← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ١ في شأن أمته. وفي "المنتقي" في الرجل الذي قال: "يا رسول الله إني حرمت امرأتي، فقال ﷺ : كذبت إنها لم تحرم ولكن عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة"، أم هذه الكفارة مخصوص بها نبينا ﷺ ؟ كذلك في حديث ابن عباس في "المنتقي" قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال لكم في رسول الله (أسوة حسنة) متفق عليه. بيّن لنا صفة الأمر- من الله عليك-. كذلك ذكر لنا بعض العوام، ينسبه عن بعض العلماء، قال: إذا بدأك رجل بتحية قبل السلام، فرد عليه أنت: وعليكم السلام، هل كان صحيح قوله، أم لا؟ وأخبرني -بارك الله فيك- عن الجعل على عقد النكاح، هل يحل، أم لا يحل قليل دون كثير؟ بين لنا -أثابك الله الجنة-. كذلك رجل أوصى أخا له حين أراد الحج أن يهدي له سبعا من طوافه ونحوه، هل يصح له ذلك؟ وإذا ذكرت أمواتي، فدعوت لهم، أو أهديت لهم ركعتين نفلا، أو شيئا من تلاوة قرآن، ونحو ذلك؟ وسلم لي على العيال، والإخوان، ومن لدينا الجماعة يسلمون، والسلام. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. [تناول ما يقربه الأعراب في الأماكن التي يزعمون شفائها للمريض والمبتلى] وبعد ما ذكرت مما يطلبه الأعراب عند هذه المواضع التي يعظمونها، فما سوى الذبيحة أرجو أنه لا بأس به. [يمين الحرام] وأما تحريم الإنسان أمته، أو الطعام، والشراب، أو اللباس، ونحو ذلك، ففيه كفارة يمين. أما تحريم الزوجة ففيه خلاف مشهور، وأقوال العلماء كثيرة: قيل طلاقُ ثلاثٍ، وقيل: طلقةٌ بائنةٌ، وقيل: يمين فيه كفارة، وقيل: ظهار فيه كفارةُ

стр. 1227

الظهار، وهذا القول هو المشهور عند الحنابلة، والله أعلم. [أخذ الجعل على عقد النكاح] وأما أخذ الجعل على عقد النكاح فلا بأس به إذا أُعْطِيَ بغير شرط، فإن كان بشرط فلا أدري، وأنا أكرهه. [الرد على من بدأ بتحية قبل السلام] وأما من بدأ بتحية قبل السلام، فلا يرد عليه إلا مثل تحيته، أو يترك؛ لحديث: "من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه". وأما بيع الخيل بالثاني ١ فهو حرام، لا تجوز الشهادة عليه، ولا الكتابة بينهم. [إهداء ثواب العبادات لحي أوميت] وأما كون الإنسان يطوف ما أحب، ويهدي ثوابه لحي، أو ميت، فهو جائز، وكذلك لو صلى ركعتين، أو صام، وجعل ثوابه لغيره، جاز عند كثير من العلماء، وكذلك إهداء ثواب القراءة لميت، أو حي، وأفضل من ذلك: الدعاء لهم، والصدقة. [الذي له غنم ويفرقها فِرارا من الزكاة] وأما الذي له غنم، ويفرقها فِرارا من الزكاة، فلا تسقط الزكاة عنه، بل يجب عليه زكاة جميع ماله، ولا ينفعه فراره من الزكاة. فإن كان ماله متفرقا من غير قصد الفرار، وأن الذي هو معه يزكيه مع ماله، فلا بأس، والله أعلم. وَسَلِّمْ لنا على جميع من ذكرتَ، ومن لدينا العيال والإخوان يسلمون، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. [قلب الدين على المعسر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى صالح العثمان -سلمه الله تعالى-. وما ذكرت من حال المسألتين اللتين ذكرت، ما قلب الدَّيْن؟ فشيخ الإسلام ﵀ ذكر حكم القلب على المعسر في الصورة التي لا خلاف فيها، أي: عدم جوازها، وعلَّله بالإكراه، وأما غيرها من صور القلب التي

стр. 1228

لا إكراه فيها، وربما يُجَوِّزُهَا مَن لا يمنع بعض الحِيَل من الحنفية، والشافعية، فلم يصرّح بها في الموضع، وكلامه معروف في إبطال الحيل، وصنَّف في ذلك كتابه المعروف، وهو قول الإمام مالك، والإمام أحمد، وأصحابهما، وقول أئمة الحديث. وبعض أهل زماننا أخذ من قول الشيخ في المسألة: أنه إذا كان ذلك برضاء الغريم فلا بأس به، والذي نرى، ونفتي به -المنع في الصورة التي يسميها العامة التصحيح، فيما إذا كان لإنسان على آخر عشرة -مثلا- فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن يقول في لفظ العامة: أما أكتبها علي، فيقول: كَتْب الذي في الذمة لا يجوز، ولكن نصحح، اكتب عليك عشرة، توفيني بها، إذا قبضتها، أو يقول ذلك في العادة المستمرة. والعرف المُطَّرِد كالتواطؤ أنه يرد عليه دراهمه في المجلس غالبا، فيكون ذلك في العادة مواطأة، والقابض للدراهم لا يتصرف فيها، فلا يصير ملكه تاما عليها، بل يردها عليه بعينها في الحال، فدراهمه رجعت إليه، ويصير رأس مال السلم الذي في الذمة، وربما يكون أصل الدين عشرة، فيصل بالقلب مرة بعد مرة إلى مائة، أو أكثر. وذكر الإمام مالك ﵀ في "الموطأ" مسألة تشبه هذه المسألة، فقال: من اشترى طعامًا بثمن معلوم إلى أجل مسمًى، فلما دخل الأجل قال الذي عليه الطعام لصاحبه: ليس عندي طعام، فبعني الطعام الذي عليَّ إلى أجل، فيقول صاحب الطعام: هذا لا يصلح لأنه قد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يُسْتَوْفَى. فيقول الذي عليه الطعام لغريمه: فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيك، فهذا لا يصلح لأنه إنما يعطيه طعاما، ثم يرده إليه، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الطعام الذي كان عليه، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما بينهما، ويكون ذلك -إذا فعلاه- بيع الطعام قبل أن يستوفى. انتهى. وفي

стр. 1229

مسألتنا تكون الدراهم للذي يعطيه، ثم يردها إليه وفاء محللا، ويكون رأس مال السلم في ذمة غريمه، هذا الذي يظهر لي، والله أعلم. وإن رأيت ذلك فتذكر لمن استنصحك، ولا تجادل، ولا تنازع. ثم ذكر الشيخ المسألة الثانية، والجواب، وقد تقدمت مفردة، وهي: ما إذا كان لرجل على آخر ريالات، وأراد أن يعطيه عنها فضة، مثل الذي يسمى المجيديات ... إلى آخره، ثم قال ﵀: ونذكر لكم صورة من صور قلب الدَّين، ذكرها مالك في "الموطأ" يفعلها بعض الناس، إذا صار له على آخر مائة -مثلا- وطلبها منه، قال: ما عندي نقد، لكن بعني سلعة بثمن مؤجل. كما يقول بعضهم: العشر اثنا عشر، فيبيعه سلعة بمائة وعشرين مؤجلة، تساوي مائة نقدا، ثم يبيعها المشتري، ويعطيه ثمنها مائة. قال مالك ﵀ في الرجل: يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل، فإذا حلَّتْ، قال الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل، قال مالك: هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. قال: إنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره له آخر مرة، ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه، فهذا مكروه لا يصح، وهو يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي حل عليه الدين: إما أن تقضي، وإما أن ترابي، فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم، وزادوهم في الأجل. انتهى. والسلف يعبرون كثيرا بالكراهة فيما هو محَرَّم عندهم، وقوله: إنما يعطيه ثمن ما باعه، يعني: أن مشتري السلعة يبيعها على غيره، ويعطيه ثمنها

стр. 1230

مائة، وأخبر -رحمه الله تعالى- أن أهل العلم لم يزالوا ينهون عن ذلك، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، آمين. [الموصى بوقفه إذا نما بعد الموت وقبل إيقافه] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مسألة سئل عنها الشيخ عبد الله (أبا بطين) فوجدت ما هذه صورته بخطه، ولم أجد غيره من كلام السائل. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد): الذي ذكرت وصل، ومن جهة الحجة فالذي بان لي من كلام العلماء -رحمهم الله تعالى- أن هالنخل وما حصل منه يُصْرَف كله في حِجَجٍ عن الموصِي، والله -سبحانه- أعلم. ونصَّ الإمام أحمد ﵀ فيمن أوصى بدراهم في وجه البر، أو ليشتري بها ما يُوقف، فاتجر بها الوصي، فربحه مع أصل المال فيما أوصى فيه، ولا زكاة فيه، وإن خسر ضمن النقص، هكذا نص أحمد ﵀ نقله عنه جماعة من أصحابه. وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ غيره في الموصَى بوقفه: أنه إذا نما بعد الموت، وقبل إيقافه أن نماه يُصْرَف مصرف الوقف، والله أعلم، هكذا كلام السائل وجدناه. [وصية الميت بالحج عنه من ماله] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الله بن مفدا إلى الأخ الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن ﵀. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد ذلك -مَتَّعَ الله بك- أوصت أمي بستة وعشرين ريالا، ثلاثة عشر لها حَجة، وحَجَّهَا خالي في حياتها، وأوصت لأمها بثلاثة عشر، ولا توفق لها حجة زمان توصي بها، وشرينا بهن نخلا، وجمعنا من غلته ما يَرْهَى على الحجة، أفتني -عفا الله

стр. 1231

عنك، وثبتك بالقول الثابت. أخبرنا، وأيش نصنع بما فضل عقب الحجة؟ والسلام. أجابه الشيخ بما قدمنا أعلاه، والله أعلم. [حكم مال المسلم إذا استولى عليه الكفار] قال شيخنا عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: ما قولكم -دام فضلكم- في رجل مسلم، له ثمرة نخل أخذها جيرانه بدعوى أنهم اشْتَرَوْهَا من رجل آخر، اشتراها من إبراهيم باشا، وأقام صاحب الثمرة بينة أن هذا الرجل الذي باعها على جيرانه أنه استوهبها من الباشا، فوهبها له، والبينة تشهد بإقرار البائع لها، وكذلك تشهد البينة على إقرار المشترين الذين باشروا أخذها من رؤوس النخل، فما حكم ذلك؟ هل يرجع صاحب الثمرة على من أخذها وحدها؟ وهل تقبل بينتهم على الشراء من الباشا، مع بينة الإقرار بالهبة أم لا؟ حَقِّقُوا لنا الجواب، أثابكم الله تعالى. فأجاب شيخنا عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين)، آتاه الله الأجر مرتين، وكبت شانئه في الدارين- الحمد لله رب العالمين. لا بد من الكلام على أصل المسألة، وهو: ما حكم مال المسلم إذا استولى عليه الكفار، هل يملكونه بذلك، أم لا؟ وفي المسألة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، حكاهما أكثر الأصحاب: (أحدهما): لا يملكونه بذلك، اختارها جماعة من الأصحاب، وهذا مذهب الشافعي. والرواية الأخرى: يملكونه، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وعلى هذا فهل يملكونه بمجرد الاستيلاء، أو بالحيازة إلى دارهم؟ (الثاني) قول أبي حنيفة، قال في "القواعد الفقهية": وهو المنصوص عن أحمد، قال في الفروع: نص عليه فيما بلغ به قبرس يُرَدُّ إلى أصحابه، ليس غنيمة، ولا يُؤْكل؛ لأنهم لم يحوزه إلى بلادهم، ولا إلى أرض هم أغلب عليها؛ ولهذا قيل له: أصبنا في قبرس من متاع

стр. 1232

المسلمين، قال: يُعَرَّفُ. وقال أبو العباس -رحمه الله تعالى-: لم ينص أحمد على الملك، ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا، لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه. انتهى. ولهذا إذا وجدها صاحبها قبل القسمة أخذها مجانا. ومن فوائد الخلاف في المسألة أن من أثبت الملك للكفار في أموال المسلمين، أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها، قسمتها والتصرف فيها ما لم يعلموا صاحبها. وأن الكافر إذا أسلم، وهي في يده، فهو أحق بها. ومن لم يُثْبت الملك لم يُجَوِّز قسمتها، وتوقف إذا جهل ربها. ولربه أخذه بغير شيء حيث وجده، ولو بعد القسمة، أو الشراء منهم، أو إسلام آخذه وهو معه، فيأخذه من مشتريه مجانا. فعلى القول بعدم الملك، ومقتضى اختيار أبي العباس أن الثمرة المذكورة باقية على ملك صاحبها، يرجع مجانا على من هي بيده. ومقتضى هذا القول -أيضا- أن صاحبها يُضَمِّنها مَن انتفع بها، إذا كانت تالفة. وعلى القول الثاني يأخذها صاحبها ممن هي في يده مجانا، إن كان متهبا، وإن كان مشتريا أعطاه الثمن الذي اشتراها به. وإذا اختلفا في كونه مشتريا، أو متهبا، وأقام من هي في يده بينة أنه مشتر، وأقام صاحب الثمرة بينة أنه أقر أنه متهب، فالظاهر تعارض البينتين، ويصيران كمن لا بينة لهما، ويكون القول قول صاحب الثمرة بيمينه: أن من هي في يده متهب لأنه غارم، كالمذهب فيمن اشترى أسيرا مسلما من الكفار ببينة الرجوع، وتنازعا في قدر ما دفع فيه، أن القول قول الأسير لأنه منكر للزيادة، ولأنه غارم. وكلامهم هذا، واختلافهم -إنما هو في الكفار الأصليين. وأما المرتدون، فكلامهم ﵏ صريح في أن حكمهم ليس كذلك، وأنهم لا يملكون ما استولَوْا عليه من أموال المسلمين، لأنهم صرحوا

стр. 1233

إن المرتد إذا أسلم، وفي يده مال مسلم، أن صاحبه يأخذه مطلقا، ولم نَرَهُم ذكروا في ذلك خلافا، وإنما تنازعوا في تضمينه ما أتلفه حال ردته. وفي تضمينه ذلك قولان، هما روايتان عن الإمام أحمد، والمذهب منهما عند أصحابه الضمان، ومن لم يُضَمِّنه علل ذلك: بأن في تضمينه تنفيرا له عن الإسلام، لم يعللوه بأنه ملكه. وقد أجمعوا أن الكافر الأصلي لا يضمن ما أتلفه حال كفره على القولين جميعا، أعني ملكه حال إسلامه وعدمه. ولم نعلم بينهم نزاعا في أن المرتد إذا أسلم يرد ما في يده من أموال المسلمين. واختلفوا في الأصلي إذا أسلم، هل يُنْزَع ما في يده من أموال المسلمين؟ فظهر من كلامهم الفرق بين الأصلي والمرتد، وأن المرتد لا يملك مال المسلم بالاستيلاء. وعلى هذا: فمن انتقل إليه مال مسلم من مرتد بقهر، أو هبة، أو شراء، فصاحبه أحق به، إذا وجده بغير شيء، إذا ثبت ذلك فهؤلاء -العدوين- الذين استولوا على نجد وأهلها، من حكمنا بكفره منهم -فحكمه حكم المرتدين لا الأصليين؛ لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها، وإن كان الشرك موجودا فيه كثير. فهذا الذي نراه، ونعتقده، والله أعلم. [الرد على ما يقوله صاحب البردة في الرسول ﷺ ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ منقول من البردة للبوصيري، وتشطيرها لداود بن سليمان بن جرجيس البغدادي، الداعي إلى الشرك، -عافانا الله والمسلمين مما ابتلاه به، وعصمنا من متابعة الهوى والشيطان- قال في حق الرسول ﷺ :

стр. 1234

يا خير من يَمَّمَ العافون ساحته ... فحَصَّلُوا من نداه أوفر القسم ومن رجاه فما إن خاب حيث أتى ... سعيا فوق متون الأينق الرسم ومنها -أيضا- وتشطيرها لداود المذكور: فإن لي ذمة منه بتسميتي ... كاسمه ذا مقام بالسعود سمي شاركته بحروف الاسم حيث غدا ... محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم أو شافعا لي مما قد جنيت غدا ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... فيرجعن منه صفر الكف ذا عدم فلا يظن به تخييب ذا أمل ... أو يرجع الجار منه غير محترم ومنها -أيضا- وتشطيرها لداود المذكور: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... عند الزحام إذا ما اشتد بي ندمي إن لم تكن لي فمن أرجوه يشفع لي ... سواك عند حلول الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... وقد وسعت به للرسل والأمم فانظر إليَّ بعين اللطف لا سيما ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... حاشاك تبخل عني معدن الكرم وكيف تغفل عن مثلي وتهمله ... ومن علومك علم اللوح والقلم ونقلنا هذه الأبيات التي فيها من الشرك ما لا يخفى، إلا على من أعمى الله بصيرته، وطبع الله على قلبه، وأركسه بكسبه، وأرسلتها إلى شيخنا ناصر الكتاب والسنة، وقامع الشرك والبدعة، عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -نصر الله به الوحيَيْن، وجعله ممن يُؤْتَى أجره مرتين- وسألناه: أيتعين علينا نصح مستصحبها، أم هجره، والتحذير عنه، بحسب

стр. 1235

الإمكان، وكتب تحتها ما يكفي أقلُّ منه لمَن بصَّره الله، وعافاه من الهوى والتعصب، فجزاه الله عن المسلمين خيرا، وجعله ممن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، آمين. أجاب -عفا الله عنه وأيده، آمين-: هذه الأبيات تتضمن تنْزيل الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بمنزلة رب العالمين، إذ مضمونها: أن الرسول هو المسؤول المَرْجُوّ لكشف أعظم الشدائد، وهو عذاب الآخرة، وأن الدنيا والآخرة من جوده وأفضاله، وأنه يعلم الغيب، وهذه هي خصائص الربوبية، والألوهية التي جعلتها النصارى للمسيح ابن مريم، ففيه مصداق قول النبي ﷺ : "لتتبعن سَنن من كان قبلكم"١. وهؤلاء، وإن لم يقولوا: إن محمدا هو الله، لكن أثبتوا له خصائص الرب الإله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فانظر قوله: إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم وانظر قول الله -سبحانه- لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢. وهذا الضال يزعم أن محمدا ينقذ مَن شاء مِن عذاب الله، وقال -تعالى- عن صاحب يس: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٣. ووازن بينه وبين البيت المذكور، وقوله: أو شافعا لي ... إلخ. فالقرآن يخبر أن مَن أراده الله بضر فلا مُنْقِذ له، ولا شافع، وهذا يزعم أن الرسول ينقذ من عذاب الله، ويشفع فيمن عذَّبه الله، فأثبت هذين الأمرين اللذين نفاهما القرآن، فأيّ محادة للقرآن أعظم من ذلك؟! وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٤. ونحو ذلك في القرآن كثير، وقال النبي ﷺ :

стр. 1236

"يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ... ، إلى أن قال: يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا"١. وهذا المفتري يزعم أن النبي ينقذ مِن عذاب الله من شاء، فأي مشاقة لله ورسوله أعظم من هذا؟! وقال -سبحانه-: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ ٢. وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ٣، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر، كالمملوك، إلا ما شاء الله مالكي من النفع لي، والدفع عني. فكيف يجتمع في قلب عبدٍ الإيمانُ بما ذكرنا من الآيات، ونحوها من آي القرآن، وقوله ﷺ لابنته: "أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله شيئا"٤، كيف يجتمع الإيمان بذلك، والإيمان بقول الضال: إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم ويزعم بعض المتعصبين لهم أن مرادهم بذلك طلب الشفاعة، فيقال: أولا: طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته ممتنع شرعا، وعقلا. وأيضا فالمستشْفِع يقول للمستشْفَع به: اشفع لي، ادع الله لي، لا يقول: أعطني كما كان الصحابة يقولون للنبي ﷺ في حياته: استسق لنا، استنصر لنا، لا يقولون: اسقنا، أو أغثنا، أو انصرنا على عدونا. فمن استشفع بالنبي أو غيره إلى الله في جلب رزق، أو دفع ضر، أو دفعه، لا يقول: ارزقني أو اكشف ضري، بل يقول: ادع الله لي، وأيضا- فقول الناظم أولا: إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي ... ومنقذي من عذاب الله والألم ثم قال: أو شافعا لي ... إلخ، فعطف الشفاعة على الأخذ باليد والإنقاذ،

стр. 1237

فالمعطوف غير المعطوف عليه، فهو يقول: إن لم يحصل منك إنقاذ بالفعل، فانزل إلى مرتبة الشفاعة، وحاشاك أن تُخَيِّبَ رجائي فيك. وقد أبطل -سبحانه- هذين الأمرين الذين تعلق بهما المشركون، كما في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ١، فالولي هو: الناصر المعين بالقول، وهذا كثير في القرآن، يقرر أنه لا ولي من دونه، ولا شفيع من دونه. وأما قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي وأفضاله، والجود هو: العطاء والإفضال. فمعنى الكلام: أن الدنيا والآخرة له ﷺ والله يقول: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ ٢ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ ٣، وأيّ غلو أكبر من هذا؟! وكذا قوله: ... ... ... ... ... ... ... ..... ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل ما جرى بالقلم السابق في اللوح المحفوظ بعض علوم محمد ﷺ ، والله -سبحانه- يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٤. ومقتضى قوله، بل صريح قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، أنه يجوز أن يقال: ومحمد يعلم ذلك، وأنه يجوز أن يقال: مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله ومحمد، وقال -سبحانه-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٥، فيجوز عند الناظم أن يقال: لا يعلم مَن في السموات والأرض الغيبَ إلا اللهُ ومحمدٌ ﷺ وهذا صريح كلامه، وإن تأوله بعض المتعصبين بتأويلات بعيدة لا يحتملها اللفظ. وقد قال -سبحانه- لنبيه: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ

стр. 1238

الْغَيْبَ﴾ ١، وأن يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ٢، فقال ﷺ "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع"٣. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة مع أن هذا لا يحتاج إلى إقامة الأدلة على بطلانه؛ لأنه معلوم بالاضطرار من دين الرسل كلهم -أن الدنيا والآخرة لله وحده، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو، ولقد أحسن القائل: الحق شمسٌ والعيون نواظر ... ولا يخفى إلا على العُمْيَان ويشبه قوله هذا قوله في الهمزية، في مخاطبته للنبي ﷺ إلى أن قال: الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء فهذه علتي وأنت طبيبي ... وليس يخفى عليك في القلب داء فانظر إلى طلبه الأمان من النبي ﷺ وقوله: ... ... ... ... ... ... ... ..... وليس يخفى عليك في القلب داء يزعم أن النبي ﷺ يعلم علل القلوب وأدواءها وأنه لا يخفى عليه ما في القلوب، وقد قال الله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٤. وغير ذلك من أدلة الكتاب والسنة التي تدل على أنه ﷺ لا يعلم ما في القلوب إلا مِمَّا أطْلَعَهُ الله عليه، قال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٥ أي: فإنه يُطْلِعه على ما يشاء من غيبه. والله المسؤول المرجو أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين غير مُغَيِّرين، ولا مُبَدِّلين، وهو أرحم الراحمين.

стр. 1239

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الولدين المكرمين محمد آل عبد الله، ومحمد آل عمر آل سليم ، زادهما الله علما وفهما، ووهب لنا ولهما حكما ... [اتباع اليهود والنصارى فيما أحدثوا] إلى أن قال: وكذلك الأبيات التي نقلتم، كتبنا عليها ما اتسع له المحل، وبطلانُ ما تضمنته ظاهرٌ، ولله الحمد ما يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، ولكن إذا تحققتم بقول الصادق المصدوق: "إن هذه الأمة تتبع اليهود والنصارى فيما أحدثوا حذو القذة بالقذة" مع قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ"١. فإذا صدَّق الإنسان بذلك، لم يستنكر ما حدث من الشرك، والبدع، وظهور المنكرات، وتضييع شرائع الإسلام، وتعطيل حدود الله، فإذا عرف الإنسان ذلك، وعلم أنه لم يُضِلّ اليهودَ والنصارى إلا علماؤهم، علم أن سبب ضلال هذه الأمة علماؤهم، كما في الحديث المشهور: "علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود". وقول القائل: لو أن هذا ما يجوز ما خفي على فلان وفلتان، فهذه شبهة باطلة. وقد روى ابن وضَّاح عن عمر ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢، فقلت: أجل إنا لله وإنا إليه راجعون، فما ذلك يا رسول الله؟ قال: أتاني جبريل فقال: إن أمتك مُفْتَتَنَة بعد قليل من الدهر غير كثير، قلت: ففيه كفر، أم فتنة ضلالة؟ قال: كلٌّ سيكون. قلت: وأين يأتيهم ذلك وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلون" أي يتأولونه على غير تأويله، وزاد "من قِبَل قُرَّائهم وأمرائهم". قال محمد بن وضَّاح: الخير بعد الأنبياء ينقص،

стр. 1240

والشر يزداد، وقال: إنما هلك بنو إسرائيل على يد قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على أيدي قرائهم وفقهائهم، قال ابن المبارك: "وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها". وقد أخبر الله -سبحانه- عن اليهود أنهم يحرِّفون الكلم عن مواضعه، أي: يتأولون كتاب الله على غير ما أراد الله، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وأخبر عنهم أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢. ولا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتابعهم على ما ذَمَّهم الله به. والإنسان إذا عرف الحق من ضده، لم يبال بمخالفة من خالف كائنًا من كان، ولا يكبر في صدره مخالفة عالم، ولا عابد؛ لأن هذا أمر لا بد منه، وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا عظيمة لا منكر لها، والله المستعان. [وقوع الشرك من كثير من المتأخرين] والاستغاثة بالنبي ﷺ صدرت من كثير من المتأخرين ممن يُشَار إليه بالعلم. وقد صنَّف رجلٌ يقال له: ابن البكري كتابا في الاستغاثة بالنبي ﷺ ، ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجلد، بيَّن فيه بطلان ما ذهب إليه، وبيَّن أنه من الشرك. قال الشيخ ﵀*: وقد طاف هذا -يعني: ابن البكري- على علماء مصر فلم يوافقه منهم أحد، وطاف عليهم بجوابي الذي كتبته، وطلب منهم معارضته، فلم يعارضه أحد منهم، مع أن عند بعضهم من التعصب ما لا يخفى، ومع أن قوما كان لهم غرض وجهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن له غرض من ذي سلطان، مع فرط عصبيتهم، وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم، ومكايدة شيطانهم. قال -رحمه الله تعالى-**: والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد

стр. 1241

موته موجودة في كلام بعض الناس، مثل: يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح، لكن ليسوا من أهل العلم، بل جَرَوْا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه. انتهى. والمقصود أن نوع الشرك من الاستغاثة بالنبي وغيره جرى في زمان الشيخ، والشر يزيد، لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، والله المستعان، وفي هذه الأزمنة يقال: العجب لمن نجى، كيف نجى؟! ليس العجب لمن هلك، كيف هلك؟! وقول من يقول: استعملها من هو أعلم منا، وأعرف بكلام العرب، فبئس الحجة الواهية، والله -سبحانه- لم يأمرنا باتباع من رأيناه أعلم منا، وإنما أوجب علينا عند التنازع الرد إلى كتابه، وسنة نبيه، قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ١ خاصة في أصول الدين؛ بأنه لا يجوز التقليد فيها بإجماع العلماء؛ ولأن أدلته -ولله الحمد- ظاهرة، ولم يقل الله -سبحانه-: إذا تنازعتم فاتبعوا ما عليه أكثر الناس، ولا ما عليه بلد من البلدان. وأكثر الناس اليوم -خصوصا طلبة العلم- خفي عليهم الشرك، وشيخ الرجل المذكور يُجَوِّز الاستغاثة بالأموات فكيف بالنبي ﷺ ؟! كلامه صريح ما يحتمل تأويلا، كقوله: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... منقذي من عذاب الله والألم نسأل الله السلامة، وابن عجلان أقل الأحوال: هجره. وأما النصيحة فلا تفيد في مثله، وأمره هذا، إن وصل الشيخ عبد الرحمن بن حسن أو فيصلا أو ابن سعود الأدنى فأخاف على نفسه، ولو له عقل ما أظهر مثل هذا الأمر الذي يجر عليه شَرًّا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1242

مسائل سئل عنها الشيخ عبد الله (أبا بطين) فأجاب: [إذا ترك الساعي في الخَرْص لرب المال أشياء من كمال النصاب] (مسألة): إذا ترك الساعي في الخَرْص لرب المال أشياء من كمال النصاب، كما إذا كان عنده خمسة أوسق، فترك منها وسقا، فقد ذكروا: إن كان رب المال أكل هذا الوسق المتروك، فلا يجب عليه شيء في الأربعة الأوسق الباقية، وإن لم يأكل هذا الوسق المتروك -زَكَّى الأربعة الأوسق فقط. [الزكاة في غلة الوقف] (الثانية): وجوب الزكاة في غلة الوقف، فإن كان الوقف على معين واحد أو جماعة، وحصل لكل واحدة نصاب زَكَّاهُ، وإن كان الوقف على غير معين لم يجب فيه شيء. [إذا كان عند إنسان نصاب في الشتاء وبعض نصاب في القيظ] (الثالثة): إذا كان عند إنسان نصاب في الشتاء وبعض نصاب في القيظ - أخرج زكاة نصاب الشتاء، ولم يجب عليه شيء في زرع القيظ إذا لم يبلغ نصابا. [إذا دَبَّر عبده وأوصى بثلث ماله] (الرابعة): إذا دَبَّر عبده، وأوصى بثلث ماله في جهة بر، كان الجميع يخرج من الثلث؛ لأن التدبير وصيةٌ على المشهور، وله الرجوع في الوصية وبيع المدبر، على اختلاف في ذلك. [بيع السلم قبل قبضه] (الخامسة): السلم، فلا يباع قبل قبضه، ولا يؤخذ ممن هو عليه عوض عن دين السلم، في قول أكثر العلماء. [هل للعصبة ولاية مع عدم حاكم ووصي] (السادسة): إذا مات الوصي أقام الحاكم عدلا في ذلك من العصبة أو غيرهم، وليس للعصبة ولاية إلا مع عدم حاكم ووصي، على قول غير مشهور، لكنه متوجه مع عدم الحاكم. [الطلاق على عوض] (السابعة): إذا طلق الرجل زوجته؛ فإنها تقع الثلاث لو كان على عوض. [الطلاق المعلق ثلاثا] (الثامنة): إذا قال الزوج لامرأته: إن خرجت فأنت طالق، وكرره

стр. 1243

ثلاثا، ثم خرجت فإنها تطلق ثلاثا، ولو لم ينو شيئا، وإن ادعى إرادة الإفهام بالتكرير قُبِلَ منه. [قال لامرأته: أمرك بيدك] (التاسعة) إذا قال الرجل لامرأته: أمرك بيدك، فإنها تملك ثلاثا، ولو قال طلقي نفسك. لم تملك إلا واحدة. [إذا وقف نخلة معينة ثم سقطت] (العاشرة): إذا وقف نخلة معينة، فالذي نرى أن موضعها لا يكون وقفا بذلك، فإذا سقطت النخلة زال حق أهل الوقف. وقد صرح بذلك الفقهاء فيما إذا أقر له بنخلة أو باعه إياها، تناول ذلك الجذع فقط، فإذا سقطت لم يكن له إعادتها، كما نص عليه الإمام أحمد فيما إذا أقر له بنخلة، والله أعلم. [ما ينبت من النخل ونحوه على ماء الشريك في المشاع] (مسألة): ما حكم ما يغرس أو ينبت من النخل ونحوه على ماء الشريك في المشاع، إذا أراد الشركاء القسمة؟ الجواب: الحمد لله، أما ما غرسه الشريك في الأرض المشاعة بغير إذن شريكه فقد صرح الأصحاب بأن حكمه حكم غرس الغاصب، ونص على ذلك الإمام أحمد ﵀؛ فإنه سئل عمن غرس نخلا في أرض بينه وبين قوم مشاعا. قال: إن كان بغير إذنهم قلع نخله. قال في "الإنصاف": قلت: وهذا مما لا شك فيه، قالوا: وكذا لو غرس نوى، فصار شجرا، فحكمه كحكم الغرس لا كالزرع، على الصحيح من المذهب. وأما قول الشيخ -رحمه الله تعالى-: من زرع بلا إذن شريكه، والعادة بأن من زرع فيها له نصيب معلوم، وله بها نصيب قسم ما زرعه في نصيب شريكه كذلك. فالظاهر أن هذا في الزرع خاصة دون الغرس، ولجريان العادة بذلك.

стр. 1244

[حكم ما ينبت في الأرض وقت استئجارها] وأما إذا نبت في الأرض المشاعة شجر بغير فعل صاحب الماء، وإنما نبت على مائة بغير فعل منه، فلم أر في كتب الأصحاب ذكرا لهذه المسألة بعينها، ورأيت جوابا للشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان النجدي في هذه المسألة: اعلم أن الغرس النابت في الأرض المأجورة أو الموقوفة، لم نظفر فيه بنص، وتعبنا من زمن، وجاءنا فيه جواب للبلباني -أظنه غير محرر- وأرسلنا من زمن طويل للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الشافعي المفتي بالأحساء فيمن استأجر أرضا مدة طويلة، فنبت فيها غراسٌ، الظاهر سقوطه في مدة الإجارة، ونما بعمل المستأجر، ما حكمه؟ فأجاب: إذا استأجر شخص أرضا مدة طويلة، ووقع منه نوى في الأرض المذكورة، ولم يعرض عنه، كان النابت ملكا للمستأجر؛ إن تحقق أن النوى ملكه، وإن لم يتحقق أنه ملكه، أو أعرض عنه، وهو ممن يصح إعراضه، فهو ملك لصاحب الأرض، وإن نما بعمل المستأجر. هذا جوابه، ومن جواب محمد بن عثمان الشافعي: الودي النابت في الأرض لمالكها لا للمستأجر، وإن حصل نموه بفعل المستأجر من سقيه ومعاهدته. انتهى. وقال في الشرح: وإن رهن أرضا، فنبت فيها شجر، فهو رهن؛ لأنه من نماء الأرض، سواء نبت بفعل الراهن أو بغيره. وكذا قال في "المغني" وغيره، فتعليلهم أن النابت من نماء الأرض ربما يُلْحَظ منه شيء، والله أعلم. ... ١ ... ...

стр. 1245

[حديث الخراج بالضمان وما يتناوله] وأما حديث: "الخراج بالضمان"١، وفي لفظ: "الغلة بالضمان"٢، فهذا الحديث، وإن كان واردًا في صورة رد المبيع المعيب، فيتناول بعمومه صورًا كثيرة غير صورة الرد بالعيب كالنماء الحاصل في مدة الخيار، وفيما إذا رد المبيع بالإقال، وقد نما عند المشتري، وفي الشقص المشفوع؛ إذا أخذه الشفيع، وقد نما عند المشتري، وفي العين عند المفلس؛ إذا أخذها بائعها، وقد نمت عند المفلس، وفي هبة الأب لولده؛ إذا رجع فيها، وقد نمت عند الولد، وفي الصداق إذا نما بيد الزوجة، ثم رجع نصفه إلى الزوج بنحو طلاق قبل الدخول ونحوه، وغير ذلك فالنماء المنفصل ... ٣ [تأثير الخلطة في غير الماشية] وأما تأثير الخلطة في غير الماشية في باب الزكاة، فالخلاف في ذلك مشهور بين القائل بتأثير الخلطة في الماشية، فالمشهور في مذهب أحمد، وهو مذهب مالك، عدم تأثير الخلطة في الجملة. وعن أحمد رواية بتأثير خلطة الأعيان في غير السائمة، وهو مذهب الشافعي. وعلى هذا، فهل تؤثر خلطة الأوصاف؟ فيه وجهان للأصحاب، ودليل كل من القولين مذكور في محله، وإن كانت حجة القول الأول أظهر، والقائلون به أكثر، والله أعلم. [ضم الثمار والزروع بعضها إلى بعض في تكميل النصاب] وأما ضم ثمرة العام وزرعه بعض إلى بعض في تكميل النصاب، فأما الثمار فلا يُضَمُّ جنس إلى آخر كالتمر إلى الزبيب، إجماعا، وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض. وأما الزرع فالمشهور في مذهب أحمد أنه لا يضم جنس منه إلى آخر، وهو مذهب الشافعي والحنفية. وعن أحمد رواية بضم الحنطة إلى الشعير، والقطاني بعضها إلى بعض، واختار هذه الرواية الخرقي وأبو بكر، وهو مذهب

стр. 1246

مالك. وعن أحمد رواية ثالثة بضم الحبوب بعضها إلى بعض مطلقا، والقطاني: اسم لحبوب كثيرة منها: الحمص، والعدس، واللوبيا، والدُّخْن، والرز، والباقلا. [إذا بذلت المرأة العوض للزوج في حال طلب الخلع] وأما إذا بذلت المرأة العوض للزوج في حال طلب الخلع، وقبله الزوج، وقال: الله يرزقك، ونحو ذلك من ألفاظ العامة التي يعتقدها اللافظ بها طلاقا؛ ولهذا يقول: إذا صدر منه نحو هذا اللفظف طلقت امرأتي، فالأمر في هذه المسألة مشكل جدا. قال أبو العباس: المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه، ألفاظهم كلها صريحة في أن الخلع بلفظ البيع فسخ، وبأيّ لفظ كان، وأفتى بعض متأخري الأصحاب بأن الزوجة إذا طلبت التخلاة على عوض بذلته لزوجها، فقال: خلعت جوازك، صح وبانت، قال: لأن ذلك لغة أهل بلدنا، قال: والعبرة في ذلك ومثله بلغة المتكلمين به. وقال الشيخ تقي الدين، بعد أن ذكر ألفاظ العقود في الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول: وإنها لا تنعقد بالمضارع، وما كان من هذه الألفاظ محتملا، فإنه يكون كناية حيث تصح الكناية له، كالطلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال. وهذا الباب عظيم المنفعة، خصوصا في الخلع وبابه. وقد ذكروا من ألفاظ الكناية: أغناك الله، وقول القائل: "الله يرزقك" دعاء منه لها، ويظهر أن مراده بهذا اللفظ في حال سؤالها الطلاق، وبذلها العوض الطلاق. ... ١ ... ... ...

стр. 1247

[إذا منع التعامل بالدراهم أو قلت قيمتها] ما قولكم، رفع الله قدركم، وأدام فضلكم، فيما إذا غلت، أو رخصت الدراهم المُتَعَامَل بها بين الناس، فما قولكم فيمن باع إلى أجل بعشرة دراهم، وهي قيمة الدينار وقت العقد، فلما حل الأجل، وإذا الدراهم المذكورة بعدُ ما هي قيمة الدينار صارت نصف قيمته أو عكسه، هل للبائع على المشتري دراهمه المسماة أو قيمتهن وقت العقد، أو قيمتهن وقت حلول الأجل، فيما إذا أخر المطالبة لغيبة أو مَطْل أو غير ذلك؟ وهل حكم القَرْض حكم ثمن المبيع الذي في الذمة أم لا؟ وما معنى كلام الناظم في قوله: والنص بالقيمة في بطلانها ... لا في ازدياد القدر أو نقصانها بل إن غلت فالمثل فيها أحرى ... كذا عشرين صار عشرا ما الحكم في ذلك؟ أفتونا مأجورين، أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه، آمين. الحمد لله ﴿الجواب، والله أعلم بالصواب﴾: قد ذكر الأصحاب -رحمهم الله تعالى- أنه إذا وقع البيع بنقد معين كدراهم مكسرة أو مغشوشة أو فلوس، ثم حرمها السلطان فمنع المعاملة بها قبل قبض البائع لها -لم يلزم البائعَ قبضُها، بل له الطلب بقيمتها يوم العقد، وكذا لو أقرضه نقدا أو فلوسا، فحرم السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض، لم يلزم المقرضَ قبولُه، ولو كان باقيا بعينه لم يتغير، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد؛ إن أفضى إلى ربا الفضل، ووجه رد القيمة فيما ذكرنا. أما في مسألة البيع، فلأنها من ضمان المشتري حتى يقبضها البائع، وقد بقيت بيد المشتري، فلم يلزم البائعَ قبولُها.

стр. 1248

وأما في مسألة القرض، فلأنها بقيت في ملك المقترض، فلم يملك ردها، وإنما يملك القيمة -والحالة هذه- على المذهب فيما إذا منع السلطان المعاملة بها خاصة، أما إذا زادت قيمتها، أو نقصت مع بقاء التعامل بها وعدم تحريم السلطان لها، فيرد مثلها، سواء غلت، أو رخصت، أو كسدت، هذا حاصل المذهب في المسألة عند أكثر الأصحاب. وقال شيخ الإسلام تقي الدين ﵀: قياس القرض فيما تقدم جميع الديون من بدل المتلف والمغصوب، والصداق، والصلح عن القصاص، والكتابة، قال: وكذا نص أحمد في جميع الديون. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة، فسقطت المكسرة أو فلوس، قال: يكون له عليه قيمتها من الذهب. انتهى. وقال الشيخ -أيضا-: وقد نصوا في القرض على أن الدراهم المكسرة إذا مُنِعَ التعاملُ بها، فالواجب القيمة، فيخرج في سائر المتلفات، كذلك في الغصب والقرض؛ فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعين، فإنه ليس هو المستحق، وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يُعْقَل عيبُها إلا نقصان قيمتها. فإذا أقرضه، أو غصبه طعاما، فنقصت قيمته -فهو نقص النوع، فلا يُجْبَر على أخذه ناقصا، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل؛ فإن المالين إنما يتماثلان؛ إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين إفلاس المدين، وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص، وأما الأنواع فلا عيب فيها بالحقيقة، وإنما نقصانها كعيبها. انتهى. فالحاصل أن الأصحاب إنما أوجبوا رد قيمة ما ذُكِرَ في القرض والثمن

стр. 1249

المعين، خاصة فيما إذا منع السلطان التعامل بها فقط، ولم يَرَوْا رد القيمة في غير القرض والثمن المعين، وكذا لم يُوجِبوا ردَّ القيمة -والحالة هذه- فيما إذا كسدت بغير تحريم السلطان لها، ولا فيما إذا غلت، أو رخصت. وأما الشيخ تقي الدين فأوجب رد القيمة في القرض والثمن المعين، وكذلك سائر الديون فيما إذا كسدت مطلقا، وكذلك إذا نقصت القيمة فيما ذكر، وفي جميع المثليات، والله أعلم. ﴿الحمد لله وحده﴾ سلمكم الله، وعافاكم، ووفقكم، وحماكم ١، ما معنى قوله ﷺ "وأنا الحاشر، يحشر الناس على قدمي"٢. وفي لفظ: "على عقبي"؟ وما يظهر لكم في رجل أخذ من آخر مجيديات فضة مضاربة، واشترى بها عروض وبهائم، وباعها بريالات النقد الرابح اليوم، وظهر ربح بينهما، هل يدفع المضارب إلى الدافع ريالات بثمن المجيديات، أم لا يدفع له إلا مجيديات أو ذهب مما لا يجري فيه الربا؟ أفتونا مأجورين، أثابكم الله جزيل الثواب بمَنِّه وكرمه، آمين. * * * أجاب شيخنا مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) أمتعنا الله به. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. [معنى قوله: (وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي)] قوله ﷺ : "لي خمسة أسماء"، وذكر منها "الحاشر ٣ الذي يحشر الناس على قدمي" قوله: (قدمي) روي بتخفيف الياء على الإفراد، وتشديدها على التثنية، وفي رواية: "على عقبي"

стр. 1250

أي: على أثري وزمان نبوتي ورسالتي؛ إذ لا نبي بعده. وقيل معناه: يقدمهم وهم خلفه، أو على أثره في المحشر؛ لأنه أول من تنشق عنه الأرض. والعاقب: هو الذي يخلف من كان قبله في الخير، ومنه عقب الرجل لولده، وقيل: معناه؛ لأنه ليس بعده نبي؛ لأن العاقب هو الآخر، فهو عقب الأنبياء، أي: آخرهم. [إذا طلب المالك من العامل أن يرد رأس ماله كما أخذه] وأما مسألة المضاربة، فإن طلب المالك من العامل أن يرد رأس ماله كما أخذه، لزمه ذلك بطريق مباح. وأما إذا رضي رب المال بقبض الريالات الرابحة، فالذي أرى أن هذا جائز لا محذور فيه؛ لأنه عين ماله انقلب بالتجارة فيه من نوع إلى نوع آخر لم يكن في ذمة العامل، بل رأس المال والمنضوض ملك لرب المال، والله أعلم. فإن كان قد ظهر ربح قوم، وأعطي العامل حصته من الربح من الناض لا من رأس المال. انتهى جواب الشيخ من خطه. ... ... ... ... .... ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال شيخنا العلامة عبد الرحمن بن حسن ﵀، وكثَّر فوائده-: (جواب) في مسائل سئل عنها الفقير إلى الله عبد الرحمن بن عدوان ، قال بعد السلام: هذا جواب المسائل: [إذا قبض دين السلم قبضا تاما] أما (الأولى) وهي: ما إذا قبض دين السلم قبضا تاما يتمكن من التصرف فيه جاز له أن يبيعه على مَن أوفاه به مطلقا، وليست هذه من صور عكس العِينَة. [قلب الدين] (الثانية): رجل اشترى تمرا نسيئة من آخر، ثم رده عليه عما في ذمته.

стр. 1251

(الجواب): إن كان قبضه قبضا صحيحا جاز أن يوفيه به المشتري؛ إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه من غيره، بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء؛ لعسرته، واضطره إلى أن يستدين له من نفسه ليوفيه، فهذا لا يجوز لوجهين: أحدهما: أن المعسر يجب إنظاره، وهذا إضرار به يزيد به عسرته. الثاني: أنه من قلب الدين الذي نص عليه العلماء ﵏ كشيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز. [خرْص النخل وإعطاؤه للشريك] (الثالثة): خرْص النخل وإعطاؤه للشريك ليأخذ مثله وقت الجذاذ، فالظاهر أن هذا لا يجوز؛ لأنه من صور بيع الجنس بجنسه، وشرطه: جواز التماثل والتقابض، والذي يجوز في ذلك أن يقتسماه على رؤوس النخل خَرْصًا، فيأخذ كل واحد منهما مثل ما أخذه شريكه؛ فيختص كل واحد بما أخذ بالقسمة، فلا يكون في ذمة أحدهما للآخر شيء. [من صور قلب الدين] (الرابعة): مَلِيٌّ عليه دين لآخر، فأسلم إليه دراهم، فقضاه دينه منها. (الجواب): أن هذه الصورة من صور قلب الدين، وقد نصوا على أنه يضارع الربا. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن السلف منعوا منه، وأفتى هو بالمنع، وكذا شيخنا الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-؛ وذلك لأنه تنمية للدين في ذمة المدين بمجرد القلب، وهو بمعنى ربا الجاهلية: إما أن تقضي، وإما أن ترابي. [التفرق قبل قبض رأس مال السلم] (الخامسة): إذا تقايلا دين السلم، فهل يجوز التفرق قبل قبض رأس سن المال أم لا؟ (الجواب): قال في "المنتهى": ويجوز إقالة في سلم وبعضه بدون قبض رأس ماله أو عوضه إن تعذر في مجلسها؛ لأنه إذا حصل الفسخ ثبت الثمن في ذمة البائع، فلم يشترط قبض بدله في المجلس كالقرض، وفيه وجه يشترط. انتهى. [ما تراه الحائض من النشاف في أيام الحيض] (السادسة): ما تراه الحائض من النشاف في أيام الحيض

стр. 1252

الجواب: المذهب أن النقاء طهر، وإن لم تر معه بياضا؛ فعليها أن تغتسل، وتصلي، وفيه قول؛ لأن البياض الذي يأتي المرأة عقب انقطاع الحيض، هو الطهر الصحيح، وإليه يميل شيخنا ﵀ فيما يرى، والله أعلم. انتهى. [بيع الكاليء بالكاليء] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجدت بخط الأشياخ قوله: ولا يصح بيع كالئ بكالئ، ولها صور منها: بيع ما في الذمة حالّ، وعروض وأثمان بثمن إلى أجل ممن هو عليه أو غيره، ومنها جعله رأس مال سلم كما ذكره المصنف ﵀، ومنها لو كان لكل واحد من اثنين دينا على صاحبه من غير جنسه، كالذهب والفضة، وتصارفا، ولم يحضر شيئا، فإنه لا يجوز سواء كانا حالَّين أو مؤجلين. ثم اعلم أن قول المصنف ﵀: ولا يحل بيع كالئ بكالئ -يشمل ثمان صور: الأولى: بيع حالٍّ بحَالٍّ لمن هو عليه. السادسة: بيع حال بمؤجل لغيره. السابعة: بيع مؤجل لمن هو عليه. الثامنة: بيع مؤجل بمؤجل لغيره. فلا يصح في هذه الصور جميعها إلا في الأولى والثانية، تمت، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد: فهذه خمس مسائل سئل عنها شيخنا عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) ﵀. الحمد لله وحده [البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك] (المسألة الأولى): عن البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك، والشرك فيها ظاهر، مع كونهم يشهدون "أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" مع عدم القيام بحقيقتهما، ويؤذنون، ويصلون الجمعة والجماعة، مع التقصير في ذلك.

стр. 1253

فهذه المسألة يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء في بلدةٍ كلُّ أهلها يهود أو نصارى أنهم إذا كانوا يقولون في المسيح: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وأنهم إذا بذلوا الجزية سميت بلادهم بلاد إسلام؛ فبالأولى فيما أرى أن البلاد التي سألتم عنها، وذكرتم حال أهلها أولى بهذا الاسم، ومع هذا يُقَاتلون لإزالة مشاهد الشرك والإقرار بالتوحيد والعمل به، بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام -قُوتِلُوا، وإن لم يكونوا كفارا، ولا مشركين، ودارهم دار إسلام. قال الشيخ تقي الدين ﵀: أجمع العلماء أن كل طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام -تُقَاتَلُ حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى. انتهى. وما ذكرناه عن العلماء: من أنهم يسمون البلد التي أهلها يهود أو نصارى أنهم يسمونها دار إسلام، ويذكرون ذلك في باب اللقيط وفي غيره. [من قصد إنسانا بخشبة ونحوها ليضربه بها] (المسألة الثانية): فيمن قصد إنسانا بخشبة ونحوها؛ ليضربه بها، فللمقصود دفعُه بالأسهل، أو بالهرب عنه، إن أمكن، فإن لم يندفع بذلك فله ضربُه بما يندفع به، وأرجو أنه ما يضمن، والحالة هذه. [من دفع أرضه لإنسان ليغرسها بما اتفقا عليه من نصيب كل منهما] (المسألة الثالثة): فيمن دفع أرضه لإنسان؛ ليغرسها بما اتفقا عليه من نصيب كل منهما، فيجوز لصاحب الأرض بيع نصيبه من الغرس، ولو لم تتم المدة التي بينه وبين الغارس؛ لأن بيع المشاع صحيح، والمشتري يقوم مقام البائع في إلزام العامل بإتمام العمل الذي شرط عليه في العقد. وإذا تلف نصيب الغارس من النخل رفع يده عن الأرض التي ليس له فيها حق، بل لو اشترط في ابتداء العقد أن له شيئا من الأرض فسد العقد

стр. 1254

بلا خلاف بين العلماء، والمشتري من مالك الأرض، إن كان إنما اشترى نصيبه من الغرس، فهو صحيح كما ذكرنا، وإن كان اشترى نصيبه من الغرس وجميع الأرض، فالذي أرى أنه ما يصح؛ لأنه ما يمكنه تسليم الأرض -والحالة هذه- والله أعلم. [وطء الأب مملوكة ولده] (المسألة الرابعة): في وطء الأب مملوكة ولده، فهو حرام يوجب التعزير. فإن حملت من الأب صارت أم ولد له، وولده حر، ولا حد ولا مهر عليه، فإن كان الابن قد وطئها، ولو لم تلد منه، لم يملكها الأب بالإحبال، ولم تَصِرْ أمّ ولد له، وحرمت عليهما، هكذا ذكره الفقهاء. [حكم مال الغريم إذا ضاق ماله عن الديون التي عليه] (المسألة الخامسة): في حكم مال الغريم إذا ضاق ماله عن الديون التي عليه، فالمشهور في المذهب فيها معروف، وأنه يُتْرَك له المسكن والخادم؛ إذا كان مثله يُخْدَمُ، ما لم يكونا عين مال غريم، ويُشترى، أو يُكترى له بدلهما، ويُترك له ما يَتَّجِر به؛ إن كان تاجرا، ويترك له آلة محترف؛ إن كان ذا صنعة، ومقتضى قولهم: إنه إذا كانت حرفته الحراثة أن يُترك له ما يحرث عليه من سوان وآلة حراثة. ومقتضى قولهم: أنه إذا لم يكن له حرفة، وله عقار، أنه يُترك له؛ إذا لم يكن فيه فضل عما يقوم به معاشه، والذي أرى أنه ما يمكن العمل اليوم بالمذهب في بلدان نجد؛ لقلة أموالهم، والغالب على الحُرَّاث الفقر. ويمكن أحدهم أن يشتري من الناس أموالهم، ويشتري بها دارا أو عقارا، أو يشتري بها سواني، فإذا طلب أهل الحقوق حقوقهم، لم يجدوا إلا هذه التي ذكرنا، فيقال: تترك له الدار، ويترك له العقار يَتَعَيَّش به؛ إذا لم يكن له ما يعيش به، أو تترك له السواني؟ وإن كان تاجرا، وفي يده رأس مال، قيل: يترك له ما يتجر به، وهذا فيه إشكال.

стр. 1255

وأما ما سوى مذهب أحمد، فأبو حنيفة يقول: يترك له المسكن فقط، وقال مالك والشافعي: تباع ويكترى له بدلها؛ لحديث: "خذوا ما وجدتم". والقول بأنه يترك له ما يتجر به؛ إن كان تاجرا، أو آلة الحرفة إن كان له صنعة، فمن مفردات المذهب. ونقل عبد الله عن أبيه: يباع الكل إلا المسكن وما يواريه من ثياب وخادم يحتاجه، وفي رواية أخرى: يُترك له ما يقوم به معاشه. قال في "الشرح الكبير": وهذا في حق الشيخ وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم، ومع ذلك قال أصحابنا: إن كانت أمواله كلها أعيان أموال أناس، أفلس بأثمانها، أخذوها بشروطها؛ لقوله ﷺ "من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به" ١ انتهى. لكن إن كانت الدار ونحوها رهنا، ففي حكمها على المذهب تردد؛ ولهذا قال صاحب "الغاية": إن كانت الدار ونحوها رهنا، توجه احتمالان، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ﴿تمت﴾ * * * طبعت هذه المجموعة عن الأصل المرسل من نجد بحسب ترتيبه في النسخ بغير تصرف ما، وقد كتب في آخر النسخة التي طبعنا عنها ما نصه: "وقع الفراغ من نسخ هذه المسائل الفقهية في آخر اليوم السادس والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ١٣٢٩ بمعونة الله الفرد الصمد، بقلم عبده الفقير إليه، الغني به عما سواه -إن شاء الله- سليمان بن عبد الله بن سليمان بن ماجد الحنبلي مذهبًا، والسلفي معتقدًا، غفر المولى له ولوالديه ولمعلميه وللمسلمين والمسلمات آمين.

стр. 1256

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية الجزء الثالث تأليف الإمام العالم العلامة الشيخ عبد اللطيف الأزهري بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن صاحب الدعوة الإسلامية الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله لهم أجمعين المولود سنة ١٢٢٥ هـ والمتوفى في ذي القعدة سنة ١٢٩٢ هـ جمعها العالم العامل والأستاذ الفاضل الشيخ سليمان بن سحمان طبع بأمر ونفقة صاحب الجلالة السعودية الإمام عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها أيده الله تعالى أشرف على تصحيحه وعلق عليه بعض الحواشي السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الطبعة الأولى في سنة ١٣٤٥ مطبعة المنار بمصر

стр. 1257

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة جامع الكتاب الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد فإن هذه الرسائل المفيدة، والأجوبة القاطعة السديدة، قد اشتملت على أصول أصيلة، ومباحث جليلة، لا تكاد تجدها في كثير من الكتب المصنفة، والدواوين المشهورة المؤلفة إذا سرح العالم النحرير إنسان نظره في رصانة معانيها، وأسام ثاقب فكره في مطارح مروجها ومبانيها، وورد من نمير معينها الصافي البحور الزاخرة، وارتوى من سلسال لطائف تلك المعارف والعلوم الفاخرة، علم أن هذا الإمام قد حاز قصب السبق في الفروع والأصول, واحتوى منها على ما سمق وبسق به الأئمة الفحول، وأنه قد أمّ إلى هام العلى فعلا ذُراها، وسما من العلوم النبوية إلى علالي معالمها وعلاها، فرحمة الله عليه من إمام بلتع، وفاضل فصيح مصقع، فلقد تبحر في جميع فنون العلوم، وبلغ شأو المتنبي في رصانة المنثور والمنظوم، وهذه رسائله تطلعك على ما هنالك، وثواقب علومه يهتدي بها السائر عن سلوك معاطب المهالك. فيا من هو العالي على كل خلقه ... وسوَّى السمواتِ العلى وبناها وكان لها -سبحانه جل- ممسكا ... بغير عماد في الوجود نراها وزيَّن أدناها بشهب ثواقب ... مصابيح في دَيجورها ودُجاها وأطَّد بالأطواد أرضًا بسيطة ... وأحكمها -سبحانه- ودَحاها

стр. 1258

بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... أذقهُ مِن الفرْدوس طيبَ جناها وأوْلِ الرضا هذا الإمام الذي له ... مآثر يزهو في الأنام سناها وبوئه في الفردوس والخلد منزلا ... وألبسْه من أثوابها وحُلاها فقد قام في نصر الشريعة جاهدًا ... ولم يألُ جهدًا في ارتفاع ذُراها وردَّ على من ندَّ من كل ملحد ... عن السنة الغرَّا ورام خفاها وقد شيدتْ أركانَ سنةِ أحمد ... رسائلُه اللاتي أضاء ضياها فأشرف منها الحقُّ للخلق ناصعا ... وأعشى عيون الملحدينَ سناها وأجوبةٌ تسمو وتسمق بالهدى ... لأسئلة قد أشكلت فجلاها يضوع لأهل الحق منها نواشرٌ ... يفوق عبيرَ المسك طيب شذاها إذا أرسل النحرير ثاقب فكره ... بفيح معانيها وشأو ذُراها أقرَّ له بالفضل والعلم والحجى ... وأن قد تسامى للعلى فعلاها وهذا نص الموجود من رسائله:

стр. 1259

الرسالة الأولى [الإنكار على من كفر المسلمين بغير ما أجمع عليه الفقهاء] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى عبد العزيز الخطيب. سلام على عباد الله الصالحين. وبعد: فقرأت رسالتك، وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار، ولكن أسأت في قولك: إن ما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم أنه لم يصدر منكم، وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع يجادلونك، وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور، وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبا على سبيل القدح في العقيدة، والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى. فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى، وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة، وكفّرا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم، يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها. قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت ١، ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى

стр. 1260

تركوا رد السلام، فرفع إلي أمرهم؛ فأحضرتهم وهددتهم، وأغلظت لهم القول. فزعموا أولا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم؛ فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية. وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها، وما يوجب الردة ويقتضيها، وينصون على الشرك الأكبر. وقد أفرد ابن حجر ١ هذه المسألة بكتاب سماه (الإعلام بقواطع الإسلام). وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة؛ وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين، بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور ٢. وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا

стр. 1261

العلماء من ذوي الألباب. ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب. والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها وأعرض عنها وعن تفاصيلها؛ فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله، يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم القرآن. قال ابن القيم في كافيته -رحمه الله تعالى-: فعليك بالتفصيل والتبيين فالإ ... طلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأ ... ذهان والآراء كل زمان وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليهم تحكيم أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام. فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية وعمرا، وتوليتهما وقد قال -تعالى -: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ١ وضربت المدة بينكم وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت براءة. وطال بينهما النّزاع والخصام، حتى أغاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي؛ فحينئذ شمر ﵁ لقتالهم، وقتلهم دون النهروان بعد الإعذار والإنذار، والتمس المخدج المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن، فوجده علي فسرّ بذلك،

стр. 1262

وسجد لله شكرًا على توفيقه، وقال: لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل، هذا وهم أكثر الناس عبادة وصلاة وصوما. فصل [في مراتب الإيمان والكفر والنفاق والمعاصي] ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية. وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة، قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١ الآية، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢. وكذلك اسم المؤمن، والبر، والتقي يراد بها عند الإطلاق والثناء غير المعنى المراد في مقام الأمر والنهي، ألا ترى أن الزاني، والسارق، والشارب يدخلون في عموم قوله -تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ٣، وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ٤ الآية، وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ٥، ولا يدخلون في مثل قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٦، وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ٧ الآية. وهذا هو الذي أوجب للسلف ترك تسمية الفاسق باسم الإيمان والبر.

стр. 1263

وفي الحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها وهو مؤمن"١، وقوله "لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه "٢، ٣. لكن نفي الإيمان هذا لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإسلام، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله. وهذا هو الذي فهمه السلف، وقرروه في باب الرد على الخوارج والمرجئة ونحوهم من أهل الأهواء، فافهم هذا فإنه مضلة أفهام، ومزلة أقدام. وأما إلحاق الوعيد المرتب على بعض الذنوب والكبائر، فقد يمنع منه مانع في حق المعين كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة في الدور الثلاثة. وكذلك لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار، وإن أطلقوا الوعيد كما أطلقه القرآن والسنة، فهم يفرقون بين العام المطلق، والخاص المقيد، وكان عبد الله (حمار) ٤ يشرب الخمر فأتى به رسول الله ﷺ ، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتي به إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله"٥ مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه. [قصة حاطب وآيات سورة الممتحنة في موالاة المشركين] وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه أنه "كتب بسر رسول

стр. 1264

الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم بشأن رسول الله ﷺ ومسيره لجهادهم ليتخذ بذلك يدا عندهم يحمي أهله وماله بمكة. فنَزل الوحي بخبره. وكان قد أعطى الكتاب ظعينة جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله ﷺ عليا والزبير في طلب الظعينة، وأخبر أنهما يجدانها في روضة خاخ. فكان ذلك، فتهدداها حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله ﷺ . فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال له: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله إني لم أكفر بعد إيمان، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد أحمي بها أهلي ومالي، فقال ﷺ : صدقكم خلوا سبيله. واستأذن عمر في قتله فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ الآيات، فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل؛ لكن قوله "صدقكم خلوا سبيله" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنا بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي. ولو كفر لما قيل: "خلوا سبيله". لا يقال قوله ﷺ لعمر: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"٢ هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه.

стр. 1265

فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ ١، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع؛ فلا يظن هذا. وأما قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٣، وقوله ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤، وقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥، فقد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل الموالاة هو الحب والنصرة والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وغيره. وإنما أشكل الأمر، وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن، ولهذا قال الحسن ﵁: من العجمة أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار: واحتج ابن عبيد أن هذا وعد، والله لا يخلف وعده، يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود، فقال له ابن العلاء: من العجمة أتيت، هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال بعض الأئمة فيما نقل البخاري، أو غيره: إن من سعادة الأعجمي والأعرابي إذا أسلما أن يوفقا لصاحب سنة، وإن من شقاوتهما أن يمتحنا
следующие страницы →