعتين متواليتين، ثم يتشهد. والثانية: "يقرأ "الحمد" وسورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيأتي بأخرى يقرأ "الحمد" وحدها"، وبه قال ابن مسعود. ولا تجب القراءة على المأموم في قول الأكثر، وأوجبها الشافعي، لقول أبي هريرة: "إقرأ بها في نفسك"، ولحديث عبادة عند أبي داود: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب". ١ ولنا: قوله: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، ٢ وقول أبي هريرة من رأيه، وخالفه غيره من الصحابة، وحديث عبادة لم يروه غير ابن إسحاق ونافع بن محمود، وهو أدنى حالاً منه. و"يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده"، روي عن ابن عمر وغيره. ومن ركع أو سجد قبل إمامه، رجع فأتى به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت، فإن ركع قبله عمداً فهل تبطل؟ على وجهين. وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل، للحديث، وهل تبطل الركعة؟ فيه روايتان. فإن تخلف لعذر، من نعاس أو غفلة أو زحام أو عجلة إمام، فعل ما سبق به وأدرك إمامه،

стр. 165

ولا شيء عليه، قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافاً. وإن كان بركعة كاملة أو أكثر، تبع إمامه وقضى ما سبق به، وعنه: يعيد. وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة، لم يعتدّ بتلك الركعة، قاله أحمد. وقال الشافعي: يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركن، "لأنه ﷺ فعله بعسفان في صلاة الخوف: سجد الصف الأول والثاني قيام" ١. و"يستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها، لفعله ﷺ ، وتطويل الأولى أكثر من الثانية"، لحديث أبي قتادة، متفق عليه. ويستحب انتظار الداخل، إذا لم يشق على من خلفه، وكرهه الأوزاعي لأنه تشريك في العبادة. ولنا: "أنه ﷺ يطيل الأولى حتى لا يسمع وقع قدم. وأطال السجود لما ركب الحسن على ظهره لئلا يعجله". وإذا استأذنت المرأة في المسجد، كره منعها، وبيتها خير لها، للحديث. والسنة أن يؤم القوم أقرؤهم، وقال الشافعي: يقدم الأفقه إن كان يقرأ ما يكفي، ولنا: قوله: "وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة" ٢. وإن أقيمت الجماعة في بيت، فصاحبه أحق إذا كان ممن تصلح إمامته، فإن كان فيه ذو سلطان قدِّم، لأن ولايته على البيت وصاحبه، وكذلك إمام المسجد الراتب أولى من غيره. وإذا قدَّم المستحقُّ غيره جاز، لقوله: "إلا بإذنه". وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين. وإذا أقيمت وهو في المسجد والإمام لا يصلح، فإن شاء صلى خلفه وأعاد، وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعالها صح، وعنه: يعيد. وفي إمامة أقطع اليدين روايتان. وأما أقطع الرجلين، فلا تصح لعجزه عن القيام. وإذا صلى خلف من يشك في إسلامه صح. ولا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الأفعال بالقادر عليه، وأجازه

стр. 166

الشافعي، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، إذا عجز عن القيام، فإن صلوا خلفه قياماً صحت، وقيل: لا تصح، أومأ إليه أحمد. فإن استخلف بعض الأئمة ثم حضر، فهل يفعل كفعله ﷺ مع أبي بكر؟ فية ثلاث روايات: إحداهن: ليس له، لأنه خاص بالنبي. والثانية: يجوز لأن ما فعله ﷺ جائز لأمته، ما لم يقم دليل على الخصوصية. والثالثة: يجوز للخليفة خاصة. ولا تصح إمامة صبي لبالغ في فرض، وعنه: تصح، لقوله: "يؤم القوم أقرؤهم ... إلخ". ١ وحديث عمرو بن سلمة رواه البخاري، وهو ابن سبع أو ثمان سنين. فـ"إن صلى الإمام محدثاً جاهلاً هو والمأمومين حتى سلموا، صحت صلاتهم دون الإمام"، يروى عن عمر وعثمان. فإن علمه في الصلاة، استأنفوا الصلاة؛ وقال الشافعي: يبنون على ما مضى. ولا تصح إمامة الأمي - وهو من لا يحسن "الفاتحة"، أو يحيل المعنى - إلا بمثله، وأجازه الشافعي. و"يكره أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون"، لحديث أبي أمامة وابن عمر، رواه أبو داود؛ قال أحمد: إذا كرهه اثنان أو ثلاثة، فلا بأس، حتى يكرهه أكثرهم. قال منصور: أما إنا سألنا عن ذلك فقيل: عني به الظلمة، فأما من أقام السنة، فالإثم على من كرهه. ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، نص عليه، وكذا عكسه. ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر، في إحدى الروايتين. والسنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، "لأن أصحابه ﷺ يقفون خلفه، وأخر جابراً وجباراً لما وقفا عن يمينه وشماله"، وحديث ابن مسعود يدل على جواز ذلك. فإن كان أحدهما صبياً، فكذلك إن كانت تطوعاً، ويحتمل أن يصح في الفرض، وإن كان واحداً وقف عن يمينه. فإن

стр. 167

وقفوا قدامه لم يصح، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك وإسحاق: يصح. ولنا: قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ١. ومن صلى وحده خلف الإمام ركعة كاملة، لم تصح صلاته، لأمره من فعله بالإعادة، قال ابن المنذر: ثبت الحديث. و"إن أمَّ امرأة، وقفت خلفه"، لحديث أنس، رواه مسلم. و"السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والدين، ويلي الإمام أكملهم"، لحديث ابن مسعود وغيره. و"الصف الأول للرجال، والنساء بالعكس"، للحديث، رواه أبو داود. و"ميامن الصفوف أفضل"، لحديث عائشة. و"يستحب توسط الصف للإمام"، للحديث، رواه أبو داود. وإذا رأى المأمومون مَنْ وراء الإمام صحت صلاتهم إذا اتصلت الصفوف، وإن لم يروهم لم تصح، وعنه: تصح إذا كانوا في المسجد. وإن كان بينهما حائل يمنع رؤية الإمام ومَن وراءه، ففيه روايتان. وإن كان بينهما طريق أو نهر، فروايتان. ولا يكون الإمام أعلى من المأموم، ولو أراد تعليمهم، وقال الشافعي: له ذلك إن أراد تعليمهم، لحديث سهل. ولنا: "أن عماراً صلى بالمدائن فقام على دكان، والناس أسفل منه. فأخذ حذيفة بيده، فاتبعه عمار حتى أنزله. فلما فرغ قال: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ قال: إذا أمّ رجل قوماً فلا يقومنّ في مقام أرفع من مقامهم؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذتَ بيدي". رواه أبو داود، وحديث سهل الظاهر أنه ﷺ على الدرجة السفلى، فيكون ارتفاعاً يسيراً لا بأس به، جمعاً بين الأخبار. فإن كان المأموم أعلى فلا بأس، "لأن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام". و"يكره للإمام أن يدخل في الطاق، كرهه ابن مسعود وغيره"، لأنه ستر عن بعض المأمومين، وفعله سعيد بن جبير وأبو

стр. 168

عبد الرحمن السلمي. ولا يكره لحاجة، كضيق المسجد. و"يكره للإمام أن يتطوع في موضع المكتوبة"، قال أحمد: كذا قال علي. ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت الصفوف، "كرهه ابن مسعود"، وأرخص فيه مالك وغيره. وعند ابن ماجة حديث في النهي عنه. ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة، لأنهم لا ينصرفون قبله، فإذا أطال ذلك شق عليهم. "فإن كان معه نساء، لبث قليلاً لينصرفن. ولا يجلسن بعد الصلاة لئلا يختلطن بالرجال. وينصرف الإمام حيث شاء"، لقول ابن مسعود، رواه مسلم. واختلفت الرواية، هل يستحب للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة، وكرهه مالك وغيره. "وأذن ﷺ لأم ورقة أن تؤم أهل دارها". ١ رواه أبو داود، وتقوم وسطهن، لا نعلم فيه خلافاً. قال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً أن للمريض ترك الجماعة، و"يعذر من يدافع أحد الأخبثين أو بحضرة طعام محتاج إليه"، لحديث عائشة، سواء خاف فوات الجماعة أو لا، والخائف من ضياع ماله، أو خاف ضرراً من سلطان، أو ملازمة غريم ولا شيء معه، لأن في أمره بالصلاة في الرحال لأجل الطين والمطر تنبيهاً على الجواز، وكذا إن خاف موت قريبه ولا يشهده، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة، ولا نعلم فيه خلافاً، "لفعل ابن عمر لما مات سعيد بن زيد"، وكذا خوف فوات رفقته، أو غلبة النعاس، أو تأذٍّ بالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، لأن الذي انفرد عن معاذ لما طوّل لم ينكر عليه النبي ﷺ .

стр. 169

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وعنه: أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، اختاره الشيخ، ولو صلّى منفرداً لعذر لم ينقص أجره. وقال: خبر التفضيل في المعذور الذي يباح له الصلاة وحده، واختار أنه لا يدرك الجماعة إلا بركعة، وأن المأموم يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام لبعده. واختار كراهة الاستفتاح والاستعاذة للمأموم. وقال: يلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، ويفعل غالباً ما كان ﷺ يفعله غالباً، ويزيد وينقص للمصلحة كفعله ﷺ . واختار صحة إمامة عاجز عن ركن أو شرط، وقال: الروايات عن أحمد في ترك الإمام ما يجوز عنده دون المأموم لا توجب اختلافاً، وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيه بخطإ الإمام يوجب الإعادة وإلا فلا، وهو الذي تدل عليه السنة والآثار والقياس. وقال: لا بأس بقراءة اللحّان عجزاً. وقال: الذي يؤم قوماً أكثرهم له كارهون أتى بواجب ومحرم مقاوم صلاته فلم تقبل، إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها صاحبها. وقال: إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب، لم ينبغ أن يؤمهم، لأن المقصود بالصلاة جماعة إنما يتم بالائتلاف. واختار صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، وصحة ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها. واختار صحة وقوف المأموم قدام الإمام في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر. وقال: تصح الفذ لعذر، وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كُرهت إلا لعذر. والمأموم إذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع الرؤية والاستطراق صحت صلاته إذا كان لعذر، وهو قول في مذهب أحمد، بل نص أحمد وغيره.

стр. 170

باب صلاة أهل الأعذار أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام، له أن يصلي جالساً. وإن أمكنه القيام، إلا أنه يخشى زيادة مرض أو شق عليه مشقة شديدة، صلّى قاعداً أو نحوه، قال مالك وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلّى جالساً. وروي عن أحمد نحوه. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ١ "ولأنه ﷺ صلّى جالساً لما جحش شقّه"، والظاهر أنه لم يعجز عن القيام بالكلية. وإن قدر على القيام بأن يتكئ على عصا أو حائط، لزمه. وإن قدَر عليه كهيئة الراكع، كمن هو في بيت قصير السقف لا يمكنه الخروج، أو خائف إذا رفع رأسه، فإن كان لحدب أو كِبرٍ لزمه القيام، وإن كان لغير ذلك احتمل أن يلزمه واحتمل أن لا يلزمه، لقوله: "فإن لم تستطعْ فقاعداً" ٢. ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، لم يسقط عنه القيام، فيومئ بالركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجود، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يسقط القيام، كصلاة النافلة على الراحلة. ولنا: قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ، ٣ وقوله: "صلِّ قائماً. .. إلخ". ٤ وإن قدر على القيام وحده لا مع الإمام، احتمل أن يلزمه ويصلي وحده لأنه ركن، واحتمل أنه مخير بين

стр. 171

الأمرين، لأنا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي، ولأن الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام؛ وهذا أحسن وهو مذهب الشافعي. فإن عجز قاعداً، صلّى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، وهذا قول مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: يصلّي مستلقياً ورجلاه إلى القبلة. ولنا: قوله: "فإن لم تستطعْ، فعلى جنب". ١ والمستحب أن يصلّي على جنبه الأيمن، فإن صلى على الأيسر جاز، لأنه ﷺ لم يعيِّن جنباً. وإن عجز صلى مستلقياً، للخبر. وإن كان في عينيه مرض، فقال ثقات من الأطباء: إن صليتَ مستلقياً أمكن مداواتك، فقال القاضي: قياس المذهب جوازه، وهو قول الثوري. وقال مالك: لا يجوز، لما روي عن ابن عباس: "أنه لما كفّ بصره أتاه رجل فقال: لو صبرت عليّ سبعة أيام لم تصلِّ إلا مستلقياً داويت عينك، ورجوت أن تبرأ. فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكلّ قال له: إن متّ في هذه الأيام ما تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه". ولنا: "أنه ﷺ صلّى جالسا لَمّا جحش شقّه" لأجل المشقة أو خوف ضرر، وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ههنا. ودلت الأخبار على جواز الصلاة على الراحلة خوفاً من ضرر الطين في ثيابه وبدنه، وجاز ترك الجمعة والجماعة صيانة لنفسه ولثيابه من البلل والتلوث بالطين. وجاز ترك القيام اتباعاً لإمام الحي والصلاة على جنبه ومستلقياً في حال الخوف، وخبر ابن عباس إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين، وإنما قال: أرجو، ولكونه مجهول الحال بخلاف مَسْأَلتنا. وإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل السجود أخفض. وإن عجز عن

стр. 172

السجود ركع وأومأ بالسجود. وإن وضع بين يديه شيئاً عالياً جاز، إذا لم يمكنه أكثر من ذلك. وحكى ابن المنذر عن أحمد قال: أختار السجود على المرفقة، وهو أحب إلي من الإيماء. وكذلك قال إسحاق، وجوّزه الشافعي، ورخص فيه ابن عباس. و"سجدت أم سلمة على المرفقة"، وكرهه ابن مسعود وقال: "يومئ إيماء، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً". وعن جابر وابن عمر وأنس مثله، وهو مذهب مالك. وإن لم يقدر على الإيماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة ما دام عقله حاضراً. وحكي عن أبي حنيفة أن الصلاة تسقط. وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن يزيد، لما روي عن أبي سعيد الخدري: "أنه قيل له في مرضه: الصلاة، فقال: قد كفاني. إنما العمل في الصحة". ولنا: [ما ذكر] ١ من حديث عمران. ومتى قدر في أثنائها على ما كان عاجزاً عنه انتقل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته. والله أعلم. ومذهب أحمد "أن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخاً، مسيرة يومين"، وهو قول ابن عباس وابن عمر. وهو مذهب مالك والشافعي. وقال ابن المنذر: ثبت: "أن ابن عمر كان يقصر إلى أرض له هي ثلاثون ميلاً"، ونحوه عن ابن عباس، فإنه قال: "يقصر في اليوم، لا ما دونه"؛ وإليه ذهب الأوزاعي. وقال ابن المنذر: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ. وروي عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم. قال الأوزاعي: "كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ". وعن دحية: "أنه خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر. وأفطر معه أناس كثير، وكره آخرون أن يفطروا. فلما رجع إلى

стр. 173

قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه: إن قوماً رغبوا عن هدى رسول الله ﷺ ؛ يقول ذلك للذين صاموا". رواه أبو داود. قال الموفق: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة مختلفة متعارضة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، لأنه مخالف لسنة النبي ﷺ ، ولأن ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في أرض، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية، وليس له أصل يُرد إليه؛ والحجة مع من أباح القصْر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. وليس لمن نوى السفر القصرُ حتى يخرج من بيوت قريته، وبهذا قال مالك والشافعي. وحكي عن عطاء أنه أباح القصر في البلد لمن نوى السفر. وعن الحارث بن ربيعة: "أنه أراد سفراً، فصلى بهم في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله". ولنا: قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية، ١ ولا يكون ضارباً حتى يخرج، ولحديث أنس: "صلينا مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين". ٢ متفق عليه. إذا ثبت هذا، فإنه يجوز وإن كان قريباً من البيوت. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الذي يريد السفر له أن يقصر إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها. ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية، نص عليه, وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: له ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح. والجمع بين الصلاتين جائز في قول الأكثر. وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي: لا يجوز إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة المزدلفة بها؛ وهو رواية

стр. 174

عن مالك، لأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد. ولنا: ما روى نافع عن ابن عمر: "أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان إذا جدّ به السير جمع بينهما"، ١ ولحديث أنس، متفق عليهما. وقولهم: لا نترك الأخبار المتواترة ... إلخ، قلنا: لا نتركها، وإنما نخصصها؛ وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع. وظاهر كلام الخرقي: إنما يجوز الجمع إذا كان سائراً في وقت الأولى، فيؤخر إلى وقت الثانية ثم يجمع بينهما. وروي عن أحمد جواز تقديم الثانية، وهو الصحيح، إن شاء الله. وإن أحب الجمع، جاز نازلاً وسائراً مقيماً في بلد إقامة لا تمنع القصر، وبه قال عطاء وجمهور علماء المدينة والشافعي وإسحاق، لحديث معاذ في غزوة تبوك، رواه أبو داود والترمذي وحسنه. وروى مالك في الموطإ عن معاذ: "أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً". ٢ قال ابن عبد البر: حديث صحيح. وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدّ به السير، "لأنه ﵇ يجمع وهو نازل غير سائر، ماكث في خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعاً، ثم ينصرف إلى خبائه". رواه مسلم؛ والأخذ بهذا الحديث متعين لثبوته. والله أعلم. والمرض الذي يلحقه بترك الجمع، فيه مشقة وضعف، نص أحمد على جواز الجمع للمريض. ويجوز الجمع للمستحاضة، ومن به سلس البول، وما في معناهما، لما في الحديث، والمطر الذي يبل الثياب، إلا أن جمع المطر يختص

стр. 175

بالعِشاءين. فأما الجمع لأجل المطر بين الظهر والعصر، فالصحيح أنه لا يجوز؛ قيل لأحمد: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا. ما سمعته. والمطر المبيح للجمع هو: ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه. والثلج والبرد في ذلك كالمطر. فأما الوحل، فقال القاضي: هو عذر، لأن المشقة تلحق به في النعال والثياب كالمطر، وهو قول مال؛. وقيل: لا يبيح، وهو مذهب الشافعي، والأول أصح لأنه يساوي المطر في ترك الجمعة والجماعة. فأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، فقيل: تبيح الجمع، وهو قول عمر بن عبد العزيز. وقيل: لا، لأن المشقة فيه دون المشقة في المطر. وهل يجوز الجمع للمنفرد، أو من كان طريقه إلى المسجد في ظلال يمنع المطر، أو من كان مقامه في المسجد؟ على وجهين: أحدهما: الجواز، لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال المشقة وعدمها، كالسفر، ولأن الحاجة العامة إذا وجدت ثبت الحكم فيمن ليس له حاجة، كالسلم وإباحة اقتناء الكلب للصيد والماشية لمن لا يحتاج إليهما، ولأنه روي: "أنه ﷺ جمع في مطر"، وليس بين حجرته والمسجد شيء. والثاني: المنع، لأن الجمع لأجل المشقة. ويجوز الجمع لمرض، وهو قول عطاء ومالك. وقال الشافعي: لا يجوز، لأن أخبار التوقيت لا تترك بأمر محتمل. ولنا: قوله: "جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر"، ١ وفي رواية: "مِن غير خوف ولا سفر". ٢ رواه مسلم. وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر، فثبت أنه كان لمرض. وروي عن أحمد في حديث ابن عباس هذا، قال: فيه رخصة عندي للمريض والمرضع، وقد "أمر سهلة وحمنة بالجمع لأجل الاستحاضة"، وأخبار المواقيت مخصوصة بالصور التي أجمعنا عليها. وسئل أحمد عن الجمع بين الصلاتين في المطر،

стр. 176

قال: "يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق، كذا صنع ابن عمر". وقال الأثرم: حدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله عن نافع قال: "كان أمراؤنا إذا كانت الليلة المطيرة أبطؤوا بالمغرب، وعجلوا العشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم". قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالماً يصليان معهم. قيل لأحمد: فكأن سنة الجمع في المطر عندك قبل أن يغيب الشفق، وفي السفر نؤخر حتى يغيب الشفق؟ قال: نعم. ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا، وقال ابن شبرمة: "يجوز إذا كان حاجة أو شيء، ما لم يتخذ عادة، لحديث ابن عباس، وفيه: أراد أن لا يحرج أمته". وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، قال ابن عقيل: فيه روايتان: إحداهما: له. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن له قصرها، وإذا دخل مع مقيم أتم. قال الأثرم: سألت أحمد عن المسافر يدخل في تشهده المقيم؟ قال: "يصلي أربعاً"، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الشافعي. وقال إسحاق: له القصر. وقال مالك: إن أدرك ركعة من الصلاة أتم، وإن أدرك دونها قصر، لقوله: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها". ١ ولنا: ما روي عن ابن عباس: "قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتمَّ بمقيم؟ قال: تلك السنة". رواه أحمد. "وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً". رواه مسلم، ولقوله: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه" ٢. وأجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمَّ بمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أنّ على المقيم الإتمام. وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم، فصلاتهم صحيحة، وبه قال الشافعي. وقال الثوري: تفسد صلاة المقيمين، لأن الآخرتين نفل من الإمام. والمشهور عن أحمد أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها

стр. 177

هي: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة. وعنه: إن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم، وهو قول مالك والشافعي، لأن الثلاث حد القلة، ولقوله: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً". ١ وقال الثوري: "إن أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه، أتم". روي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث. وعن ابن عباس: "أقام رسول الله ﷺ في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمناها نصلي ركعتين، وإن زدنا أتممنا". ٢ رواه البخاري. وقال الحسن: "صل ركعتين، إلا أن تقدم مصراً". ولنا: "أنه ﷺ أقام بمكة عشراً يقصر". متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس: "أنه ﷺ قدم لصبح رابعة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، وكان يقصر في هذه الأيام". وقد أجمع على إقامتها. فإذا أجمع أن يقيم كما أقام ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم. قال: وحديث أنس كلام ليس يفقهه كل أحد: قوله: "أقام عشراً يقصر، قدم لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة. ثم قال: وثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة"، فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقامه بمنى ومكة. وإن مرَّ في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال، فقال أحمد في موضع: يتم، وقال في موضع: يتم، إلا أن يكون ماراً. وقال الشافعي وابن المنذر: يقصر ما لم يجمع على إقامة أربع. ومن لم يجمع الإقامة مدة تزيد على ما ذكرنا، فله القصر، ولو أقام سنين، حكاه ابن المنذر إجماعاً. ولا بأس بالتطوع، نازلاً وسائراً على الراحلة، ويصلي ركعتي الفجر والوتر، وأما سائر السنن والتطوعات، فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس. وعن الحسن: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون،

стр. 178

فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها"، وهو قول مالك والشافعي. "وكان ابن عمر لا يتطوع إلا من جوف الليل"، ونقل عن ابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين. والخوف لا يؤثر في عدد الركعات للإمام والمأموم جميعاً، فإذا كان في سفر يبيح القصر صلى بهم ركعتين، بكل طائفة ركعة، وتتم لأنفسها أخرى، ويطيل التشهد حتى يتموا التشهد، ويسلم بهم. قال القاضي: من شرطها: كون العدو في غير جهة القبلة، ونص أحمد على خلاف ذلك. قال الأثرم: قلت: حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة أو مستدبرين؟ قال: نعم. هو إنكاء، لأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عُسفان، لانتشارهم أو خوف كمين. ويقرأ ويتشهد ويطيل حال الانتظار، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ حال الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية، ليسوي بين الطائفتين. ولنا: أن الصلاة ليس فيها محل سكوت، والقيام محل القراءة كالتشهد إذا انتظرهم فله يتشهد ولا يسكت، وإذا جلس للتشهد قاموا فصلّوا ركعة أخرى، وأطال حتى يدركوه ويسلّم بهم. وقال مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم قاموا فقضوا؛ وما ذكرناه أولى، لقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ، وهو يدل على أن صلاتهم كلها معه. وفي حديث سهل: "أنه ﷺ قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم سلّم". ١ رواه أبو داود. وروي: "أنه سلّم بالطائفة الثانية"، وبه قال مالك والشافعي، إلا فيما ذكرنا. وقال أبو حنيفة: يصلي كما روى ابن

стр. 179

عمر قال: "صلى النبي ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الأخرى مواجهة العدو. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدوّ، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلّم. ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة". ١ متفق عليه. وقال أبو حنيفة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة العدوّ. ثم تنصرف التي صلت معه إلى وجه العدو وهي في صلاتها، ثم تجيء الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية. ثم يسلم الإمام، وترجع إلى وجه العدو وهى في الصلاة. ثم تأتي الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها فتصلي ركعة منفردة لا تقرأ فيها، لأنها في حكم الائتمام. ثم تنصرف إلى وجه العدو. ثم تأتي الأخرى فتفعل كذلك، إلا أنها تقرأ لأنها فارقت الإمام. ولنا: ما روى صالح بن خوات عمن صلّى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفّت معه وطائفة وجاه العدوّ، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، وصفّوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم. ثم سلم بهم". ٢ رواه مسلم. وروى سهل بن أبي حثمة مثله. وهذا أشبه بكتاب الله، فإن قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ٣ يقتضي أن جميع صلاتها معه. وعنده: تصلي ركعة معه فقط، وعندنا: جميع صلاتها معه: إحدى الركعتين توافقه في أفعاله، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه. ومن مفهوم قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ أن الأولى قد صلّت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصلّ إلا بعضها. وإن خاف وهو مقيم، صلى بكل طائفة ركعتين. وصلاة الخوف جائزة في الحضر، وبه قال الشافعي. وعن

стр. 180

مالك: لا تجوز في الحضر، لأن الآية إنما دلت على ركعتين، ولأنه ﷺ لم يفعلها في الحضر. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ ، ١ وهو عام في كل حال، وتركه ﷺ لفعلها في الحضر لغنائه عنها. قولهم: إنما دلت على ركعتين، قلنا: قد يكون في الحضر الصبح والجمعة، وإذا صلى بهم الرباعية صلى بكل طائفة ركعتين، فهل تفارقه الأولى في التشهد أو حين يقوم إلى الثالثة؟ الثاني: قول مالك، لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد الأول يستحب تخفيفه. وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالطائفة الأولى ركعتين وأتمت لأنفسها ركعة، وبالأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه. وفي الآخر: يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، لأنه روي عن علي: "أنه صلى ليلة الهرير هكذا". ويستحب أن يحمل السلاح فيها، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، ٢ ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم العدو فيميلون عليه ميلة واحدة كما في الآية. ولا يجب حمله في قول أكثر أهل العلم، ويحتمل الوجوب، وبه قال داود والشافعي في أحد قوليه؛ والحجة معهم لأن ظاهر الأمر الوجوب. وقد اقترن به قوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً﴾ الآية ٣. فإن كان بهم لم يجب بغير خلاف، لتصريح النص به. ويجوز أن يصلي على كل صفة صلاها النبي ﷺ ، قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال: ستة وجوه أو سبعة تروى فيها، كلها جائزة. قال الأثرم قلت له: تقول
следующие страницы →