الورثة بأنهم لا يبيعون ذلك، ولا يهبونه، إنما ينتفعون به.
ومسألة السؤال أولى بالجواز، لأن الموصى له بأن يحج عنه ونحوه لا يملك الموصى به، ولا ينتفع به في الدنيا، والموقوف عليه ينتفع به، ويملكه على المشهور. ولما ذكر الزركشي تعليل الأصحاب لمسألة الوقف المذكورة قال: قلت: وكأنه عتق الوارث، انتهى. يشير -والله أعلم- إلى ما ذكروه في تصرف المريض إذا ملك وارثه بشراء ونحوه، وقياس مسألتنا على مسألة العتق أولى، والله أعلم.
ومن بعد ختم الكتاب عثرت على فتيا منسوبة لأبي المواهب الحنبلي: أنه سئل عمن أوصى بأن يحج عن أمه من ماله، وأمه حية، فأفتى بأن ذلك يقف على إجازة الورثة -والله أعلم-. والذي يترجح عندي ما ذكرته في جواب خطك، ولكن حصل بعض التردد، وأحببت تشريفك على ذلك لتنظر، وتتأمل، والسلام.
ومن كلام لأحمد المذكور قال: وأما الحجة فليست بمال، ولا يقصد بها المال، وإنما هي قربة فلا يملك الموصى له بها لو كان حيا تصرفا، فلا تثبت بدون رجلين، والله أعلم.
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الأخ المكرم محمد آل عمر بن سليم ، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وغير ذلك من حال ما سألت عنه:
[وضع الجار الخشب على جدار جاره]
فقول الفقهاء: لا يزال الضرر بالضرار فهذا كما قالوا في أن الجار لا يملك
стр. 1157
وضع الخشب على جدار جاره إلا عند الضرورة إليه، فإن كان جدار الجار يتضرر بوضع الخشب عليه، لم يجز، لأن الضرر لا يزال بالضرر. وكما لو كان مع إنسان طعام أو شراب، هو مضطر إليه، وإنسان آخر مضطر إلى ذلك، فصاحبه أحق به؛ فلا يزال ضرر غير المالك بإدخال الضرر على المالك، ويدخل في ذلك صور كثيرة.
[الإمام إذا حصل في صلاته نقص]
وأما قوله ﷺ : "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم"١، وهذا يدل على أن الإمام إذا حصل في صلاته نقص فالإثم عليه دون المأموم، حتى لو صلى الإمام محدثا، جاهلا أو ناسيا، ولم يعلم المأموم حتى فرغ، فصلاته صحيحة. وأما قول من قال من الفقهاء: أن صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة إمامه، فمرادهم كما لو أحدث في صلاته؛ فبطلت، فتبطل صلاة المأموم، إذا علم حدث إمامه؛ مع أن كثيرا من العلماء لا يرون بطلان صلاة المأموم إذا بطلت صلاة إمامه، وهو رواية عن أحمد وفاقا لمالك والشافعي. وأما إذا سلم الإمام من نقص سهوا، ثم تكلم في تلك الحال بكلام لمصلحة الصلاة، فالصحيح أن صلاته لا تبطل، في رواية مشهورة عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه وفاقا للشافعي.
[شرط المرأة على الزوج طلاق زوجته]
وأما شرط المرأة على الزوج طلاق زوجته فأكثر الأصحاب يصححون هذا الشرط، بمعنى: أن لها الفسخ إذا لم يف. واختار الموفق، وجماعة من الأصحاب - عدم صحة هذا الشرط، وأنها لا تملك الفسخ إذا لم يف، للنهي عنه في الحديث الصحيح، وأرجو أن هذا القول أقرب.
[قلب الدين]
وأما مسألة قلب الدين في الصورة التي ذكرتم، وهي: ما إذا كان له على آخر دراهم، وطلب منه الوفاء، وادعى العسرة، فقال: أسلم إليك دراهم
стр. 1158
في طعام توفيني بها، فإن كان المسلم إليه معسرا، وأكرهه غريمه على ذلك فهو حرام باتفاق الأئمة، قاله الشيخ تقي الدين، قال: لأنه مكره بغير حق. وإن كان المسلم إليه غير معسر، فالذي يظهر لنا عدم الجواز، لأن ذلك يتخذ حيلة على جعل الدين رأس مال سلم، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد آل عمر بن سليم إلى جناب شيخنا المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فأفتنا -عفا الله عنك- هل تعليم شيء من القرآن يجوز أن يكون صداقا أم لا؟ والحديث الذي فيه "أنه ﷺ زوج رجلا على سورة من القرآن وقال: لا تكون لأحد بعدك مهرا"، هل هو صحيح أم لا؟ كذلك -عفا الله عنك- إذا زرع إنسان أرضا مغصوبة، هل يكون عيشها مكروها أم لا؟ وهل يجوز للإنسان أن يشتري منه أم لا، أو سلم له في عيشها؟
وعن ولد الزنى إذا صلح، هل يجوز له إهداء شيء من القرب، مثل: الحج والتضحية لوالديه أم لا؟ وهل هو مسنون؟ أو مكروه؟ كذلك الرقيق الذي ما يدري عن والديه إذا عتق؟
وعن قول بعض الناس لبعض في أثناء الكلام: يا ذخري كذا وكذا، ماذا يكون؟ وعن ما إذا كان طريق على طرف المقبرة، هل يكره للنساء المرور منه أم لا؟ وعن قول بعض الفقهاء وإن اجتازت المرأة بقبر، فسلمت عليه، فحسن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1159
الجواب، وبالله التوفيق.
[جعل تعليم القرآن صداقا]
المسألة الأولى: اختلف العلماء في جواز جعل تعليم القرآن صداقا، وفي ذلك عن أحمد روايتان إحداهما: لا يجوز. اختارها أكثر أصحابه وفاقا لمالك وأبي حنيفة، والرواية الثانية: يجوز، وفاقا للشافعي.
وأما حديث: "لا تكون لأحد بعدك مهرا" فالظاهر عدم صحته، والله أعلم.
[زرع الأرض المغصوبة]
وأما زرع الأرض المغصوبة فلا علمت فيه حكما واضحا، والأولى التنزه عنه، ولا أحب المعاملة فيه. وإهداء ولد الزنى لوالديه المسلمين جائز حسن -إن شاء الله- أعني إهداء جميع القرب والتضحية عنهما، والحج وغير ذلك. وأما الرقيق الذي لا يعلم حال والديه فلا بأس بدعائه لهما، وكذا إهداء القرب.
وقول بعض الناس: "يا عضيدي"، الظاهر أن المراد بمثل هذا المعاونة على ما ينوبه من أموره، مثل: انتصاره به على عدوه ونحوه، لا بأس به.
وإذا كان للناس طريق على حد المقبرة، ومرت معه امرأة وسلمت فلا بأس, لأنها لا تسمى زائرة، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
من محمد آل عمر بن سليم إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): أفتنا -أثابك الله، وأحسن لك الخاتمة- عما إذا كان لإنسان على آخر دين، والمدين معسر، هل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك
стр. 1160
الدين، ويكون ذلك زكاة الدين أم لا؟ وعما إذا كان مصرف ريع الوقف في أضحية وقربة، هل يجوز أن يجعل جلد الأضحية قربة، أم لا بد أن يشتري جلدا غير جلد الأضحية؟ وعن قول بعض الناس: يحق من الله أن يكون كذا، إذا كان أمر نعمة، وعن قول بعض الناس: وحق الله، هل هو حلف بغير الله، أو لغو؟ وعن قول بعض الناس: بالرحمن نفعل كذا، أو يكون كذا، أو ما صار كذا, أو ما فعلت كذا، وعن الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة، وبين الخطبتين، وبين الإقامة والصلاة، وعن الدعاء بعد الفريضة، وبعد التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين، هل الدعاء في هذه المواضع مستحب أو مكروه أو مباح، أو بعضها مستحب، وبعضها مكروه؟ وعن رفع اليدين بالدعاء في هذه المواضع، هل هو مستحب أو مكروه أو مباح، أو ما كان مكروها فرفع اليدين فيه مكروه، وما كان مستحبا فرفع اليدين فيه مستحب؟.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): فالجواب -وبالله التوفيق-:
[أسقط عن المعسر أو فقير غير معسر زكاة الدين]
المعروف، المعمول به في المذهب - أنه إذا أسقط عن المعسر، أو فقير غير معسر زكاة الدين الذي عليه، أن ذلك لا يجوز، ولا يجزئ.
[شرط في غلة الوقف أضحية وقربة]
وإذا شرط في غلة الوقف أضحية، وقربة، فالذي أرى أنه يلزمه شراء قربة، فلا يكتفي بجلد الأضحية، والله أعلم.
وأما قول بعض الجهال: يحق من الله أن يكون كذا، فهذه كلمة قبيحة، يخاف أن تكون كفرًا، فينهى من قال ذلك، وينصح.
стр. 1161
[الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة وحال جلوسه بين الخطبتين]
وأما الدعاء عند دخول الإمام يوم الجمعة، وحال جلوسه بين الخطبتين - فلا علمت فيه شيئا، ولا ينكر على فاعله الذي يتحرى الساعة المذكورة في يوم الجمعة.
وأما الدعاء بعد الإقامة فلم يرد فيه شيء، والأولى عدم فعله، وأما الدعاء بعد الفرائض، فإن فعله إنسان بينه وبين الله، فحسن.
وأما رفع اليدين في هذه الحال فلم يرد عن النبي ﷺ وخير الهدي هدي محمد، ومثل هذا ما أرى الإنكار على فاعله، ولو رفع يديه.
[الحلف بحق الله]
وأما الحلف بحق الله فكثير من أهل العلم يجوزه، وبعضهم يمنع منه، والمشهور في المذهب جوازه. وأما قول بعض الناس لك: لله ما فعلت كذا، فإذا لم يكن للقائل نية فهو لغو. وقول بعض الناس: بالرحمن نفعل، إن كان مراده الاستعانة فلا بأس، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الولد المكرم عبد الرحمن بن محمد بن مانع ، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ السلام، والخط الشريف وصل، ومن حال المسائل المذكورة فيه:
[السكة إذا كسدت بتحريم السلطان لها أو بغيره]
فأما مسألة السكة إذا كسدت بتحريم السلطان لها أو بغيره، أو رخصت - فالأصحاب إنما أوجبوا القيمة، إذا حرمها السلطان، فمنع المعاملة بها سواء اتفق الناس على ترك المعاملة بها أو لا. وذكروا نص الإمام أحمد في القرض، وقاسوا عليه النقد المعين في المبيع، وثمن المبيع إذا رد بعيب ونحوه
стр. 1162
بعد قبض البائع له ونحو ذلك، وقد ذكر المسألة ناظم المفردات وهي منها، فنذكر بعض كلامه، وكلام شارحها، فقال:
والنقد في المبيع حيث عُيّنا ... وبعد ذا كساده تبينا
نحو الفلوس ثم لا يعامل ... بها فمنه عندنا لا تقبل
بل قيمة الفلوس يوم العقد ... والقرض أيضا هكذا في الرد
أي: إذا وقع العقد بنقد معين: كدراهم مكسرة أو مغشوشة أو بفلوس، ثم حرمها السلطان، فمنع المعاملة بها مثل قبض البائع لها، لم يلزم البائع قبضها، بل له الطلب بقيمتها يوم العقد. وكذلك لو أقرضه نقدا، أو فلوسا، فحرم السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض، لم يلزم المقرض قبوله، ولو كان باقيا بعينه لم يتغير، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد إن أفضى إلى ربا الفضل، فإذا كان دراهم أعطي عنها دنانير وبالعكس؛ لئلا يؤدي إلى الربا قال الناظم:
ومثله من رام عود الثمن ... من رده المبيع خذ بالأحسن
قد ذكر الأصحاب ذا في ذا الصور ... والنص في القرض عيانا قد ظهر
أي: مثل ما تقدم من اشترى معيبا أو نحوه بدراهم مكسرة، أو مغشوشة أو فلوس، وأقبضها للبائع، فحرمها السلطان.
[بيعتين في بيعة]
وأما صورة بيعتين في بيعة فكثيرة جدًّا، وضابطه: أن يشترط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدًا آخر، ونص الإمام أحمد على صور من ذلك: كأن يشترط أحدهما على صاحبه سلما أو قرضا أو بيعا أو شركة أو إجارة أو صرفا للثمن أو غيره.
قال الأصحاب: وكذلك كل ما كان في معنى ذلك، مثل أن يقول:
стр. 1163
بعتك كذا بكذا على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك بنتي، وكذا أن تنفق على عبدي، أو دابتي، أو على حصتي من ذلك قرضا أو مجانا، فهذه الصور مما نص عليه الأصحاب وغيرهم، فإذا عرفت ضابط المسألة، تبين لك تفصيلها وأنواعها، فإذا أجره داره بكذا، بشرط أن يؤجره داره، أو يبيعه كذا بكذا، أو ساقاه على نخله، أو زارعه على أرضه، بشرط أن يبيعه كذا، أو يقرضه كذا، ونحو ذلك من اشتراط عقد في عقد آخر، فهو من نحو بيعتين في بيعة، وهو صفقتان في صفقة، وقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود مرفوعا: أنه نهى عن صفقتين في صفقة. وقد فسر جماعة من الأئمة البيعتين في بيعة بأن يقول بائع السلعة: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا. وحديث "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا"١ رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا.
قال الشيخ تقي الدين: للناس في بيعتين في بيعة تفسيران: (أحدهما) أن يقول: هو لك بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا، كما رواه سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة"٢، قال سماك: "هو الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنساء بكذا، وهو ينقد بكذا وكذا" رواه الإمام أحمد. وعلى هذا فله وجهان:
أحدهما: أن يبيعه بأحدهما مبهما، ويتفرقا على ذلك، وهذا تفسير جماعة من أهل العلم، لكنه يتعذر من هذا الحديث، يعني حديث "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا"٣ هذا لفظ الحديث، قال: فإنه لا مدخل للربا هنا، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بثمن مبهم.
والثاني: أن يقول: هي بنقد بكذا، وأبيعها بنسيئة بكذا، الصورة التي ذكرها ابن عباس ﵁ فيكون قد جمع صفقتي النقد والنسيئة
стр. 1164
في صفقة واحدة، وجعل النقد معيار النسيئة، وهذا مطابق لقوله ﷺ : "فله أوكسهما أو الربا"١، فإن مقصوده حينئذ هو بيع دراهم عاجلة بآجلة، فلا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، وهو مقدار القيمة العاجلة، فإن أخذ الربا فهو مربي.
التفسير الثاني: أن يبيعه الشيء بثمن، على أن يشتري المشتري منه ذلك الثمن، أولى منه أن يبيعه السلعة على أن يشتريها البائع بعد ذلك، وهذا أولى بلفظ البيعتين في بيعة؛ فإنه باع السلعة وابتاعها، أو باع الثمن وابتاعه، وهذه صفقتان في صفقة، وهذا بعينه هو العينة المحرمة وما أشبهها. ومثل أن يبيعه نسأ، ثم يشتري بأقل نقدا أو بنقد، ثم يشتري بأكثر منه نسأ، ونحو ذلك؛ فيعود حاصل هاتين الصفقتين إلى أن يعطيه دراهم، ويأخذ أكثر منها، وسلعته عادت إليه؛ فلا يكون له إلا أوكس الصفقتين، وهو النقد، فإن ازداد فقد أربى.
[مات ولم يحج]
وأما من مات ولم يحج، فإن كان قد وجب عليه الحج قبل موته لاستكمال شروط الوجوب في حقه، وجب أن يحج عنه من رأس ماله أوصى به أم لا. وإن كان الميت لم يجب عليه الحج في حياته لعدم تكامل شرائط الوجوب في حقه في حياته، لم يجب أن يحج عنه من ماله إن لم يوص به؛ فإن أوصى به فمن ثلثه. هذا ما ذكره أصحابنا وغيرهم.
[وضع الجائحة في الأرض المستأجرة]
وأما ثبوت الجائحة في الأرض المستأجرة ونحوها، فاختيار الشيخ تقي الدين معلوم لديكم، وجمهور العلماء على خلافه. بل قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، ولفظ الشارح بأن استأجر أرضا، فزرعها، فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا لأن المعقود عليه منافع الأرض، ولم تتلف، إنما تلف مال المستأجر فيها، فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا،
стр. 1165
فتلفت الثياب فيها، انتهى.
ولم يحك صاحب الإنصاف إثبات الجائحة في الإجارة عن غير الشيخ تقي الدين إلا ما حكاه عن أبي الفضل في الحمام، وقد ذكر الشيخ عن اختياره أنه خلاف ما رآه عن أحمد. والذي نعتمده في المسألة الصلح إن تيسر، وإلا لم نحكم بوضع شيء من الأجرة، كما هو قول جمهور العلماء. والفرق بين الثمرة والأجرة أن المعقود عليه في شراء الثمرة هو عين الثمرة، والمعقود عليه في الإجارة منافع الأرض؛ ولهذا لو تركها المستأجر معطلة، فلم ينتفع بها لزمته الأجرة لتلف المنافع تحت يده. فالمعقودعليه في الإجارة نفع الأرض، فالتالف غير المعقود عليه. قال في الاختيارات لما ذكر إثبات الجائحة في أجرة الأرض: وبعض الناس يظن أن هذا خلاف ما في المغني من الإجماع، وهو غلط؛ فإن الذي في المغني أن نفس الزرع إذا تلف يكون من ضمان المستأجر صاحب الزرع، لا يكون كالثمرة المشتراة، فهذا ما فيه خلاف، وإنما الخلاف في نفس أجرة الأرض، ونقص قيمتها، فيكون كما لو انقطع الماء عن الرحى.
[طلق زوجته وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه]
وأما الذي طلق زوجته، وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه، فإنه يعمل بقوله، ولا يقبل قولها: أنه واقعها بعد ذلك، إلا ببينة والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى.
[دخل إليه مدينان ليدفعا إليه ماله عليهما ثم وجد نقصا]
(الأولى): رجل دخل إليه مدينان ليدفعا إليه ماله عليهما، فأخرج أحدهما عشرة دراهم، وقال: هذه هي التي عندي لك، خذها لتحسبها، فقال: ضعها
стр. 1166
وقال الآخر كذلك، وأمره أن يضعها على دراهم الأول، أو إلى جنبها، فأخذهما صاحب الحق جميعا، وحسبهما، فوجد نقصا، لا يدري من أيهما، فما الحكم في ذلك؟
(فأجاب رحمه الله تعالى) بأن له على كل منهما اليمين أنه دفع إليه حقه تاما، وليس له إلا ذلك، لأنه فرط في خلطهما، فلم تكن الدعوة على إنسان بعينه، بل عليهما جميعا، وهي لا تسمع إلا على معين.
[موافقة الرسول ظاهرا وباطنا]
(الثانية): ما معنى قول الحموية: أما الذين وافقوه ببواطنهم، وعجزوا عن إقامة الظواهر، أو الذين وافقوه بظواهرهم، وعجزوا عن تحقيق البواطن، أو الذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الإمكان، لا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة، وإن اعتقدوا صدقها كقول الرافضة: من لم يبغض أبا بكر، وعمر، فقد أبغض عليا.
(فأجاب رحمه الله تعالى): لما ذكر قبل ذلك: أن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا، ثم ذكر التابعين له على بصيرة، الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات، باطنا وظاهرا، ثم ذكر الفريق الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، فهم الذين وافقوه اعتقادا وعجزوا عن إقامة القول والعمل، كالدعوة إلى الله -سبحانه-، وطائفة وافقوه في الظواهر وعجزوا عن تحقيق البواطن على ما هي عليه من الفرق بين الحق والباطل بقلوبهم، ففيهم نقص من هذا الوجه، وفريق وافقوه ظاهرا، وباطنا، بحسب الإمكان، لكنهم دون الأولين التابعين له على بصيرة، اعتقادا واقتصادا قولا وعملا، والله أعلم.
[إطلاق الإمامة على من ليس قرشي]
(الثالثة): إن قال بعض الجهال: إن من شرط الإمام أن يكون قرشيا، ولم يقل عارضيا، يشير إلى أنه قد ادعاها من ليس من أهلها، يعني شيخ
стр. 1167
الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ومن قام معه وبعده بما دعا إليه، وأيضا: إن البغاة تحل دماؤهم دون أموالهم، وقد استحل الأموال، والدماء من العلماء وغيرهم، فما الجواب؟ أفدنا وفقك الله للصواب.
(الجواب) وبالله التوفيق: إذا قال بعض الجهال ذلك فقل له: ولم يقل تركيًا، فإذا زال هذا الأمر عن قريش، فلو رجع إلى الاختيار لكان العرب أولى به من الترك؛ لأنهم أفضل من الترك؛ ولهذا ليس التركي كفوا للعربية، فلو تزوج تركي بعربية كان لمن لم يرض من الأولياء فسخ هذا النكاح، وهذا الذي يعظمه الناس تركي لا قرشي، وهم أخذوها بغيا على قريش. ومحمد بن عبد الوهاب ﵀ ما ادعى إمامة الأمة، وإنما هو عالم، ودعا إلى هدى، وقاتل عليه، ولم يلقب في حياته بالإمام، ولا عبد العزيز بن محمد بن سعود، ما كان أحد منهما يسمى إماما في حياته، وإنما حدث تسمية من تولى إماما بعد موتهما.
وأيضا، فالألقاب أمرها سهل، وهذا من صار واليا في صنعاء سمي إماما، وصاحب مقط يسمى إماما. وقتال الشيخ محمد بن عبد الوهاب من قاتله ليس لكونهم بغاة، وإنما قاتلهم على ترك الشرك، وإزالة المنكرات، وعلى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والذين قاتلهم الصديق والصحابة لأجل منع الزكاة، لم يفرقوا بينهم وبين المرتدين في القتل وأخذ الأموال.
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى-*: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل الصديق والصحابة مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم ... إلى أن قال:
стр. 1168
فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنى والميسر، أو عن التزام جهاد الكفار، وغير ذلك من واجبات الدين، ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها لوجوبها، وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء ... إلى أن قال: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة، انتهى.
وأيضا، فالمشار إليهم في السؤال، لا نقول: إنهم معصومون، بل يقع منهم أشياء تخالف الشرع، ولولا ما يحدث من المخالفات، لم يسلط عليهم عدوهم، لكن عوقبوا بأن سلط عليهم من هم خير منهم وأحسن.
"إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني" والذي أدركنا من سيرة هذه الطائفة المشار إليها ما بقي منها إلا الاسم ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. واحتجاج بعض الناس بقول بعض العلماء: يباح الدعاء في الخطبة لمعين، ولم يقولوا: يسن، وأيضا فالدعاء حسن، يُدعَى له بأن الله يصلحه، ويسدده، ويصلح به، وينصره على الكفار، وأهل الفساد، وما في الخطب من الثناء، والمدح بالكذب الواجب على ولي الأمر، أولا- البداءة برعيته بإلزامهم شرائع الإسلام، وإزالة المنكرات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، فهذا أهم وأوجب من جهاد العدو الكافر، وهذا مما يستعان به على جهاد الكفار، لما روي: "إنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم" وولي
стр. 1169
الأمر إنما يدعى له، لا يمدح، لا سيما بما ليس فيه. وهؤلاء الذين يُمدحون في الخطب هم الذين أماتوا الدين، فمادحهم مخطئ، وليس في الولاة اليوم من يستحق المدح، لا يثنى عليه، وإنما يُدعى لهم بالتوفيق، والهداية، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من جمعان بن ناصر إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): أمتعنا الله بحياتك، المرجو من إحسانك الإفادة عن القدَرية ومذهبهم، وعن المعتزلة ومذهبهم، وعن الخوارج ومذهبهم، أثابك الله الجنة بمَنِّه وكرمه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): فالجواب -وبالله التوفيق-:
[الإيمان بالقدر ومعناه]
قد فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث جبريل بالاعتقاد الباطن فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"١.
والأحاديث في إثبات القدر كثيرة جدا. والقدر الذي يجب الإيمان به على درجتين:
الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو من أهل النار؛ وأعد لهم الثواب، والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم؛ وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه، وكتابه.
والدرجة الثانية: الإيمان بأن الله خلق أفعال العباد كلها: من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وشاءها منهم؛ فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة،
стр. 1170
وينكرها جميع القدرية، يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاءها منهم، بل هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم من خير وشر، وطاعة ومعصية.
والدرجة الأولى نفاها غلاة القدرية: كمعبد الجهني، وعمرو بن عبيد؛ ونص أحمد والشافعي على كفر هؤلاء.
[القول بأن الله لم يخلق أعمال العباد ولم يشأها]
وأما من قال: إن الله لم يخلق أعمال العباد ولم يشأها منهم، مع إقرارهم بالعلم، ففي تكفيرهم نزاع مشهور بين أهل العلم. فحقيقة القدر الذي فرض علينا الإيمان به أن نعتقد أن الله علم ما العباد عاملون قبل أن يوجدهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأن أعمال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله، واقعة بمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قال الله -تعالى-: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٢، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ٣، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ٤.
فهذه الآيات ونحوها صريحة في أن أعمال العباد خيرها وشرها، وضلالهم واهتداءهم، كل ذلك صادر عن مشيئته، وقال -تعالى-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ٥ وقال: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ٦، فدل ذلك على أن الله -سبحانه- هو الذي جعلها فاجرة، أو تقية، وأنه خلق الإنسان هلوعا، خلقه متصفا بالهلع. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ٧، ففي هذه الآية بيان أن الله خلق المؤمن وإيمانه، والكافر وكفره. وقد صنف البخاري -رحمه الله تعالى- كتاب خلق أفعال العباد، واستدل بهذه الآيات، أو بعضها على ذلك، وفي الحديث: "إن الله خلق كل صانع وصنعته".
[الأدلة على تقدم علم الله سبحانه بجميع الكائنات قبل إيجادها]
أما الأدلة على تقدم علم الله -سبحانه- بجميع الكائنات قبل إيجادها، وكتابته ذلك، ومنها السعادة والشقاوة، وبيان أهل الجنة وأهل النار قبل
стр. 1171
أن يوجدهم، فكثيرة جدًّا، كقوله -تعالى-: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء"٢، وفي حديث آخر: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة"٣.
والأحاديث في هذا كثيرة جدا، فهؤلاء الذين وصفنا قولهم بأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاءها منهم، هم القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة. وقابلتهم طائفة أخرى غلوا في إثبات القدر، وهم يسمون الجبرية، فقالوا: إن العبد مجبور مقهور على ما يصدر منه، لا قدرة له فيه، ولا اختيار؛ بل هو كغصن الشجرة الذي تحركه الريح. والذي عليه أهل السنة، والجماعة: الإيمان بأن أفعال العباد مخلوقة لله، صادرة عن مشيئته، وهي أفعال لهم، وكسب لهم باختيارهم؛ فلذا ترتب عليها الثواب والعقاب. والسلف يسمون الجبرية قدرية؛ لخوضهم في القدر.
ولهذا ترجم الخلال في كتاب السنة، فقال: الرد على القدرية، وقولهم: إن الله جبر العباد على المعاصي، ثم روى عن بقية، قال: سألت الزبيدي، والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي، ويقدر، ويخلق، ويَجبُل عبده على ما أحب.
وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والجبل والخلق، فهذا يعرف من القرآن، والحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-*: فهذان الجوابان اللذان
стр. 1172
ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.
أما الزبيدي فقال ما تقدم؛ وذلك لأن الجبر في اللغة: إلزام الإنسان بغير رضاه، كما يقول الفقهاء: هل تجبر المرأة على النكاح أم لا؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فقال: الله أعظم من أن يجبر، أو يعضل؛ لأن الله قادر على أن يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله، مبغضا تاركا لما يتركه، فلا جبر على أفعاله الاختيارية، ولا عضل عما يتركه لكراهته أو عدم إرادته. وروي عن سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- أنه أنكر جَبَرَ، وقال: الله -سبحانه- جَبَلَ العباد. وقال الراوي عنه: أراد قوله ﷺ لأشج عبد القيس: "بل جبلت عليهما"١، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله. يعني الحلم والإناءة.
وقال المروزي للإمام أحمد: إن رجلا يقول: إن الله جبر العباد، فقال: لا نقول هكذا، وأنكر هذا، وقال: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
[عقيدة المعتزلة]
وأما المعتزلة: فهم الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، يعنون أن مرتكب الكبيرة يصير في منزلته بين الكفر والإسلام، فليس هو بمسلم ولا كافر. ويقولون: إنه يخلد في النار، ومن دخل النار لم يخرج منها بشفاعة، ولا غيرها. وأول من اشتهر عنه ذلك عمرو بن عبيد، وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين الجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة؛ وهم كانوا بالبصرة بعد موت الحسن البصري. وضَم المعتزلة إلى ذلك التكذيب بالقدر، ثم ضموا إلى ذلك نفي الصفات، فيثبيتون الاسم دون الصفة، فيقولون: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا سائر الصفات؛ فهم قدرية جهمية، وامتازوا بالمنزلة بين المنزلتين، وخلود عصاة الموحدين في النار.
стр. 1173
[عقيدة الخوارج]
وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا على علي ﵁ وقبل ذلك قتلوا عثمان؛ وكفروا عثمان وعليا وطلحة والزبير ومعاوية وطائفتي علي ومعاوية، واستحلوا دماءهم. وأصل مذهبهم الغلو الذي نهى الله عنه، وحذر منه النبي ﷺ فكفَّروا من ارتكب كبيرة، وبعضهم يكفر بالصغائر، وكفروا عليا، وأصحابه بغير ذنب، فكفروهم بتحكيم الحَكمَين: عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وقالوا: لا حكم إلا لله، واستدلوا على قولهم بالتكفير بالذنوب بعمومات أخطؤوا فيها، وذلك كقوله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ١، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ ٣ الآية، وغير ذلك من الآيات.
وأجمع أهل السنة، والجماعة أن أصحاب النار لا يخلدون في النار، إذا ماتوا على التوحيد، وأن من دخل النار منهم بذنبه يخرج منها كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ . وأيضا فلو كان الزاني، وشارب الخمر، والقاذف، والسارق، ونحوهم، كفارا مرتدين، لكان حكمهم في الدنياالقتل، الذي هو حكم الله في المرتدين، فلما حكم الله على الزاني البكربالجلد، وعلى السارق بالقطع، وعلى الشارب، والقاذف بالجلد، قلنا: حكم الله فيهم بذلك لأنهم لم يكفروا بهذه الذنوب كما تزعمه الخوارج.
فإذا عرفت مذهب الخوارج أن أصله التكفير بالذنوب، وكفَّروا أصحاب رسول الله ﷺ واستحلوا قتلهم متقربين بذلك إلى الله، فإذا تبين لك ذلك تبين ضلال كثير من أهل هذه الأزمنة، في زعمهم أن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأتباعه خوارج، ومذهبهم مخالف
стр. 1174
لمذهب الخوارج، لأنهم يوالون جميع أصحاب رسول الله، ﷺ ويعتقدون فضلهم على من بعدهم، ويوجبون أتباعهم، ويدعون لهم، ويضللون من قدح فيهم، أو تنقص أحدا منهم. ولا يكفرون بالذنوب، ولا يخرجون أصحابها من الإسلام، وإنما يكفرون من أشرك بالله، وحسن الشرك؛ والمشرك كافر بالكتاب والسنة والإجماع. فكيف يجعل هؤلاء مثل أولئك؟ وإنما يقول ذلك معاند يقصد التنفير للعامة، أو يقول ذلك جاهلا بمذهب الخوارج، ويقوله تقليدا.
ولو قدرنا أن إنسانا يقع منه جراءة وجسرة على إطلاق الكفر جهلا منه، فلا يجوز أن ينسب إلى جميع الطائفة، وإنما ينسب إليهم ما يقوله شيخهم وعلماؤهم بعده؛ وهذا أمر ظاهر للمنصف، وأما المعاند المتعصب فلا حيلة فيه. إذا عرفت مذاهب الفرق المسؤول عنها، فاعلم أن أكثر أهل الأمصار اليوم أشعرية، ومذهبهم في صفات الرب موافق لبعض ما عليه المعتزلة الجهمية؛ فهم يثبتون بعض الصفات دون بعض. فيثبتون الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وينفون ما سوى هذه الصفات بالتأويل الباطل، مع أنهم وإن أثبتوا صفة الكلام موافقة لأهل السنة فهم في الحقيقة نافون لها لأن الكلام عندهم هو المعنى فقط، ويقولون: حروف القرآن مخلوقة؛ لم يتكلم الله بحرف ولا صوت. فقالت لهم الجهمية: هذا هو نفس قولنا: إن كلام الله مخلوق لأن المراد الحروف لا المعنى.
تقارب الأشعرية من المعتزلة والجهمية في بعض الصفات
ومذهب السلف قاطبة: أن كلام الله غير مخلوق، وأن الله -تعالى- تكلم بالقرآن، حروفه ومعانيه، وأن الله يتكلم بصوت يسمعه من يشاء.
والأشعرية لا يثبتون علو الرب فوق سماواته واستواءه على عرشه
стр. 1175
ويسمون من أثبت صفة العلو والاستواء على العرش مجسما مشبها، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون صفة العلو، والاستواء، كما أخبر الله -سبحانه- بذلك عن نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، من غير تكييف ولا تعطيل.
وصرح كثير من السلف بكفر من لم يثبت صفة العلو والاستواء. والأشاعرة وافقوا الجهمية في نفي هذه الصفة، لكن الجهمية يقولون: أنه في كل مكان، ويسمون الحلولية، والأشعرية يقولون: كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل أن يخلق المكان. والأشعرية يوافقون أهل السنة في رؤية المؤمنين ربهم في الجنة، ثم يقولون: إن معنى الرؤية إنما هو زيادة علم، يخلقه الله في قلب الناظر ببصره، لا رؤية بالبصر حقيقة عيانا. فهم بذلك نافون للرؤية التي دل عليها القرآن، وتواترت بها الأحاديث عن النبي ﷺ .
ومذهب الأشاعرة: أن الإيمان مجرد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح. قالوا: وإن سميت الأعمال في الأحاديث إيمانا، فعلى المجاز لا الحقيقة.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وقد كفر جماعة من العلماء من أخرج العمل عن الإيمان. فإذا تحققت ما ذكرنا عن مذهب الأشاعرة من نفي صفات الله غير السبع التي ذكرنا، ويقولون: إن الله لم يتكلم بحرف، ولا صوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويزعمون أن كلام الرب معنى واحد، وأن نفس القرآن هو نفس التوراة والإنجيل، لكن إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، ولا يثبتون رؤية أهل الجنة ربهم بأبصارهم، إذا عرفت ذلك عرفت
стр. 1176
خطأ من جعل الأشعرية من أهل السنة، كما ذكره السفاريني في بعض كلامه، ويمكن أنه أدخلهم في أهل السنة مدارة لهم لأنهم اليوم أكثر الناس، والأمر لهم، والله أعلم، مع أنه قد دخل بعض المتأخرين من الحنابلة في بعض ما هم عليه.
[معنى يأس الشيطان من كفر جزيرة العرب]
وأما قوله ﷺ : "إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب"١ فقد يحتج بهذا الحديث من زعم أن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند القبور ومع الجن، مثل سؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والاستعاذة بهم، والتقرب إليهم بالذبح لهم، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادات، ليست عبادة لهم ولا شركا، فيقال: (أولا): إن النبي ﷺ نسب الإياس إلى الشيطان، ولم يقل: إن الله آيسه، فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ولكن عدو الله لما رأى ما ساءه من ظهور الإسلام في جزيرة العرب وعلوه أيس من ترك المسلمين دينهم الذي أكرمهم الله به، ورجوعهم إلى الشرك الأكبر، وهذا كما أخبر الله عن الكفار في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ٢، قال المفسرون: لما رأى الكفار ظهور الإسلام في أرض العرب، وتمكنه فيها، يئسوا من رجوع المسلمين عن الإسلام إلى الكفر.
قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يئسوا أن تراجعوا دينهم، قال ابن كثير: وعلى هذا يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"٣ يعني أن إياس الشيطان مثل إياس الكفار، وأن الكل يئس من ارتداد المسلمين، وتركهم دينهم، ولا يلزم من ذلك امتناع وجود الكفار في أرض العرب؛ ولهذا قال ابن رجب على الحديث: إن الشيطان يئس أن تجتمع
стр. 1177
الأمة على أصل الشرك الأكبر. يوضح ذلك ما حصل من ارتداد أكثر أهل الجزيرة بعد موت النبي ﷺ وقتال الصديق والصحابة لهم على اختلاف تنوعهم في الردة، وقال أبو هريرة لما مات النبي ﷺ : وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب، وردة بني حنيفة مشهورة.
وقول النبي ﷺ : "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون"١ معناه: أنه يئس أن يطيعه المصلون في الكفر بجميع أنواعه، لأن طاعته في ذلك هي عبادته، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢.
ومن استدل بالحديث على امتناع وجود كفر في جزيرة العرب، فهو ضال مضل، فماذا يقول هذا الضال في الذين قاتلهم الصديق والصحابة من العرب، وسموهم مرتدين كفارا؟ فلازم دعوى هذا الضال أنه لم يكفر أحد من العرب بعد موت النبي ﷺ ، وأن الصحابة أخطؤوا في قتالهم والحكم عليهم بالردة، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" ومكانهما معلوم، وقال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس عند ذي الخلصة"٣ وهو صنم لدوس رهط أبي هريرة، بعث النبي ﷺ جرير بن عبد الله البجلي وهدمه. وفي الحديث الصحيح من خبر الدجال: "أنه لا يدخل المدينة بل ينزل بالسبخة؛ فترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج منها على كافر ومنافق"٤ فأخبر أن في المدينة إذ ذاك كفارا ومنافقين.
ويقال -أيضا- لهذا المجادل: بين لنا الشرك الذي حرمه الله وعظم أمره
стр. 1178
فإنه لا يعرفه، أو يفسره بالشرك في الربوبية الذي أقر به المشركون، وحينئذ بينت له أن الشرك في الإلهية، وهو جعل شيء من العبادة لغير الله: كالسجود، ودعاء الأموات والغائبين، والذبح لهم، والنذر لهم، وهذه الأمور كانت تفعل عند مشاهد شركية في اليمن والحرمين، ومع الجن في نجد، وغيرها من الجزيرة.
أيظن هؤلاء المجادلون بالباطل أن العلماء الذين نصوا على أن هذه الأفعال والأقوال من الشرك الأكبر - أنهم لا يعرفون معنى الحديث الذي أوردتموه؟ أو لا يعرفون الشرك؟ وهذا ظاهر ولله الحمد، ونص عليه العلماء، وحكوا الإجماع عليه، وأقاموا عليه الأدلة من الكتاب والسنة. فإن كابر، وعاند، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا.
نسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
...
[الكتابة على القبر]
سئل الشيخ العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -رحمه الله تعالى- عن كتب اسم الميت على نصيبة القبر، فقال: داخل في عموم النهي عن الكتابة على القبر.
[نصاب الزكاة في الأريل]
وسئل كم نصاب الزكاة في الأريل*؟ فقال: إحدى وعشرون واثنان وعشرون.
[الرسم على القبر]
وسئل عن الرسم على القبر فقال: لا بأس، والنبي ﷺ علّم على قبر عثمان بن مظعون بحجر، جعله علما عند رأسه.
[فعل ذوات الأسباب في وقت النهي]
وسئل عن فعل ذوات الأسباب في وقت النهي، فقال: الذي يظهر لي أن القول بجوازه أولى.
стр. 1179
[قول "العمل لأجل الناس شرك وتركه لأجل الناس رياء"]
وسئل أيضا عن "العمل لأجل الناس شرك وتركه لأجل الناس رياء"، فقال: هذا من كلام الفضيل بن عياض.
[صحة قول "من مات بالحرمين بعث يوم القيامة آمنا"]
وسئل عما يقولون: إن النبي ﷺ قال: "من مات بالحرمين بعث يوم القيامة آمنا". فقال: كذب لا أصل له.
[الصلاة على النبي ﵇ بعد قنوت الوتر]
وسئل عن الصلاة على النبي ﷺ بعد قنوت الوتر فقال: مستحبة، فقيل: وآله، فقال: لا بأس كما في التشهد.
[القول بان الريح أتت سليمان بن داود ﵇]
وسئل عما ذكر من أن الريح أتت سليمان بن داود ﵇، فقال لا أصل له.
[تعصيب الصبي]
وسئل عما يفعل بالصبي، الذي يسمونه التعصيب، هل يجوز أم لا؟ فقال: ما علمت فيه شيئا، ولكني أكرهه، والله أعلم.
[التداوي بالنجس]
وسئل عما يحكى من دم البرزاني أنه دواء لعضة الكلب الكلب المسمى الآن بالمغلوث، فقال: لا أصل له، والتداوي بالنجس حرام.
[سلم عليه أحد وسأله عن حاله، قال: الله يسأل عن حالك]
وسئل عما يقول بعض الناس إذا سلم عليه أحد، وسأله عن حاله، قال: الله يسأل عن حالك، فقال: هذا كلام قبيح ينصح من تلفظ به.
[قول البعض أمتعني الله بحياة فلان]
وسئل عن قول الإنسان: أمتعني الله بحياة فلان، قال: مرادهم أن الله يبقيه ما دمت حيا، ولا يبين لي فيه بأس، والله -سبحانه- أعلم.
[الوطء بعد الحيض قبل الغسل]
وسئل عن الوطء بعد الحيض قبل الغسل، أفيه كفارة أم لا؟ فقال: الظاهر أنه ما فيه كفارة.
[داوى عينه ليلا في رمضان فوجد طعمه نهارا في حلقه]
وسئل عن ما إذا داوى الإنسان عينه ليلا في رمضان، فوجد طعمه نهارا في حلقه، هل يضر ذلك على صيامه؟ فقال: أرجو أنه ما يضر، والله أعلم.
стр. 1180
[الاستجمار في الأرض]
وسئل عن كراهة بعض الناس الاستجمار في الأرض، لأنه خُلق منها، فقال: هذا وسواس شيطاني، ما يلتفت إليه.
[قول البعض: علي الحرام أو الحُرم]
وسئل عما يجري على ألسنة بعض الناس من قولهم: عليّ الحرام، أو الحُرْمُ؟ فقال: إن نوى تحريم شيء فعلى نيته، وإن لم ينو شيئا فلغو، وقول: الله يحرم، بلفظ المضارع، ليس بشيء، والله أعلم.
[حكم قول البعض: الله يخلي عنا]
وسئل عما يجري على ألسنة بعض الناس من قولهم: الله يخلي عنا، هل فيها بأس؟ فقال: ما علمت فيها بأسا لأن معناها: الله يتسامح عنا، والله أعلم.
[الحلف بقول: الله يعلم ما فعلت كذا]
وسئل عن إقسام بعض الناس بقول: الله يعلم ما فعلت كذا، فقال: إن كان القائل صادقا في قوله فلا بأس، وإن كان كاذبا في قوله: الله يعلم ما فعلت كذا، وهو قد فعله، أو: الله يعلم ما صار كذا، وهو قد صار، فهذا حرام. ولو عرف القائل معنى قوله لكان قوله هذا كفرا، لأن مقتضى كلامه أن الله يعلم الأمر على غير ما هو عليه، فيكون وصفا لله بالجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والله أعلم.
[التحية التي شرعها الله]
وسئل عما يستعمله كثير من الناس من قولهم في التحية: الله بالخير، فقال: هذا كلام فاسد خلاف التحية التي شرعها الله، ورضيها، وهو السلام، فقال: صبحك الله بخير، أو الله يصبحك بالخير بعد السلام، فلا ينكر، والله أعلم.
[قول بعض الناس: نتبرك بالله ثم بكم]
وسئل عن قول بعض الناس: نتبرك بالله، ثم بكم، نتبرك بدخولكم، نتبرك بحضرتكم، فقال: ما علمت فيه شيئا، ولا أحبه خاصة إذا قيل ذلك لمن لا يظن به خيرا.
[القول بأن صخرة بيت المقدس نزلت من السماء]
وسئل عما يحكى: أن صخرة بيت المقدس نزلت من السماء شيئا فشيئا، وإذا وصلت إلى الأرض قامت الساعة، فقال: هذا كذب باطل.
стр. 1181
[قول بعض العوام مالك صفاتي]
وسئل عما يقول بعض العوام: مالك صفاتي، ماذا يترتب عليه؟ فقال: هذا اللفظ قبيح، ولو قصد به نفي الوصيف مع أنه مراده فيما يظهر، ولو اعتقد معناه في نفي الصفات - كان كفرا، والله أعلم.
[الأوراد التي تجزأ]
وسئل عن الأوراد التي تجزَّأ: ورد يوم الجمعة، وورد يوم السبت، وورد يوم الأحد، ... إلخ، فقال: لا أصل له، الورد واحد لكل يوم.
[معنى حديث: "أنا ابن عبد المطلب"]
وسئل عن قول النبي ﷺ لما غشيه الكفار يوم حنين: "أنا ابن عبد المطلب"١ فقال: هذا إظهار للافتخار، والقوة في تلك الحال.
[مزق من كتب أهل السنة شيئا]
وسئل عمن مزَّق من كتب أهل السنة شيئا، ما حكمه؟ فقال: إن كان الكتاب مشتملا على آيات وأحاديث، وفعل ذلك امتهانا له، واستهانة، فلا يبعد القول بكفره، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) رحمه الله تعالى.
[قص الشارب وحفه]
(فأجاب): مسألة قص الشارب وحفه سنة مؤكدة، ويكره تركه، وصرح بعضهم بوجوب القص؛ فيكون عدم قصه محرما لحديث: "من لم يأخذ شاربه فليس منا" ٢.
[الموالاة في الوضوء إذا كان في بعض أعضاء الوضوء ما يتيمم له]
(مسألة): اشتراط بعضهم مراعاة الموالاة في الوضوء، إذا كان ببعض أعضائه جرح، فيلزم من ذلك غسل الصحيح عند كل تيمم، وعدم
стр. 1182
جواز الطهارة قبل الوقت، وفي ذلك مشقة، وأيُّ وجه يكون به الخروج؟
(الجواب): اشتراط الترتيب بين الوضوء والتيمم، إذا كان في بعض أعضاء الوضوء ما يتيمم له، فالذي يظهر لي عدم وجوب الترتيب، ولأن في ذلك حرجا، وما جعل عليكم في الدين من حرج. وكذلك يترجح عندي عدم وجوب الموالاة. فيعيد التيمم، إذا خرج الوقت الذي يتيمم فيه لبعض أعضاء الوضوء فقط، والله أعلم.
[الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولم يتغير]
(مسألة): الماء إذا تغير وهو قليل فما الثابت فيه، وهل يفرق بين الجاري، والراكد أم لا؟
(الجواب): أما الماء القليل إذا خالطته نجاسة، ولم تغيره، فالذي يترجح عندنا طهارته، وأنه لا ينجس إلا بالتغير؛ لكن الاحتياط حسن، نفعله خروجا من الخلاف.
[الماء إذا خالطه بول أو روث طاهر]
(مسألة): ماء وردت عليه إبل، وغنم، وهو كثير، وتغير بأبوالها، هل يسلب ذلك طهوريته أم لا؟
(الجواب): الماء إذا خالطه بول، أو روث طاهر فلا يضره، إذا كان باقيا على إطلاقه. وما تلقيه الريح، والسيول يعفى عنه.
[استدان من المرتهن دينا آخر وأدخله في الرهن]
(مسألة): إذا كان على زيد لعمر دين، وله به رهن، وأعطاه دينا أيضا، وقال: أنا على رهني السابق، هل يجوز ذلك أم لا؟
(الجواب): وبالله التوفيق، ما يفعله بعض الناس اليوم، إذا كان عنده رهن -مثلا- في مائة -مثلا- ثم استدان من المرتهن دينا آخر، وأدخله في الرهن، فالأكثر من العلماء لا يجوزون ذلك، وهو المشهور في المذهب، وفيه قول آخر بالجواز، وعمل الناس عليه، ويحكم به، والله أعلم.
[الحاج الذي نوى الإقامة بمكة فوق أربعة أيام، هل له القصر أم الجمع]
(مسألة): من كان بعرفة ممن نوى الإقامة بمكة فوق أربعة أيام، هل
стр. 1183
الأولى له القصر، أو الجمع؟
(الجواب): أما الحاج الذي نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام بمكة، فالجمهور على أنه يجوز له الجمع بعرفة، ومزدلفة. وأما القصر بعرفة فالاحتياط الإتمام.
[طهارة المني]
(مسألة): اشتراط بعضهم أن طهارة المني لا تكون إلا بعد استنجاء، أو استجمار، وقال قائل: وكذا حكم رطوبة فرج المرأة، هل طهارتها على الإطلاق، أو يتوجه تقييدهم؟
(الجواب): أما القول في طهارة المني فهو مذهب أحمد، والشافعي، لكن الشافعية يشترطون كون خروجه بعد الاستنجاء بالماء. والحنابلة يقولون بطهارته، ولو كان خروجه بعد استجمار بالحجر، ونحوه، فإن لم يتقدمه استجمار شرعي ففي النفس منه شيء، ولم أر من صرح بحكمه والحالة هذه.
واستدلوا على رطوبة فرج المرأة بدلالة السنة على طهارة المني، ولو كان من جماع، لحديث عائشة ﵂: أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسا، وهو ﷺ لا يحتلم، والحديث مطلق. ومني الرجل في الجماع يباشر رطوبة فرج المرأة، فدل على طهارتها، لكن صرح الشافعي بأن رطوبة فرج المرأة إذا انفصلت عن محلها تنجس من أصابته، ولم أر لأصحابنا تصريحا بذلك، والله أعلم.
[بيع السلم لمن هو عليه بشرط قبضه ثمنه]
(مسألة): بيع السلم لمن هو عليه بشرط قبضه ثمنه، هل يصح أم لا؟
(الجواب): أما دين السلم لمن هو عليه، فأكثر أهل العلم لا يجوزونه، والشيخ تقي الدين يرى الجواز.
[صلاة من أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع ولم يتابعه في السجود]
(مسألة): إذا دخل المسبوق مع الإمام، ولم يدرك الركوع مع الإمام
стр. 1184
[إذا لم يتابع إمامه في السجود، هل تبطل صلاته أم لا؟]
(الجواب): أما الذي يدخل مع الإمام بعد رفعه من الركوع فإنه يجب عليه متابعته، لكن أرجو أن ذلك يغتفر في حق الجاهل.
[رهن الضامن في الدين الذي ضمن]
(مسألة): رهن الضامن في الدين الذي ضمن، يصح ذلك أم لا؟
(الجواب): أما رهن الضامن فلا يصح؛ لأنه لم يثبت له حق عند المضمون عنه، ولا يعلم أنه يؤول إلى الثبوت.
[دخل المأموم مع الإمام بنية القصر]
(مسألة): إذا دخل المأموم مع الإمام لظنه أنه مسافر لعلامة رآها، فأتم إمامه، ماذا له؟
(الجواب): إذا دخل المأموم مع الإمام بنية القصر لظنه أن الإمام مسافر، لعلامة رآها، فأتم إمامه، نوى الإتمام، وأجزأته صلاته، والله أعلم.
[عق الابن عن نفسه إذا لم يعق عنه أبوه]
(مسألة): إذا لم يعق الأب عن ابنه، هل للابن أن يعق عن نفسه؟
(الجواب) وبالله التوفيق: العقيقة مشروعة في حق الأب فقط، عند الجمهور، واستحب جماعة من الحنابلة أن يعق عن نفسه، إذا بلغ. وهي مشروعة، ولو بعد موت المولود، والله أعلم، وصلى على محمد وآله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم صالح بن عبد الرحمن بن عيسى ، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): فالموجب لتحريره إبلاغ السلام، ومن حال ما سألت عنه،
[حجز مكان في المسجد وخروج المعتكف من مسجده]
فإذا صار إنسان يجلس في المسجد فلا بأس كونه يجعل عصاه في مكان فاضل، بحيث أنه ما يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه، من نحو وضوء، وكذلك
стр. 1185
لفطور، وسحور، ونحوه، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل. وإن كان يحط عصاه في مكان، ويخرج لأشغاله لنحو: بيع وشراء أو كد ونحوه، فلا ينبغي لمثل هذا يحط عصاه في مكان يحميه عن غيره.
وأما الذي ما يخرج إلا لنحو أكل وشرب أو وضوء، فلا بأس بجعله عصاه في مكان فاضل؛ ليجوز فضيلة الصف الأول، أو وسط الصف، وكذلك الجمعة، وغيرها.
وأما من دخل المسجد، ووجد فيه عصى يضعونها أهلها، ويخرجون لغُرضانهم - فلا بأس بتوخيرها، والمجيء في موضعها، فإن حاذرت من شيء يصير في نفس أخ لك، إذا أخرت عصاه، وجلست في مكانه، فالذي أُحِبُّ تركها، والجلوس في مكان آخر. ولا تنسنا -يا أخي- من دعائك في هذا الشهر المبارك، وفي الحديث الصحيح: "إن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: ولك بمثل ذلك"١.
ومن حال خروج المعتكف لغسل الجمعة، فلا يخرج له، ولا لغيره من السنن إلا أن يشترط ذلك في أول اعتكافه، فيجوز له الخروج، ويصح شرطه.
وأما السحور: وهو مسنون، وإن قل، كما في الحديث "ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء"٢. والسلام، انتهى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم الشيخ عثمان بن علي بن عيسى ، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ السلام،
[كتاب الحاكم إلى الولاة برؤية الهلال والعمل به]
وما
стр. 1186
ذكرت من حال كتاب الحاكم برؤية الهلال، فالذي يظهر لي العمل به، والاعتماد عليه في ذلك، لأن الفقهاء ذكروا أنه إذا رُئِىَ هلال رمضان بمكان لزم جميع الناس الصوم؛ وإنما يثبت ذلك غالبا في حق غير أهل موضع الرؤية بأخبار الثقات فرعا عن أصل، وخطوط القضاة، بل أهل موضع الرؤية، ليسوا كلهم يأتون إلى الشاهد برؤية الهلال ليسمعوا شهادته، بل يعتمدون على أخبار بعضهم بعضا عن الشاهد، كشهادة الفرع على الأصل. فإذا تقرر قبول خبر الفرع، أو شهادته في ذلك، فكذا كتاب القاضي؛ لأن الفقهاء ذكروا أنه لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وأن كتاب القاضي حكمه كالشهادة على الشهادة. وكلامه في الكافي صريح في قبول الشهادة على الشهادة في ذلك، لما ذكر وجهين في قبول قول المرأة في هلال رمضان.
قال في تعليل الوجه الثاني: ولهذا لا يقبل فيه شهادة الفرع مع إمكان شاهد الأصل، فدل كلامه على قبول شهادة الفرع مع الإمكان، ونظره صاحب الفروع بقوله: كذا قال، والذي يظهر لي أن تنظيره إنما هو لاعتباره لقبول شهادة الفرع عدم إمكان شاهد الأصل، كما قدمنا أن المسلمين يعتمدون على ذلك مع الإمكان وعدمه. ولعلك وقفت على قول شارح الإقناع عند قول الماتن في حكم كتاب القاضي: لا يقبل في حد لله -تعالى- كزنى، ونحوه، قال الشارح: وكالعبادات؛ ووجه ذلك لأنه لا مدخل لحكمه في عبادة، فكذا كتابه.
قال الشيخ تقي الدين: أمور الدين والعبادات المشتركة لا يحكم فيها إلا الله ورسوله إجماعا، قال في الفروع عقبه: فدل أن إثبات سبب الحكم كرؤية الهلال، والزوال ليس بحكم ... إلخ، فدل ذلك أن كتاب
стр. 1187
القاضي بإثبات رؤية الهلال ليس حكما في عبادة، ولا إثباتا لها، وإنما هو لإثبات سببها، فلا ينافي كونه لا يقبل في عبادة، وكونه لا يحكم فيها. وقد صرحوا بأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت، وإنما هو فتوى، فدل كلامهم على أن إثباته لرؤية الهلال -مثلا- فتوى، والفتوى يعمل فيها بالخط، وإن كان كتابه: شهد عندي فلان وفلان -مثلا- برؤية الهلال، ففرع على أصل، لا فتوى. والله -سبحانه- أعلم.
ومن طرف هلال رمضان شهد على رؤيته رجلان من أهل الرَّسِّ، شهدا برؤيته ليلة الجمعة، وجماعتهم يزكونهم، ونحن نعمل بشهادتهما عند ظهوره، إن شاء الله -تعالى- أحببنا إخباركم.
[استدخلت ذكر زوجها وهما محرمان]
وما ذكرت من حال المرأة التي استدخلت ذكر زوجها، وهما محرمان، مرادكم وهو نائم، هل يجب عليه كفارة أم لا؟ وهل تحملها عنه الزوجة كالنفقة أم لا؟ فالظاهر وجوب الفدية عليه، لأن هذا نوع إكراه، والمكره تجب عليه الفدية على الصحيح من المذهب، قال في الإنصاف في باب ما يفسد الصوم، ويوجب الكفارة: عند قول المصنف: وإذا جامع في نهار رمضان ... إلخ شمل كلام المصنف المكره، وهو الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وسواء أُكره حتى فعله، أو فعل به من نائم، وغيره، إلى أن قال: وحيث فسد الصوم بالإكراه؛ فهو في الكفارة، كالناسي على الصحيح من المذهب، وقيل: يرجع بالكفارة على من أَكرهه، قلت: وهو الصواب، انتهى.
فتبين بذلك أن المذهب وجوب الكفارة على من استدخلت زوجته ذكره، وهو نائم، وأنها لا تتحملها عنه على الصحيح من المذهب، كما تتحمل نفقة القضاء، والله أعلم.
стр. 1188
[تعليق عتق الغلام على شرط]
وأما من قيل له: لم ضربت غلامك، ولم أدميته؟ فقال: إن كان ظهر منه دم فهو حر، هل يعتق بذلك التعليق إذا وجد الشرط هو وظهور الدم؟ فالظاهر أنه يعتق، إذا كان قد وجد الشرط، وهو ظهور الدم، والتعليق على الماضي معلوم في الكتاب، والسنة، والله أعلم.
[الاجتماع للصلاة عند نزول الوباء]
وما سألت عنه، هل للاجتماع للصلاة عند نزول الوباء أصل؟ فأنا ما علمت لذلك أصلا من كونه يشرع لذلك صلاة كالاستسقاء، والكسوف، وإنما حصل الاختلاف في الفنون لرفعه. ولما وقع عندنا في السنة الماضية أكثروا علينا الجماعة، وذكرت لهم أني ما علمت لهذا أصلا، فبالغوا ظنا منهم أن ما بينه وبين رفعه إلا الصلاة، فوافقناهم، وقلنا: أتوا صلاة توبة.
وأما ما يفعله بعض الناس من ذبح شاة، أو غيرها، يسمونه فدية، فهذا لا شك في أنه بدعة ما يجوز، انتهى.
[العدد الذين تصح بهم الجمعة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الولد المكرم سليمان بن عبد العزيز، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومن حال عدد الجمعة، واعتبار الأربعين، وعدم اعتبار ذلك، فالخلاف فيه مشهور، وأظن عادة جماعتك في السابق أنهم يصلون جمعة مع نقصهم عن الأربعين، وأنهم فعلوا ذلك بفتوى مفتٍ، فإن استمررتم على عادتهم، فأرجو أن ما عليكم خلاف، فإن أحبوا أنهم يصلون ظهرا، ولا يجمعون - فهو فيما أرى أحوط، والله أعلم، انتهى.
[الذي طلق زوجته وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه]
ومن جواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) قال: وأما
стр. 1189
الذي طلق زوجته، وأقر أنها خرجت من العدة قبل مرضه، فإنه يعمل بقوله، ولا يقبل قولها، إن واقعها بعد ذلك إلا ببينة، والله أعلم.
[قسمة الوقف على مستحقيه]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الله بن مانع إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ جنابك الشريف جزيل السلام، والسؤال عن الحال، لازلت محروسا في خير، وعافية، وغير ذلك.
ما قولك -رفع الله قدرك- في ريع عقار وقف، انتقل من طبقة إلى طبقة أرضا، أو نخلا، من مزارعة أو مساقاة، أو أجرة بعد ظهور الثمرة، ومتى تستحق الطبقة الثانية لذلك، وهل بين من كان يستحقها بوصف، أو مقابلة عمل فرق؟ أفتونا مأجورين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
(وبعد): فالجواب -وبالله التوفيق-: الكلام في هذه المسألة كالكلام في الحمل، في أنه يتجدد حقه من الوقف بوضعه، لا قبله من ثمر وزرع، كتجدد حق المشتري، هذا هو المشهور في المذهب. ومن المعلوم أنه إذا بيعت أرض، وفيها زرع كبر، ونحوه، أنه للبائع ما لم يشترطه المشتري، فهكذا حكم الحمل المستحق للوقف بعد وضعه.
стр. 1190
قال في المغني: ومن وقف على أولاده، وأولاد غيره، وفيهم حمل، لم يستحق شيئا قبل انفصاله.
قال أحمد في رواية جعفر بن محمد فيمن وقف نخلا على قوم: وما توالدوا، ثم ولد مولود، فإن كان النخل قد أُبِّرت، فليس له فيه شيء، وهو للأول، وإن لم تكن قد أبرت فهو معهم. وإنما قال ذلك لأنها قبل التأبير تتبع الأصل في البيع، وهذا الموجود يستحق نصيبه، فيتبعه حصته من الثمر، كما لو اشترى ذلك النصيب من الأصل، وبعد التأبير لا تتبع الأصل، ويستحقها من كان له الأصل، فكانت للأول لأن الأصل كان كله له، فاستحق ثمرته، كما لو باع هذا النصيب منها، ولم يستحق المولود منها شيئا، كالمشتري، وهكذا الحكم في سائر ثمر الشجر الظاهر، فإن المولود لا يستحق منه شيئا، ويستحق مما ظهر بعد ولادته، وإن كان الوقف أرضا، فيها زرع، يستحقه البائع -فهو للأول، وإن كان مما يستحقه المشتري فللمولود حصته منه لأن المولود يتجدد استحقاقه للأصل كتجدد ملك المشتري فيه. انتهى كلامه.
وهذا التعليل الذي علل به ظاهر في أن حكم الطبقة الثانية حكم الحمل، وهذا واضح، ولله الحمد.
قال في الإنصاف: تجدد حق الحمل بوضعه من ثمر، وزرع كمشتر، نقله المروذي، وجزم به في المغني والشرح والحارثي، وقال: ذكره الأصحاب في الأولاد، وقدمه في الفروع. ونقل جعفر: يستحق من زرع قبل بلوغه الحصاد، ومن نخل لم يُؤَبَّر، فإن بلغ الزرع الحصاد، وأُبِّر النخل -لم يستحق شيئا ... إلى أن قال: قال في الفروع: ويشبه الحمل إن قدم إلى تغير موقوف عليه فيه، أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه، نقله يعقوب، قال: وقياسه
стр. 1191
من نزل في مدرسة ونحوه.
قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول: ليس كذلك، لأن واقف المدرسة ونحوها، جعل ريع الوقف في السنة كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عاما، فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة من ريع الوقف في السنة لئلا يفضي أن يحضر الإنسان شهرا -مثلا- فيأخذ مغل جميع الوقف ويحضر غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة، فلا يستحق شيئا؛ وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها. انتهى.
قال الشيخ تقي الدين: يستحق بحصته من مغله، وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ، وللورثة من المغل بقدر ما باشر مورثهم، انتهى.
قال في القواعد الفقهية: واعلم أن ما ذكرناه في استحقاق الموقوف عليه هاهنا إنما هو إذا كان استحقاقه بصفة محضة مثل كونه ولدا، أو فقيرا، ونحوه.
أما إن كان استحقاقه الوقف عوضا عن عمل، وكان المغل كالأجرة، فيقسط على جميع السنة، كالمقاسمة القائمة مقام الأجرة، حتى من مات في أثنائه استحق بقسطه، وإن لم يكن الزرع قد وجد، وبنحو ذلك أفتى الشيخ تقي الدين. انتهى.
فظهر من كلامهم أن من كان استحقاقه بصفة ككونه ولدا فقيرا ونحو ذلك، أن حكمه في الاستحقاق من زرع الأرض الموقوفة، وثمر الشجر الموقوف حكم المشتري، هذا هو المعمول به في المذهب.
وأما من كان استحقاقه في مقابلة عمل ففيه الخلاف كما تقدم، فصاحب الفروع قاس هذه المسألة قبلها، فقال: وقياسه من نزل في مدرسة ونحوه، وتبعه في الإقناع وغيره، وكلام الشيخ تقي الدين وابن عبد القوي وابن رجب بخلاف ذلك، والعمل به أولى، إن شاء الله تعالى.
стр. 1192
وأما إن كان الوقف مؤجرا، فالذي ظهر لنا من كلامهم أن الأجرة تقسط على جميع السنة، فمن مات من المستحقين في أثناء السنة، فله من الأجرة بقدر ما مضى من السنة، وهو صريح في كلام بعضهم، كما قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- في أثناء كلام له، قال: كما نقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثاني، ولم تنفسخ إجارته، إنهم يستحقون الأجرة من يوم الانتقال، انتهى.
فهذا على القول بأنها لا تنفسخ بموت المؤجر من الطبقة الأولى، وعلى القول الثاني الذي هو الصحيح عند ابن رجب، وصححه -أيضا- الشيخ تقي الدين، وصوبه في الإنصاف، أنها تنفسخ، فإن المنافع تنتقل للطبقة الثانية، فتكون الأجرة لهم من حين انتقل الوقف إليهم. قال ابن رجب -أيضا- في أثناء كلام له: ومن أمثلة ذلك الوقف، إذا زرع فيه أهل البطن الأول، أو من حين أجروه، ثم انتقل إلى البطن الثاني، والزرع قائم. فإن قيل: أن الإجارة لا تنفسخ، وللبطن الثاني حصتهم من الأجرة، فالزرع يبقى لمالكه بالأجرة السابقة. وإن قيل بالانفساخ -وهو المذهب الصحيح- فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدة، إذا كان بقاؤه بغير تفريط من المستأجر فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه. وقد نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في رواية مُهَنَّا في مسألة الإجارة المنقضية، وأفتى به في الوقف الشيخ تقي الدين، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1193
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الله بن سليم إلى جناب شيخنا المكرم عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) ، سلمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط إبلاغ السلام.
وبعد ذلك أمتعنا الله بحياتك، ما قولك في حديث "ليس في أهل البدع غيبة" رواه البيهقي في الشعب بسند جيد، فهل يؤخذ من هذا جواز أهل البدع على الإطلاق؟ وما جنس البدع التي تبيح العرض؟
الثانية: "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له" رواه البيهقي في السنن، والشعب عن أنس. وقال: ليس بالقوي، ما معنى هذا الكلام؟
الثالثة: حديث: "بئس مطية الرجل: زعموا"١ رواه أحمد، وأبو داود عن حذيفة، وابن مسعود. ما معناه؟
الرابعة: ما يُروى: عرضنا على رسول -الله ﷺ رقية الحمد، فأذن فيها، وقال: "إنما هي من مواثيق الجن وهي هذه: بسم الله شجة قرينة قفطاء" رواه الطبراني في الأوسط، هكذا ذكره ابن الجزري في الحصن الحصين. وذكر -أيضا- موقوفا "إذا خَدَرت رجله فليذكر أحب الناس إليه".
الخامسة: لما قال الخضر لموسى ﵇ لما نقر العصفور في البحر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، قال بعضهم: فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات؛ لأن علم الله الذي هو صفة لا يتبعض، ما هذا الكلام المتفرع على كلام الخضر؟
وما يروى عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا، ونهانا أن نغرف باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم، ولا
стр. 1194
يشرب في الليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون مخمرًا، ومن شرب بيد وهو يقدر على إناء يريد التواضع كتب له الله بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى بن مريم ﵇".
وما يروى: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام".
وما يروى عن علي ﵁ قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر، وهو يقول: "من قرأ آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد" إلخ.
وإذا رأى هلال شوال عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا، وردت شهادتهما للجهل بحالهما، فهل الأولى لهما أو لمن عرف عدالتهما الفطر أم لا؟ وإذا أُشْهِدَ أحد من الأعراب في دخول رمضان، أو غيره من الشهور، فهل تقبل شهادته أم لا؟
وعن قوله ﷺ : "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ما لم يُحْدِث"١ فهل إذا تحول الإنسان من مجلسه إلى موضع آخر في المسجد، هل يحصل له ذلك، أم لا بد من تخصيص موضع الصلاة نفسه؟
وعن قول الشيخ عثمان -رحمه الله تعالى-: والحاصل أن الصفة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيث قيامها به تعالى، وتارة من حيث قيامها بغيره، وليست الاعتبارات الثلاث متماثلة؛ إذ ليس كمثله شيء: لا في ذاته، ولا في شيء من صفاته، ولا في شيء من أفعاله، وهو السميع البصير.
فاحفظ هذه القاعدة؛ فإنها مهمة جدا، بل هي التي أغنت السلف الصالح
стр. 1195
عن تأويل آيات الصفات، وأحاديثها، وهي العاصمة لهم من أن يفهموا من الكتاب والسنة مستحيلا عن الله -تعالى- من تجسيم، أو غيره، ثم بعد إثباتي لهذه القاعدة رأيتها منصوصة في كلام السيد المعين، ثم رأيته قد سبقه إليها العلامة ابن القيم، انتهى.
بين لنا هذه العبارات الثلاث، ومن هو السيد الذي ذكر؟
وعن قوله ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ١، قال سفيان: فرق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر، بين لنا قول سفيان، وما صفة الجمع وضده في قوله: فمن جمع بينهما فقد كفر.
أفتنا، أثابك الله الجنة والسلام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد: (فالجواب)، وبالله التوفيق:
[حديث ليس في أهل البدع غيبة]
أما الأثر المروي عن الحسن -رحمه الله تعالى- قوله: "ليس لأهل البدع غيبة"، فمعناه صحيح، نص العلماء على جواز غيبة أهل البدع، وأطلقوا؛ فيتناول كل مبتدع، وبعضهم خص ذلك بالداعي إلى البدعة. قال الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- بعد ما أَنجز كلامه في الغيبة، فقال: لكن يباح من ذلك ما أباحه الله ورسوله، وهو ما يكون على وجه القصاص والعدل، وما يحتاج إليه لمصلحة الدين، ونصيحة المسلمين.
فالأول: كقول المشتكي المظلوم: فلان ضربني، وأخذ مالي، ومنعني حقي ... إلى أن قال، وكذلك بيان أهل العلم، من غلط في أمر رآه في أمر الدين من المسائل العلمية، والعملية، فهذا إذا تكلم فيه الإنسان بعلم، وعدل، وقصد