← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بها من لا يقدر عليه ولو أحضر رهناً أو ضميناً، لأن على المشتري ضرراً في تأخير الثمن، قال أحمد: ينتظر الشفيع يوماً أو يومين بقدر ما يرى الحاكم، فإن كان أكثر فلا؛ وهذا قول مالك. وإن كان مؤجلاً أخذ بأجل إن كان ملياً، وإلا أقام كفيلاً ملياً، وبه قال مالك. وقال الثوري: لا يأخذه إلا بالنقد حالاً. فإن كان الثمن عرضاً أعطاه مثله كالحبوب والأدهان. وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، أخذ بقيمة العرض، في قول أكثر أهل العلم. وحكي عن الحسن وسوار: لا شفعة. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": اختار الشيخ أنها تجب بالشركة في مصالح عقار، قال الحارثي: هذا الذي يتعين المصير إليه. ثم ذكر أدلته، قال: وفيه جمع بين الأخبار. قوله: ولا شفعة فيما لا تجب قسمته، كالحمام الصغير والبئر، وما ليس بعقار كالشجر والحيوان، وعنه: في ذلك الشفعة، اختاره الشيخ. واختار سقوطها إن أسقطها قبل البيع. وإن ترك الولي شفعة للصبي فيها حظ، لم تسقط. وإن تركها لعدم الحظ، سقطت؛ اختاره الشيخ. ولا تسقط رهنه الشفعة، وإن سقطت بالوقف والهبة. قال في الفائق: خص القاضي النص بالوقف ولم يجعل غيره مسقطاً، اختاره شيخنا.

стр. 597

باب الوديعة الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، ١ وقوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، ٢ وقوله ﷺ : "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك". ٣ وأجمعوا على جواز الإيداع والاستيداع. وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة، لأن فيه قضاء حاجة أخيه. وهي أمانة لا ضمان عليه إلا أن يتعدى، وعنه: إن ذهبت من بين ماله ضمنها، "لأن عمر ضمن أنسا وديعة ذهبت من بين ماله"، والأول أصح، وكلام عمر محمول على التفريط. فإن شرط عليه الضمان لم يضمن، وكذلك كل ما كان أصله الأمانة كالمضاربة، ومال المشاركة، والرهن، والوكالة، وبه قال الثوري وإسحاق وابن المنذر. ويلزمه حفظها في حرز مثلها. فإن عيّن صاحبها حرزاً، فجعلها في دونه، ضمن. وإن دفعها إلى زوجته أو عبده لم يضمن. وإن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن. وإن أخذ درهماً ثم رده فضاع الكل ضمن. وقال مالك: لا ضمان عليه إذا رده أو مثله. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المودع إذا أخذها، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله. وقال أكثرهم: مع يمينه. وإن ادعى ردها فالقول قوله مع يمينه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إن دفعها إليه ببينة لم

стр. 598

يقبل قوله في الرد إلا ببينة. وإن قال: دفعتها إلى فلان بأمرك، فالقول قوله. وقال مالك: القول قول المالك، لأن الأصل عدم الإذن. وإن جحدها ثم أقرّ أو ثبتت ببينة، ثم ادعى التلف، لم يقبل وعليه ضمانها؛ وبه قال مالك والشافعي، وإن قال: ما لك عندي شيء، قبل قوله في الرد والتلف. وإن مات وثبت أن عنده وديعة لم توجد، فهي ديْن عليه، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة. فإن كان عليه دين فهما سواء إن وفت، وإلا اقتسما بالحصص. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": إذا أنفق على الدابة بغير إذن ربها بنية الرجوع رجع، قاله في الفائق، قلت: وهو الصواب. وإن دفعها إلى أجنبي بغير عذر ضمن، فإن كان الثاني عالماً بالحال ضمن، وإلا لم يضمن، وليس للمالك مطالبة الأجنبي، اختاره الشيخ.

стр. 599

باب احياء الموت ... باب إحياء الموات ما فيه آثار الملك ولا يعلم لها مالك، ففيه روايتان، وما ملك بشراء أو عطية لم يملك بالإحياء، بغير خلاف. قال ابن عبد البر: جميعهم على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع، أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه. وإن ملك بالإحياء ثم ترك حتى عاد مواتاً، فلا يملك؛ وقال مالك: يملك، لعموم الحديث. ولنا: أن في الرواية الأخرى: "من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد"، ١ وقوله في غير حق مسلم، ثم هو مخصوص بما ملك بشراء أو عطية، فيقاس هذا عليه. وإن وجد فيه آثار ملك قديم جاهلي، كآثار الروم ومساكن ثمود، ملك بالإحياء. وروى سعيد من مراسيل طاووس: "عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد". قال أبو عبيد: عاديّ الأرض: التي بها ساكن في آباد الدهر فانقرضوا، نسبهم إلى عاد، لأنهم مع تقدمهم ذوو قوة وآثار كثيرة، فنسب كل أثر قديم إليهم. والرواية الثانية: لا يملك، لأنه إما لمسلم أو ذمي أو لبيت مال. وما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معيّن، فعنه: لا يملك بالإحياء، وعنه: أنها تملك؛ وهو مذهب مالك، لعموم الأخبار. ولا يفتقر إلى إذن الإمام، وبه قال الشافعي. ولو أحيا مسلم مواتاً في أرض كفار صولحوا عليها، لم يملكه، ويحتمل أن يملكها، لعموم الخبر. وروي عن أحمد: ليس في السواد موات، يعني: سواد العراق. ويحتمل أنه قال: لكونه كله معموراً في زمن عمر، حتى بلغنا أن رجلاً من الكفار

стр. 600

سأل أن يعطى خربة فلم يجدوها، فقال: أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا. وإذا لم يكن فيها موات حين ملكها المسلمون لم يصر ما دثر من أملاك المسلمين مواتاً، على إحدى الروايتين. وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه، لم يملك بالإحياء، وإن لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين. وقال الشافعي: يملك ولو تعلق بمصالحه. وقال الليث: لا يملك ولو لم يتعلق بمصالحه. ولا تملك المعادن الظاهرة، كالملح والكحل، بالإحياء؛ وليس للإمام إقطاعه، ولا نعلم فيه مخالفاًً. وأما التي لا يوصل إليها إلا بالمؤنة، وهي المعادن الباطنة كالذهب والفضة والحديد، فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإحياء، وإن حفرها إنسان وأظهرها لم تملك بذلك. ويحتمل أن تملك، وهو قول الشافعي. وليس للإمام إقطاعها. والصحيح: جوازه، "لأنه ﷺ أقطع بلال بن الحارث معادن القبيلة". ويلزمه بذل ما فضل من مائه لبهائم غيره. وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين. قال أحمد: الإحياء أن يحوط عليها حائطاً، أو يحفر فيها بئراً أو نهراً، لحديث سمرة: "من أحاط حائطاً على أرض، فهو له". ١ رواه أبو داود. وإن حفر بئراً عادية، وهي القديمة، ملك حريمها خمسين ذراعاً، وإن لم تكن عادية فخمسة وعشرون ذراعاً، نص عليه. ولا بد أن تكون البئر فيها ماء، فإن لم يصل إليه فهو كالمتحجر. والبئر العادية: التي انطمست وذهب ماؤها، فجدد حفرها وانقطع ماؤها واستخرجه. وأما البئر التي ينتفع بها المسلمون فليس لأحد احتجارها، لأنها بمنزلة المعادن الظاهرة. وهكذا العيون النابعة، ليس لأحد أن يختص بها. ولو حفر رجل بئراً للمسلمين أو ينتفع بها مدة إقامته ثم يتركها، لم يملكها وكان له الانتفاع بها. فإذا تركها كانت للمسلمين كلهم، كالمعادن الظاهرة، وهو أحق

стр. 601

بها ما دام عندها. وإذا كان لإنسان شجرة في موات، فله حريمها قدر ما تمتد إليه أغصانها حواليها. و"في النخلة مدّ جريدها"، لحديث أبي سعيد. وإن غرس شجرة في موات فهي له وحريمها. وإن سبق إلى شجر فسقاه وأصلحه فهو له، لحديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به". ومن كانت له بئر فحفر أخرى قريباً منها يتسرب إليها ماؤها، فليس له ذلك سواء حفر في ملكه أو في موات، ووافق الشافعي في الموات وقال: في ملكه له ذلك كتعلية داره. وهكذا الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره، مثل أن يجعل داره مدبغة أو حماماً يضر بعقار جاره. وقال الشافعي: له ذلك كله. ولنا: قوله: "لا ضرر ولا ضرار". ١ ولو كان الذي حصل منه الضرر سابقاً لم يلزمه إزالة الضرر، بغير خلاف نعلمه، لأنه لم يحدث ضرراً. ومن تحجر مواتاً لم يملكه وكان أحق به ووارثه بعده ومن ينتقل إليه، وليس له بيعه، وقيل: له ذلك، لحديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به". فإن لم يُتم إحياءه قيل له: أحيه أو اتركه، فإن أحياه غيره ملكه بالإحياء، لعموم الحديث في الإحياء، وقيل: لا، لقوله: "في غير حق مسلم". وروى سعيد أن عمر قال: "من كانت له أرض - يعني: من تحجر أرضاً - فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها". وهذا يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها. وللإمام إقطاع موات لم يحيه ولا يملكه به، بل بمنزلة المتحجر، ولا يقطع إلا ما قدر على إحيائه، لأن إقطاعه أكثرَ ضرر على المسلمين. فإن فعل فتبين عجزه عن إحيائه، استرجعه "كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته مما أقطعه النبي ﷺ ".

стр. 602

وإن كان الماء في نهر غير مملوك، فإن كان عظيماً كالنيل والفرات الذي لا يستضر أحد بالسقي منه، فلكل أحد أن يسقي كيف شاء. وإن كان صغيراً يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائه، أو سيلاً يتشاح فيه أهل الأرض، فيبدأ بمن في أوله فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، إلى أن تنتهي الأرض، ولا نعلم فيه مخالفاًً، لحديث الزبير والأنصاري. والنهر المملوك قسمان: أحدهما: أن يكون الماء مباح الأصل، مثل أن يحفر إنسان نهراً صغيراً يتصل بنهر كبير مباح، فما لم يتصل الحفر لا يملكه وإنما هو تحجر، فإذا اتصل الحفر ملكه، لأن الملك بالإحياء أن تنتهي العمارة إلى قصدها، بحيث يتكرر الانتفاع بها على صورتها، سواء أجرى الماء أو لا. فإن كان لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة. والثاني: أن يكون منبع الماء مملوكاً مثل أن يشترك جماعة في استنباط عين وإجرائها، فإنهم يملكونها، لأن ذلك إحياء لها. وعلى كل حال، فلكل أحد أن يسقي من الماء الجاري لشربه ووضوئه وغسل ثيابه وأشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه، من غير إذن إذا لم يدخل إلى محوط، ولا يحلّ لصاحبه المنع، لحديث: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم". ١ رواه البخاري. وللإمام أن يحمي أرضاً من الموات لدواب المسلمين، ما لم يضيق عليهم، وقال الشافعي في أحد قوليه: ليس له ذلك، لقوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله". ٢ ولنا: "أن عمر وعثمان حميا"، واشتهر فلم ينكر، فكان إجماعاً.

стр. 603

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": إذا كان الموات لم يجر عليه ملك لأحد، ولا فيه أثر عمارة، ملك بالإحياء بلا خلاف، وإن علم له مالك بشراء أو عطية والمالك موجود هو أو أحد من ورثته، لم يملك بالإحياء بلا خلاف. وإن ملك بالإحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتاً، فلا يملك به أيضاً. وإن لم يعلم له مالك، فهو أربعة أقسام: أحدها: ما أثر الملك فيه غير جاهلي، كالقرى الخربة التي درست آثارها، ففي ملكها بالإحياء روايتان. وإذا لم يملك بالإحياء كان للإمام إقطاعه. الثاني: ما أثر الملك فيه جاهلي قديم، كديار ثمود، فلم يذكر المصنف وغيره خلافاً في جواز إحيائه. الثالث: ما لا أثر فيه جاهلي قريب، والصحيح أنه يملك بالإحياء. الرابع: ما تردد في جريان الملك عليه، وفيه روايتان. ولو ملكها من له حرمة ولم يعلم، لم تملك بالإحياء لأنها فيء، وعنه: تملك، قال في الفائق: في أظهر الروايات. وموات أرض العنوة كغيره، وهو المذهب، وعنه: لا تملك بالإحياء، لكن تقر بيده بالخراج، وقيل: لا موات في أرض السواد. ولو اختلفوا في الطريق وقت الإحياء، جعلت سبعة أذرع، للخبر؛ ولا تغير بعد وضعها وإن زادت على سبعة، لأنها للمسلمين، نص عليه. وذكر ابن بطة أن الخبر ورد في أرباب ملك مشترك أرادوا قسمته، واختلفوا في قدر حاجتهم، خلاف ما ذكر الجوزجاني عن قول أحمد: لا بأس ببناء مسجد في طريق واسع إذا لم يضر بالطريق، قال: مراده: ما وقت النبي ﷺ من السبع الأذرع.

стр. 604

وقال الشيخ فيمن نزل عن وظيفة الإمامة: لا يتعين المنزول له، ويولِّي من له الولاية من يستحق التولية شرعاً. ولو ترك دابته بفلاة ليأسه منها، ملكها آخذها، نص عليه؛ وهو من المفردات. وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، وما حماه غيره فعلى وجهين. قال في الفروع: ويتوجه في نقض الإطلاقات الخلاف، ونقل حرب: القطائع جائز، وأنكر شديداً قول مالك: لا بأس بقطائع الأمراء، وقال: يزعم أنه لا بأس بقطائعهم، وقال: قطائع الشام والجزيرة من المكروهة كانت لبني أمية فأخذها هؤلاء، وقال: ما أدري ما هذه القطائع يخرجونها ممن شاؤوا؟ قال أبو بكر: لأنه لا يملكها من أقطعها، فكيف تخرج منه؟

стр. 605

باب الجعالة وهي أن يبذل جعلاً على رد آبق أو ضالة أو بناء حائط أو خياطة ثوب، ولا نعلم فيها مخالفاًً، لقوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ ، ١ وحديث الرقية، لأن الحاجة تدعو إليه، لأن العمل قد يكون مجهولاً كردّ الضالة، فلا تجوز الإجارة عليه فدعت الحاجة إلى العوض مع جهالة العمل، وهي أن يقول: مَن ردّ عبدي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فإذا قاله صح وكان لكل منهما الرجوع قبل العمل. فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه، لما ذكرنا من الآية والحديث، وإن فعله جماعة فهو بينهم. فإن قال: من ردّ عبدي من موضع كذا فله دينار، فرده إنسان من نصف الطريق استحق النصف. وإذا التقط لقطة قبل بلوغ الجعل لم يستحق شيئاً ولو بعد الجعل. ومن عمل لغيره عملاً بغير جعل، غير رد الآبق، فلا شيء له، لا نعلم فيه خلافا؛ "فأما رد الآبق فإنه يستحق الجعل بردّه وإن لم يشرطه"، روي عن عمر وعلي وابن مسعود. وعن أحمد: لا أدري، قد تكلم الناس فيه. لم يكن عندي فيه حديث صحيح. وقال الشافعي: لا يستحق شيئاً. ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه لا يؤمن لحوقه بدار الحرب.

стр. 606

باب اللقطة وهي على ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا تتبعه الهمة، كالعصا والسوط، فيملك بلا تعريف، لحديث جابر. ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، وقال مالك لا يجب تعريف ما لا يقطع بة السارق. وروي عن علي: "أنه وجد ديناراً فتصرّف فيه"، وعن سلمى بنت كعب قالت: "وجدت خاتماً من ذهب في طريق مكة، فسألت عائشة فقالت: تمتعي به"، و"رخص رسول الله ﷺ في الحبل" في حديث جابر، وقد تكون قيمته دراهم. وليس عن أحمد تحديد اليسير. وقال: ما كان مثل الثمرة والكسرة والخرقة وما لا خطر له، فلا بأس. ولنا على إبطال التحديد: حديث زيد بن خالد في كل لقطة، وحديث عليّ ضعيف، قال أبو داود: طرقه مضطربة، ثم هو مخالف لمذهبهم، ولسائر المذاهب. والذي رخص رسول الله ﷺ في التقاطه لم يذكر فيه ضماناً، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الثاني: الضوالّ التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر والخيل والبغال، فلا يجوز التقاطه. وقال مالك والليث في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرّفها، ولا يقربها في الصحراء. وقال الزهري: "من وجد بدنة فليعرّفها، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة. والبقر كالإبل"،

стр. 607

نص عليه. وحكي عن مالك: البقرة كالشاة. ولنا: خبر جرير، فـ"إنه طرد البقرة". فأما الحمر فجعلها أصحابنا من هذا، والأوْلى إلحاقها بالشاة، لقوله: "معها سقاؤها وحذاؤها"، ١ يريد شدة صبرها عن الماء لكثرة ما توعي في بطنها منه، وقوله في الغنم: "إنها معرضة للذئب". فإن أخذ ما لا يجوز التقاطه ضمنه، فإن رده إلى موضعه لم يبرأ، وقال مالك: يبرأ "لأن عمر قال: أرسله في الموضع الذي أصبته فيه". فإن دفعها إلى نائب الإمام زال عنه الضمان. وللإمام أو نائبه أخذ الضالة ليحفظها لصاحبها، "لأن عمر حمى النقيع لخيل المجاهدين والضوال ". ولا يلزمه تعريفها، "لأن عمر لم يكن يعرّفها". وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ليحفظها ضمنها. ولأصحاب الشافعي وجه: أن له أخذها لحفظها. فإن وجدها في موضع يخاف عليها به، كأرض مسبعة أو قريبة من دار الحرب أو في موضع يستحل أهله أكل أموال المسلمين، فالأولى جواز أخذها للحفظ؛ وإن رأى الإمام المصلحة في بيعها باعها. ومن ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان ملكها، وقال مالك: هي لمالكها، ويغرم ما أنفق عليها. وقال الشافعي هي لمالكها ولا يغرم. الثالث: سائر الأموال، كالأثمان والمتاع والغنم، فيجوز التقاطها لمن يقصد تعريفها، ويملكها بعده. وقال الليث: لا يقربها إلا أن يحرزها لصاحبها، لقوله: "لا يؤوي الضالة إلا ضال" ٢ ولنا: قوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ٣ ولأنه يخشى عليه التلف، أشبه غير الحيوان، وحديثنا أخص من حديثهم، ولو قدر التعارض فهو أصح. ولا فرق بين المصر والمهلكة. وقال مالك في الشاة توجد في الصحراء: اذبحها وكلها، وفي المصر: ضمّها حتى يجدها

стр. 608

صاحبها، لقوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ١ ولا يكون الذئب في المصر. ولنا: أنه أمر بأخذها ولم يفرّق، وكونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر. ومتى عرّفها حولاّ ملكها، وعنه: لا. ولنا: قوله: "هي لك" إضافة إليه بلام التمليك، ولأن التقاطها مباح، فملكت بالتعريف؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً. ومن أمن نفسه وقوي على تعريفها فله أخذها، والأفضل تركها، قاله أحمد. وقال الشافعي: إن وجدها بمضيعة وأمن نفسه، فالأفضل أخذها، وعنه: يجب، لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢. وقال مالك: إن كان شيئاً له بال، يأخذه أحب إليّ. ولنا: قول ابن عمر وابن عباس، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة. ومن وجد لقطة في دار الحرب وكان في جيش، فقال أحمد: يعرّفها سنة ثم يطرحها في المغنم، لأنه وصل إليها بقوة الجيش. وملتقط الشاة ومثلها مما يباح أكله يخّير بين ثلاثة أشياء: أحدها: أكلها في الحال، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، لأنه سوَّى بينه وبين الذئب. فإن جاء صاحبها غرمها. وقال مالك: كُلْها ولا غرم ولا تعريف، لقوله: "هي لك". قال ابن عبد البر لم يوافق مالكاً أحد من العلماء على قوله، وقوله ﷺ : "ردّ على أخيك ضالته" دليل على أنها على ملك صاحبها، وقوله: "هي لك" لا يمنع الغرم، فقد أذن في لقطة الذهب بعد التعريف في أكلها، وقال هي كسائر مالك، ثم أجمعنا على وجوب الغرم.

стр. 609

الثاني: تركها والإنفاق عليها من ماله، فإن كان بنيّة الرجوع رجع به، وقيل: لا يرجع. الثالث: بيعها وحفظ ثمنها، ولم يذكر أصحابنا تعريفاً في هذه المواضع، وهو قول مالك. ولنا: أنها لقطة لها خطر، فوجب تعريفها. وما يخشى فساده، فإن كان مما لا يمكن تجفيفه كالفاكهة والخضروات فهو مخير بين أكله وبيعه وحفظ ثمنه؛ فإن أكلَه ثبتت القيمة في ذمته. وفي التعريف فصول ستة: في وجوبه، وقدره، وزمانه، ومكانه، ومن يتولاه، وكيفيته. أما وجوبه: فواجب على كل ملتقط، وقال الشافعي: لا يجب على من أراد حفظها لصاحبها. ولنا: أنه أمر به ولم يفرّق. وقدره: "سنة"، روي عن عمر وغيره، وعن عمر: "ثلاثة أشهر"، وعنه: "ثلاثة أعوام"، لحديث أبيّ. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرّفه جمعة. ولنا: حديث زيد بن خالد، فـ"إنه أمره بعام واحد"، وحديث أبيّ قال الراوي: "لا أدري ثلاثة أعوام أم عام واحد"، قال أبو داود: شك الراوي. وزمانه: النهار دون الليل، في اليوم الذي وجدها والأسبوع، ولا يجب بعده متوالياً. ومكانه: الأسواق وأبواب المساجد ومجامع الناس، و"أمر عمر واجدها بتعريفها على باب المسجد". والكيفية: يذكر جنسها لا غير، فيقول: من ضاع له ذهب أو فضة أو دنانير أو ثياب، ولا يصفها. ويعرّفها بنفسه أو يستنيب، فإن وجد متبرعاً وإلا استأجر، والأجرة عليه. وقال مالك: إن أعطى منها شيئاً لمن عرّفها لا يغرم. وإذا أخره عن الحول الأول أثم، لقوله: "لا تكتم ولا تغيب". ١ ويسقط بتأخيره عن الحول الأول، في المنصوص عن أحمد، لأن حكمة التعريف لا تحصل بعده. فإن تركه في بعض الحول عرّف بقيته، لقوله:

стр. 610

"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". ١ "فإذا عرّفها حولاً فلم تعرف، ملَكها، غنياً كان أو فقيراً". روي عن عمر وغيره، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيّر بين الأجر والغرم، لحديث أبي هريرة، ولقوله: في حديث عياض: "وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء"، ٢ وما يضاف إلى الله إنما يتملك بالصدقة. ونقل عن أحمد مثله، وأنكره الخلال. ولنا: قوله: "فاستنفقها"، وقوله: "وإلا فهي كسائر مالك". ٣ وحديثهم عن أبي هريرة لا يثبت، ولا نقل في كتاب يعتمد عليه، ودعواهم إنما يضاف إلى الله، ما قالوه لا دليل عليه. ولا أعلم بين أكثر أهل العلم فرقاً بين الأثمان والعروض، وقال أكثر أصحابنا: لا تملك العروض بالتعريف، واختلفوا هل يعرّفها أبداً أو يتصدق بها. ولنا: عموم الأحاديث في اللقطة. وقولهم: روي ذلك عن ابن مسعود، قيل: إن صح فقد روي عن عمر وابنه خلافه. والمشهور عن أحمد: "أن لقطة الحرم والحل سواء". وروي عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك، وعن أحمد: أنها لا تلتقط للتملك بل للحفظ، ويعرّفها أبداً حتى يأتي صاحبها، وهو قول أبي عبيد. وعن الشافعي كالمذهبين، لقوله: "لا تحلّ ساقطتها إلا لمنشد". ٤ ووجه الأولى: عموم الأحاديث، ويحتمل أن قوله: "إلا لمنشد" أي: لمن عرّفها عاماً، وتخصيصها به لتأكيدها، كقوله: " ضالة المؤمن حرق النار"، ٥ وضالة الذمي مقيسة عليها. ويستحب أن يشهد عليها حين يجدها، لحديث عياض، ولا يجب، لأنه لم يأمر به زيد أو أبي بن كعب. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف ": لو وجد لقطة في طريق غير مأتي، فهي لقطة، واختار الشيخ أنه كالركاز.

стр. 611

كتاب الوقف القول بصحته قول الأكثر. وعن شريح: لا حبس عن فرائض الله. قال أحمد: هذا مذهب أهل الكوفة. ولا يصح إلا بشروط أربعة: أحدها: أن تكون في عين يجوز بيعها، ويمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، كالعقار والحيوان والسلاح. قال أحمد: إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ . وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به؛ وهذا قول الشافعي. وقال أبو يوسف: لا يجوز وقف الحيوان ولا العروض، إلا الكراع والسلاح. وعن مالك في الكراع [والسلاح] ١ روايتان. ولنا: قوله: "أما خالد، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله". قال الخطابي: الأعتاد: ما يعدّ من مركوب وسلاح وآلة الجهاد. وقول أم معقل: "يا رسول الله، إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله، فقال: اركبيه، فإن الحج من سبيل الله". ويصح وقف المشاع، وقال محمد بن الحسن: لا يصح. ولنا: في حديث عمر: "أنه أصاب مائة سهم من خيبر، فأذن له رسول الله ﷺ في وقفها". "ويصح وقف الحلي على اللبس والعارية"، لما روي عن حفصة، وعنه: لا يصح، وأنكر حديث حفصة. الثاني: أن يكون على بر، كالمساكين والمساجد والأقارب؛ ولا يصح على نفسه. قال أحمد فيمن وقف على نفسه، ثم على المساكين، فقال: ما أعرف ٢

стр. 612

الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى أو في سبيله. وقال أبو يوسف وابن شريح: يصح، "لأن في صدقته ﷺ أن يأكل أهله منها بالمعروف". وإن وقف على غير معين، واستثنى الأكل منه مدة حياته، جاز، لما ذكرنا في وقف النبي ﷺ ، احتج به أحمد، ولقول عمر: "لا جناح على من وليها أن يأكل"، ولأنه إذا وقف وقفاً عاماً كالمقبرة والمسجد جاز له الانتفاع به. الثالث: أن يقفه على معيّن يملك، فلا يصح على عبده حتى يعتقه، ولا على مجهول كرجل. الرابع: أن يقف ناجزاً، فإن علقه على شرط لم يصح، إلا إن قال: هو وقف بعد موتي. واحتج أحمد بقول عمر: "إن حدث بي حادث إن ثمغاً صدقة". وإن وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز، فمنقطع الابتداء، فإن لم يذكر مالاً فباطل. والوقف الصحيح: ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع، مثل أن يجعله على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم. فإن كان غير معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بالعادة، ولم يجعل آخره لجهة غير منقطعة، فهو صحيح أيضاً، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه. والثاني: لا يصح، لأن الوقف مقتضاه التأبيد؛ فإن انقرضوا صرف إلى أقرباء الواقف. وعن أحمد: يصرف إلى المساكين، لأنهم مصرف الصدقات، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف صرفت إليهم، وعنه: في بيت المال. ولا يشترط إخراج الوقف عن يده، وعنه: ما يدل على اشتراطه، فإنه

стр. 613

قال: الوقف المعروف أن يخرجه عن يده، أو يوكل من يقوم به. ولنا: حديث عمر. ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه، لقوله: "لا يباع أصلها، ولا تورث، ولا توهب ". ١ فإن تعطلت منافعه بِيع. قال أحمد: إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة، جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه، وقال: يحول المسجد خوفاً من اللصوص. وإذا كان موضعه قذراً، قال أبو بكر: روي عنه: أن المساجد لا تباع وإنما تنقل آلتها. قال: وبالقول الأول أقول، لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس. وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيع شيء من ذلك، لقوله: "لا يباع أصلها، ولا يوهب". ٢ ولنا: ما روي: "أن عمر كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال بالكوفة: أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلّ"، وهذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه، فكان إجماعاً. قال ابن عقيل: الوقف مؤبد، فإذا لم يكن تأبيده على وجه تخصيصه استوفينا الغرض، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض. ويقرب هذا من الهدي إذا عطب، فإنه يذبح في الحال وإن اختص بموضع، فيستوفى منه ما أمكن. فإن لم يكن ثمن الفرس أعين به في فرس حبيس، نص عليه. وما فضل من حصر المسجد وزيته عن حاجته، جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به. وقال المروذي: قال أحمد: يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تخرقت يتصدق بها، وقال أيضاً: كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة. ولا يغرس به شجرة، نص عليه، قال: إن غرست بعد أن صار مسجداً، لا أحب الأكل منها؛ غرست بغير حق. فإن كانت

стр. 614

مغروسة فيه جاز الأكل منها. قال أحمد: لا بأس أن يبيعها من الجيران. وعنه: لا تباع وتجعل للمسلمين وأهل الدروب يأكلونها، وذلك، والله أعلم، لأن صاحب الأرض قد وقف الأرض والشجرة جميعاً ولم يعين مصرفها، فصارت كالذي لم يعيّن له مصرف. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قال الشيخ: إذا قال واحد أو جماعة: جعلنا هذا المكان مسجداً أو وقفاً، صار مسجداً أو وقفاً بذلك، وإن لم يكملوا عمارته. وإذا قال كل واحد منهم: جعلت ملكي للمسجد أو في المسجد، صار بذلك حق للمسجد. واختار صحة وقف الدراهم للقرض، قال: ولو وقف قنديلاً للنبي ﷺ ، صرف لجيرانه قيمته. وقال في النذور للقبور: هو للمصالح ما لم يعلم ربه، وفي الكفارة الخلاف، ومن الحسن صرفه في نظيره من المشروع. واختار جواز تعليق الوقف على شرط، ولو شرط أن يبيعه أو يهبه أو يرجع فيه ما شاء، فاختار الشيخ الصحة، فإن لم يقبل الموقوف عليه، بطل في حقه دون من بعده، وهو مفرع على اشتراط القبول. قال الشيخ: ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولاً واحداً. وإن قال: على أولادي ثم أولادهم، على أنه من توفي منهم من غير ولد فنصيبه لمن في درجته، استحق كل ولد نصيب أبيه، وكذلك لو قال: وقف على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على الفقراء، فاختار الشيخ أنه ترتيب أفراد، فيستحق الولد نصيب أبيه بعده. فهو من ترتيب الأفراد بين كل شخص وأبيه. وقال: من ظن أن الوقف كالإرث، فإن لم يكن أبوه أخذ لم يأخذ، فلم ينقله أحد من الأئمة ولم يدر ما يقول؛ ولهذا لو انتفت الشروط في الطبقة الأولى أو بعضهم، لم تحرم الثانية

стр. 615

مع وجود الشروط فيهم إجماعاً. وقد وافق الشيخ على ذلك كثير من أرباب المذهب، وجعلوه من تخصيص العموم بالمفهوم، وهو أظهر. وصنف الشيخ في ذلك مصنفاً حافلاً خمس كراريس. وقال: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء واحتيج إلى الجهاد صرف إلى الجند. وقال: وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً وأجرة، وإنما هو رزق للإعانة على الطاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به والمنذور له. وقال: يجب عمارة الوقف بحسب البطون، وتقدم عمارة الوقف على أرباب الوظائف. وقال الشيخ: الجمع بينهما حسب الإمكان أولى، بل قد يجب. وقال: إذا وقف في صحته ثم ظهر عليه ديْن، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف. ومنعه قوي. وفي الاختيارات قال الشيخ: ليس بأبلغ من التدبير، وقد ثبت "أنه ﵇ باعه في الدين". وجوز الشيخ بيع الوقف لمصلحة، وقال: هو قياس الهدي. وذكره وجهاً في المناقلة، وأومأ إليه أحمد: نقل صالح نقل المسجد لمصلحة الناس، واختاره صاحب الفائق وحكم به، ووافقه برهان الدين ابن القيم. وقال الشيخ: يد الواقف ثابتة على المتصل به ما لم تأت حجة تدفع موجبها، كمعرفة كون الغارس غرسه بماله بحكم إجارة أو إعارة، ويد المستأجر على المنفعة، فليس له دعوى البناء بلا حجة، ويد أهل الوصية المشتركة ثابتة على ما فيها بحكم الاشتراك، إلا مع بينة باختصاص.

стр. 616

باب الهبة والعطية إن شرط فيها عوضاً معلوماً صارت بيعاً، وعنه: يغلب فيها حكم الهبة، لقول عمر (: "من وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته إذا لم يرض منها". وقال أحمد: إذا وهب على وجه الإثابة فلا يجوز، إلا أن يثيبه منها. وتلزم بالقبض، وعنه: في غير المكيل والموزون بمجرد الهبة، وقال مالك: تلزم بالعقد، لقوله: "العائد في هبته ... إلخ". ولنا: أنه روي عن أبي بكر وعمر ولم يعرف لهما مخالف. وفي الموطإ حديث أبي بكر، وقوله لعائشة: "كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً.. . إلخ". قال المروذي: "اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة". ووجه رواية اللزوم قبل القبض: ما تقدم من الحديث، ولأنه روي عن علي وابن مسعود. وأما هبة أبي بكر فيحتمل أنه غير معيّن، وهو لا بد فيه من القبض، وقول عمر: "ما بال قوم ينحلون أولادهم، فإذا مات أحدهم قال: مالي وفي يدي. لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد" أراد به: التحيل لنحلة الولد بنحلة موقوفة على الموت. وإذا مات أحدهما قبل القبض بطلت. قال أحمد في رجل أهدى هدية فلم تصل حتى مات المهدى إليه: عادت إلى صاحبها. وإن أبرأ الغريم غريمه برئ، وإن لم يقبل. وتصح البراءة من المجهول إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته. وقال الشافعي: لا يصح. ولنا: أنه

стр. 617

صلى الله عليه وسلم قال للرجلين: "اقتسما وتوخّيا، ثم استهما، ثم تحالاّ". ١ رواه أبو داود. فإن كان الموهوب له طفلاً أو مميزاً، قبض له أبوه أو وصي أبيه أو الحاكم، قال أحمد: لا أعرف للإمام قبضاً، ولا يكون إلا للأب؛ ويحتمل أن يصح القبض والقبول من غيرهم عند عدمهم، لأن الحاجة داعية إليه، لأن الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه. فإن وهب لولده الصغير قبض له، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الرجل إذا وهب لولده الطفل داراً بعينها أو عبداً بعينه، وقبض له من نفسه وأشهد عليه، أنها تامة وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض. وقال مالك: إن وهب له ما لا يعرف بعينه كالأثمان لم يجز، إلا أن يضعها في يد غيره. وتصح هبة المشاع، أمكنه قسمته أم لا. وقال أصحاب الرأي: لا تصح ما لا يمكن قسمته. ولنا: قوله: "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". ٢ رواه البخاري. ولا تصح هبة المجهول كالحمل في البطن، وأجازه مالك. ولا يجوز تعليقها على شرط ولا توقيتها إلا في العمرى والرقبى، وهو أن يقول: أعمرتك أو أرقبتك هذه الدار، أو جعلتها لك عمرك أو حياتك، فإنها تصح وتكون له ولورثته من بعده. سميت: "عُمْرى"" لقيدها بالعمر، و"رُقْبى" لأن كلاهما يرقب موت صاحبه، وهي أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك، على أنك إن مت قبلي عادت إليّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. وعن بعضهم: لا تصح، لقوله: "لا تعمروا ولا ترقبوا". ٣ ولنا: قوله: "العمرى جائزة، والرقبى جائزة لأهلها". ٤ حسنه الترمذي. والنهي: إعلام أنكم إن فعلتم نفذت، وسياقه يدل عليه، فإنه قال: "فمن أعمر عمرى، فهي للذي أعمرها حياً وميتاً

стр. 618

وعقبه". ١ وقال مالك والليث: "العمرى تمليك المنافع، فإذا مات عادت إلى المعمر". وسئل القاسم عنها فقال: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا. قال ابن الأعرابي: لم تختلف العرب أن العمرى والرقبى والفقار والمنحة والعارية والسكنى، أنها على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له. ولنا: قوله: "أمسكوا عليكم أموالكم؛ فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبة ". ٢ رواه مسلم. وقد روى مالك حديث العمرى في الموطإ، وهو صحيح، رواه جابر وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت وأبو هريرة. وقول القاسم لا يقبل في مقابلة مَن سمّينا من الصحابة والتابعين، فكيف في مخالفة سيد المرسلين؟! ولا يصح دعوى إجماع أهل المدينة لكثرة من قال بها منهم، وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك. وقول ابن الأعرابي لا يضر إذ نقلها الشرع إلى التمليك الرقبة، وإن شرط رجوعها إلى المعمر بعد موته أو قال: لآخرنا موتاً، صح الشرط، وعنه: لا يصح. وهي للمعمر ولورثته، لقول جابر: "إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها"، وفي الموطإ عنه، مرفوعاً: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى من أعطاها"، ٣ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وحجة الرواية الثانية: الأحاديث المطلقة، والحديث الذي احتجوا به من قول جابر، وقوله في الحديث الآخر: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن. وقال مالك: الرقبى باطلة، لأنها روي أنه أجاز العمرى وأبطل الرقبى. ولنا: ما ذكرنا من الأحاديث، وهذا الحديث لا نعرفه. وأما إن قال: سكناها

стр. 619

لك عمرك، فله أخذها، أي: وقت أحب، وتبطل بموت أحدهما، وبه قال الأكثر. وقال الحسن وقتادة: هي كالعمرى. ولنا: أن هذا إباحة المنافع كالعارية. ولا خلاف في استحباب التسوية بين الأولاد وكراهة التفضيل، قال إبراهيم: كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القُبلة، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. قال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله، وقال مالك والشافعي: يعطي الأنثى كالذكر، لقوله: "سوِّ بينهم"، وعلله بقوله: "أيسرك أن يستووا في برك". ولنا: أن أولى ما اقتدي به قسمة الله، وقضية بشير قضية عين لا عموم لها، إنما ثبت حكمها في مثلها، ولا نعلم حالهم هل كان فيهم أنثى، ولعله علم أن ليس له إلا ذكر. ثم نحمل التسوية على كتاب الله، وما ذكر عن ابن عباس رفعه: "سوّوا بين أولادكم، ولو كنت مؤثراً أحداً لآثرت النساء"، الصحيح أنه مرسل. وقول عطاء خبر عن جميعهم، فإن خص أو فضل رجع أو أعطى حتى يستووا، وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء، وأجازه مالك والشافعي لخبر أبي بكر لما نحل عائشة، واحتج الشافعي بقوله: "أشهد غيري"، فأمره بتأكيدها. ولنا: حديث بشير، وفيه: ""اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". فرجع أبي وردّ تلك الصدقة ?"، ١ وفي لفظ قال: "فارددها"، وفي لفظ: "فأرجعه"، وفي لفظ: "أتشهدني على جور؟ "، وفي لفظ: "سوِّ بينهم ". متفق عليه، وهو دليل على التحريم، لأنه سماه جوراً، وأمره بردّه، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام والأمر يقتضي الوجوب، ولأن هذا يوقع القطيعة، كتزويج المرأة على عمتها. وقول أبي بكر لا يعارض النص، ويحتمل أن أبا بكر خصها لعجزها عن الكسب، ولكونها أم المؤمنين، وقوله: "أشهد غيري" ليس بأمر، لأن

стр. 620

أقل أحواله الاستحباب؛ ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يأمره بتأكيده مع أمره؟ وحمله على هذا محمل [له] على التناقض. وإن خص بعضهم لزمانة أو كثرة عائلة أو صرف عنه لفسقه، فعنه: ما يدل على الجواز، وظاهر لفظ الحديث: المنع على كل حال؛ والأول أولى، لحديث أبي بكر. وإن مات قبل ذلك ثبت للمعطى، وعنه: لا يثبت، وللباقين الرجوع. والأول قول أكثر أهل العلم، لقول أبي بكر: "وددت لو أنك حزتيه"، وقول عمر: "لا أعطيه إلا ما حازه الولد". والثاني قول عروة، قال أحمد: عروة روى الأحاديث الثلاثة: حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها وذهب إلى حديث النبي ﷺ : "يردّه في حياة الرجل وبعد موته"، و"لأن أبا بكر وعمر أمرا قيس بن سعد بردّ قسمة أبيه حين ولد له ولد لم يعلم به". وسئل أحمد: عمن زوَّج ابنه فأعطى عنه الصداق ثم مرض، وله ابن آخر، هل يعطيه في مرضه كما أعطى الآخر في صحته؟ فقال: لو كان أعطاه في صحته فيحتمل أن يصح، وهو الصحيح، ويحتمل أن لا يصح. وقال أحب ألا يقسم ماله، يدعه على فرائض الله، لعله أن يولد له؛ فإن فعل ثم وُلد له، فأعجب إليّ أن يرجع فيسوي. فإن أعطى ولده ثم مات، ثم ولد له ولد، استحب للمعطي أن يساوي أخاه، لحديث قيس بن سعد. فإن سوى بين الذكر والأنثى في الوقف، أو وقف ثلثه في مرضه على بعضهم، جاز، وقياس المذهب: لا يجوز. قال أحمد: إن كان على طريق الأثرة فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة فلا بأس، "لأن الزبير خص المردودة من بناته". وقال فيمن أوصى لأولاد بنيه بأرض توقف عليهم، فقال: إن لم يرثوه

стр. 621

فجائز، وعنه: لا يجوز. قال في رواية الميموني: يجوز. قيل له أليس تذهب إلى: "لا وصية لوارث"؟ ١ قال: الوقف غير الوصية، لأنه لا يصير ملكاً، واحتج بحديث عمر: "تليه حفصة ما عاشت ثم ذوو الرأي". وفيه: "لا حرج على من وليه أن يأكل". ولنا: "أن عمر لم يخص بعض الورثة"، والنزاع في تخصيص بعضهم، وجعل الولاية إلى حفصة ليس وقفاً. ولا يجوز لغير الأب والأم الرجوع في الهبة، وقال الثوري وإسحاق: من وهب لغير ذي رحم، فله الرجوع ما لم يثب عليها، لقول عمر: "من وهب هبة يرى أنه أراد بها صلة الرحم أو على جهة صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها ما لم يرض منها". رواه في الموطإ. ولنا: قوله: "العائد في هبته ... إلخ". فأما الأب فله الرجوع، وبه قال مالك والشافعي، وعنه: لا يرجع، لقوله: "العائد في هبته ... إلخ". ولنا: حديث بشير، وعن ابن عمر وابن عباس، مرفوعاً: "ليس لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده". ٢ حسنه الترمذي. فأما الأم فظاهر كلام أحمد: ليس لها الرجوع، لأنه سئل فقال: ليست عندي كالرجل، وذكر حديث عائشة: "أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه"، ٣ أي: كأنه الرجل. ويحتمل أن لها الرجوع، وهو مذهب الشافعي، لدخولها في قوله: "إلا الوالد فيما يعطي ولده"، وفي قوله: "سوّوا بين أولادكم". ٤ وقال مالك: لها الرجوع ما كان أبوه حياً، فإن كان ميتاً فلا رجوع، لأنها هبة ليتيم. وحكم الصدقة حكم الهبة، ولم يجوزه مالك في الصدقة بحال، لقول عمر: "أو على وجه الصدقة". ولنا: حديث بشير، فإن النعمان قال: "تصدق أبي عليّ بصدقة". فإن تعلق بها رغبة لغير الولد، مثل أن يهب ولده شيئاً فيرغب الناس في معاملته

стр. 622

فيداينوه، أو مناكحته فيزوجوه، أو يهب بنته فتتزوج لذلك، ففيها روايتان: أولاهما: لا رجوع، قال أحمد في الرجل يهب ابنه مالاً: فله الرجوع إلا إن يكن غرَّ به قوماً، فلا يرجع؛ وهذا مذهب مالك. واختلف عن أحمد في هبة المرأة زوجها، فعنه: لا رجوع لها، وبه قال مالك والشافعي، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ ، ١ وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ الآية، ٢ وعموم الأحاديث. وعنه: لها الرجوع، وذكر حديث عمر: "أن النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها شيئاً، ثم أرادت أن تعتصره فهي أحق به"، وذكر الحديث: "إنما يرجع في المواهب: النساء وشرار الرجال"، وعنه: إذا وهبت له مهرها إن سألها رده إليها، وإن لم يكن سألها فجائز، لأن الله إنما أباحه عن طيب نفس، وشاهد الحال يدل على أنها لم تطب به نفسها. وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء بشرطين: أحدهما: أن لا يضر بالابن. الثاني: أن لا يأخذ من مال ولده ويعطيه الآخر، نص عليه، لأنه ممنوع من التخصيص من مال نفسه. وقال مالك والشافعي: لا يأخذ إلا بقدر حاجته، لقوله: " فإن دماءكم وأموالكم ... إلخ". ولنا: حديث عائشة، مرفوعاً: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم"، ٣ ولأن الله جعله موهوباً، قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ، ٤ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ . ٥ وقوله: "أحق به من والده وولده"، الحديث مرسل، ثم هو يدل على

стр. 623

ترجيح حقه على أبيه، وهو أحق به فيما تعلقت به حاجته. وليس لغير الأب الأخذ، ويحتمل أن يجوز للأم، لقوله: "أولادكم". وليس له مطالبة أبيه بديْن، ولا قيمة متلف، ولا غير ذلك. وقال مالك والشافعي: له ذلك. وروى الزبير بن بكار بإسناده: "أن رجلاً استقرض من ابنه مالاً فحبسه فأطال حبسه، فاستعدى عليه الابن علي بن أبي طالب، وذكر قصة في شعر، فأجابه أبوه بشعر، فقال علي: قد سمع القاضي ومن ربى الفهم ... المال للشيخ جزاء بالنعم يأكله برغم أنف من رغم ... من قال قولاً غير ذا فقد ظلم ... وجار في الحكم وبئس ما جرم ... قال الزبير: وبه أقول". وإذا برئ المريض أو كان مرضه غير مخوف، فعطاياه كعطايا الصحيح، وإن كان مرض الموت المخوف فعطاياه صحيحة "لأن عمر أوصى حين جرح، وأبو بكر عهد إلى عمر حين اشتد مرضه، وكذلك عليّ بعد ضرب ابن ملجم، وصّى وأمر ونهى"، ولم يختلف في صحة ذلك. وهي كالوصية لا تصح لوارث ولا لأجنبي بزيادة على الثلث، وحكي عن الظاهرية: أن الهبة المقبوضة من رأس المال. ولنا: حديث: ستة الأعبد، فإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى. ومن كان بين الصفين عند التحام الحرب، أو في لجة البحر عند هيجانه، أو وقع الطاعون ببلده، أو قدم ليقتص منه، أو الحامل عند المخاض، فكالمريض، وكذلك الأسير والمحبوس إذا كان عادتهم القتل. وقال إسحاق والثوري: ولو لم يخف القتل. وقال مالك: الغازي عطيته من الثلث. وقال إسحاق: إذا ثقلت الحامل فعطيتها من الثلث، وقال قتادة: "عطية الحامل من الثلث". وقال الزهري: عطيتها كعطية الصحيح.

стр. 624

فإن قضى بعض غرمائه ووفت التركة، لم يكن للغرماء الاعتراض عليه، وإن لم تف فوجهان: أحدهما: الاعتراض، وهو قول أبي حنيفة، لأن حقهم تعلق بماله في مرضه. والثاني: الاعتراض عليه، وهو قول الشافعي. فإن لم يف الثلث بالتبرعات المنجزة، بدأ بالأول فالأول، سواء كان الأول عتقاً أو غيره، وبه قال الشافعي. وقال أبو يوسف: يقدم العتق تقدم أو تأخر. وإن تساوت، قسم بين الجميع بالحصص، وعنه: يقدم العتق. وتفارق العطية الوصية في أربعة أشياء: أحدها: أنه يبدأ بالأول فالأول، والوصايا يسوى بين المتقدم والمتأخر منها. الثاني: أنه لا يجوز الرجوع في العطية. الثالث: أنه يعتبر قبول العطية، وتفتقر إلى شروط الهبة. والعطية تقدم على الوصية، وهو قول الشافعي والجمهور. الرابع: أن الملك يثبت في العطية من حينها. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وإن شرط ثواباً مجهولاً لم يصح، وعنه: قال: يرضيه بشيء، ذكرها الشيخ. وقال: إن أعطاه ليعاوضه أو ليقضي له حاجة فلم يف، فكالشرط. ولو وهب الغائب هبة وأنفذها مع رسول الموهوب له، ثم مات الواهب أو الموهوب له قبل وصولها، كانت للموهوب له. وإن أبرأ غريم غريمه وهما يعلمانه صح، وإن أعلمه المبرَأ، بفتح الراء، أو جهله، وكان المبرِئ، بكسرها، يجهله، صح. وعنه: يصح مع جهل المبرأ، بفتح الراء. وعنه: لا يصح إلا إذا تعذر علمه. وأما إن علم المديون فروايتان. ولا تصح هبة الدين لغير من هو في ذمته، قال في الفائق: المختار: الصحة.

стр. 625

ولا تصح البراءة بشرط، كقوله: إن متَّ فأنت في حل، نص عليه. فإن ضم التاء فهو وصية. وجعل أحمد رجلاً في حل من غيبة بشرط أن لا يعود. وقال: ما أحسن الشرط. وأخذ صاحب النوادر من شرطه أن لا يعود، رواية في صحة البراءة بشرط. وفي صحيح مسلم: أن أبا اليسر قال لغريمه: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل. وأعلم به الوليد بن عبادة وابنه وهما تابعيان فلم ينكراه واختاره الشيخ. وقال: لا تصح هبة المجهول، كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو من وجد شيئاً من مالي فهو له، واختار هبة المعدوم كالثمر واللبن بالسنة. واختار جواز التوقيت كقوله: وهبتك سنة، واختار، إن شرط رجوع العمرى إلى المعمِر بكسر الميم عند موته، أو قال: لآخرنا موتاً، الصحة. قوله: فإن مات يعني: الأب قبل الرجوع ثبت للمعطى، وعنه: لا يثبت، وللباقين الرجوع، إلا أن يتعلق به حق أو رغبة، اختاره الشيخ. وقال: يرجع فيما زاد على قدر الديْن أو الرغبة. وقال: ليس للأب الكافر الرجوع، إذا كان وهبه في حال الكفر وأسلم الولد. وقال يستثنى مما للأب أن يأخذ سرية الابن، وإن لم تكن أم ولد، فإنها ملحقة بالزوجة، نص عليه أحمد. وسأله ابن منصور وغيره عن: الأب يأكل من مال ابنه؟ قال: نعم، إلا أن يفسده؛ فله القوت فقط. وقال الشيخ: قياس المذهب: أنه ليس له أن يتملك من مال ابنه في مرض موت الأب ما يخلفه تركة، كما لو تملك في مرض موت الابن. وقال: لو أخذ من مال ولده ثم انفسخ سبب الاستحقاق، وجب رده إلى الذي كان مالكه، مثل أن يأخذ صداق ابنته ثم تطلق، أو ثمن السلعة ثم تُردّ بعيب. وقال: يملك الأب إسقاط ديْن الابن عن نفسه.

стр. 626

كتاب الوصايا الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية، ١ وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . ٢ وأما السنة: فحديث سعد وابن عمر وغيرهما. وأجمعوا على جوازها. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنها غير واجبة إلا على من عليه حق بغير بيّنة، أو أمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شذت فأوجبتها؛ روي عن الزهري وأبي مجلز، وهو قول داود. ولنا: أن أكثر أصحاب رسول الله ﷺ لم يوصوا، ولم ينقل لذلك نكير. وأما الآية فقال ابن عباس وابن عمر: "نسختها آية الميراث"، وحديث ابن عمر محمول على من عليه واجب. وتصح من السفيه المحجور عليه، ومن الصبي إذا جاوز العشر لا من دون سبع، وفي ما بينهما روايتان. وعن ابن عباس: "لا تصح حتى يبلغ"، وللشافعي قولان. ولنا: ما روي: "أن صبياً من غسان له عشر سنين أوصى إلى إخوانه، فرفع إلى عمر فأجازه، رواه في الموطإ، وفيه: "أن الوصية بيعت بثلاثين ألفاً"؛ وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر. ومن له فوق السبع فيه روايتان: إحداهما: تصح، قال شريح وعبد الله بن عتبة: من أصاب الحق أجزنا وصيته، وأما الطفل والمجنون فلا تجوز

стр. 627

في قول الأكثر، ولا نعلم أحداً خالفهم، إلا إياس بن معاوية، فإنه قال في الصبي والمجنون: إذا وافقت وصيتهما الحق جازت. وتصح وصية الأخرس بالإشارة، لا من اعتقل لسانه، ويحتمل الصحة؛ وهو قول الشافعي وابن المنذر، واحتج بـ"صلاته ﷺ وهو قاعد، فأشار إليهم: أن اجلسوا". وإن وجدت وصية مكتوبة بخطه صحت، وعنه: لا تصح حتى يُشهد. ووجه الأولى: حديث ابن عمر. وإن كتب وصيته وقال: اشهدوا على ما في هذه الورقة لم يجز، ويحتمل أن يجوز، وهو قول مالك والليث والأوزاعي وأبي عبيد، واحتج بـ"كتب رسول الله ﷺ إلى عماله والخلفاء من كتبهم إلى ولاتهم بالأحكام التي فيها الدماء والفروج، مختومة لا يعلم حاملها ما فيها". وذكر استخلاف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز وقال: ولا نعلم أحداً أنكر ذلك مع شهرته، فيكون إجماعاً. وعن أنس: "كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان: أنه يشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] ١ وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين. وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢". أخرجه سعيد عن فضيل عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس. والوصية مستحبة لمن ترك خيراً، للآية؛ فنسخ الوجوب وبقي الاستحباب

стр. 628

في حق من لا يرث، فإن كان له ورثة محتاجون وهو فقير، فلا يستحبّ، لحديث سعد. واختلف في قدر الخير، فقال ابن عباس: "من ترك سبعمائة درهم، ليس عليه وصية". وعن علي: "أربعمائة دينار". وقال طاووس: الخير ثمانون. قال شيخنا: والذي يقوى عندي: أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لم تستحب، لتعليله ﷺ بقوله: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك ... إلخ"؛ ١ فيختلف باختلاف كثرة الورثة وقلّتهم وغنائهم وحاجتهم. والأوْلى: أن لا يستوعب الثلث وإن كان غنياً، لحديث سعد. وعن إبراهيم كانوا يقولون: صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع. "وأوصى أبو بكر الصديق بالخمس وقال: رضيت ما رضي الله به لنفسه"، يريد قوله: ﴿فأن لله خمسه﴾ ٢. والأفضل أن يجعلها لأقاربه الذين لا يرثون إن كانوا فقراء، قال ابن عبد البر: لا خلاف فيه إذا كانوا ذوي حاجة، لأن الله كتب الوصية للوالدين والأقربين، فخرج الوارث وبقي سائرهم على الوصية. فإن أوصى لغيرهم وتركهم صحت في قول الأكثر. وعن طاووس: يردّ إلى قرابته. وعن ابن المسيب والحسن: للذي أوصي له [ثلث] ٣ الثلث، والباقي يردّ إلى قرابته. ولنا: حديث عمران في ستة الأعبد، فأما من لا وارث له فتجوز بجميع ماله، وعنه: ليس له إلا الثلث. ووجه الأولى: حديث سعد، وهنا لا وارث له، وهو مروي عن ابن مسعود وعبيدة ومسروق. فأما ذوو الأرحام فظاهر كلام الخرقي أنه لا يمنع الوصية بجميع المال، ويحتمل كلام شيخنا أنه لا ينفذ

стр. 629

إلا الثلث، لدخولهم في قوله: "إنك أن تذر ورثتك ... إلخ" ١. والوصية لغير وارث تلزم في الثلث من غير إجازة الورثة، وما زاد يقف على إجازة الورثة. قال ابن المنذر أجمعوا على أنها تبطل فيما زاد على الثلث، بردّ الورثة وبردّهم في الوصية للوارث، وإن أجازوا جازت في قول الأكثر. وقال المزني والظاهرية: الوصية لبعضهم باطلة، وإن أجاز الورثة، ولا نعلم خلافاً في أن اعتبارها بالموت. فلو وصى لثلاثة إخوة له مفترقين، ولا ولد له، ومات ولم يولد له، لم تصح لغير الأخ من الأب، وإن ولد له صحت للجميع. ولا تصح إجازتهم وردّهم إلا بعد موت الموصي، وما قبله لا عبرة به، نص عليه؛ وهو قول الشافعي. وقال الحسن والأوزاعي: يجوز كما لو رضي المشتري بالعيب. وقال مالك: إن أذنوا له في صحته، فلهم الرجوع. وإن كان في مرضه حين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم. وإن مات الموصى له قبل موت الموصي، بطل في قول أكثر أهل العلم. واتفق أهل العلم على أن له أن يرجع في كل ما أوصى به وفي بعضه، إلا العتق؛ فالأكثر على جواز الرجوع. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أنه إذا أوصى لرجل بطعام فأكله، أو بشيء فأتلفه أو وهبه، أو بجارية فأحبلها، أنه رجوع. وتخرج الواجبات من رأس المال، أوصى بها أو لا، لقوله سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": عن الشيخ: أن إجازة الورثة تثبت قبل موت الموصي. وأن المجيز لو قال: ظننت باقي المال كثيراً قبل قوله، أو ظننت قيمته ألفاً فبان أكثر، وأن الموصى بوقفه إذا نما بعد الموت وقبل إيقافه، صرف النماء مصرف الوقف إلى آخره.

стр. 630

باب الموصى له تصح لمسلم وذمي وحربي، لا نعلم فيه خلافاً، قال ابن الحنفية في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ : ١ هو وصية المسلم لليهودي والنصراني. وقال أبو حنيفة: لا تصح للحربي إذا كان في دار الحرب، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية. ٢ ولنا: أنها حجة في من لم يقاتل، وأما المقاتل فنهى عن توليه لا عن بره، وحديث عمر في الحلة التي كساها مشركاً بمكة. ولا نعلم خلافاً في صحة الوصية للحمل. وإن وصى في أبواب البر صرف في القرب كلها. وإن أوصى لجيرانه تناول أربعين داراً من كل جانب، نص عليه؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: الجار الملاصق، لقوله: "الجار أحق بصقبه". ٣ وقال قتادة: الجار الدار والداران. ولنا: حديث أبي هريرة، مرفوعاً: "الجار أربعون داراً، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا ". وهذا نص إن صح، وإن لم يثبت فالجار يرجع إلى العرف. وقال أبو بكر: مستدار أربعين داراً، يعني: من كل جانب، والحديث يحتمله.

стр. 631

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": أفتى الشيخ بدخول المعدوم في الوصية تبعاً، كمن وصى بغلّة ثمرة للفقراء إلى أن يحدث لولده ولد. واشترط أيضاً في صحة الوصية: كونها على قربة. قوله: وإن وصى لصنف من أصناف الزكاة أو لجميع الأصناف صح. قال في الفائق: الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل: مصارف الزكاة، فيعطى في فداء الأسرى لمن يفديه، قال الشيخ: أو يوفى ما استدان فيهم.

стр. 632

باب الموصى به تصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه، لأنها إذا صحت بالمعدوم كالحمل فهذا أولى. وتصح بالمعدوم كما لو قال: بما تحمل هذه الجارية، فإن وصى بمائة لا يملكها صح، فإن قدر عليها عند الموت وإلا بطلت. وتصح بالمجهول كعبد وشاة، وإن وصى له بطبل حرب صحت الوصية لأن فيه منفعة مباحة، وإن كان بطبل لهْو لم تصح. وإن أوصى بثلثه فاستحدث مالاً دخل ثلثه في الوصية، في قول أكثر أهل العلم. وتصح بالمنفعة المفردة وبغلّة دار وثمرة بستان، فإن أراد الموصى له بمنفعة الدار إجارتها في تلك المدة فله ذلك. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. وقال ابن المنذر: أجمع من أحفظ عنه: على أن الرجل إذا أوصي له بشيء فهلك الشيء، ألاّ شيء له في مال الميت. والاعتبار في قيمة الوصية وخروجها من الثلث أو عدم خروجها بحالة الموت، وهذا قول الشافعي، لا نعلم فيه خلافاً.

стр. 633

باب الموصى إليه تصح وصية المسلم إلى كل مسلم عاقل عدل، وإن كان عبداً أو مراهقاً أو امرأة. وقال الأوزاعي: تصح إلى عبده لا عبد غيره. وقال الشافعي: لا تجوز إلى العبد بحال. ويحتمل أن لا تصح إلى الصبي، وهو مذهب الشافعي. ولم يجز عطاء الوصية إلى المرأة. ولنا: "أن عمر أوصى إلى حفصة". ولا تصح وصية المسلم إلى كافر، بغير خلاف، وأما الفاسق، فعنه: لا تصح؛ وهو قول مالك والشافعي. وعنه: تصح، وهو مذهب أبي حنيفة. وإذا أوصى إلى رجل، وبعده إلى آخر، فهما وصيان؛ وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، إلا أن يجعل ذلك إليه. وإذا قال: إلى زيد، فإن مات فإلى عمرو، صح لحديث زيد وجعفر وعبد الله. وله عزل نفسه متى شاء، وبه قال الشافعي، وعنه: لا يجوز بعد موت الموصى. وليس له أن يوصي إلا أن يجعل ذلك إليه، وعنه: له ذلك. وأما من لا ولاية له عليهم، كالإخوة والأعمام وسائر من عدا الأولاد، فلا تصح الوصية عليهم، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن أبا حنيفة والشافعي قالا: للجد ولاية على ابن ابنه وإن سفل. ولأصحاب الشافعي في الأم عند عدم الأب والجد وجهان. ولا بأس بالدخول في الوصية، فـ"إن الصحابة يوصي بعضهم إلى بعض فيقبلون". وإن مات رجل لا وصي له ولا حاكم فى بلده، فظاهر كلام أحمد: أنه يجوز لرجل من المسلمين أن يتولى أمره، ويبيع ما دعت الحاجة إلى بيعه.

стр. 634

وإذا علم الموصى إليه أن على الميت ديناً، فقال أحمد: لا يقضيه إلا ببيّنة. قيل له: فإن كان ابن الميت فصدّقه؟ قال: يكون في حصة من أقر بقدر حصته. ونقل أبو داود في رجل أوصى أن لفلان عليَّ كذا: ينبغي للوصي أن ينفذه، ولا يحل له إلا أن ينفذه؛ فهذه محمولة على أن الورثة يصدقون، والأولى إذا لم يصدقوا، جمعاً بين الروايتين. فقيل له: فإن علم الموصى إليه أن لرجل حقاً على الميت فجاء الغريم يطالب الوصي، وقدمه إلى القاضي ليستحلفه أن ما لي في يديك حق؟ قال: لا يحلف، ويعلم القاضي، فإن أعطاه القاضي فهو أعلم. فإن ادعى رجل ديْنا على الميت وأقام بيّنة، فهل يجوز للوصي قضاء الدين من غير حضور حاكم؟ فكلام أحمد يدل على روايتين. وقال أحمد: إذا كان في يده مال للمساكين وأبواب البر وهو محتاج، فلا يأكل منه شيئاً؛ إنما أمر بتنفيذه، وبه قال مالك والشافعي. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": لا نظر لحاكم مع وصي خاص إذا كان كفؤاً. قال الشيخ فيمن أوصى إليه بإخراج حجة: إن ولاية إخراجها والتعيين للناظر، إجماعاً؛ وإنما للولي العام الاعتراض لعدم أهليته أو فعله محرماً. قوله: وإن دعت الحاجة إلى بيع بعض العقار لقضاء دين الميت أو حاجة الصغار وفي بيع [بعضه] ١ نقص، فله البيع على الصغار والكبار إذا امتنعوا أو غابوا. قال في الفائق: والمنصوص: الإجبار على بيع غير قابل للقسمة إذا حصل ببيع بعضه نقص، ولو كان الكل كبارا وامتنع البعض، نص عليه، واختاره شيخنا، لتعلق الحق بنصف القيمة للشريك، لا بقيمة النصف.

стр. 635

كتاب النكاح يجب، إن خاف على نفسه العنت، في قول عامة الفقهاء. فإن لم يخف وله شهوة، استحب، وهو أفضل في حقه من التخلي لنوافل العبادة. وقال الشافعي: التخلي أفضل، لقوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ، ١ فلو كان أفضل لما مدح بتركه. ولنا: أمر الله ورسوله به وحثهما عليه، وقوله: "وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني"، ٢ ولا يشتغل ﷺ إلا بالأفضل، ولا يجمع الصحابة على ترك الأفضل. وأما من لا شهوة له، فهل يستحب له، أو التخلي له أفضل؟ فيه وجهان. ولا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، فإن أحمد قال: ينبغي للرجل أن يتزوج، فإن كان عنده ما ينفق أنفق وإلا صبر. فلو تزوج بشر كان قد تم أمره، واحتج بـ"أنه ﷺ كان يصبح وما عندهم شيء ويمسي كذلك، وزوج من لا يقدر على خاتم حديد"، وهذا فيمن يمكنه، فأما من لا يمكنه فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٣. وعنه: أنه واجب على الإطلاق. وعن داود: ويجب في العمر مرة، للآية. والخبر المشهور ما تقدم، لأن الله علقه على الاستطاعة، والواجب لا يقف عليها،
следующие страницы →