الدين أو لم يبينوا؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: بينوا ما عندهم. قلنا: وتبيين أولهم يكفي عن الآخر منهم؛ لأنه يصير ما بين عند الناس ينقلونه جيلا عن جيل، فبطلت الحاجة إليهم. فإن قالوا: لم يبينوا -وهو قولهم- لأنهم عندهم صامتون حتى يأتي الإمام الناطق (الثاني عشر).
قلنا لهم: فهل حاقت بهم اللعنة من الله -تعالى- بنص القرآن إذ لم يبينوا ما عندهم من الهدى. وبالجملة فما أمة أحمق من الروافض والنصارى جملة.
قال أبو محمد: "وبرهان آخر ضروري، وهو أن رسول الله ﷺ مات وجمهور الصحابة ﵃ حضور -حاشا مَنْ كان منهم في النواحي- فما منهم أحد أشار إلى الناس في علي بكلمة يذكر فيها أن رسول الله ﷺ نص عليه، ولا ادعى ذلك علي ﵁ قط، لا في ذلك الوقت ولا بعده، ولا ادعاه أحد له، ولا بعده في ذلك الوقت.
ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن البتة، ولا يجوز اتفاق أكثر من عشرين ألف إنسان متنابذي الهمم والنيات والأنساب، أكثرهم موتور من صاحبه في الدماء من الجاهلية على طي عهده ﷺ إليهم. وما وجدنا قط رواية عن أحد بهذا النص المدعى، إلا رواية موضوعة واهية عن قوم مجهولين، لا يعرفهم أحد، عن مجهول يكني أبا الحمراء لا يُعرف من هو، ووجدنا عليا -رضي الله- عنه قد توقف عن بيعة أبي بكر ﵁ ستة أشهر، فما أكرهه أبو بكر على البيعة حتى بايع طائعا مبادرا، راجعا عن تأخره عنها، مختارا غير مكره. فكيف حل لعلي عند هؤلاء النوكى أن يبايع طائعا لرجل كافر أو فاسق، جاحد لنص رسول الله ﷺ وأن يعينه على أمره، وأن يشاهد في مجلسه، وأن يواليه إلى أن مات.
ثم بايع بعده عمر بن الخطاب ﵁ مبادرا غير متردد ساعة فما فوقها، غير مكره، بل طائعا، وصحبه وأعانه على أمره، وأنكحه ابنته من فاطمة ﵂، ثم قبل إدخاله في الشورى أحد ستة رجال؟ فكيف حل لعلي ﵁ عند هؤلاء الجهال أن
стр. 1892
يشارك بنفسه في شورى ضلالة أو كفر، وأن يغر الأمة هذا الغرور؟ هذا الأمر أدى أبا كامل -وهو من أئمة الروافض- إلى تكفير علي؛ لأنه زعم أنه أعان الكفار على كفرهم، وأيدهم على كتمان الديانة، وعلى ستر ما لا يتم الدين إلا به.
[البراهين على بطلان دعوى النص على إمامة علي]
قال أبو محمد: "ولا يجوز أن يظن بعلي ﵁ أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، قد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله ﷺ مرات، ثم يوم الجمل وصفين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين؟
وما الذي ألف بين بصائر الناس على كتمان حق علي ﵁ ومنعه حقه مذ مات رسول الله ﷺ إلى أن قتل عثمان، ﵁؟ ثم ما الذي جلى بصائرهم في عونه إذ دعا لنفسه، فقامت معه طوائف من المسلمين عظيمة، وبذلوا دماءهم دونه، ورأوه حينئذ صاحب الأمر، والأولى بالحق ممن نازعه؟ فما الذي منعه، ومنعهم من الكلام، وإظهار النص الذي يدعيه الكذابون إذ مات عمر ﵁ وبقي الناس بلا رأس ثلاثة أيام، أو يوم السقيفة؟
وأظرف من هذا كله بقاؤه ممسكا عن بيعة أبي بكر ﵁ ستة أشهر، فما سُئِلَهَا، ولا أجبر عليها ولا كلفها، وهو متصرف بينهم في أموره، فلولا أن رأى الحق فيها، فاستدرك أمره، فبايع طالبا حظ نفسه في دينه، راجعا عن الخطأ إلى الحق - لما بايع.
فإن قالت الروافض: إنه بعد ستة أشهر رأى الرجوع عن الحق إلى الباطل، فقولهم هو الباطل حقا، لا ما فعل علي ﵁, ثم ولي علي ﵁ فما غير حكما من أحكام أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا أبطل عهدا من عهودهم، ولو كان ذلك عنده باطلا، لما كان في سعة من أن يمضي الباطل وينفذه، وقد ارتفعت التقية عنه.
وأيضا فقد نازع الأنصار ﵃ أبا بكر ﵁ ودعوا إلى بيعة سعد بن عبادة. ودعا المهاجرون إلى بيعة أبي بكر ﵁، وقعد علي ﵁ في بيته، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ليس معه أحد غير الزبير بن العوام رضي الله عنه
стр. 1893
ثم استبان الحق للزبير فبايع سريعًا، وبقي علي وحده لا يرقب عليه، ولا يمنع من لقاء الناس، ولا يمنع أحد من لقائه.
فلا يخلو رجوع الأنصار كلهم إلى بيعة أبي بكر ﵁ من أن يكون عن أحد ثلاثة أوجه، لا رابع لها البتة: إما عن غلبة، وإما عن ظهور حقه إليهم فأوجب عليهم الانقياد لبيعته، وإما فعلوا ذلك مطارفة لغير معنى. فإن قالوا: بايعوه بغلبة، ظهر فاحش كذبهم؛ لأنه لم يكن هناك قتال ولا تضارب، ولا سباب ولا تهديد، ولا وقت طويل ينفسح للوعيد، ولا سلاح مأخوذ، ومن المحال الممتنع أن يترك أزيد من ألفي فارس أنجاد أبطال، كلهم عشيرة واحدة، وقد ظهر من شجاعتهم ما لا مرمى وراءه، وهو أنهم بقوا ثمانية أعوام متصلة محاربين لجميع العرب في أقطار بلادهم، مُوَطَّنِين على الموت، متعرضين مع ذلك لحرب قيصر والروم بمؤتة وغيرها، ولحروب كسرى والفرس ببصرى، من يخاطبهم يدعوه ويدعوهم إلى اتباعه، وأن يكونوا كأحد من بين يديه. هذه صفة الأنصار التي لا ينكرها إلا رقيع مجاهر بالكذب.
"فمن المحال الممتنع الذي لا يمكن ألبتة أن يرهبوا أبا بكر ورجلين أتيا إلى مجلسهم فقط، وأبو بكر ﵁ لا يرجع إلى عشيرة كثيرة، ولا إلى موالي، ولا إلى عصبة، ولا إلى مال، فرجعوا إليه -وهو عندهم مبطل- وبايعوه بلا تردد نصف يوم فأكثر.
وكذلك يبطل أن يرجعوا عن قولهم، وما كانوا قد رأوه من أن الحق حقهم، وعن بيعة ابن عمهم مطارفة بلا معنى ولا خوف ولا ظهور الحق إليهم.
فمن المحال اتفاق أهواء هذا العدد العظيم على ما يعرفون أنه باطل دون خوف يضطرهم إلى ذلك، ودون طمع يتعجلونه من مال أو جاه، بل فيما فيه ترك العز والرياسة والدنيا، وتسليم كل ذلك لرجل أجنبي لا عشيرة له ولا منعة، ولا حاجب ولا حراس على بابه، ولا قصر يمنعه ولا موالي ولا مال، فأين كان علي وهو الذي لا نظير له في
стр. 1894
الشجاعة، ومعه جماعة بني هاشم، وبني المطلب من قتل هذا الشيخ الذي لا دافع دونه لو كان عنده ظالما، أو عن منعه وزجره إن لم يستحل قتله؟ بل قد علم -والله- علي أن أبا بكر ﵁ على الحق، وأن من خالفه على الباطل، فأذعن للحق إذ تبينه بعد ما عرضت له فيه كبوة.
وكذلك الأنصار ﵃ إنما رجعوا إلى بيعته بلا شك ولا مرية؛ لبرهان حق صح عندهم عن النبي ﷺ لا لاجتهاد كاجتهادهم، ولا لظن كظنهم إذ لم يبق غير ذلك، وبطل كل ما سواه يقينا.
"وإذ قد بطل أن يكون الأمر في الأنصار، وزالت الرياسة عنهم. فما الذي حملهم كلهم أولهم عن آخرهم على أن يتفقوا على جحد نص النبي ﷺ على إمامة علي ﵁؟
ومن المحال الممتنع أن تتفق آراؤهم كلهم على معاونة من ظلمهم، وغصبهم حقهم بالباطل، إلا أن يدعي الروافض أنهم كلهم اتفق لهم نسيان ذلك العهد. فهذه أعجوبة من المحال غير ممكنة، ثم لو أمكنت، لجاز لكل أحد أن يدعي فيما شاء من المحال أنه قد كان، وأن الناس كلهم نسوه، وهذا إبطال الحقائق كلها.
"وأيضا فإن كان جميع أصحاب رسول الله ﷺ اتفقوا على جحد ذلك النص وكتمانه، واتفقت طبائعهم كلهم على نسيانه، فمن أين وقع إلى الروافض علمه؟ ومن بلغه إليهم؟ وهذا هوس ومحال. فبطل الأمر في دعوى النص على علي ﵁ بيقين لا يشك فيه، والحمد لله رب العالمين.
"فإن قال قائل: إن علي بن أبي طالب ﵁ كان قد قتل الأقارب بين يدي رسول الله ﷺ ، فتولد له بذلك حقد في قلوب جماعة من الصحابة ﵃؛ فلذلك انحرفوا عنه. قلنا لهم: هذا تمويه ضعيف كاذب؛ لأنه إن ساغ لكم في بني عبد شمس، وبني مخزوم، وبني عبد الدار، وبني عامر بن لؤي؛ لأنه قتل من كل قبيلة من هذه القبائل رجلا أو رجالا، فقتل من بني عامر بن لؤي رجلا
стр. 1895
واحدًا فقط، وهو عمرو بن عبد ود، وقتل من بني مخزوم وبني عبد الدار رجالا، وقتل من بني عبد شمس الوليد بن عتبة بن ربيعة، وقيل: إنه قتل عقبة بن أبي معيط، وقيل: لم يقتله إلا عاصم بن ثابت الأنصاري ﵁.
ولا مزيد فقد علم كل من له أقل علم بالأخبار أنه لم يكن لهذه القبائل، ولا لأحد منها يوم السقيفة عقد ولا حل، ولا رأي ولا أمر، اللهم إلا أن أبا سفيان بن حرب بن أمية كان مائلا إلى علي ﵁ في ذلك تعصبا للقرابة لا تدينا، وكان ابنه يزيد، وخالد بن سعيد بن العاص، والحارث بن هشام المخزومي ﵃ مائلين مع الأنصار تدينا، والأنصار ﵃ قتلوا أبا جهل أخا الحارث.
وكان محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة شديد الميل إلى علي ﵁ حين قصة عثمان ﵁ وبعد ذلك؛ ولذلك قتله معاوية ﵁ صبرا على عثمان ﵁.
فعرفونا من قتل علي من بني تيم بن مرة، أو من بني عدي بن كعب، أو من بني الحارث بن فهر رهط أبي عبيدة ﵁ حتى يظن أهل القحة أنهم حقدوا عليه؟
ثم أخبرونا من قتل علي من الأنصار ﵃ أو من جرح منهم، أو من آذى منهم؟ ألم يكونوا معه في تلك المشاهد كلها، بعضهم متقدم، وبعضهم مساو له، وبعضهم متأخر عنه؟ فأي حقد له في قلوب الأنصار حتى يطبقوا كلهم على جحد النص عليه، وعلى إبطال حقه، وعلى ترك ذكر اسمه جملة، وعلى إيثار سعد بن عبادة عليه، وعلى إيثار أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ عليه، والمسارعة إلى بيعتهم دونه بالخلافة، وهو بين أظهرهم، يرونه غدوا وعشيا، لا يحول أحد بينهم وبينه؟
ثم أخبرونا مَنْ قتل علي مِنْ أقارب المهاجرين من العرب من مضر وربيعة، واليمن وقضاعة حتى يطبقوا كلهم على كراهة ولايته، ويتفقوا كلهم على جحد النص عليه؟ وإن هذه العجائب لا يمكن اتفاق مثلها في العالم أصلا
стр. 1896
"ولقد كان لطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص من القتل في المشركين كالذي كان لعلي، فما الذي خصه باعتقاد الأحقاد له لو كان للروافض حياء وعقل؟ ولقد كان لأبي بكر ﵁ في مضادة قريش في الدعاء إلى الإسلام ما لم يكن لعلي، فما منعهم ذلك من بيعته، وهو أسوأ الناس أثرا عندهم في حال كفرهم. ولقد كان لعمر بن الخطاب ﵁ في مغالبة كفار قريش، وإعلانه الإسلام على زعمهم ما لم يكن لعلي.
فليت شعري! ما الذي أذهب آثار هؤلاء، وأوجب أن ينسى، وأوجب أن يعادوا عليا من بينهم كلهم؟ لولا قلة حياء الروافض، وصفاقة وجوههم، حتى بلغ الأمر بهم إلى أن عدوا على سعد وأسامة وابن عمر ﵃، وعلى رافع بن خديج، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وجماعة من الصحابة ﵃ سواء هؤلاء من المهاجرين والأنصار - أنهم لم يبايعوا عليا إذ دعا إلى نفسه، ثم بايعوا معاوية ﵁، ويزيد ابنه -من أدركه منهم-، وادعوا أن تلك الأحقاد حملتهم على ذلك.
قال أبو محمد: حمق الروافض، وشدة ظلمة جهلهم وقلة حيائهم هورهم في الدمار والبوار، والعار والنار، وقلة المبالاة بالفضائح.
وليت شعري! أيُّ خُمَاشة، وأي كلمة خشنة كانت بين علي وبين هؤلاء أو واحد منهم؟ وإنما كان هؤلاء، ومن جرى مجراهم لا يرون بيعة في فرقة، فلما أصفق المسلمون على من أصفقوا عليه كائنا ما كان، دخلوا في الجماعة، وهكذا فعل من أدرك من هؤلاء ابن الزبير ومروان؛ فإنهم قعدوا عنهما، فلما انفرد عبد الملك بن مروان دخلوا في الجماعة، وبايعه من أدركه منهم لا رضى عنه، ولا عداوة لابن الزبير، ولا تفضيلا لعبد الملك على ابن الزبير، لكن لما ذكرناه. وهكذا كان أمرهم في علي ومعاوية ﵄.
فلاحت نُوكَةُ هؤلاء المجانين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1897
"فصحّ ضَرُورَة بِكُل مَا ذكرنَا أَن الْقَوْم أنزلوه مَنْزِلَته غير غالين فيه، وَلَا مقصرين به ﵃ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّهُمْ قدمُوا الأحق فَالْأحق وَالْأَفْضَل فَالْأَفْضَل، وساووه بنظرائه مِنْهُم.
"ثمَّ أوضح برهَان وَأبين بَيَان فِي بطلَان أكاذيب الروافض أَن عليا ﵁ إذ دعا لنَفسه بعد قتل عُثْمَان ﵁ سارعت طوائف من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار إِلَى بيعَته، فَهَل ذكر أحد من النَّاس قط أن أحدًا مِن الذين بايعوه اعتذر إِلَيْهِ مِمَّا سلف من بيعتهم لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃؟ أَو هَل تَابَ أحد مِنْهُم من جَحده للنَّص على إِمَامَته؟ أَو هل قَالَ أحد مِنْهُم: لقد ذكرت النَّص الَّذِي كنت نسيته فِي أَمر هَذَا الرجل؟ إن عقولاً خَفِي عَلَيْهَا هَذَا الظَّاهِر اللائح لَعقول مخذولة لم يرد الله أَن يهديها.
"ثمَّ مَاتَ عمر ﵁ وَترك الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة من الصَّحَابَة ﵃ عَليّ أحدهم، وَلم يكن فِي تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة سُلْطَان يخَافه أحد وَلَا رَئِيس يتوقع، وَلَا مَخَافَة من أحد، وَلَا جند معد للتغلب.
"أفَتُرى لَو كَانَ لعَلي ﵁ حق ظَاهر يخْتَص بِهِ من نَص عَلَيْهِ من رَسُول الله ﷺ ، أَو من فضل بَائِن على من مَعَه ينْفَرد بِهِ عَنْهُم. أما كَانَ الْوَاجِب على عَليّ ﵁ أَن يَقُول: أَيهَا النَّاس كم هَذَا الظُّلم لي؟ وَكم هَذَا الكتمان لحقي؟ وَكم هَذَا الْجحْد لنَصّ رَسُول الله ﷺ علَي؟ وَكم هَذَا الْإِعْرَاض عَن فضلي الْبَائِن على هَؤُلَاءِ المقرونين بِي؟ فَإِذا لم يفعل فلَا أدْرِي لماذا؟ أما كَانَ فِي بني هَاشم -على كثرتهم يومئذ- أحد لَهُ دين يَقُول هَذَا الْكَلَام؟ إمّا الْعَبَّاس عَمه -وَجَمِيع الْمسلمين على توقيره وتعظيمه، حَتَّى أَن عمر ﵁ توسل بِهِ إِلَى الله بِحَضْرَة المسلمين فِي الاسْتِسْقَاء-، وَإمّا أحد بنيه، وَإمّا عقيل، وَإمّا أحد بني جَعْفَر وبني الحارث أو بني لهب أو مواليهم. فَإِذا لم يكن أحد منهم يَتَّقِي الله وَلَا يَأْخُذهُ فِي قَول
стр. 1898
الحق مداهنة، أما كان في جميع أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار وغيرهم واحد يقول: يا معشر المسلمين، قد زالت الرقبة، وهذا الرجل علي بن أبي طالب له حق واجب بالنص عليه، وله فضل بائن ظاهر لا يمترى فيه، فبايعوه، فأمره بين أصفاق جميع الأمة أولها عن آخرها، من برقة إلى خراسان، ومن أذربيجان وأرمينيه إلى أقصى اليمن، إذ بلغهم الخبر على السكوت عن حق هذا الرجل، واتفاقهم على ظلمه، ومنعه من حقه، وليس هنالك شيء يخافونه، لإحدى عجائب المحال الممتنع، وفيهم الذين بايعوه بعد ذلك إذ صار الحق حقه، وقتلوا أنفسهم دونه.
فأين كانوا عن إظهار ما تنبهت له الروافض الأنذال بعد مائة وخمسين عاما؟ ثم مع هذا الكتمان والنسيان كيف بلغ الروافض علمه؟ ومن بلغه إليهم؟ ثم العجب إذا كان غيظهم عليه -هذا الغيظ الذي تزعمه الروافض- كذبا منهم، واتفاقهم على جحد حقه هذا الاتفاق، كيف تورعوا عن قتله ليستريحوا منه؟ أم كيف أكرموه وبروه؟ ".
انتهى ما ذكرته من كلام الإمام أبي محمد بن حزم ملخصا، وهو شاف كاف في الرد على هذا المعترض وأهل مذهبه.
فصل
﴿في وصف العالم الزيدي الشيعة الإمامية بالغلو كالباطنية، وإثبات غلو الزيدية دون غلوهما﴾
وأما قوله: (وأهل البيت وصفوة شيعهم لم يصنعوا إلا كما صنع علي، فلم يغلوا غلو الإمامية ولا الباطنية، نسأل الله العافية).
(فالجواب) أن يقال: ما ذكره هذا المعترض كاف في غلوه في حق علي ﵁ وفي الكذب على الله، وعلى رسوله ﷺ وفي قلة الحياء، ودعواه تشبه دعوى الإمامية؛ لأن دعوى الفريقين مِنْ أَبْطَلِ الباطل، وأبين المحال، وإن كان
стр. 1899
قول الإمامية والباطنية أظهر بطلانا، وأبين ضلالا، وعندهم من الدلائل الباطلة، والأحاديث المكذوبة أكثر مما عند هذا وسلفه، حتى إنهم يستدلون بآيات كثيرة من القرآن كما رأيناه مسطورا في كتبهم. وفي هذا لك عبرة عظيمة، تبين لك أن ليس كل من ادعى اتباع أهل البيت مصيب في دعواه. والله أعلم.
وأما قوله في المسألة الرابعة: ما المراد بقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ ثم ذكر ما ذكره ابن مردويه عن أسماء بنت عميس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وصالح المؤمنين: علي بن أبي طالب"، فهذا أصل دعوى أهل البيت -سلام الله عليهم- وشيعتهم في تخصيص عليّ بالآية الكريمة ... إلى قوله: "وانظر بعين الإنصاف في آية المباهلة حين جعل علي ﵇ مع أخيه المصطفى نفس الأنفس، وهل أخرج رسول الله ﷺ بيانا للأنفس غير علي؟ بل ترك القريب والبعيد، وأبرز عليا وفاطمة والحسين سلام الله عليهم).
(فالجواب) من وجوه:
(الوجه الأول): أن يقال: ذكر صاحب "الدر المنثور" في تفسير الآية أقوالا عن المفسرين.
فأول ما ذكر في ذلك قال: أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان أبي يقرؤوها: وصالح المؤمنين أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر، عن ميمون بن مهران مثله، وأخرج ابن عساكر، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾ عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرج ابن عساكر، عن مقاتل بن سليمان قال: أبو بكر وعمر وعلي. وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس، عن زيد بن زيد في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾، قال: الأنبياء. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾ ٢ أبو بكر وعمر.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، في: "فضائل الصحابة" عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾ ٣. قال: "صالح المؤمنين أبو بكر وعمر". وأخرج في "الأوسط" وابن مردويه عن ابن عمر
стр. 1900
وابن عباس في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾ ١ قال: "نزلت في أبي بكر وعمر".
وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾ قال: "نزلت في عمر بن الخطاب خاصة". وأخرج الحاكم عن أبي أمامة في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْن﴾ قال: أبو بكر وعمر.
فكل هذه الروايات نقلها السيوطي، ثم ذكر الروايات في أنها في "علي"، وذكر أن إسنادها ضعيف. فهؤلاء أئمة التفسير قد نقضوا عليك ما ادعيت من الخصوص.
(الوجه الثاني): قوله: (الملازم له في جميع الطرائق، المؤنس له في مدلهمات المضايق).
فيقال: تخصيص "علي" بذلك دون سائر الصحابة كذب ظاهر، ومكابرة عند أولي البصائر، كما يعرف ذلك من طالع كتب السير والتواريخ، وهو ﵁ من صغار السابقين الأولين في السن.
(الوجه الثالث): قوله: (وعند ابتداء النبوة والتفرد عن الناس بدين الله الأتم المُسْتَنْكَرِ عند أهله وقومه ﷺ استوحش غاية الوحشة، وكان علي هو الولي الأتم، والفاضل الأقدم).
فيقال: تخصيص "علي" بذلك دون خديجة، وزيد بن حارثة، وأبي بكر الصديق ﵃ أجمعين- كذب ظاهر فاحش، وغلو لا يَمْتَرِي فيه إلا كل جاهل غبي. ومعلوم أن خديجة ﵍ ورضي الله عنها- أعظم من آنسه عند ابتداء الوحي، كما ثبت في الصحيحين والمسانيد والسنن والسير وكتب التفاسير: "أنه ﵇ لما نزل عليه الوحي في غار حراء، وغطه الملك ثلاث مرات حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، وقال له ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٣، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة، وقال: "زملوني زملوني ... وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم،
стр. 1901
وتعين على نوائب الحق، ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل -وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ الكتب- فقالت: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا" الحديث بطوله؛ ولهذا استحقت أن يرسل إليها ربها ﵎ بالسلام على لسان رسوليه جبرائيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة.
(الوجه الرابع): أنه من المعلوم المقرر عند أهل الأخبار والسير أن علي بن أبي طالب كان حال البعثة صغيرا، قيل: ابن ثمان سنين، وقيل: عشر. فهم متفقون على أنه لم يبلغ الحلم حين البعثة. وأما أبو بكر الصديق، وزيد بن حارثة، وغيرهما من كبار الصحابة.
فلم يختلف أحد من أهل العلم في أنهم حال البعثة رجال بالغون، وهم أعظم ملازمة ومؤانسة للنبي ﷺ إذ ذاك من علي؛ ولهذا ذكر أهل العلم أن زيد بن حارثة هو الذي كان معه حال خروجه إلى الطائف يدعوهم إلى الله، وأن أهل الطائف لما ضربوه وأخرجوه، وأمروا سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، جعل زيد بن حارثة يقيه بنفسه؛ ولهذا ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ "هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: لقد أتى علي من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب" الحديث.
وكذلك أبو بكر ﵁ ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قيل له: أخبرنا بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ ؟
стр. 1902
قال: "بينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ ١ الآية"٢ - الحديث، وكان رفيقه وأنيسه، وصاحبه في الغار وسفر الهجرة. كما اتفق عليه الموافق والمخالف.
(الخامس): قوله: حتى أحجم أصحاب أخيه ﷺ ... ثم ذكر قصة قتل علي ﵁ عمرو بن عبد ود.
(فيقال): قوله: إن الصحابة أحجموا عن عمرو كذب ظاهر، وأما كون علي ﵁ هو الذي قتله فأمر مشهور، وذلك لا يقتضي فضله على من سواه.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: "من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال النبي ﷺ : إن لكل نبي حواري، وإن حواريّي الزبير"٣. وفي رواية: "إن رسول الله ﷺ ندب الناس فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ إن لكل نبي حواري وإن حواريّي الزبير"٤، فالسابقون الأولون قد ورد لهم من الفضائل; والخصائص مثل ما ورد لعلي.
(الوجه السادس): قوله: "حتى ردت راية رسول الله ﷺ ... حتى قال: لأبعثن بالراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
فيقال: قد ثبت أن رسول الله ﷺ قال هذا لغيره من الصحابة، وليست من خصائصه، بل هي فضيلة شاركه فيها غيره، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر؛ فإن كثيرا منها خصائص لهما لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره، كما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إن أَمَنَّ الناس علَيّ في صحبته وذات يده: أبو بكر"٥ وقال: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر" ٦.
(الوجه السابع): احتجاجه بحديث: "أنت مني بمنْزلة هارون من موسى"٧، تقدم الجواب عليه في كلام ابن حزم بما يكفي
стр. 1903
وأما احتجاجه بحديث المباهلة، فنفس الحديث يدل على أن ذلك ليس من خصائص علي ﵁؛ لأنه قد شاركه فيه فاطمة وحسن وحسين، كما شاركوه في حديث الكساء، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال ولا بالذكور ولا بالأئمة، بل شركه فيه المرأة والصبي؛ فإن الحسنين كانا صغيرين عند المباهلة.
فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران بعد فتح مكة سنة تسع أو سنة عشر، والنبي ﷺ مات ولم يستكمل الحسين سبع سنين، والحسن أكبر منه بنحو سنة، وإنما دعا هؤلاء؛ لأن الله أمر أن يدعو كل واحد من المتباهلين الأبناء والنساء والأنفس، فيدعو الواحد من أولئك أبناءه، ونساءه، وأخص الرجال به نسبا، وهؤلاء أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ وإلا كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد أخص الناس به، لما في جبلة الإنسان من الخوف عليه، وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه؛ ولهذا خصهم في حديث الكساء لهم.
والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضا يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبا، فهم يخافون عليهم ما لا يخافون على الأجانب، والله أعلم.
فصل
[الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة]
وأما قوله: (حتى روى المحدثون من فضائله قول رسول الله ﷺ : "أنت مني كرأسي من جسدي").
فالجواب أن يقال: هذا الحديث لا يعرف في شيء من الكتب المعتمدة: كالصحيحين والسنن والمسانيد، ولم يصححه أحد من أهل الحديث المعروفين بنقد الحديث، والتمييز بين صحيحه من موضوعه.
ومجرد رواية بعض أهل الكتب لا توجب صحته؛ لأن كثيرا من أهل الكتب يروون في كتبهم الصحيح والحسن والضعيف والموضوع؛ وذلك لأنهم يميزون بين الحديث الذي تقوم به الحجة
стр. 1904
مما لا تقوم به الحجة.
ولهذا كانوا يخرجون في كتبهم جميع الأحاديث الصحيحة والضعيفة والحسنة والموضوعة، وأهل الخبرة بالحديث وعلله ورجاله يميزون الحديث الصحيح من غيره، كما يميز الصيرف البصير الدراهم المغشوشة، والله أعلم.
فصل
[انصراف وصيته ﷺ بأهل بيته إلى من في زمنه منهم]
ثم قال المعترض: (فإذا تقرر ذلك، فقد قال كثير من العلماء المحققين: إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود، مثل تحريم الميتة في قوله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ فإنه ينصرف إلى الأكل خاصة دون الانتفاع والترطب، ولا يدخل تحريم غير الأكل بالآية بأدلة السنة، فكذلك نصنع في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ فإنه مطلق فيصرف إلى تخصيص الولاية بعلي ﵁.
ويؤيد التخصيص الإضافة؛ لتتم فائدتها وهو التخصيص، إذ هو أولى من جعلها للعموم كما ذكره المجيب؛ لأن العموم يوجب المصير إلى كون الإضافة بيانية، وهو خلاف الغالب في الإضافة، ولو جازت غلبت الولاية، وحصلت لصحابي بملازمته لرسول الله ﷺ مثل علي ﵇؛ لتلقيناه بالقبول، ووضعناه على الرأس، ولا نحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن يقال: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، ونقضت الأصل الذي أصلت، والدلائل التي أوردت من الأحاديث التي سطرت، كحديث زيد بن أرقم في قوله: "فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي" ... إلخ. فيقول لك خصمك: هذا محمول على أهل بيته المعهودين المعروفين في زمانه، ولا يدخل فيهم من بعدهم من الذرية.
وهذا عكس مراد المعترض؛ لأنه قرر في كلامه أن أهل البيت كلهم، من كان منهم من الصحابة، ومن جاء بعدهم من ذرياتهم - أنهم كلهم داخلون في عموم هذه الآيات التي
стр. 1905
أورد، والأحاديث التي ذكر، فكيف يقول هذا الجاهل بكلام الله ورسوله، وكلام أهل العلم: إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود.
فيقول لك خصمك: دلائلك هذه التي أوردت محمولة على أهل بيته المعهودين المعروفين في زمانه: كالعباس وأولاده، وجعفر وأولاده، وعقيل وأولاده، وأبي سفيان بن الحارث وأولاده، وأولاد أبي لهب، وعلي وأولاده منهم، ولا يدخل فيهم من بعدهم من الذرية، فما هذا الاعتراض البارد الذي كشف الله به عورتك، وجعلك به ضحكة عند من نظر في كلامك؟ وهذا الوجه كاف في رد كلام هذا المعترض.
(الوجه الثاني): أن يقال قوله عن كثير من العلماء المحققين: "إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود، مثل تحريم الميتة في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١، فإنه ينصرف إلى الأكل خاصة دون الانتفاع، والترطب ... إلخ. فهذا يدل على جهل هذا المعترض بما ذكره علماء الأصول المحققون. فقد قال أبو زرعة أحمد بن الإمام عبد الرحيم بن الحسين العراقي الشافعي في "شرحه على جمع الجوامع" لابن السبكي تقي الدين ﵀، وهذا لفظ الماتن والشارح: (العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر) (ش) فهم من تصدير تعريف العام باللفظ أنه من عوارض الألفاظ، والمراد لفظ واحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على أشياء متعددة، وخرج بقوله: (يستغرق) المطلق، فإنه لا يدل على شيء من الإفراد أصلا. والنكرة في سياق الإثبات مفردة كانت أو مثناة أو مجموعة أو عددا، فإنها إنما تتناول الإفراد على سبيل البدل. واحترز بقوله: (الصالح له عما لا يصلح، فعدم استغراق "ما" -لمن يعقل- إنما هو لعدم صلاحيتها له، أي: عدم صدقها عليه، لا لكونها غير عامة.
وخرج بقوله: (من غير حصر) أسماء العدد، فإنها متناولة للصالح لها، لكن مع الحصر، وهذا مبني على أنها ليست عامة. وتبعه المصنف هناك، وزاد البيضاوي وغيره في هذا التعريف "بوضع واحد" ليخرج المشترك إذا أريد به معناه،
стр. 1906
فإنه مستغرق لما يصلح له، لكن بوضعين لا بوضع واحد، فتناوله لهما ليس من العموم.
(ص) والصحيح دخول النادرة، وغير المقصودة تحته، وأنه قد يكون مجازا، وأنه من عوارض الألفاظ، قيل والمعاني وقيل به في الذهن، ويقال للمعنى أعم، واللفظ عام.
(ش) فيه مسائل:
(الأولى): الصحيح أن الصورة النادرة تدخل في العموم، وقال الشارح: زعم المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حكى فيه خلافا، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء؛ ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين: (أصحهما) نعم؛ لقوله ﵇: "لا سبق إلا في خف أو حافر"١ (والثاني) لا؛ لأنه نادر عند المخاطبين في الحديث.
[دخول الصور النادرة والمجاز في صيغة العموم]
(الثانية): الصحيح دخول الصور التي ليست مقصودة في العموم؛ فإن اللفظ متناول لها، ولا انضباط للمقاصد، وممن حكى الخلاف في ذلك القاضي عبد الوهاب، ويوجد في كلام أصحابنا؛ ولهذا قال في البسيط، بعد حكاية الخلاف في ذلك، فيما لو وكله بشراء عبد، فاشترى من يعتقه على الموكل. ومثار الخلاف التعلق بالعموم، والالتفات إلى المقصود.
(الثالثة): الصحيح أن المجاز كالحقيقة في أنه قد يكون عاما، فلم ينقل عن أحد من أئمة اللغة أن الألف واللام، أو النكرة في سياق النفي، أو غيرهما من صيغ العموم، لا تفيد العموم إلا في الحقيقة، وخالف فيه بعض الحنفية، فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته؛ لأنه على خلاف الأصل.
(الرابعة): لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ، وليس المراد وصف اللفظ به مجردا عن المعنى، بل باعتبار معناه الشامل للكثرة. وعطف المصنف ذلك على ما عبر فيه بالأصح يقضي خلافا فيه. قال الشارح: وينبغي أن يجعل استئنافا لا عطفا على ما قبله. قلت: يمكن أنه أراد أنه من عوارض الألفاظ فقط، فيرجع
стр. 1907
التصحيح إلى تضعيف القول بأنه من عوارض المعاني أيضا، لا إلى كونه من عوارض الألفاظ؛ ولذلك عقبه بقوله: (قيل والمعاني). والذاهبون إليه اختلفوا في أن عروضه للمعاني: هل هو حقيقة أو مجاز، فقال بعضهم: حقيقة، فكما صح في الألفاظ شمول أمر لمتعدد، صح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيها.
وقال القاضي عبد الوهاب: مراد قائله حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها، كقوله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ إن نفس الميتة وعينها لما لم يصح تناول التحريم لها، عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها، من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص. انتهى ما ذكره ابن السبكي، وأبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم في الشرح المذكور.
[تحريم الميتة يشمل جميع أنواع الانتفاع بها]
وقال المقدسي من الحنابلة: قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٢ هي ظاهرة في جميع أنواع التصرف، واستدل على أن المراد جميع أنواع التصرف فيها بأدلة ذكرها.
وكذلك قال ابن عقيل: يحرم جميع الأفعال فيها، وقد ذكر أنه قول الجبائي، وابنه وعبد الجبار، فظاهر هذا، بل صريحه أن هذه الآية عامة في كل نوع من الانتفاع؛ ولهذا احتج بها أحمد في دباغ جلود الميتة. قال في رواية صالح: إن الله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٣، فالجلد هو من الميتة، وههنا احتج بها أحمد على عدم الانتفاع بالجلد.
فظهر بما ذكر عن هؤلاء الأئمة بطلان ما ذكره هذا المعترض في عدم شمول الآية في أنواع الانتفاع؛ ولهذا ثبت في الصحيح والسنن من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال -عام الفتح وهو بمكة-: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، هو حرام. قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله -تعالى- لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوها، ثم باعوها فأكلوا ثمنها"٤.
стр. 1908
وروى أبو داود في السنن عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ جالسا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء، فضحك، فقال: "لعن الله اليهود -ثلاثا-. إن الله -تعالى- حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم أكل ثمنه"١.
فصل
[رواة أهل السنة لا يتعصبون في الروايات كالشيعة]
وأما قوله: (فلو جاءت غلبة الولاية، وحصلت لصحابي؛ لملازمته لرسول الله ﷺ مثل "علي" لتلقيناه بالقبول، ووضعناه على الرأس، ولا نحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله).
(فالجواب) أن يقال: قد كذبت في هذه الدعوى، فقد علمتم أنه قد ورد لغيره من الفضائل ما هو مثل فضائل علي ﵁ أو أعظم، ولم تضعونها على الرأس، بل كذبتم به، ورددتموه بمجرد الدعاوي الباطلة التي يمكن كل أحد أن يدعيها فيمن يحبه ويهواه. فإن كنت صادقا كما زعمت فقل لنا، حتى نكتب لك ذلك، وننقله من الكتب الصحيحة، والتفاسير المأثورة.
فإن قلتم: لا نقبل رواية خصومنا. قال لكم خصومكم: لا نقبل روايتكم؛ لأنكم خصومنا، والروايات التي رويناها في فضائل أهل البيت قد روينا في فضائل الصحابة ما هو مثلها أو أعظم منها، ولم يمكنكم أن تحتجوا عليهم بحجة صحيحة لا معارض لها. فاستحيوا من الله ;-تعالى- ومن خلقه، من هذا الجنون، والخبال الذي يفضحكم عند الرجال والنساء.
فصل
[بغي بعض المسلمين على بعض لا يقتضي الكفر ولا ينفي محبتهم جميعا]
وأما قوله -في الاعتراض على كلام المجيب على حديث عمار ﵁ وذكر أن المجيب (قد أقر على لسان أهل السنة والجماعة بأن معاوية ﵁
стр. 1909
قد أخطأ وأذنب، وقد قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ١ ثم قال: وقد نص -تعالى- على موجب الظلم، وما يحكم به لصاحبه فقال -عز من قائل-: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٢. ثم إنك أقررت ببغي معاوية ﵁ وأصحابه، ثم حكمت له بالمغفرة، وبالجنة بعد ثبوت الفاحشة منه، وهو البغي. وقد قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، ويقرنه بالفحشاء والمنكر، ويدخل فاعله -الذي لم يتب منه، ومات مُصِرًّا عليه- الجنة؟ ما هذا حكم بالعدل!).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن يقال: أنت قد نقضت كلامك هذا كله في كلامك الذي قبل هذا بأسطر يسيرة بقولك: قال كثير من العلماء المحققين: إن المطلق إذا ورد صرف، وخص بالأغلب المألوف المعروف حال الورود ... إلى آخره. وذلك أنه من المعلوم أن هذه الآيات التي جعلتها متناولة لأصحاب رسول الله ﷺ وهو معاوية ﵁ ومن معه، يقول لك منازعوك: إن المعروف المشهور عند أهل التفسير أنها نزلت في أهل الشرك والكفر، فكيف جعلتها في أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم تخص بها أهل الكفر المألوف المعروف في حقهم؟
(الوجه الثاني): أن المجيب ذكر أن الحديث على ظاهره ولم يغيره ولم يؤوله، ولكن ذكر أن إثبات البغي لهم لا يوجب فسقهم ولا كفرهم إذا كانوا متأولين مخطئين في ذلك. والمجيب لا ينْزههم من الذنوب والخطأ، لكنه ذكر ما دل عليه كتاب الله من أن البغي لا ينفي الإيمان عمن فعله، كما قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٤، فسماهم الله مقتتلين مع الإيمان.
(الوجه الثالث): قوله: فأين فائدة كلام الحكيم ﷺ ؟ فيقال: إنما يعرف فائدة كلام الرسول ﷺ أهلُ العلم والإيمان، فهم الذين يهتدون به ويعرفون معناه
стр. 1910
ويعقلونه كعلي ﵁ وأصحابه، ومن شابههم من أهل الفهم والمعرفة لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وأما أهل الجهل والضلال فهو عليهم عمى وضلال كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ١، كهذا المعترض ومن شاكله الذي يتناقض في السطر الواحد، ويرد كلامه بعضه بعضا، وهو لا يشعر ولا يدري.
والفائدة في حديث عمار قد عقلها أهل السنة والجماعة، وهو أنهم علموا أن قتلة عمار فئة باغية على الإمام، وأن عليا ﵁ وأصحابه أولى بالحق من معاوية ﵁ وأصحابه، وهذا هو الفائدة في الحديث؛ ومن فهم منه غير ذلك فقد أبعد النجعة، وتكلف ما لا علم له به.
(الوجه الرابع): أن يقال: حمله هذه الآيات التي ذكرها على معاوية وأصحابه مثل حمل الخوارج آيات الشرك والكفر والظلم على علي ﵁ وأصحابه سواء بسواء، فكما أن كلام الخوارج معلوم البطلان بضرورة العقل، فكذلك حمل هذه الآيات على معاوية ﵁ وأصحابه معلوم البطلان بالضرورة. فما هذه الوقاحة، وقلة الحياء، وصفاقة الوجوه؟!
(الوجه الخامس): أن يقال قوله: ما هذه السوابق والحسنات التي لهم؟ هل قتل عمار وخزيمة ذي الشهادتين وأبي الهيثم بن التيهان وغيرهم من المهاجرين والأنصار؟ فيقال: الحسنات العظيمة التي لا مطمع لأحد فيها هي صحبتهم لرسول الله ﷺ وجهادهم معه الذي لو أنفق الرجل مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه.
كما ثبت أن رسول الله ﷺ قال لخالد بن الوليد لما جرى بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ﵄ كلام ومنازعة، فقال له النبي ﷺ : "يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه"٢ هذا كلامه في خالد وهو من جملة الصحابة. لكنه ليس من السابقين الأولين، فكيف بمن لم يصحبه؟
стр. 1911
وأما قتل عمار وخزيمة وأبي الهيثم وغيرهم ﵃ فإنما فعلوا ذلك بتأويل واجتهاد، وكل من الفريقين يظن أن الحق والصواب معه. وعلي ﵁ وأصحابه قتلوا الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وغيرهم من السابقين ومن الصحابة ﵃ فما ذكرت في معاوية وأصحابه ففي علي وأصحابه ما هو مثلهم.
فصح -يقينا- أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الحق والصواب، وهو محبة جميع الصحابة ﵃ والترضي عنهم، والدعاء لهم، والكف عما شجر بينهم، ﵃ أجمعين.
فصل
[مخالفة الشيعة لأهل السنة في الصحابة وآل البيت]
وأما قوله: (فهذا ابن رسول الله ﷺ محمد بن علي بن القاسم أبو طالب -حفظه الله- قد حكمك، وفوض إليك بسؤاله بأن تحكم بين جده علي بن أبي طالب، ومن معه من المهاجرين والأنصار وشيعة أهل العراق.
وأهل اليمن أهل الإيمان من حمير وهمدان، وبين معاوية ومن معه من أهل الشام الطغام أعداء الرحمن، فحكمت بما قاله خصماء علي بن أبي طالب، وهم ممن رضي فواقر معاوية وصنيعه، وهم الموالون له، المحبون له ولأصحابه، المتسمون بأهل السنة والجماعة.
فكأن السائل عندكم لم يعرف كتاب الله، ولا ما جاء به جده ﷺ ... إلى قوله: وهيهات أن يطمع في ذلك طامع، فقلوبهم قد نبت فيها حب آل محمد ﷺ ورسخ لما رأوا من حلاوته، وقد سقاه حسن الوفاء بأجر سيد المرسلين من المودة لذريته المباركة، نجوم أهل الأرض، وباب حطة، وباب السلام، وسفينة نوح، وقرناء القرآن، والله المستعان).
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها): أن يقال: قوله "فحكمت بما قاله خصماء علي بن أبي طالب ﵁ وهم ممن رضي فواقر معاوية وصنيعه" كذب ظاهر؛ فإن المجيب قد بين أن قوله هو الذي يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
стр. 1912
وبما تواتر عن علي ﵁ أنه كان يسمي أهل الشام إخوانه، وقال: "هؤلاء إخواننا قد بغوا علينا" كما ذكره غير واحد من علماء السير والتواريخ.
(الوجه الثاني): قوله في أهل الشام: الطغام أعداء الرحمن، كذب وفجور، وقول بلا دليل، ومخالفة لما عليه جماعة جميع أهل البيت، ولازمه الطعن في أكابر أهل البيت كالحسن والحسين، وابن عباس وابن جعفر؛ لأن هؤلاء كلهم قد بايعوا معاوية ﵁ وصاروا من جملة رعيته بلا إكراه كما تقدم تقريره، وكما سيأتي في فصل كلام أهل البيت ﵃ في معاوية ﵁.
(الوجه الثالث): قوله في أهل السنة: وهم ممن رضي فواقر معاوية. وهذا أيضا كذب بين وبهتان؛ فإن المجيب وسلفه من أهل السنة لا يرضون بقتال معاوية وأصحابه لعلي، بل الصواب عندهم أن معاوية ومن معه في طاعة أمير المؤمنين وبيعته، ولا يرضون بسب علي وأهل بيته، بل ينكرونه على من فعله أو رضيه، كما ملئت كتبهم بذلك، وهذا المعترض يعلم، ولكنه ممن يجادل بالباطل.
(الوجه الرابع): قوله: وهم الموالون له، المحبون له ولأصحابه. فهذا صدق وصواب؛ فإن أهل السنة يتولون جميع الصحابة كلهم، ويطهرون ألسنتهم من الخوض في تلك الحروب الواقعة بينهم، بمعنى أنهم يحملون ذلك على المحمل الحسن اللائق بهم؛ لأن الله أثنى على جميع الصحابة في كتابه العزيز بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١ ويعرفون للسابقين الأولين حقهم على من بعدهم، وينْزلون كلا منْزلته التي أنزله الله إياها فلم يفعلوا كفعل الروافض، والزيدية، والخوارج الذين يفرقون بينهم، فيتولون بعضهم، ويبغضون ويتبرؤون من بعضهم، وهذا هو الذي تدل عليه الدلائل الصحيحة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة بالأسانيد المرضية.
стр. 1913
(الوجه الخامس): قوله: فوجدك قد قلت بمقالة أهل الانحراف عن الآل. وهذا أيضا من نمط ما تقدم من كذبه وفجوره وقلة حيائه من الناس؛ فإن المجيب قد بين أن مقالته التي ذهب إليها هو وسلفه هي التي عليها آل محمد ﷺ . وقد نقل في كلامه لفظهم بحروفه، وبين أن دعوى المعترض اتباع الآل كذب وجهل وخبال، لا يعجز عنه أحد من الناس.
(الوجه السادس): قوله عن أهل السنة: أنهم أصلوا أصولهم، وقعدوا قواعدهم على أساس أسسه لهم بنو أمية وبنو العباس. وهذا أيضا من كذبه وفجوره، وذلك أن أهل السنة إنما أصلوا أصولهم على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من وجوب طاعة أولي الأمر كما تقدم ذكر الدلائل على ذلك من الكتاب والسنة أول هذا الجواب بما أغنى عن إعادته.
فإن قال: إن تلك الآيات والأحاديث لا تدل على ذلك، أو إنها مخالفة لكتاب الله، أو إنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ، أمكن خصمك أن يقول مثل ذلك في الأصول التي أصلت، والدلائل التي قررت.
[بغض الشيعة لأناس وهم من آل محمد وعترته]
(الوجه السابع): أن يقال: أنت قد تبرأت وتنصلت من الملوك الظلمة من بني العباس، وهم من آل محمد بالإجماع، وداخلون في مسمى عترته عند جميع فرق الأمة، فهذا يبطل جميع ما أوردته من الدلائل التي معك في اتباع أهل البيت، فإذا كان من أهل البيت مَنْ هو من الملوك الظلمة أئمة جور، فكذلك يقال في من خالفوا الكتاب والسنة من آل علي سواء بسواء، ولا يمكنك أن تأتي بحجة صحيحة لا معارض لها في دخول آل علي في تلك الدلائل، وخروج غيرهم منها، فأبطلت بكلامك ما أصلته ورددت على نفسك بنفسك ما قررته وأنت لا تشعر، وهذا حال من يتكلم في مثل هذه الأمور العظيمة بمثل هذه الجهالات والخبالات التي يأنف منها أهل العرفان، بل ينفر منها الصبيان، عياذا بالله من الخزي والخذلان.
стр. 1914
[اختلاف جيش علي عليه واتفاق جيش معاوية عليه]
(الوجه الثامن) أن يقال: قوله عن السائل وشيعته: وهم أهل اليمن من همدان وحمير وذرية من قاتل معاوية، وأهل الشام في صفين مع وصي رسول الله ﷺ وأخيه القائل في همدان، حين شقت سيوفهم قلوب العدوان من أهل الشام الطغام في ذلك الأوان:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
فهذا من أظهر الكذب وأفجر الفجور في أنه قد مدحهم بما ليس فيهم، والدليل على ذلك ما ذكره أهل الأخبار والسير من أن عسكر علي اختلفوا عليه اختلافا كثيرا، وآذوه أذى عظيما، حتى مل منهم، وتمنى الموت.
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام -وهو من أئمة الحديث والفقه واللغة- عمن حدثه عن أبي سنان العجلي قال: قال ابن عباس لعلي ﵁: "ابعثني إلى معاوية، فوالله لأفتلن له حبلا لا ينقطع وسطه". فقال: "لست من مكري ومكره في شيء، ولا أعطيه إلا السيف حتى يغلب الحق الباطل". فقال ابن عباس ﵁: "أوغير ذلك؟ " قال: "كيف؟ " قال: "إنه يطاع ولا يعصى، وأنت عن قريب تعصى ولا تطاع". قال: فلما جعل أهل العراق يختلفون على علي ﵁ قال: "لله ابن عباس، إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق".
وحدثني خلاد بن يزيد الجعفي، حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الشعبي أو أبي جعفر الباقر -شك خلاد- قال: "لما ظهر أمر معاوية ﵁ دعا علي ﵁ رجلا، وأمره أن يسير إلى دمشق، فيعقل راحلته على باب المسجد، ويدخل بهيئة السفر، ففعل الرجل، وكان قد وصاه، فسألوه: من أين جئت؟ قال من العراق. قالوا: ما وراءك؟ قال: تركت عليا قد حشد إليكم، ونهد في أهل العراق، فبلغ معاوية ﵁، فأمر أبا الأعور السلمي يحقق أمره، فأتاه فسأله، فأخبره بالأمر الذي شاع، فنودي: الصلاة جامعة، فامتلأ الناس في المسجد، فصعد معاوية المنبر، وتشهد
стр. 1915
ثم قال: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق، فما الرأي؟ فضرب الناس أذقانهم على صدورهم، ولم يرفع إليه أحد طرفه، فقام ذو الكلاع الحميري، فقال: عليك الرأي وعلينا أم فعال -يعني الفعال-. فنَزل معاوية، ونودي في الناس: اخرجوا إلى معسكركم، ومن تخلف بعد ثلاث أحل نفسه. فخرج رسول علي حتى وافاه، وأخبره بذلك، فأمر علي ﵁ فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن رسولي الذي أرسلته إلى الشام قد قدم علي، وأخبرني أن معاوية قد نهد إليكم في أهل الشام، فما الرأي؟ قال: فأضب أهل المسجد يقولون: يا أمير المؤمنين، الرأي كذا الرأي كذا، فلم يفهم علي كلامهم من كثرة كلامهم، وكثرة اللغط، فنَزل وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب بها ابن أكَّالة الأكباد"، يعني: معاوية ﵁.
وقال الأعمش: حدثني مَنْ رأى عليا يوم صفين يصفق بيديه ويعض عليها، ويقول: "يا عجبًا أُعْصَى ويُطَاع معاوية! "
[ظلم بسر بن أرطأة وعدم ثبوت صحبته]
وذكر ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد عن هشام بن محمد عن أبي مخنف لوط قال: لما توجَّه بسر بن أبي أرطاة أخبر عبيد الله بن عباس بذلك، وهو على اليمن عامل لعلي ﵁ فدخل بسر بن أبي أرطاة اليمن، فأتى بابني عبيد الله بن عباس، فذبحهما وهما صغيران، فنال أمهما عائشة بنت عبد الدان من ذلك أمر عظيم.
وذكر أبو عمرو الشيباني في خروج بسر أنه أغار على همدان، فقتل وسبى نساءهم، وكن أول نساء سبين في الإسلام، وبسر هذا له أخبار سوء بجانب علي ﵁ ولا تصح له صحبة، قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين، قال يحيى بن معين: كان رجل سوء، وذكر أن عليا ﵁ دعا عليه أن يطيل الله عمره، ويذهب عقله، فكان كذلك.
стр. 1916
قال ابن دحية: ولما ذبح الصغيرين، وفقدت أمهما عقلها، كانت تقف بالمواسم تنشد شعرا يبكي العيون، ويهيج بلابل الأحزان والغبون:
ها من أحس بني اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بني اللذين هما ... سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف
حدثت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أحنى على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف
[خذلان أهل العراق للحسين ووجود بعض أهل اليمن مع معاوية]
ومعلوم عند من له أدنى معرفة بالأخبار ما جرى من أهل الكوفة مع الحسين بن علي ﵄ حين كاتبوه، وأمروه بالشخوص والقدوم عليهم، ووعدوه أن يبايعوه، فاغتر بهم وبمواعيدهم الكاذبة، وأمانيهم الباطلة، فشخص إليهم بأهله وولده، وكان قد أرسل إليهم قبل ذلك ابن عمه مسلم بن عقيل ﵄، فلما قرب الحسين منهم خذلوه، وأسلموه للقتل، وقُتِلَ معه اثنان وثمانون رجلا من أصحابه مبارزة، ثم قتل جميع بنيه إلا عليا المسمى بعد ذلك بزين العابدين، كان مريضا فأخذ أسيرا، وقتل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه.
فهؤلاء شيعة أهل البيت الذين أثنى عليهم هذا المعترض، وهم أهل اليمن من همدان وحمير، وقد كان مع معاوية ﵁ جموع كثيرة من حمير وغيرها من قبائل اليمن، منهم: ذو الكلاع الحميري، كان من أشراف أصحاب معاوية وساداتهم وقتل يومئذ، ومن أصحاب معاوية وأمرائه يومئذ كريب بن الصباح الحميري أحد الأبطال، قتل يومئذ جماعة ثم بارزه علي فقتله.
стр. 1917
فصل
[في اعتدال أهل السنة بين غلو الشيعة وجفوة النواصب]
وأما قوله: (وانظر تواريخ الإسلام وما قال الناس، هل أحد روى أن معاوية وأصحابه ضمنوا ما أفسدوا من حقوق المسلمين، وأنهم تابوا من تلك الطامة، والفاحشة العامة، والمعصية الكبيرة، وهو البغي الذي أقررت به، وهل ودوا عمارا وخزيمة وأبا الهيثم وأويسا القرني -سيد التابعين- وغيرهم، وسلموا دياتهم إلى أهليهم، أم ماتوا متلطخين بدمائهم وبالفسق والعصيان؟)
(فالجواب): أن يقال كل ما ذكرت في معاوية وأصحابه قد جرى مثله لعلي وأصحابه أو ما هو أعظم من ذلك، وهو قتل طلحة والزبير ومن معهما من المهاجرين والأنصار، وأعظم من ذلك أن قتلة عثمان أمير المؤمنين ﵁ كانوا مع علي، وكانوا من رؤوس عسكره، فما قلت في معاوية يقال في علي ﵁ فكما تأوَّل علي ﵁ في الدماء كذلك تأوَّل معاوية وأصحابه، فإن صحَّت هذه الدعوى ففيها من القدح والغضاضة في علي والحسن والحسين وابن عباس ﵃ ما لا يخفى.
وهذه الحجة التي ذكرت مما يحتج بها معاوية ﵁ وأصحابه على علي ﵁ وأصحابه، ولا يمكنك أن تأتي بحجة صحيحة تُبَرِّيء بها عليا وأصحابه دون معاوية وأصحابه، إلا بالمكابرة والمعاندة.
فظهر بما ذكرناه أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصواب الذي لا يتناقض؛ لأن الباغي قد يكون متأوِّلا معتقدا أنه على حق، وقد يكون متعمدا يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بغيه مركبا من شبهة وشهوة وهو الغالب، وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة، فأصلهم مستقيم مطرد في هذا الباب، وأما أنتم فمتناقضون.
وذلك أن النواصب من الخوارج وغيرهم الذين يُكَفِّرون عليا أو يُفسِّقُونه أو يشكون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان
стр. 1918
علي وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة، فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا متواتر عن الصحابة والتابعين والخلفاء الثلاثة وغيرهم. فليس قدحنا في إيمان علي وأصحابه إلا مثل قدحكم في إيمان معاوية وأصحابه. وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح على الصحابة، قالوا: آيات القرآن عامة تتناول غير علي منهم مثل ما تتناول عليا ﵁، وإن أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء، فإخراجنا عليا أيسر وأهون، فإن احتججتم عليهم بالنص الذي تدعونه، كان احتجاجهم بالنصوص التي يدعونها في أبي بكر، بل في العباس معارضا لذلك ﵃، ولا ريب عند كل من يعرف الحديث أن تلك أولى بالقبول والتصديق. فإذا قال الرافضي: إن معاوية ﵁ كان باغيا ظالما، قال له الناصبي: وعلي كان باغيا ظالما، قتل المسلمين على إمارته، وبدأهم بالقتال، وصال عليهم، وسفك دماء الأمة بغير فائدة لهم لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف في خلافته مسلولا على أهل الملة مكفوفا عن الكفار.
والقادحون في علي ﵁ طوائف: طائفة تقدح فيه وفيمن قاتل جميعا. وطائفة تقول: فسق أحدهما لا بعينه، كما يقول ذلك عمرو بن عبيد وغيره من شيوخ المعتزلة، يقولون في أهل الجمل: فسقت إحدى الطائفتين لا بعينها، وهؤلاء يُفَسِّقُون معاوية. وطائفة تقول: هو الظالم دون معاوية كما تقوله المروانية. وطائفة تقول: كان في أول الأمر مصيبا فلما حكَّم الحَكَمَيْن كفر وارتدَّ، وهؤلاء الخوارج، وكلهم مخطئون في ذلك ضالون مبتدعون، وخطأ الشيعة مثله أو أظهر بطلانا منه.
فإن قال الذابُّ عن علي ﵁ هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"١، فللناس في هذا الحديث أقوال منهم: مَنْ قدح في حديث عمار، ومنهم مَنْ تأوَّله على أن الباغي الطالب، وهو ضعيف، ومنهم مَنْ تأوَّله على عليٍّ وأصحابه كما قال معاوية لَمَّا
стр. 1919
قيل له: إن عمارا قُتِل، وقد قال النبي ﷺ : "تقتلك الفئة الباغية"١، فقال: "أفنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين أسيافنا ورماحنا، وإنما ندفع عن أنفسنا". وهذا تأويل باطل؛ ولهذا ردَّه أمير المؤمنين علي ﵁ بما لا حيلة فيه، فقال: إذًا فرسول الله ﷺ قتل حمزة ﵁ حين جاء به يقاتل المشركين.
وأما أهل السنة والجماعة ﵏ فكلامهم مستقيم، ولا مطعن فيه لأحد؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا تُفَسَّقُ واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما إنهم كانوا بغاة؛ لأنهم كانوا متأوِّلين مجتهدين، والمجتهد المخطئ لا يُكَفَّر ولا يُفَسَّق، وإن تعمَّد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يُرْفَعُ عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي ﷺ ودعاء المؤمنين، وغير ذلك من الأسباب؛ ولهذا قال محمد بن شهاب الزهري -وهو من أئمة التابعين-: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القرآن فهو هدر" أو كلاما هذا معناه، أخرجه غير واحد من الأئمة.
فصل
[مذهب الزيدية في لعن معاوية]
وأما قوله في تحقيق مذهب الزيدية في لعن معاوية: (أنهم يظهرون -حيث يخشون التهمة- بموالاته المحرمة بنص الكتاب العزيز، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢ فلا يوجبونها مطلقا ولا يستحبونها مطلقا ...) إلى آخر كلامه.
(فالجواب): أن يقال: أنت قرَّرت في أول اعتراضك أنه لو جاء ملك بلعن إبليس -لعنه الله- على المنابر لَعُدَّ مبتدعا، فكيف استجزتم -أيها المنتسبون إلى زيد ﵁ لعن معاوية ﵁؟! ما هذا التناقض العظيم والتهور فيما يوجب العذاب الأليم؟!
стр. 1920
وأما استدلاله بهذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٢ الآية، فهي دعوى باطلة كدعوى الخوارج والمبغضين لعلي ﵁ وأهل بيته بأن هذه الآيات فيهم، فكما أن دعواهم ظاهرة البطلان، فكذلك دعواكم.
[دعوى أن أهل السنة رضوا بسب علي ﵁]
وأما دعواه أن أهل السنة قد رضوا بسبِّ علي ﵁ فكذب عليهم لا يمتري فيه أحد، بل هم ينكرون سب علي ﵁ أشد الإنكار في قديم الزمان وحديثه، وهم الذين عملوا بقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ٣ الآية.
فصل
[لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك]
وأما قوله: (قد حكمت بدخوله الجنة).
(فالجواب): أن يقال: هذا كذب ظاهر على المجيب؛ وذلك أنه هو وسلفه من أهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك في القرآن كأبي لهب والوليد بن المغيرة وقوم نوح، وجميع المهلكين من الأمم، ومَنْ ذكره رسول الله ﷺ .
[لعنهم لمعاوية يستلزم الطعن في الحسن والحسين وسائر آل البيت]
ويقال أيضا: إن كان ما قلت حقا فأول مَنْ يدخل في هذه الآيات الحسن بن علي ﵄ وأخوه الحسين، ومن معهما من أهل البيت وربيعة ومضر وهمدان، حين انخلع الحسن لمعاوية ﵁ من الخلافة، وولَّى عليها من هو عدو لله ورسوله ﷺ عندكم، ووافقه على ذلك أخوه الحسين، وكل مَنْ معه من
стр. 1921
المسلمين، ورضوا بذلك من غير إكراهٍ ولا غلبة من معاوية وأهل الشام، بل بمجرد ما تقابل الجمعان جرت بينهما المفاوضة في الصلح قبل أن يقع بينهما قتال، أفلا يستحي العاقل من هذه الخرافات التي تنادي على قائلها بالارتكاس في الظلمات؟! وهذا كافٍ في بطلان كلامك.
فصل
[حمل الشيعة أخبار المرتدين على من قاتلهم من الصحابة لا عليهم]
وأما قوله: (وإذا كان معاوية في الجنة، فليت شعري، أين تضع الأحاديث الواردة في دواوين الإسلام، كقوله ﵊: "يُؤْتَى برجال من أصحابي فَيُؤْخَذُ بهم ذات الشمال"١ إلى آخره، أفتنَزه معاوية ومَنْ معه مثل عمرو بن العاص وابنه عبد الله، وتضعها في سعد بن معاذ وعمار وخزيمة -ذي الشهادتين- ومن قاتل مع علي ﵁ بصفين؟! أم في العشرة المبشرة بالجنة ﵃؟! فاختر لنفسك أين تضعها على مقتضى شهواتك أنت وأهل السنة والجماعة ...) إلى آخره.
(فالجواب): أن يقال: قد بيَّنا فيما تقدم أن أهل العلم الذين رووا هذه الأخبار حملوها على مَن ارتدَّ من جفاة الأعراب بعد موت الرسول ﷺ وماتوا على الردة، كالأسود العنسي وأصحابه الذي تنبَّأ بصنعاء، وتبعه خلق من أهل اليمن حتى قتله الله، وكمسيلمة صاحب اليمامة وأصحابه، وكأصحاب طليحة الأسدي الذين قتلهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ وكانوا خلقا عظيما. ومنهم مَنْ قدم على النبي ﷺ وصحبه، أفتنكر أنه لم يقع ردة بعد النبي ولا كفر أحد ممن أسلم في حياة النبي ﷺ حتى جرى قتال معاوية لعلي ﵄؟
ويقال أيضًا: دعواك أن هذه الأحاديث محمولة على معاوية، ومن معه من الصحابة من جنس دعوى الخوارج الذين يُكَفِّرون عليا ومن والاه، ويحملون هذه الأحاديث عليهم، فما يمكنك أن تأتي بحجة إلا عارضوك بما هو من جنسها، فاتق الله، ولا تكن من الذين يجادلون بالباطل؛ فتكون مع الهالكين.
стр. 1922
فصل
[تفسير الشيعة وأهل السنة لآية ﴿وإن طائفتان﴾ الخ]
وأما قوله: (إن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١ أي: أرادوا الاقتتال، وأنها كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ٢، وقول الرسول ﷺ "من بدَّل دينه فاقتلوه"٣ إلى آخر كلامه).
(فالجواب): أن يقال: هذا لو عارضناه بكلام أهل التفسير من أهل السنة والجماعة، أو بما رووه من الأحاديث لم يقبل ذلك، فالواجب معارضته بما لا يقدر على إنكاره، وهو ما اتفقنا نحن وهم عليه، وهو أن الحسن بن علي ﵄ انخلع من الخلافة لمعاوية مع حضور أهل البيت وجمهور المسلمين معه، أفتقول: إن الحسن لا يفهم كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ ، وإنما عرفته أنت وشيعتك؟ فيلزم من كلامك أن الحسن ومَنْ معه هم الذين سلَّطوا الكفار والفساق على فساد الدين، والكفر برب العالمين.
(وجواب ثان): وهو أنه تواتر عن علي ﵁ أنه لَمَّا قتل أهل الجمل، لم يفعل فيهم كفعله في الكفار المرتدين من السبي، وأخذ الأموال، والإجهاز على الجريح كما احتجَّ بهذه الحجة على الخوارج حبر الأمة، وترجمان القرآن ابن عباس ﵄.
(وجواب ثالث): وهو أن يقال: الآية نفسها مصرِّحة بنقيض ما فسَّرها به هذا المعترض؛ لأن الله ﵎ قال في أولها: "اقتتلوا" وهذا فعل ماض بإجماع النحويين، ثم قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ ٤ أي: بعد الاقتتال والإصلاح، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ ٥ أي: رجعت عن البغي ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٦ ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
стр. 1923
أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
فالآية من أولها إلى آخرها تنادي بتكذيب هذا المعترض الذي يفسر كتاب الله برأيه.
(وجواب رابع): وهو أن يقال: إذا جوَّزت أن يكون المراد بقوله ﵎: ﴿إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٢ أن يكون المعنى أي: أرادوا الاقتتال، أو قوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ ٣ أي: أرادوا البغي؛ جاز أن يقال ذلك في قوله ﷺ "من بدَّل دينه فاقتلوه" ٤، فيكون معنى الحديث عندكم: مَنْ أراد تبديل دينه وَهَمَّ بذلك -وإن لم يتكلم ويعمل- فاقتلوه.
وهذا لا يقوله من يفهم ما يقول؛ وذلك لأن ما في القلوب من الإرادات والنيات لا يعلمه إلا الله، وجاز أن يكون معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٥ أي: يرد قتله وإن لم يقتله، وجازه -أيضا- ذلك في جميع آيات الوعد والوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا﴾ ٦ أي: يرد أن يعصي الله ورسوله ويتعد حدوده، وإن لم يفعل ذلك، فإن طردت ما قلت لزمك أن تقول ذلك في جميع ما شابهها في آيات الوعد والوعيد والأمر والنهي.
[حكاية مكذوبة]
وأما الحكاية التي ذكرها أن معاوية ﵁ أظهر لأهل الشام، أن عليا لا يصلي، حتى حاجَّ بذلك بعض أهل الشام هاشم بن عتبة ﵁ فهي من أظهر الكذب والبهتان عند من له أدنى معرفة بهذا الشأن، وقد ذكرنا بالنقول المتواترة أن أهل الشام إنما قاتلوا عليا ومَن معه للطلب بدم عثمان ﵁؛ لأن قتلة عثمان كانوا رؤوس جيش علي، ولا يحكي مثل هذه الحكاية إلا من لا يستحي من الكذب.
стр. 1924
فصل
[حديث غدير خم، وزيادة الشيعة فيه لفظ ومعنى]
وأما ذكره من استدلاله بحديث غَدِير خُمٍّ، وأنه ورد من روايات جماعة من الصحابة، فقد قدَّمنا الجواب عنه، وقد بيَّن أهل العلم أنه لا يدل على ما ذهب إليه الروافض والزيدية؛ لأن المولى يطلق على معاني متعددة.
وأما قوله: "اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه"، فهذا ليس في الأحاديث الصحيحة التي صحَّحها أهل العلم بالحديث، بل طعن كثير منهم في هذه الزيادة، قالوا: والواقع يشهد بكذبها؛ لأن النصر والغلبة والإعانة وقع لمن حاربه وقاتله، ومعلوم أن دعاء الرسول ﷺ مجاب، فلو كان هذا حقا وصدقا لوقع الأمر بخلاف ما وقع، وأنت لا تنكر أن الغلبة والظفر والإعانة كان لمن قاتله وحاربه، فبطل ما ذكرت -ولله الحمد والمنة-.
وأكثر هذه الأحاديث التي ذكرها في أول هذا الاعتراض وآخره قد بين أهل العلم بالحديث أنها كذب موضوعة مفتراة على رسول الله ﷺ .
ثم من العجب استدلاله بكلام عمر بن عبد العزيز ﵁ حين ذكروا عثمان وعليا وطلحة والزبير ﵃ وما كان منهم، فأكثروا وعمر ساكت، فقال القوم: ألا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: "لا أقول شيئا، تلك دماء طَهَّرَ الله منها كفي، فلا أغمس فيها لساني". اهـ.
وهذا هو الذي أراد المجيب؛ لأن الله أثنى عليهم في كتابه جملة قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١، وأثنى على من جاء بعدهم، فدعا لهم بالمغفرة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
فإن قلت: إن هؤلاء الآيات في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار،
стр. 1925
قلنا: جاءتك قاصمة الظهر، وهي قوله ﵎: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١.
[أحاديث في مناقب معاوية وعمرو بن العاص ﵄]
ومعلوم بإجماعنا وإجماعكم أن معاوية وعمرو بن العاص ﵄ ممن أسلم بعد الفتح، والأحاديث الواردة في فضل معاوية وعمرو بن العاص ﵄ قد رواها مَنْ روى تلك الأحاديث في فضل علي ﵁ وأهل البيت، فإما أن تقبل الجميع، وإما أن ترد الجميع، وأما أن تقبل ما وافق هواك، وترد ما خالفه بلا برهان ولا حجة يوافقك عليها أهل المعرفة، فهذا تناقض، وقد قال السيوطي: أخرج الترمذي وحسَّنه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الصحابي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا"٢.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب"٣.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال: "قال لي معاوية ﵁: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ يا معاوية، إذا ملكت فأحسن".
وأخرج الترمذي عن أبي إدريس الخولاني قال: "لما عزل عمر بن الخطاب ﵁ عمير بن سعد عن حمص، وولَّى معاوية ﵁، فقال الناس: عزل عميرا وولى معاوية، فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به"٤.
وقال آدم عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ "أبناء العاص مؤمنان عمرو وهشام"٥ وقال عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال طلحة: "ألا أحدثكم عن رسول الله ﷺ
стр. 1926
بشيء؟ ألا إني سمعته يقول: "عمرو بن العاص من صالح قريش"١ وسمعته ﷺ يقول: "نعم أهل البيت: أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله"٢. اهـ ما ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه.
فصل
[كذب الشيعة على معاوية وما أنكره أهل السنة عليه]
وأما ما ذكره من إحداثات معاوية، منها: إلحاقه زياد بن سمية بأبيه، فأهل العلم ينكرون ذلك على معاوية في قديم الزمان وحديثه، وكذلك أخذ البيعة لابنه الظالم، ينكرون ذلك ولا يرضونه حتى أنكر مَنْ أنكر منهم ذلك عليه بنفسه في حياته، وأما قوله: إنه أمر علماء السوء بأن يضعوا أحاديث في فضائل الصحابة الذين تقدموا عليا، وفي مثالب علي، فهذا من أظهر الكذب عند الخاصة والعامة من أهل العلم بالأخبار والسير، وأهل الوضع للحديث هم الشيعة كما تقدم ذكره عن أهل الحديث. وأما لعن علي ﵁ فهو من المنكرات، وأهل السنة والجماعة ينكرون على من فعله كائنا من كان.
ومن العجب قوله: ولو لم يقطعه عمر بن عبد العزيز ﵁ لبقي في الشام إلى اليوم. فيقال: وما يدريك بذلك، أقرأت في اللوح المحفوظ، فكتبت هذا الكلام منه؟! أم بلغك ذلك في حديث صحيح عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بذلك فهو الصادق فيما أخبر به؟ وأيضا أنت ذكرت عن ابن تيمية ﵀ في أول كتابك، وفي هذا الموضع أنه لم ينقطع إلا قبل وقته، فهذا يرد قولك أنه لو لم يقطعه عمر لبقي إلى اليوم، وأيضا أنت كذبت على ابن تيمية، فإنه لم يقل ذلك، وابن تيمية ﵀ أجلُّ من أن يقول مثل هذه الخرافات والجهالات في المنقولات.
وأيضًا من المعلوم المتواتر أن بني أمية بعد موت عمر بن عبد العزيز ﵁ استمروا على سبِّ علي، ولم ينقطع من الشام ولا من غيره من بلاد الإسلام إلا بعد انقراض دولة بني أمية في ولاية بني العباس.
стр. 1927
وأما قوله: ومن إحداثاته ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في أول السورة، فهذا كذب ظاهر، وما ذكره عن الرازي دعوى مجردة لا دليل عليها، وأيضا معارضة بما هو من أصح الأسانيد، وهو ما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ أنه قال: "صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها"١.
وأما تشريعه الإقامة في صلاة العيدين، فكذب ظاهر، فإن الذي أحدثه بنو أمية بعد معاوية في العيدين هو تقديم الخطبة على الصلاة كما في الصحيحين: أن أول من فعل ذلك مروان بن الحكم، فأنكر عليه أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة ﵃ أجمعين.
فصل
[دعوى الزيدية العصمة لعلي كدعوى الإمامية النص على إمامته]
وأما دعواه العصمة لعلي ﵁ وقوله: (قد حصل القطع بها، ولا ينكرها إلا مكابر، إلى آخره.
(فالجواب): أن يقال: (أولا) هذه الدعوي من جنس دعوى الإمامية بالنص والعصمة لعلي وأولاده، ومن جنس دعوى الباطنية، وجنس دعوى السبائية في محمد بن علي -المعروف بابن الحنفية-، وما أحسن ما قال بعضهم:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
وقد تقدم الجواب عن أدلته التي ذكر مفصلا مبينا، ولكن نذكر فصلا نختم به كتابنا هذا، ننقل فيه كلام أهل البيت في الرد على هذا المعترض وأشباهه؛ ليتبين الحق لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله به الشقاء والخذلان، فذلك لا حيلة فيه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ ٢ الآية.
стр. 1928
فصل
﴿في كلام بعض أهل البيت في الثناء على معاوية﴾
في ذكر شيء من كلام أهل البيت ﵃ في الثناء على معاوية ﵁.
من ذلك ما أخرجه غير واحد من أهل العلم أن عليا ﵁ قال: "لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر على كواهلها"، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ أن رجلا قال له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية أنه أوتر بركعة؟ فقال: "أصاب إنه فقيه" فهذه شهادة ابن عباس، وهو من أكابر علماء أهل البيت.
[ترك الحسن الخلافة لمعاوية وكلامه في إمامة والده]
ومن ذلك انسلاخ الحسن ﵁ عن الخلافة لمعاوية ﵁ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" في ترجمة الحسن بن علي ﵁: "كان ﵀ حليما ورعا، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله". وقال: "والله ما أحب منذ عرفت ما ينفعني وما يضرني أن ألي أمر أمة محمد ﷺ على أن يهراق في ذلك محجمة دم". وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان ﵁ والذابِّين عنه، ولما قتل أبوه علي ﵁ بايعه أكثر من أربعين ألفا كلهم قد بايعوا أباه عليا قبل موته على الموت، وكانوا أطوع للحسن وأحب فيه منهم في أبيه.
فبقي نحو سبعة أشهر خليفة في العراق وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه -وذكر ما جرى بينهما، إلى أن قال-: وكان كما قال رسول الله ﷺ "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"١. وكان أصحاب الحسن يقولون: "يا عار المؤمنين". فيقول: "العار خير من النار" وذكر بإسناده عن أبي روق الهمداني أن أبا العريف حدثه قال: "كنا في مقدمة الحسن بن علي اثني عشر ألفا مستميتين، تقطر
стр. 1929
أسيافنا من الجد والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمرطة، فلما جاءنا صلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ والحزن، فلما جاء الحسن الكوفة أتاه شيخ منا يُكْنَى أبا عامر فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: لا تقل هكذا يا أبا عامر، فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على طلب الملك.
قال أبو عمر: وروينا من وجوه أن الحسن بن علي ﵁ لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: "يا أخي، إن أباك ﵀ لمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه، فصرف الله ذلك عنه ووليها أبو بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوَّف إليها وصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان. فلما هلك عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرَّد السيف، فطلبها وما صفا له شيء منها. وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا -أهل البيت- النبوة والخلافة، فلأعرفن ربما استخفَّك سفهاء الكوفة فأخرجوك". انتهى. فانظر -رحمك الله- إلى كلام هذا السيد، وما فيه من الرد على هذا المعترض من دعواه النص على عليٍّ ﵁ وغير ذلك من الدعاوى الباطلة يتبين لك مخالفته لأهل البيت، وأن دعواه محبة أهل البيت كذب وافتراء ودعوى لا حقيقة لها.
[كيف كان الصلح بين الحسن ومعاوية]
ومن العجب أن يدَّعي عصمة أهل البيت فيحتج بالأحاديث والآيات على ذلك، وأنهم كسفينة نوح وباب حطة، ثم يخالفهم ويرد كلامهم، ولازم كلامه أن فعل الحسن ﵁ من نزوله عن الخلافة ومصالحته معاوية هو سبب افتراق الأمة وضلالتها، وأن كلام الحسن لأخيه الحسين ﵄ كلام باطل، بل الواجب على الحسين وغيره من المسلمين الخروج على معاوية ﵁ ومقاتلته وانتزاع الخلافة منه، ونحن نقول: بل الحسن مصيب بارٌّ راشد ممدوح، وليس يجد في صدره مما صنع حرجا ولا تلوُّما ولا ندما، بل هو راضٍ بذلك مستبشر به، وإن كان هذا قد ساء خلقا من ذويه وشيعته ولا سيما بعد ذلك بمدد وهلم جرا
стр. 1930
إلى يومنا هذا.
والحق في ذلك اتباع السنة، وقد مدحه جده ﷺ كما ثبت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن الحسن البصري -وكان من سادات التابعين وأفاضلهم- قال: "استقبل الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تُوَلِّي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، مَنْ لي بأمور المسلمين، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه وتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن ﵁: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا له: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: مَنْ لي بهذا، من لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، قال الحسن: فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ والحسن بن علي ﵁ إلى جنبه، وهو ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
[ما فعله الحسن من الصلح مع معاوية مما يحبه الله ورسوله]
ففي هذا الحديث الصحيح أن معاوية ﵁ هو الذي طلب إليه الصلح، والذي ذكره أهل السير والأخبار أن الحسن هو الذي كتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على شروط اشترطها عليه.
وقد أخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة؟ فقال: "قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ﷺ من أهل الحجاز". أو كما قال.